صدق الولاء يشدّني حيث التُّقى ... باسم الحنيفة بالكتاب مذكّرا
من كل معنى للعقيدة قائم ... وبكل حب كان نوراً نيّرا
نوراً ترى فيه إِذا أحببته ... معنى الحياة وعزّها متفجّرا
حبًا لدين الله كان ولم يزل ... مسكاً بأفواه الزمان وعنبرا
* * *
يا حبّنا لك في القلوب مكانة ... تسمو وتعلو كل حب أثّرا
الحبّ أنت فمنك يعلم أمره ... وإِليك يرجع يا حبيبي آخرا
صدق اليقين أمانة لك في دمي ... يأبى لها الإِيمان أن تتغيّرا
لست الذي يرضى الحيانة مذهباً ... ويرى التقلّب في العقيدة متجرا
стр. 72
إِن كنت للرسل الكرام إِمامهم ... فلأنت للدنيا صباح أسفرا
ولأنت للقلب المعنَّى حبه ... أبداً أرى فيك الحبيب الأطهرا
* * *
يا حبّنا لما ذكرتك أشرقت ... روحي فأنظر للبرايا حضّرا
في ساحة الميزان أرقب رحمة ... تسمو فتهدي المخلصين الكوثرا
والنار في غليانها وحريقها ... والظالمون على الصراط تعثّرا
يهوون في نار تذيب جلودهم ... والعقل من هول العذاب تحجّرا
فمضى يولول في الجحيم ونارها ... وهوى يجلجل في الوعيد مكشّرا
مستصرخاً من كل أنّات النوى ... ويكاد يفنيه اللهيب مسعّرا
стр. 73
حتى يذوق الذل في جبروتها ... يهوي هشيماً في الجحيم مبعثرا
يتجرّعون صدديدها وجحيمها ... من كل لون في العذاب مكرّرا
حتى الثياب مقيسة ومحيكة ... كفناً أعدّ من الجحيم محرّرا
يمسي ويصبح بالوعيد مجددا ... يعطى عقاباً بالخطايا مشترى
وهنا ترى اللعنات فيما بينهم ... وترى الحديث ملفّقاً ومزوّرا
وترى التبرؤ والتنصّل شاملاً ... ما كان في الدرج الذوائب والذرا
وهنا ترى تلك الوجوه كئيبة ... وحسيرة تصلى سعيراً ممطرا
ومشاهداً أخرى هنالك غيرها ... حتى ترى فوق العجائب ما ترى
حتى ترى هذا الرجيم إِمامهم ... يلقي بدائرة الملام ومنكرا
стр. 74
وهنا فقط يعظ اللعين موضحاً ... وهنا فقط يعظ اللعين مقرّرا
والكل يرجو أن يفوز بجنة ... والحق يحكم ليس يحكم فجّرا
هلا تبعت إِلى النجاة محمدًا ... حتى تفوز إِلى الجنان وتعبرا
فهو السبيل إِلى الحياة وعزّها ... بل رحمة للعالمين مبشّرا
لا تطفئ الأحقاب من أنواره ... أبداً يساقط عن ضياه الأعصرا
* * *
يا أمة الإسلام قودي للهدى ... كل الخليقة أسوداً أو أحمرا
حتى نرى سِلماً يعود ورحمة ... ونرى الوجود مضمّخاً ومعطّرا
ونرى الشباب تحسنت أخلاقه ... مسكاً بأفواه الزمان وعنبرا
стр. 75
ونرى الظلام تكسرت أمواجه ... والناس قد لزموا الكتاب المبصرا
ونرى حياة الخلق طرًّا حلوة ... لو أنهم تبعوا السراج النيّرا
ونرى بلاد المسلمين تحرّرت ... من كل شيطان أتى مستعمرا
ونرى فلسطين الأبيّة أصبحت ... علماً يرفرف بالسلام ومفخرا
ومآذن القدس الشريفة أذّنت ... والمسجد الأقصى هنالك كبّرا
والنور يسري في ربوع حياتنا ... والأرض تلتحف البساط الأخضرا
ونرى كتاب الله يحكم شرعه ... بين الخلائق قاضياً ومدبّرا
فتهزّنا الأصداء من إِرعاده ... والقلب لمَّا أن جفاه تفطّرا
وتهزّنا الكلمات من آياته ... والروح لمَّا أن هواه تعطّرا
стр. 76
يتدفّق الإِيمان في عبراتنا ... وهنا نرى الوطن الأبيّ تحرّرا
ونرى رسول الله في سنن الهدى ... عادت لتحيي كل شيء أقفرا
والشمس بالتوحيد أشرق نورها ... والخلق هلّل وجههم وتنوّرا
والحبّ والإِيمان جاء لقلبنا ... والنصر للإِسلام جاء معطّرا
والأزهر المعمور بشّر داعياً ... والقيروان أتى يحيي الأزهرا
ومن هنا كان هذا الكتاب معالم ضروريةّ لكل مسلم، وردًّا للشبهات، ودحضاً للمفتريات، في مواجهة ذلك السيل المنهمر من الحقد الدفين عبر التاريخ على محمد خاتم النبيّين ﷺ !
بيّنت فيه ما وفقني الله تعالى إليه من خصائص حياة الرسول ﷺ ، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي، في ضوء القرآن الكريم، والسنة وفق قواعد التحديث رواية ودراية، ومكانة الرسالة والرسول ﷺ ، وحاجة الإنسانيّة إلى اتباعه ﷺ !
стр. 77
واقتضت منهجية البحث أن نقدِّم خصائص السيرة ومصادرها.
