فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلي الشك، أو يؤكده، أو يذكر سببه. وعرفه ابن المعتز بأنه انصراف المتكلم عن الاخبار إلى المخاطبة، كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
والاقتباس هو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من آية، أو آية من كتاب الله خاصة، وهو على نوعين: نوع لا يخرج به المقتبس عن معناه، كقول الحريري: «فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب» فإن الحريري كنى به عن شدة القرب، وكذلك هو في الآية الكريمة.
ونوع يخرج به المقتبس عن معناه كقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحيك ... ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع ..
فالشاعر كنى به عن الرجل الذي لا يرجى نفعه والمراد به في الآية أرض مكة.
والتلميح هو أن يشير ناظم هذا النوع في بيت أو قرينة سجع إلى قصة معلومة، أو نكتة مشهورة، أو بيت شعر حفظ لتواتره، أو إلى مثل سائر يجريه في كلامه على جهة التمثيل. وأحسن التلميح وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى
المقصود، وسماه قوم التلميح بتقديم الميم، كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة، كقول ابن المعتز:
أترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال؟
علموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال
مثل صاع (١) العزيز في أرحل القوم ... ولا يعلمون ما في الرحال
стр. 37
هذا التلميح فيه إشارة إلى قصة يوسف ﵇ حين جعل الصاع في رحل أخيه، وإخوته لم يشعروا بذلك.
كذلك ذكر الرازي غير ما مرّ من الوجوه البديعية: إرسال المثلين، أي الجمع بينهما في بيت شعر، واللف والنشر، والتعديد، والموجّه، أو التوجيه وهو أن يمدح الشاعر ممدوحه بصفة حميدة ثم يقرن بها صفة من جنسها تفيد معنى ثانيا، أو بعبارة أخرى أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالا مطلقا من غير تقييد بمدح أو غيره. وذلك كقول الشاعر في الحسن بن سهل عند ما زوج ابنته بوران الخليفة:
بارك الله في الحسن ... ولبوران في الختن (١)
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟
ويلي ذلك من ألوان البديع التي ذكرها الرازي:
تجاهل العارف، والسؤال والجواب في بيت واحد، والإغراق في الصفة أو المبالغة، والجمع، والتفريق، والتقسيم، منفردة ومجتمعة، واستشهد لهذا الوجه بأبيات للوطواط ساقها في كلامه، ثم التعجب، وذكر فيه ما تمثل به الوطواط من قول بعض الشعراء:
أيا شمعا يضيء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر، ما معنى انتقاصي؟ ... وأنت الشمع، ما سبب احتراقي؟
وأخيرا يذكر حسن التعليل مع نفس المثال الذي تمثل به الوطواط.
وإجمالا ذكر الرازي في مقدمة كتابه «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» أنه يحاول فيه اختصار كتابي عبد القاهر «دلائل الإعجاز» و «أسرار
стр. 38
البلاغة» وجمع ما تناثر فيهما من القواعد البلاغية وتنظيمها وحصر فروعها وأقسامها.
ولكنه في محاولته لم يقتصر على ذلك، وإنما نراه يلخص أيضا بديعيات الوطواط وينثر ما أخذه منها في ثنايا فصول كتابه على نحو أدى إلى نوع من الخلط بين مباحث علم البديع، ومباحث علمي المعاني والبديع.
وما دمنا نتابع نشأة البديع وتطوره في عصوره المختلفة، فإن تحليل عمل الرازي في كتابه ونقده والحكم عليه يخرج عن دائرة ما نبغيه منه.
وما نبغيه هو معرفة قدر المساهمة التي أسهم بها في خدمة علم البديع وتطويره، وهذه المساهمة، كما رأينا، ليس فيها جديد يحسب للرازي، وكل ما له أنه استخدم في كتابه بعض فنون البديع المعروفة، وكان مرجعه الأول فيها كتاب «حدائق السحر في دقائق الشعر» للوطواط.
٢ - السكاكي:
هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى على الراجح سنة ٦٢٦ من الهجرة. ويقال إنه بدأ يشتغل بالعلم ويتفرغ له وهو في نحو الثلاثين من عمره، ولهذا أكب على علوم الفلسفة والمنطق والفقه وأصوله واللغة والبلاغة يدرسها حتى أتقنها.
وللسكاكي مصنفات كثيرة أهمها كتاب «مفتاح العلوم» الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية: قصر القسم الأول منها على علم الصرف وما يتصل به من الاشتقاق بأنواعه، كما جعل القسم الثاني منه لعلم النحو أما القسم الثالث فخص به علم المعاني وعلم البيان، وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.
стр. 39
ولما كانت علوم البلاغة تحتاج إلى علوم المنطق والعروض والقافية فقد أفرد لكل منها مبحثا خاصا وحيزا في كتابه. وبذلك اشتمل «المفتاح» على علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان والمنطق والعروض والقافية والمحسنات البديعية.
وشهرة السكاكي ترجع في الواقع إلى القسم الثالث من كتاب المفتاح، وهو القسم الخاص بعلم المعاني وعلم البيان وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.
ومصدر هذه الشهرة أنه أعطى لأصول العلوم التي أفرد لها القسم الثالث من كتابه الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يتدارسونها ويشرحونها مرارا.
وقد كان ما انتهى إليه في ذلك وليد اكتساب ومجهود ذاتي. وتفصيل ذلك أنه استطاع أن يخرج من اطلاعه على أعمال رجال البلاغة المتقدمين عليه بملخص لما نثروه في كتبهم من آراء، أضاف إليها ما عنّ له شخصيا من أفكار، ثم صاغ ذلك كله صياغة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتحديد والتقسيم والتفريع والتشعيب.
ولعل عبد القاهر الجرجاني والزمخشري وفخر الدين الرازي هم أكثر من أفاد منهم السكاكي في عمله هذا.
والآن ماذا عن البديع عند السكاكي ومجهوده فيه؟ لقد ذكرنا آنفا أنه ألحق البديع في القسم الثالث من كتابه المفتاح بعلمي المعاني والبيان.
ومعنى ذلك أنه لم يكن ينظر إليه كعلم مستقل قائم بذاته، وإلا لكان عليه أن يعامله معاملة علمي المعاني والبيان، وأن يعطيه من العناية ما أعطاه لهما.
стр. 40
ومع ذلك فلعله كان أول من نظر في المحسنات البديعية وقسمها إلى محسنات معنوية وأخرى لفظية، وهذا أمر يحسب بطبيعة الحال للسكاكي لأن من بحثوا قبله في المحسنات البديعية كانوا يوردونها مختلطا بعضها ببعض، وقلما حاول أحدهم أن يفرق بين المعنوي واللفظي منها، كما فعل هو.
وشيء آخر أن السكاكي لم يأت في كتابه المفتاح على كل المحسنات البديعية التي كانت معروفة إلى عصره، وإنما اقتصر منها على ستة وعشرين نوعا، لعلها كانت في نظره أهم من غيرها أثرا في تحسين الكلام لفظا ومعنى، كما أنه لم يزد على المحسنات جديدا من عنده.
والمحسنات البديعية المعنوية التي آثرها على غيرها ووقف عندها في كتابه تبلغ عشرين نوعا، هي: المطابقة، والمقابلة، ومراعاة النظير، والمزاوجة، والمشاكلة، والإيهام، واللف والنشر، والجمع، والتفريق، والتقسيم، والجمع مع التفريق، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق والتقسيم، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، والتوجيه، والاعتراض، والالتفات، والاستتباع الذي سماه الفخر الرازي الموجّه، وسوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ، وتقليل اللفظ ولا تقليله مما يدخل في بعض صور الإيجاز والإطناب.
أما المحسنات البديعية اللفظية التي أوردها فهي: الجناس، ورد العجز على الصدر، والسجع، والقلب، والاشتقاق، والترصيع.
