١ - مثال ذلك لفظة «كوكبا» في قول التهامي الشاعر راثيا ابنا صغيرا له:
يا «كوكبا» ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
ففي إجراء هذه الاستعارة يقال: شبّه الابن «بالكوكب» بجامع صغر الجسم وعلو الشأن في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «الكوكب» للمشبه «الابن» على سبيل الاستعارة التصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به. والقرينة نداؤه.
وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «الكوكب» رأيناه اسما جامدا غير مشتق، ومن أجل ذلك يسمى هذا النوع من الاستعارة «استعارة أصلية».
٢ - ومثاله أيضا لفظة «القيان» في قول الشاعر:
حول أعشاشها على الأشجار ... قد سمعن «القيان» وهي تغني
وفي إجراء هذه الاستعارة أيضا يقال: شبّهت الطيور المغردة على الأشجار «بالقيان» أي المغنيات بجامع حسن الصوت في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «القيان» للمشبه «الطيور» على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي قوله: «حول أعشاشها على الأشجار».
وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «القيان» جمع قينة رأيناه اسما جامدا غير مشتق. ولهذا يسمى هذا النوع من الاستعارة التي يكون فيها اللفظ المستعار اسما جامدا «استعارة أصلية».
٣ - ومن الاستعارة الأصلية كذلك لفظة «حديقة» في قول المتنبي:
حملت إليه من لساني «حديقة» ... سقاها الحجا سقي الرياض السحائب
стр. 177
فالاستعارة هنا في لفظة «حديقة»، وفي إجراء الاستعارة يقال: شبّه الشعر «بالحديقة» بجامع الجمال في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «الحديقة» للمشبه «الشعر» على سبيل الاستعارة التصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به. والقرينة «من لساني وسقاها الحجا».
وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «الحديقة» رأيناه كذلك اسما جامدا غير مشتق، ومن أجل ذلك تسمى «استعارة أصلية».
ومن إجراء هذه الاستعارات وتحليلها يتجلى لنا أمران: الأول أنه قد صرّح في كل استعارة بلفظ المشبه به، ولهذا
تسمى الاستعارة «تصريحية»، والثاني أن اللفظ المستعار اسم جامد غير مشتق، وبسبب ذلك تسمى الاستعارة «أصلية».
ومن أجل ذلك تسمى هذه الاستعارات وأمثالها مما يتوافر له هذا الأمر أن «استعارة تصريحية أصلية».
...
ب- الاستعارة التبعية: وهي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسما مشتقا أو فعلا.
١ - مثال ذلك لفظة «سكت» من قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ.
ففي هذه الآية الكريمة استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به، وفي إجرائها نقول: شبه انتهاء الغضب عن موسى «بالسكوت» بجامع الهدوء في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به وهو «السكوت» للمشبه وهو «انتهاء الغضب»، ثم اشتق من «السكوت» بمعنى انتهاء الغضب «سكت» الفعل بمعنى انتهى.
стр. 178
٢ - ومثالها أيضا لفظة «عانقت» في قول البحتري يصف قصرا:
ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر
ففي هذا البيت استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبّه به، واللفظ المستعار هو فعل «عانقت»، وفي إجراء الاستعارة نقول:
شبهت الملامسة «بالمعانقة» بجامع الاتصال في كل، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو «المعانقة» للمشبه وهو «الملامسة»، ثم اشتق من «المعانقة» بمعنى الملامسة الفعل «عانقت» بمعنى لامست. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «شرفاته».
٣ - ومن أمثلتها كذلك لفظ «لبس» من قول ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصّبا ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد
ففي لفظة «لبس» أولا استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به، واللفظ المستعار هنا هو فعل «لبس»، وفي إجراء الاستعارة نقول: شبّه فيها التمتع باللهو «باللبس» للثوب الجديد بجامع السرور في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به وهو «اللبس» للمشبه وهو التمتع باللهو، ثم اشتق من «اللبس» الفعل «لبس» بمعنى تمتع. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «ثوب اللهو».
...
وإذا وازنّا بين إجراء الاستعارات الثلاث الأخيرة وإجراء الاستعارات الثلاث الأولى، رأينا أن الإجراء هنا لا ينتهي عند استعارة المشبه به للمشبه كما انتهى في الاستعارات الثلاث الأولى، بل يزيد عملا
стр. 179
آخر، وهو اشتقاق كلمة من المشبه به، وأن ألفاظ الاستعارة هنا مشتقة لا جامدة. وهذا النوع من الاستعارة يسمى «بالاستعارة التبعية»، لأن جريانها في المشتق كان تابعا لجريانها في المصدر.