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٢٢ من جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ ٢٧ من مايو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقاً
стр. 78
خصائص السيرة
стр. 79
خصائص السيرة
أولاً: أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:
١ - من خصائص الأمة الإسلامية
٢ - الحفظ في الصدور والكتابة في السطور
٣ - قواعد التحديث رواية ودراية
٤ - أربع خصال
ثانياً: الوضوح في جميع المراحل
ثالثاً: المثالية في كل ما يتعلق بها
رابعاً: الشمول والتكامل
خامساً: الدليل العملي على صدق الرسول ﷺ -
стр. 80
خصائص السيرة
ويأتي الحديث عن خصائص السيرة فيما يلي:
أولاً: أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:
لم نعرف على مدى التاريخ البشري كله أمة من أمم الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته (١)، سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرسالة والرسول ﷺ ، ولا بمثل المجموعة الناطقة من الأحاديث النبويّة، وذلك السجل الخالد .. بل على العكس من ذلك، نرى الأمم كلها فقيرة لا تملك مصدراً وحيداً من مصادر البحث عن الأنبياء، ونراها قد انقطع ما بينها وبين أنبيائها، وفقدت الصلة التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل، وتوقفها على شؤون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات، حتى صار كثيرون يتساءلون، بل يشكّون في نبوّة أنبيائهم!
ونحن مع معارضتنا لهذا التطرّف نؤمن بأن حلقات كثيرة مفقودة من حياة أنبيائهم، لا يمكن البحث عنها، والاهتداء إليها!
أما خاتم النبيّين ﷺ فهو الرسول الذي نعرف عنه كل دقيق وجليل، ونعرف عنه من دقائق الأخلاق والصفات، والميول والرغبات، والقول والعمل، ما لا نعرفه عن غيره، بل إن ما عرفناه عن الأنبياء جاء من طريق الوحي الذي أنزله الحق ﵎ على خاتم الرسل صلوات الله
стр. 81
وسلامه عليه وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء أجمعين، كما جاء من حديث الرسول ﷺ .
١ - من خصائص الأمة الإسلاميّة:
وعليه فالحديث النبوي بهذه الصورة هو السجل الخالد، الذي حفظ هذه الحياة المباركة، وهو من خصائص الأمّة الإسلاميّة، وهو الذي يعرّف المسلم بكل ما يتصل بنبيّه وحبيبه، من قول وفعل، وتقرير ووصف، في الحركات والسكنات، ويسعده بصحبته، وكأنه حضر مجلسه، واستمع لحديثه، وقضى معه أسعد مدة من الزمان، ليسمع كلامه، ويشاهد عمله، ويدرس سيرته!
وهو ميزان عادل لحركة هذه الأمّة، والحياة النابضة، والقوى المؤثرة، التي تبعث على الخير والفلاح، والرشد والصلاح!
٢ - الحفظ في الصدور والكتابة في السطور:
ومن رحمة الرحمن الرحيم جلّ شأنه أن كانت هذه الأمة تملك قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ والاستظهار، مما يسّر لها الجمع والاستحضار -كما أسلفنا-، حتى كانت القلوب واعية، والعقول حافظة، ولا غرو فهم قد بهرهم الوحي بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فكان الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور، وكانت الصبغة التي شاء الله أن تكون، وقد تأسوا به في حياتهم، حين علموا أنه روح الحياة!
ومن ثم كانوا أهلاً لتحمل الرواية, وفقه الدراية، حتى فاقوا في ذلك كل الأمم!
стр. 82
وقد وعى الصحابة الكرام ﵃ ما سمعوا، وما شاهدوا، وحرصوا أشدّ الحرص وأبلغه على حفظه ونشره، حرصاً لم يعرف عن أمّة نبيّ من الأنبياء!
وجاء التابعون وتابعوهم بإحسان، فحملوا الراية، وأدّوا الأمانة، وبلّغوا حديث الرسول ﷺ ، وتتابع المسلمون جيلاً بعد جيل يحفظون ويبلغون!
٣ - قواعد التحديت رواية ودراية:
وقد كان لقواعد التحديث روايةً ودرايةً الأثر الفعال في وضع الموازين التي تكفل السلامة للباحثين، وتقيم الحجّة على المفسدين المغالطين، ممن ساءت نواياهم حيال هذا الدّين، فاتهموا هذه القواعد بما لا يقوم على ساق ولا قدم، ولا يستقرّ عند البحث والنظر!
أجل، إن في هذه القواعد التي لا نظير لها عند غير المسلمين فوائد مهمة فريدة، ومباحث جمّة مفيدة، ومعارف رائعة وحيدة، ومعالم عالية عجيبة، وتحقيقات بديعة لطيفة، نفيسة شريفة، لا يستغني عنها من يشتغل بالبحث في العلوم الشرعية، والطرق الحكميّة، والأدلة اليقينيّة!
إنها عصمة من الزلل، ولولاها لقال من شاء في حياة الرسول ﷺ ما شاء، وخبط الناس في ذلك خبط عشواء، وركبوا من عمياء!
إنها مقدمة العلوم الشرعيّة ومفتاحها، ومشكاة الأدلّة اليقينيّة ومصباحها، وعمدة المناهج العلميّة ورأسها!
وليعلم من يريد أن يعلم (١):
стр. 83
من إنسان أسلس للعصبيّة المذهبيّة قياده، حتى ملكت عليه رأيه، وغلبته على أمره، فحادت به عن طريق الهدى، وقذفت به في مهاوي الردى!
