كتاب الأفعال
تأليف
أبي عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي
تحقيق
دكتور حسين محمد محمد شرف
المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
مراجعة
دكتور محمد مهدي علام
عضو مجمع اللغة العربية - القاهرة
[الجزء الأول]
مؤسسة دار الشعب
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة بقلم الدكتور مهدى علام ، عضو مجمع اللغة العربية
«الفعل» فى كل لغة، وفى كل لغة راقية على وجه الخصوص، هو مصدر التعبير عن أفكار المتحدثين بهذه اللغة؛ هو اللفظ الذى يصور النشاط والحركة وكل ما تموج به حياة البشر من فكر ووجدان. ويدلنا على هذا أن اللغات البدائية:
التى لا تتعدد فيها صور الحياة المتطورة، تعتمد - أكثر ما تعتمد - على «الأسماء»، وتستعين بقدر قليل من «الأفعال». وحينما يرتفع مستوى تفكيرها إلى الحاجة إلى مزيد من التمييز بين صور نشاطها التى يعبر عنها بصيغ «الأفعال»، تستعين عندئذ بإضافة ألفاظ إلى مجموعة «الأفعال» التى لديها - ألفاظ تعدّل معانى هذه الأفعال، وتنوع دلالاتها، كإلحاق ما يقابل عندنا فى العربية «الظرف» أو «الحال». ومن أمثلة ذلك «الأفعال» التى تنتمى إلى أصل «أنجلوسكسونى» فى اللغة الإنجليزية، قبل أن تثرى هذه اللغة بالأفعال التى استعارتها من الغتين العريقتين، اللاتينية واليونانية ..
وإن نظرة سريعة إلى بعض تلك الأفعال «الأولية» فى أى معجم إنجليزى، لتدل على مدى تنوع الدلالات لفعل الواحد، بإضافة هذه المكملات النحوية إليه.
ففعل) Get (مثلا يعبر عن عشرة معان (أى ما يساوى عشرة أفعال مختلفة) بسبب الإضافات التى تلحقه، مثل) Away - out) N, IN (الخ. وفعل) L ck (يدل، بسبب مثل هذه الإضافات، على سبع دلالات. وفعل) Set (على سبع كذلك، وفعل) Put (على نحو عشرين.
стр. 3
وقد كان اختيار النحاة العرب المصطلح «فعل» لهذا الجزء من الجملة اختيارا موفقا، وهو لا شك اختيار مستوحى من معناه ووظيفته فى اللغة، فهو - كما أشرت - مصدر الفعل والنشاط والحياة فى التعبير.
وشبيه بهذا التوفيق فى اختيار مصطلح ذى إيحاء لمعنى هذا اللفظ النحوى، أى «الفعل»، المصطلح الذى تستعمله له اللغات الأوربية جميعها، وهو لفظ (Verp) و (Verpe) المستعار من اللفظ اللاتينى (Verpuw)، ومعناه «الكلمة». كأن وظيفة «الفعل» فى الجملة هى «الكلمة المعبرة»، هى اللفظة المؤدية لأهم معنى فى الجملة.
وهنا أشعر بميل للمجازفة بهذه الدعوى: وهى أن الجملة الاسمية التى يقتصر عليها التعبير فى اللغات الهندية
الأوربية (فليس فى هذه اللغات ما يقابل الجملة الفعلية فى اللغات السامية) ليست فى جوهرها وأدائها إلا جملة فعلية ذات ترتيب خاص فى وضع ألفاظها، بحيث لا يبدأ فيها بالفعل، ولكنها لا تستغنى أبدا عن الفعل فى مناط الإسناد، حتى فى أبسط صورها، عند ما يكون مناط الإسناد هو مجرد فعل الكينونة، أو ما يسمى فى اصطلاحنا النحوى «الكون العام».
ونظرا لأهمية هذا الجزء من التركيب اللغوى، أى الجملة، وهو «الفعل»، قد اهتم به علماء اللغة والنحو فى جميع اللغات، حصرا وتوضيحا، وجدولة، وتأليفا.
ولكل لغة مواضع اهتمامها بضبط «الأفعال» فيها، من حيث اشتقاقها، وتصريفاتها، وما هو مطرد منها على نسق واحد (وهو قليل فى معظم اللغات)، وما هو غير مطرد على قياس، بل يختلف اختلافا قليلا أو كثيرا عن القياس، وما هو شاذ شذوذا كاملا.
وطلاب اللغات، من أهلها ومن غيرهم، يجدون أن أهم صعوبة تواجههم هى إتقان صيغ الأفعال وتصريفاتها. وحسبى أن أشير - تمثيلا لا حصرا - إلى الجداول
стр. 4
والمجموعات التى تحصر أنواع التصريفات المختلفة للأفعال فى كل من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
أما لغتنا العربية، بمالها من تطور عظيم، واتساع وتقدم، فلها نصيبها من هذه الميزة التى هى فى حقيقتها صعوبة - صعوبة المجد والرقى - فمن ذلك تحديد صيغ الفعل الثلاثى الذى هو أساس لصيغ الزيادة (إذا استثنينا القلة العددية للفعل الرباعى الأصل). وأفعالنا الثلاثية تحتاج إلى علم واسع، وجهد عظيم، لتحديدها - فى صيغتها ومعانيها - «فالبطاقة الشخصية» لكل فعل تحتوى على بنيته أو صيغته فى أحد الأبواب الستة المعروفة (وأحيانا خارج نطاقها)، كما تحتوى على تحديد وظيفته، لزوما وتعدّيا، ثم على الدلالات التى يعبر عنها.
وأشير هنا إلى ضبط بنية الفعل بقليل من الأمثلة التى تدل على مدى الحاجة إلى حصر الأفعال وتحديد ضبط كل منها، ولو لم يكن لكل فعل إلا بنية واحدة فى أحد الأبواب الستة للفعل الثلاثى لكان هذا كافيا فى وجوب تحديد هذه البنية أو الصيغة التى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتوقيف والتعليم، (وإن يكن هناك ما يشبه الضوابط للاهتداء إلى بعضها)، فكيف الحال ومئات الأفعال لها أكثر من صيغة واحدة فى أحد الأبواب الستة!.
فمما يأتى من بابين مثلا: نشأ ينشأ (من باب فتح)، ونشؤ ينشؤ (من باب شرف)؛ وهزئ يهزأ (من باب سمع)، وهزأ يهزأ (من باب منع)؛ وبصر يبصر (من باب شرف)، وبصر يبصر (من باب فرح).
ومما يأتى من ثلاثة أبواب: بطر (من باب فرح، ومن باب نصر، ومن باب ضرب)؛ وفطن (من باب فرح، ونصر،
وشرف)؛ ونعم (من باب فرح، ونصر، وضرب)؛ وفضل (من باب نصر، وفرح، ثم فضل يفضل من غير باب).
стр. 5
ومما يأتى من أربعة أبواب: حسب (من باب نصر، وشرف، وفرح، وورث) ومثله برأ يبرأ (من باب فتح) وبرئ يبرأ (كفرح)، وبرأ يبرؤ (كنصر)، وبرئ يبرؤ (على غير باب)، وملح (كفتح، ونصر، وشرف، وفرح).
وقد تنبه علماء اللغة العربية لأهمية «الفعل» فى بنائه ومصدره ومعناه، فألفوا الرسائل ثم الكتب فى ذلك.
ومن أهم هذه الكتب:
كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى (المعروف بابن الحداد) الذى توفى فى حدود سنة أربعمائة هجرية، أى منذ نحو ألف سنة.
وكان من بين الأهداف التى من أجلها ألف ابن الحداد كتابه هذا وفاؤه لأستاذه ابن القوطية. فقد عرض فى هذا الكتاب أكبر قدر من أفعال اللغة العربية، وأوضح قياس تصاريفها، وبين الصحيح والمعتل منها، والمجرد والمزيد، والمتعدى واللازم.
ومصادر الفعل الثلاثى. وعددا آخر من المشتقات. وكان أساس المادة التى اختارها وكتب عنها هو «كتاب الأفعال» لابن القوطية. أستاذه الذى أثبت وفاءه له بهذه الطريقة العملية. بتأليف كتاب يستكمل فيه عمل أستاذه ويستدرك ما تركه.
وهذا الوفاء الذى يحمله التلاميذ لأساتذتهم معروف بين علماء العربية. فهناك مثال شبيه بهذا، عند ما ألف أبو الفتح عثمان بن جنى كتابه «المحتسب فى تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها». وقد ألفه وفاء لذكرى أستاذه أبى على الفارسى الذى كان ينوى أن يضع كتابا فى هذا الموضوع، ولكن منيته عاجلته.
وقد حقق الكتاب الذى أقدمه هنا الدكتور حسين محمد شرف، تحقيقا علميا، اعتمد فيه على مخطوطتين. وقد عرف بهما تعريفا دقيقا، وقارن بين نصيهما، وتعقب الشواهد التى فى النص فشرحها ونسب ما أمكنه منها إلى قائليها.
стр. 6
ويسرنى أن أقدم هذا الجزء من التحقيق للشادين والعلماء، فهو جزء عزيز عظيم من تراثنا اللغوى الذى يقوم على نشره مجمعنا للغة العربية، فى نطاق الأعمال العلمية التى ينشرها تحقيقا لرسالته.
مهدى علام
المعادى ١٩ من المحرم ١٣٩٥
٣١ من يناير ١٩٧٥
стр. 7
بسم ا لله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
(أ)
أحمد الله الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، على آلائه ونعمه، وأثنى عليه بما لا يحصى من أفضاله فى خفى الأمر وظاهره.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وخاتم النبيين، صلّى الله عليه وعلى آله، وصحابته وسلم تسليما.
أما بعد فإن التصريف والاشتقاق من أبرز ظواهر العربية، وأشرف علومها، وقد أدرك النحويون واللغويون قيمة كل من هذين العلمين فى وقت مبكر، وأولوهما كل اهتمام.
ولما كانت أبنية الأسماء، وأبنية الأفعال هى مادة التصريف والاشتقاق، فقد ظفرت هذه الأبنية باهتمام علماء اللغة، والنحو، والتصريف، وألف فى هذه الأبنية جلة من العلماء، وكان للأفعال نصيب وافر من هذه الدراسات. وكان لنحاة الأندلس سبق إلى هذا الميدان، إذ شاركوا بباع طويل فيه، ولعلهم أرادوا بذلك أن يسجلوا لأنفسهم سبقا فى مجال من مجالات العلوم يقفون به مع العلماء المشارقة على قدم المساواة.
وتنصّ كتب التراجم وفهارس الكتب على كثير من الكتب التى ألفت فى أبنية الأفعال قبل كتب المدرسة الأندلسية، غير أنها إلى الرسائل أقرب منها إلى الكتب، ومن هذه التواليف القائم بنفسه مثل:
- كتاب فعلت وأفعلت للأصمعى، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثانى ٢/ ٢٨
стр. 8
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى عبيد، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثا ٣/ ٢٨١
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى حاتم السجستانى، ومنه عدة نسخ مخطوطة بالقاهرة.
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى إسحاق الزجاج، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
ومن هذه التآليف الذى جاء فصولا وأبوابا فى تواليف أخرى مثل
- ما جاء عن فعلت وأفعلت فى «إصلاح المنطق» لابن السكيت، مطبوع فى القاهرة ١٩٤٩ م.
- وما جاء عن أبنية الأفعال فى «أدب الكاتب» لابن قتيبة، مطبوع فى القاهرة ١٣٢٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «فصيح ثعلب»، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «جمهرة ابن دريد»، مطبوع فى حيدرأباد ١٣٤٥ هـ.
وإذا كانت المحاولات السابقة قد وقفت كتبها عند أبنية خاصة، فإن هناك كتبا أخرى تعرض أصحابها للأفعال عامة دون تخصيص بناء منها، وعلى رأس هولاء من المتقدمين «أبو عبيد»، «فابن السكيت»، ومن المتأخرين «ابن سيده».
وفتح «ابن القوطية» أحد علماء الأندلس ونحاته فى القرن الرابع الهجرى بتأليفه كتاب الأفعال الطريق أمام تلاميذه، ومن جاء بعدهم فحذوا حذوه، ووجدنا عدة مصنفات فى هذا الموضوع ترجع فى أغلبها لعلماء من الأندلس وهى:
- كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية الذى توفى فى سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى مروان عبد الملك بن طريف الأندلسى تلميذ «ابن القوطية» ذكره «ابن خير» فى فهرسته، وصاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة «ابن طريف» فقال: «وله كتاب حسن فى الأفعال (١)»، وتوفى «ابن طريف» سنة أربعمائة تقريبا
стр. 9
- وكتاب الأفعال لأبى منصور محمد بن على بن عمر بن الجبّان - أحد العلماء المشارقة - ذكره صاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة أبى منصور، فقال: «وصنف أبنية الأفعال (١)» وقد توفى بعد سنة ست عشرة وأربعمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى اللغوى المعروف بابن القطاع الصقلى، ذكره «ابن خلكان» فى ترجمته (٢)، توفى سنة خمس عشرة وخمسمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى عبد الله محمد بن يحيى بن هشام الأنصارى الخزرجى الأندلسى، قال عنه صاحب البغية: «وصنف فصل المقال فى أبنية الأفعال (٣)»، توفى سنة ست وأربعين وستمائة هـ.
وليس بين أيدينا من كتب هذه المدرسة غير:
- كتاب الأفعال لابن القوطية، طبع فى ليدن ١٨٩٤ م، والقاهرة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
- وكتاب الأفعال لابن القطاع، طبع فى حيدرأباد ١٣٦١ هـ
وكتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المعروف بابن الحداد، توفى فى
حدود سنة أربعمائة، شهيدا فى إحدى الغزوات. وهو الذى أقدّمه محققا لأول مرة، وسوف يتبين لنا أنه أتمّ وأكمل كتاب يقدم للمكتبة العربية فى هذا الموضوع بإذن الله.
стр. 10
(ب) السرقسطى، ومكانته العلمية، ومؤلفاته
١ - نسب أبى عثمان
هو سعيد بن محمد المعافرى اللغوى، من أهل قرطبة، يكنى أبا عثمان، ويعرف بابن الحداد (١)، ولقّبه بالحمار كل من «حاجى خليفة» صاحب كشف الظنون، و «بروكلمان» فى تاريخ الأدب العربى.
وعبارة كشف الظنون: «ومنهم - أى ممن صنف فى الأفعال - أبو عثمان سعيد بن محمد السرقسطى المنبوز بالحمار (٢) ...
وعبارة «بروكلمان» - الترجمة العربية - «وكان أشهر تلاميذ ابن القوطية» أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى، القرطبى، السرقسطى المعروف بابن الحداد الحمار (٣). ولم يكن أبو عثمان أول من لقب بالحمار. إذ لقب به الخليفة الأموى «مروان بن محمد بن مروان» آخر خلفاء بنى أمية، يتحدث الفخرى عنه، فيقول: «ويقال له الحمار وإنما لقب بالحمار، قالوا: لصبره فى الحرب، وكان شجاعا صاحب دهاء ومكر (٤)».
«وأبو عثمان» هى الكنية التى اختارها «سعيد بن محمد» لنفسه، وآثر أن يصدر بها كلامه فى الأفعال.
وليس نسب المعافرى فى اسم أبى عثمان دليلا على أن أبا عثمان ينتمى إلى أصل عربى؛ لأنه يجوز أن يكون أحد الموالى الذين ينتسبون إلى قبيلة «معافر» بالولاء.
стр. 11
ولأبى عثمان سميان من نحاة الأندلس يشتر كان معه فى الاسم، واسم الأب والكنية، ويشترك أحدهما معه فى لقب الجد، هما:
«سعيد بن محمد الغسانى أبو عثمان بن الحداد .. عده الزّبيدى من نحاة الطبقة الثالثة الأندلسيين (١)، وذكر «الزبيدى» له يرجح أنه غير أبى عثمان صاحب الأفعال.
«وسعيد بن محمد النحوى القرطبى أبو عثمان» (٢)، روى عنه أبو الحسن على بن أحمد بن سيده وغيره، ورواية ابن سيده الذى ولد فى حدود الأربعمائة من الهجرة عنه، ترجح أنه غير صاحب الأفعال كذلك.
٢ - مولد أبى عثمان
والنصوص التى كتبت عن «أبى عثمان» فى كتب التراجم لا تساعد على تحديد تاريخ مولده، ومكانه، ومعرفة الفترة الأولى من حياته، ومراحل تلك الحياة، وعدم المعرفة بتواريخ محددة لميلاد كثير من العلماء ظاهرة شائعة.
والمدخل الذى يقربنا من فترة زمنية لمولد هذا العالم ما جاء فى «الصلة» و «بغية الوعاة» من أنه أخذ عن «أبى بكر بن القوطية»، وهو الذى بسط كتابه فى الأفعال، وزاد فيه، وتوفى بعد الأربعائة شهيدا (٣).
وما جاء كذلك فى «تاريخ الأدب العربى» «لبروكلمان» من أنه «كان أشهر تلاميذ ابن القوطية ... قتل فى إحدى الغزوات بعد سنة ٤٠٠ هـ». (٤)
стр. 12
وما جاء فى مقدمة «أبى عثمان» لكتابه من أنه روى أفعال ابن القوطية على مؤلفه ﵀ (١).
وإذا قارنا تلمذته على ابن القوطية الذى توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة (٢)، وروايته كتابه عليه، واستشهاده
فى إحدى الغزوات بعد سنة أربعمائة هـ، وقدرته على الجهاد فى هذه الفترة، أمكننا أن نقول: إن مولده كان فيما حول سنة أربعين وثلاثمائة من الهجرة؛ لأن هذه البداية تصل بأبى عثمان عند وفاة شيخه إلى سن تسمح بتلمذة، وتمنح شهرة على الأقران من تلاميذ ابن القوطية، وتمكن من روايته كتاب شيخه عليه، وتصحيح تلك الرواية، وفى نفس الوقت تحتفظ لأبى عثمان بعد سنة أربعمائة هـ بقدرة تمكنه من المشاركة فى الجهاد، وجهاد عالم عامل قوى الإيمان، يتطوع للجهاد طمعا فى الاستشهاد، وهو فى الستين من عمره أمر كثير الحدوث.
٣ - نشأة السرقسطى
تقف المصادر التى ترجمت لأبى عثمان، والنصوص التى بين أيدينا عنه - كما قلنا - قاصرة عن تزويد الباحث بما يمكنه من التعريف بنشأة هذا العالم فى سهولة، وقصور المصادر لا يعنى العجز، ولا يعفى الباحث من تتبع الظروف التى أحاطت بتلك الشخصية، وتحليلها، والربط بين نتائجها من أجل استنتاج ما يمكن أن يقترب من درجة الحقائق عن تلك الشخصية، والبيئة العلمية التى عاش فيها أبو عثمان، والخيوط الرفيعة التى بين أيدينا عن تلمذته، وكتابه «الأفعال»، ثم شهادته مجاهدا فى سبيل الله، يمكن أن تكون منابع نستقى منها بعض معارف هذه النشأة.
стр. 13
وإذا كانت «قرطبة» قد حققت فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى على يد الخليفة الأموى «عبد الرحمن الناصر «٣٠٠: ٣٥٠ هـ» نوعا من الاستقرار السياسى، وحقق لها هذا الخليفة النصر فى الداخل والخارج (١)، وأقبلت على «قرطبة» وفود ملوك الروم ... وسائر الأمم خاضعة راغبة فى موادعته (٢)، فإنها فى النصف الثانى من هذا القرن قد حققت فى عهد الخليفة الحكم المستنصر وعهد الحاجب «المنصور بن أبى عامر - الذى تسمى بالحاجب - سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة هـ (٣)» نهضة علمية، وفكرية، ولغوية واسعة، وأصبحت جامعتها من أشهر جامعات العالم.
وكان يدرس الحديث فيها «أبو بكر بن معاوية القرشى»، وفيها أملى «أبو على القالى» - ضيف الأندلس - دروسه عن العرب قبل الإسلام، وكان «ابن القوطية» يدرس النحو.، وكان يدرس بقية العلوم أساتذة من أعلام العصر،
وكان الطلبة يعدون بالآلاف (٤).
وإذا كان «المعافرى» أشهر تلاميذ ابن القوطية» وكتاب الأفعال له بسط لكتاب شيخه بعد أن أفرد له عنايته، وجعل له حظا من نظره (٥) حتى خرج أكمل وأشمل كتب الأفعال التى بين أيدينا، وأوفاها نحوا، وصرفا، ولغة، وأدبا، ثم آثر التطوع والجهاد فى سبيل الله، وفضل ما عنده، فإنى أقول مرجحا: إن أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى السرقسطى ولد فى «قرطبة» أو رحل إليها صغيرا مع أسرته من «سرقسطة» حيث مجالات العمل فى «قرطبة» متوافرة، وأنه نشأ، وشب فى «قرطبة» يتمتع بقدرات فطرية طيبة من الذكاء، وملكة الحفظ، وروح التدين، والقدرة على الاستيعاب، والتقى بهذه القدرات مع شيوخ
стр. 14
عصره فى جامعة «قرطبة» ونهل من علومهم، وأنه اختص من بين هؤلاء العلماء أبا بكر بن القوطية، فلازمه، وقرأ عليه، واحتل مكان الصدارة بين طلبته، وتخرج عليه فى علوم اللغة، والنحو، والتصريف، كما تتلمذ على كتب مكتبة «قرطبة» التى جمع فيها الخليفة الحكم المستنصر ثروة زاخرة من الكتب فى مختلف فروع العلم والمعرفة، واتصل بالقرآن وعلومه، والحديث وشروحه، تدفعه إلى ذلك روح دينية تمكنت منه، فصرفته عن الدنيا، والبحث عن الشهرة فيها، وحببت إليه الآخرة، والعمل من أجل الفوز بها.
٤ - شيوخ أبى عثمان
نصت المصادر التى ترجمت له على تلمذته لأبى بكر محمد بن عمر بن القوطية.
وكان أبو بكر هذا رأسا فى اللغة والنحو، حافظا للأخبار وأيام الناس، فقيها محدثا، متقنا، كثير التصانيف، صاحب عبادة ونسك، روى عن سعيد بن جابر، وطاهر بن عبد العزيز وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزبيدى، وبقرطبة من أبى الوليد الأعرج، مدحه «أبو على القالى»: بأنه أنبل من رأى بقرطبة فى اللغة، وقد تخرج عليه كثير
من علماء الأندلس، وكان أبو عثمان المعافرى أشهر تلاميذه.
توفى ﵀ يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ (١).
وروى أبو عثمان فى كتابه عن شيخ من معاصريه هو:
أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعى البغدادى اللغوى. صحب الفارسى والخطابى وروى عنهم، وكان متقدما فى علم اللغة، وكان أحضر الناس شاهدا، وأرواهم. لكلمة غريبة. دخل الأندلس سنة ثمانين وثلاثمائة، وأصبح من متقدمى ندامى المنصور بن أبى عامر ... توفى ﵀ بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائة هـ (٢).
стр. 15
وقد نقل «أبو عثمان» عن «أبى العلاء» مصرحا بالرواية عنه فى سبعة أفعال من كتابه هى: أدا - أشر - أتم - أرم - ألق - هرّ - هبص.
ومع من التقى بهم «أبو عثمان سعيد المعافرى» من الشيوخ، وأخذ عنهم من العلماء يظل «أبو بكر بن القوطية» شيخه الأول، وصاحب الفضل الأكبر فى إذكاء نبوغه، وتخريجه عالما فى اللغة، والتصريف، والنحو، وأغلب الظن أن «أبا عثمان» ظل وفيا لشيخه، ملازما له، آخذا عنه حتى توفى الشيخ ﵀، وأن أفعال «ابن القوطية» كانت الدافع الأول الذى دفع أبا عثمان» لتأليف أثره الوحيد الباقى بين أيدينا، والذى كان سببا فى كشف شخصيته، ونشر أثره.
٥ - مذهبه النحوى
إن الحركة اللغوية والنحوية التى عاش «أبو عثمان» فى كنفها، وتتلمذ على شيوخها وتخرج فيها جاءت ثمرة عدة عوامل، فى مقدمتها:
رحلة علماء من الأندلس إلى المشرق العربى، التقوا فيه بالعلماء المشارقة المتقدمين من بصريين وكوفيين، وتتلمذوا عليهم، ورووا عنهم، وتخرجوا على أيديهم، وعادوا إلى الأندلس يحملون علم البصريين، وعلم الكوفيين، وعلم من أخذ عن المدرستين، وجمع بين المذهبين، رواية ومؤلفات، وعلى هذا العلم تخرج النحاة واللغويون فى
الأندلس.
وإذا رجعنا إلى كتاب «أبى عثمان» وجدنا أنه روى عن شيوخ المدرستين، روى عن أبى زيد، والأصمعى، وابن دريد، وأبى حاتم من شيوخ البصريين، وروى عن ابن الأعرابى، وابن السكيت، وأبى عبيد من شيوخ الكوفيين، وروى عن غير هؤلاء من الفريقين، وأنه لم يرض لنفسه أن يكون أسير مذهب بعينه، أو يتعصب لقول، وإنما يأخذ عن المتقدمين، ويروى لكثير منهم، وينتصر للمحسن بعد أن يمحص ما روى عنه، ويتثبت من أنه الصواب. ولا عجب فى هذا فتلك خطة التآليف فى ذلك العصر الذى نضجت فيه العلوم وتحددت المذاهب.
стр. 16
٦ - شخصية أبى عثمان العلمية
لم يظفر «أبو عثمان المعافرى» بما يستحق من اهتمام العلماء الذين ألفوا فى التراجم من المشارقة والمغاربة على السواء، قريبين من عصره، أو متأخرين، حتى علماء الأندلس الذين عاصروه، وتتلمذوا على «أبى بكر بن القوطية» شيخ أبى عثمان مثل أبى الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضى صاحب تاريخ علماء الأندلس، ولم يكن «أبو عثمان» بدعا فى ذلك، بل كان هذا نصيب كثير من العلماء، وبخاصة علماء الأندلس، يقول «بروكلمان» عن علماء مصر، واليمن، والأندلس «والترجمة لهؤلاء العلماء محدودة فى كتب التراجم، فبينما نرى أن علماء البلاد الأخرى احتلت أسماؤهم الكثير من صفحات كتب التراجم أو معظمها، إذ بنا نرى أن علماء مصر، واليمن، والأندلس لم ترد تراجمهم إلا فى كتب قلة من كتب التراجم، وبعضهم لم يذكر فى شئ منها (١).
وإذا عزت النصوص المكتوبة التى تفيد فى تأكيد مكانة هذا العالم، فإن كتاب الأفعال - بما حوى من ثروة لغوية، ونحوية، وصرفية، وأدبية، ودراية بالقراءات، ونقول غير محدودة عن العلماء المتقدمين، ودقة تامة فى نسبة ما رواه عنهم، وإثبات كل هذا بشواهد من الشعر، والرجز، والقرآن، والحديث، والأمثال، وأقوال الأعراب يقف بنا أمام عالم يتميز فى إنتاجه العلمى بسمات من أبرزها:
- الصبر والأناة والاستقراء لآراء العلماء حول المعنى الواحد.
- تتبع آراء العالم فى أكثر من موضع وأكثر من كتاب.
- عرض الآراء، وتمحيصها، ونقدها إن كان للنقد مكان.
- الاستيثاق التام فى نقل الآراء ونسبة الرواية والاستشهاد إذا أدى ترك النّص إلى اللبس.
- ثقافة، وسعة معارف، وثروة من الفوائد التى يحفل بها الكتاب.
стр. 17
- عالم أديب ذواقة لا يقف عند البيت الذى يورده لإثبات القاعدة وإنما يروى المقطوعة الشعرية، والنادرة الطريفة التى تربى ذوقا، وتكسب تجربة.
- ثقافة دينية، ودراية واسعة بعلوم القرآن والحديث.
- أمانة علمية فائقة، ودقة تامة فى نسبة الأقوال لمن تقدم من العلماء.
٧ - وفاته
لا نعرف على وجه التحديد تاريخ وفاة «أبى عثمان»، وتجمع الروايات التى بين أيدينا على أنه توفى بعد الأربعمائة، شهيدا فى إحدى الوقائع.
يقول «ابن بشكوال» (١) فى الصّلة: «وتوفى بعد الأربعمائة شهيدا فى إحدى الوقائع.
ونقل السيوطى فى البغية (٢) عبارة ابن بشكوال».
ويقول «بروكلمان»: قتل فى إحدى الغزوات بعد سنة أربعمائة هـ ألف وعشر بعد الميلاد (٣).
وإذا رجعنا إلى المصادر التاريخية للتعرف على الظروف التى مرت بها «قرطبة» مع خاتم المائة الرابعة، والسنوات التى تلتها، وحاولنا الاعتماد على هذه الظروف فى الاقتراب من تحديد تاريخ الوفاة على وجه التقريب وجدنا أن «قرطبة» عاشت فى حالة صراع عنيف حول الخلافة، وفتن ضارية عصفت بحضارتها، وشردت الكثير من أبنائها (٤)، وعرفنا أن المسلمين شغلوا فى هذه الفترة عن الغزو الخارجى بالفتن الداخلية، ورجحنا أن «ابن الحداد السرقسطى» قد استشهد فى إحدى هذه الفتن وبخاصة فتن سنة أربعمائة، أو فتن سنة ثلاث وأربعمائة، وهو يدافع عن «قرطبة»، وعن حق الخليفة الذى آمن بأنّه صاحب الحق فى الخلافة من بين المطالبين.
стр. 18
٨ - مؤلفاته
لم تحتفظ المكتبة العربية لأبى عثمان إلا بكتاب الأفعال، ولم أقف - على كثرة ما رجعت إليه من التراجم، والفهارس، والتواريخ، وكتب الطبقات - على آثار أخرى له.
والسؤال الذى يفرض نفسه.
أوقف تأليف «أبى عثمان» عند هذا الكتاب؟ أم أن لهذا العالم تواليف أخرى غير أنها لم تصل إلينا بعد؟
الاحتمال الأول يقول: إن كتاب الأفعال كتابه الوحيد؛ لأن الذين ترجموا له لم يذكروا له كتبا أخرى، ولو كانت له كتب أخرى لذكروها.
وأن «أبا عثمان» لم يحل فى كتاب الأفعال إلى كتب أخرى له شأن كثير من المؤلفين الذين نعرف كثيرا من ثبت كتبهم من خلال تواليفهم.
الاحتمال الثانى يقول: إن لأبى عثمان كتبا أخرى، وأنها لم تصل إلينا بعد؛ لأن الذين ترجموا له قلة من العلماء، ومصدرها الذى استقت منه واحد.
وأن كتب «أبى عثمان» لم تقرأ عليه، وتروعنه لانصرافه إلى الجهاد، وأن من صار إليه مؤلف منها ضنّ به لنفاسته. يرجح هذا أن أبا بكر محمد بن خير الأموى الإشبيلىّ من علماء القرن السادس، وأحد المصادر المبكرة الذى ترك فهرسة بالدواوين والكتب التى رواها عن شيوخه دقق فى سند رواية كل مؤلف حتى وصل به إلى مؤلفه غير كتب قليلة انقطعت سلسلة روايتها قبل مؤلفها، وأحدها أفعال أبى عثمان، وأن كتاب الأفعال مع غزارة مادته العلمية، ومع أنه أوفى كتب الأفعال التى ظهرت - حتى الآن - لم يظفر بما يستحق من اهتمام.
стр. 19
وأشعر أن لأبى عثمان كتبا أخرى غير الأفعال إلا أنها قليلة، ويقوم هذا الشعور على مسوغات منها:
أن كتاب الأفعال لأبى عثمان مع قيمته العلمية فى موضوعه قد أغفله كثير من أصحاب التراجم، وأغفلوا صاحبه، واقتصروا على ذكر «ابن القوطية» و «ابن القطاع (١)».
وأن الفتنة الكبرى التى حلت بقرطبة سنة أربعمائة هجرية على يد البربر ألحقت دمارا، كبيرا بمكتبة «قرطبة» ودورها، وربما فقدت كتب أبى عثمان فيما فقد (٢). وأن استشهاد «أبى عثمان» فى إحدى الوقائع كان عاملا من عوامل تعرض كتبه للضياع.
وأن هذه العقلية المستوعبة لآثار الفكر المتشعبة من معرفة بالأحكام، وإتقان للتراث الأدبى واللغوى، ومعرفة
غير يسيرة بأخبار الرجال، وطبقات العلماء والرواة، والمادة العلمية المتنوعة التى يفيض بها أثره الموجود الذى وصل إليها، كلها شواهد تدل على أن ثقافة هذا الرجل لم تكن محدودة بحدود اللغة وتصريفها، وربما كان للرجل آثار أخرى فى هذا الموضوع وفى غيره «٢» من الحقول الثقافية التى رأينا شواهد منها، ولعل الأيام تصدق ذلك، وتظهر آثارا أخرى من آثاره فتنصف عالما جديرا بالإنصاف، وتزوّد المكتبة العربية بأثر آخر من آثار عالم عظيم.
стр. 20
(ج) التعريف بالكتاب
١ - اسم الكتاب
من الأمور التى لا يجد محقق كتاب ما مناصا من الوقوف عندها وتحقيقها اسم الكتاب موضوع التحقيق، وأفعال أبى عثمان قد ذكره كل من ترجم لصاحبه إلا أنهم لم يتفقوا على تسمية واحدة، فقد ذكره محمد ابن خير ﵀ فى كتابه فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة فى ضروب العلم، وأنواع المعرفة باسم.
«كتاب الأفعال»
تأليف أبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى اللغوى، ويعرف بابن الحداد. (١)
وبهذا الاسم ذكره «ابن بشكوال» ﵀ فى ترجمة «أبى عثمان»، فقال:
وهو الذى بسط كتابه - يعنى كتاب ابن القوطية - فى الأفعال وزاد فيه (٢)، وقال مثل ذلك السيوطى فى بغية الوعاة (٣)، وذكره بهذا الاسم كذلك أحمد فارس الشدياق بين المراجع التى اعتمدها فقال: وقال «أبو عثمان القرطبى» فى كتاب الأفعال (٤)، وقال فى موضع آخر: «وفى كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى (٥)»
стр. 21
وذكره حاجى خليفة بين كتب الأفعال (١).
وذكره «بروكلمان» باسم الأفعال وتصاريفها (٢)، ولا نستطيع أن نجزم بأن «بروكلمان» يقصد بأن اسم الكتاب ما ذكره، وإنما يشير إلى موضوعه.
وذكر الكتاب باسم الأفعال فى النسختين اللتين استطعنا العثور عليهما منه، وقد اعتمدت تسمية الكتاب:
«الأفعال»
لذلك الإجماع الذى أجمع عليه كل الذين عرضوا للكلام عن المؤلف وذكر كتبه، أو نقلوا عنه، ولأن الاسم يتفق مع موضوع الكتاب، وأن صاحبه ذكر هذا الاسم صريحا فى خطبة كتابه (٣).
أقول لكل هذا اعتمدت اسم «الأفعال»
٢ - تاريخ تأليفه
ليس فى الكتاب ما يدل على تحديد زمن تأليفه بداية ونهاية، وليست هنالك قرينة تساعد على هذا التحديد كإحالة المؤلف فيه إلى كتب أخرى، إلا أن المؤلف ذكر صراحة، وجاء فى كتابه ضمنا ما قد يساعد فى تحديد فترة زمنية تم فيها تأليف هذا الكتاب.
قال المؤلف فى مقدمة «كتابه» أفردت له - أى لكتاب شيخه - عنايتى، وجعلت له حظا من نظرى بعد تصحيح روايتى إياه على مؤلفه ﵀ (٤) -».
стр. 22
هذا النص فى خطبة الكتاب يؤكد أن «أبا عثمان» ألف كتابه بعد وفاة شيخه الذى توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ.
وقال فى موضع آخر: «وكان الذى دعانا إلى هذا الكتاب ما علمته من الحاجب المنصور بن أبى عامر (١) - وفقه الله - ....
وهذا النص يؤكد أنه ألف الكتاب فى زمن حجابة المنصور بن أبى عامر، وقد تسمى المنصور بالحاجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٢) هـ.
وروى أبو عثمان فى باب الهمزة وباب العين، وهما أول بابين فى كتابه عن أبى العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعى البغدادى، وقد وفد أبو العلاء هذا إلى الأندلس سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة (٣).
وإذا علمنا أن أبا عثمان بدأ فى تأليف كتابه بعد وفاة شيخه الذى توفى سنة (٣٦٧ هـ) وأنه ألفه للحاجب المنصور الذى تسمى بالحاجب سنة (٣٧١ هـ) وأنه روى فى أول بابين منه عن أبى العلاء صاعد الذى وفد إلى الأندلس سنة (٣٨٠ هـ).
وعلمنا كذلك أن المنصور بن أبى عامر توفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة هـ.
وهو قافل من إحدى غزواته، أمكن أن نقول: إنّ «أبا عثمان» ألف كتابه فى الفترة ما بين سنة ثمانين وثلاثمائة، وتسعين وثلاثمائة، أى: بعد قدوم أبى العلاء صاعد الأندلس، وقبل وفاة المنصور أبى عامر محمد بن أبى عامر ﵀.
٣ - دوافع تأليفه
وحدد أبو عثمان نفسه فى خطبة كتابه دوافع التأليف، وتبين لنا مما ذكره أن هناك دوافع أربعة وراء التأليف:
стр. 23
دافعا أخلاقيا: يتمثل فى وفائه لشيخه، وإخلاصه له، ورغبته الصادقة فى استكمال عمله فى كتاب الأفعال، وشرح مختصره، وبسط تفسيره.
ودافعا علميا: يتمثل فى إيمان المؤلف بقيمة العلم بعامة، وإدراكه شرف البحث فى لغة العرب، وآدابها، وطرائفها، وإحكام قياس إعرابها، وتثقيف أفعالها بخاصة.
ودافعا تعليميا: يتمثل فى رغبة «المعافرى» فى تبسيط الكتاب للطالب، وتيسيره على الدارس، والوصول به إلى درجة من الكمال حتى يجد فيه كل راغب حاجته ومأربه.
ودافعا ذاتيا: يتمثل فى رغبة المؤلف فى كسب رضا الحاجب المنصور أبى عامر محمد ابن أبى عامر، والتقرب له، واستحقاق مكان التّجلة عنده، والزلفى لديه، إذ عرف حرصه على العلم، واقتناصه لفرائده، وعنايته بموارده.
٤ - موضوع الكتاب
يبحث «أبو عثمان» فى كتابه أفعال العربية ومعرفة إحكام تثقيفها، وقياس تصاريفها، ويبين الصحيح منها والمعتل، وأقل أصول الفعل. والمجرد والمزيد، وأبواب الزيادة وأبنية الأفعال الثلاثية، والمتعدى منها واللازم، وأبواب الماضى مع المستقبل، ومصادر الفعل الثلاثى، والمصدر الميمى، وأسماء الفاعلين والمفعولين، والصفات (١)، ويقدم محاولة طيبة فى حصر أفعال العربية، والتعريف بأبنيتها، ودلالتها، ويؤيد كل ذلك بما نقله عن ثقات العلماء، وفصحاء الأعراب، وما أثبته من شواهد (٢)، ويوضح أهمية الحاجة إلى دراسة الأفعال، ويطمئنّ إلى أنه ذكر كل ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال (٣).
стр. 24
٥ - مادة الكتاب وطريقة عرضها
يحتوى كتاب المعافرى على قسمين رئيسين هما:
(أ) مقدمة الكتاب.
(ب) صلبه.
وقد صدّر «أبو عثمان» كتابه بمقدمة بدأها بخطبة بين فيها فضل العلم، وقيمته.
وأهمية علوم العربية بعامة والأفعال بخاصة، وحاجة بقية العلوم إليها، وأظهر إعجابه بكتاب شيخه واهتمامه به، ودوافعه لتأليف كتابه، والخطوط العريضه لخطته فى دراسة هذا الكتاب.
وذيّل الخطبة بباب خاص بعلم الأفعال، وتلخيص أبنيتها، وقياس تصريفها، أوجز فيه ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال، وقدم فى صلب كتابه المادة العلمية:
وقد جمع فى الكتاب أكبر قدر من الأفعال، وكان أساس مادته كتاب «ابن القوطية» وأقوال ومؤلفات العلماء الثقات من المتقدمين، والتزم ذكر الأبنية، ومعانى الأفعال، ومصادرها، وما يقتضى الحال ذكره من خواص الصيغ، والصفات، والجموع.، واهتم كثيرا بذكر لغات القبائل، والظواهر الأدبية، واللغوية، والنحوية، والتصريفية، والاشتقاقية، والعروضية، وأيد كل ما أتى بشواهد من الشعر - قصيده ورجزه - والقرآن، والحديث، والأمثال، وكلام العرب، وظفرت المقطوعات الأدبية والروايات الشعرية بنصيب كبير من شواهده.
التبويب
١ - رتب «أبو عثمان» كتابه على مخارج الحروف على النحو الذى اختاره «سيبويه» وجاء على الوجه الآتى:
стр. 25
٢ - وجعل تحت كل حرف من هذه الحروف أربعة أقسام استقامت له فى كل الحروف، وقدمها على الترتيب الآتى:
- الثلاثى على فعل وأفعل باتفاق معنى
- الثلاثى على فعل وأفعل باختلاف معنى.
- الثلاثى المفرد.
- الرباعى المفرد وما جاوزه بالزيادة مما لم يستعمل ثلاثيه فى معناه.
ولم يضطرب عليه هذا التقسيم إلا فى حرف الخاء. إذ أضاف فيه قسما خامسا، هو الخماسى (١).
٣ - وجعل تحت كل قسم من أقسام الثلاثى تقسيما آخر استقام له فى أكثر الحروف وقدمه على الوجه الآتى:
- المضاعف.
- الثلاثى الصحيح.
- الثلاثى المهموز.
- الثلاثى المعتل.
واستقام له هذا التقسيم، وما تخلف منه، إنما تخلف لعدم وجود أفعال تمثله فى الحرف الذى وقع تخلف القسم فيه (٢).
٤ - وجعل تحت كل قسم من أقسام الثلاثى السابقة أبوابا وفقا للصيغ المختلفة، والتزم فيها الترتيب الآتى:
فعل - بفتح العين -، فعل وفعل - بفتح العين وكسرها -، فعل وفعل - بفتح العين وضمها - فعل وفعل وفعل - بفتح
العين وكسرها وضمها -، فعل وفعل - بضم
стр. 26
العين وكسرها، فعل - بضم العين -، فعل - بكسر العين - ولم يشذ عن هذا الترتيب إلا ما وقع سهوا، وهو نادر، وما تخلف من ذلك، إنما تخلف لعدم وجود أفعال تمثله فى الحرف، وقد سمى المؤلف هذا المستوى بابا، وذيل كثيرا منها بإضافاته التى استدركها على شيخه، وقدم لهذه الإضافات بالعبارة أو قريب منها: «ومما لم يرد منه شئ من هذا الباب فى الكتاب» (١).
٥ - وجعل الرباعى المفرد وما جاوزه بالزيادة مما لم يستعمل منه ثلاثى فى معناه أبوابا على حسب الصيغ، وقدمها فى كل حرف على النحو الآتى غالبا:
أفعل - فعلل - تفعلل - فعّل - تفعّل - افعللّ - افعنلل - افعوعل - فعول - فيعل - استفعل - انفعل - افتعل - فاعل - فوعل - تفوعل - تفاعل - افعنلى - افوعّل.
غير أنه لم يلتزم هذا الترتيب فى كل الحروف، بل قدم وأخر، وجاءت كلها فى حروف، وسقط بعضها فى حروف لعدم وقوفه على أفعال تمثل الصيغ التى لم ترد وجعل كل صيغة من هذه الصيغ أصلا أورد تحته ما جاء منه:
مكررا - أو مهموزا - أو معتلا
٦ - صنعة أبى عثمان فى كتابه ومنهجه
حدد «أبو عثمان» فى مقدمة كتابه الدور الذى قام به «ابن القوطية» فى كتابه «الأفعال» وحاجة هذا الكتاب إلى إعادة نظر ودراسة، كما حدد فيها السمات البارزة لمعالم شخصيته فى كتابه، وصنيعه فى هذا الكتاب، يقول: إن ابن القوطية قصد فى كتابه مقصد الغاية فى الاختصار، ولهذا تعسر على الطالب، وصعب على الدارس إلا من أعمل فيه الفكرة مع كل لفظ، وأتعب نفسه بالرجوع إلى الأصل الأول.
стр. 27
ويقول: كان غرض «ابن القوطية» فى كتابه «فعلت وأفعلت» خاصة، وترك ما جاوز ذلك من الأفعال الرباعية الأصلية، وما جاوزها بالزيادة.
ويقول فى شرح دوره، وبيان جهده فى الكتاب: «فتلافيت ما اختل منه بإلحاقه وترداد ذكره، وبسط تفسيره، وألحقت فيه الأفعال التى ترك ذكرها من الرباعية، وما جاوزها بالزيادة.
وألحقت فى كل باب منه ما لم يذكره إذ الإحاطة ممتنعة على البشر.
ولخصت ما وقع منها فى غير موضعه بنقله إلى الموضع الذى هو أحق به؛ ليخف على الدارس، ويسهل فيه وجدان لفظه على الطالب، وليكون الكتاب كاملا مقتضيا للمعنى الذى قصد به إليه.
وهكذا تعكس لنا شخصية «أبى عثمان» نفسها إلى جانب وفائه لشيخه، وإعجابه به، وإخلاصه له، واعترافه بفضله فى أربعة ملامح هى:
(ا) بسط الكتاب، وتفسير معانيه، وإعادة الفعل مع كل معنى، وذكر ما يرتبط به وبتصاريفه من فوائد نحوية، وصرفية، ولغوية، وغيرها، واستشهاد لكل ما يأتى به، وتذييل إضافته بلفظة «رجع» منبها إلى انتهاء إضافته، ومؤذنا برجوعه إلى كلام شيخه.
(ب) تدارك ما أهمله ابن القوطية فى كتابه، وإلحاق كل باب بما ندّ عن شيخه من أفعال هذا الباب.
(ج) عرض الأفعال الرباعية الصحيحة، وما جاوزها بالزيادة، وهى من الأبواب الجديدة التى اختص بها أبو عثمان.
(د) نقل ما ذكره ابن القوطية من أفعال فى غير موضعها إلى الموضع الذى ينبغى أن تكون فيه.
والواقع أن «أبا عثمان» قد وفىّ فى كتابه بما ألزم به نفسه إلى حد بعيد.
стр. 28
٧ - قيمة الكتاب
عنى بكتاب الأفعال لابن القوطية من بين من عنى به عالمان كبيران: أحدهما «أبو عثمان السرقسطى» الذى نخرج كتابه محققا للمرة الأولى، والثانى عالم من علماء الأندلس كذلك جاء بعد «أبى عثمان»، وقد درس كل من العالمين كتاب الأفعال لابن القوطية، وهذباه، وتلافيا ما اختل على صاحبه فيه، ولا نعرف من كتب الأفعال التى استقلت بدراستها كتبا تحتفظ بها المكتبة العربية غير هذه الكتب الثلاثة، وقد طبع كتاب ابن القوطية مرة فى «ليدن» سنة (١٨٩٤ م) وأخرى فى القاهرة سنة (١٩٥٢ م)
وطبع كتاب ابن القطاع فى «حيدراباد» سنة (١٣٦٠ هـ).
وقد تبين لنا من الموازنة بين هذه الكتب الثلاثة أن كتاب أبى عثمان المعافرى، وكتاب ابن القطاع أوسع وأشمل كتابين تحتفظ بهما المكتبة العربية فى الأفعال.
وأن كتاب «أبى عثمان» أوفى وأكمل كتاب فى الأفعال يقدم حتى الآن إلى مكتبتنا العربية، فقد بسط فيه كتاب ابن القوطية، وتلافى ما اختل منه، وألحق فيه ما ترك، ونقل كل فعل إلى حيث يجب أن يكون، ونسب كل قول إلى قائله، وكل رواية إلى صاحبها، وانفرد بما لا يحصى من شواهد الشعر قصيده ورجزه، والقرآن الكريم، والحديث، والأمثال، وفصيح الكلام العربى، وفسر الغريب، وشرح المعمّى، وحدد القراءات، وعنى بشروح الحديث، وروى مضرب الأمثال، والطرف والنوادر، وأغنى كتابه بالظواهر الأدبية، والفوائد اللغوية، والنحوية، والصرفية، والعروضية، والاشتقاقية، واهتم بذكر أيام العرب، ولغات قبائلها، واللغات الدخيلة عليها. كما تبين لنا أن «أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المعروف بابن الحداد» كان ﵀ عالما، حافظا، إماما فى اللغة، والنحو، والتصريف، والأدب وعلوم القرآن والحديث.
стр. 29
٨ - نسخ الكتاب
وصل إلينا بعد طول البحث، ومداومة التنقيب، وبذل جهد الطاقة فى مراجعة فهارس الكتب والمكتبات نسختان من أفعال أبى عثمان.
النسخة الأولى
نسخة مصورة عن النسخة المخطوطة المحفوظة بمكتبة «مراد ملّا» تحت رقم ١٧٦٣، وهى نسخة نفيسة تقع فى مائتى لوحة ولوحة، كل لوحة من صفحتين متقابلتين فى حجم ٢٢ * ٣٠ سم، ومسطرتها سبعة وعشرون سطرا، متوسط كلمات السطر ثلاث وعشرون كلمة.
والنسخة مكتوبة بخط نسخ دقيق كل الدقة، وتمتاز بحسن الخط، وتناسق السطور، وقد أهمل الناسخ نظام التعقيبة فى ذيل الصفحات.
والنسخة مقسمة إلى عشرين كراسة كل كراسة عشر لوحات، ما عدا الكراسة الرابعة عشرة، فإنها تقع فى اثنتى عشرة لوحة، والكراسة العشرين فإنها تقع فى تسع لوحات، والنسخة مكتوبة بالمداد الأسود، وكتبت الأبواب والفصول والأفعال بنفس المداد، إلا أنها بخط أكثر وضوحا، وجاءت الأفعال فى صلب الصفحات.
وعلى حواشى النسخة تعليقات لعدد من العلماء، بعضها استقلت به، وبعضها جاء فى النسختين، وبخاصة تعليقات النصف الثانى من هذه النسخة، وكأن هذه الحواشى المشتركة من نسخة أبى عثمان ﵀ وقد ذيلت الحواشى بلفظة «حاشية» حتى لا تلتبس بالأصل.
وقد تدارك الناسخ بعض ما ندّ عنه فكتبه فى الحواشى، وذيله بلفظة «صح» ليفرق بينه وبين الحواشى.
стр. 30
وقد تأثرت أجزاء من صفحاتها بالرطوبة والبلة وظهر أثر ذلك فى مدادها وكتابتها.
وطمس بعض عباراتها مما جعل تبين هذه الأجزاء صعبا وبخاصة فى المصورة، وكتب فى أعلى اللوحة الأولى منها:
الأفعال
لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار، والنسخة تامة بدأت اللوحة الثانية بخطبة المؤلف، وأولها:
بسم الله الرحمن الرحيم، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. الحمد لله بجميع محامده، وصلّى الله على محمّد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه، وسلم تسليما.
ثم أما بعد حمد الله، والصلاة على نبيه فإنى رأيت ...
وكتب فى آخر لوحة منها: «تم الكتاب بأسره والحمد لله على ذلك كثيرا كما هو أهله، وصلّى الله على سيدنا محمد الذى ظهر فضله، وكان الفراغ من تعليقه غرة ربيع الآخر من سنة ست عشرة وستمائة.
ونقل الناسخ بخطه ترتيب حروف هذا الكتاب على النحو الذى أورده المؤلف.
وليس فى النسخة ما يحدد اسم الناسخ، وعلى النسخة عدة تمليكات وما صححته ممن يملكها: درويش حشمت المولوى
وعلى الورقة الأولى والأخيرة ختم الواقف وعبارته:
«وقف هذا الكتاب داماد زاده محمد مراد وفق الله خيره للعباد»
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (أ) واعتبرتها أصلا. لأن الفروق بين النسختين محدودة، ولأنها أقدم كتابة، ولأن بالنسخة الثانية سقطا يعدل ثلاث لوحات.
стр. 31
النسخة الثانية
نسخة مصورة عن مخطوطة مكتبة «كوپريلى» تحت رقم ١٥١٨، وهى نسخة نفيسة تقع فى إحدى وسبعين وتسعمائة لوحة فى حجم ١٨ * ٢٤ سم، ومسطرتها واحد وعشرون سطرا، ومتوسط كلمات السطر إحدى عشرة كلمة، والنسخة مكتوبة بخط نسخ نفيس مع جودة تنسيق، والتزم الناسخ نظام التعقيبة فى ذيل كل صفحة يمنى.، وكتابتها بالمداد الأسود، وماز الناسخ الأبواب والفصول بوضوح الخط، وكتبت الأفعال على حواشى النسخة، وهى مقسمة إلى جزءين رئيسين:
الجزء الأول يقع فى أربعمائة وتسع وثمانين لوحة، وينتهى بنهاية حرف اللام.
وكتب فى ظهر أعلى اللوحة الأولى من هذا الجزء:
الجزء الأول من كتاب الأفعال
لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار ﵀، وعفا عنه، ونفع به.
وبدأت اللوحة الثانية بمقدمة الكتاب وأولها:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم يسّر برحمتك. الحمد لله بجميع محامده، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه، وسلم تسليما، ثم أما بعد حمد الله والصلاة على نبيه ...
وليس بين مقدمة النسختين من فروق غير تلك الفروق اليسيرة التى تقع بين النسخ من فعل النقلة. وكتب فى آخر لوحة من هذا الجزء:
انتهى حرف اللام بحمد الله وعونه
وهو آخر الجزء الأول ويتلوه فى الثانى «الراء».
стр. 32
فعل وأفعل بمعنى
المضاعف.
والحمد لله وصلواته على محمد وآله وصحبه كتبه: يحيى بن المطرز الحنفى حامدا لله وشاكرا بدمشق المحروس فى سنة سبعين وستمائة بعون الله.
وإلى جانب هذا التذييل توجد صورة مقابلة، وما أمكن صحة قراءته منها «قوبل بالأصل المنسوخ منه بدمشق من (١) ... السلطان الملك (٢) ... مع المولى المالك علاء الدين الخوارزمى نفع الله به ونفع ...
الجزء الثانى
ويقع فى اثنتين وثمانين وأربعمائة لوحة، وكتب فى أعلى اللوحة الأولى منه:
الجزء الثانى من كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار ﵀.
وكتب فى أعلى اللوحة الثانية:
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يسر برحمتك
الراء فعل وأفعل بمعنى
لضاعف:
وذيلت اللوحة الأخيرة بقول الناسخ:
تم الكتاب فى مستهل شهر الله الأصب رجب سنة سبعين وستمائة، كتبه أضعف خلق الله تعالى وأفقرهم إلى رحمته يحيى بن المطرز الحنفى غفر الله له، ولمن استكتبه، ولجميع المسلمين، والحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد وآله وصحبه.
стр. 33
وإلى جانب هذا التقسيم نجد أنها مقسمة إلى اثنين وأربعين جزءا أشار الناسخ فى أكثر من موضع إلى أن هذه التجزئة هى تجزئة أبى عثمان، من ذلك:
«تم بعون الله وحمده الرابع عشر من تجزئة أبى عثمان.
والنسخة تامة، ومقابلة غاية فى الدقة على الأصل الذى نسخت منه والراجح أن أصل الملك الناصر منقول عن نسخة المصنف، إن لم يكن هو نسخة المصنف نفسها إذ نص المعارض على ذلك ومن نصوصه:
«بلغ مقابلة بأصل الملك الناصر وهى الأم الكبيرة»
وعلى النسخة عدة حواش لجماعة من العلماء، كما أن بها حواشى منقولة عن حواش بالأصل. جاء فى حرف الواو:
قال ابن السكيت، يقال هذه نخلة موقر وموقرة «حاشية بالأصل» وبالنسخة آثار رطوبة أخفت أجزاء من صفحاتها فى المصورة، كما أن بها خرما يعدل ثلاث لوحات متفرقة هى اللوحات:
٣٣٧ - ٤٦٨ - ٤٨٨ من الجزء الأول
والراجح أن علاء الدين الخوارزمى الذى تمت معه المقابلة هو الذى أمر الناسخ بكتابة هذه النسخة، وعليها عدة
تمليكات، وما أمكن صحة قراءته منها:
محمد بن عبد العزيز المعروف بابن الشامية الاسكندرى.
خليل بن أيبك الصفدى.
عبد الباقى بن موسى أبو البركات المشتهر بقره موسى.
عبد الباقى بن عبد العزيز الشهير بشيخ زاده.
стр. 34
أبو الفتح السبكى
وغيرهم
كما أن عليها فى أكثر من موضع ختم الواقف، وعبارته:
«هذا ما وقف الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبى عبد الله محمد عرف بكوپريلى أقال الله عثارهما»
وعلى كثير من صفحاتها وجد ختم آخر عبارته:
«وإنما لكل امرئ ما نوى»
وهذه النسخة تؤكد وصول النسخة إلى المشرق فى وقت مبكر، وتؤكد - أيضا - قيمة الكتاب، واهتمام العلماء به، ونسخه، وتملكه، وقراءته، والتعليق عليه، والأخذ عنه.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ب».
стр. 35
(د) منهج التحقيق
من أجل الوصول إلى نسخة صحيحة - ما أمكن - من كتاب الأفعال لأبى عثمان المعافرى، وحتى يظهر الكتاب فى صورة تتفق هى ومكانة هذا العالم العامل المجاهد سرت فى منهج التحقيق على النحو الآتى:
(١)
بحثت ما وسعنى البحث عن نسخ الأفعال فى مكتباتنا العربية، ومكتبات العالم مستعينا بفهارس الكتب، وكتب التراجم، وجمعت النسختين اللتين عثرت عليهما من الكتاب، وأرجح أنهما النسختان الوحيدتان الباقيتان حتى الآن من هذا الأثر النفيس، ونسخت النسخة التى اخترتها أصلا - بنفسى - وعارضتها بعد النسخ معارضة دقيقة بالنسخة المصورة التى نقلت منها، حتى أطمئن إلى عدم وجود سقط أو إضافة عند النسخ.
ثم عارضت هذه النسخة بالنسخة المصورة الأخرى التى عثرت عليها معارضة غاية فى الدقة، وسجلت الفروق بين النسختين تسجيلا دقيقا وافيا أملا فى قرب النسخة المحققة ما أمكن من الكمال، وتصوير النسختين كان سببا فى الحد من ظاهرة السقط والإضافة التى يسببها فعل النقلة الذين يتداولون نسخ الكتاب.
(٢)
استعنت بكتاب الأفعال لأبى بكر محمد بن عمر بن القوطية؛ لأنه الأصل الذى اتخذه «المعافرى» أساسا لكتابه، وكذلك بكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى المعروف بابن القطاع؛ لأنه أيضا جعل كتاب ابن القوطية أساسا لكتابه، وجعلت الكتابين أصلين مساعدين فى التحقيق ورمزت لكتاب ابن القوطية بالرمز «ق»
стр. 36
ولكتاب ابن القطاع بالرمز «ع» واستعنت كذلك بالمصادر التى اعتمد عليها، «المعافرى» فى جمع مادة كتابه ورجعت إليها فى مظانها، وسجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت حول هذه المصادر من ملاحظات لها أو عليها.
(٣)
عنيت بضبط النسخة، وتخليصها من أخطاء النسخ، كما عنيت عناية تامة بعلامات الترقيم التى تبرز صحة النسخة، وتعين القارئ على توضيح المعنى، وصححت ما لحقه التحريف من رواية الأفعال، ومشتقاتها، وأشرت إلى ذلك فى حواشى التحقيق.
(٤)
بذلت فى شواهد الشعر ما أمكن بذله من جهد متواضع، ورجعت إلى هذه الشواهد فى مظان وجودها، من الدواوين، وأمهات الكتب باذلا أقصى الجهد فى ضبطها، وتصحيح روايتها، ونسبة كثير مما أغفل نسبته منها، وشرحت غامض الشّواهد، وبينت مكانها من الدواوين وأمهات كتب اللغة والنحو والأدب، وصححت ما لحقه التحريف من هذه الشواهد.
وكذلك خرجت شواهد القرآن والحديث والأمثال، وحددت أصحاب القراءات، وشرحت غريب الألفاظ، وبينت مكان الشاهد من القرآن وكتب الحديث وكتب الأمثال، وصححت ما وقع فيها من خطأ بفعل النقلة.
(٥)
شرحت - فى حدود قواعد التحقيق وأصوله - غوامض الكتاب، وعلقت كثيرا على القضايا التى جاءت به فى حواشى التحقيق معتمدا فى ذلك على مصادر الكتاب، وغيرها من كتب ثقات علماء اللغة والنحو قبل وبعد «أبى عثمان المعافرى» على
стр. 37
نحو جعله حافلا بكثير من التفاصيل والآراء التى تكثر حاجة الدارسين إليها، وعرفت بأعلام العلماء، وبمن يحتاج من الشعراء، وصححت ما وقع من تحريف فى أسماء بعض الشعراء، وعرفت كذلك بالأماكن وأيام العرب.
(٦)
عنيت فى التحقيق بذكر ما ندّ عن «أبى عثمان» من كلام شيخه، ونبهت إلى مواطن أضافها «المعافرى» إلى نفسه - سهوا - وهى من كلام شيخه، وسجلت كل هذا فى حواشى التحقيق.
(٧)
سجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت من تعارض بين أقواله وأقوال غيره من العلماء، وعنيت فى التحقيق ببيان صلة كتاب «أبى عثمان» بكتب الأفعال الأخرى وبخاصة كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية، وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر المعروف بابن القطاع.
* * *
والله أسأل لصاحب الكتاب رحمة، وللكتاب شهرة، وللباحث فيه نقعا، ولكل من عاوننى فيه أجرا، ولى عفوا وسترا لما أسأت إلى الكتاب فى شئ، فقد بذلت واجتهدت.
ربنا «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»
حسين محمد محمد شرف