وكل هذه الفنون البديعية مستمدة بأمثلتها من الفخر الرازي، وقد عقب بعد سردها بقوله: «ويورد الأصحاب هنا أنواعا مثل كون الحروف منقوطة أو غير منقوطة، أو البعض منقوطا والبعض غير منقوط بالسوية، فلك أن
تستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب من ذلك بما أحببت».
стр. 41
ولعل في هذا القول ما يعزز رأينا في سبب اقتصار السكاكي على ما ساقه من المحسنات البديعية، وإيثارها على غيرها، ذلك لأن الأمر كله مرجعه إلى الذوق والقدرة على التمييز أو التفصيل بين محسن بديعي وآخر من حيث الأثر الذي يحدثه في الارتفاع بالقول لفظا ومعنى.
٣ - ضياء الدين بن الأثير: ٥٨٨ - ٦٣٧ ه ـ.
هو أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم محمد الشيباني المعروف با بن الأثير الجزري نسبة إلى جزيرة ولد فيها، تدعى جزيرة ابن عمر بالموصل.
وضياء الدين بن الأثير هذا هو شقيق مجد الدين بن الأثير، وعز الدين بن الأثير. وأبناء الأثير الثلاثة هؤلاء اشتهر كل منهم بفن من الفنون، فمجد الدين المتوفى سنة ٦٠٦ للهجرة من رجال الحديث المشهورين وله مؤلفات مفيدة منها «النهاية في غريب الحديث والأثر»، وعز الدين المتوفى سنة ٦٣٠ للهجرة من كبار المؤرخين، وهو صاحب «الكامل في التاريخ» وهو أشهر كتب التاريخ المتداولة بين أيدينا، ومن أوثق المصادر التاريخية الإسلامية وأوضحها، بدأ فيه بالخليقة وانتهى إلى آخر سنة ٦٢٨ هـ. والكتاب كله مرتب على السنين، وقد جمع فيه خلاصة الكتب التاريخية التي تقدمته، واقتبس فيه تاريخ الطبري كله تقريبا بعد حذف الأسانيد وتبعه في ترتيبه، وجعله ١٢ جزءا كبيرا. ولعز الدين بن الأثير أيضا كتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» وهو معجم أبجدي في تراجم الصحابة، في خمسة مجلدات كبيرة.
أما ضياء الدين بن الأثير الأخ الأصغر فهو لغوي أديب، ومؤلفاته كلها في الأدب والبيان وصناعة الكلام، وأهم مؤلفاته كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر».
وكتاب «المثل السائر» الذي هو موضوع بحثنا هنا مقسم إلى مقدمة
стр. 42
في علم البيان، وإلى مقالتين: الأولى في الصناعة اللفظية، والثانية في الصناعة المعنوية.
ويقول علماء البيان: «إن المثل السائر للنظم والنثر بمنزلة أصول الفقه لاستنباط أدلة الأخصام» فقد أتى فيه بما لم يسبقه أحد إليه، ولعل هذا هو سبب زهوه وإعجابه بنفسه البادي في ثنايا كتابه.
وقد ألّف عز الدين بن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة والمتوفى سنة ٦٥٥ للهجرة كتابا سماه «الفلك الدائر
على المثل السائر» يعنّف فيه ضياء الدين بن الأثير على غروره وتهجمه على من سبقوه، ويصحح بعض آرائه، وينقض اعتراضاته على الزمخشري والغزالي وأبي علي الفارسي وابن سينا والفارابي وغيرهم ممن تناولهم بالنقد والتجريح في كتابه.
والآن وبعد هذه الترجمة الموجزة لابن الأثير ننتقل إلى كتابه «المثل السائر» محاولين التعرف على ما أورد فيه من أنواع البديع.
وأول ما نلحظه بهذا الخصوص أنه لم ينظر إلى المحسنات البديعية كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي ومن لفّ لفهم، وبالتالي لم يدرسها دراسة منفصلة عن البيان، وإنما نراه يتوسع في مفهوم علم البيان بحيث يشمل مباحث علم المعاني والبديع، مجاريا في ذلك مدرسة الجاحظ التي تعتبر كلمة البيان مرادفة لكلمة البلاغة.
من أجل ذلك نراه في مقالته (١) الأولى الخاصة بالصناعة اللفظية
стр. 43
يتكلم عن المحسنات البديعية اللفظية، وفي مقالته الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية يعرض للمحسنات البديعية المعنوية.
وعنده أن المحسنات البديعية اللفظية هي صناعة تأليف الألفاظ، ولهذا ساق منها في مقالته الأولى ثمانية أنواع، عقد لكل نوع منها فصلا مستقلا، وهذه الأنواع هي: السجع، والتصريع، والتجنيس، والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، والموازنة، واختلاف صيغ الألفاظ، وتكرير الحروف.
وهو في دراسته لهذه الأنواع لم يقف عند حد تعريفها وبيان أقسامها وتفريعاتها، وإنما هو أيضا يمد دراسته لها إلى بيان ما يختص فيها بالكلام المنثور، وما يختص بالكلام المنظوم، وما يعم القسمين جميعا.
فالسجع عنده يختص بالكلام المنثور، وعرفه بأنه تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. وهو يطيل القول فيه على أساس أنه قد أصبح سمة من سمات الرسائل، كما يسمي فواصل (١) القرآن المتحدة في الروي أسجاعا، متخذا من ذلك دليله على أن السجع أعلى درجات الكلام.
والترصيع يختص بالكلام المنظوم، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الشطر الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الشطر الثاني في الوزن والقافية. وهذا لا يوجد في كلام الله تعالى لما هو عليه من زيادة التكلف، وإنما هو يوجد
في الشعر كقول بعضهم:
فمكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألغيتها متورعا
فمكارم بإزاء جرائم، وأوليتها بإزاء ألغيتها، ومتبرعا بإزاء متورعا،
стр. 44
وهو داخل عنده في باب السجع لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور.
أما أنواع المحسنات البديعية اللفظية الأخرى، وهي: التجنيس، والتصريع، ولزوم ما لا يلزم، والموازنة، واختلاف صيغ الألفاظ، وتكرير الحروف؛ فإنها عند ابن الأثير تعم القسمين جميعا.
وفي مقالته (١) الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية تكلم ابن الأثير بإسهاب عن المعاني. وقد دعاه ذلك إلى الحديث عن بعض المحسنات البديعية المعنوية، وهذه المحسنات هي: التجريد، والالتفات، والتفسير بعد الإبهام، والاستدراج، والاعتراض، والأحاجي أو الألغاز، والتناسب بين المعاني ويقسمه أقساما ثلاثة: الطباق، وصحة التقسيم، وترتيب التفسير الذي أراد به ما يشمل اللف والنشر. وقد توسع في معنى الطباق فجعله يشمل المقابلة، والمشاكلة، والمؤاخاة بين المعاني.
وتكلم عن الاقتصاد والتفريط والإفراط، وهو يعني بالاقتصاد الحد الأوسط، وبالتفريط التقصير بالمعنى، وبالإفراط المبالغة، وتحدث عن الاشتقاق وعده نوعا من الجناس، كما تحدث عن التضمين، وقسمه قسمين: الاقتباس من القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وهو يكسب الكلام حسنا وطلاوة، وقسم آخر يجري في الشعر كما يجري في النثر، إذ يعلّق معنى البيت بما بعده، أو يعلّق فصل من الكلام المنثور بما يتلوه، وفي رأيه أن ذلك مقبول ولا ينبغي أن يعاب على نحو ما عابه بعض النقاد في الشعر.
وأخيرا يتكلم عن الإرصاد ويقول إن أبا هلال سماه التوشيح،
стр. 45
وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية أرصدها له، أي أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته. وعنده أن ذلك من محمود الصنعة، لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.
أما التوشيح عند ضياء الدين فمعناه أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى أي الداخلية كان شعرا مستقيما من بحر وقافية، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى، كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر وقافية أخرى، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح.
فمن ذلك قول بعضهم:
اسلم ودمت على الحوادث مارسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء (١)
ونل المراد ممكنا منه على ... ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
فهذان البيتان من بحر الكامل التام والقافية هي الهمزة، ولكن إذا حذفنا من البيت الأول «أو هضاب حراء» ومن الثاني «وفز بطول بقاء» ظل البيتان قائمين وتحولا من بحر الكامل التام إلى بحر آخر هو مجزوء الكامل، وأصبحت صورتهما هكذا:
اسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير
ونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور
ويعقب ضياء الدين على هذا النوع بأنه لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وأن حسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البراعة.
стр. 46
وقد أشار صاحب المثل السائر أخيرا إلى اختلاف البلاغيين في بعض مصطلحات الفنون البديعية وألقابها، بل منهم من يضع لفن واحد من البديع اسمين اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك بل هما نوع واحد، وذلك كما فعل «الغانمي» حينما ذكر «التبليغ» و «الإشباع» على أنهما نوعان من البديع مختلفان، مع أنهما من حيث المضمون سواء، لا فرق بينهما بحال، كما ذكر أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين النوعين بعينهما «الإيغال»، وهو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، أي قافيته، ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر، كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية وهو «كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع» فلما احتاج إلى القافية
وجاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.
ولا يفوت ضياء الدين بعد ذلك أن يشير إلى ولع بعض الكتاب والشعراء بالمحسنات البديعية وتفننهم في اختراع صور منها خرجت بالكلام عن موضوع علم البيان.
وممن فعل ذلك الحريري في رسائل تضمنتها بعض مقاماته، ففي رسالة نراه يبيّنها على كلمة مهملة وكلمة معجمة، كقوله: «الكرم، ثبت الله جيش سعودك، يزين، واللؤم، غض الدهر جفن حسودك، يشين، والأروع يثيب، والمعور (١) يخيب».
وفي رسالة ثانية يبنيها على عبارات تقرأ طردا وردا، أي لا تستحيل
стр. 47
بالانعكاس، كقوله: «لذ بكل مؤمل إذا لّم وملك بذل».
وقوله:
أسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
وفي رسالة ثالثة يبنيها على صورة تجعلها تقرأ من أولها بوجه، ومن آخرها بوجه آخر، كقوله: «الإنسان صنيعة الإحسان، وكسب الشكر استثمار السعادة، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وزينة الرعاة مقت السعاة، وتناسي الحقوق ينشئ العقوق».
وفي رسالة رابعة ينشئها على أساس حرف غير منقوط، وآخر منقوط كقوله:
سيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف أغرّ فريد ... نابه فاضل زكيّ أنوف
ويعلق ضياء الدين بن الأثير على مثل هذه الحيل البديعية بقوله:
«كل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة، لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، وكذلك البلاغة، فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني ... وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسائله لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة .... وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه ولا داخلا في بابه. ولو كان ذلك مما يوصف بحسن في ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله الذي هو معدن
الفصاحة والبلاغة، أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم وخطبهم» (١).
стр. 48
وأخيرا يصدر حكمه على هذا النوع من الكلام بقوله: «وكل ذلك وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة لا بدرجة الفصاحة والبلاغة» (١).
وكأني بصاحب المثل السائر يرمي من وراء هذا التعليق إلى التنبيه على خطورة الإسراف في اختراع الحيل البديعية التي تفسد الأدب والذوق معا، وتعطي الغلبة في صناعة القول للصنعة على الطبع.
ولعل فيما أوردناه عن ضياء الدين بن الأثير ما يعطي صورة عن فنون البديع التي عالجها كجزء من علم البيان لا كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر والزمخشري والسكاكي ومن تأثر بهم.
٤ - التيفاشي المغربي:
هو أحمد بن يوسف التيفاشي المغربي المتوفى بمصر سنة ٦٥١ للهجرة، وله مؤلف في علم البديع أحصى فيه سبعين محسنا من المحسنات البديعية.
٥ - زكي الدين بن أبي الأصبع المصري:
المتوفي سنة ٦٥٤ للهجرة، وله ثلاثة كتب هي: كتاب الأمثال (٢) وكتاب تحرير التجبير، وكتاب بديع القرآن.
أما كتاب «الأمثال» فيتضمن ما جمعه ابن أبي الأصبع من أمثال أبي تمام، وأمثال أبي الطيب المتنبي، وما ولّده أبو الطيب من أمثال أبي تمام،
стр. 49
وصدر الجميع بما وقع في الكتاب العزيز من الأمثال، وزاد على ذلك أمثال دواوين الإسلام والحماسة، وأمثال أبي نواس، وختم الجميع بأمثال العامة، وبما سار من أمثال الطغرائي في لامية العجم كقوله:
حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
أعلّل النفس بالآمال أرقبها .. ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
وإنما رجل الدنيا وواحدها .. ... من لا يعول في الدنيا على رجل
وأما كتاب «تحرير التحبير» فقد أحصى فيه من المحسنات البديعية مائة وعشرين نوعا، بدأها بمحسنات ابن المعتز وقدامة، وثنّى بما جمعه من كتب البلاغيين بعدهما، فبلغ ذلك كله اثنين وتسعين محسنا، ثم أضاف إلى هذا العدد ثلاثين محسنا جديدا، منها عشرون من زياداته هو، والباقي إما مسبوق إليه أو متداخل عليه.
وفي كتابه الثالث «بديع القرآن» عرض ابن أبي الأصبع لما في القرآن من محسنات بديعية بلغ بها مائة محسّن وثمانية، كما يقول في مقدمة الكتاب.
ومما يلاحظ عليه أنه في معالجته لفنون البديع قد أدخل بعض مباحث المعاني في البديع، وخاصة صور الإطناب، كالتكرار والتفصيل، والتذييل، والاستقصاء، والإيضاح، والبسط، والإيجاز. ومعنى ذلك أن البديع عنده، وربما قبله، أخذ يشتمل لا على الصور البيانية فحسب، كما كان الشأن منذ ابن المعتز، وإنما أخذ يشتمل أيضا على كثير من أساليب علم المعاني.
٦ - علي بن عثمان الأربلي:
المتوفى سنة ٦٧٠ من الهجرة كان معاصرا لا بن أبي الأصبع
стр. 50
المصري، وقد نظم قصيدة مدح من ستة وثلاثين بيتا في كل بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره. وقد وضع بإزاء كل بيت اسم المحسن البديعي الذي تضمنه.
وهذه القصيدة تعدّ المحاولة الأولى في الاتجاه الذي أخذ بعد ذلك يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد عرفت فيما بعد باسم «البديعيات».
وفيما يلي نموذج من بديعية الأربلي:
بعض هذا الدلال والإدلال ... حال بالهجر والتجنب حالي
(الجناس اللفظي)
طلب دونه منال الثريا ... وهوى دونه زوال الجبال
(الغلو)
وغرام أقله يذهل الآ ... ساد في خيسها عن الأشبال
(المبالغة)
ما جد بعض فضله بذله الما ... ل وقل الذي يجود بمال
(رد العجز على الصدر)
ليس فيه عيب يعدده الحساد ... إلا العطاء قبل السؤال
(الاستثناء) (١)
٧ - ابن مالك:
هو بدر الدين محمد بن جمال الدين بن مالك الطائي الأندلسي أصلا الدمشقي دارا المتوفى سنة ٦٨٦ من الهجرة. وأبوه الشيخ جمال الدين بن مالك العالم النحوي صاحب الألفية المشهورة في النحو.
وبدر الدين نحوي كأبيه، وله مؤلفات في النحو والبلاغة، وكتابه
стр. 51
«المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع» هو تلخيص لكتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي. وقد جرّد كتابه من تعقيدات السكاكي المنطقية والكلامية والفلسفية التي قدّم بها لأقسام المفتاح وفصوله، كما أدخل عليه بعض تعديلات، أهمها نقل مبحث البلاغة والفصاحة من ذيل البيان إلى فاتحة مختصرة.
وقد جرى بدر الدين على رأي السكاكي في أن علمي المعاني والبيان يرجعان إلى البلاغة، وأن المحسنات البديعية ترجع إلى الفصاحة، كما اعترف بأن هذه المحسنات توابع لعلمي المعاني والبديع، ولكنه مع ذلك جعلها علما مستقلا بذاته سماه «علم البديع»، وبذلك مهد الطريق أمام البلاغة لتصبح متضمنة علوما ثلاثة: المعاني والبيان والبديع.
ولعل أهم شيء تميّز به المختصر على الأصل هو توسع بدر الدين في المحسنات البديعية، فقد ذكر منها أربعة وخمسين نوعا، على حين ذكر السكاكي منها ستة وعشرين فقط. ولا ريب أن بدر الدين كان متأثرا في ذلك برجال البديع في عصره، فقد توسعوا في إحصاء أنواعه حتى تجاوزوا بها المائة، بل إن منهم من بلغ بها مائة وخمسة وعشرين نوعا.
وقد ردّ بدر الدين المحسنات البديعية التي عرض لها في كتابه إلى الفصاحة اللفظية والمعنوية مجاريا في ذلك السكاكي وغيره من أصحاب البديع المتقدمين عليه.
ولكنه انفرد عنهم جميعا بجعل المحسنات البديعية المعنوية قسمين:
قسما يعود إلى الإفهام والتبيين، مثل: المذهب الكلامي، والتتميم، والتقسيم، والاحتراس، والتذييل، والاعتراض، والتجريد، والمبالغة، وقسما يعود إلى التزيين والتحسين، مثل، اللف والنشر، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق.
стр. 52
ذلك هو مدى التطور الذي تم لعلم البديع في القرن السابع الهجري على أيدي سبعة من أشهر رجاله هم: فخر الدين الرازي، والسكاكي، وضياء الدين ابن الأثير، والتيفاشي المغربي، وابن أبي الأصبع المصري، وعلي بن عثمان الأربلي، وبدر الدين بن مالك.
وإذا انتقلنا إلى القرن الثامن الهجري فإننا نلتقي بستة علماء كان لهم اهتمام بالبديع وفنونه، ومن هؤلاء من عرض للبديع في ثنايا درسه للبيان العربي بمفهومه العام، ومنهم من قصد قصدا إلى دراسة البديع لذاته في عمل مستقل.
وفيما يلي نبذة عن كل عالم من أولئك العلماء توضح الجهد الذي بذله والمساهمة التي أسهم بها في دراسة علم البديع .
١ - يحيى بن حمزة:
هو يحيى بن حمزة العلوي اليمني المتوفى سنة ٣٤٩ للهجرة، وقد اشتهر بعلوم النحو والبلاغة وأصول الفقه، وله فيها مصنفات مختلفة، يهمنا منها كتابه المسمى «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» والذي يقع في ثلاثة أجزاء.
ففي مقدمة هذا الكتاب يقفنا يحيى بن حمزة على حقيقتين: الأولى أن من ألّفوا في البلاغة إما مطيل ممل وإما موجز مخل، والحقيقة الثانية أنه لم يطلع إلا على أربعة كتب مما كتبه البلاغيون قبله، وهذه هي: «المثل السائر» لا بن الأثير، وكتاب «التبيان في علم البيان» لعبد الواحد الزملكاني الدمشقي، وكتاب «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» للفخر الرازي، وكتاب «المصباح في المعاني والبيان والبديع» لبدر الدين بن مالك.
كذلك يعطي في المقدمة السبب الذي دعاه إلى تأليف كتابه، ومفاده
стр. 53
أنه شرع يقرأ على بعض طلابه كتاب الكشاف للزمخشري فطلبوا منه أن يؤلف لهم كتابا في البلاغة يسترشدون به في فهم الكشاف المؤسس على البلاغة وقواعدها، فأجابهم إلى طلبهم وألّف لهم هذا الكتاب.
والكتاب بحث في قواعد البلاغة سواء ما اتصل منها بالمعاني أو البيان أو البديع الذي يعنينا هنا في المحل الأول.
وكل ما ذكره يحيى بن علي في كتابه عن علم البديع قد استوحاه في الواقع من كتاب «المصباح في المعاني والبيان والبديع» لبدر الدين بن مالك.
فهو يجري مع بدر الدين في تقسيم علم البديع إلى ما يتعلق بالفصاحة اللفظية، وما يتعلق بالفصاحة المعنوية. وفي بحثه للفصاحة اللفظية ساق يحيى بن علي عشرين محسنا لفظيا، منها الجناس، والترصيع، والتوشيح، والالغاز، وقد عدّ من ذلك الطباق مع أنه من محسنات المعنى لا اللفظ.
وفي حديثه عن الفصاحة المعنوية أورد خمسة وثلاثين محسنا معنويا، منها التشبيه، والسرقات الشعرية مستوحيا ما قاله فيها من كلام ابن الأثير. ثم ختم حديثه عن البديع بتحديد معناه وبيان أقسامه إجمالا. تلك خلاصة موجزة لما جاء في كتاب يحيى بن علي عن علم البديع.
٢ - التنوخي:
صاحب كتاب الأقصى القريب في علم البيان.
هو محمد بن عمرو التنوخي المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة، كان معاصرا ليحيى بن علي وتوفيا في سنة واحدة.
وفي عنوان الكتاب ما ينبئ عن منحى التنوخي ومفهومه للبيان أو
стр. 54
البلاغة. فهو لا يجري على طريقة عبد القادر والزمخشري والسكاكي، تلك الطريقة التي تقوم على أساس التمييز والفصل بين علوم البلاغة الثلاثة المعروفة، وإنما نراه يتبع طريقة ابن الأثير التي تعد البلاغة وحدة عضوية مترابطة.
ثم هو بعد ذلك يخالف ابن الأثير في طريقة البحث والمعالجة، فإذا كان ابن الأثير يعتمد في بحثه على الذوق الأدبي، فإن التنوخي يعتمد على النحو والمنطق.
على أن حظ البديع من كتاب التنوخي ضئيل، فهو يتكلم فيه عن الاعتراض، وتأكيد المدح بما يشبه الذم الذي يعده صورة من صور الكناية، كما يتكلم عن الاشتقاق، والتكرار، والتقسيم، والمبالغة، والتضمين، والاستدراج،
والسجع، ولزوم ما لا يلزم، والجناس الذي أطال فيه. وكذلك ذكر أنواعا من البديع يمكن أن ترد إلى البيان. مثل التوشيح أو الموشحات.
تلك هي فنون البديع التي ساقها التنوخي في كتابه، وهي من ناحية قليلة العدد، ومن ناحية أخرى جاءت مختلفة في الكتاب على حسب مقتضيات البحث، فلا فصل ولا تفريق بين اللفظي والمعنوي منها، كما فعل بعض البلاغيين المتقدمين عليه.
٣ - ابن قيم الجوزية (١):
هو شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيّم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ للهجرة.
стр. 55
كان بارعا في عدة علوم، ما بين تفسير وفقه، ولغة ونحو، وحديث وأصول. ولزم شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وغلب عليه حبه له حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه. واعتقل مع ابن تيمية في قلعة دمشق، فلما مات ابن تيمية أفرج عنه. وكان مغرما بجمع الكتب فحصل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرا طويلا، سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.
وقد صنّف وألّف كتبا كثيرة منها: «كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان»، وهو يحتوي على مقدمة وقسمين. وفي المقدمة إشادة بعلوم البيان، لأن العلم بها في نظره يعين على معرفة إعجاز القرآن. وفي المقدمة يتحدث أيضا عن بعض مباحث البيان من حقيقة ومجاز واستعارة وتمثيل.
وفي القسم الأول من الكتاب يتحدث عن الكناية، ثم يتطرق إلى محسنات البديع المعنوية فيحصي منها نحو ثمانين نوعا، وفي القسم الثاني الذي عقده للفصاحة يتكلم عن المحسنات البديعية اللفظية ويذكر منها أربعة وعشرين نوعا.
تلك هي مباحث الكتاب بإيجاز، وهي في الواقع ترديد لما اهتدى إليه المتقدمون في ميدان البيان أو البديع، وليس لا بن الجوزية فيها إلا فضل الجمع، وإن كان جمعا ينقصه دقة الترتيب والتبويب.
٤ - صفي الدين الحلي (١):
هو الشاعر المشهور صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الطائي الحلي
стр. 56
المتوفى سنة ٧٥٠ للهجرة. أحب الأدب ومهر في فنون الشعر كلها، وتعلم المعاني والبيان، وصنّف فيها، واحترف التجارة، فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها في التجارة، ثم يرجع إلى بلاده، وفي غضون ذلك يمدح الملوك والأعيان.
وديوان صفي الدين الحلي مشهور يشتمل على فنون كثيرة من الشعر، وله في مدح الرسول قصيدة طويلة تبلغ مائة وخمسة وأربعين بيتا من بحر البسيط، وهي على غرار بردة البوصيري المشهورة موضوعا ووزنا وقافية.
وهذه القصيدة هي المعروفة ببديعية صفي الدين والتي مطلعها:
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقر السّلام على عرب بذي سلم
وهذه البديعية تشتمل على مائة وخمسة وأربعين محسنا، لأن كل بيت فيها يتضمن محسنا من محسنات البديع. وقد قصر الأبيات الخمسة الأولى منها على الجناس الذي جعل له فيها اثني عشر نوعا.
ومطلع بديعية الحلي المشار إليه آنفا يشتمل من المحسنات على براعة الاستهلال أو حسن الابتداء كما يسميه ابن المعتز، ويعني به دلالة المطلع من البدء على موضوع القصيدة.
كذلك يشتمل المطلع على نوعين من الجناس بين «سلام وسلم» و «علم وسلم».
وقد سمى الحلي بديعيته «الكافية البديعية في المدائح النبوية» وألّف عليها شرحا سماه «النتائج الإلهية في شرح الكافية البديعية»، وفي مقدمة الشرح نبذة عمن سبقه إلى التأليف في البديع. ويقول ابن حجة الحموي
стр. 57
إن الحلي «ذكر أنه جمع بديعيته من سبعين كتابا» (١). ولهذه البديعية شرح آخر وضعه عبد الغني النابلسي وسماه «الجوهر السني في شرح بديعية الصفي».
ويلاحظ على بديعية الحلي أنه لم يلتزم فيها تسمية النوع البديعي في كل بيت، اكتفاء بالتعريف به عن طريق المثال. ولعله أراد بذلك أن يسبغ على بديعيته صفة الوضوح والجمال الشعري، وأن يجنبها صفة التعقيد في النظم عند التزام تسمية النوع البديعي في البيت.
وإذا كانت قصيدة الأربلي السابقة الذكر هي المحاولة الأولى في القصائد البديعيات فإن بديعية صفي الدين الحلي هي المحاولة الثانية في هذا الاتجاه.
٥ - ابن جابر الأندلسي (٢):
هو محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الضرير المتوفى سنة ٧٨٠ للهجرة. قرأ القرآن والنحو والحديث على شيوخ عصره وكان شاعرا جيد النظم عالما بالعربية، وذكر لسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة أن ابن جابر نظم فصيح ثعلب، وكفاية المتحفظ، وغير ذلك.
وقد رحل من الأندلس إلى مصر والشام واصطحب معه أبا جعفر الغرناطي، فكان ابن جابر ينظم الشعر والغرناطي يكتب.
ولابن جابر بديعية على قافية الميم من بحر البسيط سماها «الحلة
стр. 58
السيرا في مدح خير الورى» نظمها على طريقة بديعية صفاء الدين الحلي وشرحها صاحبه أبو جعفر.
وبديعية ابن جابر تقع في مائة وسبعة وعشرين بيتا، واستهلها بقوله:
بطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانشر أطيب الكلم
ويذكر أبو جعفر في مقدمة شرحه لهذه البديعية أن ابن جابر اتبع في سرد المحسنات البديعية الخطيب القزويني في كتابيه التلخيص والإيضاح، وذلك يعني أنه قصر بديعية على المحسنات البديعية ولم يخلطها ببعض فنون البيان كما فعل غيره.
وقد التقى ابن جابر مع صفي الدين الحلي في عدم الالتزام بتسمية النوع البديعي في البيت، ولكنه خالفه من جهة
عدم الإكثار من المحسنات في قصيدته مكتفيا فيها بنحو ستين محسنا، على حين تضمنت قصيدة الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا. والمتصفح لبديعية ابن جابر يرى أنه جرى فيها على طريقة بدر الدين بن مالك من حيث تقديم المحسنات اللفظية على المحسنات البديعية.
ويبدو أن المحاولات الثلاث أو البديعيات الثلاث التي عرضنا لها حتى الآن، وأغني بها بديعية كل من الأربلي، وصفي الدين الحلي، وابن جابر الأندلسي قد لفتت أنظار بعض العلماء الشعراء فراحوا يتبارون في نظم بديعيات على غرارها يمدحون بها الرسول ويضمنونها من المحسنات البديعية ما قدروا عليه مما عرفوا منها، وكأن تأثرهم بصفي الدين الحلي أكثر من غيره.
ومن أشهر من اقتدى به من هؤلاء العلماء:
стр. 59
٦ - عز الدين الموصلي (١):
المتوفى سنة ٧٨٩ للهجرة.
هو عز الدين علي بن الحسين الموصلي الشاعر المشهور، نزل دمشق وأقام بحلب مدة، وبرع في النظم، وجمع ديوان شعره في مجلد واحد.
وللموصلي بديعية مشهورة مطلعها:
براعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم
وهي قصيدة نبوية في مائة وخمسة وأربعين بيتا، عارض بها بديعية الصفي الحلي، وزاد عليه الالتزام بأن يودع كل بيت اسم النوع البديعي بطريق التورية أو الاستخدام. مثال ذلك كلمة «براعة تستهل» في مطلع بديعيته السابق الذكر، فإنها تشير إلى «براعة الاستهلال»، أحد المحسنات البديعية.
وكأني بالموصلي أراد بذلك أن يظهر تفوقه على صفي الدين الذي لم يلتزم بإدخال أسماء المحسنات البديعية في نسيج الأبيات اكتفاء بالتعريف بها بالأمثلة من ناحية، وبذكر أسمائها أمام الأبيات أو بحذائها من ناحية أخرى.
وقد علق ابن حجة الحموي على بديعية الموصلي بقوله: «للشيخ عز الدين الموصلي قصيدة بديعية التزم فيها بتسمية النوع البديعي وورّى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي، لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل .... وربما رضي في الغالب بتسمية
стр. 60
النوع ولم يعرب عن المسمى، ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقّد نظما» (١).
ويقارن عبد الغني النابلسي بين الموصلي والحلي في مقدمة شرح بديعيته هو المسمى «نفحات الأزهار» بقوله: «ثم جاء بعد صفي الدين الشيخ عز الدين الموصلي، فعارضه بقصيدة على منوال قصيدته، وذكر من الأنواع ما ذكره، وزاد عليه بعض شيء يسير من اختراعاته معجبا بذكر اسم النوع البديعي في ألفاظ البيت موريا به لئلا يحتاج إلى تعريف النوع من خارج النظم، ولكنه تعسف وتكلف في غالب أبياته، وهجر موضع الرقة والانسجام، ثم شرحها شرحا يبيّن فيه مقصده ومراده مع الاختصار، ولم يشف غلة الأفكار».
هذا وللشيخ عز الدين الموصلي بديعية أخرى لامية على وزن قصيدة كعب بن زهير التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
وبعد فتلك نبذة تصور حال البديع في القرن الثامن، كما تصور الجهود التي بذلها في سبيل تطويره ستة من علماء هذا العصر، ثلاثة منهم عرضوا للبديع، في ثنايا كتبهم عن البيان العربي، أو عرضوا له على أنه علم بلاغي مستقل عن علمي المعاني والبيان، وهؤلاء هم: يحيى بن حمزة، والتنوخي، وابن قيم الجوزية. أما الثلاثة الآخرون فمن أصحاب البديعيات، وهم: صفي الدين الحلي، وابن جابر الأندلسي، وعز الدين الموصلي.
...
стр. 61
[المتبارين فى منحاه]
وإذا ما اجتزنا القرن الثامن إلى القرن التاسع الهجري وما بعده فإننا نرى أن الاتجاه الغالب في دراسة البديع يتمثل في نظم البديعيات التي تنحو منحى صفي الدين الحلي أو عز الدين الموصلي وتتبارى مع هذا أو ذاك في منحاه. وأول هؤلاء المتبارين هو:
١ - ابن حجة الحموي (١):
المتوفى سنة ٨٣٧ للهجرة.
هو تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي، كان إماما عارفا بفنون الأدب، متقدما فيه طويل النفس في النظم والنثر.
وله مصنفات كثيرة منها: بروق الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم، وكشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام، وثمرات الأوراق في المحاضرات، وخزانة الأدب، وديوان شعر بديع.
ولا بن حجة الحموي بديعية مشهورة في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا، وقد استهلها بقوله:
لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم
وقد حاول في نظمها كما ذكر في مقدمة شرحه لها أن يجمع بين الحسنيين، أعني أن يقتدي بعز الدين الموصلي في تضمين ألفاظ البيت ما يشير إلى نوع المحسن البديعي الذي بناه عليه، وأن يقتدي بصفي الدين الحلي في رقة شعره وجمال نظمه وسلاسته.
وما من شك في أن بديعيته أرق وأسلس في نظمها من بديعية عز الدين، ولكنه لم ينجح كل النجاح في التخلص مما عابه عليه من ثقل النظم والتكلف الشديد في بديعيته.
стр. 62
وليس لا بن حجة في بديعيته فضل اختراع أو زيادة على من تقدموه من أصحاب البديع، وكل ما له من فضل أنه جمع فيها من أعمال السابقين مائة واثنين وأربعين نوعا من المحسنات يختلط اللفظي فيها بالمعنوي من غير فصل أو تحديد. وكل ما يلحظ من خلاف بينه وبين سابقيه هو في تسمية بعض الأنواع، فالتصدير، والالتزام مثلا عنده هما رد العجز على الصدر، ولزوم ما لا يلزم عند غيره. ولعل التغاير في تسمية بعض أنواع المحسنات عند ناشئ من صعوبة تطويع اسم النوع كله للنظم.
وقد وضع ابن حجة الحموي شرحا مطولا لبديعيته في ٤٦٧ صفحة أطلق عليه اسم «خزانة الأدب». وربما كان هذا الشرح أهم من البديعية ذاتها، لأنه قد حوّله حقيقة إلى «خزانة أدب» أودعها الكثير من علمه ومعارفه.
فهو يكثر في الخزانة من الأمثلة والشواهد وخاصة لشعراء عصره والقريبين منهم في العصر الأيوبي، وكثيرا ما يعرض لنوادرهم ومساجلاتهم الأدبية مع ذكر ما يستحسنه من أشعارهم. وقد يستطرد فيسوق بعض ملاحظات له أو لغيره متصلة بالبديع، أو يورد تراجم لبعض الأدباء، أو يتتبع المعاني التي أخذها شاعر من آخر، كتتبعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفدي من جمال الدين بن نباته.
فالشرح الذي أودعه «خزانة الأدب» هو في الواقع موسوعة أدبية تجمع بين اللغة والأدب والبلاغة والنقد والتاريخ والتراجم ومنظوم الكلام ومنثوره، وهو في ذلك كله مرجع عام لا غنى عنه، ومرجع خاص لشعراء العصرين
الأيوبي والمملوكي.
стр. 63
٢ - وللسيوطي (١):
جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال الخضيري الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١ للهجرة بديعية سماها «نظم البديع في مدح خير شفيع» وله عليها شرح، ولكنها لم تنل من الشهرة ما نالته غيرها من بديعيات.
٣ - عائشة الباعونية:
هي التقية عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني المتوفاة سنة ٩٢٢ للهجرة، أثنى عليها كثير من الأدباء، وهي شاعرة ذات ديوان شعر بديع. ولها في مدح الرسول بديعية فريدة في مائة وثلاثين بيتا، أطلقت عليها اسم «الفتح المبين في مدح الأمين» (٢) ومطلعها:
في حسن مطلع أقماري بذي سلم ... أصبحت في زمرة العشاق كالعلم
وتحدثنا الباعونية في شرحها المختصر لبديعيتها عن سبب نظمها فتقول: «هذه قصيدة صادرة عن ذات قناع شاهدة بسلامة الطباع، منقحة بحسن البيان مبنيّة على أساس تقوى من الله ورضوان، سافرة عن وجوه البديع سامية بمدح الحبيب الشفيع، مطلقة من قيود تسمية الأنواع، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات «بالفتح المبين في مدح الأمين».
وتقول عن الشرح: «واستخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت
стр. 64
اسمها في شرح يروق الطالب موارده وتعظم عند المستفيد فوائده، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيته عليه، وأقر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه، وأنحو في ذلك الاختصار ولا أخل بواجب، وأنبه على ما لا بدّ منه قصدا لنفع الطالب ....».
ومن هذه الكلمة نرى أن حب الرسول هو الدافع إلى نظم هذه البديعية التي حشدت فيها مائة وثلاثين نوعا من
المحسنات البديعية، وأنها لم تتقيّد بتسمية الأنواع، وأن طريقتها في الشرح أن تورد بعد البيت حد النوع الذي بنته عليه مشفوعا بالشاهد في اختصار غير مخل.
وقد وصف الشيخ عبد الغني النابلسي الباعونية بقوله: «إنها فاضلة ومن تآليفها هذه البديعية الفريدة المسماة بالفتح المبين في مدح الأمين، نظمتها على منوال تقي الدين بن حجة، مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ وانسجام الكلمات، وشرحتها بهذا الشرح المختصر الذي أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان، ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف، ومن تآليفها مولد جليل للنبي ﷺ اشتمل على فرائد النظم والنثر» (١).
٤ - ومن أصحاب البديعيات أيضا صدر الدين بن معصوم الحسيني المدني المتوفى سنة ١١١٧ للهجرة بمدينة حيدر أباد. وقد استهل صدر الدين هذا بديعيته بقوله:
حسن ابتدائي بذكرى جيرة الحرم ... له براعة شوق تستحل دمي
وهي على غرار بديعية كل من عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمين أبياتها أسماء المحسنات البديعية. وقد وضع لها
стр. 65
شرحا سماه «أنوار الربيع في أنواع البديع»، وفيه تعرض- كسابقيه من أصحاب البديع- للحديث عمن صنفوا في البديع، ودونوه في مدائحهم النبوية البديعية.
٥ - وممن عاصر صدر الدين واشتهر في هذا الميدان الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١) المتوفى سنة ١١٤٣ من الهجرة. وهو شاعر مولع بالبديع، له مؤلفات مختلفة، منها بديعيتان، نحا في إحداهما منحى صفي الدين الحلي وعائشة الباعونية، بمعنى أنه مثلهما لم يلتزم فيها اسم النوع البديعي، ومطلع هذه البديعية التي سمّاها «نسمات الأسحار في مدح النبي المختار» هو:
يا منزل الركب بين البان فالعلم ... من سفح كاظمة حييت بالديم
وله فيها شرح سماه «نفحات الأزهار» تحدث فيه عمن ألفوا في البديع ومن نظموا البديعيات.
أما بديعيته الثانية فمطلعها:
يا حسن مطلع من أهوى بذي سلم ... براعة الشوق في استهلالها ألمي
وهي على منوال بديعية عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمن كل بيت اسم النوع البديعي الذي بنى عليه. وقد كتب كل بيت من البديعية الثانية أمام ما يماثله في هامش البديعية الأولى، والتزم ذلك من طبعوا هذا الشرح. وللبديعية الثانية شرح وضعه القلعي مع البديعيات العشر.
وفي شرحه «نفحات الأزهار» يحدثنا عن بديعيته الأولى بقوله:
стр. 66
«نظمت هذه القصيدة الميمية المسماة بنسمات الأسحار في مدح النبي المختار على طريقة تلك القصائد البديعية، معرضا عن نظم اسم النوع البديعي في أثناء البيت لأني رأيت ذلك إنما يكسب تنافر الكلمات وغرابة المباني وقلاقة (١) المعاني» ثم يستطرد إلى القول بأن التصرف في اسم النوع لضرورة النظم يجعل التعرف عليه من لا يعرف اسمه ورسمه أمرا صعبا.
والغريب أنه مع نقده لهذا النوع من البديعيات يعمد إلى نظم قصيدة بديعية من طرازها!.
كذلك ينبئنا في شرحه «نفحات الأزهار» أن أبيات كل من بديعيته تبلغ مائة وخمسين بيتا، وأنهما يشتملان على مائة وخمسة وخمسين محسنا بديعيا، بعد زيادة أنواع لطيفة وفنون ظريفة، لا توجد في البديعيات التي سبقته، «وربما اتفق في البيت الواحد النوعان والثلاثة بحسب انسجام القريحة في النظم، والمعتمد فيها على ما أسس البيت عليه» ثم يشير إلى أن شرحه وسط بين الإيجاز والإطناب حتى لا يشعر قارئه بالملل والسأم.
...
تلك هي أهم البديعيات التي ظهرت قبل العصر الحديث، أي منذ قام بالمحاولة الأولى في هذا الاتجاه علي بن عثمان الأربلي في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى عصر عبد الغني النابلسي.
وفي العصر الحديث نلتقي أيضا بآخرين من أصحاب البديعيات، ومن أشهر هؤلاء:
١ - البيروتي (٢):
وهو السيد أحمد البربير البيروتي الذي ولد في دمياط ونشأ في بيروت
стр. 67
وتوفي في دمشق سنة ١٢٢٦ للهجرة. وكان شاعرا أديبا، ومن آثاره الأدبية: مقامات البربير، على نسق مقامات الحريري، والشرح الجلي على بيتي الموصلي، توسع في شرحهما حتى استغرق كتابا كاملا فيه كثير من فنون الأدب، والبيتان لأحد شعراء القرن الثامن عشر الميلادي، عبد الرحمن الموصلي، وهما:
إن مرّ والمرآة يوما في يدي ... من خلفه ذو اللطف أسمى من سما
دارت تماثيل الزجاج ولم تزل ... تقفوه عدوا حيث سار ويمّما
وللبيروتي هذا قصيدة بديعية في مدح الرسول أودعها الكثير من أنواع المحسنات ولها شرح وضعه مصطفى الصلاحي.
٢ - الساعاتي:
المتوفى سنة ١٢٩٨ للهجرة.
هو الأديب الشاعر محمود صفوت الزيلع الشهير بالساعاتي ولد في القاهرة سنة ١٢٤١ من الهجرة، وفي العشرين من عمره سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهنالك نم فضله عليه فأكرمه أمير مكة الشريف محمد ابن عون وصحبه فظل ملازما له وسافر معه إلى غزواته في نجد واليمن ووصف كثيرا من وقائعه في شعره.
وعند ما عزل الشريف محمد بن عون عن إمارة مكة هاجر إلى مصر وفي صحبته الساعاتي، ثم سافر معه بعد ذلك إلى القسطنطينية، وفيها وقع بينه وبين الشيخ زين العابدين المكي تنافس أدبي.
وفي أوائل عام ١٢٦٨ للهجرة عاد إلى القاهرة فوظف بالحكومة وظل يتنقل من وظيفة إلى أخرى حتى فاجأته منيته سنة ١٢٩٨ للهجرة، وهو عضو بمجلس أحكام الجيزة والقليوبية. وشعره إذا قيس بشعر من تقدموه
стр. 68
ببضعة قرون أو بشعر معاصريه أجود وأرقى.
وديوان الساعاتي مطبوع، وله فيه قصيدة بديعية في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا التزم فيها تسمية أنواع البديع وعارض بها بديعية تقي الدين بن حجة الحموي. وقد نظمها سنة ١٢٧٠ للهجرة واستهلها بقوله:
سفح الدموع لذكر السفح والعلم ... أبدى البراعة في استهلاله بدم
وقد جرى في نظمها عل طريقة ذكر النوع البديعي واتباعه بالبيت الذي بناه عليه، وفيما يلي نموذج لذلك:
التورية
وكم بكيت عقيقا والبكاء على ... بدر وتوريتي كانت لبدرهم
الجناس التام
أقمار تمّ تعالوا في منازلهم ... فالصب مدمعه صب لبعدهم
المطابقة
قد طابقوا صحبتي بالسقم حين نأوا ... ولو دنوا لشفوا ما بي من الألم
وقد عني بشرح هذه البديعية شرحا وافيا عبد الله باشا فكري.
ومن معاصري الساعاتي كثيرون لهم بديعيات، وقد تأثر بهذا الاتجاه بعض الشعراء المسيحيين فنظموا بديعيات في مدح عيسى ﵇.
ولعل الشيخ طاهر الجزائري المتوفي سنة ١٣٤١ للهجرة هو آخر من عرف بتعاطي هذا الفن، فقد نظم قصيدة بديعية وضع لها شرحا أطلق عليه اسم «بديع التلخيص وتلخيص البديع».
стр. 69
وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن الاشتغال بعلم البديع لم يقف عند حد الكتب التي صنّفت فيه وتميّز الكثير منها بالأصالة والابتكار ولم يقف كذلك عند نظم البديعيات، هذا الاتجاه الذي ظهر في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ثم أخذ الشعراء يتبارون ويفتنون فيه على نحو ما رأينا.
أجل لم يقف الاشتغال بعلم البديع عند هذا الحد أو ذاك وإنما تجاوز ذلك أو انحط عن ذلك إلى نظم فنونه في متون شديدة الإيجاز والتعقيد والإبهام. مثل متن الجوهر المكنون (١) في الثلاثة الفنون، ومتن ابن الشحنة الحنفي.
حقا قد يكون القصد من وراء هذه المنظومات التعليمية مساعدة الطالب على تذكر الفنون البديعية وحدودها وأقسامها عند الاقتضاء.
ولكن أية فائدة يجنيها الطالب من حفظ أسماء ومصطلحات لا علم له بمدلولها، ولا يستطيع أن يستسيغها أو يتبينها إذا عرضت له في نص من النصوص الأدبية؟
وعلى سبيل المثال هل يفيد الطالب شيئا غير اليأس من البلاغة والنفور منها عند ما يقرأ الأبيات التالية التي أوردها صاحب متن الجوهر المكنون عند كلامه عن المحسنات البديعية المعنوية:
وعدّ من ألقابه المطابقة ... تشابه الأطراف والموافقة
والعكس والتسهيم والمشاكلة ... تزواج رجوع أو مقابلة
تورية تدعي بإيهام لما ... أريد معناه البعيد منهما؟
على أية حال إن المتون نظما كانت أو نثرا ليست محنة قاصرة على
стр. 70
البديع وإنما هي محنة شملت العلوم العربية في العصور المتأخرة عند ما أخذت العقول بفعل عوامل شتى يرين عليها العقم والجمود.
...
وبعد فقد عرضنا لنشأة علم البديع وتطوره في العصور المختلفة، وعرفنا على ضوء هذا العرض كيف كانت مباحثه في أول الأمر عنصرا من عناصر البيان العربي، ثم كيف أخذت هذه المباحث في العصور الأولى تتميز وتتحدد معالمها شيئا فشيئا حتى صارت علما مستقلا على يد ابن المعتز، وقدامة، وأبي هلال العسكري وابن رشيق وغيرهم، وأخيرا كيف جاء شعراء البديع والصنعة من أمثال أبي تمام فثغروا في الشعر ثغرة نفذ منها بالإضافة إليهم أصحاب البديع والبديعيات والمتون وراحوا جميعا ينظرون إلى البديع على أنه غاية لا وسيلة يستعان بها على تذوق الأساليب البيانية والارتقاء بها، وبذلك أساءوا من حيث أرادوا الإحسان.
وإذا كان الشعراء والأدباء في العصور المتأخرة قد أسرفوا في استعمال البديع وصارت لهم فيه مدارس، وإذا كان علماء البديع قد توسعوا في مفهومه حتى شمل الصور البيانية وكثيرا من صور المعاني، وحتى أضافوا إليه ما ليس منه، فخلطوا بذلك بديعا مزيفا بالبديع الحقيقي- فإن ذلك كله لا يطعن في قيمة البديع بمقدار ما يدل على سوء فهمهم وقصورهم وجمودهم.
ولعل في دراستنا لبعض فنون البديع ما يرجع بهذا العلم إلى صوره الجميلة عند ابن المعتز وقدامة وأبي هلال وأضرابهم، وما يرد إليه اعتباره كقيمة جمالية في الأدب.
стр. 71
فنون علم البديع
عرفنا من المقدمة السابقة في نشأة البديع وتطوره أن عبد الله بن المعتز هو أول من قام بمحاولة علمية جادة في سبيل تأسيس علم البديع وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان.
وتتمثل محاولته هذه في كتاب «البديع» الذي ألّفه وضمّنه ثمانية عشر فنا من فنون البديع. وقد مهدت محاولته
السبيل أمام البلاغيين من بعده فتأثروها وأفادوا منها في تطوير هذا العلم واستكمال مباحثه وقضاياه.
فقدامة بن جعفر وهو من معاصري ابن المعتز أولى البديع اهتمامه وزاد فيه تسعة أنواع جديدة، وأبو هلال العسكري اعتمد ما أتى به ابن المعتز وقدامة من فنون البديع وأضاف إليها حتى بلغت عنده سبعة وثلاثين نوعا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فزاد على من تقدموه تسعة أنواع لم يرد لها ذكر عندهم.
وهكذا أخذت فنون البديع تنمو وتتكاثر على تعاقب الأجيال
стр. 72
والعصور حتى بلغت في القرن الثامن الهجري عند الشاعر صفي الدين الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا بديعيا.
وهذه المحسنات يقصد بها تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة بخلوها عن التعقيد المعنوي.
والمحسنات البديعية ضربان: معنوي يرجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا.
وضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلا، وإن تبع ذلك تحسين المعنى لأن المعنى (إن) عبّر عنه بلفظ حسن استتبع ذلك زيادة في تحسين المعنى.
وليس من غرضنا هنا التوسع في دراسة المحسنات البديعية إلى حد الإلمام بها جميعها، وإنما الغرض هو التركيز على أهم هذه المحسنات للتعرف عليها وبيان أثرها في تحسين الكلام لفظا ومعنى.
ولما كانت المعاني هي الأصل والألفاظ توابع وقوالب لها، فإننا نبدأ بدراسة المحسنات المعنوية.
المحسنات البديعية المعنوية
المطابقة
ويقال لها أيضا: التطبيق، والطباق، والتضاد.
والمطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رجله موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل: طابق البعير.
وقال الأصمعي: المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي
стр. 73
ذوات الأربع. وقال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حد واحد.
وليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة، ذلك لأن المطابقة أو الطباق في اصطلاح رجال البديع هي: الجمع بين الضدين أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر. كالجمع بين اسمين متضادين من مثل: النهار والليل، والبياض والسواد، والحسن والقبح، والشجاعة والجبن، وكالجمع بين فعلين متضادين مثل: يظهر ويبطن، ويسعد ويشقى، ويعز ويذل، ويحيي ويميت. وكذلك كالجمع بين حرفين متضادين، نحو قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، فالجمع بين حرفي الجر «اللام وعلى» مطابقة، لأن في «اللام» معنى المنفعة وفي «على» معنى المضرة، وهما متضادان، ومثله قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا
وقد تكون المطابقة بالجمع بين نوعين مختلفين كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فإن أحد المتضادين اسم وهو «ميتا» والآخر فعل وهو «أحييناه».
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع المصري: المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة. وضرب يأتي بألفاظ المجاز.
١ - فالضرب الذي يأتي بألفاظ الحقيقة هو ما يسمى المطابقة أو الطباق، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا، وقوله تعالى أيضا: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ، وقوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ.
стр. 74
ومنه قول النبي ﷺ : «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الحياة مستعتب (١)، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».
ومن شواهد المطابقة الحقيقية شعرا قول الحماسي:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وقول آخر:
لئن ساءني إن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
٢ - والضرب الذي يأتي بألفاظ المجاز يسميه قدامة بن جعفر «التكافؤ» ومنه قول الشاعر:
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الدمار صبيحة الإرهاق
فقوله «حلو ومر» يجري مجرى الاستعارة، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
ومنه أيضا قول الشاعر:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة هي بين «اليقظان والنائم»، ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز. وهذا هو «التكافؤ» عند قدامة وابن أبي الأصبع.
أما المطابقة عند قدامة ومن اتبعه فهي اجتماع المعنيين المختلفين في لفظة واحدة مكررة، كقول زياد الأعجم:
стр. 75
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
فاللفظة المكررة هنا هي «كاهل» ومعناها في الشطر الأول من البيت «من يعتمد عليه في الملمات، يقال: فلان كاهل بني فلان أي معتمدهم في الملمات وسندهم في المهمات». وهي في الشطر الثاني: مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق.
...
أنواع المطابقة:
والمطابقة ثلاثة أنواع:
مطابقة الإيجاب.
مطابقة السلب.
وإيهام التضاد.
١ - فمطابقة الإيجاب: هي ما صرّح فيها بإظهار الضدين، أو هي ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا.
ومن أمثلتها بالإضافة إلى الأمثلة السابقة للمطابقة التي تأتي بلفظ الحقيقة قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وقوله أيضا:
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
ومنه أحاديث الرسول: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك» وقال: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة».
ومنه شعرا قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل