← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس .. وعنت الجباه جبناً وحرصاً على حياة .. أيّ حياة! ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾! يودّ أحدهم لو يعمرّ ألف سنة، ذلك لأنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسّون أن لهم حياة غير هذه الحياة .. وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحسّ النفس الإنسانيّة أنها لا تتّصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة .. إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة .. نعمة يفيضها الإيمان على القلب .. نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع الأمل، وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلوة، إلا وحقيقة الحياة في روحه قاصرة أو مطموسة .. فالإيمان بالآخرة -فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيويّة، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يِتجه صعداً إلى جوار الله! ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لخاتم رسله ﷺ يتحدّاهم به، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة). وفي قصة هذا التحدّي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود .. سمة

стр. 912

عجيبة حقًّا .. لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغاً يتجاوز كل حدّ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل .. لقد سمعوا أن جبريل ﵇ ينزل بالوحي من عند الله على خاتم النبيين محمَّد ﷺ .. ولمّا كان عداؤهم لمحمد ﷺ قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لجّ بهم الضغن أن يخترعوا قصّةً واهيةً، وحجّةً فارغةً، فيزعموا أن جبريل عدوّهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد ﷺ من جراء صاحبه جبريل! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا، فميكائيل ينزل بالرخاء والمطر والخصب! إنها الحماقة المضحكة، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة، وإلا فما بالهم يعادون جبريل؟ وجبريل لم يكن بشراً يعمل معهم أو ضدّهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصي الله ما أمره! ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾. فما كان له من هوى شخصي، ولا إرادة ذاتيّة في أن ينزل على قلبك .. إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك .. والقلب هو موضع التلقّي، وهو الذي يفقه بعد التلقّي، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ .. والقلب يعبر به في القرآن عن قوّة الإدراك جملة، وليس هو العضلة المعروفة بطبيعة الحال: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾! والقرآن يصدّق في عمومه ما سبقه من الكتب السماويّة، فأساس دين الله

стр. 913

واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الرسالات الإلهيّة .. وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب .. وهذه حقيقة ينبغي إبرازها! إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان، ومن ثم يجد الهدى، كما يستروح فيه البشرى، وكذلك نجد القرآن يكرّر هذه الحقيقة في مناسبات شتى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (البقرة) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (يونس) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون .. وكانوا -كعادتهم في تفريق الدّين وتفريق الرسل- قد فرّقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم، فقالوا: إنهم على صداقة مع ميكائيل، أما جبريل فلا! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكائيل وملائكة الله ورسله، لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحداً منهم فقد عاداهم جميعاً، وعادى الله سبحانه، فعاداه الله، فهو من الكافرين: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (البقرة). ثم يتجه الخطاب إلى الرسول ﷺ يثبته على ما أنزل عليه من الحق، وما آتاه من الآيات البيّنات، مقرّراً أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون، ويندّد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد .. سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل، أو عهودهم مع رسول الله ﷺ ، كما يندّد بنبذهم لكتاب الله الذي جاء مصدّقاً لما معهم:

стр. 914

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠١]! لقد كشف القرآن هنا عن علّة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البيّنات التي أنزلها الله .. إنه الفسوق وانحراف الفطرة، فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات، وهي تفرض نفسها فرضاً على القلب المستقيم .. فإذا كفر بها اليهود أو غيرهم فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة، ولكنهم لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون! ثم يلتفت إلى المسلمين، وإلى الناس عامة، مندّداً بهؤلاء اليهود، كاشفاً عن سمة من سماتهم الوبيئة .. إنهم جماعة مفكّكة الأهواء -رغم تعصّبها الذميم- فهم لا يجتمعون على رأي، ولا يثبتون على عهد، ولا يستمسكون بعروة، ومع أنهم متعصّبون لأنفسهم وجنسهم، يكرهون أن يمنح الله شيئاً من فضله لسواهم، إلا أنهم مع هذا لا يستمسكون بوحدة، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تندّ منهم فرقة فتنقض ما أبرموا، وتخرج على ما أجمعوا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾. وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، وأخيراً نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع خاتم النبيين ﷺ أول مقدمه إلى المدينة -كما سيأتي- وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معيّنة .. بينما

стр. 915

كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه، وأوّل من عاب الإِسلام، وحاولوا بثّ الفرقة والفتنة في الصفّ المسلم، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه! وبئس هي خلّة من اليهود! تقابلها في المسلمين خلّة أخرى على النقيض! وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل عن إبراهيم التّيْمي عن أبيه قال: قال علي ﵁: .. وفيه: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلاٌ" (١). وهكذا نبصر المسلمين تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد، ولا ينقص أحد عقده إذا أبرم، ولقد كتب أبو عبيدة ﵁، وهو قائد لجيش عمر ﵁، وهو الخليفة يقول: إن عبداً من أهل بلد بالعراق، وسأله رأيه، فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا .. فوالهم وانصرفوا عنهم.! وتلك سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة .. وذلك فرق ما بين اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]!

стр. 916

وكان هذا مظهراً من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه، فلقد ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم -كما سبق أن عرفنا- أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه، وأن ينصروه ويحترموه، فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، خاسوا بذلك العهد، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم، يستوي في ذلك النبذ كتاب الله الذي معهم، والذي يتضمّن البشرى بهذا النبيّ وقد نبذوه، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضاً! وفي الآية ما فيها من سخرية خفيّة، يحملها ذلك النصّ على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فلو كانوا هم المشركين الأمييّن لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوماً لأنهم لا يعرفون! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب! هم الذين عرفوا الرسالات والرسل! هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور .. وماذا صنعوا؟! إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! .. والمقصود طبعاً أنهم جحدوه، وتركوا العمل به، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم، ولكن التعبير المصوّر ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحسّ، ويمثل عملهم بحركة ماديّة مخيّلة، تصوّر هذا التصوّر تصويراً بشعاً زريًّا، ينضح بالكنود والجحود، ويتّسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحّة، ويدع الخيال يتمثّل هذه الحركة العنيفة .. حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور! ٩ - ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾: ويطالعنا قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢]!

стр. 917

لقد كانت الأمة المسلمة تتلقّى هذا القرآن الكريم لتقرّر، وفق توجيهاته وتقريراته (١) -خطّتها وحركتها، ولتتّخذ وفق هذه التوجيهات والتقريرات- مواقفها من الناس جميعاً .. ومن ثم كانت تَغْلِب ولا تُغلَب؛ لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربّانيّة المباشرة، مذ كان نبيها ﷺ يقودها وفق الإرشادات الربّانيّة العلويّة! وهذه الإرشادات الربّانيّة العلوّية لا تزال، والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب العزيز لا تزال، والذين يحملون دعوة الإِسلام اليوم وغداً خليقون أن يتلقّوا هذه التقريرات وتلك الإرشارات الربَّانيّة العلويّة كأنهم يخاطبون بها اللحظة، ليقرّروا على ضوئها مواقفهم من شتّى طوائف الناس، وسن شتّى المذاهب والمعتقدات والآراء، ومن شتّى الأوضاع والأنظمة وشتّى القيمِ والموازين .. اليوم وغدًا وإلى آخر الزمان! ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾! إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطاباً للرسول ﷺ ، وأن تكون خطاباً عامًّا خرج مخرج العموم؛ لأنه يتضمّن أمراً ظاهراً مكشوفاً يجده كل إنسان، وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم .. وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهري الذي تؤدّيه!، فإذا تقرّر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا، في صدد أنهم أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، وأن شدّة عداوتهم ظاهرة مكشوفة، وأمر مقرّر، يراه كل من يرى، ويجده كل من يتأمل!

стр. 918

نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين، ولا يفيد تعقيباً ولا ترتيباً .. ولكن تقديم اليهود هنا، حيث يقوم الظن بأنهم أقلّ عداوة للذين آمنوا من المشركين -بما أنهم أصلاً أهل كتاب- يجعل لهذا التقديم شأناً خاصًّا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي! إنه -على الأقل- يوجّه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغيّر من الحقيقة الواقعة، وهي أنهم كالذين أشركوا أشدّ عداوةً للذين آمنوا! .. ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدّة العداء على الذين أشركوا! وحين يستأنس الإنسان في تصير هذا التقرير الربّاني بالواقع التاريخيّ المشهود منذ مولد الإِسلام حتى اللحظة الحاضرة، فإنه لا يتردّد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائماً أشدّ وأقسى وأعمق إصراراً، وأطول أمداً، من عداء الذين أشركوا! لقد واجه اليهود الإِسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإِسلام بالمدينة، وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمّة .. وتضمّن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنّها اليهود على الإِسلام، وعلى رسول الإِسلام ﷺ ، وعلى الأمة المسلمة في تاريخه" الطويل، والتي لم تَخْبُ لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرناً، ولا تزال حتى اللحظة يتسعّر أوارها في أرجاء الأرض جميعاً! ولمَّا غلبهم الإِسلام بقوّة الحق -يوم أن كان المسلمون أهلاً للنصر- استداروا يكيدون له بدسّ المفتريات في كتبه -لم يسلم من هذا الدسّ إلا كتاب

стр. 919

الله الذي تكفّل بحفظه سبحانه- ويكيدون له بالدسّ بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإِسلام، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار، ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض .. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإِسلام في كل شبر على وجه الأرض، وهم الذين يستخدمون الصليبيّة والوثنّية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع، ويصنعون الأبطال الذين يتسمّون بأسماء المسلمين، ويشنّونها حرباً صليبيةً صهيونيّةً هنا وهناك! وصدق الله العظيم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾! إن الذي ألّب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة، وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش في مكّة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة .. (يهودي)! والذي ألّب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في استشهاد عثمان ﵁، وما تلاها من النكبات .. (يهودي)! والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي الروايات والسير .. (يهودي)! ثم إن الذي كان وراء النعرات القوميّة في دولة الخلافة الأخيرة، ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل (الشريعة) عن الحكم، واستبدال (الدستور) بها في عهد (السلطان عبد الحميد)، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي (أتاتورك!) .. (يهودي)!

стр. 920

وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإِسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه (يهودي)! ثم لقد كان وراء النزعة الماديّة الإلحاديّة .. (يهودي)! ووراء النزعة الجنسيّة (يهودي)! ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقدسات والصوابط (يهود)! (١) ولقد كانت الحرب التي شنّها اليهود على الإِسلام أطول أمداً، وأعرض مجالاً، من تلك التي شنّها عليه المشركون والوثنيّون -على ضراوتها- قديماً وحديثاً! والمعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاماً في جملتها .. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول! أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنيّة الهنديّة والإِسلام ضراوة ظاهرة، ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونيّة العالميَّة التي تعدّ الماركسيّة مجرّد فرع لها، وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإِسلام في طول الأمد، وعرض المجال، إلا معركة الصليبيّة -كما سنرى- فيما يأتي! فإذا سمعنا الله تعالى يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾! ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا .. ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي، فإننا ندرك طرفاً من حكمة الله في تقديم اليهود على الذين أشركوا!

стр. 921

إنهم هذه الجبلّة النكدة الشرّيرة، التي ينغل الحقد في صدورها على الإِسلام وعلى نبيّ الإِسلام، فيحذر الله نبيّه وأهل دينه منها .. ولم يغلب هذه الجبلّة الشرّيرة إلا الإِسلام وأهله يوم أن كانوا أهله! ولن يخلّص العالم من هذه الجبلّة النكدة إلا الإِسلام يوم يفيء أهله إليه! ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾! ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالاً للشك في أنها تصوّر حالة معيّنةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعيّن، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادّة للتميّع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم .. لذا نجد من الضروري أن نتابع تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص! إن الحالة التي تصوّرها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، هم أقرب مودّة للذين آمنوا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾! ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ، ولا يدع الأمر مجهلًا ومعمّماً على كل الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إنما يمضي فيصوّر موقف هذه الفئة التي يعنيها: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٣، ٨٤]!

стр. 922

فهذا مشهد حيّ يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودّة للذين آمنوا .. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزّت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيراً عن التأثر العميق القويّ بالحق الذي سمعوه، والذي لا يجدون له في أوّل الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير .. وهي حالة معروفة في النفس البشرية، حين يبلغ بها التأثّر درجةً أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدّي ما لا يؤدّيه القول، وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق القوي! ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع، ولا يقفون موقفاً سلبيًّا من الحق الذي تأثّروا به هذا التأثّر عند سماع القرآن، والشعور بالحق الذي يحمله، والإحساس بما له من سلطان .. إنهم لا يقفون موقف المتأثّر الذي تفيض عيناه بالدمع، ثم ينتهي أمره مع هذا الحق! إنما هم يتقدّمون ليتخذوا من هذا الحق موقفاً إيجابيًّا صريحاً .. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان، وهذا الإذعان، في لهجة قويّة عميقة صريحة: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾! إنهم أوّلاً يعلنون لربّهم ايمانهم بهذا الحق الذي عرفوه، ثم يدعونه سبحانه أن يضمّهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق، وأن يسلكهم في سلك الأمّة القائمة عليه في الأرض .. الأمّة المسلمة، التي تشهد لهذا الحق بأنه الحق، وتؤدّي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر .. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمّون إلى هذه الأمّة المسلمة، ويشهدون ربّهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة، ويدعونه سبحانه أن يكتبهم في سجلّها .. ثم هم

стр. 923

بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوّق عن الإيمان بالله، أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به، ولا يأملوا بهذا الإيمان أن يقبلهم ربهم، ويرفع مقامهم عنده، فيدخلهم مع القوم الصالحين: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾! فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف الاستماع والمعرفة، ثم التأثّر الغامر، والإيمان الجاهر .. ثم الإِسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله سبحانه أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق، الذين يؤدّون شهادتهم سلوكًا وعملًا وجهاداً لإقراره في الأرض، والتمكين له في حياة الناس .. ثم هو وضوح الطريق في تقديرهم وتوحدّه، بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد، هو طريق الإيمان بالله، وبالحق الذي أنزله على رسوله، والأمل بعد ذلك في القبول عنده والرضوان! ولا يقف السياق القرآني عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودّة للذين آمنوا من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله إلى الرسول ﷺ من الحق، وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح، بالإيمان المعلن، والانضمام إلى الصفّ المسلم، والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال، والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصفّ الشاهد لهذا الحق على هذا النحو، مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين! لا يقف السياق عند هذا الحدّ في بيان أمر هؤلاء الذين يقرّر أنهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل يتابع خطاه لتكملة الصورة، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلاً: ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾!

стр. 924

لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم، وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق، وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدّين القيّم الذي دخلوا فيه، ولهذا الصفّ المسلم الذي اختاروه، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة -بكل تكاليفها في النفس والمال- منّة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضيّ فيه، ورجاءهم في ربّهم أنه يدخلهم مع القوم الصالحين! لقد علم الله منهم هذا كله، فقبل منهم قولهم، وكتب لهم الجنّة جزاء لهم، وشهد لهم سبحانه بأنهم محسنون، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين: ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾! والإحسان أعلى درجات الإيمان والإِسلام .. والله ﷻ قد شهد لهذا الفريق من الناس بأنه من المحسنين! إنه فريق خاص محدّد الملامح، هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾! فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة، وهو فريق لا يتردّد في إعلان استجابته للدّين القيم، والانضمام للصف المسلم، والانضمام إليه بصفة خاصّة في تكاليف هذه العقيدة، وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها، والجهاد لإقرارها وتمكينها .. وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين! ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ في تحديد ملامح هذا الفريق

стр. 925

المقصود من الناس الذين نجدهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل إنه ليمضي فيميّزه من الفريق الآخر من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾! ممن يسمعون هذا الحقّ فيكفرون به ويكذّبون، ولا يستجيبون له، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾! (المائده)! والمقصود قطعاً بالذين كفروا وكذّبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ثم لا يستجيبون .. والقرآن الكريم يسمّيهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف، سواء في ذلك اليهود والنصارى، ويضمّهم إلى موكب الكقّار مع المشركين سواء، ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق، وفي موقف الامتناع عن الدخول في الدّين القيم الذي لا يقبل الله من الناس ديناً سواه .. نجد هذا في مثل قول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ (البينة)! ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]! ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة)! ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة) فهو تعبير مألوف في القرآن الكريم، وحكم معهود .. وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وللتفرقة بين موقف كل منهما تجاه الذين آمنوا، وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله .. هؤلاء

стр. 926

﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾! ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾! وليس كل من ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إذن داخلين في ذلك الحكم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن في دون تمامها .. إنما هذا الحكم مقصور على حالة معيّنة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضاً، ولا ملامحها مجهلة، ولا موقفها متلبّساً بموقف سواها في كثير ولا قليل! وقد وردت روايات في تحديد من هم النصارى المعنيّون بذلك، قال ابن كثير: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنيّة، وقصّة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة -كما سيأتي- وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وقد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق، وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النبي ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة .. وتعددت الروايات في ذلك (١).

стр. 927

١٠ - بين الصهيونية والصليبيّة: ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة)! وقوله جلّ شأنه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]! وقوله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ (البقرة)! وقد صدّق الواقع التاريخي ما حذّر الله الأمّة المسلمة إياه، من اليهود والنصارى سواء! وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكرة للإسلام منذ اليوم الأوّل لهذا الدّين القيّم، في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة! وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإِسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم .. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبييّن أنهم اتخذوا من الإِسلام موقف العداء منذ عهد الرسول ﷺ -كما سيأتي- في هذه الدراسات تحت عنوان: (الرسول ﷺ والنصارى وجهاً لوجه)! وحسبنا أن نذكر موقف العداء منذ واقعة (اليرموك) -كما سجل التاريخ-

стр. 928

بين جيش المسلمين وجيوش الروم- فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه، وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإِسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك، يلاقون من ظلمها الوبال! أما التيّار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط -إلا في الظاهر- منذ التقى الإِسلام والرومان على ضفاف اليرموك! لقد تجلّت أحقاد الصليبيّة على الإِسلام وأهله في الحروب الصليبيّة المشهورة طوال قرنين من الزمان .. كما تجلّت في حروب الإبادة التي شنّتها الصليبيّة على الإسلام والمسلمين في الأندلس .. ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلاميّة في إفريقيا أوّلاً ثم في العالم كله أخيراً! ولقد ظلّت الصهيونيّة العالميّة والصليبيّة العالميّة حليفتين في حرب الإِسلام -على كل ما بينهما في أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العلم الخبير: ﴿بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾! حتى مزّقوا دولة الخلافة الأخيرة، ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدّين عروة عروة، وبعد أن أجهزوا على عروة (الحكم) ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على الباقي! ثم هاهم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنييّن، فيؤيّدون الوثنيّة حيثما وجدت ضدّ الدّين القيّم، عن طريق المساعدات المباشرة تارةً، وعن طريق المؤسسات الدوليّة التي يشرفون عليها تارةً أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على (كشمير) وموقف الصليبيّة منها ببعيد!

стр. 929

وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولّى سحق حركات الإحياء والبعث الإِسلاميّة في كل مكان على وجه الأرض، وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة، ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإِسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذي يلبسون أردية الأبطال! هذا موجز سريع لما سجّله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرناً، من مواقف الصهيونيَّة والصليبيّة تجاه الدّين القيّم، لا فرق بين هذه وتلك، ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان! وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً، فلا ينساقوا وراء حركات التميّع الخادعة أو المخدوعة .. دون متابعة لتقريرات القرآن الكريم عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدّق هذا كله .. ثم تتخذ من ذلك وسيلةً لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد، الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الموجهة إلى جذور العقيدة! إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئاً أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة، مهما قلّ عددها وعدّتها، فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة، وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة، ولكن ضررهم لا يقلّ -حينئذ- عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشدّ ضرراً!

стр. 930

١١ - معركة عقيدة: وعلينا أن ندرك أنها معركة عقيدة .. وقد استطاع اليهود ومن يشايعهم من النصارى ومن على شاكلتهم أن يقيموا لهم دولة، يساعدهم هؤلاء وأولئك بالأموال والأسلحة .. ! وهذا واقع أليم، استغله اليهود .. ومن ثم سجَّلت حرب ١٩٦٧ ما سجَّلت مما يندى له الجبين، وقد كنت آنذاك وراء القضبان، في ليمان أبي زعبل، وليمان مزرعة طره!! وكان في مقدمة هذه الحرب -كما تناقلت وسائل الإعلام- بعض أحبارهم يقودون الدبابات التي قدمها لهم هؤلاء وأولئك، بينما أسقط المسلمون من حسابهم العامل الديني، والرباط الروحي، ووقفوا من المعركة موقف الشعارات القوميّة .. وكانت الهزيمة التي عاش المسلمون أحداثها المريرة! ومعلوم أن الأحزاب والحركات العربيّة العلمانيّة الملحدة قد أخفقت في جميع أعمالها؛ لأنها كانت منذ نشأتها -ولا تزال- تعمل بمعزل عن الشعوب المؤمنة! كما أنها عجزت عن إدراك الاختلاف الكبير بين الدّين القيّم الذي هو دين ودنيا، وعقيدة وجهاد، بين الكهانة التي أرغمت حكومات غير المسلمين على اعتناق العلمانيّة! هذا جانب، وجانب آخر مهم، وهو أنها تعرف تاريخ الإِسلام، وأنه دين ودولة، ولكنها تحاربه بتلك الشعارات البرّاقة والمبادئ الهدّامة! وعلينا أن نعود عوداً حميداً إلى فقه السيرة النبوية، ونربط الحاضر بالماضي، ونرى معالم قضيّتنا مع أحفاد القردة والخنازير واضحة، يصوّرها الكتاب

стр. 931

والسنة، وأنها ليست مجرّد صراع كما يدعيه الغافلون، ويسميه العابثون، بل معارك خاصة بهم في حياة الرسول ﷺ ، ينطق بذلك القرآن الكريم، كما ينطق الواقع التاريخي، في القديم والحديث سواء! - ونرى اليهود في العصر الحاضر قد تجمّعوا في الأرض المقدّسة! - وهذا التجمع قد أفادنا، حيث تجمّعوا تحت راية عقيدتهم، وإن كانت قد أصابها التزييف والتحريف والتخريف! - وهذا يتطلب مواجهتهم تحت راية الدّين القيّم! - وأفادنا، حيث تملّكوا أسباب القوّة والبطش، كما يشهد الواقع الأليم! - وهذا يتطلب ضرورة الأخذ بكل الأسباب الممكنة، والأمة الإِسلاميّة تملك القدرة على ذلك! - وأفادنا، حيث رأيناهم قد تجمّعوا من كل أنحاء الدنيا، ليتحقق فيهم إذن الأبد الذي تحققّ منذ ظهوره، فبعث الله عليهم في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من يَسُومهُمْ سوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف)! وهنا تتحقق فيهم النبوءة الصادقة (١) في قوله ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراء اليهودي: يا مسلم! هذا يهوديٌّ ورائي فاقتله". وفي رواية لمسلم عنه ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة

стр. 932

حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ خلفي فتعالى فاقتله، إِلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" (١). واليهود يعرفون هذا، ومن ثم فهم يزرعون حول ما يقيمون من مستوطنات شجر الغرقد، ولكن الوحي يذكر بأن النصر حق! وفي رواية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقاتلكم اليهود، فَتُسَلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله" (٢). ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ (الروم)! ١٢ - إسلام عمر الفاروق: هذا، وكان عُمر بن الخطاب من ألدّ خصوم الإِسلام، وكان معروفاً بحدّة الطبع، وقوّة الشكيمة، وكثيراً ما لقي بعض المسلمين منه صنوفاً من الأذى والتنكيل (٣)!

стр. 933

وحسبنا أن نذكر ما رواه البخاري عن قيس، قال: سمعت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفَيل في مسجد الكوفة يقول: والله! لقد رأيتني مُوثِقي، وإِنّ عمر لَمُوثقي على الإِسلام قبل أن يُسلم عُمر .. ! وفي رواية: يقول للقوم: لو رأيتُني موثِقي عمر على الإِسلام، أنا وأخته، وما أسلم .. (١)! قال ابن حجر: والمعنى رأيت نفسي وإن عمر لموثقي على الإِسلام، أي ربطه بسبب إسلامه، إهانةً له، وإلزاماً بالرجوع عن الإِسلام (٢)! ويطول بنا الحديث في ذكر ذلك! واختلف في قصة وتاريخ إسلامه! قال ابن إسحاق: كان إسلام عمر فيما بلغني (٣) أن أخته فاطمة بنت الخطّاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر! وكان نُعيم بن عبد الله النحّام، رجل من قومه، من بني عديّ بن كعب قد أسلم، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه، فَرَقاً من قومه! وكان خبّاب بن الأرَت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب، يقرئها القرآن! فخرج عُمر يوماً، متوشّحاً سيفه، يريد رسول الله ﷺ ، ورهطاً من أصحابه، قد ذُكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريبٌ من أربعين، ما بين رجال ونساء!

стр. 934

ومع رسول الله ﷺ عمّه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصّدِّيق، وعليّ بن أبي طالب، في رجال من المسلمين ﵃ ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمداً هذا الصّابئ، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتُله! فقال له نُعيم: والله! لقد غَرّتك نفسُك يا عُمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتُقيم أمرهم! قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: خَتَنُك وابن عمّك سعيد بن زيد، وأختُك فاطمةُ بنت الخطاب، فقد والله! أسلما، وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما! قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرت، معه صحيفة، فيها ﴿طهَ﴾ يقرئهما إيّاها، فلمَّا سمعوا حسّ عُمر، تغيّب خبّاب في مَخْدَعٍ لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمةُ بنتُ الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دَنَا إلى البيت قراءة خبّاب عليهما، فلمَّا دخل قال: ما هذه الهيْنمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً، قال: بلى والله! لقد أُخْبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بخَتَنِه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب، لتكُفّه عن زوجَها، فضربها فشجَّها، فلمَّا فعل ذلك قالت له أخته وختَنه: نَعم، قد أسلمنا، وآمنَّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!

стр. 935

فلمَّا رأى عمر ما بأخته من الدّم، نَدم على ما صنع، فارْعَوى (١)، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعْتكم تقرؤون آنفاً، أنظر ما هذا الذي جاء به محمَّد، وكان عمر كاتباً، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليَرُدَّنَّها إليها، فلمَّا قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي إنك نجسٌ، على شركك، وإنه لا يمسّها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها ﴿طهَ﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلمَّا سمع ذلك خبّاب خرج إليه، فقال له: يا عُمر، والله! إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه، فإني سمعته أمس، وهو يقول: "اللهم! أيّد الإِسلام بأبي الحكَم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" (٢)! فالله الله! يا عمر! فقال له عند ذلك عمر: فدُلَّني يا خبّاب على محمَّد، حتى آتيه فأُسلم، فقال له خبّاب: هو في بيت عن الصّفا، معه فيه نفرٌ من أصحابه!

стр. 936

فأخذ عمر سيفه فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلمَّا سمعوا صوتَه، قام رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ وهو فَزع، فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوشّحاً السيف، فقال حمزة ابن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله ﷺ : "ائْذن له"! فأذن له الرجل، ونهض إليه رسولُ الله ﷺ ، حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجرته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذةً شديدةً، وقال: "ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله! ما أرى أن تنتهي، حتى يُنزل الله بك قارعةً"! قال عمر: يا رسول الله! جئتك لأُومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله! قال: فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرةً، عَرَف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم! فتفرّق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم، وقد عَزُّوا في أنفسهم، حين أسلم عمر، مع إِسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوهم! فهذا حديث الرواة من أهل المدينة، عن إِسلام عمر بن الخطاب، حين أسلم (١)! وذكر ابن إسحاق أن عمر ﵁ كان يقول: كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خَمر في الجاهليّة، أحبّها،

стр. 937

وأسرّ بها، وكان لنا مجلس، يجتمع فيه رجال من قريش بالحزْورة، عند دُور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي، قال: فخرجت ليلةً أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، قال: فجئتهم فلم أجد منهم أحداً، قال: فقلت: لو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكّة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها، قال: فخرجت فجئته فلم أجده، قال: فقلت: لو أنّي جئت الكعبة، فطفت بها سبعا أو سبعين، قال: فجئت المسجد، أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، وكان إذا صلّي استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاّه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني، قال: فقلت: حين رأيته، والله! لو أنّي استمعت لمحمد الليلة، حتى أسمع ما يقول! قال: فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروّعنّه، فجئت من قبَل الحجْر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويداً، ورسول الله ﷺ قائم يُصلَّي، يقرأ القرآن، حتى قمتُ في قبلته مستقبله، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، قال: فلمَّا سمعت القرآن رقّ له قلبي، فبكيت ودخَلَني الإِسلام، فلم أزل قائماً في مكاني ذلك، حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن حُسيْن، وكانت طريقه، حتى يَجْزع المسعى (١)، ثم يسلك بين دار عبّاس ابن المطلّب، وبين دار بن أزْهر ابن عبد عوف الزهري، ثم عدى دار الأخنس ابن شَريق، حتى يدخل بيته، وكان مسكنه ﷺ في الدار الرَّقْطاء (٢)، التي كانت بيديْ معاوية بن أبي سفيان!

стр. 938

قال عمر ﵁: فتبعْتُه حتى إذا دخل بين دار عبّاس، ودار ابن أزْهر، أدركته، فلما سمع رسول الله ﷺ حسّي عرفني، فظنّ رسول الله ﷺ أنّي إنّما تبعتُه لأوذيه فَنَهَمَني (١)، ثم قال: "ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ " قال: قلت (جئت) لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله! قال: فحمدَ اللهَ رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "قد هداك الله يا عمر". ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله، ودخل رسول الله ﷺ بيته! قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان (٢)! وقال: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عُمر عن ابن عمر، قال: لما أسلم أبي عُمر قال: أيّ قريش أنقلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجُمحي! قال: فغدا عليه! قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمْتَ يا جميل أنّي قد أسلمت ودخلت في دين محمَّد؟ قال: فوالله! ما راجعه، حتى قام يجرّ رداءه، واتّبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إِذا قام على باب المسجد، صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول المسجد، أَلا إِن عُمر بن الخطّاب قد صبا! قال: ويقول عمر مِنْ خلفه: كذبَ، ولكنّي قد أسلمت، وشهدت أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده

стр. 939

ورسوله! وثارُوا إِليه، فما برَح يُقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم! قال: وطَلحَ (١)، فقعد، فقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله! أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم، أو تركَتموها لنا! قال: فبينا هم على ذلك، إِذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلَّة حِبْرة (٢)، وقميص موسى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صَبَا عمر، فقال: فَمَه، رجلٌ اختار لنفسه أمْرًا، فماذا تريدون؟ أتَرْون بني عديّ بن كعب، يُسلمون لكم صاحِبَهُم هكذا! خَلُّوا عن الرجل (٣)! قال: فوالله! لكأنما كانوا ثوباً كُشِط عنه! قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، مَن الرجل: الذي زجَر القوم عنك بمكّة يوم أسْلمت، وهم يقاتلونك؟ فقال: ذاك، أيْ بُني، العاص بن وائل السَّهمي (٤)! قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أنه قال: يا أبت، من الرجل الذي زَجَر القوم عنك بمكّة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك، جزاه الله خيراً؟ قال: يا بنيّ، ذاك العاص بن وائل، لا جزاه الله خيراً! قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال:

стр. 940

قال عمر: لمَّا أسلمت تلك الليلة، تذكّرت أيّ أهل مكّة أشدّ لرسول الله ﷺ عداوةً، حتى آتيه فأخبره أنّي قد أسلمت. قال: قلت: أبو جهل وكان عمر لحَنْتَمَةَ بنت هشام بن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصحبتُ حتى ضربتُ عليه بابه، قال: فخرج إليّ أبو جهل، فقال: مرحباً وأهلاً يا ابن أختي، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أنّي قد آمنت بالله وبرسوله محمَّد، وصدّقت بما جاء به! قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبّحك الله، وقبّح ما جئتَ به (١)! وجعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة .. ومن وجه آخر عقب هجرة الحبشة الأولى (٢)! وفي رواية للبخاري قال عبد الله بن عمر ﵄: لمَّا أسلم عمر، اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ وأنا غلام فوق ظهر بيتي فجاء رجل عليه قَباء من ديباج، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار، قال: فرأيت الناس تصدّعوا عنه، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: العاص ابن وائل (٣)! قال ابن حجر: قوله (وأنا غلام) في رواية أخرى أنه (كان ابن خمس سنين)، وإذا كان كذلك خرج منه أن إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو

стр. 941

بسبع؛ لأن ابن عمر .. كان يوم أحد ابن أربع عشر سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين (١)! وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره، بسند حسن عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال (٢): "اللهم! أعزَّ الإِسلام بأحبَّ هذين الرجلين إِليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبَّهما إِليه عمر! ويروي أحمد وغيره عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: فَضَلَ الناسَ عُمر بن الخطاب ﵁ بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر، أَمَرَ بقتْلهم، فأنزل الله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ (الأنفال)! وبذكره الحجاب، أمرَ نساء النبي ﷺ أن يَحْتَجبن، فقالت له زينب: وإِنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل علينا في بيوتنا، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣)! وبدعوة النبي ﷺ له: "اللهم! أيّد الإِسلام بعُمر"! وبرأيه في أبي بكر، كان أول الناس بايعه (٣)!

стр. 942

وأصبح عمر الفاروق ﵁ رجل الإِسلام (١)، وبطل الدعوة الإِسلاميّة التي ستقوّض بنيان الجاهليّة، وتقضي قضاءً مبرماً على الوثنية في شتّى أشكالها، وتزيل الشرك على اختلاف ألوانه، وتهدم دعائم المجد الماديّ الزائف، وتبخع الطغيان الظلوم، وتبني الحياة من جديد على أسس من العدل والحق والمواساة، بنياناً يجعل من الإنسانيّة كلها في إخائها وتعاطفها وتوادّها وتعاونها على البرّ والتقوى جسداً واحداً، تتقمصه روح واحدة، هي روح البرّ والرحمة! وصار عُمر الفاروق الرجل الثاني في جميع أصحاب رسول الله ﷺ ! فإذا كان أبو بكر الصدّيق ﷺ هو الرجل الأوّل في إعادته رَسَن الإِسلام إلى غربه، وفي توطيد أركان الدعوة بعد أن تزلزلت الحياة الإِسلاميّة بوفاة رسول الله ﷺ ، وبما أعقب ذلك من محاولة تفكّك عروة المجتمع الإسلامي وانفراط عصامه، بموقفه يومئذ من الخلافة والردّة موقفاً انفرد به في تاريخ الإِسلام، حزماً وعزماً، وقوة تدبير، وشجاعة قلب، واستقامة رأي، وعلوّ حجّة، وسرعة حركة في التوجيه، وإحكام ضربات حاسمة، ردّت العقول الثائرة إلى مرابضها، والعقول الفاترة إلى ثورتها، وسلطان الإِسلام إلى أفقه، ووحدة المسلمين إلى منهجها في السير برسالة محمَّد ﷺ إلى غايتها وأهدافها في فتح القلوب، وإيقاظ العقول! فإن عُمر الفاروق ﵁ هو الرجل الأوّل في إقامة دعائم الإِسلام، نظاماً وحكماً، لم تعرف الدنيا له مِثْلاً في العدل، وإقامة الحق، واستقامة السلوك، وتطبيق أحكام الإِسلام، على الأفراد، مهما كان شأنهم، وعلى الجماعات، مهما عظم خطرها، وفي تحقيق الأسوة المرئيّة للناس بأبصارهم في نفسه

стр. 943

وولده وسائر أهل بيته وقرابته أوّلاً، وعامة المسلمين ثانياً في سواء من أمرهم، لا يتميّز منهم أحد على أحد في الحق فيه، أو إعطائه له! وعمر الفاروق ﵁ أصبح بإسلامه عبقريّ الدنيا بشهادة الرسول ﷺ فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن عمر من حديث طويل: "فلم أَر عبقَريًّا يَفْري فِريَّه" (١)! فأي شيء يكون الإعجاز في صنع النفوس، وخَلْقها خلقاً جديداً، وإبداعها إبداعاً سويًّا، تتسامى به في تفكيرها وعملها وقوّة إيمانها، إذا لم يكن هذا الذي كان لعُمر الفاروق بإسلامه إعجازاً؟! فإذا قلنا إن إسلام عمر كان نفحةً من نفحات الإعجاز في صنع النفوس الإنسانيّة في رسالة محمَّد ﷺ ، لم يكن القصد إلى شيء من أساليب المجاز والرمز، ولا إلى شيء من المبالغة التعبيريّة، ونصاعة البيان، في تصوير ما صار إليه عمر الفاروق بإسلامه بعد جاهليّته من عظمة شخصيّة، وعبقريّة فكريّة، وألمعيّة عمليّة، لتضفي على هذا الحدث الخطير في تاريخ الحياة من الألوان ضرباً من الخيال الفضفاض، ولكن القصد إلى حقيقة الإعجاز الإنساني التي تميّزت به هذه الرسالة الخالدة، في صنع النفوس، وتربية الرجال، في مدارس آياتها، ومعاهد آدابها، وهي بطبيعتها الإنسانيّة ومصدرها الإلهيّ في غُنْيَة عن التحدّي بالمعجزات الماديّة التي تُكْره العقول على الإيمان بها؛ لأنها رسالة الإنسان جاء ته لتكشف له الحجب عن حقيقته، حتى يعرف نفسه ومكانه في الحياة، فهي رسالة تخاطب العقل والروح والقلب، وتحرّك الوجدان، وتثير العواطف والشعور والإحساس!

стр. 944

هي رسالة الإنسان ليعرف الكون كله .. أُنزلت لتطلب إلى العقل الإنسانيّ في إغراء واعد .. وتطلب إلى كل إدراك شعوري أن يعمل بكل ما أوتي من وسائل، وقوّة علم، ومعرفة ونظر وتفكير، وتجاوب عملية، على استكشاف عناصر الكون الطبيعيّة، وأسراره الروحيّة، إظهاراً لآيات الله، في كل ذرة من ذرّات الحياة فيه، ليهتدي بها الإنسان إلى معرفة خالق الكون، ومدبّر نظامه. معرفة برهانية، لا تعتمد على أوهام وأباطيل، ولكنها تعتمد على منطق الحق الذي تتضافر على الإيمان به قُوى الإدراك في الإنسان، فيخالط بردُ يقينها جذوة الإدراك العقلي في أوْج ذروتها! كما يهتدي إلى معرفة مكانه من الحياة في هذا الكون العريض العميق، معرفة تقوده إلى أن يقرأ كتاب الكون، مستغرقاً في التأمّل، ليتبّين آيات الله تعالى في خلقه، وتدبيره، ليُخْلِص الإنسان التعبّد لله وحده! ويهتدي كذلك إلى معرفة طرائق الإفادة من العناصر الطبيعيّة في هذا الكون، ووضعها موضع العمل التجريبي، بجميع ما يكون في استطاعته من أسباب توصله إلى الحصول على أكبر قسط من هذه الإفادة! والإعجاز في إسلام عمر الفاروق ﵁، هو الإعجاز الذي يحيي القلوب بعد موتها، فيبعثها من مرقدها حيّةً مؤمنةً بعد كُفر، عالمةً بعد جهالة، مهتديةً بهد ضلالة، عاملة ناهضة! كذلك كان الإعجاز في إسلام عمر الفاروق ﵁، هو الإعجاز الذي أحيا قلبه بعد موته في جاهليّته، فبعثه من مرقده في حمأة الوثنية، مؤمناً بالله وحده، عالماً بجلاله، مهتدياً بهديه، عاملاً نهّاضاً في سبيل عقيدته! وهو الإعجاز الذي يوقظ العقول الغطيطة في مهاد الضلال، لتدرك حقيقة

стр. 945

الحياة على ضوء ما يسوق لها الإيمان بالله تعالى، من إشراق ينير لها طريق السير في دروب الحياة، وكذلك صنع إسلام عمر بعقل عمر، فأيقظه من غفلته، وأراه الحياة كما يراها الإسلام في هديه ورسالته! وهو الإعجاز الذي يُحيل في لحظة من لحظات الزمن النفوس الجاحدة العاتية إلى نفوس مؤمنة وادعة، تأخذ من الحياة لتعطي، وتعطي لتفيد، وتتحرك لتعلَم، وتعلم لتعمل، وكذلك صنع إسلام عُمر بنفس عمر، فقد أحالها من جحود عات، وعتوّ جاحد، إلى نفس مشرقة الإيمان، عظيمة الإخلاص، أعطت أكثر مما أخذت، وأفادت أكثر مما استفادت، وتحرّكت فعلمت وعلّمت فعملت، فكان في الإِسلام أسوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت مفخرة المفاخر في تربية الإسلام! وهو الإعجاز الذي يبدّل في لحظة من لحظات الزمن القسوة الباغية في النفوس الطاغية، رحمةً حانيةً، ورقّةً عاطفةً! وكذلك صنع إسلام عُمر بشخصيّة عمر، فقد بدّل قسوته وبغيه على أهل الحق والإيمان من المسلمين المستضعفين، رحمةً ورأفةً وإشفاقاً، وفي تاريخ عمر في الإِسلام من الشواهد على ذلك ما لا يُحصى عداً، وما لا يعرف لغيره من الرجال الذين أوتوا من السلطان والحكم ما أوتي عُمر الفاروق في الإسلام! وهو الإعجاز الذي يجعل من الصلف المغرور، والغرُور المفتُون عزّةً وكرامةً، وكذلك صنع إسلام عمر في طبيعة عمر، فجعل منه قائداً يسوس الأمّة بالعزّة والكرامة، ويحبّ أن يرى فيها الشموخ والعزّة! وهو الإعجاز الذي يجعل من إنسان وُلد ونَهد، وشبّ في جاهلية حمقاء، وبيئة شرّيرة عمياء، وحياة ضالّة جهلاء، إماماً للإنسانيّة، يهتدي

стр. 946

لها، ويهديها، ويقودها إلى أكمل مراتب الكمال في حياتها، وينهض بها إذ يرفع أمرها إلى أرقى درجات التحضّر الكريم، يسوسها بعدله وحكمته، ويأسو جراحها برحمته، ويحمل عنها عبء مسؤوليّتها بأرفع وأجلّ ما حمل عبقريّ مسؤوليّة أمّة في حياتها! إنه الإعجاز الذي جعل من أمّة الإِسلام أمّة محسودة؛ لأن العناية الإلهيّة وهبت لها عمر الفاروق، ثاني الراشدين، ليقودها وهي في مطلع حياتها، تتحسّس مواضع أقدامها، فكانت بعدله وسياسته وحكمته وقيادته خير أمة أخرجت للحياة في جميع مظاهر الإصلاح! بهذا كله وأعظم منه قدراً، وأكثر عدداً، جاءت رسالة محمَّد ﷺ ، فكانت خاتمة الرسالات! وبهذا كله، وأرفع منه وزناً، وأجلّ منه مرتبةً، وأفضل معنى في مراتب الفكر والنظر، وفي مجالات أنظمة الحياة، أُنزل القرآن العظيم على خاتم النبيّين ﷺ ، فكان المعجزة الخالدة، والآيات البيّنة، بمعانيه الإنسانيّة، وتشريعاته التعبديّة، وسماحته العقديّة، ونظمه الاجتماعيّة، وهدايته التربويّة، وآدابه الخلقيّة، وروعة أساليبه البيانيّة، وبراعة تحليله للنفوس البشريّة، وكشف دخائلها، وشفائها من أسقامها! لقد جمع الله تعالى لعمر الفاروق ﵁ كل هذه الحقائق والمعاني، وصوّر له كمالاتها في لحظة من الزمن، انفجر منها في داخل بصيرته نور أضاء له ملكوت السموات والأرض، فقرأ من كتاب الكون أصول هدايته كما أسلفنا فآمن بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً!

стр. 947

يروي البخاري عن عبد الله بن مسعود ﷺ قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر (١)! قال ابن حجر: أي لما فيه من الجلد والقوّة في أمر الله! وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: كان إِسلام عمر عزاً، وهجرته نصراً، وإِمارته رحمةً، والله! ما استطعنا أن نصلّي حول البيت ظاهرين، حتى أسلم عُمر (٢)! إلْه عُمر الفاروق شهيد المحراب ﵁! يروي البخاري عن أبي مُليْكة أنه سمع ابن عباس يقول: وُضع عمر على سريره، فَتَكنَّفَهُ الناس، يَدْعون ويُصلّون قبل أن يُرفع وأنا فيهم فلم يَرُعْنِي إِلا رجلٌ آخذٌ مَنْكبي، فإِذا هو عليٌّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خَلَّفْتَ أحداً أحب إِليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك! وايمُ الله! إِن كنتُ لأظُنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبْت أنّي كثيراً أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبْتُ أنا وأبو بكر وعُمر، ودخلْتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجْتُ أنا وأبو بكر وعمر" (٣)!

стр. 948

١٣ - عزيمة النبوّة: ومضَى الرسول ﷺ قُدماً معلناً عن دعوته بكل ما يملك من وسيلة يعرفها الإعلان والجهر في مجتمعه وبيئته وبلده وقومه (١) .. يناديهم وجه النهار من فوق الجبال -كما أسلفنا-: "إِنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"! وقد كان للرسول ﷺ في حدب عمه عليه، وقيامه معه، ودفاعه عنه، وحمايته له، ومنعته أن يؤذى عزاء وقوة! وهنا نبصر عزيمة النبوّة تأبى إلا أن تقول لحياة الظلام: لا .. ولابدّ لهذا الظلام أن يتبدّد، وأن يملأ نورُ الله آفاق الحياة، فيضيء السهل والجبل، ويغمر الأودية والشواهق، ويدخل البيوت، وشري في الطرقات، ويتولّج في حنايا النفوس، وزوايا الضمائر، ويدلف إلى القلوب والعقول، ويوقظ الحياة من سباتها، ويصبح الكون كما أراده الله مسخّراً للإنسان يستخرج آياته، ويكشف أغطية الجهل وظلمات الوثنيّات عن أسراره! ويعرف الإنسان حقيقة دوره في هذه الحياة، ويعرف ربّه حق معرفته، ويكفر بالطاغوت، ويؤمن بالحق والعدل، ليصحّح وجوده ووجود الحياة كلها، لتخوض بحار العلم والمعرفة، وتسيح في محيطاتها، وتطير في أجوازها بأجنحة من فيض الله وأمره! هذا الإيمان الذي نبصره في عزيمة النبوّة، قد امتزج بروح محمَّد ﷺ ومشاعره وإحساساته، لم تعرف الحياة له نظيراً في قوّته وسطوته، وعلوّ جهرته!

стр. 949

هذا الإيمان هو الذي دفع أبا طالب إلى أن يقول -كما سبق لهؤلاء: والله! ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا! ولابد أن الرؤوس الخاوية قد شعرت بالقوّة التي تجدّدت لدعوة محمَّد ﷺ في تبليغ رسالته .. ولابد أنها شعرت بالخطر يتهدّدها في وثنيّتها وشركها، وفي طغيانها المادّي، وسُحتها وربويّاتها وتجارتها ومضارباتها .. فرجفت بهم الأرض من تحتهم، وهم في مجالسهم وأنديتهم .. ونظر بعضهم إلى بعض بعيون زائغة، تدور نظراتها في سهوم وذهول، كالذي يغشى عليه من الموت .. وتملّكهم الهلع والجزع، واستولى عليهم الرعب، واستحوذ على قلوبهم الجبن ومهانة الضعف، وضراعة الذل الحائر، فلم يفكّروا قطّ في تنفيذ وعيدهم وتهديدهم أبا طالب وابن أخيه، حتى يتفانى الفريقان! وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال (١)! مرض أبو طالب، فجاءت قريش، فجاء النبي ﷺ ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك، وشكوه إِلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "يا عمّ، إِنما أريد منهم كلمةً تذل لهم بها العرب، وتؤدّي إِليهم بها جزية العجم، قال: كلمة واحدة"! قال: ما هي؟ قال: "لا إِله إِلا الله"! قال: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ

стр. 950

إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزل فيهم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾! حتى بلغ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ (ص)! ونبصر الحقيقة الأولى في هذا القرآن ذي الذكر! ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾! ويطالعنا الإضراب في التعبير الذي يلفت النظر: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾! فهو يبدأ وكأنه انقطاع عن موضوع القسم (١)؛ لأن المقسم عليه لم يذكر، واكتفى بالمقسم به، ثم أخذ يتحدث بعده عن هؤلاء المشركين، وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة! ولكن هذا الانقطاع عن القضيّة الأولى انقطاع ظاهري، يزيد الاهتمام بالقضيّة التي تليه! وفي مفتتح السورة قسم يدل على أنه أمر عظيم .. وإلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقّتهم في هذا القرآن ذي الذكر، فهي قضيّة واحدة قبل الإضراب وبعده! ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجّه النظر بشدّة إلى المفارقة بين تعظيم الله سبحانه لهذا القرآن واستكبار المشركين عنه ومشاقّتهم به، وهو أمر عظيم! وعقب على الاستكبار والمشاقّة، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم، ممن كذبوا مثلهم، واستكبروا استكبارهم، وشاقّوا مشاقّتهم، ومشهدهم وهم
следующие страницы →