...
وإذا رجعنا إلى المثال الأول من الأمثلة الثلاثة الأخيرة وهو «ولما سكت عن موسى الغضب» فإننا نرى أنه يجوز أن يشبّه «الغضب» بإنسان، ثم يحذف المشبه به «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «سكت»، فتكون في «الغضب» استعارة «مكنية».
وإذا رجعنا إلى المثال الثاني منها وهو «وعانقت شرفاته قطع السحاب الممطر» فإننا نرى أنه يجوز أيضا أن تشبه «شرفات القصر» بإنسان ثم يحذف المشبه به «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «عانقت»، فتكون في «شرفاته» استعارة «مكنية».
وإذا رجعنا إلى المثال الثالث والأخير منها وهو «ولبست ثوب اللهو» فإننا نرى كذلك أنه يجوز أن يشبه «اللهو» بإنسان له ثوب أعاره الشاعر ثم يحذف المشبه به وهو «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «الثوب».
ومن ذلك نرى أن كل استعارة «تبعية» يصحّ أن يكون في قرينتها استعارة «مكنية»، غير أنه لا يجوز لنا إجراء الاستعارة إلا في واحدة منهما لا في كلتيهما معا.
وبعد ... فلعلّ من المفيد هنا أن نعود فنلخص القواعد الخاصة بهذا القسم من الاستعارة زيادة في الإيضاح وتمكينا من الإلمام بها.
стр. 180
١ - يقسّم البلاغيون الاستعارة تقسيما آخر باعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية.
٢ - الاستعارة الأصلية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسما جامدا غير مشتق.
٣ - الاستعارة التبعية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسما مشتقا أو فعلا. وتسمى تبعية لأن جريانها في المشتق يكون تابعا لجريانها في المصدر.
٤ - كل استعارة تبعية قرينتها استعارة مكنية، وإذا أجريت الاستعارة في واحدة منهما امتنع إجراؤها في الأخرى.
٣ - الاستعارة باعتبار الملائم
ذكرنا فيما سبق أن الاستعارة تنقسم باعتبار طرفيها إلى تصريحية ومكنية، وباعتبار اللفظ المستعار إلى أصلية وتبعية، وهنا نذكر أنها تقسم باعتبار الملائم تقسيما ثالثا إلى مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
١ - فالاستعارة المرشحة: هي ما ذكر معها ملائم المشبه به، أي المستعار منه.
ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ.
ففي هذه الآية الكريمة استعارة تصريحية في لفظة «اشتروا» فقد استعير «الاشتراء» «للاختيار» بجامع أحسن الفائدة في كل، والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «الضلالة».
وإذا تأملنا هذه الاستعارة رأينا أنه قد ذكر معها شيء يلائم المشبه
стр. 181
به «الاشتراء»، وهذا الشيء هو «فما ربحت تجارتهم». ومن أجل ذلك تسمى «استعارة مرشحة» ..
ومن أمثلة الاستعارة المرشحة أيضا قول الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا (١)
ففي هذا البيت استعارة مكنية في «الدهر» فقد شبه الدهر بجمل ثم حذف المشبه به «الجمل» ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «الكلاكل»، وقد تمت لهذه الاستعارة قرينتها وهي «إثبات الكلاكل للدهر».
وإذا تأملنا هذه الاستعارة المكنية التي استوفت قرينتها رأينا أنها قد ذكر معها شيء يلائم المشبه به «الجمل»، وهذا الشيء هو «أناخ بآخرينا». ولهذا تسمى استعارة «مرشحة».
من ذلك يتضح أن الاستعارة سواء أكانت تصريحية أم مكنية إذا استوفت قرينتها وذكر معها ما يلائم المشبه به فإنها تسمى استعارة «مرشحة».
...
٢ - والاستعارة المجردة: هي ما ذكر معها ملائم المشبه، أي المستعار له.
أ- ومن أمثلة ذلك قول القائل: «لا تتفكهوا بأعراض الناس، فشرّ الخلق الغيبة».
ففي قوله: «لا تتفكهوا» استعارة تصريحية تبعية، فقد شبّه فيها
стр. 182
«التكلم في الأعراض» «بالتفكه» بجامع أن بعض النفوس قد تميل إلى كل، ثم اشتق من «التفكه» تفكه بمعنى تكلم في العرض، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «بأعراض الناس».