أو من إنسان قرأ شيئاً من العلم فداخله الغرور، إذ أعجبته نفسه فتجاوز بها حدّها، وظن أن عقله هو كل شيء في هذا الوجود، وأنه (الحكم الترضى حكومته) فذهب يلعب بأحاديث النبي ﷺ وسيرته، يصحّح منها ما وافق هواه، وإن كان مكذوباً موضوعاً، ويردّ ما لم يعجبه، وإن كان الثابت الصحيح!
أو من إنسان استولى أعداء الحق على عقله وقلبه، فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم، يحسبها نوراً، ثم هو قد سماه أبواه باسم إسلامي، وقد عدّ من المسلمين -أو عليهم- في دفاتر المواليد، وفي سجلات الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي ألبسه جنسيّة، ولم يعتقده ديناً، فتراه يتأوّل النصوص، ليخضعها لما تعلّم من ضلالات أساتذته، ولا يرضى من الأحاديث والسيرة ما يخالف أهواءهم وضلالاتهم!
أو من إنسان مثل سابقه، إلا أنه أراح نفسه، وأراح الناس من التعرّف على هويّته، فاعتنق ما نفث أعداء الحق في روحه من انحرافاتهم وضلالاتهم، ثم هو يأبى أن يعرف الإسلام ديناً ويعترف به، إلا في بعض شأنه في التسمّي بأسماء المسلمين، وفي بعض المظاهر!
أو من إنسان عُلّم في معاهد هؤلاء، فعرف من أنواع العلوم كثيراً، ولكنه لم يعرف عن دينه إلا نزراً أو قشوراً، ثم خدعته مدنيّة هؤلاء عن نفسه، فظنّهم بلغوا من المدنيّة الكمال والفضل، وفي نظريّات العلوم اليقين والبداهة، ثم
стр. 84
استخفّه الغرور فزعم لنفسه أنه أعرف بسيرة الرسول ﷺ ، وأعلم من علماء هذا الدّين وحفظته وخلصائه، فذهب يضرب في الدّين عن هوى مبين، يرجو - في زعمه- أن ينقذه من جمود علمائه وحفظته وخلصائه!
أو من إنسان كشف عن دخيلة نفسه، وأعلن إلحاده في هذا الدّين وعداوته، ممن قال القائل فيهم: كفروا بالله تقليداً!
أو من إنسان .. أو من إنسان!
ليعلم هؤلاء، وليعلم من شاء من غيرهم: أن المحدّثين كانوا محدّثين ملهمين، تحقيقاً لمعجزة سيد المرسلين، وخاتم النبيّين ﷺ ، حين استنبطوا القواعد المحكمة لنقد الأحاديث، ومعرفة الصحاح من الزياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين بل كانوا جادّين على هدى وعلى صراط مستقيم، فكانت تلك القواعد، التي ارتضوها للتوثيق من صحة الأخبار أحكم القواعد وأدقّها, ولو ذهب الباحث المتثبّت يطبّقها على رواية الأحاديث لآتته ثمرتها، ووضعت يده على الخبر اليقين!
٤ - أربع خصال:
والحياة التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في حياتهم، تتوافر فيها أربع خصال (١):
الأولى: أن تكون (تاريخيّة)، أي أن التاريخ الممحّص الصحيح يصدّقها ويشهد لها!
стр. 85
الثانية: أن تكون (جامعة)، أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شمائلها!
الثالثة: أن تكون (كاملة)، أي متسلسلة لا تنقص شيئاً من حلقات الحياة!
الرابعة: أن تكون (عمليّة)، أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية والعائليّة والاجتماعيّة، فأصبحت أعماله مُثلاً عليا للناس، ومن ثم تكون الأسوة!
وكل هذه الأمور موجودة في سيرة محمد الرسول ﷺ ، وليس معنى هذا أن سير الأنبياء قد صفرت من تلك الخصال مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس قد أصابها التحريف، ودخلها التخريف، ومن ثم فهي لا تنصّ على هذه الأمور!
ولعل الحكمة في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم وشعوبهم، فكان الموفّقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم، ومن ثم تكون الأسوة .. ولم تكن هناك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبوات ستختم برسالة خاتم النبيين ﷺ الكاملة إلى الناس كافة، في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر .. فكانت الحاجة ماسة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة على حقيقتها إلى يوم القيامة؛ ليتيسّر التأسّي بها لجميع أمم الأرض، وهذا من أصدق البراهين العملية والسلوكيّة على كون خاتم النبيّين محمد ﷺ لا نبيّ بعده!
ولقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتاً على الأيّام بأن الدّين القيّم لم يقتصر على مجرد حفظ سيرة خاتم النبيّين ﷺ ، بل توسّع في
стр. 86
ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، وصان هذه الأمانة القدسيّة، فلم تقترب منها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب!
والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي ﷺ ، ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها، وهم طبقات معروفة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان .. فلما تمّت هذه الذخيرة التاريخية جمعاً وكتابة وتدويناً، وفق أصول التحديث رواية ودراية، جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرواة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة الذين رووا شيئاً مما يتعلق بحياة الرسول ﷺ ، فكتبوا أسماءهم وكناهم، وأنسابهم، ومنشأهم، وأخلاقهم، وعاداتهم .. وبالجملة شؤون حياتهم، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علماً مستقلاً!
