← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وهذه فئة أخرى تسعى إلى المال، لتغامر به وتقامر، أو لتخالل وتخادن، أو لتنفقه في ألوان المسكر والمخدّر! وهذه فئة ثالثة تطلب المال، لا لتبطش بيدها، ولا لتفجر بجارحتها، ولكنها آثمة القلب، أسيرة للهوى الخفي، تريد أن تباهي بثروتها وتفاخر، وأن تنافس بها وتكاثر: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ (الإسراء)! هذه أمثلة من البواعث الملتوية، لا نقتبسها من الفروض العقليّة، ولكن نستمدّها من صحيفة الواقع، ومن تقليب النظر في سيرة الجمهور الكادح! ها هم أولاء يكتسبون عيشهم بعرق الجبين، بكدح الذهن أو كدّ اليمين، فإذا فتشت صدورهم لتعرف نوازعها إلى العمل، وأهدافها من السعي والتنقيب، لا تجد في أكثرها معنى إنسانيًّا ولا روحيًّا! إنه ليس يهم الحديث على الأهل والولد! وليس يهم الرعاية لحق الله والوطن! ولكنه النزول على حكم الشهوات الجامحة، في صورة من هذه الصور أو أمثالها! ستجد أكثرهم يلتمسون الرزق من حلّه، ولكن هدفهم هو إنفاقه في غير محله! إنهم يتخذون نعمة الله أداة لمعصية الله! إنهم يطلبون الثروة ليحوّلوها عن طريقها، ويضعوها في يد غير مستحقيها! ألا تدخل معي إلى بيت من بيوتهم لتنظر في وجوه أهليهم وأولادهم؟!

стр. 772

وارحمتاه لهذه الأكباد الطاوية، والأجساد العارية!! تتلفت طول يومها، وتقضي جلّ ليلها، تشوّقاً إلى كافلها وعائلها، وهو عنهم في شغل بين قرناء السوء، يغرق ماله في كؤوس الصهباء، أو يحرقه ويذره دخاناً في الهواء، أو يدفنه في بالوعة الموائد الخضراء! يا حسرتا على الجهود الضائعة، والقوى المنهوكة، والثروة المبدّدة!! على حين أن الشعوب من حولنا، تزدهر ثروتها ازدهاراً، وتستعر قوتها استعارًا، بل تكاد تنفجر انفجاراً! فيا ليت شعري، متى يفيق أبناء هذا الجيل من سكرتهم، ويتنبهون إلى ما يراد بهم؟! متى يصون كل منهم ثروته وقوّته، ويأخذ للمجد أهبته وعدّته؟! على أننا الآن، لسنا بصدد البحث في تحديد اللون الطائش من السلوك، وهذا الأسلوب المنحرف من أساليب الحياة، هو الذي يداعب نفوس الجماهير عندنا، وهو الذي يحرّك همّتهم إلى السعي، ويغريهم بالجدّ في الكسب! إنهم يغبطون السفهاء المسرفين، يتمنّون أن يكون لهم مثل ثروتهم، ليسرفوا كإسرافهم، يقول كل منهم: يا ليت لي مثل ما أوتي فلان! إنه لذو حظ عظيم! أما أني لو كنت مكانه، لكنت أشدّ منه بطشاً بقوّتي، وأكثر استمتاعاً بثروتي! فهم من قبل أن ينفقوا، بل من قبل أن يكسبوا ما ينفقون، محاسبون على هذه النيّة الفاجرة!

стр. 773

إنهم منذ الآن مأزورون غير مأجورين! إن عليهم مثل أوزار المسرفين العابثين! ومن كان في شك من ذلك فليقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (القصص)! فلم يهدّد العالين المسرفين وحدهم، ولكنه توعّد الذين يريدون العلوّ والفساد، فتلك هي النيّة المردية الموبقة، وصاحبها ظالم لنفسه! أما النيّة المنجية المعتقة، فإنها على درجتين: درجة مقتصدة، تدرأ عن صاحبها الذم واللوم؛ ولكنها لا تستوجب له مدحاً ولا ثواباً .. وحدّ هذه المرتبة أن يكون همّ العامل من كسب الحلال، هو أن ينفقه في الاستمتاع بالحلال، لا يفكّر فيما وراء ذلك! ودرجة عالية رفيعة، تستوجب لصاحبها الثّناء، وتكفل له أحسن الجزاء، ذلك أن يكون حظّ نفسه تابعاً لحقّ الله عليه، وأن يكون حقّ نفسه مغموراً في حقوق غيره: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص)! أولئك هم السابقون السابقون .. ترى الواحد منهم يجدّ ويسعى امتثالاً لأمر الله، وقياماً بالأعباء التي تفرضها عليه الحياة، ليعفّ نفسه وأهله -أول كل شيء- عن الحرام، وليغنيهم وإيّاه عن ذلّ السؤال .. ثم ليعود بفضله على

стр. 774

العاجزين والمحرومين .. ثم ليزيد في ثروة أمّته وقوّتها .. وأخيراً ليزيد في ثروة الأرض وازدهارها كلها، تحقيقاً لحكمة الله الذي استخلف الإنسان على الأرض واستعمره فيها! تلك هي النيّة الفاضلة الكاملة التي ترفع صاحبها إلى أعلى عليّين: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]! يروي الشيخان وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنما الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئ ما نوى ... " الحديث (١)! آداب الكسب: هذا، وقد جاءت هداية القرآن الكريم تجنبنا سبل السحت أي الآثم، وتقود خطانا في سبيل الرزق الحلال السائغ، وما إن وضعنا قدمنا على حافة هذا المنهل المورود، وتطلعنا إلى ما فيه من رزق طيّب، حتى أخذت تناوشنا النوازع والدوافع المختلفة، وتراودنا الأهداف والمقاصد المتنوّعة! وإذا الهداية القرآنيّة تبرز أمامنا مرة أخرى، لتقود خطوات قلوبنا، كما

стр. 775

قادت من قبل خطوات أقدامنا .. صوّرت لنا القلوب على اختلاف نزعاتها، وتنوعّ أهدافها من الكسب، فإذا منها الآثم الذميم الذي تحرّكه شهوة الطغيان والعدوان، أو نزعة العبث والإسراف، أو حبّ التنافر والتكاثر! وإذا منها الغافل الذي لا يعنيه إلا حظ نفسه من المتاع المباح .. وإذا منها الراشد النبيل، الذي يتطلّع إلى أوسع الآفاق وأسمى الدرجات، يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه منها! هكذا قبل أن نسعى لطلب أرزاقنا .. عرفنا في أي طريق نضع أقدامنا، ومتى وصلنا إلى حقل العمل .. وقبل أن نكدح فيه بأيدينا وأذهاننا، عرفنا كيف نوجّه قلوبنا ونيّاتنا .. وسيلة مشروعة أو غاية مبرورة! أدبان نقتبسهما من القرآن الحكيم .. هل بقي وراءهما شيء من آداب الكسب؟ نعم، فما تلك إلا وصيّة أوّل الطريق .. وإن طريق الكسب طويل متشعّب، قد يمتدّ بامتداد الأجل، وقد يتعرّج بتعاريج القوة والضعف واليأس والأمل .. ذلك أن للجهد فترات وله نزوات، وأن للحظ إقبالاً وإدباراً، وللقلب في كلتا الحالين تقلّبات .. أفتتركنا هداية القرآن عند أول الطريق، وتدعنا نهباً لما يصادفنا فيه من هذه العوامل المختلفة، ليعالجها كل امرئ منا بوحي ساعته أو ميزان طبعه ومزاجه؟! حاشا لله الرحمن الرحيم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]! ألا فقد رسم القرآن الحكيم لنا منهج السير الحكيم بإزاء هذه التطوّرات في جهودنا البدنيّة، وبإزاء هذه التقلّبات في حالاتنا النفسيّة!

стр. 776

أما جهودنا البدنّية، فإنه يحارب منها طرق فترتها ونزوتها، ويكافح فيها حدّي رخاوتها وحدّتها! هل رأيت أولئك المترفين الذين يشكون الكلال والملل من ساعات يسيرة يقضونها في العمل؟! أولئك الذين يعملون قليلاً ويلهون طويلاً؟! أولئك الذين إذا عملوا مسترخين متهاونين، غير جادّين ولا مجيدين؟! ولذلك لم يجدوا مطلبهم في مكانهم .. لم يجمعوا في أنفسهم همّة تبعثهم على النقلة إليه والرحلة في طلبه! هؤلاء جميعاً يقبل القرآن الحكيم عليهم جميعاً .. فيبعث فيهم راكد الهمّة، وينفخ فيهم روح السعي والإقدام .. ويوقظ فيهم باعث الإجادة والإتقان: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥]! ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]! ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠)! وهل رأيت في الطرف المقابل أولئك الكادحين المنهومين المتكالبين، الذين استمرؤوا الدنيا والنفع والمادة فاستعبدتهم، وأنفقوا فيها ليلهم ونهارهم، ووهبوها همّتهم وقوّتهم؟!

стр. 777

إرهاق لا يعرف منهم رفقاً ولا استجماماً .. وإلحاح لا يحفظ لهم وقاراً ولا كرامة .. وتبذّل لا يبدو فيه أثر لنعمة الله عليهم .. واستغراق لا تأخذ فيه أسرتهم حظّها من الإيناس والمودّة، ولا عقولهم حظّها في الثقافة، ولا نفوسهم حظّها في المتعة البريئة، ولا أرواحهم من الصلة بالمثل العليا! ألا تراهم! قد يسمعون داعي الله إلى مناجاته وهم عنها لاهون، اشتغالاً بشؤون الوارد والصادر، وحساب الأرباح والخسائر، كأن هذه اللحظات المعدودة التي قد يؤدّون فيها حق ربّهم، هي التي ستقلب الغنم غرماً، وتحوّل الربح خسراً، وما دروا أن الحقيقة ضد ذلك، وأن التقوى مفتاح خفي من مفاتيح الرزق، وأن الله لا يبارك عملاً مباحاً، إذا كان يلهي صاحبه عن واجبه! ألا إن هذا مثل من الإسراف، الذي يعود به طلب المباح اشتغالاً بالحرام! ألا إن هذا نموذج من العدوان الذي قال الله في شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (المائدة)! نعم، إن على رأس هؤلاء المعتدين أولئك الذين يتوجه إليه القرآن الكريم بندائه القوي وإنذاره الشديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ (المنافقون)! أما المؤمنون الصادقون فإنهم كما وصفهم الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ (النور)!

стр. 778

هكذا وضع القرآن الكريم لنا أسلوب السعي والعمل، لا متوانياً متراخياً، ولا مجهوداً مكدوداً، ولكن أسلوب الجد القاصد الراشد، في تنظيم جهودنا البدنيّة، يكمله توجيه أعمق منه في تنظيم حالاتنا النفسيّة! اختيار الكسب الصالح: وما أعظم النعمة علينا بهذا القرآن الحكيم!! .. إنه قائدنا ما أحكم قيادته!! وهاد ما أكمل هدايته!!: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)! تلك القيادة المثلى لا تخص طائفةً من الناس دون طائفة، ولا شأناً من الحياة دون شأن، ولكنها هداية سابقة شاملة، والمؤمن يشعر بها وهي تلاحقه في كل خطوة، وتضيء له الطريق حيثما توجّه، حين يقدّر ويفكر، وحين يهم ويعزم، وحين يقضي ويحكم، وحين يكدح ويعمل، وحين يفرح أو يحزن، وحين يخاف أو يأمن, وصدق الله العظيم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (النحل)! لكل شيء، لأدب الدّين والدنيا, ولخير الآخرة والأولى! وقبل أن يتوجّه المرء لالتماس رزقه ينادي القرآن الحكيم: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ (المائدة)! وكانت تلك هي الوصيّة الأولى من وصايا الكسب، وهي طهارة اليد من السحت! فإذا وضع المرء قدمه في طريق الكسب الحلال، وقبل أن يمضي فيه، وجد

стр. 779

القرآن الحكيم يحدّد له الأهداف الصحيحة في كسب المال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص)! ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (القصص)! وكانت هذه الوصيّة الثانية طهارة القلب والنيّة متنزّهاً عن نزعات الفجور والأنانية! فإذا ما وصل العامل إلى حقل العمل، طاهر اليد، نقيّ الصدر، لم يتركه القرآن وشأنه هنالك، بل سار إلى جانبه يتابع حركاته وسكناته، ويراقب فتراته ونزواته، فيشحذ من عزمه إذا وهي أو وهن، ويشدّ من أزره إذا ونى أو سكن .. ! اعمل فسيرى الله عملك .. اتق وأحسن .. ! كما يلطّف من شدته، ويحدّ من حدّته، إذا انهمك في السعي وأفرط، وطغى في جمع المال أو بغى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ (المنافقون)! ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (البقرة)! هكذا بعد أن طهّر القرآن الحكيم في أول الطريق أيدي العاملين وقلوبهم، سدّد خطاهم في أثناء الطريق، ونظّم جهودهم!

стр. 780

وهداية القرآن للعاملين، وقيادته لخطاهم على طول الطريق لن تقف عند تنظيم جهودهم البدنيّة، ولكنها ستنفذ إلى ما هو أدقّ وأعمق .. إنها تتقصّى حركات نفوسهم، وتستمع إلى خفقات قلوبهم، وخلجات صدورهم، متتبّعة أطوار العمل لديهم، وتقلّبات الأحداث عليهم، فتصف لكل شكوى علاجها, ولكل نجوى جوابها! كل عامل في هذه الحياة هدف لتقلّبات النجاح والإخفاق، والربح والخسارة، والنصر والهزيمة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥)! ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠)! وقد فطر الإنسان ذا مشاعر وأحاسيس تصبّ في نفسه إما برد الرضى والسرور لما يناله من خير، وإما حرقة الحزن والألم لما يصيبه من أذى وحرمان! أتدري ما مصير هذه المعاني، إذا تركت وشأنها تعمل في النفس عملها؟! إليك صورة طبيعيّة لنفسيّة المخفق المهزوم، إذا لم تهد قلبه هداية القرآن، ولم تثبّته سكينة الإيمان .. إنه لو نظر في حاضره لم يجد إلا ضجرًا وألماً لما يعانيه من نكد الإخفاق، ولو تلفّت إلى ماضيه لم يحسّ إلا حسرةً وندماً على ما فاته من أخذ العدّة لتجنب هذا الإخفاق، ولو تطلّع إلى مستقبله لم ير فيه شعاعاً من الخير أو النور، وإنما هو ظلام قائم، وشؤم جاثم! وهكذا يجد مسالك الحياة قد سدّت من بين يديه ومن خلفه، لا مخرج فيها ولا متنفّس .. أليس ذلك هو اليأس القاتل؟!