وإذا تأملنا الاستعارة رأينا أنه قد ذكر معها شيء يلائم المشبه «التكلم في الأعراض»، وهذا الشيء هو «فشرّ الخلق الغيبة» ولهذا السبب يقال إن الاستعارة «مجردة».
ب- ومن أمثلة الاستعارة المجردة أيضا قول سعيد بن حميد:
وعد «البدر» بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري
ففي البيت استعارة تصريحية أصلية في كلمة «البدر» حيث شبهت المحبوبة «بالبدر» بجامع الحسن في كل، ثم استعير المشبه به «البدر» للمشبه «المحبوبة» على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية. والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هنا لفظية، وهي «وعد».
فالاستعارة قد استوفت قرينتها، ولكن إذا تأملناها رأينا أنه قد ذكر معها شيء يلائم المشبه «المحبوبة»، وهذا الشيء هو «الزيارة والوفاء بها».
ولذكر ملائم المشبه مع الاستعارة تسمى استعارة «مجردة».
ج- ومن أمثلها كذلك قول القائل: «رحم الله امرأ ألجم نفسه بإبعادها عن شهواتها».
ففي لفظة «نفسه» استعارة مكنية، فقد شبّهت «النفس» «بجواد» بجامع أن كلّا منهما يكبح، ثم حذف المشبه به «الجواد» ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «ألجم». والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هي «إثبات الإلجام للنفس».
стр. 183
وإذا تأملنا هذه الاستعارة التي استوفت قرينتها رأينا أنها تشتمل بالإضافة إلى ذلك على شيء يلائم المشبه «النفس» وذلك الشيء هو «إبعادها عن شهواتها». فذكر الإبعاد عن الشهوات وهو ملائم المشبه تجريد. ومن أجل ذلك تسمى الاستعارة «مجردة».
وهكذا يتضح من تحليل الاستعارات الثلاث السابقة، أن الاستعارة مطلقا إذا استوفت قرينتها وذكر معها ما يلائم المشبه فإن الاستعارة بسبب ذلك تسمى استعارة «مجردة».
...
٣ - والاستعارة المطلقة: هي ما خلت من ملائمات المشبه به والمشبه، وهي كذلك ما ذكر معها ما يلائم المشبه به والمشبه معا.
أ- فمن أمثلة الاستعارة المطلقة قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ. ففي لفظة «طغى» استعارة تصريحية تبعية، فقد شبّه فيها «الزيادة» «بالطغيان» بجامع تجاوز الحد في كل، ثمّ اشتقّ من «الطغيان» الفعل طغى بمعنى زاد على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «الماء».
وإذا تأملنا هذه الاستعارة بعد استيفاء قرينتها رأيناها خالية مما يلائم المشبه به والمشبه. ولهذا تسمى استعارة «مطلقة».
ب- ومن أمثلتها أيضا قول المتنبي يخاطب ممدوحه:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل (١)
ففي هذا البيت استعارة تصريحية في كل من: «بدر» و «بحر»
стр. 184
و «غمامة» و «ليث الشرى» و «حمام». فالمشبه هنا الممدوح، والمشبه به هو «البدر» مرة، و «البحر» مرة ثانية، و «الغمامة» مرة ثالثة، و «ليث الشرى» مرة رابعة، و «الحمام» مرة خامسة. والقرينة في كل استعارة هي النداء.
إذا تأملنا كل استعارة من هذه الاستعارات بعد استيفاء قرينتها رأيناها كذلك خالية مما يلائم المشبه به والمشبه. ولهذا السبب تسمى استعارة «مطلقة».
ج- ومن أمثلة الاستعارة المطلقة كذلك قول قريظ بن أنيف:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا (١)
ففي لفظة «الشر» استعارة مكنية، وفي إجرائها يقال: شبه الشر «بحيوان مفترس»، ثمّ حذف المشبه به «الحيوان المفترس» ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «أبدى ناجذيه». والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هي «إثبات إبداء الناجذين للشر».
وهذه الاستعارة التي استوفت قرينتها قد خلت من كل ما يلائم المشبه والمشبه به، ومن أجل ذلك تسمى استعارة «مطلقة».
د- ومن أمثلتها كذلك قول كثير عزة:
رمتني «بسهم» ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح
ففي لفظة «سهم» استعارة تصريحية أصلية، ويقال في إجرائها: شبه «الطرف» بسكون الطاء «بالسهم» بجامع الإصابة بالضرر والأذى، ثمّ
стр. 185
استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو «السهم» للمشبه وهو «الطرف» على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية.
والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «الكحل».