وقد ادّعى الألماني المعروف الدكتور (سبرنكو) أنه أول أوروبّي كتب في سيرة محمد ﷺ ، معتمداً على المصادر العربيّة الأولى، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها، مع أنه في الحقيقة لم يكتب دفاعاً عن صاحب الرسالة ﷺ ، بل كان متحاملاً، إلا أنه قال في مقدمته على كتاب (الإصابة) المطبوع في (كلكتا) ١٨٥٣ - ١٨٦٤ م: (لم تكن فيما مضى أمّة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمّة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر)!
وقد توفّي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان (١)، من رجل وامرأة!
стр. 87
ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي، مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في الكتب التي أفردت للتدوين؛ لأن كل واحد منهم حفظ شيئاً من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وهديه وسيرته!
وبعد وفاة الرسول ﷺ بقي فريق من كبار الصحابة إلى سنة (٤٠ هـ)، وبقي بعد ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثاً في حياة النبي ﷺ عدد غير قليل .. فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ سراج أُوقد بنور النبوّة!
وجاء دور التابعين الذين هم تلاميذ الصحابة، والذين ينزلون المنزلة الثانية بعدهم في تبليغ الدعوة، وحمل الرسالة المحمديّة إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول ﷺ وهديه!
فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (١٣٩) من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة!
وذكر (١٢٩) من الطبقة الثانية الذين أدركوا عامة الصحابة ورووا عنهم!
أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدة من الصحابة، وعدد هؤلاء (٨٧)، فمجموع التابعين (٣٥٥) في مدينة واحدة، وهي مدينة الرسول ﷺ !
فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في المدن الإسلاميّة، التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها .. وهؤلاء لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي ﷺ وهديه وسيرته!
стр. 88
وهنا نبصر اهتمام المؤّرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المرويّة عن الصحابة .. وتلك الروايات الكثيرة التي حفظت لنا سيرة الرسول ﷺ ، مع مراعاة التبليغ إلى الجيل الذي بعدهم كل ما رأوه بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، من أحوال النبي ﷺ وأقواله .. ومن ثم كانوا يعلّمون أولادهم وإخوانهم وأصحابهم وأقرباء هم من الدّين والعلم كل ما كانوا يعلمونه، بحيث كان ذلك هو الشغل الشاغل آناء الليل وأطراف النهار، وفي الغدوّ والآصال!
ونبصر -أيضاً- تعلم النشء الإسلامي الأول حقائق رسالة الإسلام، وتفاصيل حياة الرسول ﷺ ، منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحة للعلم والعمل، ومدارس يتقلّبون في فصولها، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة ﵃ وسدّوا مستدّهم في حفظ هذه الأحاديث، ووعي هذه المرويات التي كانوا يحفظونها كلمة كلمة، ويعيدون رواياتها بألفاظها، دون أن يبدّلوا منها كلمة!
وكما كان رسول الله ﷺ يحرّض أصحابه على أن يبلّغوا عنه، ويفقهوا رسالته، وينصروا دعوته، ويعرّفوا سنته، كان ينهى عن أن يتقوّلوا عليه ما لم يقل، أو ينسبوا إليه ما لم يفعل، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوأ مقعده من النار!
ومن المعلوم أن ذاكرة العرب كانت قويّة -كما عرفنا- وأنهم يحفظون آلافاً من الشعر وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص، ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوّة قوّة وحيويّة، وقد مُرِّن الصحابة والتابعون على حفظ الأحاديث، حتى بلغوا في ذلك شأواً بعيداً،
стр. 89
والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفاً من أحاديث الرسول ﷺ ، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون!
وصدق شبلي نعماني، حيث قال:
(إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول ﷺ بطريقة دقيقة وواعية، لا يصل إلى مستواها تسجيل حياة أي إنسان آخر من قبل، ولا يمكن أن ينتظر من بعد، فمن أجل تسجيل هذه الحياة بأدق تفاصيلها قام علماؤنا بتسجيل أسماء وخصائص نحو ثلاثة عشر ألفاً من الصحابة، وتمّ هذا في وقت كان فجر نظام التأليف!
ولنرجع إلى كتب الطبقات وعلم الرجال، لنرى فيها هذه الصورة الفريدة في التراث الإنساني .. إنه جهد لا نظير له في تاريخ الإنسانيّة من أجل حياة فرد واحد) (١)!
ثانياً: الوضوح في جميع المراحل:
وحياة الرسول ﷺ واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها (٢)، مما يجعل سيرته ﷺ واضحة وضوح الشمس، حتى قال بعض الغربيين: (إن محمداً ﷺ هو الوحيد الذي وُلد على ضوء الشمس)!
وهذا ما لم يتيسّر مثله ولا قريب منه لرسول من رسل الله السابقين .. وما
стр. 90
من حياة أحد يصح أن يكون منها للناس أسوة تتّبع (١)، ومثال يُقتدى به إلا إذا كانت متّصفة بالكمال، ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزّهة عن العيوب والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها، ومتجلّية لهم دخائلها من كل مناحيها، وواضحة كل الوضوح في جميع مراحلها، وحياة الرسول ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم!
وقد سجل التاريخ أن جميع شؤونه وأطوار حياته، من ولادته ورضاعته وطفولته، إلى أن صار يافعاً وشابًّا .. كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم الناس سجاياه في صدقه وفي وفائه للناس قبل النبوة -كما عرفنا- واتصلوا به حين اتخذوه أميناً، وأقاموه حكماً فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه في الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حُبّب إليه الخلاء في (غار حراء)، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود، فأخذ يدعو الناس، ويبلّغ ما أنزل عليه -كما سيأتي- وقد رأى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه!
