ويطالعنا هذا المشهد، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس .. إنهم يفركون أعينهم، ويلتفت أحدهم إلى الآخر فيسأل: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ كما يسأل مِن يستيقظ من نوم طويل، ولابد أنه كان يحسّ بآثار نوم طويل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾!
ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها، ويدعوا أمرها لله -شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله- وأن يأخذوا في شأن عمليّ، فهم جائعون، ولديهم نقود فضيّة خرجوا بها من المدينة: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم، ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً -بوصفهم خارجين على الدّين، لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة! - أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب، وهذه هي التي يتقونها، لذلك يوصون أحدهم أن يكون حذراً لبقاً: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾! فما يفلح من يرتدّ عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى!
وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم، حذرين خائفين، لا يدرون أن الأعوام قد كرَّت، وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالاً قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيّرت معالمها، وأن المسلّطن الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم، وأن قصة الفتية الذين فرّوا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف، وأن الأقاويل حولهم متعارضة، حول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم!
وهكذا يسدل الستار على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر!
стр. 877
ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون، فهم شديدو الحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فرّوا بدينهم منذ عهد بعيد!
ولنا أن نتصوّر ضخامة المفاجأة التي اعترف الفتية -بعد أن أيقن أحدهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها، وأن الدنيا قد تبدَّلت من حولهم، فلم يعد لشيء مما ينكرونه، ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون، وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسّهم. فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين، وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد .. كله قد تقطع، فهم أشبه بالذكرى الحيّة منهم بالأشخاص الواقعيّة ... فيرحمهم الله من هذا كله فيتوفاهم!
لنا أن نتصوَّر هذا كله .. أما السياق القرآني فيعرض هذا المشهد الأخير، مشهد وفاتهم، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم، على أي دين كانوا، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال، وتطالعنا العبرة المستفادة: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ (الكهف). والعبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالاتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس، يقرب إلى الناس قضيّة البعث، فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها .. وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومتهم، وأعثر قومهم عليهم!
стр. 878
وقال بعض الناس: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ لا يحدّد عقيدتهم ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ وبما كان عليه من عقيدة!
وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ والمقصود معبد، على طريقة أهل الكتاب، في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والصالحين .. وكما يصنع اليوم من يقلّدونهم من المسلمين، مخالفين لهدي الرسول ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ طَفِقَ يطرح خَميصةً له على وجهه، فإِذا اغْتَمَّ بها كشف عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: "لَعْنَةُ اللهِ على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. (١)
قال السندي: (يُحَذِّرُ): أي أمته، قيل: لأنه يصير بالتدريج تشبيهاً بعبادة الأوثان، وقوله (قبور أنبيائهم)، أي وصلحائهم، كما في رواية مسلم، وإلا فالنصارى ليس لهم إلا نبيّ واحد لا قبر له!
ورواية مسلم عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إِن أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بَنَوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصُّوَر، أولئك شرار الحلق عند الله يوم القيامة". (٢)
стр. 879
ويطالعنا الجدل حول أصحاب الكهف، على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار ويزيدون فيها وينقصون، ويضيفون إليها من خيالهم جيلاً بعد جيل، حتى تتضخَّم وتتحوَّل، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحدث الواحد كلما مرَّت القرون: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ (الكهف)!
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه، وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو أكثر، وأمرهم موكول إلى الله، وعلمهم عند الله، وعند القليلين الذين تثبّتوا من الحادث عند وقوعه .. فلا ضرورة إذن للحديث الطويل حول عددهم .. والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير ... لذلك يوجّه القرآن خاتمَ النبيّين ﷺ إلى ترك الجدل في هذه القضيّة، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم، تمشّياً مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقليّة أن تبدَّد في غير ما يفيد، وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق ... وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله، فليترك إلى علم الله!
وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه. فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (الكهف)!
стр. 880
إن كل حركة وكل نأمة، بل كل نفس من أنفاس الحيّ، مرهون بإرادة الله .. وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة .. وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل، وعقله مهما علم قاصر كليل، فلا يقل إنسان: إني فاعل ذلك غداً، والغد في غيب الله، وأستار غيب الله دون العواقب!
وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له، وأن يعيش يوماً بيوم، لحظة بلحظة، وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله .. كلا. ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره، وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم، ويستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم، وجرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس؛ لأن الأمر لله أولاً وأخيراً!
فليفكر الإنسان وليدبر، ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير الله، ويدبر بتوفيق الله، وأنه لا يملك إلا ما يمدّه الله من تفكير وتدبير، ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ، أو ضعف أو فتور، بل على العكس يمدّه بالثقة والقوّة والاطمئنان والعزيمة، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره، فليتقبّل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام، لأنه الأصل الذي كان مجهولاً فكشف عنه الستار!
هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم، فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكّر ويدبّر، ولا يحسّ بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح، ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق، بل يبقى في كل أحواله متصلاً بالله، قويًّا بالاعتماد عليه، شاكراً لتوفيقه إيّاه، مسلماً بقضائه وقدره، غير متبطر ولا قنوط!
стр. 881
ونبصر في تأخير الوحي بالجواب عتاباً رمزياً من الله لرسوله ﷺ ، كما عاتب سليمان، فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن نبيّ الله سليمان ﵊ كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنَّ الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدتْ منهن إِلا امرأةٌ ولدت نصف شقّ غلام، قال نبي الله ﷺ : "لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأةٍ منهن فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله". (١)
وكان هذا عتاباً صريحاً، فإن رسول الله ﷺ لمَّا سئل عن أهل الكهف -كما أسلفنا- وعد بالإجابة، ولم يستثن، كما نسي سليمان ﵇ فأعلم الله رسوله بقصة (أهل الكهف)، ثم نهاه أن يعد بفعل شيء دون التقيّد بمشيئة الله!