وإذا تدبرنا هذه الاستعارة التي استوفت قرينتها رأينا أنّه قد اقترن بها ملائم للمشبه به «السهم» وهو «الريش»، وكذلك ملائم للمشبه «الطرف» وهو «الكحل». ولهذا السبب الذي يتمثل في اقتران الاستعارة بما يلائم المشبه به والمشبه معا تسمى الاستعارة أيضا «مطلقة».
وهكذا يتضح من تحليل الاستعارة في الأمثلة السابقة أيضا أنّ الاستعارة مطلقا إذا استوفت قرينتها يقال لها استعارة «مطلقة» في حالين:
الأولى إذا خلت من ملائمات المشبه به والمشبه، والثانية إذا ذكر معها ما يلائمها معا.
هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق، لاشتماله على تحقيق المبالغة في الاستعارة، ولهذا كان مبنى الترشيح على أساس تناسي التشبيه والتصميم على إنكاره إلى درجة استعارة الصفة المحسوسة للمعنوي وجعلها كأنّها ثابتة لذلك المعنوي حقيقة، وكأنّ الاستعارة لم توجد أصلا، وذلك كقول أبي تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأنّ له حاجة في السماء
فقد استعار لفظ العلو المحسوس لعلو المنزلة، ووضع الكلام وضع من يذكر علوا مكانيا، ولولا أنّ قصده أن يتناسى التشبيه ويصمم على إنكاره فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه (١).
стр. 186
هذا وفيما يلي تجميع للمتفرق هنا من القواعد البلاغية المتصلة بهذا النوع من الاستعارة:
١ - تنقسم الاستعارة باعتبار الملائم إلى مرشحة ومجردة ومطلقة.
٢ - الاستعارة المرشحة: ما ذكر معها ملائم المشبه به، أي المستعار منه.
٣ - الاستعارة المجردة: ما ذكر معها ملائم المشبه، أي المستعار له.
٤ - الاستعارة المطلقة: ما خلت من ملائمات المشبه به والمشبه، وكذلك ما ذكر معها ما يلائمهما معا.
٥ - لا يعتبر الترشيح أو التجريد إلّا بعد استيفاء الاستعارة لقرينتها لفظية أو حالية، ومن أجل ذلك لا تسمى قرينة التصريحية تجريدا، ولا قرينة المكنية ترشيحا.
٤ - الاستعارة التمثيلية
تنقسم الاستعارة من حيث الإفراد والتركيب إلى مفردة ومركبة.
فالمفردة هي ما كان المستعار فيها لفظا مفردا كما هو الشأن في الاستعارة التصريحية والمكنية.
أمّا المركبة فهي ما كان المستعار فيها تركيبا، وهذا النوع من الاستعارة يطلق عليه البلاغيون اسم «الاستعارة التمثيلية». وهم يعرفونها بقولهم: «الاستعارة التمثيلية تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي».
стр. 187
واستجلاء لحقيقة هذه الاستعارة نورد فيما يلي بعض الأمثلة لها معقّبين عليها بالشرح والتحليل.
...
الأمثلة:
١ - قال المتنبي:
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا
«يقال لمن لم يرزق الذوق لفهم الشعر الرائع».
فهذا البيت يدل وضعه الحقيقي على أنّ المريض الذي يصاب بمرارة في فمه إذا شرب الماء العذب وجده مرا. ولكن المتنبي لم يستعمله في هذا المعنى بل استعمله فيمن يعيبون شعره لعيب في ذوقهم الشعري، وضعف في إدراكهم الأدبي، فهذا التركيب مجاز قرينته حالية، وعلاقته المشابهة، والمشبه هنا حال المولعين بذمه والمشبه به حال المريض الذي يجد الماء الزلال مرا في فمه.
ولذلك يقال في إجراء هذه الاستعارة: شبهت حال من يعيبون شعر المتنبي لعيب في ذوقهم الشعري بحال المريض الذي يجد الماء العذب الزلال مرا في فمه بجامع السّقم في كلّ منهما، ثمّ استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي قرينة حالية تفهم من سياق الكلام.
...
٢ - قال الشاعر:
ومن ملك البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد
стр. 188
«يقال لمن يبعثر فيما ورثه عن والديه».