وهل غاب عن التاريخ ما لقي الرسول ﷺ في نشر الإسلام من جهد وعناء، وما قابله به أهل الطائف، حين سار إليهم يدعوهم إلى عبادة الرحمن؟!
وهل نسي التاريخ كيف أخبر أهل مكة، وهم أقليّة من المسلمين، وأكثريّة ساحقة من المشركين بخبر العروج إلى السماء؟!
ثم هل خفي عن التاريخ أمر هجرته ﷺ ، ومن هاجر، والغزوات التي
стр. 91
غزاها، والأسباب الباعثة عليها، وموقفه من الهدنة إذا هادن، وعهوده إذا عاهد؟! وما صلح الحديبية بسر!
والذين طالعوا كتب السيرة النبوية يعلمون ذلك وغيره، وقد وقفوا على كتبه ﷺ إلى الملوك وغيرهم يدعوهم فيها إلى دين الله، دين السلام والوئام، وعرفوا جهاده ﷺ في سبيل الحق، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، إلى أن أكمل الله للإنسانيّة دينها، وحج ﷺ حجة الوداع، وتوفاه الله إليه!
فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ؟!
وهل فيما يتعلق بحياة الرسول ﷺ ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء؟!
وقد سجلت مصادر السيرة أدق التفاصيل في حياة خاتم النبيّين ﷺ ، كأكله، وقيامه، وقعوده، ولباسه، وشكله، وهيئته، ومنطقه، ومعاملته لأسرته، وتعبّده، وصلاته، ومعاشرته لأصحابه، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته ﷺ !
ثالثاً: المثاليّة في كل ما يتصل بها:
وحياة الرسول ﷺ سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، لم تخرجه عن إنسانيّته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تضف عليه الألوهيّة قليلاً ولا كثيراً، ونحن إذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيّون عن سيرة عيسى ﵇ وما يرويه غيرهم عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليًّا بين سيرته ﷺ وسير هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي، فادعاء النصارى الألوهية لعيسى ﵇ جعله أبعد منالاً من أن يكون قدوة،
стр. 92
نموذجيّة للإنسان في حياته الشخصيّة والاجتماعيّة، بينما نرى محمداً ﷺ المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته وبيئته، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
وهنا نبصر أن هذا (الدّين القيّم) قدّم للناس أعمال خاتم النبيّين ﷺ ، وطلب منهم التأسّي به في سيرته، وجعل الاتّباع لتلك السيرة والتأسّي بصاحبها وسيلة لهم في الحصول على رضا الله ومحبّته .. وسيرة الرسول ﷺ جامعة، تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي تأتسي بها!
ومن الظاهر الواضح أن الناس لا يزالون مختلفين في معايشهم .. ومن ثم كانت حياة خاتم النبيّين ﷺ واضحة مثاليّة كاملة، يجد فيها الناس كلهم على اختلاف طوائفهم -كما سيأتي- المثاليّة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها!
وأعظم من الأسوة (١)، في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب، ومجالات الفكر، ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضى ونسخط، ونفرح ونحزن، وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتّب على هذه الأحوال عواطف مختلفة، ونوازع متعددّة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القويّة والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند
стр. 93
جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها .. ومن ثم لا بد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، حتى يأتمّ به في قهر هذه القوة الثائرة، والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة النفس، ويسلك في ذلك مسلك صاحب السيرة الذي يحمل بين جنبيه قلباً زكيًّا، ونفساً طاهرة، وروحاً عالية نزيهة!
رابعاً: الشمول والتكامل:
وسيرة الرسول ﷺ شاملة لكل النواحي الإنسانيّة في الإنسان (١)، فهي تسجل سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة!
وتسجل سيرة الرسول ﷺ الداعي إلى الله، الملتمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته!
وتسجل سيرته ﷺ كرئيس دولة يضع لها أقوم النظم وأصحّها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح!
وتسجل سيرة الرسول ﷺ الزوج والأب في حنوّ العاطفة، وحسن المعاملة، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد!
وتسجل سيرة الرسول ﷺ المربّي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثاليّة ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم، ومن نفسه إلى نفوسهم، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به ﷺ في دقيق الأمور وكبيرها!
وتسجل سيرة الرسول ﷺ الذي يقوم بواجبات الصحبة، ويفي بالتزاماتها
стр. 94
وآدابها، مما يجعل أصحابه ﵃ يحبّونه أكثر من حبّهم لأنفسهم ومن حبّهم لأهليهم وأقربائهم!
وتسجل سيرة الرسول ﷺ القائد الشجاع، والمحارب المنتصر، والسياسي الناجح، والجار الأمين, والمعاهد الصادق!
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا هذا التكامل، ولا قريباً منهما، فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، عليهم صلوات الله وتسليماته!
فموسى ﵇ لا نجد في أسفار التوراة الخمسة (١)، إلا أنه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه، ثم خرج إلى مدين وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع إلى مصر، وبينما هو في الطريق أُوحي إليه من ربه، ثم لقي فرعون وأراه آيات بينات، وخرج بقومه، ووجد في البحر طريقاً بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق، ودخل بقومه أرض الشام، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات: ٥٤: ٥ - ١٠.
(إِن عبد الله موسى مات بإِذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إِلى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة حين جاءه الموت .. ولم يقم بعد نبي في بني إِسرائيل مثل موسى)!
هذه الكلمات من سفر التثنية، وهو السفر الخامس من التوراة، ولا يخفى أن تلك الكلمات لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدل على أن هذا الكلام ليس لموسى، وأن الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى!
стр. 95
ومما يلفت النظر قول القائل:
(ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم)!
وقوله: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى)!
وفي هذا دلالة على أن هذا الجزء قد أضيف إلى سيرة موسى بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في بني إسرائيل نبي يسد فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله!
ومع هذا العمر الطويل نتساءل:
ما الذي نعرفه عن حياة موسى الطويلة؟ وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة؟ وما النواحي التي نعلمها واضحة مفصلة من سيرته، مما كان ينبغي أن يعلم، لتحسن به الأسوة؟
إن الأمور التي يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعيّة هي الأخلاق والعادات والهدي، وكل ذلك لا نجده في سيرته، ومع ذلك فموسى ﵇ يمثل القائد الذي أنقذ أمته من العبوديّة، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها في عصر رسالته وكفى، ولكننا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو السياسيّين، أو رؤساء الدول، مثلاً!
ويستغرب المرء حين يعلم أن شؤون حياة عيسى ﵇ وأحوال معيشته، أخفى من غيره وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجاباً أكثف مما نراه في حياة غيره من الرسل!
وإن أوروبّا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف عن أن تستثير بطون الصحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصخور، والأطلال الدارسة، ومظان
стр. 96
الآثار، ومجالات الحوادث التي مرت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل وآشور وغيرهما، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيّة، منسقة مرتبطاً بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر!
إلا أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيّهم!
وقد استفرغ (ريتان) جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغاً عظيماً، ليقف على حياة عيسى كاملة تامة، ومع ذلك فإن شؤون عيسى ﵇ وأحواله لا تزال سراً مكنوناً في ضمير الزمن، لم يبح به لسانه بعد!
إن عيسى ﵇ عاش في هذه الدنيا ثلاثاً وثلاثين سنة، كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة الآن -على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب!
ونتساءل: أين قضى ﵇ الثلاث أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأي الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إن الدنيا لا تعلم عن ذلك شيئاً، ولن تعلم!
وإن السنوات الثلاث الأخيرة التي ذكرت أحواله ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات وبعض العظات!
ومن الشروط الضروريّة التي لا بد منها لكل من يرجى أن تكون سيرته وهدايته أسوة للبشر، الشمول والتكامل -كما أسلفنا- والمراد أن الطوائف البشريّة المتفرقة، والطبقات البشريّة المختلفة تحتاج إلى أمثلة كثيرة متنوعة، تتخذها منهاجاً لحياتها الاجتماعيّة!
стр. 97
وكذلك الأفراد في المجتمع البشري هم في حاجة إلى مُثل عليا، يقتدون بها في مناحي حياتهم البيئيّة، لتتوثق الروابط بين الأفراد وتحسن العلاقات بين شتى الطوائف، في داخل الأسرة وخارجها, ولذلك يجب أن تكون تلك المُثل واضحة في جميع مراحل الحياة، ومثاليّة كاملة!
ومن ثم نجد عيسى ﵇ يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالاً، ولا داراً، ولا متاعاً، ونجده في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيّن لا يمثل القائد المحارب، ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج، ولا غير ذلك مما تمثله سيرة خاتم النبيّين ﷺ من الشمول والتكامل!
خامساً: الدليل العملي على صدق الرسول ﷺ -:
وسيرة محمد خاتم النبيّين ﷺ تعطينا الدليل العملي الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوَّته (١)، فهي سيرة إنسان سار بدعوته من نصر إلى نصر، على طريق طبيعي بحت، فقد دعا فأوذي، وبلّغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيماً موفّقاً في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربيّة، عن طريق الإيمان, لا عن طريق القهر والغلبة!
وقد عرف ما كان عليه العرب من عادات، وعقائد، وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة، حتى تدبير اغتياله ﷺ !
ومَنْ عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها!
ومَنْ عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث
стр. 98
وعشرون سنة، أيقن أن محمداً ﷺ ، رسول الله حقًّا، وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة وتأييد ونصر، ليس إلا لأنه نبيّ حقًّا .. وما كان الله يؤيّد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ, فسيرة الرسول ﷺ تثبت لنا صدق رسالته بطريق عقلي بحت، وبطريق عملي بحت، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي ﷺ ، ولم يشاهدوا معجزاته، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة القاطعة على صدق الرسول ﷺ .. والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق الرسول ﷺ في رسالته!
وهذا يختلف تماماً عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق، دون أن يحكّموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لهم!
وأوضح مثل لذلك عيسى ﵇ فإن القرآن الكريم بيّن الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته، وهي أن كل خارقة من الخوارق التي جاءهم بها من عند الله (١) هي في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردّها أو ردِّ العافية، وهي فرع عن الحياة، ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية .. والأناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سبباً في إيمان الجماهير دفعة واحدة له، لا على أنه رسول، بل على أنه إله أو ابن إله، وحاشا لله!
ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول ﷺ ، أنه من آمن به آمن عن اقتناع عقلي ووجداني، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة فما ذلك إلا لإكرامه له، وإفحام معانديه المكابرين!
стр. 99
ومن تتبّع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول ﷺ ، من أميّة تجعل إتيانه بالقرآن دليلاً على صدق رسالته، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]!
يعنون بذلك الخوارق الماديّة التي صاحبت الرسالات (١) من قبل في طفولة البشريّة، والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي شاهدها .. بينما الرسالة الأخيرة تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
ومن ثم جاءت الآيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال، والذي هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم، يحسّونها خوارق معجزة كلما تدبروه، كما أحسّوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب!
وإنه للبطر بنعمة الله ورعايته التي قبل عن الشكر والتقدير!
أو لم يكفهم أن يعيشوا مع الحق بهذا القرآن الكريم!
وهو يتنزّل عليهم، ويحدثهم بما في نفوسهم، ويكشف لهم عما حولهم، ويشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه مَعْني بهم، يحدّثهم بأمرهم، ويقصّ عليهم القصص ويعلّمهم .. وهم هذا الخلَق الصغير الضئيل التائه في ملكوت
стр. 100
الله الكبير .. هم وأرضهم وشمسهم التي تدور عليها أرضهم .. ذرات تائهة في هذا الفضاء الهائل لا يمسكهن إلا الله، والله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل كلماته تتلى عليهم، ثم هم لا يكتفون؟!
والذين يؤمنون هم الذي يجدون مسّ هذه الرحمة في نفوسهم .. وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم مننه على البشريّة بهذا التنزيل .. ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إليه، وهو العلي الكبير، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن الكريم؛ لأنه يحيى في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه، ويمنحهم ذخائره، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور!
تلك إشارات إلى أهم خصائص السيرة النبويّة!
стр. 101
مصادر السيرة
стр. 102
مصادر السيرة
أولاً: القرآن الكريم
ثانيًا: السنة النبويّة
ثالثاً: كتب المغازي والسير:
١ - عروة بن الزبير بن العوام
٢ - أبان بن عثمان بن عفان
٣ - ابن شهاب الزهري
٤ - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري
٥ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري
٦ - موسى بن عقبة
٧ - محمد بن إسحاق
٨ - محمد بن عمر الواقدي
٩ - عبد الملك بن هشام
١٠ - محمد بن سعد
١١ - جوامع السيرة لابن حزم
١٢ - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر
١٣ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس
١٤ - زاد المعاد في هدي خير العاد لابن قيّم الجوزية
١٥ - الفصول في سيرة الرسول ﷺ لابن كثير
١٦ - المواهب الدنيّة بالمنح المحمدية
رابعاً: دلائل النبوة:
١ - كتب السنة
٢ - دلائل النبوّة لأبي نعيم
٣ - أعلام النبوّة للماوردي
٤ - دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي
٥ - دلائل النبوّة للأصبهاني
خامساً: كتب الشمائل:
١ - الشمائل للترمذي
٢ - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي
٣ - شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه لابن كثير
سادساً: كتب جمعت بين التاريخ والسيرة:
١ - تاريخ الأمم والملوك للطبري
٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبويّة) للذهبي
٣ - البداية والنهاية لابن كثير
سابعاً: أخبار مكة والمدينة والشعر
стр. 103
مصادر والسيرة
ويأتي الحديث عن مصادر السيرة النبويّة فيما يلي:
أولاً: القرآن الكريم:
سبق أن عرفنا مكانة النبوّة والأنبياء في القرآن الكريم .. وأنه قلما يجد الباحث سورة من سور القرآن في طِوَله لا يجد فيها ذكراً للنبوّة والأنبياء .. وحسبنا أن نقرأ أول ما نزل من القرآنَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]!
ونقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر]!
ونقرأ قوله جل شأنه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى]!
وهنا نبصر تذكيراً للرسول ﷺ ، وما كان من شأن ربّه معه منذ أول الطريق (١)، ليستحضر في خاطره جميل صنع ربّه معه، وموّدته له، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والودّ، والإيناس الإلهي، وهو متاع
стр. 104
فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾!
انظر في واقع حالك وماضي حياتك .. هل ودعك ربك وهل قلاك حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟ ألم تحط يتمك رعايته؟ ألم تدرك حيرتك هدايته؟ ألم يغمر فقرك عطاؤه؟
لقد ولدت يتيماً فآواك إليه، وعطَّف عليك القلوب، حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك!
ولقد كنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة، عن أن تحسّ الفقر، أو تتطلّع إلى ما حولك من ثراء!
ثم لقد نشأت في عصر جاهليّة مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها, ولكنك لم تجد طريقاً واضحاً مطمئناً، فيما عند الجاهليّة، ولا فيما عند أتباع موسى، وأتباع عيسى، فقد حرّفوا وبدّلوا، وانحرفوا وتاهوا، ثم هداك الله بالأمر الذي أوحي به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به!
والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنّة "الكبرى" التي لا تعدلها منّة، وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق، ومن التعب الذي لا يعدله تعب!
ونقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء]!
стр. 105
ونقرأ قوله جل شأنه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [الحجر]!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الآيات التي تحدثت عما لقيه الرسول ﷺ من أذى وعنت في سبيل دعوته، وما كان المشركون ينعتونه به صدًّا عن دين الله ، وما ذكر من أمر الهجرة، وأهم المعارك التي خاضها!
كل هذا -كما سيأتي- نراه مذكوراً في القرآن الكريم ببيان واضح، وأسلوب معجز رائق!
ثانياً: السنة النبويّة:
والمصدر الثاني هو السنة النبويّة التي جمعت أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلقية، انطلاقاً من أن السيرة -كما أسلفنا- يراد بها التعرف على حياة النبي ﷺ ، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت لرسالته .. حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وانطلاقاً -كذلك- من أنها جزء من الحديث (١)!
