ومن أمثلة ذلك قول البحتري في وصف الإبل الانضاء التي أنحلها السير:
كالقسيّ المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار
فإنه لما شبه الإبل بالقسي وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشبهها مثلا بالعراجين أو نون الخط لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة، ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار لما تقدم ذكر القسي.
ومن شواهد مراعاة النظير التي يجمع فيها بين الأمر وما يناسبه لا على وجه التضاد قول الشاعر في وصف فرس:
من جلّنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس (١)
فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة.
ومنها أيضا قول ابن رشيق في مدح الأمير تميم:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
فإن الشاعر قد ناسب هنا بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والرواية، ثم بين السيل والحيا والبحر وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث، فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر، ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة.
ومنها كذلك قول الشاعر:
стр. 177
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط
فالجمع بين كل أمر وما يناسبه في البيتين أوضح من أن يدل عليه.
تشابه الأطراف:
ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم «تشابه الأطراف»، وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا، فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به.
ومنه قوله تعالى أيضا: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. قال: الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ على أن ما له ليس لحاجة، بل هو غني عنه جواد به، فإذا جاد به حمده المنعم عليه.
إيهام التناسب:
ويقصد به الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين، ومن أجل ذلك يلحق بمراعاة النظير.
ومثال إيهام التناسب هذا قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي بحساب معلوم وتقدير محكم دقيق، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ، النجم: النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول، والشجر الذي له ساق. وسجودهما: انقيادهما لله فيما خلقا له.
فالنجم بمعنى النبات وإن لم يكن مناسبا للشمس والقمر، فقد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما. ولهذا سمي إيهام التناسب.
стр. 178
أسلوب الحكيم
يقصد بأسلوب الحكيم تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد، إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى.
ومن أمثلة ذلك: قيل لتاجر: «كم رأس مالك؟ فقال: إني أمين وثقة الناس بي عظيمة». وقيل لشيخ هرم: «كم سنك؟ فقال: إني أنعم بالعافية».
ففي السؤال الأول صرف التاجر سائله عن رأس ماله ببيان ما هو عليه من الأمانة وعظم ثقة الناس فيه، إشعارا بأن هاتين الصفتين وأمثالهما أجلب للربح وأضمن لنجاح التجارة.
وفي السؤال الثاني ترك الشيخ الهرم الإجابة عن السؤال الموجه إليه، وصرف سائله في رفق عن ذلك، وأخبره أن صحته موفورة، إشعارا للسائل بأن السؤال عن الصحة أولى وأجدر.
...
стр. 179
ولعل الجاحظ أول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي، فقد عقد له بابا خاصا في كتابه البيان والتبيين (١) وأطلق عليه اسم «اللغز في الجواب» وأورد له أمثلة شتى منها:
سأل رجل بلالا مولى أبي بكر ﵀ وقد أقبل من جهة الحلبة:
من سبق؟ قال: سبق المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل. قال: وأنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه؟ قال أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا أنظر إليه. قال:
أفتحفظه؟ قال: أفخشيت فراره فأحفظه؟ قال ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال لعنه الله ولعنك. قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال ألقى الله بعملي، وتلقاه أنت بدمي.
وقالوا: كان الحطيئة يرعى غنما، وفي يده عصا، فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك، قال: عجراء من سلم (٢)، يعني عصاه، قال: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها.
فمن هذه الشواهد ونظائرها يتضح أن هذا الأسلوب من الكلام والذي أطلق عليه الجاحظ «اللغز في الجواب» كان يستعمله العرب لأغراض مختلفة كالتظرف أو التخلص من إحراج السائل، أو تقديم الأهم، أو التهكم.
وما من شك في أن ما قدمه الجاحظ من أمثلة شتى في هذا الباب قد لفت أنظار البلاغيين من بعده لهذا النوع من الكلام، وأعطاهم الأساس
стр. 180
للونين من ألوان البديع هما: اللغز وأسلوب الحكيم.
...
وقد أطلق عليه المتأخرون من البلاغيين اسم «القول بالموجب»، ولهم فيه عبارات مختلفة. ومن هؤلاء ابن أبي الأصبع المصري فقد عرفه بقوله: «هو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم». وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه.
وكلام ابن أبي الأصبع هذا يذكرنا إلى حد ما بكلام الجاحظ السابق ويوحي بأنه قد تأثر به في مفهومه لهذا النوع البديعي.
وقد قسم الخطيب القزويني «القول بالموجب» في تلخيصه وإيضاحه (١) قسمين:
١ - أحدهما أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم أو انتفائه.
مثال ذلك قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فإنهم كنوا «بالأعز» عن فريقهم، و «بالأذل» عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز «الإخراج»، فأثبت الله في الرد عليهم صفة الْعِزَّةُ لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم.
стр. 181
ومنه أيضا ما جرى بين القبعثري والحجاج، فقد توعده الحجاج بقوله: «ولأحملنك على الأدهم» فقال القبعثري: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب». فقال له الحجاج: «أردت الحديد»، فقال القبعثري:
«لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا». أراد الحجاج بالأدهم القيد، وبالحديد المعدن المخصوص، وحملهما القبعثري على الفرس الأدهم الذي ليس بليدا. فالكلام هنا قد حمله القبعثري على خلاف مراد الحجاج قائله.
...
٢ - والقسم الثاني من أسلوب الحكيم أو القول بالموجب عند صاحب التلخيص هو حمل لفظ وقع في كلام
الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه. وهذا القسم هو الذي شاع تداوله بين الناس ونظمه أصحاب البديعيات، كقول ابن حجاج (١):
قال ثقّلت إذا أتيت مرارا ... قلت ثقّلت كاهلي بالأيادي
قال طوّلت قلت أوليت طولا ... قال أبرمت قلت حبل ودادي
فصاحب ابن حجاج يقول له: قد ثقلت عليك وحملتك المشقة بكثرة زياراتي فيصرفه الشاعر عن رأيه في أدب وظرف وينقل كلمته من معناها إلى معنى آخر، ويقول له: إنك ثقلت كاهلي بما أغدقت عليّ من نعم.
وفي البيت الثاني يقول صاحبه: قد طولت إقامتي عندك وأبرمتك أي جعلتك برما ملولا، فيرد الشاعر عليه مرة أخرى في أدب ولطف
стр. 182
وينقل كلامه من معناه إلى معنى آخر، ويقول له: إنك تطولت وأنعمت علي وأحكمت وقويت حبل ودادي.
...
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. فالسؤال هنا عن حقيقة الأهلة: لم تبد صغيرة ثم تزداد حتى يتكامل نورها ثم تتضاءل حتى لا ترى؟.
ولما كانت هذه القضية من قضايا علم الفلك وفهمها وقتئذ يحتاج إلى دراسة عويصة، فإن القرآن قد عدل عن الإجابة عنها إلى بيان أن الأهلّة وسائل للتوقيت في المعاملات والعبادات. وفي هذه إشارة إلى أن ما كان ينبغي أن يسأل عنه هو فائدة الأهلّة لا حقيقتها، إلى أن تتيسّر لهم الحقائق العلمية التي تعينهم على فهم هذه الظاهرة الكونية.
ومنه كذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ، قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
فالمسلمون قد سألوا الرسول ماذا ننفق من أموالنا، فصرفهم عن هذا ببيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إن لم تقع موقعها.
ومن أمثلته شعرا قول شاعر راثيا:
ولما نعى الناعي سألناه خشية ... وللعين خوف البين تسكب أمطار
أجاب قضى! قلنا قضى حاجة العلا ... فقال مضى! قلنا بكل فخار
فأسلوب الحكيم في البيت الثاني هو في قوله: «قضى» ويريد بها «مات» ولكنهم حملوها على إنجاز الحاجات وقضائها، وهذا ما لم يقصده.
وكذلك في قوله: «مضى» أراد بها «مات» وأرادوا هم «ذهب بالفضل ولم يدع لأحد شيئا».
стр. 183
ومنه قول شاعر آخر:
ولقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كانا
فأجابني والله داري ما حوت ... عينا فقلت له ولا إنسانا (١)
فالبيت الثاني جاء على أسلوب الحكيم، لأن المخاطب أراد بكلمة «عينا» الذهب، ولكن المتكلم حملها على العين الباصرة، وهو ما لم يقصده المخاطب، إشارة إلى أن منعه من القرض لا يجوز.
ومنه كذلك قول بعضهم:
طلبت منه درهما ... يوما فأظهر العجب
وقال ذا من فضة ... يصنع لا من الذهب
ففي البيت الثاني صرف لطيف عن طلب الدينار، فإن الشاعر لم يجب السائل عن سؤاله، وإنما أخذ يحدثه فيما يصنع منه الدينار وأنه من الفضة لا من الذهب، إشعارا بأنه ما كان ينبغي له أن يطلب.
ومنه قول شاعر يجيب ابنا له سأله عن الروح والنفس:
جاءني ابني يوما وكنت أراه ... لي ريحانة ومصدر أنس
قال: ما الروح؟ قلت: إنك روحي ... قال: ما النفس؟ قلت: إنك نفسي
ففي البيت الثاني سأل الابن عن الروح والنفس وهما من الأمور التي حار العلماء والفلاسفة في تعريفهما وتحديدهما، ولهذا صرف الشاعر ابنه عن ذلك ببيان منزلته منه، إشعارا بأنه ما كان ينبغي له أن يتكلم في ذلك، لقصوره عن أن يتكلم فيما دق من الأمور.
...
стр. 184
وبعد فلعل في هذه الأمثلة ما يوضح ما سبق أن قلناه من أن أسلوب الحكيم أو القول بالموجب هو تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد، إشارة إلى
أنه كان ينبغي أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى.
стр. 185
التجريد
وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة، وذلك لكمال تلك الصفة في الأمر الآخر.
والتجريد أقسام:
١ - منها ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «من» التجريدية، نحو قولهم: «لي من فلان صديق حميم» (١). أي بلغ فلان من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص من فلان هذا صديق آخر مثله في الصداقة.
٢ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «الباء» التجريدية الداخلة على المنتزع منه، نحو قولهم: «لئن سألت فلانا لتسألنّ به البحر». وهذا القول يقال في مقام المبالغة في وصف «فلان» بالكرم، حيث انتزع وجرد منه بحر في الكرم والسماحة.
стр. 186
٣ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «باء المعية» الداخلة على المنتزع، نحو قول الشاعر:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل (١)
فالمعنى: ورب فرس هذه صفتها تعدو بي لنجدة المستغيث في الحرب ومعي من نفسي آخر مستعد للحرب. فقد بالغ في اتصافه بالاستعداد حتى انتزع وجرّد من نفسه مستعدا آخر لابسا درعا.
٤ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بدخول لفظة «في» على المنتزع منه، نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ، أي لهم في جهنم، وهي دار الخلد، لكنه انتزع دارا أخرى مثلها وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها، ومبالغة في اتصافها بالشدة.
٥ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بدون توسط حرف، كقول قتادة بن مسلمة الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم
فالشاعر قد عنى «بالكريم» هنا نفسه، فكأنه انتزع وجرّد من نفسه كريما مبالغة في كرمه. وقيل إن التقدير «أو يموت مني كريم» فيكون من قبيل: «لي من فلان صديق حميم» فلا يكون قسما آخر، وإنما يكون من القسم الأول
الذي يكون التجريد فيه حاصلا بدخول «من» التجريدية على المنتزع منه.
стр. 187
٦ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بطريق الكناية، كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا
ففي البيت تجريد بطريق الكناية حيث انتزع وجرّد من الممدوح جوادا يشرب هو بكفه على طريق الكناية، لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل، فقد أثبت له الشرب بكف كريم. ومعلوم أنه يشرب بكفه، فهو ذلك الكريم.
٧ - ومن أقسام التجريد كذلك مخاطبة الإنسان نفسه، وذلك بأن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر يوجه الخطاب إليه، كقول المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال (١)
فالشاعر هنا ينتزع من نفسه إنسانا آخر يخاطبه قائلا: ليس عندك من الخيل والمال ما تهديه إلى الممدوح جزاء له على إحسانه إليك، فليسعدك ويعنك النطق، أي فامدحه، وجازه بالثناء عليه، إن لم تعنك الحال على مجازاته بالمال أو الخيل.
ومثله في مخاطبة النفس قول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق فراقا أيها الرجل؟
ومن لطيف التجريد قول المعري:
ماجت نمير فهاجت منك ذا لبد ... والليث أفتك أفعالا من النمر
...
وقد عرض ضياء الدين بن الأثير للتجريد فعرفه أولا لغة بقوله:
стр. 188
«إن أصله في وضع اللغة من جردت السيف إذا نزعته من غمده، وجرّدت فلانا إذا نزعت ثيابه. ومن ههنا قال ﷺ : «لا مد ولا تجريد، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض وأن تجرد
ثيابه. وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع البيان».
ثم عرفه اصطلاحا بقوله: «التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد وإنما المراد نفسك».
وللتجريد عنده فائدتان إحداهما أبلغ من الأخرى، فالأولى طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه خطابا لنفسك فإن ذلك من باب التوسع. وهو يظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.
والفائدة الثانية هي الأبلغ عنده، وذلك أن المخاطب يتمكن بالتجريد من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبا بها غيره فيكون أعذر وأبرأ فيما يقوله غير محجور عليه.
...
وعنده أن التجريد يأتي على ضربين:
١ - تجريد محض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، كقول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص في مطلع قصيدة له:
إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر؟
كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما تنقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس ال ... مقال ومحيي الدارسات الغوابر
وإنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر
стр. 189
ثم يعلّق على ذلك بقوله: «فهذا من محاسن التجريد. ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الصفات التائهة (١)؟ وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض».
٢ - وتجريد غير محض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لنفسك لا لغيرك. ثم يستطرد ابن الأثير فيقول: «ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد لعلاقة أحدهما بالآخر».
والفرق عنده ظاهر بين هذين الضربين من التجريد، فالأول وهو المحض يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به، أما الثاني وهو غير المحض فهو نصف تجريد، لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك. ومن أمثلة التجريد غير المحض عنده قول عمر بن الأطنابة:
أقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي
ومنه قول شاعر آخر:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول، وإنما المتكلم هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.
...
أما التجريد الذي قصد به التوسع خاصة، وهو ما كان ظاهره
стр. 190
خطابا لغيرك وباطنه خطابا لنفسك، فقد مثل له ابن الأثير بقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة وهو:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا!
فالبيتان الأولان يدلان على أن المراد بالتجريد فيهما هو التوسع، لأن الخطاب فيهما تجريدي إذ وجه الخطاب إلى غيره وهو يريد شخصه، ثم انتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس في البيتين الأخيرين.
ولو استمر على الحالة الأولى لما قضى عليه بالتوسع، وإنما كان يقضي عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، وكان يتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أنه ينفي عن نفسه سمعة الهوى ومعرة العشق لما في ذلك من الشهرة والغضاضة. لكنه قد أزال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولا إلى خطاب النفس (١).
стр. 191
المحسنات البديعية اللفظية
الجناس
الجناس من فنون البديع اللفظية. ومن أوائل من فطنوا إليه عبد الله بن المعتز، فقد عده في كتابه ثاني أبواب البديع الخمسة الكبرى عنده وعرفه ومثل للحسن والمعيب منه بأمثلة شتى.
وهو يعرفه بقوله: «التجنيس أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر وكلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها».
فمفهوم الجناس عند ابن المعتز مقصور كما نرى على تشابه الكلمات في تأليف حروفها، من غير إفصاح عما إذا كان هذا التشابه يمتد إلى معاني الكلمات المتشابهة الحروف أم لا.
ولكن لعل فيما ذكره من تعريف الخليل بن أحمد للجنس ما يوضح هذا الأمر. قال الخليل: «الجنس لكل ضرب من الناس والطير والعروض والنحو، فمنه ما تكون الكلمة تجانس أخرى في تأليف حروفها ومعناها ويشتق منها مثل قول الشاعر:
يوم خلجت على الخليج نفوسهم ..» (١).
стр. 192
أو يكون تجانسها في تأليف الحروف دون المعنى مثل قوله تعالى:
«وأسلمت مع سليمان لرب العالمين» (١).
فإن صح الاستنباط من هذا التعريف كان مفهوم الجناس عند الخليل بالأصالة وابن المعتز بالتبعية مفهوما عاما يشمل الكلمات المتجانسة الحروف سواء تجانست معنى أم اختلفت.
والواقع أن الجناس من أكثر فنون البديع التي تصرف فيها العلماء من أرباب هذه الصناعة، فقد ألفوا فيه كتبا شتى، وجعلوه أبوابا متعددة واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض. ومن هؤلاء ابن المعتز السابق الذكر، وقدامة بن جعفر الكاتب، والقاضي الجرجاني، والحاتمي وغيرهم.
...
ومن العلماء من يسمي هذا الفن من البديع اللفظي تجنيسا، ومن يسميه مجانسا، ومن يسميه جناسا، أسماء مختلفة والمسمى واحد. وسبب هذه التسمية راجع إلى أن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.
وحقيقة الجناس عند ابن الأثير أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وذلك يعني أنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء.
وعلى هذا فالجناس هو: تشابه اللفظين في النطق واختلافهما في المعنى. وهذان اللفظان المتشابهان نطقا المختلفان معنى يسميان «ركني الجناس». ولا يشترط في الجناس تشابه جميع الحروف، بل يكفي في التشابه ما نعرف به المجانسة.
стр. 193
أقسام الجناس
والجناس ينقسم قسمين: تام وغير تام، فالجناس التام: هو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أمور هي: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها. وهذا هو أكمل أنواع الجناس إبداعا وأسماها رتبة.
أقسام الجناس التام:
وهذا النوع من الجناس ينقسم بدوره ثلاثة أقسام هي: المماثل، والمستوفى بفتح الفاء، وجناس التركيب. وفيما يلي بيان كل ذلك مفصلا وموضحا بالأمثلة.
١ - الجناس المماثل: وهو ما كان ركناه أي لفظاه من نوع واحد من أنواع الكلمة، بمعنى أن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين.
فمن أمثلة الجناس المماثل بين «اسمين» قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ.
стр. 194
فالجناس هنا بين اسمين متماثلين في كل شيء هما السَّاعَةُ وساعَةٍ الأول بمعنى القيامة، والثاني بمعنى مطلق الوقت.
ومثله قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ. الْأَبْصارِ الأولى جمع «بصر» وهو حاسة الرؤية، والْأَبْصارِ الثانية جمع «بصر» وهو العلم، فأولو الأبصار: أصحاب العلم.
ومنه شعرا قول أبي نواس:
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
ومنه قول المعري:
تقول أنت امرؤ جاف مغالطة ... فقلت: لا هوّمت أجفان أجفانا
فأجفان الأولى اسم، وهو جمع واحده جفن وهو غطاء العين، والثاني اسم تفضيل بمعنى أكثرنا جفاء. فالجناس بين متماثلين لفظا مختلفين معنى.
وقول البحتري:
إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسر ما تسر الأضالع
العين الأولى الباصرة، والثانية الجاسوس.
وقول أبي تمام:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
فلفظ «الصدور» في هذا البيت واحد والمعنى مختلفه.
وقوله أيضا مادحا:
стр. 195
من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدي منه بالجعد
فالجعد السيد، والبنان الجعد ضد البسيط، فأحدهما يوصف به الكريم السخي والآخر يوصف به البخيل الشحيح.
ومن أمثلة الجناس المماثل بين «فعلين»، قول أبي محمد الخازن:
قوم لو أنهمو ارتاضوا لما قرضوا ... أو أنهم شعروا بالنقص ما شعروا
«فشعروا» الأولى بمعنى أحسوا، و «شعروا» الثانية بمعنى نظموا الشعر.
وقول شاعر:
يا إخوتي مذ بانت النجب ... وجب الفؤاد وكان لا يجب
فارقتكم وبقيت بعد كمو ... ما هكذا كان الذي يجب
فيجب في آخر البيت الأول من الوجيب وهو الارتجاف والاضطراب، وفي آخر البيت الثاني من الوجوب وهو اللزوم والثبوت.
ومن أمثلة الجناس المماثل بين «حرفين»، نحو قولك: «فلان يعيش بالقلم الحر الجريء فتفتح له أبواب النجاح به». فالباء في «بالقلم» هي الداخلة على آلة الفعل فتفيد معنى الاستعانة، أي أنه يستعين بالقلم على العيش، والباء في «به» هي باء السببية، بمعنى أن أبواب النجاح تفتح له بسبب قلمه الحر الجريء. ففي البائين جناس لتماثلهما لفظا واختلافهما معنى.
ومثل قولك: «قد ينزل المطر شتاء وقد ينزل صيفا» فلفظة «قد» الأولى للتكثير والأخرى للتقليل، لأن المطر يكثر نزوله شتاء ويقل صيفا.
ونحو قولك أيضا: «من الناس من يعمل من شروق الشمس إلى ما
стр. 196
بعد غروبها بساعات» فلفظة من في «من الناس» تفيد معنى التبعيض، أي بعض الناس، ولفظة من في «من شروق الشمس» تفيد معنى الابتداء أي ابتداء من شروق الشمس، فبين الحرفين كما ترى جناس لتماثلهما لفظا واختلافهما معنى.
...
٢ - الجناس المستوفى: هو ما كان ركناه، أي لفظاه، من نوعين مختلفين من أنواع الكلمة، بأن يكون أحدهما اسما والآخر فعلا، أو بأن يكون أحدهما حرفا والآخر اسما أو فعلا.
فمن أمثلة الجناس المستوفى بين الاسم والفعل قول محمد بن كناسة في رثاء ابن له:
وسميته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
تيممت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه يفيل (١)
فالجناس هنا بين «يحيى» الاسم و «ويحيا» الفعل، وهما متشابهان لفظا مختلفان معنى ونوعا.
ومن أمثلته وفي نفس اللفظين السابقين قول أبي تمام:
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله
ومنه قول الشاعر:
إذا رماك الدهر في معشر ... وأجمع الناس على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
стр. 197
فدارهم الأولى فعل أمر من المداراة، ودارهم الثانية اسم للبيت، وأرضهم الأولى فعل أمر من الإرضاء، وأرضهم الثانية هي الأرض اسم.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا
فأحيانا الأولى اسم بمعنى من وقت لآخر، وأحيانا الثانية فعل مضارع بمعنى بعث فينا الحياة من جديد، ففي اللفظين الجناس المستوفى لتشابههما لفظا واختلافهما نوعا ومعنى.
ومن بديع الجناس بين الاسم والفعل ما كتب به إلى الخليفة المأمون في حق عامل له وهو: «فلان ما ترك فضة إلا
فضها، ولا ذهبا إلا أذهبه، ولا مالا إلا مال عليه، ولا فرسا إلا افترسه، ولا دارا إلا أدارها ملكا، ولا غلّة إلا غلّها، ولا ضيعة إلا ضيّعها، ولا عقارا إلا عقره، ولا حالا إلا أحاله، ولا جليلا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا دقه».
ومن الجناس المستوفى بين الفعل والحرف قول الشاعر:
علا نجمه في عالم الشعر فجأة ... على أنه ما زال في الشعر شاديا
فالجناس هنا بين «علا» الأولى وهي فعل بمعنى ارتفع و «على» الثانية التي هي حرف جر.
ومنه قول شاعر آخر:
ولو أن وصلا عللوه بقربه ... لما أنّ من حمل الصبابة والجوى
فالجناس هنا بين «أن» الأولى وهي حرف توكيد ونصب و «أن» الثانية فعل ماض من الأنين.
...
стр. 198
٣ - جناس التركيب: وهو ما كان أحد ركنيه كلمة واحدة والأخرى مركبة من كلمتين: وهذا الجناس ثلاثة أضرب تأتي على النحو التالي:
أ- المتشابه: وهو ما تشابه ركناه، أي الكلمة المفردة والأخرى المركبة لفظا وخطا.
ومن أمثلته قول الشاعر:
إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه
ومثله قول القائل:
يا سيدا حاز رقى. ... بما حباني وأولى
أحسنت برا فقل لي ... أحسنت في الشكر أولا؟
فالجناس بين «أولى» وهي كلمة مفردة فعل بمعنى منح وأعطى، وبين «أولا» وهي كلمة مركبة من «أو» العاطفة و «لا» النافية.
ومثله قول شمس الدين محمد بن عبد الوهاب:
حار في سقمي من بعد همو ... كل من في الحي داوى أورقا
بعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بان الحمى لا أورقا (١)
فركن الجناس الأول هنا «أورقا» وهو مركب من كلمتين أولاهما «أو» العاطفة، والأخرى «رقا» الفعل بمعنى عوّذه
بالله، وركنه الثاني «أورقا» الفعل وهو كلمة واحدة بمعنى خرج ورقه.
стр. 199
ب- المفروق: وهو ما تشابه ركناه، أي الكلمة المفردة والأخرى المركبة لفظا لا خطا.
ومن أمثلة هذا النوع كقول الشاعر:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها
فالجناس بين: تهذيبها، وتهذي بها؛ وهما متشابهان لفظا لا خطا مع اختلافهما معنى.
ومنه قول الشاعر:
قلت للعاذل الملح على الدم ... ع وإجرائه على الخد نيلا
سل سبيلا إلى النجاة ودع دم ... ع عيوني يجري لهم سلسبيلا
فركنا الجناس «سل سبيلا» و «سلسبيلا» وهما متشابهان لفظا لا خطا مع اختلاف المعنى.
ومثله قول ابن أسد الفارقي:
عدونا بآمال ورحنا بخيبة ... أماتت لنا أفهامنا والقرائحا (١)
فلا تلق منا غاديا نحو حاجة ... لتسأله عن حاجة والق رائحا
فالجناس بين: «القرائحا» و «الق رائحا» الأولى اسم هو جمع قريحة، والأخرى مركبة من فعل أمر واسم، والركنان متشابهان لفظا مختلفان خطا ومعنى.
ومثله قول الشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف:
стр. 200
أسرع وسر طالب المعالي ... بكل واد وكل مهمة
وإن لحا عاذل ... جهول ... فقل له: يا عذول مه مه
ومنه قول الشاعر:
فقل لنفسك أي الضرب يوجعها ... ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي
فالجناس بين اسم مفرد «النواقيس» جمع ناقوس، ومركب من اسم وفعل «النوى» اسم بمعنى الفراق و «قيسي» الأمر المسند إلى ياء المخاطبة من قاس يقيس. وقد تشابه به الركنان لفظا لا خطا مع اختلاف المعنى.
ومنه كذلك قول بهاء الدين السبكي:
كن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي ... حتى تعود لي الحياة وأنت هي
فالجناس بين «انتهى» و «أنت هي».
وهكذا يسمى الجناس في هذه الأمثلة ونظائرها مما يأتي فيه ركنا الجناس أو لفظاه متشابهين لفظا لا خطا بالجناس «المفروق».
ج- المرفوّ: وهو ما يكون فيه أحد الركنين كلمة والآخر مركبا من كلمة وجزء من كلمة، نحو قول الحريري:
والمكر مهما أسطعت لا تأته ... لتقتني السودد والمكرمة
فالجناس هنا ركنه الأول مركب من كلمة وجزء من كلمة، هما لفظة «المكر» والميم والهاء من «مهما» والثاني مفرد هو «المكرمة».
ومثله قول الحريري أيضا:
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي المزن حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه
стр. 201
فالجناس هو بين كلمة «مصابه» ومركب من كلمة وجزء من كلمة أخرى، هما الميم الأخيرة من «مطعم» وكلمة «صابه»، وهما متشابهان لفظا مختلفان معنى.
وهذا النوع الأخير من جناس التركيب لا يخلو، كما يبدو، من تعسف وتعقيد بالمقارنة إلى نوعيه الآخرين.
...
الجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور الأربعة السابقة التي يجب توافرها في الجناس التام، وهي: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها.
أ- فإن اختلف اللفظان في أنواع الحروف فيشترط ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف واحد. وهذا الجناس يأتي على ضربين:
١ - جناس مضارع: وهو ما كان فيه الحرفان اللذان وقع فيهما الاختلاف متقاربين في المخرج، سواء كانا في أول اللفظ نحو قول الحريري: «بيني وبين كن ليل دامس وطريق طامس» (١)، أو في الوسط نحو قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ، أو في الآخر نحو:
قول النبي ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير».
٢ - جناس لاحق: وهو ما كان الحرفان فيه متباعدين في المخرج، سواء أكانا في أول اللفظ نحو قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أو في الوسط نحو قوله تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ
стр. 202
وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أو في الآخر نحو قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ (١).
...
ب- وإن اختلف اللفظان في أعداد الحروف سمي الجناس ناقصا وذلك لنقصان أحد اللفظين عن الآخر، وهو يأتي كذلك على ضربين:
١ - ما كانت الزيادة في أحد لفظيه بحرف واحد، سواء كان ذلك الحرف في أول اللفظ نحو قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أو في الوسط نحو: «جدّي جهدي» (٢) أو في الآخر كقول الشاعر:
عذيري من دهر موار موارب ... له حسنات كلهن ذنوب
وقول شاعر متغزلا:
وسألتها بإشارة عن حالها ... وعليّ فيها للوشاة عيون
فتنفست صعدا وقالت: ما الهوى ... إلا الهوان فزال عنه النون
وقول البهاء زهير:
أشكو وأشكر فعله ... فأعجب لشاك منه شاكر
طرفي وطرف النجم في ... ك كلاهماه ساه وساهر
стр. 203
وقول أبي تمام:
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب (١)
وربما سمى هذا القسم الذي تكون فيه الزيادة في الآخر «مطرّفأ» وذلك لتطرف الزيادة فيه. ووجه حسن هذا النوع، كما يقول عبد القاهر الجرجاني، إنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من «عواصم» أنها هي الكلمة التي مضت، وإنما أتى بها للتوكيد، حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك، انصرف عنك ذلك التوهم. وفي ذلك حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها.
٢ - ما كانت الزيادة في أحد لفظيه بأكثر من حرف واحد في آخره.
وربما سمى هذا النوع «مذيلا». ومن أمثلته قول النابغة الذبياني:
لها نار جن بعد أنس تحولوا ... وزال بهم صرف النوى والنوائب
وقوله أيضا راثيا:
فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد الردى بين الصفا والصفائح
وقول حسان بن ثابت:
وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيه بالقنا والقنابل (٢)
стр. 204
وقول الخنساء وهو من أرق ما سمع في هذا الباب:
إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانح
ومما تجدر ملاحظته هنا أن بين المطرف والمذيل التقاء من وجه وافتراقا من وجه، فهما يلتقيان في أن كليهما زيادة في طرف أحد ركني الجناس، ويفترقان في أن زيادة المطرّف حرف واحد، أما المذيل فتكون الزيادة فيه بأكثر من حرف.
...
ج- وإن اختلف اللفظان في هيئة الحروف الحاصلة من الحركات والسكنات والنقط، فإن الجناس يأتي فيه على ضربين: محرّف، ومصحف.
١ - فالجناس المحرّف: هو ما اتفق ركناه، أي لفظاه في عدد الحروف وترتيبها، واختلفا في الحركات فقط سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك، فإن القصد اختلاف الحركات.
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. ولا يقال هنا إن اللفظين متحدان في المعنى لأنهما من «الإنذار» فلا يكون بينهما جناس، فاختلاف المعنى ظاهر، إذ المراد باللفظ الأول مُنْذِرِينَ الفاعلون وهم الرسل، وبالثاني الْمُنْذَرِينَ المفعولون، وهم الذين وقع عليهم الإنذار.
ومنه قول الرسول صلوات الله عليه: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي». ومنه قولهم: «جبة البرد جنة البرد» (١) وكذلك قولهم:
«الجاهل إما مفرط أو مفرّط» الأول اسم فاعل من الإفراط وهو تجاوز
стр. 205
الحد، والثاني اسم فاعل من التفريط وهو التقصير، وقولهم: «البدعة شرك الشرك».
ومن أمثلته شعرا قول المعري:
والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
الأول بالشين المكسورة والعين الساكنة، والثاني بالشين والعين المفتوحتين، والمراد منهما واضح.
وقول ابن الفارض:
هلا نهاك نهاك عن لوم امرئ ... لم يلف غير منعم بشقاء
وقول عبد العزيز الحموي:
لعيني كل يوم فيك عبرة ... تصيرني لأهل العشق عبرة (١)
ومن أبدع ما جاء فيه هذا النوع من الجناس قول جميل بثينة، وبعضه من أنواع أخرى:
خليلي إن قالت بثينة: ما له ... أتانا بلا وعد؟ فقولا لها لها
أتى وهو مشغول لعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السها سها
بثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم تبق يوما بها بها
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة ... كأن أباها الظبي أو أمها مها
دهتني بود قاتل وهو متلفي ... وكم قتلت بالود من ودها دها (٢)
стр. 206
فالجناس في البيت الأول «تام»، وفي البيت الثاني والثالث والخامس «محرف» وفي البيت الرابع «مطرف».
٢ - والجناس المصحف: هو ما اتفق فيه ركنا الجناس، أي لفظاه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في النقط فقط.
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وقوله تعالى أيضا: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
ومنه قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «قصر ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى». وقول عمر بن الخطاب: «لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني ربحه لم تفتني ريحه». وقال أهل الأدب:
«خلف الوعد خلق الوغد».
ومن أمثلة الجناس المصحف في الشعر قول الشاعر:
فإن حلوا فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر
وقول أبي فراس الحمداني:
من بحر جودك أغترف ... وبفضل علمك أعترف
وقول البهاء زهير متغزلا:
وليس مشيبا ما ترون بعارضي ... فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا
стр. 207
وما هو إلا نور ثغر لثمته ... تعلق في أطراف شعري فألهبا
وأعجبني التجنيس بيني وبينه ... فلما تبدى أشنبا رحت أشيبا
فالشنب بفتحتين صفة حسن ورقة وعذوبة في الثغر، يقال: ثغر أشنب، أي طيب النكهة رقيق تبدو منه الثنايا بيضاء نقية، والجناس هنا في «أشنبا» و «أشيبا»، واللفظان متماثلان في كل شيء ولا يختلفان إلا في النقط فقط، وكل جناس من هذا النوع يسمى «جناس التصحيف».
...
د- وإن اختلف اللفظان في ترتيب الحروف سمي «جناس القلب»، وسماه قوم «جناس العكس». وهذا الجناس يشتمل كل واحد من ركنيه على حروف الآخر من غير زيادة ولا نقص ويخالف أحدهما الآخر في الترتيب. وهو يأتي على أربعة أضرب.
١ - قلب كل: وذلك إذا جاء أحد اللفظين عكس الآخر في ترتيب حروفه كلها، نحو قولهم: «حسامه فتح لأوليائه وحتف لأعدائه»، وهذا المعنى مأخوذ من قول العباس بن الأحنف:
حسامك فيه للأحباب فتح ... ورمحك فيه للأعداء حتف
ومنه قول الشاعر وقد جانس بين لفظي «راهب» و «بهار» بفتح الباء:
حكاني بهار الروض حين ألفته ... وكل مشوق للبهار مصاحب (١)
стр. 208
فقلت له ما بال لونك شاحبا ... فقال لأني حين أقلب راهب
فكل من «بهار» و «راهب» مقلوب الآخر أو عكسه في ترتيب حروفه كلها.
ومن بديع هذا النوع من الجناس قول جمال الدين بن نباتة في مدح الأمير شجاع الدين بهرام:
قيل كل القلوب من ... رهب الحرب تضطرب
قلت هذا تخرص ... قلب بهرام ما رهب (١)
فالجناس هنا بين «بهرام» و «ما رهب» وكلاهما عكس الآخر في ترتيب حروفه كلها.
٢ - قلب بعض: وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب بعض الحروف. ومن أمثلة هذا النوع قول الشاعر:
إن بين الضلوع مني نارا ... تتلظى فكيف لي أن أطيقا؟
فبحقي عليك يا من سقاني ... أرحيقا سقيتني أم حريقا؟
فالجناس بين «رحيقا» و «حريقا» فالاختلاف هو في ترتيب الحرفين الأولين منهما.
ومنه قول القائل:
وألفيتهم يستعرضون حوائجا ... إليهم ولو كانت عليهم جوائحا
فالجناس بين «حوائجا» و «جوائحا» وهو قلب جزئي في ترتيب بعض الحروف ومنه قول عبد الله بن رواحة في مدح الرسول:
стр. 209
تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما (١)
فالجناس بين «البرد» وهو الثوب و «البدر».
وقول أبي تمام:
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب (٢)
فالجناس بين «الصفائح» وهي السيوف العريضة و «الصحائف».
وكذلك قول المتنبي:
ممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا (٣)
ففي كل هذه الأمثلة وقع الجناس بين لفظين مختلفين في ترتيب بعض الحروف، ولهذا يقال إن الجناس فيها وفي نظائرها جناس «قلب بعض».
٣ - قلب مجنح: وهو ما كان فيه أحد اللفظين اللذين وقع بينهما القلب في أول البيت والثاني في آخره، كأنهما جناحان للبيت.
ومن أمثلة ذلك قول الشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف:
أسكرني باللفظ والمقلة ال ... كحلاء والوجنة والكاس
ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس
فالجناس هنا بين «ساق» في أول البيت و «قاس» في آخره، ولهذا
стр. 210
يقال له جناس «قلب مجنح». وإذا نظرنا إلى مجيء أحد اللفظين عكس الآخر في جميع حروفه قلنا إن فيه جناس «قلب كل» أيضا.
ومنه كذلك قول الشاعر:
قد لاح أنوار الهدى ... في كفه في كل حال
٤ - مستو: وهذا النوع سماه قوم المقلوب، وسماه السكاكي مقلوب الكل، وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن يكون عكس لفظي الجناس كطردهما، بمعنى أنه يمكن قراءتهما من اليمين والشمال دون أن يتغير المعنى، نحو قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ* فإنك لو عكست هذا التركيب فبدأت من الكاف في فَلَكٍ* إلى الكاف في كُلٌّ* كان هو بعينه.
وكذلك الشأن في قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. ومنه قول الحريري: «ساكب كاس». ومن الغايات في هذا الباب قول القائل:
لبق أقبل فيه هيف ... كل ما أملك إن غنى هبه
فهذا البيت كل كلمة منه بانضمامها إلى أختها تجانسها في القلب.
وأعلى من البيت السابق منزلة قول سيف الدين بن المشد:
ليل أضاء هلاله ... أنى يضيء بكوكب
فكل كلمة في هذا البيت تقرأ مستوية ومقلوبة، وهو مما لا يستحيل بالانعكاس.
...
وهناك نوع من الجناس غير الأنواع السابقة يسميه علماء البديع «الجناس الملفق».
стр. 211
وحدّ الملفق أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين، وهذا هو الفرق بينه وبين «جناس التركيب» الذي أحد ركنيه كلمة مفردة والثاني مركب من كلمتين.
ومن الجناس الملفق في النظم قول الشاعر:
وكم لجباه الراغبين إليه من ... مجال سجود في مجالس جود
ومنه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولى القضاء بالمعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة وأقام في الحكم خمس سنين:
وليت الحكم خمسا وهي خمس ... لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
ومنه كذلك قول شرف الدين بن عنين:
خبروها بأنه «ما تصدى» ... لسلو عنها ولو «مات صدا»
...
وهذا ومما تجدر الإشارة إليه أن أحد المتجانسين إذا ولى الآخر سمي «مزدوجا» و «مكررا» و «مرددا»، نحو قوله تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. ونحو قولهم: من طلب وجدّ وجد. وقولهم: من قرع بابا ولجّ ولج.
السجع
هو توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد. وهذا هو معنى قول السكاكي: «السجع في النثر كالقافية في الشعر».
والأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال
стр. 212
مطلوب في جميع الأشياء والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند
توافق الفواصل على حرف واحد هو المراد من السجع، إذ لو كان الأمر كذلك لكان كل أديب من الأدباء سجاعا.
وإنما ينبغي في السجع بالإضافة إلى ما تقدم أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة. والمراد بغثاثة الألفاظ وبرودتها أن صاحبها يصرف النظر إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وتراكيبها وما يشترط لكليهما من صفة الحسن.
فإذا صفّي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، وإلا كان كظاهر مموّه على باطن مشوّه.
فإذا توافرت هذه الأمور فإن وراءها مطلوبا آخر، وهو أن تكون كل واحدة من الفقرتين أو السجعتين المزدوجتين دالة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه الأخرى. فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه، لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه.
وإذا رجعنا إلى كلام أعلام الكتاب المشهود لهم بالتفوق في النثر الفني من أمثال الصابي وابن العميد وابن عباد والحريري في مقاماته وابن نباتة في خطبه وجدنا أكثر المسجوع من كلامهم كذلك والأقل منه هو المستوفي لشروط السجع الحسن.
وهذه الشروط، كما يقول ابن الأثير، تتمثل في ثلاثة أمور: الأول
стр. 213
اختيار مفردات الألفاظ المسجوعة والتراكيب، بحيث تكون بعيدة عن الغثاثة والبرودة، والثاني أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى لا المعنى تابعا للفظ، والثالث أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها.
ومن السجع الحسن المستوفي لهذه الشروط قول ابن الأثير من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، قال: «الكريم من أوجب لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدقا، وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ذممه ورحمه فرقا. وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة».
ومن السجع الذي خرج إلى التطويل والتكرار لاتفاق السجعتين في معنى واحد وإن اختلفت الألفاظ قول الصابي من تحميد في كتاب:
«الحمد لله الذي لا تدركه العيون بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه
الدهور بكرورها، ثم الصلاة على النبي الذي لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه».
فلا فرق هنا بين مرور العصور وكر الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.
أقسام السجع
والسجع ليس صورة واحدة، وإنما هو يأتي في الكلام على أربعة أضرب أو أقسام: المطرّف، والمرصع، والمتوازي، والمشطر.
١ - فالمطرّف: هو ما اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنا واتفقت رويا، وذلك بأن يرد في أجزاء الكلام سجعات غير موزونة
стр. 214
عروضيا وبشرط أن يكون رويها روي القافية، نحو قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً.
ومنه شعرا على الرأي القائل بأن السجع غير مختص بالنثر، وإنما هو يدخل النثر والشعر معا- قول أبي تمام:
تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي (١)
٢ - الترصيع: وهو عبارة عن مقابلة كل لفظة من فقرة النثر أو صدر البيت بلفظة على وزنها ورويها.
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، وقوله تعالى أيضا: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ. ومنه قول الحريري في المقامات: «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه».
ومن أمثلته الشعرية قول أبي فراس الحمداني:
وأفعالنا للراغبين كرامة ... وأموالنا للطالبين نهاب
ومنه قول الشاعر:
فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق
والمبرز في هذا النوع يجرد نظم بيته من الحشو، والحشو في الترصيع عبارة عن تكرار الألفاظ التي ليست منه، بحيث لا يأتي في صدر بيته
стр. 215
بلفظة إلا ولها أخت تقابلها في العجز، حتى في العروض والضرب، كقول ابن النبيه الشاعر:
فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي
فهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه، فإن المقابلة فيه حاصلة بين حريق ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي.
وبيت أبي فراس السابق خال من تصريع العروض والضرب، والشاهد الثاني كرر فيه ناظمه حرف النداء فدخل عليه الحشو.
٣ - المتوازي: وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة (١) أي الفقرة مع نظيرتها في الوزن والروي، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ.
ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا».
ومنه قول الحريري في المقامات: «الجأني حكم دهر قاسط إلى أن أنتجع أرض واسط»، وقوله: «وأودى بي الناطق والصامت، ورثى لي الحاسد والشامت».
ومن أمثلته شعرا قول المتنبي:
فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل (٢)