فالمعنى الحقيقي للبيت هنا هو أنّ من يستولي على بلاد بغير تعب وقتال يهون عليه تسليمها لأعدائه. والشاعر لم يستعمل البيت في هذا المعنى الحقيقي، وإنّما استعمله مجازيا للوارث الذي يبعثر فيما ورثه عن والديه لعلاقة
مشابهة بينهما ولقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
إذن في هذا التركيب الذي اشتمل عليه البيت استعارة، وإذا شئنا إجراءها قلنا: شبهت حال الوارث الذي يبعثر فيما ورثه عن والديه بحال من استولى على بلاد بغير تعب وقتال فهان عليه تسليمها لأعدائه، بجامع التفريط فيما لا يتعب في تحصيله في كل، ثمّ استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية. والقرينة حالية.
...
٣ - لا تنثر الدر أمام الخنازير.
«يقال لمن يقدم النصح لمن لا يفهمه أو لمن لا يعمل به».
المعنى الحقيقي لهذا التركيب هو النهي عن نثر الدر أمام الخنازير.
وهذا التركيب لم يستعمل للدلالة على هذا المعنى الحقيقي، وإنّما استعمل مجازيا لمن يقدم النصح لمن لا يفهمه أو لمن لا يعمل به، لعلاقة مشابهة بينهما. والقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
فالتركيب هنا استعاري وفي إجراء استعارته يقال: شبهت حال من يقدم النصح لمن لا يفهمه أو لمن لا يعمل به بحال من ينثر الدرّ أمام الخنازير، بجامع أنّ كليهما لا ينتفع بالشيء النفيس الذي ألقي إليه، ثمّ استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة
стр. 189
التمثيلية. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي قرينة حالية تفهم من سياق الكلام.
...
٤ - قال المتنبي:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
«يقال مثلا للتاجر اختار مشرفا على متجره فنهبه واغتاله».
فالمعنى الحقيقي للبيت أنّ من اتّخذ الأسد وسيلة للصيد افترسه الأسد في جملة ما افترس. والمتنبي لم يستعمل البيت في هذا المعنى الحقيقي، وإنّما استعمله مجازيا للتاجر اختار مشرفا على متجره فنهبه واغتاله، لعلاقة مشابهة بين الحالين، ولقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
وعلى هذا يكون البيت بتركيبه قد اشتمل على استعارة يقال في إجرائها: شبهت حال التاجر اختار مشرفا على متجره فنهبه واغتاله بحال من اتّخذ الأسد وسيلة للصيد فافترسه في جملة ما افترس من الصيد، بجامع سوء البصر بما يستخدم ورجاء الخير مما طبع على الشر. ثمّ استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية.
والقرينة هنا كالقرائن السابقة حالية تفهم من سياق الكلام.
...
من هذا التحليل يتضح أنّ كل مثال من الأمثلة السابقة قد تألف من تركيب استعمل في غير معناه الحقيقي، وأنّ العلاقة بين معناه المجازي ومعناه الحقيقي هي المشابهة، وأنّ هناك دائما قرينة تمنع من إرادة المعنى
стр. 190
الحقيقي، وأنّ التركيب الذي تتوافر له كل هذه الحقائق يسمى استعارة تمثيلية.
وما من شك في أنّ كل ذلك يوضح ويؤكد ما سبق أن ذكرناه في مستهل هذا الموضوع من أنّ الاستعارة التمثيلية هي تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
مكان الاستعارة من البلاغة
الاستعارة صورة من صور التوسع والمجاز في الكلام، وهي من أوصاف الفصاحة والبلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى.
وإذا كان البلاغيون ينظرون إلى المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية على أنّها عمد الإعجاز وأركانه، وعلى أنّها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، وتوجب الفضل والمزية، فإنّهم يجعلون المجاز والاستعارة عنوان ما يذكرون وأوّل ما يوردون.
وكما يقول عبد القاهر الجرجاني إنّ فضيلة الاستعارة الجامعة تتمثل في أنّها تبرز البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وإنّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد ...
ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها: أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدّة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر ... (١).
стр. 191
ومن خصائصها كذلك التشخيص والتجسيد في المعنويات، وبث الحركة والحياة والنطق في الجماد، وقد التفت الجرجاني إلى شيء من ذلك بقوله: «فإنّك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية ... وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني
اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنّها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها» (١).
يقول الله تعالى في تصوير العذاب الذي أعدّه للكافرين به:
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ؟. (٢)
«فالشهيق» في الآية الكريمة قد استعير «للصوت الفظيع» وهما لفظتان و «الشهيق» لفظة واحدة، فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان.
و «تميز» استعير للفعل «تنشق من غير تباين» والاستعارة أبلغ، لأنّ التميز في الشيء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره وصائرا على حدّته، وهو
стр. 192
أبلغ من الانشقاق، لأنّ الانشقاق قد يحدث في الشيء من غير تباين.
