فنون علم البديع
عرفنا من المقدمة السابقة في نشأة البديع وتطوره أن عبد الله بن المعتز هو أول من قام بمحاولة علمية جادة في سبيل تأسيس علم البديع وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان.
وتتمثل محاولته هذه في كتاب «البديع» الذي ألّفه وضمّنه ثمانية عشر فنا من فنون البديع. وقد مهدت محاولته
السبيل أمام البلاغيين من بعده فتأثروها وأفادوا منها في تطوير هذا العلم واستكمال مباحثه وقضاياه.
فقدامة بن جعفر وهو من معاصري ابن المعتز أولى البديع اهتمامه وزاد فيه تسعة أنواع جديدة، وأبو هلال العسكري اعتمد ما أتى به ابن المعتز وقدامة من فنون البديع وأضاف إليها حتى بلغت عنده سبعة وثلاثين نوعا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فزاد على من تقدموه تسعة أنواع لم يرد لها ذكر عندهم.
وهكذا أخذت فنون البديع تنمو وتتكاثر على تعاقب الأجيال
стр. 72
والعصور حتى بلغت في القرن الثامن الهجري عند الشاعر صفي الدين الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا بديعيا.
وهذه المحسنات يقصد بها تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة بخلوها عن التعقيد المعنوي.
والمحسنات البديعية ضربان: معنوي يرجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا.
وضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلا، وإن تبع ذلك تحسين المعنى لأن المعنى (إن) عبّر عنه بلفظ حسن استتبع ذلك زيادة في تحسين المعنى.
وليس من غرضنا هنا التوسع في دراسة المحسنات البديعية إلى حد الإلمام بها جميعها، وإنما الغرض هو التركيز على أهم هذه المحسنات للتعرف عليها وبيان أثرها في تحسين الكلام لفظا ومعنى.
ولما كانت المعاني هي الأصل والألفاظ توابع وقوالب لها، فإننا نبدأ بدراسة المحسنات المعنوية.
المحسنات البديعية المعنوية
المطابقة
ويقال لها أيضا: التطبيق، والطباق، والتضاد.
والمطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رجله موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل: طابق البعير.
وقال الأصمعي: المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي
стр. 73
ذوات الأربع. وقال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حد واحد.
وليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة، ذلك لأن المطابقة أو الطباق في اصطلاح رجال البديع هي: الجمع بين الضدين أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر. كالجمع بين اسمين متضادين من مثل: النهار والليل، والبياض والسواد، والحسن والقبح، والشجاعة والجبن، وكالجمع بين فعلين متضادين مثل: يظهر ويبطن، ويسعد ويشقى، ويعز ويذل، ويحيي ويميت. وكذلك كالجمع بين حرفين متضادين، نحو قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، فالجمع بين حرفي الجر «اللام وعلى» مطابقة، لأن في «اللام» معنى المنفعة وفي «على» معنى المضرة، وهما متضادان، ومثله قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا
وقد تكون المطابقة بالجمع بين نوعين مختلفين كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فإن أحد المتضادين اسم وهو «ميتا» والآخر فعل وهو «أحييناه».
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع المصري: المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة. وضرب يأتي بألفاظ المجاز.
١ - فالضرب الذي يأتي بألفاظ الحقيقة هو ما يسمى المطابقة أو الطباق، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا، وقوله تعالى أيضا: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ، وقوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ.
стр. 74
ومنه قول النبي ﷺ : «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الحياة مستعتب (١)، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».
ومن شواهد المطابقة الحقيقية شعرا قول الحماسي:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وقول آخر:
لئن ساءني إن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
٢ - والضرب الذي يأتي بألفاظ المجاز يسميه قدامة بن جعفر «التكافؤ» ومنه قول الشاعر:
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الدمار صبيحة الإرهاق
فقوله «حلو ومر» يجري مجرى الاستعارة، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
ومنه أيضا قول الشاعر:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة هي بين «اليقظان والنائم»، ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز. وهذا هو «التكافؤ» عند قدامة وابن أبي الأصبع.
أما المطابقة عند قدامة ومن اتبعه فهي اجتماع المعنيين المختلفين في لفظة واحدة مكررة، كقول زياد الأعجم:
стр. 75
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
فاللفظة المكررة هنا هي «كاهل» ومعناها في الشطر الأول من البيت «من يعتمد عليه في الملمات، يقال: فلان كاهل بني فلان أي معتمدهم في الملمات وسندهم في المهمات». وهي في الشطر الثاني: مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق.
...
أنواع المطابقة:
والمطابقة ثلاثة أنواع:
مطابقة الإيجاب.
مطابقة السلب.
وإيهام التضاد.
١ - فمطابقة الإيجاب: هي ما صرّح فيها بإظهار الضدين، أو هي ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا.
ومن أمثلتها بالإضافة إلى الأمثلة السابقة للمطابقة التي تأتي بلفظ الحقيقة قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وقوله أيضا:
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
ومنه أحاديث الرسول: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك» وقال: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة».
ومنه شعرا قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
стр. 76
وقول مسافع:
أبعد بني أمي أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسى على أثر مدبر؟
أولاك بنو خير وشر كليهما ... وأبناء معروف ألّم ومنكر
ومنه من الأقوال المأثورة: «غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله» و «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة».
٢ - ومطابقة السلب: وهي ما لم يصرح فيها بإظهار الضدين، أو هي ما اختلف فيها الضدان إيجابا وسلبا، نحو قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «يعلمون ولا يعلمون» وهي حاصلة بإيجاب العلم ونفيه، لأنهما ضدان.
ومن مطابقة السلب أيضا قول امرئ القيس:
جزعت ولم أجزع من البين مجزعا ... وعزّيت قلبي بالكواعب مولعا
فالمطابقة هي في الجمع بين «جزعت ولم أجزع» وهي حاصلة بإيجاب الجزع ونفيه.
ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا
٣ - إيهام التضاد: وهو أن يوهم لفظ الضد أنه ضد مع أنه ليس بضد، كقول الشاعر:
يبدي وشاحا أبيضا من سيبه ... والجو قد لبس الوشاح الأغبرا
فإن «الأغبر» ليس بضد «الأبيض» وإنما يوهم بلفظه أنه ضد. ومثله قول دعبل الخزاعي:
стр. 77
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فيكى
فإن «الضحك» هنا من جهة المعنى ليس بضد «البكاء»، لأنه كناية عن كثرة الشيب، ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة.
ومنه قول قريط بن أنيف:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
«فالظلم» ليس بضد «المغفرة» وإنما يوهم بلفظه أنه ضد.
وقول شاعر آخر:
وأخذت أطرار الكلام فلم تدع ... شتما يضر ولا مديحا ينفع
فضد المديح هو الهجاء وليس الشتم وإن كان قريبا من معناه، ولهذا فاستعماله ضدا للمديح هو من قبيل إيهام التضاد.
...
ظهور التضاد وخفاؤه:
والتضاد بين المعنيين قد يكون ظاهرا كما في الأمثلة السابقة، وقد يكون خفيا كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (١) فإدخال النار ليس ضد الإغراق في المعنى، ولكنه يستلزم ما يقابله وهو الإحراق؛ فإن من دخل النار احترق، والاحتراق ضد الغرق.
ومثله أيضا قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «أشداء ورحماء» فلفظة «رحماء» ليست ضدا في المعنى «لأشداء» ولكن الرحمة تستلزم
стр. 78
اللين المقابل للشدة، لأن من رحم لان قلبه ورق. ومن هذه الناحية الخفية صحت المطابقة.
ومنه شعرا قول الحماسي:
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لا أكلفهم رفدا (١)
ففي قوله «تتابع لي غنى» معنى الكثرة التي هي ضد القلة.
أما قول أبي الطيب المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم؟
فهو من المطابقة الفاسدة، لأن المجرم ليس بضد في المعنى للمحب بوجه ما، وليس للمحب ضد إلا المبغض.
بلاغة المطابقة:
وبلاغة المطابقة لا يكفي فيها الإتيان بمجرد لفظين متضادين أو متقابلين معنى، كقول الشاعر:
ولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغنى
فمثل هذه المطابقة لا طائل من ورائها لأن مطابقة الضد بالضد على هذا النحو أمر سهل. وإنما جمال المطابقة في
مثل هذه الحالة أن ترشح بنوع من أنواع البديع يشاركها في البهجة والرونق، كقوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. ففي العطف بقوله تعالى:
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال
стр. 79
العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده. وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الله. فهنا اجتمعت المطابقة الحقيقية ومبالغة التكميل.
ومثله قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال «معا» زادها تكميلا، فإن المراد بها قرب الحركة وسرعتها في حالتي الإقبال والإدبار، وحالة الكر والفر. فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الوقع الحسن في النفس.
ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد (١) البديعي، وبهذا اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد.
وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان
كأن رقاب الناس قالت لسيفه: ... رفيقك قيسيّ وأنت يماني (٢)
стр. 80
فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «قيسي ويماني» وقيسي منسوب إلى قيس من عدنان ويماني منسوب إلى اليمن من قحطان وكان بينهما شقاق وتنازع واختلاف، ومن هنا أتى التضاد بين «قيسي ويماني». والتورية في لفظة «يماني» لأن الشاعر يعني أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له: «يماني» فورّي به عن الرجل المنسوب إلى اليمن.
وقد أكثر الشعراء من استخدام المطابقة المجردة والارتفاع بجمالها وبلاغتها بما يضمونه إليها أو يكملونها أو يكسونها به من فنون البديع والبيان كالجناس واللف والنشر والتورية والتشبيه والاستعارة والتضمين.
المقابلة
يعد قدامة بن جعفر من أوائل من تكلموا عن «المقابلة» فقد ذكرها في معرض الحديث عن بعض الخصائص الأسلوبية التي تعلي من قيمة الشعر. قال قدامة: «والذي يسمى به الشعر فائقا، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسنا صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكلف، والمشاكلة في المطابقة.
وأضداد هذا كله معيبة تمجّها الآذان، وتخرج عن وصف البيان» (١).
وقد عرفها في كتابه «نقد الشعر» بقوله: وصحة المقابلة أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق أو المخالفة بين بعضها وبعض، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف على الصحة، أو يشرط شروطا أو يعدد أحوالا في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما
стр. 81
يخالف بضد ذلك (١) ومن أمثلته على ذلك قول الشاعر:
أموت إذا ما صد عني بوجهه ... ويفرح قلبي حين يرجع للوصل
وقد علّق قدامة على البيت بقوله: «فجعل ضد الموت فرح القلب، وضد الصد بوجهه الوصل، وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال:
أموت إذا ما صدّ عني بوجهه ... وأحيا إذا مل الصدود وأقبلا
فجعل جزاء الموت الحياة، وجزاء الصد بالوجه الإقبال لكان مصيبا» (٢).
وجاء أبو هلال العسكري بعد قدامة فعرف المقابلة بقوله: «هي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على وجه الموافقة أو المخالفة، نحو قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً، فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله مقابلة لمكرهم بأنبيائه وأهل طاعته» (٣).
وعرّف ابن رشيق القيرواني المقابلة بقوله: «هي ترتيب الكلام على ما يجب، فيعطى أول الكلام ما يليق به أولا وآخره ما يليق به آخرا، ويؤتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجيء المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة، مثال ذلك ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:
فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطويّ على الغلّ غادر
стр. 82
فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة» (١).
كذلك عرف الخطيب القزويني المقابلة في كتابه التلخيص بقوله:
«هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب» (٢) وهو يعني بالتوافق خلاف التقابل، نحو قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً.
ومن التعاريف السابقة يمكن القول بأن المقابلة هي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب.
والبلاغيون مختلفون في أمر المقابلة، فمنهم من يجعلها نوعا من المطابقة ويدخلها في إيهام التضاد، ومنهم من جعلها نوعا مستقلا من أنواع البديع، وهذا هو الأصح، لأن المقابلة أعم من المطابقة.
وصحة المقابلات تتمثل في توخي المتكلم بين الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني، لا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق. ومتى أخل بالترتيب كانت المقابلة فاسدة.
الفرق بين المطابقة والمقابلة:
والفرق بين المطابقة والمقابلة يأتي من وجهين: أحدهما أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، أما المقابلة فتكون غالبا بالجمع بين أربعة أضداد: ضدان في صدر الكلام وضدان في عجزه. وقد تصل المقابلة إلى الجمع بين عشرة أضداد: خمسة في الصدر وخمسة في العجز.
стр. 83
والثاني: أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، على حين تكون المقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكنها بالأضداد تكون أعلى رتبة وأعظم موقعا، نحو قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.
فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان، ثم قابلهما بضدين: هما السكون والحركة على الترتيب، ثم عبر عن الحركة بلفظ مرادف فاكتسب الكلام بذلك ضربا من المحاسن زائدا عن المقابلة؛ ذلك أنه عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل، لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة المصلحة دون المفسدة.
ومن أمثلة هذا النوع أيضا قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ*. فقد أتى في كل صدر الكلام وعجزه بضدين، ثم قابل الضدين في صدر الكلام بضدين لهما في العجز على الترتيب.
أنواع المقابلة:
والمقابلة تأتي على أربعة أنواع على النحو التالي:
١ - مقابلة اثنين باثنين: نحو قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً، ونحو قوله ﵇: (إن لله عبادا جعلهم مفاتيح الخير مغاليق الشر)، وقوله أيضا للأنصار: (إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع). وكقول رجل يصف آخر: «ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية».
ومن مقابلة اثنين باثنين في الشعر قول النابغة الجعدي:
فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
стр. 84
وقول المعري:
يا دهر يا منجز إيعاده ... ومخلف المأمول من وعده
ومن مليح هذه المقابلة وخفيها قول العباس بن الأحنف:
اليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك والساعة كالشهر
فقد قابل اليوم بالساعة، والحول بالشهر، لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر جزءا.
٢ - مقابلة ثلاثة بثلاثة: نحو قوله تعالى: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وقول علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان: «إن الحق ثقيل وبيّ، والباطل خفيف مريّ».
ومن أمثلتها شعرا قول أبي دلامة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
٣ - مقابلة أربعة بأربعة: نحو قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. وقوله: اسْتَغْنى مقابل لقوله: اتَّقى لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وذلك يتضمن عدم التقوى.
ومن مقابلة أربعة بأربعة أيضا قول أبي بكر الصديق في وصيته عند الموت: «هذا ما أوصى به أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها»، فقابل: أوّلا بآخر، والدنيا بالآخرة، وخارجا بداخل، ومنها بفيها.
ومنه شعرا قول أبي تمام:
стр. 85
يا أمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها
وقول جرير:
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماله
وقول ابن حجة الحموي:
قابلتهم بالرضا والسلم منشرحا ... ولوا غضابا فواحربي لغيظهمو
فالمقابلة هنا بين «قابلتهم وولوا» و «الرضى والغضب» و «السلم والحرب» و «الانشراح والغيظ».
٤ - ومن مقابلة خمسة بخمسة: قول الشاعر:
بواطئ فوق خد الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتم
فالمقابلة هنا بين «واطئ وطائر» لأن الواطئ هو الماشي على الأرض، والطائر هو السائر في الفضاء، وبين
«فوق وتخت» و «خد وذيل» لما بينهما من معنى العلو والسفل، و «الصبح والليل» و «مشتهر ومكتتم».
ومنه قول صفي الدين الحلي:
كان الرضا بدنوي من خواطرهم ... فصار سخطي لبعدي عن جوارهمو
فالمقابلة بين «كان وصار» و «الرضا والسخط» و «الدنو والبعد» و «من وعن» و «خواطرهم وجوارهم» على مذهب من يرى أن المقابلة تجوز بالأضداد وغيرها.
ومنه أيضا قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومقابلة «الليل بالصبح» لا تحسب إلا على المذهب القائل بجواز
стр. 86
المقابلة بين الأضداد وغيرها. أما على المذهب القائل بقصر المقابلة على الأضداد فقط فإن المقابلة بين «الليل والصبح» تكون غير تامة؛ لأن ضد الليل المحض النهار لا الصبح.
٥ - ومن مقابلة ستة بستة: قول الصاحب شرف الدين الأربلي:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
فالمقابلة هنا بين «على وفي» و «رأس ورجل» و «عبد وحر» و «تاج وقيد» و «عز وذل» و «يزينه ويشينه».
ويرى علماء البديع أن أعلى رتب المقابلة وأبلغها هو ما كثر فيه عدد المقابلات شريطة ألا تؤدي هذه الكثرة إلى التكلف أو توحي به.
كذلك يرون أن المقابلة بالأضداد أفضل وأتم، وهذا هو مذهب السكاكي؛ فالمقابلة عنده: أن تجمع بين شيئين فأكثر ثم تقابل ذلك بالأضداد، وإذا شرطت في أحد الشيئين أو الأشياء شرطا شرطت فيما يقابله ضده.
...
وبعد فلعلنا أدركنا الآن على ضوء دراستنا لكل من المطابقة والمقابلة مدى أثرهما في بلاغة الكلام. فكل منهما يضفي على القول رونقا وبهجة ويقوي الصلة بين الألفاظ والمعاني، ويجلو الأفكار ويوضحها شريطة أن تجري المطابقة أو المقابلة مجرى الطبع. أما إذا تكلفها الشاعر أو الأديب فإنها تكون سببا من أسباب اضطراب الأسلوب وتعقيده.
ومن صفات الأدب الجيد تلاحم أجزائه وائتلاف ألفاظه حتى كأن الكلام بأسره من حسن الجوار وشدة التلاحم كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد. وكما يتم هذا التلاحم عن طريق التشابه يتم
стр. 87
كذلك عن طريق التضاد، لأن المعاني يستدعي بعضها بعضا، فمنها ما يستدعي شبيهه، ومنها ما يستدعي مقابله، بل إن الضد أكثر خطورا على البال من الشبيه وأوضح في الدلالة على المعنى منه.
وعلى هذا كلما ظهرت المطابقة أو المقابلة في الكلام بدعوة من المعنى لا تطفلا عليه، كانت أنجح في أداء دورها المنوط بها في تحسين المعنى.
المبالغة
إذا نظرنا إلى المبالغة من الناحية التاريخية فإننا نجد أن عبد الله بن المعتز هو أول من تحدث عنها، فقد عدّها في كتابه «البديع» من محاسن الكلام والشعر، وعرّفها بأنها «الإفراط في الصفة»، ومثّل لها.
ويفهم من الأمثلة التي أوردها أن الإفراط في الصفة يأتي عنده على ضربين: ضرب فيه ملاحة وقبول، وآخر فيه إسراف وخروج بالصفة عن حد الإنسان.
فمن النوع الأول عنده قول إبراهيم بن العباس الصولي:
يا أخا لم أر في الناس خلّا ... مثله أسرع هجرا ووصلا
كنت لي في صدر يومي صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
ومن النوع الآخر المسرف قول الخثعميّ:
يدلي يديه إلى القليب فيستقي ... في سرجه بدل الرّشاء المكرب
وقول آخر يهجو رجلا:
تبكي السموات إذا ما دعا ... وتستعيذ الأرض من سجدته
стр. 88
إذا اشتهى يوما لحوم القطا ... صرّعها في الجو من نكهته (١)
...
ثم جاء بعد ابن المعتز قدامة بن جعفر فتحدث عن إفراط الصفة وعدّه من نعوت المعاني، وكان أول من أطلق عليه اسم «المبالغة».
وقد عرّفها بقوله: «المبالغة أن يذكر الشاعر حالا من الأحوال في شعر، لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد، وذلك مثل قول عمير التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا
فإكرامهم للجار ما كان فيهم- أي مدة إقامته بينهم- من الأخلاق الجميلة الموصوفة، واتباعهم الكرامة حيث كان
من المبالغة ...» (٢) ثم أورد بعض أمثلة أخرى للمحبوب منها والمكروه.
وفي كتابه «نقد النثر» تحدث عن الإسراف في المبالغة فقال: «ومما أسرف فيه الشاعر حتى أخرجه إلى الكذب والمحال، وهو مع ذلك مستحسن قول أبي نواس:
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني» (٣)
...
стр. 89
ومن بعد قدامة جاء أبو هلال العسكري فعرّف المبالغة بقوله:
«المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه، ومثاله من القرآن قول الله تعالى:
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى. ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والألف ...
وقوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، لو قال يحسبه الرائي لكان جيدا، ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن، لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص (١).
وبعد أن أورد أبو هلال بعض أمثلة من الشعر للمبالغة، تحدث عن نوع آخر منها فقال: «ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن يذكر المتكلم حالا لوقف عليها أجزأته في غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد في المعنى زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده، كقول عمير التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، واتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة» (٢).
وكلام أبي هلال هذا عن النوع الآخر من المبالغة هو في الواقع ترديد لرأي قدامة السابق في المبالغة واستشهاد ببعض أمثلته.
...
стр. 90
كذلك عرض ابن رشيق القيرواني للمبالغة، فذكر أنها ضروب كثيرة، وأن الناس فيها مختلفون: منهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها، ويراها الغاية القصوى في الجودة، وذلك مشهور من مذهب نابغة بني ذبيان، وهو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه وضحك من رديئه.
ومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيبا وهجنة في الكلام، وقد قال بعض حذاق نقد الشعر: إن المبالغة ربما أحالت المعنى، ولبّسته على السامع، فليست لذلك من أحسن الكلام ولا أفخره، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه، لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضا الإبانة والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع.
فإن العرب إنما فضلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور، وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة تكسبه بيانا، وتصوره في القلوب تصويرا. ولو كان الشعر هو المبالغة لكان المحدثون أشعر من القدماء، وقد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قرّبوه من فهم السامع بالاستعارات والمجازات التي استعملوها وبالتشكيك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أمّ سالم؟
فلو قال: أنت أم سالم، على نفي الشك بل لو قال: أنت أحسن من الظبية، لما حل من القلوب محل الشك، وكما قال جرير:
فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت: أيهم العبيد؟
فلو قال: «عبيدهم» أو «خير منهم» لما ظنّ به الصدق، فاحتال في تقريب المشابهة، لأن في قربها لطافة تقع في القلوب، وتدعو إلى التصديق.
والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر، إذا أعياه إيراد
стр. 91
معنى بالغ، فيشغل الإسماع بما هو محال، ويهوّل مع ذلك على السامعين، وإنما يقصدها من ليس بمتمكن من محاسن الكلام.
ويعلق ابن رشيق على الرأي السابق الذي أورده لأحد الحذاق بنقد الشعر قائلا: «وفي هذا الكلام كفاية وبلاغ، إلا أنه فيما يظهر من فحواه لم يرد إلا ما كان فيه بعد، وليس كل مبالغة كذلك.
فالغلو هو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها ويقع فيه الخلاف لا ما سواه ... ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيّبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام ...» (١).
...
أما السكاكي ومن جاراه من أمثال الخطيب القزويني فيعدون «المبالغة المقبولة» من محاسن الكلام وبديعه، ويعرفونها بقولهم: «والمبالغة أن يدّعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا، لئلا يظن أنه غير متناه فيه» (٢)، أي لئلا يتوهم أن أحدا من العقلاء يظن أن الوصف المدعى غير متناه في الشدة والضعف.
والسكاكي إذ يقيد المبالغة «بالمقبولة» إنما يشير بهذا القيد إلى الرد على من زعم أن المبالغة مردودة مطلقا، محتجا بأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق، وكان على منهج الصدق، كقول حسان بن ثابت:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وإلى الرد كذلك على من زعم أنها مقبولة مطلقا، وأن الفضل
стр. 92
مقصور عليها، والمحاسن كلها منسوبة إليها، محتجا بأن أحسن الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه.
وتنحصر المبالغة عند السكاكي في التبليغ والإغراق والغلو؛ لأن الوصف المدعى إن كان ممكنا عقلا وعادة فتبليغ كقول امرئ القيس في وصف فرسه:
فعادى عداء بين ثورة ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
فقد وصف فرسه بأنه طارد ثورا ونعجة من بقر الوحش وأنه أدركهما وقتلهما في طلق وشوط واحد من غير أن يعرق عرقا مفرطا يغسل جسده، أي أدركهما وصادهما دون معاناة مشقة ومقاساة شدة، وذلك أمر ممكن عقلا وعادة.
وإن كان الوصف ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، كقول عمير التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فالشاعر يدعي أن جاره لا يميل عنه إلى أي جهة إلا ويتبعه الكرامة. وهذا أمر ممكن عقلا لا عادة، أي أنه ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا.
وعند السكاكي ومدرسته أن هذين النوعين من المبالغة، أي التبليغ والإغراق مقبولان. أما إذا كان الوصف المدعى غير ممكن عقلا وعادة فهو الغلو، كقول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
فالغلو هنا هو في إسناد الخوف إلى النّطف غير المخلوقة، وهذا أمر ممتنع عقلا وعادة.
стр. 93
ويرى السكاكي أن من الغلو أصنافا مقبولة، منها ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة نحو لفظة «يكاد» التي تفيد عدم التصريح بوقوع المحال، نحو قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فإن إضاءة الزيت كإضاءة المصباح من غير أن تمسه النار محال عقلا. ولكن إدخال «يكاد» هنا أفاد أن المحال لم يقع ولكن قرب من الوقوع مبالغة.
ومن الغلو المقبول عنده أيضا ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، كقول المتنبي يمدح ابن عمار:
أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليه عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا (١)
فالمتنبي في البيت الثاني هنا ادّعى تراكم الغبار الكثيف المرتفع من سنابك الخيل فوق رؤوسها، بحيث صار أيضا يمكن سيرها عليها. وهذا ممتنع عقلا وعادة، لكنه تخيّل حسن.
وقد اجتمع الأمران؛ أي إدخال ما يقرب الغلو إلى الصحة وتضمن التخييل الحسن في قول القاضي الأرّجاني:
يخيّل لي أن سمّر الشهب في الدجى ... وشدّت بأهداب إليهن أجفاني
فالأرجاني يصف الليل هنا بالطول، فيقول: يخيل لي أن الشهب محكمة بالمسامير في الظلام لا تنتقل من مكانها، وأن أجفان عينيّ قد شدت بأهدابها إلى الشهب لطول سهري في ذلك الليل. وهذا تخييل حسن، ولفظ «يخيل» يزيده حسنا.
стр. 94
ومن الغلو المقبول أيضا ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة، كقول القائل:
أسكر بالأمس إن عزمت على الشر ... ب غدا إن ذا من العجب!
...
ومن كلام السكاكي السابق يتضح أن المبالغة المقبولة عنده هو ومن لفّ لفّه تنحصر في التبليغ، والإغراق، والغلو.
فإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، وإذا كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو.
كما يتضح أنه يرى أن هناك أصنافا من الغلو مقبولة، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة «يكاد»، ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، ومنها ما اجتمع فيه الأمران، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة.
فالسكاكي ومعه الخطيب القزويني يعدان المبالغة بأنواعها الثلاثة من تبليغ وإغراق وغلو فنا واحدا من فنون البديع المعنوي.
ولكننا نرى أن المتأخرين من أصحاب البديع يعدون كلا من المبالغة بمعنى التبليغ، والإغراق، والغلو فنا بديعيا قائما بذاته.
ولذلك فهم يقصرون المبالغة على التبليغ بمفهومه عند السكاكي، أي إمكان وقوع الوصف المدعى عقلا وعادة، أو كما يقولون في تعريفهم:
هي الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة.
واعتبار المتأخرين للمبالغة بأنواعها على أنها ثلاثة فنون بديعية مستقلة فيه تطوير لمفهوم، المبالغة، وهو أولى بالاتباع لأنه يميز كل فن عن الآخر، ويحول دون اختلاطها وتداخل بعضها في بعض.
стр. 95
ومن أجل ذلك يجدر بنا أن ندرس كلا منها على حدة للخروج بصورة واضحة المعالم لكل فن من هذه الفنون البديعية الثلاثة. والآن وقد تتبعنا تاريخ المبالغة وتطورها وفصلنا القول عن المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، فإننا نأتي على بعض أمثلة أخرى لها تزيدها وضوحا، ثم
ننتقل إلى دراسة كل من الإغراق والغلو على أنه فن بديعي مستقل بذاته.
فمن أمثلة المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، قوله تعالى في وصف أعمال الكافرين: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها.
فلو وقف الكلام عند أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ لكان المعنى تاما بليغا، ولكن ترادف الصفات بعد ذلك والإفراط فيها أضاف للمعنى ظلالا زادت من درجة الهول الذي يطالعنا من خلال هذه الصورة التي لونتها المبالغة تلوينا يرفعها في البلاغة إلى ذروة الإعجاز.
ومن الأمثلة أيضا قول ابن نباته السعدي في سيف الدولة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
ومنه قول ابن الرومي مبالغة في البخل:
لو أن قصرك يا ابن يوسف ممتل ... إبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل!
وقوله أيضا:
فتى على خبزه ونائله ... أشفق من والد على ولده
رغيفه منه حين تسأله ... مكان روح الجبان من جسده
стр. 96
ومنه قول زهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (١)
فزهير جعل لممدوحه على أعدائه في كل حال من أحوال البسالة والشجاعة فضلا ومبالغة.
ومنه قول أبي فراس الحمداني مفتخرا:
وإني لجرار لكل كتيبة ... معوّدة ألا يخل بها النصر
وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر
فاظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ونحن أناس لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
ومنه قول المتنبي مفتخرا:
إذا صلت لم أترك مصالا لصائل ... وإن قلت لم أترك مقالا لقائل
وقول آخر مادحا لآل المهلب:
نزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي
الإغراق
ذكرنا فيما سبق أن المبالغة المقبولة عند السكاكي تنحصر في التبليغ والإغراق والغلو. فإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، وإن كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو.
стр. 97
كذلك ذكرنا أن السكاكي عرف المبالغة المقبولة بقوله: «هي أن يدّعى لوصف بلوغه في الشدة والضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا».
وإذا تأملنا هذا التعريف وجدنا أنه ينطبق على نوعين فقط من أنواع المبالغة عند السكاكي هما: الغلو والإغراق. ذلك لأن الغلو هو المستحيل عقلا وعادة، والإغراق هو المستبعد وقوعه عادة لا عقلا.
وعلى ذلك فالإغراق في اصطلاح البديعيين: هو الوصف الممكن وقوعه عقلا لا عادة، أو بعبارة أخرى: هو الإفراط في وصف الشيء بما يمكن عقلا ويستبعد وقوعه عادة. ومن أمثلة ذلك قول عمير التغلبي السابق:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإكرامهم للجار مدة إقامته بينهم من الأخلاق الجميلة الموصوفة، ومدّه بالكرم عند رحيله وجعل هذا الكرم يتبعه ويشمله حيث كان وفي كل جهة يميل إليها هو الإغراق هنا. وهذا أمر ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا.
وكل من الإغراق والغلو لا يعدّ من محاسن القول وبديع المعنى إلا إذا دخل عليه أو اقترن به ما يقربه إلى الصحة والقبول، نحو «قد» للاحتمال، و «لو» و «لولا» للامتناع، و «كاد» للمقاربة، وما أشبه ذلك من أدوات التقريب.
ولم يقع شيء من الإغراق والغلو في القرآن الكريم ولا في الكلام الفصيح إلا بما يخرجه من باب الاستبعاد والاستحالة ويدخله في باب الإمكان، نحو: كاد ولو وما يجري مجراهما.
ومن أمثلة ذلك في الإغراق قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ
стр. 98
بِالْأَبْصارِ، إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، ولكنه يمتنع عادة. والذي زاد وجه الإغراق هنا جمالا هو تقريبه إلى الصحة بلفظة «يكاد»، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان.
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلفظة «لو» قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو «هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق» على حد قول ابن حجة الحموي.
ومما استشهد به أيضا على نوع الإغراق بلفظة «لو» التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل:
ولو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يدخل النار كافر
وقبل الحديث عن الإغراق في هذا البيت نذكر أن فيه نظرا من طرف خفي إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ فالجمل له معنيان: الذكر من الإبل والحبل الغليظ، وسم الخياط: ثقب الإبرة.
فالمعنى هنا أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، أي لا تقبل دعواتهم ولا أعمالهم، ولا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل بأي معنى من معنييه السابقين في ثقب الإبرة. وبما أن دخول الجمل المعروف أو الحبل الغليظ في ثقب الإبرة الضيق الصغير أمر بعيد فكذلك دخول هؤلاء المكذبين بآيات الله الجنة أمر مستبعد.
стр. 99
ولهذا المعنى نظر الشاعر في البيت السابق، فهو يريد أن يقول: لو كان ما به من الحب بجمل لأصابه النحول والضمور والهزال إلى حد يمكّنه من الدخول في سم الخياط، ولو تحقق دخول الجمل في سم الخياط لما بقي في النار كافر لزوال المانع لهم من دخول الجنة.
ودخول الجمل في سم الخياط لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة. فإن الله جلّت قدرته إذا شاء وسّع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل، وإذا شاء رقق الجمل حتى يصير كالخيط الرفيع فيدخل في سم الخياط. ومن ذلك يتبين أن الأمر غير مستحيل عقلا لكنه ممتنع عادة، وهذا غاية في الإغراق.
...
ومما استشهدوا به على الإغراق بغير أداة من أدوات التقريب قول امرئ القيس في وصف أنفاس صاحبته
عند النهوض من النوم:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... ... إذا غرد الطائر المستحر (١)
فامرؤ القيس يصف طيب رائحة فم صاحبته سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم بأنه شبيه بطيب الرائحة المنبعثة من روائح الخمر المشوبة بالماء النقي والخزامى والبخور مجتمعة. فإذا كانت هذه رائحة ثغرها عند نهوضها مبكرة من النوم، فكيف تظن رائحة ثغرها في هوادي الليل
стр. 100
وأوائله؟. فالإغراق في تشبيه طيب رائحة فم امرأة عند تغير الأفواه بعد النوم بالرائحة الناشئة من اختلاط رائحة الخمر المشوبة بالماء النقي برائحة الخزامى والبخور- أمر غير مستحيل عقلا لكنه ممتنع عادة.
ومن الإغراق في الوصف أيضا بغير أداة تقريب قول الشاعر:
قد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
فوصف الشخص بأنه لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه إغراق في الوصف ممتنع عادة، لكنه غير مستحيل عقلا.
ونظير هذا المعنى قول ابن حجة الحموي:
وقد تجاوز جسمي حد كل ضنى ... وها أنا اليوم في الأوهام تخييل
ونظيره أيضا قول شرف الدين عمر بن الفارض:
كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
ومنه قول صفي الدين الحلي في وصف معترك:
في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروى المواضي تربه بدم
فوصف المكان الذي يعترك فيه الفرسان بأن الخيل التي تحملهم وتعدو بهم هنا وهناك لا تثير غبارا فوقها لكثرة
ما ارتوى به تراب المعترك من الدماء التي أراقتها السيوف المواضي- أقول هذا الوصف فيه إغراق شديد، إذ لم تجر العادة أن ترتوي أرض معركة بالدم إلى هذا الحد، لكنه أمر غير مستحيل عقلا.
...
من كل ما تقدم يتضح أن الإغراق، وهو الوصف الممكن وقوعه عقلا لا عادة نوعان: إغراق في الوصف تدخل عليه أداة تقربه إلى
стр. 101
الصحة والقبول، وإغراق في الوصف مجرد من أدوات التقريب.
ولا شك أن المقارنة بين النوعين وعلى ضوء الشواهد السابقة تظهر أن الإغراق المقترن بأداة التقريب هو الأبلغ في وضوح الدلالة على المعنى وفي الإضافة إليه معنويا بما يكسبه رونقا وبهاء وقبولا.
ولكن على الرغم من كل شيء يبقى الإغراق بنوعيه فنا قائما بذاته من فنون البديع المعنوية.
الغلو
الغلو في أصل الوضع اللغوي مجاوزة الحد والقدر في كل شيء والإفراط فيه. وهو مشتق من المغالاة، ومن غلوة السهم بفتح الغين وسكون اللام، وهي مدى رميته، يقال: غاليت فلانا مغالاة وغلاء بكسر الغين، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم.
وقد عرفنا مما سبق أن المبالغة بمعنى التبليغ هي إمكان الوصف المدعى عقلا وعادة، وأن الإغراق هو إمكان الوصف المدعى عقلا لا عادة.
أما الغلو في اصطلاح البديعيين فهو: امتناع الوصف المدعى عقلا وعادة. وعلى هذا فإذا كان الإغراق فوق المبالغة بمعنى التبليغ في تجاوز الحد والإفراط في الصفة المدعاة، فإن الغلو فوق المبالغة والإغراق من هذه الناحية.
ولعل ابن رشيق القيرواني (١) من أوائل من توسعوا في بحث
стр. 102
«الغلو»، فقد تناوله في كتابه العمدة من جوانب متعددة ألّم فيها ببعض آراء سابقيه ومعاصريه وعلق عليها بما عنّ له شخصيا من آراء وأفكار.
فهو أولا يعارض من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا يرى ذلك إلا محالا،
لمخالفته الحقيقة وخروجه عن الواجب والمتعارف.
وهو يوافق الحذاق القائلين: «خير الكلام الحقائق، فإن لم تكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:
فلو أن ما أبقين مني معلقا ... بعود ثمام ما تأوّد عودها
فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذ شبّه، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه».
وأصح الكلام عند ابن رشيق ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله، فقد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق، فقال جلّ من قائل: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ.
كما أتى على تعريف قدامة «للغلو» وهو: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجا عن طباعه. وعلى هذا تأويل أصحاب التفسير قوله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، أي: كادت ...
كذلك أورد رأي القاضي الجرجاني (١) في الإفراط، وخلاصته أن الإفراط مذهب عام في المحدثين وموجود كذلك لدى الأوائل، وأن الناس مختلفون فيه: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وأن له رسوما متى وقف الشاعر عندها، ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت له
стр. 103
الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.
وللحاتمي (١) في الغلو رأي ذكره ابن رشيق وهو: «وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديئه.
وقد طعن قوم على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة».
ويعلق ابن رشيق على زعم القائلين بأن أبا تمام هو الذي توسع في باب الغلو وتبعه الناس بعد فيقول: «وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب- المتنبي- صرت إلى أكثر الناس غلوا، وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلى منه بيتا واحدا، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غنيّ، وله في غيره مندوحة كقوله:
يترشفن من فمي رشفات ... هنّ فيه أحلى من التوحيد
وإن كان له في هذا تأويل ومخرج بجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة بفيه ...» (٢).
...
стр. 104
بعد هذه المقتبسات من كتاب العمدة لا بن رشيق والتي تعرض فيها للغلو من بعض الجوانب نذكر أن رجال البديع يقسمون الغلو قسمين:
مقبول وغير مقبول:
١ - فالغلو الحسن المقبول عندهم هو ما دخل عليه أو اقترن به أداة من الأدوات التي تقربه إلى الصحة والقبول من نحو: «قد» للاحتمال، و «لو» و «لولا» للامتناع، و «كأنّ» للتشبيه، و «يكاد» للمقاربة، وما أشبه ذلك.
ومن أمثلة الغلو الحسن المقبول لاقترانه بأداة من أدوات التقريب قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فإن إضاءة الزيت من غير مسّ نار مستحيلة عقلا، ولكن لفظة «يكاد» قربته فصار مقبولا. ولهذا يجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة.
ومن أمثلة الغلو المقبول أيضا قول المعري:
تكاد قسيّه من غير رام ... تمكن من قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا
فالقسي التي تسدد نبالها إلى القلوب من غير رام، والسيوف التي تنسل إلى الرقاب فتعمل فيها من غير أن تسلّ من أغمادها أمران مستحيلان عقلا وعادة، ولكن الذي حسّن هذا الغلو وجعله مقبولا هو دخول لفظة «تكاد» التي صيرت ما بعدها قريب الوقوع لا واقعا فعلا كما كان الشأن قبل تدخلها.
وعلى هذا النحو يمكن تفسير الغلو الحسن المقبول الذي دخلت عليه «يكاد» في قول ابن حمديس يصف فرسا:
стр. 105
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
وقول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقول أبي صخر:
تكاد يدي تندي إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النّضر
ومن الغلو الحسن المقبول لدخول أداة الامتناع «لو» عليه قول البحتري في مدح الخليفة المتوكل:
ولو أن مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليه المنبر
فسعى المنبر إلى الخليفة الممدوح تعبيرا عن اشتياقه له عند ما يعلوه ليخطب في الناس إفراط في الغلو قرّبه إلى الصحة والقبول لفظة «لو».
ومن هذا الضرب من الغلو المقبول قول أبي الطيب في ممدوحه:
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيّيه إليك الأغصنا
فمد الأشجار أغصانها تحية للممدوح عند مروره بها أمر مستحيل لامتناعه عقلا وعادة، لكن الذي حسّن هذا الغلو وجعله مقبولا هو دخول «لو» التي أفادت امتناع وقوع هذا الأمر المستحيل لامتناع أن تعقل الأشجار.
والمتنبي كما يقول ابن رشيق من أكثر الشعراء ولعا بالغلو وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلى منه بيتا واحدا. ومما جاء عنده أيضا من هذا الغلو المقبول لدخول «لو» عليه، قوله مخاطبا طللا:
لو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غير ما بك أيها الرجل
стр. 106
وقوله مفتخرا:
ولو برز الزمان إليّ شخصا ... لخضب شعر مفرقه حسامي (١)
وقوله في قبيلة الممدوح:
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا (٢)
ومن الغلو المقبول والأداة المقربة إلى الصحة «لولا» قول أبي العلاء المعري يصف سيف ممدوحه:
يذيب الرعب منه كلّ عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا (٣)
فالمعنى هنا أولا: أن سيفك أيها الممدوح تهابه السيوف وتصاب بالرعب والفزع منه كما يهابك الرجال ويصابون بالرعب والفزع منك، وأشد ما يجوز على السيف أن يسيل حديده ولولا الغمد يمسكه لظهر سيلانه.
فذوبان كل سيف إلى حد السيلان في غمده بباعث الرعب من سيف الممدوح أمر ممتنع عقلا وعادة. ولكن تدخّل «لولا» التي أفادت امتناع سيلان هذا السيف الذائب لوجود غمده الذي يمسكه عن السيلان قد جعلت هذا الغلو
المفرط في المعنى مقبولا.
...
стр. 107
٢ - أما الغلو غير المقبول فيتمثل في المعنى الذي يمتنع عقلا وعادة مع خلوه من أدوات التقريب التي تدنيه إلى الصحة والقبول. فمن أمثلة ذلك قول المتنبي مادحا:
فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيئ بعضه الرأي أجمع (١)
فعلى ما في البيت من بعض التعقيد الناشئ عن التقديم والتأخير الذي اقتضاه الوزن يريد المتنبي أن يقول: إن هذا الممدوح فتى رأيه في أحوال زمانه بقدر ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء يعادل جزء منه كل ما لدى الناس من الرأي.
فوجود إنسان رأيه على النحو الذي صوره الشاعر ممتنع عقلا وعادة، وهو غلو غث لا يدعو إلى الإعجاب به بل إلى التعجب منه!
ومنه أيضا مادحا:
ونفس دون مطلبها الثريا ... وكف دونها فيض البحار
ومنه قول أبي نواس في وصف الخمر:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها: قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي
فسطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفّافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة، فهو غلو مفرط.
...
ومراتب القبول في الغلو تتفاوت إلى الحد الذي تؤول بقائلها إلى الكفر، فمن ذلك قول أبي نواس مادحا:
стр. 108
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق
وهذا كما لا يخفى أمر مستحيل، لأن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة.
ومنه قول ابن هانئ الأندلسي في مطلع قصيدة يمدح بها المعز لدين الله الفاطميّ:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
فادعاء أن مشيئة المعز فوق مشيئة الأقدار وأنه هو الواحد القهار غلو يوهم الكفر.
ومنه قول المتنبي في مدح سيف الدولة:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
فعلم الغيب مما استأثر الله به، فالزعم بأن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب إفراط في الغلو يؤول بقائله إلى الكفر.
الإيغال
والإيغال ضرب من المبالغة، إلّا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها.
والإيغال مشتق من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض إذا أبعد فيها. وقيل إنه سرعة الدخول في الشيء يقال: أوغل في الأمر إذا دخل فيه بسرعة.
فعلى القول الأول كأن الشاعر قد أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الدخول في المبالغة بمبادرته القافية.
والإيغال الذي هو ضرب من المبالغة مقصور على القوافي يعني أن
стр. 109
الشاعر إذا انتهى إلى آخر البيت استخرج قافية يريد بها معنى زائدا، فكأنه قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع من المبالغة مما فرّعه قدامة بن جعفر وعرّفه بقوله: «هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت» (١).
وعرف أبو هلال العسكري الإيغال بقوله: «هو أن يستوفي معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا حسنا» (٢).
سئل الأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، فسئل: نحو من؟ فقال:
نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (٣)
فقد تم المثل- أي التشبيه- بقوله: «وأوهى قرنه» فلما احتاج إلى القافية قال «الوعل». فسئل: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنّة الجبل على قرنه فلا يضيره.
ثم سئل: نحو من؟ قال: نحو ذي الرّمة بقوله:
стр. 110
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل (١)
ففي البيت الأول تمم الشاعر كلامه بقوله «كأخلاق الرداء» ثم احتاج إلى القافية، فقال «المسلسل» فزاد شيئا على المعنى.
وفي البيت الثاني تمّ كلامه بقوله «كتبديد الجمان» ثم احتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدا وهو «المفصل» (٢).
ويقال: إن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى، أي الإيغال، وذلك بقوله يصف الفرس:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب (٣)
فالمعنى هنا أن الفرس إذا أجرى شوطين وابتلّ جانبه من العرق سمعت له صوتا وخفقا كخفق الريح إذا مرّت بشجر الأثأب. فالشاعر بالغ في وصف الفرس وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شوطين ويبتل عطفه بالعرق، وقد تم المعنى بقوله «مرت» ثم زاد إيغالا في صفته بذكر الأثأب الذي يكون للريح في أضعاف أغصانه
حفيف عظيم وشدة صوت.
وعلى هذا فإذا كانت لفظة «أثأب» قد استدعتها القافية ليكون الكلام شعرا، فإنها في الوقت ذاته أفادت معنى زائدا، وهو المبالغة في شدة