стр. 781

وانظر الآن إلى نفسيّة الفائز المنتصر: إن موجة الفرحة بهذا النجاح الحاضر لتغمر حياته من شاطئها، إن نظر إلى أمسه نظمِ إليه معجباً فخوراً، يقول: ربِّ أكرمني إذا كنت أهلاً لهذا الإكرام، فقد أخذت للنجاح عدّتي، وما أوتيته من علمي وعملي، وإن نظر إلى غده نظر إليه بملء الثقة والاطمئنان، يقول: لن تبيد هذه النعمة أبداً، وقد ذهبت السيئات عني إلى غير معاد .. أليس هذا هو الأمل الكاذب والغرور الفاتن؟! هاتان صورتان نفسيّتان، تتعاقبان على قلب كل عامل، وهما على قلب طالب المال أكثر تعاقباً وأشدّ تغلّباً، ما لم يكن له من إيمانه عاصم! فلنستمع إلى القرآن الحكيم وهو يعالج هاتين الظاهرتين! لنستمع إليه حين يتوجّه إلى المخفقين المحرومين، وقد برموا بحاضرهم، وندموا على ماضيهم، ويئسوا من مستقبلهم! ها هو ذا يمسح على صدورهم بكفّ الرحمة، فيبدّل حرارة الهمّ برداً وسلاماً، ومرارة ندمهم رضىً ويقيناً: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة)! ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)! وقالوا: لو كان .. لكان .. إن هذه الحسرات لن تردّ ما فات: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (الحديد: ١٢٢)!

стр. 782

ثم ها هو ذا يفتح أعينهم على نور الأمل: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (يوسف: ٨٧)! ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (الشرح)! أما أولئك الذين تأخذهم نشوة الربح والنصر، حتى يأمنوا صروف الدهر، وحتى ينسوا ما مضى لهم من عسر الإخفاق والحرمان، فإن القرآن الحكيم لا يبرح يكشف الغطاء عن أعينهم، ليذكرهم بماضيهم القريب، وليحذرهم من مستقبلهم المطوي في حجب الغيب: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ (الأعراف)! أم فرحوا بما أوتوا من العلم، واعتمدوا على ما بذلوا من الجهد، فنسبوا الفضل لأنفسهم، وأنكروا يد الله عليهم؟! يا سبحان الله! ما أسرع ما ينسى الناس! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (الزمر: ٨)! كلاّ، أيها الناس، إنه ليس بالجدّ وحده ينال المرء، ورحم الله القائل: إِذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: ٥٣)! هكذا يدفع الله عن النفوس المؤمنة محنة اليأس القاتل، وفتنة الغرور الكاذب، ويبدّ لهم منهما أملاً قاصداً، لا يبطره الظفر، ويفسده الإخفاق!

стр. 783

وهكذا تكمل شرعة الهداية القرآنيّة للعاملين! طهارة في اليد ونزاهة في القصد، وعزيمة صادقة قاصرة في بذل الجهد، ثم أمل صادق فيما يجيء به الغد! آداب أربعة، يوصي بها الله كل كاسب، وكل عامل، فهل نتبع وصيّة الله؟! نظام البذل والإنفاق: وكما أوصانا القرآن الحكيم بالسعي في طلب الرزق أوصانا أن نقوم بإنفاقه وبذله .. بل أحسب أن وصيّته لنا بأولاهما ما كانت إلا تمهيداً لوصيّته لنا بأخراهما! أوصانا أن نحصل لكي نستطيع أن نبذل؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه! وكما أن القرآن شرع للكسب قوانينه وآدابه، كذلك شرع للبذل قوانينه وآدابه! غير أننا قبل أن نأخذ في عرض هذه القوانين والآداب نحب أن نشير إلى كنه فضيلة البذل التي يدعو إليها القرآن الكريم .. إنها تتمثل في حركتين، أو في حركة ذات اتجاهين: حركة واردة هابطة إلى المركز! وحركة صادرة صاعدة إلى المحيط! حركة تعود بالمال إلى رب المال، متجهة به إلى جهة الإتعاب والاستمتاع الشخصي!

стр. 784

وحركة تتجه بالمال إلى غير صاحب المال، لتبذله في وجوه البرّ للآخرين! هذه الحركة الثانية تبدأ في دائرة محدودة ضيّقة، ثم لا يزال يمتدّ قطرها، وينفرج محيطها، حتى تصبح أوسع الدوائر وأشملها! تبدأ بالأسرة الخاصة الصغرى، حيث أضيق المسؤوليّات، وألزم التبعات، ثم تمتدّ أغصانها بامتداد القرابة والنسب، وتتشعّب أطرافها بتشعّب الصحبة والجوار واشتباك المصالح، واتساع العلوم وانتشار الأخبار .. حتى تصل إلى محيط الأسرة العامة الكبرى .. أسرة الإنسانيّة العالميّة، بعد أسرة الدّين والوطن! هي إذن حقوق ثلاثة في أموالنا، تتقاضانا أداءها والقيام بها: حق النفس! وحق الأسرة! وحق الجماعة! فلننظر إلى هذه الحقوق الثلاثة في مرآة القرآن الحكيم، لنعرف مبلغ عنايته، ومدى اهتمامه بكل واحدة منها! أتدري ماذا سوف نرى؟ سوف نرى عجباً، بل أعجب العجب! سوف نرى هذه الحقوق الثلاثة لا تأخذ من عناية القرآن نصيباً متساوياً؛ بل يتفاوت حظها من هذه العناية تفاوتاً كبيراً، وأن الذي يظفر من بينه بنصيب الأسد إنما هو حق الجماعة العامة، بينما حق الأسرة يتبوّأ منها مكاناً وسطاً!

стр. 785

أما حق النفس؛ فإنه لا يحلّ منها إلا في أدنى المنازل! أليس يأخذك هاهنا العجب؟! أليس حق النفس أوجب؟! يليه حق الأسرة؟! الأقرب فالأقرب فلننظر! الثلاثة في أموالنا، تتقاضانا أداءها والقيام بها: العالميّة، بعد أسرة الدّين والوطن! والنسب، وتتشعّب أطرافها بتشعب فروعها؟! بلى، ولكن هذا هو وضعها في القرآن الكريم، على رغم أنف النفعيّة، الأنانية منها والعصبيّة، بل على رغم القواعد الفقهيّة، وظواهر الأدلة الشرعيّة! أي والله! إن هذا هو وضع المسألة في القرآن الكريم، عرف الحكمة فيه من عرفها، أو جهلها من جهلها! ألا فلنستمع إلى كتاب الله حين يتحدّث عن حق الانتفاع بالمال في حظوظ النفس المشروعة؟! إنه قلما يتحدّث عن حق الاستمتاع بهذه الحظوظ؛ لأنه ليتحدّث عن هذا الحق -إذا تحدّث- حديثاً ليّناً، لا حضّ فيه ولا تحريض، ولا إيجاب ولا إلزام، وإنما هو الإذن والرخصة في تناول هذه الحظوظ، ورفع الحرج والإثم عن متناولها! أما حين يتحدث عن حقوق الأسرة، فإننا نسمع منه نبرة جديدةً، يصبّها في قالب الأمر الموجب الملزم .. ولكنها آيات معدودات، لو جمعت كلها لكادت تسعها صفحة واحدة من كتاب الله!

стр. 786

وأما حق الجماعة في أموالنا، فحدّث عن البحر ولا حرج .. إن الحديث عنه يواجهنا في كل مكان من القرآن الكريم، في لهجة تشتدّ وتعلو، وتوجب وتحتّم، وتعد وتتوعّد، وتكرّر وتؤكّد! يا سبحان الله! ألم يكن حق النفس أولى بهذا التأكيد والتشديد؟! أو لم يكن حق الأسرة أولى بأن يليه في الحضّ والتحريض؟! وحق الجماعة البعيدة أولى أن يكون آخرها رتبةً وأبعدها منزلة؟! إن الإنسان يأخذ بظاهر العلم، ويبني على بادي الرأي .. ولو أَتبع القرآن هداه، لكان كتاب تعليم وكفى، ولكن القرآن ليس خطاباً للعقول وحدها! إنها خطاب للنفوس تربية وتهذيباً، وللقلوب علاجاً وتطبيباً .. فهل للطبيب أن يصف الدواء بغير داء؟! والإنسان يقول: إن حق النفس أوجب .. وحق الأسرة إليه أقرب .. لقد صدق! لكن باعث الطبيعة إليهما يسبق داعي الشريعة، وإن الطبيعة لأشدّ حرصاً على حق النفس منها على حق الجماعة .. فأيّ حاجة بنا إذن إلى الإلحاح على كل امرئ في أن يأكل ويشرب، وأن ينتفع بماله في سدّ حاجاته؟! أليس داعي الجبلّة والغريزة قائماً في كيان نفسه، يدفعه إلى ذلك دفعاً؟! إن مهمّة التشريع الحكيم هاهنا ينبغي أن تنحصر في التنبيه على صدق هذا الداعي الجبلّي وسداده، على أن تدعه بعد ذلك يعمل هو في النفس عمله!

стр. 787

فإذا انحرفت الفطرة بفعل البيئة أو الوراثة وجعلت تتحرّج وتتأثّم مما لا حرج فيه ولا إثم، فهنالك يجيء دور الشريعة في تصحيح الأوضاع المنحرفة، ورفع النظر الذي وضعته العادات السيئة، والعقائد الباطلة .. وهكذا نرى موقف القرآن الحكيم: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (المائدة)! ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ (الأعراف)! وكذلك لمَّا كانت لحمة الرحم تجعل من أعضاء الأسرة كائناً واحداً، يشعر بشعور واحد، حتى كأن حياة أحدهم امتداد لحياة صاحبه، وكأن حاجة الآخر هي حاجة نفسه، لم يكن بالشريعة حاجة إلى أكثر من تغذية هذا الشعور وتنميته ما دام قائماً، فإذا اضمحلّ هذا الشعور بتراخي حبال الرابطة الزوجيّة، وتفكّك عرا الأسرة، فهنالك يبرز سلطان القانون، ويرفع صولجانه! وهكذا نرى الدعوة القرآنيّة إلى القيام بحقوق الأسرة، لا تأخذ طابع الشدّة والصراحة، إلا حيث يبدأ التفسّخ والتفكك في هذه الرابطة بالشقاق وبالفراق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧)!

стр. 788

فإذا جاوزنا حقوق النفس، وحقوق الأسرة، وانتقلنا إلى ذلك الميدان الفسيح، بل ذلك العقد المنفرط، إلى محيط الجماعة "الكبرى" الذي لا يسمع فيه صوت لغريزة البقاء الفردي، ولا صوت لغريزة البقاء النوعي، وإنما تُسمع فيه أصوات خافتة للبواعث النبيلة -دينيّة كانت أو إنسانيّة- فهنالك تشتد الحاجة إلى صوت قوي علوي، متجدّد متكرّر، يوقظ هذه المعاني النبيلة من هجوعها! من أجل ذلك لا نزال نسمع صوت الدعوة القرآنيّة، إلى البذل والإنفاق في سبيل الله، يلاقينا حيثما توجّهنا في ثنايا الآيات وتضاعيف السور! ثم نرى هذه الدعوة الرشيدة لا تكتفي بأن تجعل هذا البذل ركناً من أركان الإيمان، ولا تكتفي بأن تجعل به للجماعة في أموال المؤمنين حقّين اثنين: حقًّا معلوم الحدود والمقادير! وحقاً آخر غير معلوم الحدود، تحدّده الضرورات النازلة، والحاجات المؤقتة، لإعانة العاجزين، وإغاثة الملهوفين (١)! اختيار مادة العطيّة: ونبصر القرآن الحكيم لم يكتف بأن وضع هكذا قانون البذل مفصّلاً، ولكنه أحاطه بسنن سنّها، وآداب شرعها! ونبصر آداب البذل في اختيار مادة العطيّة، حيث طوى الحديث عن فريضة البذل نفسها, ولم يبق المجال مجال الدعوة إلى البذل والتحريض عليه، ولكن مجال التمييز بين أنواع البذل واختيار أحسنها!

стр. 789

ولن يكون حديثنا موجّهاً إلى الأشحّاء الكانزين الذين انحرفت فيهم غريزة حبّ التملّك، فأصبح المال عندهم غايةً لا وسيلةً، بل أصبح فيهم يخدم ولا يستخدم .. أولئك الذين يضنّون بالمال على أنفسهم، فلا يبدو عليهم، في مطعمهم وملبسهم، أو في مسكنهم ومركبهم، مظهر لهذه النعمة التي يحبّ الله أن يُرى أثرها عليهم! وإنما كل السعادة في نظرهم أن يجمعوا المال جمعاً ويعدّوه عداً، كأن زيادته ستمدّ في آجالهم مداً! كلا ,ولن يكون حديثنا سوقاً إلى السفهاء المسرفين، الذين انحرفت فيهم نزعة الإنفاق، فجعلت أموالهم وقفاً على أنفسهم، ينفقونها مع قرناء السوء في متعهم الشخصيّة، تاركين أزواجهم وأولادهم وراء ظهورهم، يقاسون نكد العيش، ويكابدون ذلّ الحاجة، كأنهم عن هذه الرعيّة غير مسؤولين! كلا, ولن يكون حديثنا مع المترفين، أولي النعمة الذين يغمرون بالرفاهية أسرهم، ولكنهم لا تمتدّ أبصارهم إلى أبعد من جيران بيوتهم .. أولئك الذين يأكلون من غير جوع، ويشربون على غير ظمأ، ثم يرفلون هم وأهلوهم في الحرير، ولا يمشون إلا على الفراش الوثير، ومن حولهم بطون طاوية، لا تجد طعاماً ولا شراباً .. وأجساد عارية، لا تملك كساءً ولا غطاءً، فلا تهتزّ منهم عاطفة لمنظر هذا البؤس والحرمان، ولا تنبسط لهم كفّ بشيء يسدّ جوعة الجائع، أو يواري سوأة العريان! ولكن حديثنا إلى المنفقين، الذين طهرت نفوسهم من داء الشحّ في مراتبه الثلاث:

стр. 790

الشحّ على النفس! والشحّ على الأسرة! والشحّ على الجماعة! نوجّه حديثنا إلى الباذلين، لنقول لهم: إنهم وقد طهروا من عيب البخل، عليهم أن يتطهّروا من عيوب البذل، فإن للبذل عيوباً، وأن يتأدّبوا بأدب الإسلام فيه، فإن للبذل في الإسلام آداباً، فربّ بذل هو شرّ من البخل، وربّ عطاء خير منه الحرمان، كما صرح القرآن! نعم، إن على الباذل -حين يبذل- أن ينظر في صفة ما يبذل، وفي قدر ما يبذل، وأن يعرف فيم يبذل، وكيف يبذل، ولم يبذل؟! ثم عليه -في كل واحدة من هذه النظرات- أن يسترشد بهدي القرآن الكريم وتوجيهه الحكيم! فلنبدأ بالتوجيهات القرآنيّة في انتقاء مادّة البر والعطاء! كثير من الناس إذا انتخبوا عطاياهم -وبخاصة تلك العطايا التي تجمع بطريقة شعبيّة، لا يلتقي فيها المعطي والآخذ، ولا تعرف فيها شخصيّة المعطي ولا الآخذ، يختارونها من حثالة ما لهم، وسقط متاعهم، يخرجون من الثياب خشنها وغليظها، وباليها ومرقعها، ومن النعال مخصوفها وممزّقها، ومن الطعام ما بدا خبثه وغلثه، وسوسه وعفنه، مستبقين لأنفسهم أجود المال وأطيبه، يجعلون لله ما يكرهون، ولأنفسهم ما يشتهون!! تلك نفسيّة لا تزال فيها بقيّة من شيمة البخل، تقصر بصاحبها عن رتبة البرّ، كما وصفه الله تعالى، أن نؤتي المال على حبّه، ونطعم الطعام على حبه!

стр. 791

ألا نسمع إلى القرآن الكريم، حين يقول بصيغة الحصر: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢)! والآن، فلننظر في مرآة القرآن، إلى تلك النفسيّة التي تسيء اختيار مادة البرّ والإحسان, إنها في حكم القرآن نفسيّة تستمدّ وحيها من نظرتين خاطئتين: نظرة استهانة بشأن الآخذ! ونظرة استئثار ومحاباة لشخصيّة المعطي نفسه! فالذي يمنّ بالرديء، ويضنّ بالجيد، ينظر إلى الفقراء والمعوزين، فيتراؤون له -من خلال خياله- كأنهم قطيع من الحيوان، حفاة عراة جياع، يسدّ جوعهم أدنى طعام، ويستر عورتهم أحقر كساء؛ بل إنهم لا يطعمون في أكثر من لقمة وستر .. أليس شيء خيراً من لا شيء؟! هكذا ينظر إلى الناس من عليائه، نظرة استهانة وبطر، ثم ينظر إلى نفسه، نظرة حرص وحذر، يقول في نفسه: كيف أوتي الفقير جيد طعامي ولباسي، لأصبح بحاجة إلى بدلٍ منها؟! أأُغنيه وأُفقر نفسي؟! هذه النظرة الخاطئة بل هذه العقليّات المريضة، يصفها القرآن الحكيم أدقّ وصف، ثم يبطلها، ويعمل على استئصالها! أما نظرة الحذر والخوف من الفقر، فإن القرآن يصفها بأنها نزغة شيطان، ثم يمحوها من نفس المؤمن بذلك الوعد الكريم، إن الله سيرزق المنفق خلفاً: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (البقرة)!

стр. 792

وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ -قال: "ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إِلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط مُنْفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط مُمْسكاً تلفاً" (١)! وأما تلك النظرة المستكبرة المستقلّة، فإن القرآن الحكيم يبدّلها نظرة مؤاخيةً، مواسيةَ مساويةَ: يا صانع المعروف، لا توازن مواضيع صنيعك بأنفسهم، ولكن وازنهم بنفسك! إنهم إخوتك، منزلتهم منزلتك، قدّر في نفسك أن الذي تمنحه لهم، قُدِّم منحةً لك! أكنت ترضى أن تأخذ الرديء الدنيء؟! ألست إن أخذته على استحياء لا تأخذه إلا مغمضاً عينيك عن القذى والأذى؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ (البقرة)! يا صانع المعروف، افتح عينيك، وامح الغشاوة عن ناظريك، أتظن حين تضع صدقتك في يد الفقير، أنك تضعها في يد الفقير نفسه؟!

стр. 793

كلا، إنها تقع في كفّ الرحمن! إنك تقرض الله بها قرضاً حسناً! أفلا تستحيي أن تقرض الله أردأ ما أعطاك، وتضنّ عليه بأجود ما أولاك؟! ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ (التوبة)! مقدار العطاء: وهل في القرآن الحكيم توجيهات معيّنة عن مقدار العطاء، كما كان له توجيه معيّن في اختيار صنوف العطاء والتزام جودته؟ وهنا نبصر القرآن في دعوته إلى البذل لم يحرّض الناس يوماً ما على إنفاق المال كله، ولم يدع الغنيّ تأخذه الرأفة على الفقير إلى حدّ نسيان نفسه .. ولو فعل لكان ذلك تحويلاً للثروة من يد إلى يد، ونقلاً للبؤس من جانب إلى جانب .. ولم يكن ذلك هو الإرشاد الحكيم إلى حسن توزيع الثروة بين الأمّة، والتقريب المعقول بين طبقاتها .. وكيف يشجع الإسلام على الفقر، وهو يريد أن يمحو الفقر؟! أم كيف يقول الأغنياء إلى ذلّ السؤال، وهو يريد أن تكتسب العزّة لجميع المؤمنين؟! أم كيف يمهّد لأحد سبيل الغنى؟! وهو يدعو إلى الحياة الطّيبة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)! ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)!

стр. 794

يروي البخاري وغيره عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنىً، وابدأ بمن تعول" (١)! وكلمة الإنفاق من المال غير محدّدة المعالم؛ إنها تتناول القليل، بل أقل القليل، فهل كل عطاء ولو قلّ يحقّق الباذل البرّ؟! ويخلي من تبعة البخل؟! كلا، ألا نستمع إلى قول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ (النجم)! هاهنا إذن طرفان ممنوعان؛ لا قلة شحيحة تقصر عن المدى، ولا كثرة سفيهة تقلب الأوضاع، وتسيء إلى ميزان التوزيع .. ولكن وسط بين ذلك! وما هو القدر الوسط، الذي يحبّه الله ويرضاه؟! هلا وضع الإسلام في ذلك حداً يخرج الناس من حيرتهم، وينقذهم من خداع أهوائهم، وسوء تقديرهم؟! هاهنا يتجلّى نور الهدي النبوي؛ ليبيّن للناس ما نزّل إليهم .. ويضع مقياسين اثنين للحد الأقصى من الصدقات، مقياساً في ثروة المتصدّقين، ومقياساً في حاجة المعوزين!

стр. 795

مقياسان كل منهما قائم بنفسه .. مستقل تمام الاستقلال عن صاحبه! أما المقياس الأول، فإنه يخصّ المقتدرين، ولو امتداداً نسبياً متواضعاً، إنه يعني كل من بلغ ماله نصاباً معيّناً في وقت معيّن! تلك هي فريضة العشر، أو نصف العشر، في الزروع والثمار عند كل حصاد! وفريضة ربع العشر من الذهب والفضة في كل عام! إلى مقادير معيّنة من بهيمة الأنعام في كل حول! ذلك هو الحق المعلوم الذي أشار إليه القرآن الحكيم في قوله -جل شأنه- في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج)! وحدّده الهدي النبوي (١) .. نسب لا تختلف باختلاف الحاجات شدّة ولا ضعفاً، ولكنها تؤدّى على كل حال، إلى الدولة نفسها لتتولى صرفها في الوجوه الخاصة أو العامة التي حدّدها الكتاب الحكيم! وأما المقياس الثاني، فإنه لا يحدّ بنصاب، ولا زمان، ولا مقدار .. إنه يدور على محور الضرورات النازلة، والحاجات المتجدّدة، ويقدر بقدر كل واحدة! أمام هذه النوازل، ليس لأحد أن يقول: لقد أدّيت ما عليّ من الزكاة المفروضة، فلتؤدّ الدولة ما عليها!

стр. 796

إن الدولة مهما تتسع مواردها، ومهما تتفتّح عيونها, لا تقف على كل حادثة، ولا تسمع كل استغاثة! أفنترك الجائع الذي لا يجد ما يسدّ رمقه؟! والعاري الذي ليس عنده ما يستر بشرته؟! والضائع الذي لا مأوى له؟! والجريح الذي ينزف دمه؟! والمريض يمتد مرضه؟! حتى تفطن لهم الدولة، وتؤدّي واجبها نحوهم؟! لقد عرف (الدّين القيّم) لهؤلاء جميعاً حقّهم، فجعل معونتهم في عنق من اطّلع على حاجاتهم .. فإن أعرض عنهم فهو آثم، وإن أعطى دون ما يكفيهم فهو آثم، إلا أن يعجز عن الكفاية؛ فعليه حينئذ أن يستعين بغيره لإحياء هذه النفوس البائسة وإسعافها وإنقاذها: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢)! من هذين الواجبين: واجب الزكاة المفروضة! وواجب الإغاثة عند الطوارئ! يتألف الحدّ الأدنى للبرّ في الإسلام، فمن أداهما جميعاً فقد برئ من إثم الشحّ، وتطهّر من رجسه، ولو بقيت له الألوف المؤلفة، والقناطير المقنطرة!

стр. 797

فقولنا هذا، هو الحدّ الأدنى، ولكن فوقه درجات متصاعدة، رسمها الإسلام، وندب إليها القرآن! أدناها: ألا يمسك المرء إلا حدّ كفايته، وقدر حاجته هو ومن يعوله، ثم يعمد إلى ما زاد عن هذه الكفاية، فينفقها في التوسعة على الآخرين .. إلى هذه الدرجة السنيّة، يشير القرآن الحكيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩)! المرتبة الثانية: وهي الدرجة الوسطى: ألا يستأثر على الناس بشيء من ماله، بل يعد نفسه شريكاً لهم كواحد منهم، لهم في ماله مثل ما له فيه، ولا سيما في أيام المسغبة، وإلى تلك الرتبة الإشارة بقوله عظمت حكمته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)! ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)! المرتبة الثالثة: وهي أعلاها، أن يؤثر أخاه على نفسه، من دون أن يلقي بيده إلى التهلكة .. تلك هي الدرجة العليا، تسمو إليها الأرواح القدسيّة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر)! فلينظر المؤمن أن يضع نفسه من هذه النازل كلها! وليعلم أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها! وجوه البذل: وبعد أن وصّانا القرآن الكريم بالبر والإحسان, رسم لنا الخطة المثلى، التي افترضها الله علينا في هذا الإحسان, فأمرنا أن نتخيّر مبرّاتنا من أطيب أموالنا

стр. 798

وأحبّها إليه، لا من أبخسها وأهونها علينا .. ثم لم يترك لنا الخيرة في تقدير الجزء الذي نبذله؛ بل أشار إلى تحديد الحدّ الأدنى منه بحدّين نسبين: حدّ يتبع مقادير أموالنا قلة وكثرة، يتصاعد بتصاعدها! وحدّ يتبع ضرورات الناس وحاجاتهم، ويقدر بقدرها! هكذا تبيّنت لنا حدود الواجب في البرّ، سواء من حيث رتبتها وجودتها، أو من حيث مقدارها وكميتها! وبقيت جوانب أخرى من هذه المبرّات، جديرة بالبحث والبيان! ولنتذكر قبل كل شيء أن القرآن الحكيم، حين دعانا إلى بذل المال في وجوهه المختلفة، على النفس وعلى الأسرة، وعلى من وراء ذلك من أبناء الأمّة، لم يسوّ بين هذه الأنواع الثلاثة في أسلوب دعوته، ولكنه اختصّ هذا التصرّف الثالث -أعني شؤون المجتمع- فوجّه إليه جلّ عنايته، وجعله وحده هو عنوان الطهر، ومعيار التزكية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)! فمن كانت نفقاته محصورة في نطاق حاجاته وحاجات أسرته، ولمن بذل فيهما عن فيض وسعة، فإنه في نظر القرآن، لا يزال منغمساً في حمأة الفرديّة والأنانية، ولن يستحق منه لقب الطهر، حتى يخرج حاله عن هذا النطاق المحدود، وحتى يدخل به في محيط الأسرة الكبرى! هذه الدعوة العامة إلى كل ذي فضل، أن يمدّ بساط فضله خارج نطاق أسرته!

стр. 799

ترى، كيف كنا نفسرها, لو أن الإسلام وقف في بيانها عند هذا الحدّ المجمل؟! حسبنا أن نلقي نظرة على أخبار الكرم والكرماء، في كل زمان، بل حسبنا أن نلقي نظرة على أساليبنا العصريّة في الدعوة إلى ولائمنا ومآدبنا، ومظاهر توسّعنا في شتّى الملابسات، ألسنا -حين نفكّر في هذا التوسّع الكريم- يتّجه تفكيرنا إلى من هم على شاكلتنا، من الخلطاء والأصدقاء، أو إلى من نعرف من النابهين والكبراء، ناسين أو متناسين من هم دوننا، ومن هم أحق ببّرنا، من الخاملين والضعفاء؟! ألسنا -في الأعم الأغلب- نطعم المطعومين، ونحرم المحرومين؟! فلو تركت لنا الخيرة في أسلوب نشر البرّ، ألا تكون هذه الصورة هي أقرب الصور إلى أذهاننا، وأدناها إلى تحقيق فضيلة السخاء في نظرنا؟! ولكن الله كان أرحم بالأمّة، من أن يكل شريعة برّها إلى حكم كل امرئ في نفسه، بل كان أرحم بها من أن يكتفي في تشريعها ببيان من رسوله ونبيّه ﷺ ، فسجّلها في كتابه محكمة مفصّلة، جامعة مانعة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (التوبة)! ثمانية أبواب، حدّدت حاجات الأمّة ومطالبها الرئيسية وفصّلتها تفصيلاً، تناولت به أهمّ شؤون الأمّة، وأهمّ شؤون الدولة، وقالت للباذلين والمنتفعين: هاهنا فلتولّوا وجوهكم! هاهنا فلتضعوا فضل أموالكم، سداً لتلك الحاجات، وتحقيقاً لتلك المطالب!

стр. 800

ثمانية أبواب، يكفي أن نطلع على بضعة منها, لنعرف كيف اتخذ القرآن الحكيم من هذه الفريضة الاجتماعيّة، أساساً لبيان قومي مثالي، يجمع إلى عناصر القوة والحرمة عناصر الحياة السعيدة، والعيشة الرغيدة! نعم، يريد الله بهذا التشريع، ألا يكون في بلاد الإسلام فرد واحد إلا وله مسكن يؤويه، وأثاث يرتفق به في مسكنه، وله كسوة للشتاء والصيف، وله مركب وخادم إن عجز عن السعي بنفسه، وعنده فوق ذلك ما يكفي لقوته سنة كاملة! فمن أعوزه شيء من ذلك، فهو في نظر المحقّقين من الأئمة فقير، له علينا الحق في رفعه إلى هذا المستوى! فإن لم تف حصيلة الزكاة بإبلاغه إلى هذا الحدّ الأدنى، وجب علينا في حلّ أموالنا، ما نوفر له به هذه المرافق الضروريّة، ثم ما يوفر له قوته أولاً، بتهيئة عمل له، يتكسّب به يوماً بيوم! فهذا هو سهم الفقراء والمساكين! ثم يريد الله، ألا يكون في بلاد الإسلام، مدين يرهقه الدَّين -الذي استدانه في حلال- ولم يجد له وفاء، أو مدين يثقله دين تحمّل به في برّ الغير، ولو كان عنده وفاء به، بل علينا أن نؤدّي عن المدينين ما يقضي دينهم! وهذا هو سهم الغارمين! ثم يريد الله، ألا يكون ببلاد الإسلام غريب، انقطعت به الأسباب عن بلده وماله، إلا آويناه وأرفقناه، وزودناه ما يبلغه موطنه!

стр. 801

وذلك هو سهم ابن السبيل! ثم يريد الله، ألا يكون تحت يد المشركين أو غيرهم أحد من المسلمين يرسف في قيد الأسر، أو يرزح تحت نير الاستعباد، إلا افتديناه وفككنا إساره، ورددنا إليه حريّته! وذلك هو سهم الرقاب! وأخيراً، يريد الله لدولة الإسلام، أن تكون قويّة الشوكة، عزيزة الجانب، ولذلك افترض علينا في أموالنا ما نمهّد به أسباب قوّتها، وحماية حوزتها! وذلك هو سبيل الله، أو هو على أبواب سبيل الله! أرأيت؟ بعد أن وصّانا القرآن الحكيم بالبرّ والإحسان, كيف نظّم لنا طرائق البرّ والإحسان؟ وكيف جعل من هذه الفريضة الاجتماعيّة، بناءً لأمّة مثاليّة، ودولة مثالية؟ ذلكم هو حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة)! أسلوب البذل: حقًّا، ما أحكم نظرة القرآن الكريم إلى معنى البرّ والإحسان! وما أعمق وما أرفق نظرة هذا القرآن إلى كرامة الإحسان المستحق للإحسان! وليس الشأن كل الشأن عند الله، في أن ننتخب مادة العطاء ونحسن اختيارها!

стр. 802

وليس الشأن كل الشأن في أن نجزل العطيّة وتوفي مقدارها! وليس الشأن كل الشأن أن نحسن توزيعها ووضعها في مواضعها: إغناءً للفقير، وإيواء للغريب، وتحريراً للرقاب، ودفاعاً عن الملّة والدولة! كل ذلك لا شك جميل، بل كل ذلك واجب محتوم وصّانا به القرآن، وشدّد علينا في الوصّية! ولكن هذه الوصايا كلها -في جملتها وتفصيلها- ليست إلا شيئاً يسيراً، إذا قيست إلى العنصر الإنساني، الذي اشترطه القرآن في أسلوب البذل وطريقته! ذلك هو واجب التلطّف في الأداء، رفقاً بشعور المستحقّين، وصوناً لماء وجوههم، وإبقاءً على عزّتهم وكرامتهم! نعم، إن الله يرضى منك أن تقضي حاجة المحتاج، ولا يرضى منك أن تجرح شعوره بعطيّتك، أو تمتهن كرامته بقولك أو بفعلك أو بإشارتك، لا قبل العطاء، ولا حين العطاء! أرأيت إن وضعت منحتك في كفّ الفقير وأنت تنظر إليه، أو تقول له نكراً؟! أرأيت إن استكثرت عليه عطيّتك، أو تمنيّت لو أنك أخرت شيئاً منها لنفسك؟! أرأيت إن استشعرت الفضل عليه، بمالك من اليد العليا، أو أشعرته بموقفه الضارع المستكن؟! أرأيت إن ذكّرته -ولو بعد حين- بما أسديت إليه من برّك، ومنحته من معروفك؟!

стр. 803

ترى، هل يبقى لك بعد ذلك شيء من الفضل؟! أم هل تطمع عند الله في شيء من الأجر؟! هيهات!! لقد أضعت بذلك عملك هباءً، وكنت أنت ومانع الخير سواءً، بل لعل البخل كان خيراً بذلك، والحرمان أفضل من إحسانك .. فإن كنت في شك من هذا فاقرأ قول الله : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ﴾ (البقرة: ٢٦٤)! إنما الفضل والأجر لمن أنفق نفقته طيّبة بها نفسه، عفيفاً فيها لسانه، مكفوفاً عنها منّه وأذاه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ (البقرة)! والقرآن الحكيم بعد ذلك لا يكتفي منا بهذا الموقف! إنه يصف لنا المؤمنين الصادقين، أكرم طبعاً، وأشدّ تواضعاً، من أن يقفوا مع المسكين على قدم المساواة! إنه يصوّرهم لنا خافضي الجناح، متطامني الظهور، كأنهم يعدّون الفقير صاحب الفضل في قبول برّهم، وفي إتاحة الفرصة لهم لينالوا رضوان الله، فتراهم في ساعة بذلهم أشدّ منه خضوعاً، وأعظم خشوعاً! إنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ (المائدة)!

стр. 804

﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ (المؤمنون)! يروي الترمذي وغيره بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت (١): سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾! قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر, ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصدّيق, ولكنهم الذين يصومون ويُصلّون ويتصدّقون, وهم يخافون ألا تُقْبل منهم: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: ٦١)! ولقد ضرب الله لنا في كتابه العزيز مثلاً من صنيع أصحاب رسول الله ﷺ حين قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (الإنسان)! وكانوا مع ذلك يقولون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ الله شرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١)﴾ (الإنسان)! هذه الوصيّة الواجبة على المتصدّقين، أن يتّخذوا في عطائهم ذلك الأسلوب الرحيم الكريم، لخجل الرجل الخاضع المتواضع، يضيف القرآن الكريم إليها وصيّة أخرى غير ملزمة، ولكنها يزداد بها الإحسان إحساناً، وتزيد بها كرامة الفقراء حفظاً وصوناً!

стр. 805

تلك هي وصيّة الإسرار بالصدقات، وإخفائها عن أعين الناس، بعداً يباذلها عن بواعث الفخار والرياء، وبعداً بأخذها عن عوامل الخجل والاستحياء، حتى إنها كلما خفي مكانها، ازداد عند الله ميزانها! أليس أحد السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم القيامة رجل أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه؟! يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إِلا ظله: الإِمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم بشماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" (١)! فإذا كان القصد من إعلانها، إثارة باعثة الخير عند الغير، وفتح باب الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، لكي يستن الناس بسنته، فيكون حظ المحتاجين أوفر بهذا التعاون على البرّ، فلا بأس بهذا الإعلان! كما أنه إذا كان يخشى من دوام إخفائها التعرّض لسوء الظن، وفتح باب التهمة الباطلة، فلا بأس كذلك بأن يعلنها على قدر ما تزول به الريبة، ولا سيما في الصدقات الواجبة!

стр. 806

أما إذا لم يكن هنالك باعث صحيح من هذه البواعث وأمثالها، فإن الإسرار بها أكمل وأفضل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١﴾ (البقرة)! بواعث البرّ والإحسان: وهل وقفت وصايا البّر عند هذا الحد؟! هل ينال بالصدقة رضوان الله كاملاً، متى استكملت هذه العناصر فحسب؟! كلا، لقد بقي عنصر أنفس وأقدس من تلك العناصر كلها! عنصر لو سلم لها من أول الأمر لسلمت سائر العناصر، ولو بطل أو فسد لحبطت سائر العناصر! عنصر لا يتصل بمنبع العطاء، ولا بأحقيّته، ولا بمقدار أسلوبه! عنصر ليس ماديًّا، ولا اجتماعيًّا، ولكنه معنوي نفساني، يسكن في أعماق صدورنا، يدفعنا إلى العدل، وتتحرّك همّتنا إليه، ذلك هو عنصر الباعث أو النيّة، الذي تتحدّد فيه غايات الأعمال ومقاصدها، والذي يدور على ميزان القيم في نظر الخلق والدّين: يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله لا ينظر إِلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم " (١)!

стр. 807

نعم، إنك لترى العمل، فتراه في ذاته عملاً مبروراً، فإذا اطلعت على مقاصده وبواعثه، وجدته قد انقلب إثماً وفجوراً، أو قد تحوّل شغلاً دنيويًّا مباحاً، لا برّ فيه ولا فجور! من أجل ذلك كان حقًّا على المؤمن -قبل الإقدام على عمل ما- أن يلقي على نفسه هذا السؤال، وأن يلحّ على نفسه في طلب الردّ عليه: ماذا تبتغين أيّتها النفس من هذا العمل؟! فإذا ظفر منها بإجابة صحيحة صريحة، غير مخدوعة ولا خادعة، فليعرض هذه الإجابة على مرآة القرآن، وليختبرها بالمعايير التي وضعها القرآن، ليستبين بذلك قيمة عمله، بل ليستبين درجة ايمانه، بل لينكشف له جوهر نفسه، ومعدن روحه، فيعلم: هل علوّية ربّانيّة هي، أم شيطانيّة ماردة، أم طينيّة باردة؟! ولعله ليست هناك قضيّة عني القرآن بتحليل بواعثها، وتحديد قيمها، على ضوء تلك البواعث، أشدّ من عنايته بقضيّة البذل والإنفاق، وترتيب منازلها، برّها وفاجرها وما بين ذلك! والتاريخ القديم والحديث للبشريّة مشحون بالمثل والصور التي ينطبق عليها حكم القرآن: هذا رجل من الناس يغمرك بكرمه، لتسكن إليه وتأمن قائلته، يبدي لك الخير والبرّ، ولكنه يضمر المكر والغدر! حذار حذار! إنه يسمنك ليأكلك، ويستدرجك ليقتلك، كمثل اليهود، حين دعوا رسول الله ﷺ إلى طعامهم، وقد دسّوا له السم في اللحم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ (آل عمران)!

стр. 808

وهذا رجل آخر، يمنحك من فضله ونواله، لا ليكرمك، ولكن ليستعبدك ويستخدمك! يحاول أن يشتري ضميرك وذمتك، أو لسانك وقلمك، أو يدك وساعدك .. فإن لم يكن يريد أن يضربك؛ فإنه يضرب بك، لا ليضرب بك عند الباطل، وينصر بك كلمة الحق، ولكن ليحارب بك الله ورسوله، ويصدّ بك عن سبيله، فتلك هي النفوس الشيطانيّة، التي وصف الله لنا أمثالها في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال)! وطائفة من الناس تراها تنفق عن سعة، وتبذل عن سخاء، ولا تبتغي بأموالها شراً، ولا تضمر لأحد غدرًا؛ ولكنها تخضع لشهوة خفيّة من حبّ الظهور، وطلب السمعة المحبّبة عند الآخرين، فذلك هو الرياء الذي وصفه الله لنا في كتابه المجيد، كيف يحبط الصدقات، كما تهلك النار الزروع والثمار: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ (البقرة)! وطائفة أخرى تجعل مبرّاتها مقايضة ومبادلة، تسدّ بها ديناً سابقاً من الجميل والمعروف، أو تفتح بها ديناً جديداً، تتقاضى فيه مكافأة، الحسنة بمثلها أو بأحسن منها .. !

стр. 809

هؤلاء وهؤلاء تجّار يستوفون أجورهم في هذه العاجلة، ولا يبقى لهم منها رصيد، في الآجلة! وتلك هي النفوس الأرضيّة الطينيّة! ألا ترى القرآن الحكيم حين وعد الله المتقين الوعد الجميل، اشترط أن تتجرّد صدقاتهم من هذه المبادلات والمعاوضات السابقة واللاحقة؟ هكذا يقول جل شأنه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (الليل)! ويقول: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ (الإنسان)! أما النيَّة المثاليّة في الصدقات، فهي النيّة النقيّة المصفّاة من كل عوض، المتنزّهة عن كل غرض، وإنما يقصد بها وجه الله تعالى خالصاً، وتلك هي النفوس العلويّة الربانيّة، التي وصفها القرآن في غير ما آية: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢)! ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١١٤)! ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ (الليل)! طهارة القلوب من الغلّ والحسد: وهكذا كانت أول حملة تطهيريّة أعلنها القرآن الحكيم في مكّة -بعد حملته على الشرك والوثنيّة- حملته على ذلك الداء الاجتماعي الوبيل، داء تكديس الأموال وتجميعها، وحبسها من الانتفاع بها في وجوهها المختلفة، لخدمة الفرد والجماعة!

стр. 810

عشرات من السور المكّيّة، كان من أوائل أهدافها تليين تلك القلوب المتحجّرة، وحلّ تلك الأنامل المعقودة، تطهيراً لها من وصمة الشح والبخل، وتحلية لها بحلية السخاء والبذل! ثم لم يقصر القرآن دعوته على واجدي المال، مناشداً إيَّاهم أن يبذلوه، ولكنه دعا كذلك فاقدي المال، أن يجدّوا ليكتسبوه ويبذلوه! وبعد أن رأينا القرآن يضع أساس فريضة الكسب، وأساس فريضة البذل، رأيناه يرسم لكلتا الفريضتن آدابها ومناهجها، من حيث الوسائل والمقاصد، ومن حيث المصادر والموارد، ومن حيث المقادير والمعايير! هذه الحملة الواسعة المنظمة، في مكافحة مرض الحرص والبخل، إنما كان هدفها ذلك النوع الذي يعرفه الناس باسمه، وهو ضنّ الإنسان الواجد بشيئه الذي في يده! غير أن هناك نوعاً آخر، لا يعرفه الناس باسم البخل، وهو مع ذلك شر أنواع البخل، وأذلّ ضروب الحرص، وهو مرض يصاب به الغنيّ والفقير، والواجد والمحروم على السواء، ذلك هو ضنّ الإنسان بشيء غيره، وبما ليس في يده! ماذا نقول؟! هل يتصوّر في العقل أن أحداً يضنّ بشيء غيره، وبما ليس في يده؟! نعم! وهل الحقد والحسد إلا ذلك؟! فالحسود لا يبخل على محسوده بما عنده فحسب، بل يكره أن تصل نعمة الله إليه، ولا يرضى أن ينزل الله من فضله عليه!
следующие страницы →