ومن ثم شغلت السيرة النبويّة جزءاً غير قليل من الأحاديث (٢)، والذين ألفوا في السنة لم تخل كتبهم غالباً من ذكر ما يتعلق بحياة الرسول ﷺ ومغازيه، وخصائصه، ومناقبه، ومناقب صحابته .. وقد استمر هذا المنهج حتى بعد انفصال السيرة عن الحديث في التأليف، وجعلها علماً مستقلاً!
وموطأ الإِمام مالك المتوفى (١٧٩ هـ) لم يخل من ذكر جملة من
стр. 106
الأحاديث، فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ ، وأوصافه، وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد!
وصحيح الإِمام البخاري (١) المتوفى (٢٥٦ هـ) فيه بعض ما يتعلق بحياة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها، كما ذكر كتاب (المغازي) وما يتعلق بخصائصه ﷺ وفضائله، وفضائل الصحابة ﵃ ومناقبهم، وذلك كله لا يقل عن عشر الكتاب!
وصحيح الإِمام مسلم (٢) المتوفى (٢٦١ هـ) اشتمل على جزء كبير من سيرة النبي ﷺ وفضائله، وفضائل أصحابه، والجهاد والسير!
ومسند الإِمام أحمد المتوفى (٢٤١ هـ) اشتمل على أحاديث كثيرة في ذلك، وقد جمع الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ﵀ الشهير
стр. 107
بالساعاتي، في كتابه (الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) ما يتعلق بالجهاد، والسير، والمناقب، في أجزاء كبيرة (١)!
وأبو د اود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم .. لم تخل كتبهم من الجهاد، وطرف مما يتعلق بالسيرة .. وهكذا!
ثالثاً: كتب المغازي والسير:
وقد ألفت كتب خاصة في المغازي والسير، على سبيل الاستقلال في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وأول من عرف بالمغازي والسير جماعة .. منهم:
١ - عروة بن الزبير بن العوام:
أبوه الزبير حواري رسول الله ﷺ ، وأمه أسماء بنت الصديق التي شهدت الكثير من أحداث السيرة، وكان لها عمل مشهور مذكور في الهجرة، وكان عروة كثير الحديث، وقد خرّج له أصحاب الصحاح وغيرهم، ويعدّ أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد جمع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي مرويّات عروة بن الزبير من رواية أبي الأسود عن عروة فقط، ونشرت من قبَل مكتب التربية العربي لدول الخليج (٢)، توفي (٩٢ هـ) وقيل (٩٣ هـ) وقيلَ (٩٥ هـ)!
стр. 108
٢ - أبان بن عثمان بن عفان:
ابن الخليفة الثالث ﵁ كان والياً على المدينة لعبد الملك ابن مروان سبع سنين، وعُرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جُمعت لم تكن إلا صحفاً فيها أحاديث عن حياة رسول الله ﷺ وأيامه ومغازيه!
ونقل ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن أنه خرج إلى الشام غير مرة غازياً، وكان في جيش مسلمة الذي احتبس بأرض الروم، حتى أقفلهم عمر ابن عبد العزيز وذهبت عينه، ثم رجع إلى المدينة فمات بها، وأوصى أن يُدفن بـ (أُحد) مع الشهداء فلم يفعل أهله، ودُفن بـ (البقيع)، وقد رُوي عنه، وكان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله ﷺ ، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيراً ما تقرأ عليه، ويأمرنا بتعليمها (١)، وتذكر رواية أخرى أنه كتاب كبير، يبرز فضائل الأنصار (٢)، توفي (١٠٥ هـ)!
٣ - ابن شهاب الزهري:
محمد بن مسلم بن عبيد الله شهاب (الزهري) عالم الحجاز والشام، أجمع العلماء على جلالته، أخرج له أصحاب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وهو من أوائل من دوّنوا الحديث بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز المتوفى (١٠١ هـ) بل قيل: إنه أول من دوّن الحديث مطلقاً، وقيل: إنه أول من دوّن في
стр. 109
السيرة، وسيرته أول سيرة ألفت في الإسلام (١)، وهي من أوثق السير وأصحها (٢)، ويعتمد عليه ابن إسحاق كثيراً في السيرة، توفي (١٢٤ هـ) وقيل (١٢٥ هـ)!
ثم جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى .. من مشاهيرهم:
٤ - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري:
كان جده قتادة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد روى عمر المغازي والأخبار عن أبيه، ورواها عن عمر ابنه عاصم، قال فيه ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، ويحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل (٣)، وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن إسحاق، والواقدي، توفي (١٢٠ هـ)، وقيل (١٢٩ هـ)!
٥ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري:
جده الأعلى عمرو صحابي، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، ليفقّههم في الدّين، ويعلّمهم القرآن والسنة، وجده محمد، قيل: له رؤية، مات يوم الحرّة، وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة، وواليها، وهو أول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز أو من أوائلهم، فقد نشأ إذن في بيت علم ورواية, وقد نقلت
стр. 110
عن عبد الله أخبار كثيرة، ذكرها ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري (١)، توفي (١٣٥ هـ)!
ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي الأول .. من أشهرهم:
٦ - موسى بن عقبة:
مولى الزبيريّين، والظاهر أنه استفاد من هذه الصلة، قال فيه الإِمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فهي أصح المغازي!
وقال الذهبي: وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح ومرسل جيد، ولكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة (٢)!
وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة، وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ينقل عنه ابن سعد، والطبري بعض أخبار السيرة (٣)، وكانت وفاته (١٤١ هـ)!
٧ - محمد بن إسحاق:
من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي (عين التمر) سباه خالد ابن الوليد وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل