أما إذا لم يكن هنالك باعث صحيح من هذه البواعث وأمثالها، فإن الإسرار بها أكمل وأفضل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١﴾ (البقرة)!
بواعث البرّ والإحسان:
وهل وقفت وصايا البّر عند هذا الحد؟!
هل ينال بالصدقة رضوان الله كاملاً، متى استكملت هذه العناصر فحسب؟!
كلا، لقد بقي عنصر أنفس وأقدس من تلك العناصر كلها!
عنصر لو سلم لها من أول الأمر لسلمت سائر العناصر، ولو بطل أو فسد لحبطت سائر العناصر!
عنصر لا يتصل بمنبع العطاء، ولا بأحقيّته، ولا بمقدار أسلوبه!
عنصر ليس ماديًّا، ولا اجتماعيًّا، ولكنه معنوي نفساني، يسكن في أعماق صدورنا، يدفعنا إلى العدل، وتتحرّك همّتنا إليه، ذلك هو عنصر الباعث أو النيّة، الذي تتحدّد فيه غايات الأعمال ومقاصدها، والذي يدور على ميزان القيم في نظر الخلق والدّين:
يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله لا ينظر إِلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم " (١)!
стр. 807
نعم، إنك لترى العمل، فتراه في ذاته عملاً مبروراً، فإذا اطلعت على مقاصده وبواعثه، وجدته قد انقلب إثماً وفجوراً، أو قد تحوّل شغلاً دنيويًّا مباحاً، لا برّ فيه ولا فجور!
من أجل ذلك كان حقًّا على المؤمن -قبل الإقدام على عمل ما- أن يلقي على نفسه هذا السؤال، وأن يلحّ على نفسه في طلب الردّ عليه:
ماذا تبتغين أيّتها النفس من هذا العمل؟!
فإذا ظفر منها بإجابة صحيحة صريحة، غير مخدوعة ولا خادعة، فليعرض هذه الإجابة على مرآة القرآن، وليختبرها بالمعايير التي وضعها القرآن، ليستبين بذلك قيمة عمله، بل ليستبين درجة ايمانه، بل لينكشف له جوهر نفسه، ومعدن روحه، فيعلم:
هل علوّية ربّانيّة هي، أم شيطانيّة ماردة، أم طينيّة باردة؟!
ولعله ليست هناك قضيّة عني القرآن بتحليل بواعثها، وتحديد قيمها، على ضوء تلك البواعث، أشدّ من عنايته بقضيّة البذل والإنفاق، وترتيب منازلها، برّها وفاجرها وما بين ذلك!
والتاريخ القديم والحديث للبشريّة مشحون بالمثل والصور التي ينطبق عليها حكم القرآن: هذا رجل من الناس يغمرك بكرمه، لتسكن إليه وتأمن قائلته، يبدي لك الخير والبرّ، ولكنه يضمر المكر والغدر!
حذار حذار! إنه يسمنك ليأكلك، ويستدرجك ليقتلك، كمثل اليهود، حين دعوا رسول الله ﷺ إلى طعامهم، وقد دسّوا له السم في اللحم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ (آل عمران)!
стр. 808
وهذا رجل آخر، يمنحك من فضله ونواله، لا ليكرمك، ولكن ليستعبدك ويستخدمك!
يحاول أن يشتري ضميرك وذمتك، أو لسانك وقلمك، أو يدك وساعدك .. فإن لم يكن يريد أن يضربك؛ فإنه يضرب بك، لا ليضرب بك عند الباطل، وينصر بك كلمة الحق، ولكن ليحارب بك الله ورسوله، ويصدّ بك عن سبيله، فتلك هي النفوس الشيطانيّة، التي وصف الله لنا أمثالها في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال)!
وطائفة من الناس تراها تنفق عن سعة، وتبذل عن سخاء، ولا تبتغي بأموالها شراً، ولا تضمر لأحد غدرًا؛ ولكنها تخضع لشهوة خفيّة من حبّ الظهور، وطلب السمعة المحبّبة عند الآخرين، فذلك هو الرياء الذي وصفه الله لنا في كتابه المجيد، كيف يحبط الصدقات، كما تهلك النار الزروع والثمار: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ (البقرة)!
وطائفة أخرى تجعل مبرّاتها مقايضة ومبادلة، تسدّ بها ديناً سابقاً من الجميل والمعروف، أو تفتح بها ديناً جديداً، تتقاضى فيه مكافأة، الحسنة بمثلها أو بأحسن منها .. !
стр. 809
هؤلاء وهؤلاء تجّار يستوفون أجورهم في هذه العاجلة، ولا يبقى لهم منها رصيد، في الآجلة!
وتلك هي النفوس الأرضيّة الطينيّة!
ألا ترى القرآن الحكيم حين وعد الله المتقين الوعد الجميل، اشترط أن تتجرّد صدقاتهم من هذه المبادلات والمعاوضات السابقة واللاحقة؟ هكذا يقول جل شأنه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (الليل)!
ويقول: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ (الإنسان)!
أما النيَّة المثاليّة في الصدقات، فهي النيّة النقيّة المصفّاة من كل عوض، المتنزّهة عن كل غرض، وإنما يقصد بها وجه الله تعالى خالصاً، وتلك هي النفوس العلويّة الربانيّة، التي وصفها القرآن في غير ما آية:
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢)!
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١١٤)!
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ (الليل)!
طهارة القلوب من الغلّ والحسد:
وهكذا كانت أول حملة تطهيريّة أعلنها القرآن الحكيم في مكّة -بعد حملته على الشرك والوثنيّة- حملته على ذلك الداء الاجتماعي الوبيل، داء تكديس الأموال وتجميعها، وحبسها من الانتفاع بها في وجوهها المختلفة، لخدمة الفرد والجماعة!
стр. 810
عشرات من السور المكّيّة، كان من أوائل أهدافها تليين تلك القلوب المتحجّرة، وحلّ تلك الأنامل المعقودة، تطهيراً لها من وصمة الشح والبخل، وتحلية لها بحلية السخاء والبذل!
ثم لم يقصر القرآن دعوته على واجدي المال، مناشداً إيَّاهم أن يبذلوه، ولكنه دعا كذلك فاقدي المال، أن يجدّوا ليكتسبوه ويبذلوه!
وبعد أن رأينا القرآن يضع أساس فريضة الكسب، وأساس فريضة البذل، رأيناه يرسم لكلتا الفريضتن آدابها ومناهجها، من حيث الوسائل والمقاصد، ومن حيث المصادر والموارد، ومن حيث المقادير والمعايير!
هذه الحملة الواسعة المنظمة، في مكافحة مرض الحرص والبخل، إنما كان هدفها ذلك النوع الذي يعرفه الناس باسمه، وهو ضنّ الإنسان الواجد بشيئه الذي في يده!
غير أن هناك نوعاً آخر، لا يعرفه الناس باسم البخل، وهو مع ذلك شر أنواع البخل، وأذلّ ضروب الحرص، وهو مرض يصاب به الغنيّ والفقير، والواجد والمحروم على السواء، ذلك هو ضنّ الإنسان بشيء غيره، وبما ليس في يده!
ماذا نقول؟!
هل يتصوّر في العقل أن أحداً يضنّ بشيء غيره، وبما ليس في يده؟!
نعم! وهل الحقد والحسد إلا ذلك؟!
فالحسود لا يبخل على محسوده بما عنده فحسب، بل يكره أن تصل نعمة الله إليه، ولا يرضى أن ينزل الله من فضله عليه!
стр. 811
إنه عدوّ نعمة الله ورحمته، لو استطاع أن يمنعها عن الغير لمنعها, ولو رآها وصلت إليه لتمنّى زوالها، وسعى سعيه لتحويلها!
هذه النفوس الشحيحة الطبع، لو وكلت على خزائن الله؛ لأغلقت أبوابها دون خلق الله، أو لحوّلت قليلاً منها إلى من تشاء، وصرفته عمن تشاء!
هكذا وصفها الله في كتابه الحكيم: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ (الإسراء)!
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ (الزخرف: ٣٢)!
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: ٧١)!
الحسود إذن ساخط على قضاء الله وقدره، غير راض عن حكمته في قسمته، وهذا أول باب من الكفر والمعصية ظهر في السماء، وأول باب من الكفر والمعصية ظهر في الأرض، حسد إبليس آدم، فأبى أن يسجد له، ثم حسد ابن آدم أخاه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ (المائدة)!
مثل الحاسدين أمام قافلة المقادير، كمثل الكلاب تنبح والقافلة تسير!
من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وقدر الله نافذ على الحالين، لن يرد حسن الحاسدين منه شيئاً، ولن يحول مجراه قيد أنملة!
الحسد إذن محاولة عابثة فاشلة، بل نقول: إنه حركة يائسة، ورمية طائشة،
стр. 812
تفضي إلى عكس مقصودها، ويرجع سهمها إلى نحو راميها، ذلك أنه لا يشفي غلة صاحبه، بل يزيد غلته، ويضاعف كمده وحسرته!
انظر إلى الحسود وهو يشعل نار الحسد، يحسب أنه يحرق بها غيره، وهو بها يحترق، ثم استمع إلى حركات أنفاسه، وهو يتابعها، يظن أنه ينفس بها عن صدره، وهو في الحقيقة يختنق!
ألا إن ذلك هو الانتحار البطيء!
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ (الحج)!
كلا، لن يذهب ما يغيظ، ولكنه يذهب نفسه، ويضحي بحياته:
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ (آل عمران)!
وترى الحاسدين في الناس رجلين، أحدهما أقل إجراماً، وأيسر علاجاً من صاحبه: رجل يريد أن يسلبك نعمة هو فاقدها، لتتحوّل هذه النعمة عنك إليه!
ورجل يريد أن يسلبك هذه النعمة، ولو كان عنده مثلها أو أضعافها, ولم يتحوّل إليه أوفى نصيب منها!
أما الفئة الأولى، فإن مطلبها الأعظم هو خير نفسها, ولكنها أخطأت السبيل، فالتمسته من طريق حرمان غيرها، حسنت مقصداً، وساءت وسيلةً!
وأما الفئة الأخرى فقد جمعت بين الرذيلتين: إنها تطلب الشر للغير، ولو لم يصل إليها منه خير، إنها تبغي الشر للشر، قبحت مقصداً، وساءت سبيلاً!
كيف نطهّر النفوس من هذا المرض بنوعيه؟!
стр. 813
هلم بنا إلى منهل القرآن الحكيم، نغترف منه مادة التطهير!
ولنبدأ بالنفوس التي هي أقبل للدواء، وأدنى إلى الشفاء، تلك النفوس المتعطشة إلى رزقها, ولكنها في طلبها لهذا الرزق، كانت ضيّقة الأفق، قصيرة النظر، قليلة التبصّر والحذر، فأخذت تقتحم الأسوار الممنوعة، وترتع في الحمى المحرم، تزاحم أرباب الحمى بمناكبها، وتدوسهم بأقدامها، تريد أن تطردهم من دارهم، وأن تأخذ هي مكانهم!
فلنسمع إلى صوت الهدى، وهو يناشدها ليردّها إلى الطريق السوي:
أيتها النفوس الشرود!!
لفتة يسيرة، ترى أنك تقحّمت المضيق، وتنكّبت الطريق، تاركة وراءك الآفاق الفساح، والرزق الهنيء المباح!
أحسبت أن رزق الله قد ضاق حدوده، وانحصرت موارده في هذا الذي بأيدي الناس؟!
كلا، إن أرض الله واسعة، فاسلكي سبلها ذللاً، وإن سماء الله أوسع، فأوسعيها رجاءً وأملاً!
أيها الناس: لقد أبدلكم الله بهذا الطريق الضيّق الموحش، طريقين اثنين واسعين آمنين!
دعوا إذن هذا التشهّي والتمنّي لما في أيدي الخلق!
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾!
ولكن دونكم ميدان الكسب والعمل، ففيه متسع للسالكين!
стр. 814
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن ...﴾!
ثم دونكم قبلة الرجاء والأمل، ففيهما متسع للسائلين: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)!
طهارة القلوب المنحرفة:
للناس قلوب .. وقلوب .. قلوب مؤتفكة منقلبة .. وقلوب منحرفة كثيراً .. وقلوب منحرفة يسيراً!
قلوب مؤتفكة منقلبة: تطلب الشرّ للغير، ولو لم ينلها منه خير .. إنها تحبَّ الشرّ للشرّ!
وقلوب منحرفة كثيراً: تبتغي لنفسها الخير، ولو من طريق حرمان الغير، فالغاية عندها تبرر كل وسيلة!
وقلوب منحرفة يسيراً: تحبّ لنفسها الخير مع الغير، ولكنها تحطّ جل نظرها عند الخير الأدنى، ولا تتسامى به إلى الخير الأعلى!
هاهنا إذن أزواج ثلاثة، في حاجة إلى الطبِّ والعلاج!
ومن اتخذ القرآن الحكيم إماماً وهادياً، فسوف يجد فيه الطبيب الذي يشخص الداء، والصيدلاني الذي يحضر له الدواء، من كل ما يشكو أو يحاذر!
فأما القلوب المؤتفكة المنقلبة، فتلك هي القلوب المظلمة القاتمة، المنطوية على بغض الخلق، وكراهية الخير لهم، تلك التي لا يعنيها نفع ذاتها، بقدر ما يعنيها ضرر غيرها .. راحتها وهناءتها في أن ترى نعمةً عنك مزالةً، أو محنةً إليك مجلوبةً، أو خيرًا عنك ممنوعاً، أو مصاباً بك نازلاً .. وغيظها وشجوها في
стр. 815
أن يصادفك حظ، أو يحالفك توفيق، أو ييسّر لك أمر، أو يرتفع لك ذكر، أو يساق إليك رزق، أو يجري على يديك نفع!
إن مرض هذه القلوب ليس هو الحسد فحسب، ولكنه مرض مركب، وما الحسد إلا إحدى شعبتيه، حسد في السراء، وشماتة في الضراء، فأصحابه أبداً في همّ، مقيم ملازم، تسوؤهم مسرّتك، وتسرّهم مساءتك، إنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (آل عمران: ١٢٠)!
إن مرضهم ليس هو الحسد، ولكنه أصل الحسد ومنبته، إنه الغلّ والحقد والضغينة، والغلّ والحقد والضغينة أسماء مترادفة أو تكاد لتلك العداوة الكمينة، التي يمسكها صاحبها في صدره، ويتربّص بها الفرص المواتية، لتنفث سمومها، وترمى سِهامُها!
هل من شأن المؤمن أن يحتفظ بهذا الضغن لأخيه المؤمن؟!
أليس المؤمنون كما وصفهم الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩)!
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤)!
وهل من شأن الإنسان أن يحتفظ بهذا الضغن لأخيه الإنسان؟!
كل بشر يحبّ ويكره، ويرضى ويغضب، ويوالي ويعادي، ولكن العاقل لا يوالي أحدًا جملةً، ولا يُعادي أحدًا جملةً، إنه يحبّ منه شيئاً ويكره شيئاً، يرضى منك عن خُلق ويسخط خُلقاً، يؤيّدك في رأي ويخالفك في رأي غيره، يحبّذ منك قولاً أو فعلاً، وينقم منك قولاً أو فعلاً آخر!
стр. 816
والعاقل يحبّ حبيبه هوناً ما، عسى أن يكون بغيضه يوماً ما، ويبغض بغيضه هوناً ما، عسى أن يكون حبيبه يوماً ما. فكما يجب علينا فيمن نحبّ ألّا نقلب عيوبهم محاسن، حتى نعدّهم خيراً خالصاً، كذلك يجب علينا فيمن لا نحبّ ألا نقلب محاسنهم عيوباً، حتى نتخذهم عدواً خالصًا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨)!
لو كان في العالم مخلوق هو شرّ كله لكي يُعادَى، كان ذلك إبليس وحده، على أن إبليس قد يصدق وهو كذوب (١)!
فلو عادينا من أعماله شيئاً لعادينا صدقه لو صدق؛ لأنه ليس بصديق لنا!
ألا وإن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدها!
ألا وإن العاقل حليف الحق، ينصر عليه، ويساعد صاحبه، أنّى كان!
هكذا يجب أن نتبيّن مواقع حبّنا وبغضنا في شأن معاملة أعدائنا، فما الظن بأوليائنا؟!
عجباً، كيف يحمل المؤمن لأخيه ضغناً وحقداً، ويبيت له السوء، ويصرّ عليه، ويتربّص به الدوائر، ويبتهج بوصول الشرّ إليه؟!
فكأنه يأنس بخذلان أخيه، ووصول النقمة إليه، ولا يراعي الصالح، ولا يذكر أخوّة الإيمان, التي يشير إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)!
بل لا يذكر الأخوّة الإنسانيّة، التي ذكرها الله في كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (الأعراف: ١٨٩)!
стр. 817
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء)!
ألا من أحسّ في صدره بشيء من الضغينة لأخيه المسلم، بغير جناية، أو لخلّة يسيرة بدرت منه قهراً، ثم تاب عنها وأناب، فليبادر إلى معاملة نفسه بتوجيهات القرآن الكريم، وبهدي محمد ﷺ ، فإن استعصى عليه الأمر، ولم تنجح فيه تلك المجاهدات النفسيّة، فليتوجّه إلى الله بقلبه ضارعاً وسائلاً إيّاه -جلّت قدرته- بأن يحول حاله إلى أحسن منها، فهو الذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان!
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر)!
طهارة القلوب من الشرّ والآنانية:
وإذا كنا قد عشنا في رحاب الآيتين الكريمتين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر)!
فإننا عرفنا الجانب المثالي، جانب العزيمة والتجرّد الخالص، وبقي الجانب العملي، جانب الرخصة والاستثناء!
وعرفنا أن الحقد هو جريمة القلوب المنقلبة، والنفوس المتنمّرة، التي تنطوي على العداوة والبغضاء، تمسكها وتصرّ عليها، ملتمسة لعدوّها كل مكروه وبليّة، محاذرة أن تجده في خير ونعمة!
وعرفنا أن الحسد إذا لم ينبت في أرض الحقد، فإنه ينبت في أرض الجشع
стр. 818
والطمع، وهو خطيئة القلوب المنحرفة، والنفوس الطفيلية النزعة، التي يسيل لعابها على الخير الذي في أيدي الناس، فتشتهيه وتتمناه لنفسها, ولو انتزاعاً من ملك غيرها!
هما إذن جرثومتان اثنتان، يكمن فيهما أصل الداء، تلك العداوة التي توحي بمعنى الشر للأعداء، وتلك الأنانية التي تسرف في حب الخير للغير!
فننظر الآن في مدى القدرة الإنسانيّة على التخلّص من الجرثومة الأولى، أعني نزعة الكراهية والبغضاء، هل في طاعة الفطرة البشريّة أن تتجرّد من هذه النزعة، تجرّداً كليًّا، في كل حال؟!
هيهات .. دلني على واحد من البشر لا يكره ولا يعادي أقل لك: إنه إذن لا يحبّ ولا يوالي، وإنه إذن لا يحبّ الشرّ، بل حبّ الخير في طبعه .. فهو إذن يحبّ الحق والخير، وبالتالي يحبّ أهل الحق وأهل الخير ويواليهم، وهو إذن يكره الإثم والعدوان، ويكره أهل الإثم والعدوان ويعاديهم، ومتى كانت الكراهية والبغضاء تحدث على مبادئ وأسباب صحيحة، فإن من شأنها أن تستقرّ وتستمرّ، ما دامت أسبابها موجودةً، ومن شأنها كذلك أن تستتبع آثارها!
فكيف إذن يطالبنا القرآن بأن نمحو من قلوبنا البغض لكل أحد، حتى للمجرمين؟!
وكيف يحرم علينا إرادة الشر للشقيّ؟! وعدم الحبّ للأشرار والمعتدين؟!
وإن أخص ما تمتاز به وصايا القرآن أنها -مع سموها ونبلها- لا تتطلّب المحال، ولا تتشبّث بالخيال!
стр. 819
إنها -مع مثاليّتها- عمليّة واقعيّة، لا تحمل النفوس على ضدّ طباعها, ولا تكلّف نفساً إلا وسعها!
وما الوصيّة التي نحن بسبيلها إلا واحدة من تلك الوصايا الحكيمة الجامعة بين المثاليّة والواقعيّة!
إنها لا تحظر البغض كله، ولا تحرّمه جملة؛ إنها تحظر عليك أن تبغض أخاك لمجرّد هواك، لغير ذنب جناه، ولكن حنقاً ونفاسة عليه، وإنها تحرّم عليك أن تكره الخير لأخيك، طالما أنه لم يستعن بهذا الخير على شيء يغضب ربّك أو يؤذيك!
ولكنها لا تمنع أحداً من أن يبغض الإثم وأهله، وأن يمقت البغي وشقيقه الظلم!
أما علمت أن من علامة الإيمان الحبّ في الله، والبغض في الله، والرضا في الله، والسخط في الله؟ قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: ٢٢)!
نعم، إن دعوة القرآن الحكيم -في جوهرها- دعوة حبّ ووئام، ولكنها في الوقت نفسه دعوة عدل ونظام!
إنها تغضب للحرمات المنهوكة، والدماء المسفوكة، وللحقوق والأمانات المضيّعة، وهي بذلك تطالبنا أن نردّ الحق إلى صاحبه، وعلينا أن نأخذ الجاني بذنبه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١)!
على أننا لو تأمّلنا في نظرة الإسلام إلى عقوبة الباغي وجدناه لا يرى فيها
стр. 820
إرادة شرّ به، بل أراد سعياً في خيره، ونصرًا له على نفسه، هكذا سماه الرسول ﷺ فيما رواه البخاري وغيره عن أنس أن النبي ﷺ قال: "انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً". قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً، قال: "تأخذ فوق يديه".
وفي رواية: فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إِن كان مظلوماً، أفرأيت إِذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإِن ذلك نصره" (١)!
بل إن المعجزة الرادعة التي تمحق طغيان البغي، لا يرى فيها القرآن خيراً للباغي فحسب، بل يرى فيها خير المجتمع كله، بل أساس حياته الصالحة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)!
ثم يرى في هذه العقوبة الرادعة ترضيةً محبوبةً للنفوس المؤمنة، الحريصة على صيانة الحق والعدل في الأرض، واستمع لأمر الله : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (التوبة)!
هكذا، بعد أن وضع القرآن قانون المحبّة والرحمة، وجعله هو العزيمة الأولى، رخّص لنا عداوة من يستحقّ العداوة، وعقوبة من يستحقّ العقوبة!
стр. 821
غير أنه لكي يفضي بنا إلى صدور الرخصة، ولا يدعنا نتجاوز قدر الضرورة، وصّانا بأربع وصايا:
الوصيّة الأولى: التحقّق والتثّبت من وقائع الذنب، حتى لا نأخذ بالشبهة أو الظن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ (النساء)!
الوصيّة الثانية: ألا نأخذ جارًا بظلم جاره، ولا أحداً بذنب أخيه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (النجم)!
الوصيّة الثالثة: أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤)!
الوصيّة الرابعة: وقف الجزاء متى توقّف الجاني عن جنايته، وذلك بالكفّ عن عقوبة المتهمين، قال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ (البقرة)!
٨ - سياسة الاستسرار:
ورأى الرسول ﷺ بتسديد الله وتوفيقه (١)، وحكمة توجيه دعوته في سيرها، وتبليغ رسالته، أن لا يبادي قومه بعداوة، وأن لا يعلن إليهم دعوته في
стр. 822
أول خطواتها، وهو وحيد منفرد في قومه، ليس معه من ينصره منهم، ولا من غيرهم، وهم جميعاً، ومن ورائهم سائر العرب، بل سائر الدنيا، إلْبٌ على هذه الأعمال الهادية الراشدة، التي تعيب وثنيّتهم، وتنعَى عليهم شركهم، وتسفّه أحلامهم، وتندّد بحياتهم الماديّة الظالمة التي يحيونها دون رادع يردعهم عن فجور ظلم يرتكبونه، أو عتوّ بغي يأتونه، حيث لا قانون ولا دين، ولا نظام ولا ضمير!
ورسول الله ﷺ ماضٍ في دعوته، لا يصدّه عنها صادّ، ولا يردّه عن سبيلها رادّ، فاستجاب له -كما سبق- من استجاب!
واتخذ الرسول ﷺ من (دار الأرقم) في أصل الصفا دار دعوته، ومعهد تلقّي رسالته، جعلها مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحابه، وأقبل عليه أهل الصدق من شباب قريش، وغير قريش مؤمنين بدعوته، متّبعين له في دينه، مصدّقين برسالته، مهتدين بهديه، أعزّة في قومهم، كرماء على أنفسهم، وكثروا وتكاثروا، وهم في دار الأرقم مع رسول الله ﷺ ،وشعَرت بهم، وبخطرهم عليها وعلى حياتها الجاهليّة قريش، ومادت الأرض تحت أقدامها، والتفَت رجال كل بيت في قريش إلى أنفسهم وأسرهم، أبنائهم وإخوتهم، فإذا هم يرون أن محمداً ﷺ قد اجتذب منهم زهرات شبابهم، ومصدر قوّتهم، وعدّة مستقبلهم، فهم عنده ومعه مسلمون، مؤمنون، واعتنقوا عقيدته، عقيدة التوحيد، وهجروا آلهة آبائهم وأسلافهم، وسفّهوا أحلامهم، ووصموا بالدنيّة قومهم، وأصبحوا جند دعوة خاتم النبيّين محمد ﷺ ، وكتائب رسالته، ودخلوا معه بشظف العيش، وشدّة الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم، وفارقوا المال والولد، والإخوة والآباء، والأمّهات
стр. 823
والزوجات، وتبدّلوا بهم محمداً ﷺ وأصحابه، يسمعون للرسول ﷺ ، ويقولون بقوله، لا يخالفون عن أمره، يلحظون موضع إشارته، ويرمقون نظراته، ويتأدّبون بأدبه .. يحبّونه أكثر مما يحبّون أنفسهم، لا يتردّدون في تحقيق رغبة من رغباته، ولو كان فيها حياة أحدهم، فكانوا منه ومعه، بما لم يكونوا به من أمّهاتهم وآبائهم، ومع أولادهم!
وطارت عقول قريش شعاعاً من أدمغتها، إذْ تمثّلوا هذا في واقعهم، ودارت أفئدتهم في حنايا أضلعهم، وتنفّسوا الصُّعداء غمًّا وهمًّا وكمداً، وما يغني غمّ الدنيا وهمّها وكمدها شيئاً، فليركبوا رأس الشيطان فجوراً وعتواً، وليفتكوا بكل من يقدرون عليه من فلذات أكبادهم الذين تابعوا محمداً ﷺ ، ولتذهب رحمة الأبوّة، وشفقة البنوّة، راغمةً تحت أقدام آلهتهم، لعلّها ترضى عنهم، كما سيأتي!
وهنا نبصر سياسة الحكمة التي سلكها رسول الله في ﷺ بتوفيق الله في استمراره بالدعوة، وهي مشرقة في أفق الحياة .. سياسة حكيمة محكمة، أثمرت ثمراتها في تجميع قوة من المؤمنين الراسخين في ايمانهم، الصادقين في يقينهم، الذين تولاَّهم رسول الله ﷺ أوّل ما تولّى بالتربية والتوجيه، حتى فشا (الدّين القيّم) في مكّة، وتسامع به الناس في أنديتهم ومحافلهم، وبدأت قريش -وهي سيّدة مكّة- تحسّ بخطر هذه القوّة يدخل عليها في بيوتها، ويجتذب منها شبابها، ويأخذ بحلاقيمها، فشنّت على المؤمنين بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً، حرباً خسيسةً، لا مواجهة فيها، ووقف المؤمنون من هذه الحرب الفاجرة موقف الصبر والاحتمال، بل موقف الصفح والعفو!
стр. 824
واستمرّ هذا الطور السرّي للدعوة ثلاث سنين!
ولا يفوتنا أن نذكر دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كان الرسول ﷺ يلتقي فيها سرًّا بالداخلين في (الدّين القيّم)، هي الدار المعروفة الآن بـ (دار الخيزران) عند الصفا، كما قال الشامي (١)!
ولم يكن الأرقم معروفاً بإسلامه، وهو من بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، ويستبعد أن يلتقي الرسول ﷺ في هذه الدار التي هي في قلب العدوّ، وقد كان الأرقم فتىً صغيراً عندما أسلم ومن ثم تنصرف الأذهان إلى منازل كبار الصحابة (٢)!
وهذه المنطقة تشتد فيها حركة الناس بصورة واضحة، مما يصعب معه إدراك وجود حركة خاصة بأناس يجتمعون في هذه الدار!
وهذه الدار دعيت (دار الإسلام) تصدّق بها الأرقم على ولده، الذي قضى أنها محرّمة بمكانها من الحرم، لا تباع ولا تورث، ولم تزل هكذا حتى كان زمن أبي جعفر (٣)!
وفي سياسة الاستسرار -كما أسلفنا- مشروعيّة الأخذ بالحيطة، والأسباب الظاهرة، وما يقرره العقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل
стр. 825
الوصول إلى تبليغ دعوة الله تعالى .. على ألا يتغلّب ذلك على الاعتماد والتوكّل على الله (١)!
وسنرى في أحداث السيرة ما يفيدنا في هذا المقام!
٩ - قوّة الإيمان:
وبلغت قوّة الإيمان ببعض هؤلاء السابقين ﵃ أن استولت عليهم حماسة الإيمان، فأبى إلا أن يعلن إسلامه، على ملأ الشرك ومجتمع الكفر، دون أن يحسب أيّ حساب لما يناله من الأذى في سبيل إيمانه!
ويطيب لنا أن نذكر ما رواه الشيخان عن ابن عباس- ﵄ قال: لمَّا بلغَ أبا ذرٍّ مبعثُ النبي ﷺ قال لأخيه: اركبْ إِلى هذا الوادي، فاعلَمْ لي علْم هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبيٌّ، يأتيه الخبر من السماء، واسمعْ مِن قوله، ثم ائْتِني! فانْطلقَ الأخُ، حتى قدمِه، وسمِع من قوله! ثم رجَع إِلى أبي ذرٍّ، فقال له: رأيته يأْمُر بمكارِم الأخْلاق، وبكلامٍ ما هو بالشّعر! فقال: ما شَفَيْتنَي ممَّا أردت، فتَزَوَّدَ وحَمَل شَنَّةً له فيها ماءٌ، حتى قدمِ مكّة، فأتَى المسجد، فالتَمسَ النبي ﷺ ، ولا يعرفه، وكرِه أن يسْأل عنه، حتَّى أدركه بعضُ الليل، فرآه عليٌّ فعرف أنه غريبٌ، فلمَّا رآه تبعه، فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قِرْبَتَه وزاده إِلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم، ولا يراه النبيُّ ﷺ ، حتى أمسى، فعادَ
стр. 826
إِلى مضْجعه، فمرَّ به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء! حتى إِذا كان يوم الثالث، فعاد عليٌّ على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألاَ تُحدِّثُني؟ ما الذي أقدمك؟ قال: إِن أعطيْتَني عهداً وميثاقاً لتُرشِدَنَّني فعلت، ففعل، فأخبره قال: فإِنه حقٌّ، وهو رسولُ الله ﷺ ، فإِذا أصبحتَ فاتَّبعني، فإِنّي إِن رأيت شيئاً أخاف عليكَ، قُمتُ كأنّي أُريق الماء، فإِن مضيتُ فاتبَّعني حتى تدخلُ مَدْخلي! ففعل، فانطلق يقْفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسْلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : "ارْجِعْ إِلى قومك، فأخْبرهُم، حتى يأتيك أمْري" قال: والذي نفسي بيده! لأصرُخَنَّ بها بين ظَهْرانَيْهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صَوْته: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمداً رسول الله! ثم قام القوم، فضربوه، حتى أوجعوه! وأتى العباس، فأكبّ عليه، قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غِفَار، وأن طريق تجارتكم إِلى الشام؟ فأنقذه منهم! ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه، وثاروا عليه، فأكبّ العباس عليه (١)!
لقد أسلم أبو ذرّ ﵁ في وقت كان الرسول ﷺ يدعو إلى الله سراً .. ولكنه يتمثل في الرسول الذي آمن به، وفي الدعوة التي عرف تباشيرها ونطق بها لسانه، يتحدّى كبرياء قريش، وينادي بأعلى صوته:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله!
ويكرر ذلك النداء .. ويحدّث قومه عن الرسالة والرسول ﷺ !
стр. 827
ونجد أنفسنا أمام قول الرسول ﷺ فيما رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، أصدق من أبي ذرّ" (١)!
إنه الصدق الجسور .. صدق الباطن، وصدق الظاهر .. صدق العقيدة، وصدق اللهجة!
والصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه!
حقًّا، لم يشهد التاريخ بطوله وعرضه .. من الصدق وتحرّي الحقيقة ما شهده في إيمان أولئك السابقين الذين سجّل تاريخهم هذا الصدق الذي يسمو ويتألق!
لم يشهد رجالاً عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ونذروا لها حياتهم، على نسق تناهى في الجسارة والتضحية والعطاء .. كما شهد في أولئك الرجال!
لقد جاءوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. حين كانت تهيب الحياة بمن يجدّد لقيمها الروحية شبابها وصوابها .. وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشريّة الرازحة أغلالها، ويحرّر وجودها ومصيرها!
وننتقل سراعاً إلى صورة أخرى مباركة طيّبة .. ونحن نذكر ما يرويه ابن إسحاق بسند مرسل عن عروة قال: كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله!
ما سمعتْ قريشٌ من هذا القرآن يُجْهَر لنا به قط، فَمَنْ
стр. 828
رجلٌ يُسْمِعَهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إِنا نخشاهم عليك، إِنما نريد رجلاً له عشيرةٌ يمنعونه من القوم إِن أرادوه! قال: دعوني فإِن الله سيمنَعُني! قال: فغدا ابن مسعود، حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام، ثم قرأ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم"! رافعاً بها صوته: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ (الرحمن)! قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: فتأمّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمِّ عبد؟ قال: ثم قالوا: إِنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إِليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ! ثم انصرف إِلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون (١)!
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ : اقرأ عليّ: قلت: أأقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: لا فإِنّي أحبّ أن أسمعه من غيري "! فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (النساء)! قال: " أمسك "! فإِذا عيناه تذرفان! (٢)!
стр. 829
إننا نبصر قوة الإيمان في حياة هؤلاء السابقين، أهل القرآن، الذين استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد!
ونبصر كيف دمدم هؤلاء على العالم القديم بإمبراطورياته وصولجانه، وحوّلوه إلى كثيب مهيل؟
ولو لم يكن من آثار الاستسرار بالدعوة، وسداد حكمتها إلا أنها جذبت في أوّل خطواتها إلى ساحة الإيمان بالرسالة والرسول ﷺ هؤلاء السابقين لكفاها نُجحاً وتوفيقاً وسدادًا!
وقد جذبت إلى ساحتها في السنة الثانية من البعثة -كما قال ابن حجر (١) حمزة بن عبد المطلب، وهو أعزّ فتى في قريش، وأشد شكيمة، عم رسول الله ﷺ ، وأخوه من الرضاع، وابن خالته نسباً ومنزلة، فأمه هالة بنت وهيب ابن عبد مناف بن زهرة، ابن عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف، أم سيّد الخلق، محمد ﷺ !!
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصة إسلام حمزة ﵁، وذكر أن الداعي الأول هو الحميّة القوميّة الغاضبة لدفع الإساءة التي وجّهت ظلماً لابن أخيه محمَّد ﷺ ، من أحد أحلاس الغرور الوثنيّ الفاجر، ولكن الله تعالى في تقديره الأزلي، وغيبة المحجوب عن رؤى الناس جعل من هذه الحميّة العصبيّة الخير كله لحمزة ﵁ للإسلام والمسلمين، فأسلم حمزة لما أراده الله به من المنزلة التي هو أهل لها في الإسلام (٢)!
стр. 830
وحين أسلم قال:
حمَدْت الله حين هدى فؤادي ... إِلى الإِسلام والدّين الحنيف
لِدِينٍ جاء من ربٍّ عزيزٍ ... خبيرٍ بالعباد بهم لطيفِ
إِذا تُليتْ رسائله علينا ... تَحدَّرَ دَمْعُ ذي اللبِّ الحصيف
رسائل جاء أحمدُ من هُداها ... بآياتٍ مبيَّنَةِ الحُروف
وأحمد مصطفى فينا مُطَاعٌ ... فلا تغْشُوهُ بالقول الضعيف
فلا والله نُسْلمه لقومٍ ... ولمَّا نَقْض فيهم بالسيوفِ
ونترك منهمُ قَتلى بقاعٍ ... عليها الطير كالوِرْدِ العُكوفِ
стр. 831
وقد خُبّرت ما صنعتْ ثقيفُ ... به فجزى القبائل من ثقيفِ
إِلِهُ الناس شرّ جزاء قَوْمٍ ... ولا أسْقاهُمُ صَوْبَ الخريف (١)
ومضى حمزة ﵁ في طريق الإيمان (٢)، والذود عن الدعوة، حتى بلغ مقاماً رفيعاً، وكان إسلامه عزاً للمسلمين، ومنعةً وقوّة للنبي ﷺ ، أخذت به قريش، فأصابها المقيم المقعد، وشرقت بإسلامه، فكان شجاً في حلاقيمها، وأذلّ كبرياءها، وظهرت به الدعوة بعد استخفائها، وأعلنت بصوته كلمة الحق بعد استتارها، وجهر بالتكبير لله تعالى على سمع طغاة الشرك، فأراهم حقارة عقولهم في حقارة معبوداتهم، وأراهم عزّة الحق وانتصاره!
وسيأتي مزيد بيان مكانته ﵁!
стр. 832
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٤]
«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها في حياة الدعاة»
تأليف
الدكتور سعد المرصفي
стр. 833
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا, ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
стр. 837
مقدمة
صدع خاتم النبيّين ﷺ بدعوته إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، وشقَّق بقوّة عقيدته وتوحيد ربّه إهاب وثنيّتهم، ولطم بتبليغ رسالته وجه شركهم، فتهاوت حجج أصحاب اللجاج الداحضة، وتساقطت وتساقط أصحابها، وظهرت سوآت الشرك وانكشف عوارها، وبدأ جهاد الدعوة يشعُّ ضوؤه في البشريّة، ويطمس آثار الجاهليّة الحمقاء في أوكار النفوس الضالّة!
وحتى يكون الدين كلّه لله، ويحقّ الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٢٧ رمضان ١٤٢٨ هـ
٢٧ سبتمبر ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقاً
* * *
стр. 838
رسالة ورسول
стр. 839
رسالة ورسول
١ - إنذار الأقربين
٢ - الجهر العام
٣ - بين زعماء قريش وأبي طالب
٤ - السخرية والاستهزاء
٥ - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به
٦ - الاتصال باليهود وأسئلتهم
- السؤال عن الروح
- أهل الكهف
- ذو القرنين
٧ - دستور الحكم الصالح
٨ - إنذار يهود برسول الله ﷺ
٩ - ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾
١٠ - بين الصهيونيَّة والصليبيَّة
١١ - معركة عقيدة
١٢ - إسلام عمر الفاروق
١٣ - عزيمة النبوّة
١٤ - الاضطهاد والتعذيب
١٥ - المساومة والإغراء
١٦ - عقليّة بليدة
١٧ - السمو الروحي
١٨ - رسالة ورسول
١٩ - طمأنينة قلب النبي ﷺ
٢٠ - في رحاب سورة (فصلت)
٢١ - عناد المشركين
٢٢ - المعجزة الكبرى
٢٣ - نهاية المفاوضات
٢٤ - الصبر الجميل
٢٥ - تبليغ الرسالة
٢٦ - موقف الوليد ابن المغيرة
٢٧ - نموذج للشر الخبيث
٢٨ - دعاية للرسالة والرسول ﷺ
٢٩ - نماذج الخبث البشري
٣٠ - أسلوب الآيات
٣١ - معالم الفجور
٣٢ - خصائص هذا النموذج
٣٣ - رأي آخر
٣٤ - في رحاب سورة (القلم)
٣٥ - معالم خصائص نموذج الفجور
-المعلم الأول
- المعلم الثاني
- المعلم الثالث
- المعلم الرابع
- المعلم الخامس
-مجمع الخبائث
- المعلم السادس
٣٦ - إشهار نموذج الشر
٣٧ - منح في ثنايا المحن
٣٨ - إذاعة الإرجاف
٣٩ - توجيه إلهي
٤٠ - إسلام الطفيل الدوسي
٤١ - نور الهداية
٤٢ - مضاء العزيمة
٤٣ - حوار عقول
٤٤ - آيات من العبر
٤٥ - قوّة الإيمان
٤٦ - المستقبل للإسلام
٤٧ - درس للدعاة
стр. 840
رسالة ورسول
١ - إنذار الأقربين:
سبق أن عرفنا أن النبي ﷺ صعد الصفا وهتف داعياً إلى الله تعالى، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بما جاء به هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها المجتمع العربي ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله !
وكان الرسول ﷺ -كما أسلفنا- كبير المنزلة في بلده، مرموقاً بالثقة والمحبّة (١)، وها هو ذا يواجه مكّة بما تكره، ويتعرّض لخصام السفهاء، والكبراء .. وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم عشيرته الأقربون!
بيد أن هذه الآلام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، وأمره بتبليغه .. ولا عليه أن تموج مكّة بالغرابة والاستنكار، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتةً، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها!
وبدأت قريش تسير في طريقها .. طريق اللدد، ومجانبة الصواب .. ومضى الرسول ﷺ في طريقه، يدعو إلى الله تعالى، ويتلطّف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنيَّة، ويسمع ويجيب، ويبيّن ويدافع!
غير أن حرصه ﷺ على هداية الأقربين جعله يجدّد مسعاه، محاولاً عرض الإسلام عليهم مرّة من بعد مرّة، فإن منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج!
стр. 841
وهم قبل ذلك أهله الذين يودّلهم الخير، ويكره لهم الوقوع في مساخط الله!
وكانت هذه الصيحة غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول ﷺ قومه على دعوته!
وكان هذا الطريق الحكيم المحكم هو الاتجاه بالدعوة في علانيتها والجهر بها إلى عشيرة النبي الأقربين!
وهنا يطالعنا مرّة من بعد مرّة قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ (الشعراء)!
ونبصر التوجيه بالدعوة إلى الأقربين، وإنذارهم بطش الله وتخويفهم بأسه ونقمته إذا لم يستجيبوا إلى هدى الله والإيمان به (١)، وإخلاص العبوديّة له تعالى، بخلع الأنداد والشركاء، والتطهّر من أدران الوثنيّة!
وفي هذا حسم لأطماع الأبعدين؛ لأن الناس بمقتضى طبائعهم البشريّة إذا رأوا رسول الله ﷺ يبدأ أوّل ما يبدأ معلناً دعوته بإنذار أقرب الناس إليه، وتخويفهم، والتبرّي من أعمالهم، إذا لم يستجيبوا إلى داعي الإيمان والهداية، كان ذلك أدعى لغيرهم من الأبعدين ألا يطمع أحد في مهادنته، فضلاً عن المداهنة!
وهذا بلا شك أقوى وأوكد للدعوة في بيان إصرارها وعمومها، وأبلغ في النفوس أثراً؛ لأن الإنذار والتخويف قد يدفع الإشفاق، وقد يدفع إليهما
стр. 842
الإشفاق، وقد يدفع إليهما الحرص على تنبيه المشاعر والإحساسات الوجدانيّة في مداخل النفس الإنسانيّة، لتوكيد أواصر القربى .. وقد يدفع إليهما تحريك الحميّة القوميّة، وروابط القربى العصبيّة، نفوراً من قبيل الضيم في الصبر على أذى القريب، ولا سيما في البيئات العربيّة التي تتعزّز بنصرة القربى!
وسبق أن ذكرنا قصة إسلام حمزة ﵁!
ومعلوم ما وقع في جميع مواقف أبي طالب، وحَدَ به على رسول الله ﷺ ، وحمايته له، أن تمتدّ إليه يدٌ بأذى، وقد جعل نحوه دون نحو رسول الله ﷺ ، فداءً لابن أخيه، بدائع العصبيّة القوميّة، والحميّة القبليّة .. وظل على ذلك إلى آخر لحظة من حياته، وهو على دين قومه، وكانت قريش كلها تهاب أبا طالب وتحترمه، وتحسب لوجوده إلى جانب ابن أخيه محمد ﷺ حساباً منعها أن تقتحم حمايته ومنعته!
ومن أظهر شواهد ذلك موقف سائر المنافقين عامة وخاصة من بني هاشم والمطلّب إلا ما كان من أبي لهب وكان كثرتهم على جاهليّتهم في عقيدة الشرك والوثنيّة التي جاءت رسالة محمَّد ﷺ لهدمها وتقويض بنيانها!
ذلك الموقف الذي تجلّى في حادث الحصار والمقاطعة -كما سيأتي- ودخول الشعب، وكتابة صحيفة المقاطعة!
وهنا نبصر الردّ القاطع على من يحاولون تصوير هذا (الدّين القيّم) بأنه ثمرة من ثمار القوميّة العربيّة، ويدعون أن محمداً ﷺ إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين (١)!
стр. 843
ونبصر في تباطؤ الناس عن الدخول في الإسلام دليلاً على مدى قوّة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش ردحاً من الزمان في الجاهليّة وفساد الفطرة .. وهو وضع يواجهه الدعاة في كثير من المجتمعات قديماً وحديثاً .. حتى المجتمعات الإسلامية، عندما يخبو فيها صوت الدعوة المهتدية بسنة رسول الله ﷺ ، تجد أثراً كبيراً للعادات والتقاليد في تسيير حركة المجتمع في المجالات المختلفة .. وتجد استنكاراً ممن وقعوا في أسر هذه العادات والتقاليد، لصوت الحق المهتدي بسنّة الرسول ﷺ والسلف الصالح، في فهم الإسلام!
ونبصر في خصوصيّة الأمر بإنذار العشيرة، إشارة إلى درجات المسؤوليّة التي تتعلّق بكل مسلم عموماً، والدعاة منهم خصوصاً، فقد كان الرسول ﷺ يتحمّل المسؤوليّة تجاه نفسه، لكونه مكلّفاً .. ويتحمّلها تجاه أسرته وأهله، لكونه مسؤولاً عن أسرته وذا آصرة قربى .. ثم يتحمّل المسؤولية تجاه الناس كلهم بكونه نبياً ورسولاً من الله !
ويشترك مع النبي ﷺ في المسؤوليّة الأولى كل مكلّف .. وفي الثانية كل صاحب أسرة، أو كل فرد له عشيرة، وفي الثالثة العلماء والحكام (١)!
ونعود إلى الآيات التي معنا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾!
نعود لنبصر وراء إنذار الأقربن برًّا بهم (٢)، وتحريكاً لدوافع حميّة القربى فيهم!
стр. 844
نعود لنبصر الأمر بإلانة الجانب لعموم المؤمنين، سواء منهم من قرب في نسبه وعصبيّته أو بعد!
نعود لنبصر مكانة الخلْق من ربّهم، فهم جميعاً عباده، وليس بين الله وبين أحد من خلْق نسب ولا قرابة وحسب .. وإنما هو الإيمان والعمل!
وفي هذه الدائرة يختلف الناس اختلافاً واسعاً عريضاً في درجاتهم ومراتبهم من رضاء الله وإسعاده!
نعود لنبصر تلطّفاً بالذين يستجيبون إلى دعوة الإيمان، ويتبعون محمداً ﷺ تقويةً لأواصر القرب الروحي، وأخوّة الإيمان، وأنها هي الأخوة التي اعتبرها الحق ﵎ صلة -كما سيأتي- بين سائر المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات)!
لأن ذلك يربط قلوبهم بالدعوة، ويملؤها بمحبّة الداعي، ويعدّ نفوسهم للدفاع عن تبليغ الدعوة، وافتداء الداعي والدعوة بكل ما يملكون من قوّة وعمل!
نعود لنبصر إعلان البراءة من عصيان من عصى، ولو كان أقرب القربى، فمن ساء عمله فلن يضرّ إلا نفسه، وأن قرابته من رسول الله ﷺ لا تحميه من سخط الله وعذابه!
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾!
لطيفة بيانيّة من لطائف الأسلوب القرآني، فقد عُلِّقت البراءة في الآية بعمل من عصى، ولم تُعَلَّق بشخصه وذاته .. لأن ارتباط البراءة بالعمل دون
стр. 845
ذوات العصاة وأشخاصهم لا يقطع أواصر القربى والبرّ في الدنيا، والعود إليها بالإحسان إذا عادت إلى الإيمان والطاعة للرسول ﷺ ، والإيمان هو الموجب للموالاة!
وفي ذلك تقرير لمبدأ اجتماعي عظيم، تقوم عليه دعائم الحياة الاجتماعيّة في الإسلام؛ لأن ربط الموالاة والنفرة بالعمل دون الأشخاص والذوات يفتح باب الأمل أمام الشاردين من دعوة الإيمان والطاعة لله ورسوله!
فالإنكار في الآية، والأمر بالبراءة، إنما توجّه إلى العمل السيئ، لا إلى العامل المسيء، وإن كان عمله السيئ مرتبطاً به، ما دام مقيماً عليه، لكن هذا الارتباط بين العامل وعمله ليس ارتباط تلازم؛ ولكنه ارتباط بأمر عارض يمكن الانفكاك عنه وتركه!
فإذا ترك العمل الموجب للنفرة، وحل محله عمل يوجب الموالاة، عادت الموالاة وعاد معها ما توجبه من التلطّف، وخفض الجناح، وإلانة الجانب، وصفاء المودّة!
وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾!
إشعار بما في هذا الجهر والإنذار من مشقة التبليغ، وأثقال المواجهة، وإيذان بما سيلقى رسول الله ﷺ من أذى وصدّ عن سبيل دعوته ومقاومة له ﷺ ، ومناهضة لرسالته، من هؤلاء المنذَرين على قرابتهم، وتشابك أنسابهم بنسبه، وامتزاج عصبيّتهم بحسبه .. حتى لا يعتمد في تحمّل أثقال دعوته إلى الله، وفي صبره على ما يلقى من المعاندين الشاردين عن حظيرة الإيمان والهداية، ولو كانوا أقرب القربى، على غير الله القويّ القهّار، العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يقطع إمداده عنه، وعن جميع حملة رسالاته،