← Баляга

Баляга · id 17668

علم البديع

عبد العزيز عتيق

Полный текст (241 стр.). Показаны 211–241 · переход к 216.

стр. 211

وحدّ الملفق أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين، وهذا هو الفرق بينه وبين «جناس التركيب» الذي أحد ركنيه كلمة مفردة والثاني مركب من كلمتين. ومن الجناس الملفق في النظم قول الشاعر: وكم لجباه الراغبين إليه من ... مجال سجود في مجالس جود ومنه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولى القضاء بالمعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة وأقام في الحكم خمس سنين: وليت الحكم خمسا وهي خمس ... لعمري والصبا في العنفوان فلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني ومنه كذلك قول شرف الدين بن عنين: خبروها بأنه «ما تصدى» ... لسلو عنها ولو «مات صدا» ... وهذا ومما تجدر الإشارة إليه أن أحد المتجانسين إذا ولى الآخر سمي «مزدوجا» و «مكررا» و «مرددا»، نحو قوله تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. ونحو قولهم: من طلب وجدّ وجد. وقولهم: من قرع بابا ولجّ ولج. السجع هو توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد. وهذا هو معنى قول السكاكي: «السجع في النثر كالقافية في الشعر». والأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال

стр. 212

مطلوب في جميع الأشياء والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند توافق الفواصل على حرف واحد هو المراد من السجع، إذ لو كان الأمر كذلك لكان كل أديب من الأدباء سجاعا. وإنما ينبغي في السجع بالإضافة إلى ما تقدم أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة. والمراد بغثاثة الألفاظ وبرودتها أن صاحبها يصرف النظر إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وتراكيبها وما يشترط لكليهما من صفة الحسن. فإذا صفّي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، وإلا كان كظاهر مموّه على باطن مشوّه. فإذا توافرت هذه الأمور فإن وراءها مطلوبا آخر، وهو أن تكون كل واحدة من الفقرتين أو السجعتين المزدوجتين دالة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه الأخرى. فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه، لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه. وإذا رجعنا إلى كلام أعلام الكتاب المشهود لهم بالتفوق في النثر الفني من أمثال الصابي وابن العميد وابن عباد والحريري في مقاماته وابن نباتة في خطبه وجدنا أكثر المسجوع من كلامهم كذلك والأقل منه هو المستوفي لشروط السجع الحسن. وهذه الشروط، كما يقول ابن الأثير، تتمثل في ثلاثة أمور: الأول

стр. 213

اختيار مفردات الألفاظ المسجوعة والتراكيب، بحيث تكون بعيدة عن الغثاثة والبرودة، والثاني أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى لا المعنى تابعا للفظ، والثالث أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها. ومن السجع الحسن المستوفي لهذه الشروط قول ابن الأثير من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، قال: «الكريم من أوجب لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدقا، وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ذممه ورحمه فرقا. وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة». ومن السجع الذي خرج إلى التطويل والتكرار لاتفاق السجعتين في معنى واحد وإن اختلفت الألفاظ قول الصابي من تحميد في كتاب: «الحمد لله الذي لا تدركه العيون بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ثم الصلاة على النبي الذي لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه». فلا فرق هنا بين مرور العصور وكر الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم. أقسام السجع والسجع ليس صورة واحدة، وإنما هو يأتي في الكلام على أربعة أضرب أو أقسام: المطرّف، والمرصع، والمتوازي، والمشطر. ١ - فالمطرّف: هو ما اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنا واتفقت رويا، وذلك بأن يرد في أجزاء الكلام سجعات غير موزونة

стр. 214

عروضيا وبشرط أن يكون رويها روي القافية، نحو قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً. ومنه شعرا على الرأي القائل بأن السجع غير مختص بالنثر، وإنما هو يدخل النثر والشعر معا- قول أبي تمام: تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي (١) ٢ - الترصيع: وهو عبارة عن مقابلة كل لفظة من فقرة النثر أو صدر البيت بلفظة على وزنها ورويها. ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، وقوله تعالى أيضا: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ. ومنه قول الحريري في المقامات: «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه». ومن أمثلته الشعرية قول أبي فراس الحمداني: وأفعالنا للراغبين كرامة ... وأموالنا للطالبين نهاب ومنه قول الشاعر: فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق والمبرز في هذا النوع يجرد نظم بيته من الحشو، والحشو في الترصيع عبارة عن تكرار الألفاظ التي ليست منه، بحيث لا يأتي في صدر بيته

стр. 215

بلفظة إلا ولها أخت تقابلها في العجز، حتى في العروض والضرب، كقول ابن النبيه الشاعر: فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي فهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه، فإن المقابلة فيه حاصلة بين حريق ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي. وبيت أبي فراس السابق خال من تصريع العروض والضرب، والشاهد الثاني كرر فيه ناظمه حرف النداء فدخل عليه الحشو. ٣ - المتوازي: وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة (١) أي الفقرة مع نظيرتها في الوزن والروي، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ. ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا». ومنه قول الحريري في المقامات: «الجأني حكم دهر قاسط إلى أن أنتجع أرض واسط»، وقوله: «وأودى بي الناطق والصامت، ورثى لي الحاسد والشامت». ومن أمثلته شعرا قول المتنبي: فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل (٢)

стр. 216

٤ - المشطور: ويسمى أيضا التشطير، وهو أن يكون لكل شطر من البيت قافيتان مغايرتان لقافية الشطر الثاني. وهذا القسم خاص بالشعر، كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب (١) فالشطر الأول كما ترى سجعة مبنية على قافية الميم، والشطر الثاني سجعة مبنية على قافية الباء. ... أحسن السجع: ١ - وأحسن السجع وأشرفه منزلة للاعتدال الذي فيه هو ما تساوت فقراته في عدد الكلمات، نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وقوله تعالى أيضا: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. ٢ - ثم ما طالت به الفقرة الثانية عن الأولى طولا لا يخرج بها عن الاعتدال كثيرا وذلك لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة، نحو قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وكذلك قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٢)، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا فإن الفقرة الأولى ثمان لفظات والثانية تسع.

стр. 217

٣ - ثم ما طالت فقرته الثالثة نحو قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ. ٤ - ولا يحسن أن يؤتى بالفقرة الثانية أقصر من الأولى كثيرا، لأن السجع قد استوفى أمده من الفقرة الأولى بحكم طوله، ثم تجيء الفقرة الثانية قصيرة عن الأولى، فتكون كالشيء المبتور فيبقى الإنسان عند سماعها كمن يريد الانتهاء عند غاية فيعثر دونها. السجع من حيث الطول والقصر: إن السجع على اختلاف أقسامه يأتي على ضربين من حيث القصر والطول. فالسجع القصير هو ما تكون فيه كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة. وكلما قلت الألفاظ كان أحسن لقرب الفواصل أو الفقرات المسجوعة من سمع السامع. وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله يقع إلا نادرا. أما الضرب الثاني، وأعني به السجع الطويل، فهو ضد الأول لأنه أسهل تناولا، وإنما كان القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل، لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عز تحقيق السجع فيه لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه. وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه، ويستجلب له السجع. وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظه. وأحسن السجع القصير ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا

стр. 218

الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ (١) فَاهْجُرْ. ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل. ومما جاء منه قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ. وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول، فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. فالفاصلة الأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة». ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. ومن السجع الطويل ما تزيد الألفاظ في فقراته على هذا العدد.

стр. 219

بناء الأسجاع: هذا والأسجاع مبنية على سكون الاعجاز، أي أواخر فواصل الفقرات، لأن الغرض هو التواطؤ والمزاوجة بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف بالسكون، كقولهم: «ما أبعد ما فات! وما أقرب ما هو آت!». فلو لم نقف هنا على أواخر الفقرات بالسكون ووصلنا الكلام لاستدعى الأمر إجراء كل من الفقرتين على ما يقتضيه حكم الإعراب فتكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منونة، وبذلك يفوت الغرض من السجع. ... وبعد ... فلا تفوتنا الإشارة إلى اختلاف أرباب صناعة الكلام حول السجع وقيمته البلاغية. فمنهم من يعيبه ويعده من الأساليب التي تقوم أكثر ما تقوم على الصنعة والتكلف والتعسف. وهم يستدلون على وجهة نظرهم هذه بما آل إليه البيان العربي من تدهور وانحطاط في العصور التي شاع فيها استعمال السجع. ومنهم من استحسنه ودافع عنه محتجا بأنه لو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم، حيث لا تكاد سورة تخلو منه، بل إن من سوره ما جاءت جميعها مسجوعة كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرهما. كذلك يحتجون بأن الصنعة والتكلف والتعسف ليست أمورا مقصورة على أسلوب السجع، وإنما هي أمور من الجائز أن تلحق بالسجع كما تلحق بغيره من الأساليب. وليس العيب في السجع ذاته وإنما العيب فيمن يحاوله ثم يعجز عن حسن استخدامه.

стр. 220

ولعل عبد القاهر الجرجاني خير من فصل في هذه القضية، فهو يقرر في معرض الكلام عن التجنيس والسجع أنهما يختصان بالقبول والحسن عند ما يكون المعنى هو الذي يقود المتكلم نحوهما لا أن يقوداه إلى المعنى. حتى أنه لو تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس ولا سجع فيه لنسب إليه ما ينسب إلى المتكلف للتجنيس المستكره والسجع النافر. وفي ذلك يقول: «ولن تجد أيمن طائرا وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب إلى الاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس منها إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تضع في نفسك أنك لا بد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم. فإن ساعدك الجد كما ساعد المحدث- يعني أبا الفتح البستي- في قوله: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله: وأنجدتمو من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد فذاك. وإلا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب» (١). رد العجز على الصدر أول من تكلم عن هذا الفن البديعي اللفظي عبد الله بن المعتز،

стр. 221

فقد عده في كتابه أحد فنون البديع الخمسة الكبرى، وسماه «رد أعجاز الكلام على ما تقدمها»، وقسمه ثلاثة أقسام ومثل له نثرا وشعرا للدلالة على أنه يرد في الكلام بنوعيه. وأقسامه عنده هي: ١ - ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه مثل قول الشاعر: تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما ... في جيش رأى لا يفلّ عرمرم ٢ - ما يوافق آخر كلمة فيه أول كلمة في نصفه الأول، كقول الشاعر: سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع ٣ - ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه، كقول الشاعر: عميد بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام ومن هذا النوع عنده قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. وقوله تعالى أيضا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* (١). ... أما المتأخرون من رجال البديع فمنهم من سمى هذا الفن «رد العجز على الصدر»، ومنهم من سماه «التصدير»، لأن هذه التسمية في نظرهم أدل على المطلوب وأليق بالمقام وأخف على المستمع. والخطيب القزويني وهو من المتأخرين يقرر أن رد العجز على الصدر

стр. 222

يرد في النثر والشعر على السواء، ثم يعرفه بقوله: «وهو في النثر أن يجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة والآخر في آخرها. وهو في النظم أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو آخره أو صدر المصراع الثاني». واللفظان «المكرران» هما المتفقان في اللفظ والمعنى، و «المتجانسان» هما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، و «الملحقان بهما» أي بالمتجانسين وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق. فمن أمثلة المكررين وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. ومن المتجانسين، أي المتشابهين لفظا لا معنى وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قول القائل: «سائل اللئيم يرجع ودمه سائل». ومن اللفظين اللذين يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً وقوله تعالى أيضا: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ومنه حديث الرسول: «من مقت نفسه فقد آمنه الله من مقته». ومن اللفظين اللذين يجمعهما شبه الاشتقاق قوله تعالى: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ. فاللفظة الأولى هنا قالَ مشتقة من القول، واللفظة الأخيرة واحدها قالَ بالتنوين اسم فاعل مشتق من القلي بكسر القاف وهو البغض، فيجمع بينهما شبه الاشتقاق من جهة اللفظ لا المعنى. ... أما رد العجز على الصدر في الشعر فيرد على الصور التالية:

стр. 223

أ- في اللفظين المكررين: ١ - ما يكون أحد اللفظين المكررين أي المتفقين لفظا ومعنى في آخر البيت والثاني صدر المصراع الأول. ومن أمثلته قول الشاعر: تمنّت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنّت وقول شاعر آخر: سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... أنى يفيق فتى به سكران؟ ومنه البيت الثاني من شعر عمر بن أبي ربيعة: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد ٢ - ومنه ما يكون أحد اللفظين المكررين في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كما في البيت الثاني من قول الصمة القشيري: أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من فرار (١) ومنه قول جرير: سقى الرمل صوب مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حبّ من حلّ بالرمل ٣ - ومنه ما يكون أحد المكررين في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول أبي تمام:

стр. 224

ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فإني بالبيض القواضب مغرما (١) ٤ - ومنه ما يكون أحد المكررين في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الثاني كالبيت الثاني من قول ذي الرمة: ألما على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشا مقيلها وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها (٢) ... ب- في اللفظين المتجانسين: ١ - ما يكون أحد اللفظين المتجانسين، أي المتشابهين لفظا لا معنى في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول، كقول القاضي الأرجاني: دعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني (٣) «دعاني» الأول فعل أمر بمعنى اتركاني، و «دعاني» في آخر البيت فعل ماض من الدعاء بمعنى الطلب. ٢ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كقول الثعالبي: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل

стр. 225

«فالبلابل» الأول جمع بلبل وهو الطائر المعروف، و «البلابل» الثاني جمع بلبال بفتح الباء وهو شدة الحزن والهم، و «البلابل» الثالث جمع بلبلة وهو إبريق الخمر. وموضع الشاهد هنا والمقصود بالتمثيل هو «البلابل» الثالث في آخر البيت بالنسبة إلى مجانسه الذي ورد في حشو المصراع الأول. فاللفظان كما ترى متجانسين، أي متشابهين لفظا مختلفين معنى. ٣ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول كقول الحريري: فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني (١) فلفظ «المثاني» الأول يراد به القرآن الكريم ولفظ «المثاني» في آخر البيت يراد به المزامير، فاللفظان متشابهان لفظا مختلفان معنى. ٤ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والآخر في أول المصراع الثاني، كقول القاضي الأرجاني: أمّلتهم ثم تأمّلتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح «فلاح» الأول فعل ماض بمعنى ظهر وبدا، و «فلاح» في آخر البيت اسم من الإفلاح بمعنى الفوز، فاللفظان متشابهان لفظا مختلفان معنى. ج- في اللفظين الملحقين بالمتجانسين للاشتقاق: ١ - ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق

стр. 226

وأحدهما في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول كقول البحتري: ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا «فالضرائب» جمع ضريبة وهي السجية والطبيعة والفطرة، يقال: هذه ضريبته التي ضرب عليها، أي طبع وفطر عليها، ويقال: فلان ككريم الضريبة، ولئيم الضريبة، أي الطبيعة. و «الضريب» في آخر البيت: النظير والمثل، «فالضريبة والضريب» راجعان إلى أصل واحد في الاشتقاق. ٢ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كقول امرئ القيس: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان (١) فالفعل «يخزن» وصيغة المبالغة «خزّان» في آخر البيت مما يرجعان في الاشتقاق إلى أصل واحد. ٣ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول ابن عيينة المهلبي: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ «فضائر» و «يضير» مما يجمعهما الاشتقاق. ٤ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق

стр. 227

وأحدهما في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الثاني، كقول أبي تمام في رثاء محمد بن نهشل حين استشهد: وقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر (١) «فالبواتر» و «البتر» بضم فسكون يرجعان في أصلهما إلى اشتقاق واحد. د- في اللفظين الملحقين بالمتجانسين لشبه الاشتقاق: ١ - ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول، كقول الحريري: ولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح ف «لاح» الأول ماضي يلوح بمعنى ظهر، و «لاح» في آخر البيت اسم فاعل من لحاه بمعنى أبعده، فهما متجانسان لفظا مختلفان معنى، ويجمعهما شبه الاشتقاق. ٢ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كقول المعري: لو اختصرتم من الإحسان زرتكمو ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر (٢)

стр. 228

فلفظ «اختصر» الوارد في حشو المصراع الأول هو فعل ماض بمعنى قلّل، ولفظ «الخصر» بفتحتين في آخر البيت هو اسم بمعنى البرودة، فاللفظان متجانسان لفظا مختلفان معنى، ولهذا يجمعهما شبه الاشتقاق. ٣ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول الحريري أيضا: ومضطلع بتلخيص المعاني ... ومطلع إلى تخليص عاني (١) فاللفظ الأول «المعاني» من عنى يعني، والثاني «عاني» اسم فاعل من عنا يعنو، فالجامع بينهما شبه الاشتقاق. ٤ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الثاني، كقول شاعر: لعمري لقد كان الثريا مكانه ... ثراء فأضحى الآن مثواه في الثرى فاللفظ الأول «ثراء» واوي من الثروة وفعله «ثرا» يقال: ثرا المال يثرو: كثر، واللفظ الثاني في آخر البيت «الثرى» بمعنى التراب يائي، فعله «ثري» بكسر الراء، فاللفظان متجانسان لفظا مختلفان معنى، ولكن يجمعهما شبه الاشتقاق. لزوم ما لا يلزم هذا النوع من البديع اللفظي سماه قوم «الالتزام» و «لزوم ما لا

стр. 229

يلزم»، وقد عده ابن المعتز من محاسن الكلام ومثل له، وعرفه بأنه «إعنات الشاعر في القوافي وتكلفه من ذلك ما ليس له». ومن أمثلته عنده قول الشاعر: يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن فإن شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن وقد عرف القزويني لزوم ما لا يلزم بقوله: «هو أن يجيء قبل حرف الروي أو ما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في السجع». ومعنى هذا أن يلتزم الناثر في نثره أو الناظم في نظمه بحرف قبل حرف الروي أو بأكثر من حرف بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف. ولزوم ما لا يلزم من فنون البديع اللفظي الذي يرد في النثر والنظم على السواء، وقد ورد في القرآن الكريم شيء منه إلا أنه يسير جدا. فمن ذلك قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وقوله تعالى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ وكالفاصلتين الأخيرتين من قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. وعلى هذا النحو قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ. ومن أمثلته نثرا قول ابن الأثير في مستهل كتاب إلى بعض الإخوان: «الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا» فاللزوم هنا في الراء والضاد.

стр. 230

ومنه قول الحريري في المقامة الوبرية: «حكى الحارث بن همام، قال: ملت في ريّق زماني الذي غبر، إلى مجاورة أهل الوبر، لآخذ أخذ نفوسهم الأبية، وألسنتهم العربية، فأوطنوني أمنع جناب، وفلّوا عني حد كل ناب ...» (١). ومنه قول بديع الزمان الهمذاني في مقامته الجاحظية التي ينقد فيها كلام الجاحظ على لسان عيسى بن هشام: «فهلموا إلى كلامه فهو بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، قريب العبارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتهم له لفظة مصنوعة أو كلمة مسموعة؟» (٢). فمن كلام الحريري وبديع الزمان ما التزم فيه بحرف أو أكثر قبل حرف الروي. ومن أمثلة لزوم ما لا يلزم في الشعر قول شاعر جاهلي: عصاني قومي والرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم فصبرا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضا ينهل بالموت والدم فاللزوم هنا في الميم والدال. ومنه قول أبي تمام: خدم العلا فخدمته وهي التي ... لا تخدم إلا قوام ما لم تخدم فإذا ارتقى في قلة من سودد ... قالت له الأخرى: بلغت تقدم

стр. 231

وقوله أيضا: ولو جربتني لوجدت خرقا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي (١) جديرا أن يكر الطرف شزرا ... إلى بعض الموارد وهو صادي فاللزوم في المثال الأول لأبي تمام في الميم والدال، وفي المثال الثاني في الدال والألف والصاد. ومن الشعر العذب الذي لا كلفة عليه في باب اللزوم قول الحماسي: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها ... وأجلها حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها! وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها فاللزوم في الهاء واللام. ومن الشعراء المتقدمين الذين مالوا إلى اللزوم في شعرهم كثير عزة، ومن شعره الذي التزم فيه ما لا يلزم قصيدة تربو على عشرين بيتا منها: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلت وما كنت أدري قبل عزة ما الهوى ... ولا موجعات الحزن حتى تولت هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامت إن نعل عزة زلت وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا ... وتخلت

стр. 232

لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت فإن سأل الواشون: فيم هجرتها؟ ... فقل: نفس حر سلّيت فتسلت (١) وممن مالوا إلى اللزوم من المتقدمين أيضا عبد الله بن الزبير الأسدي، وذلك كقوله من قصيدة في مدح عمرو بن عثمان بن عفان: سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت (٢) فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت (٣) رأى خلّتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت (٤) فاللزوم في شعر كثير عزة وابن الزبير الأسدي هو في التاء واللام المشددة. ... والتزام ما لا يلزم لدى المتقدمين كما يبدو من شعرهم يأتي عفو الخاطر غير مقصود ولا متعمد، ولذلك لا يرى عليه من أثر الكلفة أو الصنعة شيء. أما المتأخرون فتوسعوا فيه وأكثروا منه، ومنهم من تعمده وقصد إليه قصدا، كأنما يريد أن يدل بذلك على مقدرته في النظم وسعة إحاطته باللغة ومفرداتها. ومن أولئك الشعراء أبو العلاء المعري فله في هذا النوع من الشعر

стр. 233

ديوان كامل سماه «اللزوميات» أتى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذم. ومن شعره الذي التزم في قافيته ما لا يلتزم قوله: أرى الدنيا وما وصفت ببر ... إذا أغنت فقيرا أرهقته إذا خشيت لشر عجلته ... وإن رجيت لخير عوقته حياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيدا أعلقته فلا يخدع بحيلتها أريب ... وإن هي سورته ونطقته أذاقته شهيا من جناها ... وصدت فاه عما ذوقته فاللزوم هنا في الهاء والتاء والقاف. ومنه أيضا قوله: تنازع في الدنيا سواك وماله ... ولا لك شيء بالحقيقة فيها ولكنها ملك لرب مقدر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها ولم تحظ من ذاك النزاع بطائل ... من الأمر إلا أن تعد سفيها فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتفقوها مثل مختلفيها تداعوا إلى النزر القيل فجالدوا ... عليه وخلوها لمغترفيها وما أمّ صلّ أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها (١) تلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها فأطبق فما عنها وكفا ومقلة ... وقل لغوي القوم: فاك لفيها (٢)

стр. 234

فاللزوم هنا في الهاء والياء والفاء، وقد التزم مع حرف الروي بحرفين. ويجدر التنبيه هنا إلى الفرق بين لزوم ما يلزم ولزوم ما لا يلزم في القوافي. فمن باب لزوم ما يلزم قول الشاعر: في شعاب النسيان أفردت وحدي ... فعبرت الأيام حيا كميت أجد الغدر والعقوق من النا ... س وألقى الظلام في عقر بيتي والعذاب الروحي في ليلي الدا ... ئم أورى دمي وأنضب زيتي فتعالي ... وفي يديك انطلاق ... من فجاج النسيان أما أتيت فحرف القافية هنا هو التاء والياء قبلها حرف ردف يلتزم به الشاعر في جميع أبيات القصيدة والعدول عنه إلى أي حرف آخر كأن يقول مثلا «حضرت» بدل «أتيت» يعد عيبا في القافية. أما في لزوم ما لا يلزم، كما هو الشأن في قوافي الأبيات السابقة لكثير عزة، وابن الزبير الأسدي والمعري، فاللازم هو حرف القافية فقط، أما ما عداه مما ألزم الشاعر به نفسه حرفا كان أو أكثر فهذا يجوز للشاعر أن يلتزمه أو يعدل عنه ولا يعد في الوقت ذاته عيبا من عيوب القافية. فلو التزم الشاعر حرف الراء مثلا قبل القافية في قصيدة بعض كلمات قافيتها مثل «شرق، وفرق وبرق» فإنه يجوز له أن يبقى على هذا الالتزام، كما يجوز له أن يعدل عنه ويقول: «شرق، وسبق، وخلق» دون أن يعد ذلك عيبا في القافية. ... ولزوم ما لا يلزم هو، كما يقول ابن الأثير، من أشق هذه الصناعة مذهبا وأبعدها مسلكا، وذلك لأن مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه. فإن اللازم في

стр. 235

هذا الموضوع وما جرى مجراه إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها. وهذا فيه زيادة على ذلك وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا، وهو في الشعر أن تتساوى الحروف التي قبل روي الأبيات الشعرية (١). ومما لا ريب فيه أن هذا النوع من أصعب أنواع البديع اللفظي استخراجا، ولكن مما لا ريب فيه أيضا أنه يعد من محاسن الكلام، إذا وفق فيه الأديب فجاءه عفو الخاطر بدون تكلف ولا تعمل، وكان المعنى هو الذي يقود إليه ويستدعيه، وليس هو الذي يقود إلى المعنى. الموازنة الموازنة نوع من أنواع البديع اللفظي يقع في النثر والنظم: وهي تساوي الفاصلتين في الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ. فلفظا «مصفوفة ومبثوثة» متساويان في الوزن لا في التقفية، لأن الأول على الفاء والثاني على الثاء، ولا عبرة لتاء التأنيث لما هو معروف في علم القوافي. وقد فصّل ابن الأثير الكلام عن الموازنة بعض الشيء فقال: «هي أن تكون ألفاظ الفواصل في الكلام المنقور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا. وللكلام بذلك طلاوة ورونق وسببه الاعتدال، لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان وهذا لا مراء فيه لوضوحه.

стр. 236

وهذا النوع من الكلام أخو السجع في المعادلة دون المماثلة، لأن في السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، هي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد. وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع ولا تماثل في فواصلها، فيقال إذن: «كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا، وعلى هذا فالسجع أخص من الموازنة» (١). ومما ورد من الموازنة في القرآن الكريم قوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فالمستبين والمستقيم موازنة، لأنهما تساويا في الوزن دون التقفية. ومنها كذلك قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا. فالموازنة هنا بين «عزا وضدا» وبين «أزا وعدا» فقد جاء كل زوج على وزن واحد، وإن اختلفت أحرف التقفية أو المقاطع التي هي فواصلها. وأمثال هذا في القرآن كثير بل معظم آياته جارية على هذا النهج، حتى إنه لا يكاد يخرج منه شيء من السجع والموازنة. ومن أمثلة الموازنة شعرا قول ربيعة بن ذؤابة: إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدهم بأسا على أصحابه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة فإن «بأسا» و «فقدا» على وزن واحد، دون التقفية.

стр. 237

ومنها قول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل (١) فالموازنة تامة بين كل لفظة وما يقابلها في المصراعين ما عدا لفظتي «هاتا وتلك». ومنها قول أبي تمام أيضا، والموازنة تامة بين جميع ألفاظ الشطر الأول وما يقابلها من ألفاظ الشطر الثاني: فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا ومن أمثلة الموازنة كذلك قول الشاعر: صفوح صبور كريم رزين ... إذا ما العقول بدا طيشها ففي الشطر الأول من البيت هنا موازنتان: الأولى «صفوح صبور» والثانية «كريم رزين» وقد تساوى اللفظان في كل موازنة وزنا واختلفا تقفية. التشريع التشريع، ويسمى التوشيح والتوأم، هو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى عند الوقوف على كل منهما. وتفصيل ذلك أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على وزنين من أوزان الشعر وقافيتين. فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من وزن على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بني عليه شعره من القافية

стр. 238

الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من وزن آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح. والتشريع لا يكاد يستعمل في الكلام المنثور المسجوع إلا قليلا وليس من الحسن في شيء! واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور. ومن أمثلته شعرا قول بعضهم: أسلم ودمت على الحوادث مارسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء ونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء فهذان البيتان من وزن «الكامل» التام المؤلف من «متفاعلن» مكررة ست مرات وقافيتهما الهمزة. فإذا أسقطنا من كل بيت تفعيلتين فإن البيتين ينتقلان إلى مجزوء الكامل ويصيران: أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير (١) ونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور وقد استعمل ذلك الحريري في قصيدة كاملة معروفة في مقاماته منها: يا خاطب الدنيا الدنيّة إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار فالقصيدة التي منها هذان البيتان من وزن الكامل التام أيضا والقافية الراء، فإذا أسقطنا هنا تفعيلتين صار البيتان من مجزوء الكامل والقافية الدال هكذا:

стр. 239

يا خاطب الدنيا الدنيّ ... ة إنها شرك الردى دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا وقد ظهر «التشريع» قبل كلام الحريري في كلام العرب المتقدمين، من نحو القائل: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالا ألفيتنا نقري العبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا (١) فالبيتان من وزن الكامل التام كذلك والقافية اللام، وبإسقاط تفعيلتين ينتقل البيتان إلى وزن آخر هو مجزوء الكامل وإلى قافية أخرى هي اللام أيضا هكذا: وإذا الرياح مع العشي ... تناوحت هوج الرمال ألفيتنا نقري العبي ... ط لضيفنا قبل القتال ولا شك أن هذا النوع لا يأتي إلا بتكلف زائد وتعسف، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البلاغة والبراعة. ومن ثم لا يحسن إلا إذا كان يسيرا؛ كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد كما يقول ابن الأثير. وأوسع البحور في هذا النوع «الرجز» الذي يتألف من «مستفعلن» ست مرات، فإنه قد وقع مستعملا «تاما» و «مجزوءا» و «مشطورا» و «منهوكا»، فيمكن أن يعمل للبيت منه أربع قواف.

стр. 240

ولعل في النموذج التالي من شعر محمد بن جابر الضرير الأندلسي ما يوضح ذلك. قال: يرنو بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنى لا صبر لي عن قربه لو كان يوما زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمى به فهذه الأبيات من الرجز التام، فإذا تركناها على حالها فهي من الرجز التام والقافية الباء، وإذا أسقطنا منها تفعيلتين من آخر كل بيت صارت من الرجز المجزوء والقافية النون هكذا: يرنو بطرف فاتر ... مهما رنا فهو المنى يهفو بغصن ناضر ... حلو الجنى يشفي الضنى لو كان يوما زائري ... زال العنا يحلو لنا وإذا أسقطنا تفعيلة من آخر كل بيت من مجزوء الرجز هذا صارت الأبيات من مشطور الرجز والقافية النون أيضا هكذا: يرنو بطرف فاتر مهما رنا ... يهفو بغصن ناضر حلو الجنى لو كان يوما زائري زال العنا وإذا عدنا فأسقطنا تفعيلة من هذا المشطور صارت الأبيات من منهوك الرجز والقافية الراء هكذا: يرنو بطرف فاتر ... يهفو بغصن ناضر لو كان يوما زائري

стр. 241

ولعلنا لاحظنا من كل ما سبق أن التشريع كنوع من البديع اللفظي إذا أسرف الشاعر منه في القصيدة الواحدة أسقطها وأحالها إلى نوع من الصناعة الباردة الغثة، وأن أحسنه ما جاء فيها قليلا عفو الخاطر.