وقوله جل شأنه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله وفي كيفيّة نظمه اختلاف للمفسّرين. (٢)
فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقيّة جملة النهي، أي هو استثناء في حكم النهي، أي لا تقولن: إني فاعل إلخ ... إلا أن يشاء الله أن تقوله، ومشيئة الله تُعلم من إذنه بذلك، فصار المعنى: إلا أن يأذن الله لك بأن تقوله، وعليه
стр. 882
فالمصدر المنسبك من ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مستثنى من عموم المنهيات، وهو من كلام الله تعالى، ومفعول ﴿يَشَاءَ اللَّهُ﴾ محذوف، دل عليه ما قبله، كما هو شأن فعل المشيئة، والتقدير: إلا قولاً شاءه الله، فأنت غير منهي عن أن تقوله!
ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفرّاء مستثنى من جملة ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾، فيكون مستثنى من كلام النبي ﷺ المنهي عنه، أي إلا قولاً مقترناً بـ (أن يشاء الله) فيكون المصدر المنسبك من ﴿أَن﴾ والفعل في محل نصب على نزع الخافض، وهو باء الملابسة، والتقدير: إلا بـ (أن يشاء الله) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله؛ لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة محال، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ (إن شاء الله) ونحوه، فالمراد بالمشيئة إذْن الله له!
وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبي ﷺ من ثلاث جهات:
الأولى: أنه أجاب سؤله، فبيَّن لهم ما سألوه إيَّاه، على خلاف عادة ذلك مع المكابرين!
الثانية: أنه علَّمه علماً عظيماً من أدب النبوَّة!
الثالثة: أنه ما علَّمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استثناساً لنفسه ألا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهّم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم، ومثاله ما رواه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام ﵁ قال:
سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم، إِن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإِشراف نفس لم يُبارك له فيه،
стр. 883
كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرْزَ أأَحَداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إِلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إِن عمر ﵁ دعاه ليُعْطِيَه، فأبى أن يَقْبَل منه شيئاً، قال عُمر: إِنّي أشْهِدُكُم يا معشر المسلمين على حكيم أنّي أعرض عليه حقَّه من هذا الفَيْء فيأبى أن يأخذه، فلم يرْزأْ حكيمٌ أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى تُوفِّي". (١)
فعلم حكيم أن قول رسول الله ﷺ له ليس القصد منه منعه من سؤاله، وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم ألا يأخذ عن أحد غير رسول الله ﷺ شيئاً، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئاً!
فنظم الآية أن اللام في قوله ﴿لِشَيْءٍ﴾ ليست اللام التي يتعدَّ بها فعل القول إلى المخاطب، بل هي لام العلّة، أي لا تقولنَّ: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعدُ به، فاللام بمنزلة (في)!، و (شيء) اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أَي لشيء تريد أن تفعله، والإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ عائدة إلى (شيء)، أي إني فاعل الإخبار بأمر يسألونه، و ﴿غَدًا﴾ مستعمل في المستقبل مجازاً، وليس كلمة ﴿غَدًا﴾ مراداً بها اليوم الذي يلي يومه، ولكنه يستعمل في معنى الزمان
стр. 884
المستقبل، كما يستعمل اليوم بمعنى زمان الحال، والأمس بمعنى زمن الماضي، وقد جمعها قول زهير:
واعلمُ عِلْمَ اليوم والأمس قبله ... ولكني عن علم ما في غدٍ عَمِ
وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل، دون ما كان من الكلام إنشاء مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها، فقال جمهورهم: يكون ذكر ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ حلاًّ لعقد اليمين، يسقط وجوب الكفارة، ولعلهم أخذوه من معنى (شيء) في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ إلخ: بحيث إذا أعقبت اليمين بقول ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ونحوه لم يلزم البرّ في اليمين، وروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكيم عن مالك أن قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ﴾ إلخ ... إنما قُصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء، يعني أن حكم الثنيا في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية، بل هو مما ثبت بالسنة، ولذلك لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين. وهي قول: (إن شاء الله) وهذا قول أبي حنيفة والشافعي!
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ عطف على النهي، أي لا تَعدْ بوعد، فإن نسيت فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه، والمَراد بالذكر التدارك، وهو هنا مشتق من الذُّكر -بضم الذال- وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه)!
стр. 885
وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير الخاطب دون اسم الجلالة الْعَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى، وحذف مفعول ﴿نَسِيتَ﴾ لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل، وبعض الذين أعملوا آية ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في حلّ الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ترخيصاً في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدّة، وعن ابن عباس: لا تحديد بمدّة، بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا، والجمهور على أن قوله ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ لا دلالة فيه على جواز تأخيرِ الثنيا، واستدلوا بأن السنة وردت بخلافه! ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾.
لما أبرّ الله وعد نبيّه ﷺ الذي وعده المشركين أن يبيّن لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه، وأوقفهم عليه، أعقب ذلك بعتابه على التصدّي لمجاراتهم في السؤال عما هو خارج على غرض الرسالة، دون إذن من الله، وأمره أن يذكر نهي ربّه، ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يسأل منه بيانه دون أن يأذن الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو الله أن يهديه إلى ما هو أقرب من الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى، ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم، والمعنى وقيل له: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ وهي جملة معطوفة على جملة ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي اذكر أمره ونهيه، وقل في نفسك ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾، أي ادع الله بهذا!
وانتصب ﴿رَشَدًا﴾ على تمييز نسبة التفضيل من قوله ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا﴾
стр. 886
ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول مطلق مبيّن النوع فعل ﴿أَن يَهْدِيَنِ﴾ لأن الرشد نوع من الهداية، و ﴿عَسَى﴾ مستعملة في الرجاء تأدباً، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف، بقرينة وقوع هذا الكلام معترضاً في أثنائها، ويجوز أن يكون المعنى: وارج من الله أن يهديك فيُذكرك ألا تَعِدَ وعْداً ببيان شيء دون إذن الله! (١)
في كلمة ﴿عَسَى﴾ وكلمة ﴿لأَقْرَبَ﴾ الدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال! (٢)
ويطالعنا قوله جل شأنه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ (الكهف)!
وهذا هو فصل الخطاب في أمرهم، يقرّره عالم غيب السموات والأرض، ما أبصره، وما أسمعه! سبحانه، فلا جدال بعد هذا ولا مراء!
والمعنى أن يقدر لبثهم بثلائمائة وتسع سنين، فَعُبِّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة، وزيادة تسع (٣)، ليعلم أن التقدير بالسنين القمريّة المناسبة لتاريخ العرب والإسلام، مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسيّة التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف، وهم أهل الروم!
وهذا إخبار من الله تعالى عن مقدار لبثهم، قال السهيلي (٤): ولكن لما علم استبعاد قريب وغيرهم من الكفار لهذا المقدار، وعلم أن فيه تنازعاً بين الناس،
стр. 887
فمن ثُمَّ قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي إنها ثلاثمائة بحساب العجم، وإن حسبت الأهلة، فقد زاد العدد تسعاً، لأن ثلاثمائة بحساب الشمس تزيد تسع سنين بحساب القمر، فإن قيل: فكيف قال ثلاثمائة سنين، ولم يقل سنة، وهو قياس العدد في العربيّة، لأن المائة تضاف إلى لفظ الواحد، فالجواب أن سنين في الآية بدل مما قبله، ليس على حدّ الإضافة ولا التمييز، ولحكمة عظيمة عدل باللفظ عن الإضافة إلى البدل، وذلك أنه لو قال: ثلاث مائة سنة، لكان الكلام كأنه جواب لطائفة واحدة من الناس، والناس فيهم طائفتان: طائفة عرفوا طول لبثهم، ولم يعلموا كميّة السنين، فعرفهم أنها ثلاثمائة.
وطائفة لم يعرفوا طول لبثهم، ولا شيئاً من خبرهم.
فلما قال: ثلاثمائة معرفاً للأولين بالكميّة التي شكّوا فيها، مبيّناً للآخرين أن هذه الثلاثمائة سنون، ليست أيّاماً ولا شهوراً، فانتظم البيان الطائفتين من ذكر العدد، وجمع المعدود، وتبيّن أنه بدل، إذ البدل يُراد به: تبيين ما قبله، ألا ترى أن اليهود قد كانوا عرفوا أن لأصحاب الكهف نبأ عجيباً، ولم يكن العجب إلا من طول لبثهم، غير أنهم لم يكونوا على يقين من أنها ثلاثمائة أو أقل، فأخبر أن تلك السنين ثلاثمائة، ثم لو وقف الكلام ها هنا لقالت العرب، ومن لم يسمع بخبرهم: ما هذه الثلاثمائة؟ فقال كالمبين لهم: سنين، وقد روي معنى هذا التفسير عن الضحاك، وذكره النحاس!
وقال: ﴿سِنِينَ﴾، ولم يقل (أعواماً)، والسنة والعام، وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعاً، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقاً، فخذه أولاً من الاشتقاق، فإن السنة من سنا
стр. 888
يسنو، إذا دار حول البئر، والدابة: هي السانية، فكذلك السنة دورة من دورات الشمس، وقد تسمى السنة: داراً ... هذا أصل الاسم، ومن ثم قالوا: أكلتهم السنة، فسمّوا شدّة القحط سنة، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِيِنَ﴾ (الأعراف: ١٣٠).
ومن ثم قيل: أسنت القوم إذا قحطوا، وكأن وزنه (افعتوا)، لا (أفعلوا)، كذلك قال بعضهم، وجعل سيبوية التاء بدلاً من الواو، فهي عنده (أفعلوا). لأن الجدوبة والخصب معتبر بالشتاء والصيف.
وحساب العجم إنما هو بالسنين الشمسيَّة، بها يؤرخون، وأصحاب الكهف من أمّة عجميّة، والنصارى يعرفون حديثهم، ويؤرّخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم، وتمم الفائدة بقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ليوافق حساب العرب، فإن حسابهم بالشهور القمريّة (المحرم، وصفر) ونحوهما.
وانظر بعد هذا إلى قوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ (يوسف: ٤٧).
ولم يقل أعواماً، ففيه شاهد لما تقدّم، غير أنه قال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ (يوسف: ٤٩).
ولم يقل (سنة)، عدولاً عن اللفظ المشترك، فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة والأزمة -كما تقدّم- فلو قال: (سنة) لذهب الوهم إليها، لأن العام أقل أياماً من السنة، وإنما دلت الرؤيا على سبع سنين شداد، وإذا انقضى العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاء، وليس في الرؤيا ما يدل على مدّة ذلك الرخاء، ولا يمكن أن يكون أقل من عام، والزيادة على العام مشكوك فيها، لا تقتضيها الرؤيا، فحكم بالأقل، وترك ما يقع فيه الشك من الزيادة على العام!
стр. 889
فهاتان فائدتان في اللفظ بـ (العام) في هذا الموطن، وأما قوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف: ١٥)!
فإنما ذكر السنين، وهي أطول من الأعوام، لأنه مخبر عن اكتمال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن، لأنها أكمل من الأعوام!
وفائدة أخرى: أنه خبر عن السن، والسن معتبر بالسنين، لأن أصل السن في الحيوان لا يعتبر إلا بالسنة الشمسيّة ... وهكذا!
وقرأ الجمهور ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ بالتنوين، وانتصب (سنين) على البدليّة من اسم العدد، على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك!
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين، على أنه تمييز للمائة، وقد جاء تمييزاً لمائة جمعاً، وهو نادر، لكنه فصيح!
واليهود الذين لقَّنوا قريشاً السؤال -كما سبق- يؤرخون الأشهر بحساب القمر، والسنين بحساب الدورة الشمسيّة، فالتفاوت بين أيام السنة القمريّة وأيّام السنة الشمسيّة يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيّة، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسية بثلاث سنين زائدة قمريّة، كذا نقله ابن عطية (٢) عن النقاش المفسّر!
وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد، وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به!
﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ كانت أخبار سيرته خفيَّة مجملة مغلقة، فسألوا النبي ﷺ عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله تعالى أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحبار اليهود منفردين بمعرفة إجماليّة عن ذلك، فلذلك كان توجيه اليهود! ولم يتجاوز القرآن الكريم ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص، وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمّة من هذه القصّة عبرة حكميّة وخلقيّة، فقال : ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكرًا﴾!
روى الزبير بن بكّار وسفيان بن عيينة في جامعه والضياء المقدسي في صحيحه (١)، كلاهما من طريق آخر بسند صحيح -كما قال الحافظ- عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء، قال لعلي بن أبي طالب ﵁: أخبرني عن ذي القرنين نبيًّا كان أم ملِكاً؟ قال: لم يكن نبيًّا ولا ملِكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحبّ الله فأحبَّه، ونصح لله فنصحه .. ومعلوم أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي، ومن البديهي أنه لا يجوز محاكمته إلى التاريخ لسببين واضحين: (٢)
أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تُحصى في تاريخ البشريّة، لم يعلم عنها شيئاً، والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لدى التاريخ علم بها!
стр. 892
وثانيهما: أن التاريخ -وإن وعى بعض هذه الأحداث- هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف، ونحن نشهد في زماننا هذا الذي تيسَّرت فيه أعمال الاتصال ووسائل الفحص، أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، ويُنظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسّر تفسيرات متناقضة، ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق!
فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص كلام تنكره القواعد العلمية المقرّرة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرّر أن القرآن هو القول الفصل، واستفتاء التاريخ في هذا كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء، إنما هو مراء!
لقد سأل سائلون عن ذي القرنين .. سألوا الرسول ﷺ فأوحى الله إليه بما هو وارد هنا من سيرته، وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في السيرة، فنحن لا نملك التوسّع فيها بغير علم، وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة، ولكنها لا تعتمد على يقين، وينبغي أن تؤخذ بحذر، لما فيها من إسرائيليّات وأساطير!
وقد سجل السياق القرآني لذي القرنين ثلاث رحلات:
واحدة إلى المغرب!
وواحدة إلى المشرق!
وواحدة إلى مكان بين السدّين!
ويبدأ الحديث عن ذي القرنين بشيء عنه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾!
стр. 893
لقد مكّن الله له في الأرض، فأعطاه سلطاناً وطيد الدعائم، ويسّر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع .. وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكّنوا فيه في هذه الحياة ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ومضى في وجه مما هو ميسَّر له، وسلك طريقه إلى الغرب!
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾
ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس عنده وراء الأفق، وهو يختلف بالنسبة للمواضع، فبعضها يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل، وبعضها يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار، وبعضها يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مدّ البصر!
والظاهر أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي -وكان يسمّى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرآى الشمس تغرب فيه!
والأرجح أنه كان عند مصبّ أحد الأنهار، حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ، وتوجد البرك وكأنها عيون الماء .. فرأى الشمس تغرب هناك ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ولكن يتعذّر علينا تحديد المكان، وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده، وكل قول غير هذا ليس مأموناً؛ لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح!
عند هذه الحمئة وجد ذو القرنين قوماً: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾
стр. 894
وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام (١)، أي ألقينا في نفسه تردّداً بين أن يبادر استئصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل!
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.
٧ - دستور الحكم الصالح:
وهكذا أعلن دستوره في معاملة البلاد المفتوحة .. أعلن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه، وأنهم بعد ذلك يردّون إلى ربهم فيعذبهم عذاباً ﴿نُكْرًا﴾!
أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة الطيّبة، والتكريم والمعونة والتيسير!
وهذا هو دستور الحكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم، والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء .. وحين يجد المحسنُ في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسناً، ومكاناً كريماً وعوناً وتيسيراً، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة .. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج .. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم، مقدّمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذ تتحوّل السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد، ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد!
стр. 895
ثم عاد ذو القرنين من رحلة المغرب إلى رحلة المشرق، ممكناً له في الأرض، ميسَّرة له الأسباب:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ وما قيل عن مغرب الشمس يُقال عن مطلعها، فالمقصود هو مطلعها من الأفق الشرقي في عين الرائي، والقرآن لم يحدّد المكان. ولكنه وصف طبيعته وحال القوم الذين وجدهم ذو القرنين هناك:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ أي أنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس مرتفعات ولا أشجار، فالشمس تطلع على القوم فيها حين تطلع بلا ساتر .. وهذا الوصف ينطبق على الصحاري والسهوب الواسعة، فهو لا يحدّد مكاناً بعينه، وكل ما نرجحه أن هذا المكان كان في أقصى الشرق، حيث يجد الرائي أن الشمس تطلع على هذه الأرض المستوية المكشوفة، وقد يكون ذلك على شاطئ إفريقيا الشرقي، وهناك احتمال لأن يكون المقصود بقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ أنهم قوم عراة الأجسام لم نجعل لهم ستراً من الشمس!
ولقد أعلن ذو القرنين من قبل دستوره في الحكم، فلم يتكرّر بيانه هنا، ولا تصرّفه في رحلة المشرق، لأنه معروف من قبل، وقد علم الله كل ما لديه من أفكار واتجاهات!
ونبصر ظاهرة التناسق الفني في العرض .. فإن المشهد الذي يعرضه السياق مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر، وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله .. وهكذا يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآني الدقيقة!
стр. 896
﴿(٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣﴾.
ولا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ولا ما هما هذان السدان، كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدّين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر، فوجد هنالك قوماً مختلفين: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
وعندما وجدوه فاتحاً قويًّا، توسّموا فيه القدرة والصلاح .. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فساداً، ولا يقدرون هم على دفعهم وصدّهم .. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم!
وتدور القصة وأطرافها ثلاثة: (١)
الطغاة: ولا يظهرون أمامنا في القصة، ولا يشتركون فيها إلا من بعيد، كخطر قائم يهدّد سلامة الشعب الآخر.
المستضعفون: الذين يتعرّضون لإغارة الطغاة. القائد بقوّته المؤمنة التي وضعها في خدمة العدل. ويدور الحوار بين القائد والشعب:
стр. 897
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ (الكهف).
العرض المقدّم أن يجمع الشعب مالاً ليقدّمه إلى القائد، ليتولّى مسؤوليّة السدّ: عليهم المال، وعليه أن يوفّر المواد والعمل!
ولكن القائد العادل لم يقبل هذا العرض، فليس مهمته مجرّد إنشاء سدّ، وإن كان يحول دون الطغيان، ويحتمي وراءه المستضعفون، فرد عليهم:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾.
ما مكّني فيه ربّي خير مما تعرضون عليَّ .. أريد منكم أن تشاركوني في بناء السدّ، أيديكم في يدي، وسواعدكم معي، وسنبني السدّ معاً متعاونين، وستبنون نفوسكم وأنتم تبنونه، وتجدون حقيقتكم وسط الجهد والعرق، لا أريد أن تبقى لكم أيد لا تحسن إلا تقديم المال .. والشكوى .. وانتظار من يحمل عنها مسؤوليتها، أريد أن تعملوا!
وما أكرم قوله: ﴿فَأَعِينُونِي﴾ كأنه المحتاج إلى العون ﴿بِقُوَّةٍ﴾ كأنه المحتاج منهم، مع أنهم المحتاجون إلى العون والقوّة!
هكذا نفخ فيهم القائد من روحه، أراهم أنهم قادرون على أن يعملوا .. وأن يعملوا بقوة: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أمر تجد فيه الدعوة التي تحسّها في قول الحق جلَّ شأنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ (البقرة)!
стр. 898
وفي سرعة ينتقل القائد من التوجيه العام إلى تحديد خطوط العمل: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطع الحديد، اذهبوا وابحثوا عنها في أرضكم، وجّهوا ما بين أيديكم منها إلى الهدف الكبير، إلى بناء السدّ الذي يحول بينكم وبين أعدائكم!
ولك أن تتصوَّر كيف تحوّل المستضعفون إلى أرضهم يثيرونها بحثاً عما فيها من معادن!
لك أن تتصوّر الأيدي التي كانت لا تُحْسن إلا دفع الخراج وتقديم المال، تحاول أن تشتري به سلامتها إلى أيد خشنة طهّرهَا العمل!
وهذه الجباهُ التي كانت تذل أمام طغيان يأجوج ومأجوج، انحنت على أرضها تخرج منها كنوزها من المعادن، وتستخرج في الوقت نفسه ذاتها، وتعثر على حقيقتها .. وتجلّت فيها طاقة كبيرة كانت مقهورة تحت أطباق الذل!
لقد أعانها القائد على أن تكتشف ذاتها عندما وجهها إلى العمل الدائب، والاعتماد على النفس، وعلى أساس من الإيمان والتعاون الواعي!
ويتجمع الحديد ليسدّ بين الجبلين، ويرتفع صوت القائد: ﴿انفُخُوا﴾ كلمة واحدة آمرة!
لقد نفخ فيهم القائد من روحه فاندفعوا إلى العمل!
وها هم ينفخون الحديد الخامد فيلتهب كما التهبت نفوسهم، ثم يرتفع صوته الآمر مرة أخرى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ نحاساً مذاباً .. فكان هناك مجموعة أخرى كانت مختصة بإعداد النحاس المصهور في نفس الوقت الذي كانت فيه المجموعة الأولى مكلّفة بإعداد الحديد ثم صهره، حتى تجعله
стр. 899
ناراً، وفي مرحلة معيّنة من مراحل العمل يصبّ القائد النحاس المصهور على الحديد الملتهب!
هنا يصبح السدّ قطعة واحدة، كما يصبح الشعب سبيكة واحدة، عن طريق العمل الدائب، وارتفاع معنوياته، وعمله المنظم من أجل هدف كبير، مع تماسك السدّ، وتماسك الشعب!
هذا بالصهر!
وهذا بالعمل!
وبعد أن يفرغ القائد والشعب من الإنشاء ينتقل إلى مرحلة ختاميّة، هي اختبار العمل بعد إتمامه، ويأمرهم القائد: حاولوا أن تتسلّلوه، حاولوا أن تخترقوه ونقرأ التسجيل الإلهي لهذه المحاولة: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾!
وعندنا في اللغة العربيّة قاعدة أن زيادة المبنى في الكلمة تدل على زيادة المعنى، ولا شك أن محاولة صعود السد أيسر من محاولة اختراقه، ولهذا قال الله في الأولى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾، وفي الثانية: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ بزيادة حرف التاء! وبعد هذا كله يرتفع صوت القائد: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ إيمان يرد الأمر فيه إلى الله تعالى، دون انتظار ثناء منهم، أن فتح أمامهم طريق العمل الجاد المشترك من أجل هدف كبير!
ونبصر رحمة الله تمثّلت في تحوّل أمة من شعار:
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾
إلى أمة شعارها:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
стр. 900
أمة لا تشتري سلامتها، ولكن تصنع سلامتها!
أمة لا تشتري السدّ، ولكن تصنع السدّ!
وقيادة تنفخ في الأمة فاعليّة وإيجابيّة، تستطيع بهما أن تتحوّل إلى أرضها تبحث فيها عن كنوزها، وتكتشف ذاتها من خلال العمل!
أمّة تتحوّل إلى جيش عمل منظّم عالم بخبايا أرضه، يقف أمام النار الملتهبة. ويرفع السد معتمداً على ربّه، متجمعاً وراء قيادته، منظّماً صفَّه، ومحدّداً مراحل العمل وتوقيته الدقيق!
الاعتماد على النفس رحمة من ربّي!
تنظيم العمل رحمة من ربّي!
صهر الحديث والنحاس رحمة من ربّي!
اختبار العمل بعد الانتهاء منه رحمة من ربّي!
وهكذا تتمثّل رحمة الله عملاً إيجابياً، ومشروعات تقيمها الإرادة المؤمنة الواعية، والجموع المنظمة إلى حياة أفضل!
وهكذا يتمثل دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح .. وحين يجد العامل المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسناً، ومكاناً كريماً، وعوناً وتيسيراً .. ويجد المعتدي على دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح، جزاء إفساده عقوبة زاجرة .. يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإعداد والعمل والإنتاج، والابتكار والإبداع. حيث استخدمت طريقة هذا السدّ حديثاً في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته
стр. 901
وصلابته، وكان هذا على يد ذي القرنين قبل أن يعرف العلم البشري ذلك بقرون لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وحيث يتمثّل النموذج الطيب للحاكم الصالح، الذي سار في الأرض شرقاً وغرباً، دون أن يتكبّر أو يتجبّر، ودون أن يطغى أو يتبطّر، ودون أن يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والشعوب، ودون أن يعامل الشعوب معاملة الرقيق، كما يفعل المستعمرون في عالمنا المعاصر شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً .. وإنما قام هذا الرجل الصالح، الخبير في بناء السدّ، ينشر العدل، ودرء العدوان، والدعوة إلى التخطيط العلميّ الفذ، والعمل المتقن، والإنتاج والإبداع!
ولسنا في حاجة إلى بيان مكانة التخطيط في الدعوة، والهجرة، والجهاد .. فذلك ما سنعرض له في حينه بعون الله تعالى وتوفيقه!
٨ - إنذار يهود برسول الله ﷺ -:
وإذا كانت تلك الآيات قد حملت إلينا الإجابة على تلك الأسئلة -كما عرفنا- فلماذا لم يؤمن اليهود برسول الله ﷺ ؟
وهنا يطالعنا إنذار يهود برسول الله ﷺ فيما قاله ابن إسحاق (١): حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
(إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لمَا كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون
стр. 902
قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبيّ يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعّدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنَّا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزّل هؤلاء الآيات من البقرة:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (البقرة).
وقال: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود ابن لبيده أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر، قال:
كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوماً من بيته، حتى وقف على بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنًّا، عليّ بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي -فذكر القيامة والبعث، والحساب والميزان، والجنّة والنّار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يَرَوْن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! أوَ ترى هذا كائناً، أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلف به، ولَوَدّ أن له بحظّه من تلك النّار أعظم تَنُّور في الدّار، يُحمونه ثم يُدخلونه إيّاه فَيُطَيِّنُونَهُ عليه، بأن يَنْجُو من تلك النّار غداً، فقالوا له: وَيْحَكَ يا فلان! فما آية ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكّة واليمن، فقالوا: ومتَى تراه؟ قال: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يَسْتَنْفِد هذا الغلام عمره يُدركه، قال سلمة: فوالله ما
стр. 903
ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمداً رسوله ﷺ ، وهو حَيٌّ بين أظهرنا، فآمنّا به وكفر به بغياً وحسَداً، قال: فقلنا له: ويْحك يا فلان! ألَسْتَ الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به! (١)
وقال: وحدثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة، قال لي: هل تدري عَمَّ كان إسلام ثَعْلَبَة بن سَعْيَة، وأسيد بن سَعْيَة، وأسدُ ابن عُبَيْد، نفرٍ من بني هَدْل، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليّتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام، قال: قلت: لا والله، قال: فإن رجلاً من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهَيّبان، قدم علينا قُبيل الإسلام بسنين، فَحَلّ بين أظهُرنا، لا والله ما رأينا رجلاً قطّ لا يُصلّي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنّا إذا قَحطَ عنّا المطر قلنا له: اخرج يا بن الهَيَّبان فاستسْق لنا، فيقول: لا والله، حتى تَقدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقة، فنقول له: كم، فيقول: صاعاً من تَمْر، أو مُدَّيْن من شعير، قال: فنخرجها، ثم يَخْرج بنا إلى ظاهرة حَرَّتنا فيستسقي الله لنا. فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمرّ السحاب ونُسقى، قَد فعلَ ذلك غير مرّة ولا مرّتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنه مَيّتٌ قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإنّي إنما قدمت هذه البلدة أَتوكّفُ خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، وهذه البلدة مُهَاجره، فكنت أرجو أن يُبعث فأتبعه، وقد أظلّكُم زمانه، فلا تُسْبَقَنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يُبعث بسفك الدماء،
стр. 904
وسبْي الذراري والنساء ممّن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه، فلما بُعث رسول الله ﷺ وحاصر بني قريظة قَال هؤلاء الفتْيَة، وكانوا شباباً، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم!
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود! (١)
ويطول بنا الحديث لو حاولنا مزيداً من إنذار يهود برسول الله ﷺ !
ولقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام (٢) وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم .. فهنا يفضحهم القرآن، ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم، ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم!
وقد واجههم القرآن بالكثير من مواقفهم مع نبيّهم موسى ﵇، وقد آتاه الله الكتاب، وقد توالت رسلهم تترى، يقفو بعضهم بعضاً، وكان آخرهم عيسى ﵇، وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيّده بروح القدس!
وقد نزل فيهم -كما أسلفنا- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ
стр. 905
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (البقرة). وكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى ﵇؟
كان هذا الذي يستنكره عليهم، والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرّره وتشهد به: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ (البقرة)!
ومحاولهُ إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلّبة، وظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة النطق الإنسانيّ ذاته .. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت، غير المصدر الإنسانيّ المتقلّب، مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة .. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى!
ولقد قصّ الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذّرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض، والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقاً من الهداة، وكذّبوا فريقاً، ضربهم الله بما ضرب به هؤلاء من قبل من الفرقة والضعف، والذلّة والهوان، والشقاء والتعاسة .. إلا أن يستجيبوا لله ورسوله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن
стр. 906
يأخذوه بقوّة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون!
ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم، يبيّنه ويقرّره، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الأخيرة والشعبي الخاتم، فإذا هم هم، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾!
ويعنف الأسلوب ويشتد، ويتحوّل -في بعض المواضع- إلى صواعق وحمم .. يجبههم جبهاً شديداً بما قالوا وما فعلوا، ويجرّدهم من كل حججهم ومعاذيرهم، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق، وأثرتهم البغيضة. وعزلتهم النافرة، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الحق، وحسدهم أن يؤتي الله أحداً من فضله، جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم!
قالوا: إن قلوبنا مغلقة، لا تنفد إليها دعوة جديدة، ولا تستمع إلى داعية جديد!
قالوها تيئيساً لخاتم النبيين ﷺ ، من دعوتهم إلى الدّين القيّم، أو تعليلاً لعدم استجابتهم لدعوة محمد ﷺ !
ويطالعنا الرد على قولهم: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم، فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ أي قليلاً ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حقّ عليهم جزاء كفرهم السابق، وضلالهم القديم .. أو هذه حالهم: أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريراً لحقيقتهم .. وكلا المعنين يتفق مع المناسبة والموضوع!
стр. 907
وقد كان كفرهم قبيحاً، لأنهم كفروا بالنبي الذي ارتقبوه، واستفتحوا به على الكافرين، أي ارتقبوا أن ينتصروا به على من سواهم، وقد جاءهم بكتاب مصدّق لما معهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾! وهو تصرّف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته .. ومن ثم يصبّ عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾!
ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه، بعد أن يقرّر خسارة الصفقة التي اختاروها: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾!
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا .. لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل، أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها، ولكن هذا هو الواقع، وإن بدا تمثيلاً وتصويراً!
لقد خسروا أنفسهم في الدنيا، فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز .. ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة، بما ينتظرهم من العذاب المهين .. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه!
وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لخاتم النبيين ﷺ أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وكان هذا بغياً منهم وظلماً، فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب، وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم!
стр. 908
وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيّقة التي تحيا في نطاق من التعصّب شديد، وتحسّ أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانيّة الكبرى، التي تربط البشريّة جميعاً!
وهكذا عاش اليهود في عزلة يحسّون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربّصون بالبشريّة الدوائر، ويكنّون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتناً يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروباً يثيرونها ليأخذوا من ورائها الغنائم، ويرووا بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكاً يسلطونه على الناس .. وهذا الشرِّ كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾!
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.
وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن والإسلام .. كانوا يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه، سواء ما جاءهم به عيسى ﵇، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين ﷺ !
والقرآن الكريِم يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾!
وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدّقاً لما معهم! ماداموا لم يستأثروا هم به؟
стр. 909
إنهم يعبدون أنفسهم، ويتعتدون لعصيبّتهم .. لا بل إنهم ليعبدون هواهم، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به .. ويلقن الله خاتم النبييِّن ﷺ أن يجبههم بهذه الحقيقة، كشفاً لموقفهم وفضحاً لدعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾!
ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصوّرين العجيبين: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾! إنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ ولم يقولوا ﴿عَصَيْنَا﴾، ففيم إذن حكايته هذا القول عنهم هنا؟
إنه التصوير الحيّ للواقع الصامت كأنه واقع ناطق .. لقد قالوا بأفواههم ﴿سَمِعْنَا﴾، وقالوا بأعمالهم ﴿عَصَيْنَا﴾، والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته، وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق .. وهذا التصوير الحيّ للواقع يومئ إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل .. إن العمل هو المعتبر، أو الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، ومناط الحكم والتقدير!
فأما الصورة الغليظة التي يرسمها: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾! فيظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة المجسمة لتؤديه، وهو حبّهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشراباً في القلوب!
هنا تبدو قيمة التعبير القرآنيّ المصوّر، بالقياس إلى التعبير الذهني المفسّر .. إنه التصوير .. السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل!
لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة .. (إنهم شعب الله المختار) .. إنهم
стр. 910
وحدهم المهتدون .. إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة .. إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة نصيب!
وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد ﷺ لا نصيب لهم في الآخرة .. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووِعود القرآن لهم! وهنا يطالعنا قوله جلّ شأنه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة).
ويعقب على هذا التحدّي بتقرير أنهم لن يطلبو الموت، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون، ويخشون أن يستجيب الله لهم فيأخذهم .. ويعلمون أن ما قدّموه من عمل لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة، وعندئذ يكونون قد خسرو الدنيا بالموت الذي طلبوه، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدّموه .. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدّي، فهم أحرص الناس على حياة، وهم والمشركون في هذا سواء:
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (البقرة).
لن يتمنّوه؛ لأن ما قدّمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب، ولا يؤمنهم من عقاب .. إنه مدّخر لهم هناك، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون!
وليس هذا فحسب .. ولكنها خصلة أخرى في يهود، خصلة يصوّرها القرآن صورة تفيض بالزراية، وتنضح بالتحقير والمهانة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ أيّة حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميّزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام!
стр. 911
إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس .. وعنت الجباه جبناً وحرصاً على حياة .. أيّ حياة! ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾!
يودّ أحدهم لو يعمرّ ألف سنة، ذلك لأنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسّون أن لهم حياة غير هذه الحياة .. وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحسّ النفس الإنسانيّة أنها لا تتّصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة .. إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة .. نعمة يفيضها الإيمان على القلب .. نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع الأمل، وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلوة، إلا وحقيقة الحياة في روحه قاصرة أو مطموسة .. فالإيمان بالآخرة -فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيويّة، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يِتجه صعداً إلى جوار الله!
ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لخاتم رسله ﷺ يتحدّاهم به، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة).
وفي قصة هذا التحدّي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود .. سمة
стр. 912
عجيبة حقًّا .. لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغاً يتجاوز كل حدّ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل .. لقد سمعوا أن جبريل ﵇ ينزل بالوحي من عند الله على خاتم النبيين محمَّد ﷺ .. ولمّا كان عداؤهم لمحمد ﷺ قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لجّ بهم الضغن أن يخترعوا قصّةً واهيةً، وحجّةً فارغةً، فيزعموا أن جبريل عدوّهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد ﷺ من جراء صاحبه جبريل! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا، فميكائيل ينزل بالرخاء والمطر والخصب!
إنها الحماقة المضحكة، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة، وإلا فما بالهم يعادون جبريل؟ وجبريل لم يكن بشراً يعمل معهم أو ضدّهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصي الله ما أمره!
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾.
فما كان له من هوى شخصي، ولا إرادة ذاتيّة في أن ينزل على قلبك .. إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك .. والقلب هو موضع التلقّي، وهو الذي يفقه بعد التلقّي، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ .. والقلب يعبر به في القرآن عن قوّة الإدراك جملة، وليس هو العضلة المعروفة بطبيعة الحال: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾!
والقرآن يصدّق في عمومه ما سبقه من الكتب السماويّة، فأساس دين الله
стр. 913
واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الرسالات الإلهيّة .. وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب .. وهذه حقيقة ينبغي إبرازها!
إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان، ومن ثم يجد الهدى، كما يستروح فيه البشرى، وكذلك نجد القرآن يكرّر هذه الحقيقة في مناسبات شتى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (البقرة) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (يونس) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون .. وكانوا -كعادتهم في تفريق الدّين وتفريق الرسل- قد فرّقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم، فقالوا: إنهم على صداقة مع ميكائيل، أما جبريل فلا! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكائيل وملائكة الله ورسله، لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحداً منهم فقد عاداهم جميعاً، وعادى الله سبحانه، فعاداه الله، فهو من الكافرين: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (البقرة).
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول ﷺ يثبته على ما أنزل عليه من الحق، وما آتاه من الآيات البيّنات، مقرّراً أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون، ويندّد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد .. سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل، أو عهودهم مع رسول الله ﷺ ، كما يندّد بنبذهم لكتاب الله الذي جاء مصدّقاً لما معهم:
стр. 914
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠١]!
لقد كشف القرآن هنا عن علّة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البيّنات التي أنزلها الله .. إنه الفسوق وانحراف الفطرة، فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات، وهي تفرض نفسها فرضاً على القلب المستقيم .. فإذا كفر بها اليهود أو غيرهم فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة، ولكنهم لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون!
ثم يلتفت إلى المسلمين، وإلى الناس عامة، مندّداً بهؤلاء اليهود، كاشفاً عن سمة من سماتهم الوبيئة .. إنهم جماعة مفكّكة الأهواء -رغم تعصّبها الذميم- فهم لا يجتمعون على رأي، ولا يثبتون على عهد، ولا يستمسكون بعروة، ومع أنهم متعصّبون لأنفسهم وجنسهم، يكرهون أن يمنح الله شيئاً من فضله لسواهم، إلا أنهم مع هذا لا يستمسكون بوحدة، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تندّ منهم فرقة فتنقض ما أبرموا، وتخرج على ما أجمعوا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.
وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، وأخيراً نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع خاتم النبيين ﷺ أول مقدمه إلى المدينة -كما سيأتي- وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معيّنة .. بينما
стр. 915
كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه، وأوّل من عاب الإِسلام، وحاولوا بثّ الفرقة والفتنة في الصفّ المسلم، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه!
وبئس هي خلّة من اليهود! تقابلها في المسلمين خلّة أخرى على النقيض!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل عن إبراهيم التّيْمي عن أبيه قال:
قال علي ﵁: .. وفيه: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلاٌ" (١).
وهكذا نبصر المسلمين تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد، ولا ينقص أحد عقده إذا أبرم، ولقد كتب أبو عبيدة ﵁، وهو قائد لجيش عمر ﵁، وهو الخليفة يقول: إن عبداً من أهل بلد بالعراق، وسأله رأيه، فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا .. فوالهم وانصرفوا عنهم.!
وتلك سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة .. وذلك فرق ما بين اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]!