واستعارة «الغيض» لشدّة الغليان أوجز وأبلغ في الدلالة على المعنى المراد، لأنّ مقدار شدّته على النفس مدرك محسوس، ولأنّ الانتقام الصادر عن المغيظ يقع على قدر غيظه، ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة (١).
فالاستعارات هنا قد حققت غرضين من أغراض الاستعارة هما الإيجاز والبيان، كما تضافرت معا في رسم نار جهنم وإبرازها في صورة تنخلع القلوب من هولها رعبا وفزعا، صورة مخلوق ضخم بطاش، هائل جبار، مكفهر الوجه عابس يغلي صدره غيظا وحقدا.
فالاستعارة هي التي لوّنت المعاني الحقيقية في الآية كل هذا التلوين، وهي التي بثّت فيها كل هذا القدر من التأثير الذي ارتفع ببلاغتها إلى حد الإعجاز.
ومن خصائص الاستعارة المبالغة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة كقوله تعالى في الإخبار عن الظالمين ومقاومتهم لرسالة رسوله:
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ على قراءة من نصب «لتزول» بلام كي.
«فالجبال» ههنا استعارة طوي فيه ذكر المستعار له وهو أمر الرسول، ومعنى هذا أنّ أمر الرسول وما جاء به من الآيات المعجزات قد شبه بالجبال، أي أنّهم مكروا مكرهم لكي تزول منه هذه الآيات المعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال.
فجمال المبالغة الناشئة عن الاستعارة هنا هو في إخراج ما لا يدرك
стр. 193
إلى ما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر عنه وتفخيما له إذ صير بمنزلة ما يدرك ويشاهد ويعاين.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. فاستعار «الأودية» للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، وإنّما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها، لأنّ معاني الشعر تستخرج بالفكر والروية، والفكر والروية فيهما خفاء وغموض، فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق لإبراز ما لا يحس في صورة ما يحس مبالغة وتأكيدا.
ومما ورد من الاستعارة في الأحاديث النبوية قوله ﷺ : «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار «النار» للرأي والمشورة، أي لا تهتدوا برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم.
فرأي المشركين أمر معنوي يدرك بالعقل وتمثيله بالنار هو إظهار له في صورة محسة مخيفة يبدو فيها رأي المشركين نارا تحرق كل من يلامسها أو يأخذ بها. فالسر في قوّة تأثير هذه الصورة وجمالها راجع إلى مفعول الاستعارة، هذا المفعول الذي انتقل بالفكرة من عالم المعاني إلى عالم المدركات مبالغة.
ومن خصائص الاستعارة أيضا بث الحياة والنطق في الجماد كما ذكرنا آنفا كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فكل من السماء والأرض جماد تحول بالتوسع الذي هيأته الاستعارة إلى إنسان حي ناطق.
وكقول الرسول وقد نظر يوما إلى «أحد»: «هذا جبل يحبنا ونحبه»،
стр. 194
فجبل أحد هذا الجماد قد استحال بسحر الاستعارة إلى إنسان يجيش قلبه بعاطفة الحب.
كذلك من خصائصها تجسيم الأمور المعنوية وذلك بإبرازها للعيان في صورة شخوص وكائنات حية يصدر عنها كل ما يصدر عن الكائنات الحية من حركات وأعمال.
فأبو العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة يقول من قصيدة:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فالخلافة هنا تستحيل بفعل الاستعارة إلى غادة هيفاء مدللة تعرض عن جميع من فتنوا بها إلّا المهدي فإنّها تقبل عليه طائعة في دلال وجمال تجر أذيالها تيها وخفرا.
وأبو فراس الحمداني عند ما يقول:
ويا «عفتي» مالي؟ ومالك؟ كلما ... هممت بأمر هم لي منك زاجر!
فما شأن عفّة أبي فراس؟ وما شأن الصراع الناشب بينها وبينه؟ إنّها تستحيل بلمسة من لمسات الاستعارة السحرية إلى إنسان يقف موقف الزاجر كلما هم الشاعر بأمر تراه العفة غير لائق به!
فهذه الصورة الرائعة الخلابة المؤثرة ما كانت لتكون لو أنّ الشاعر التزم في التعبير حدود الحقيقة وقال مثلا: «أنا لا أحاول ما يشين لأني رجل عفيف».
والأفلاك وهي جماد والدهر وهو أمر معنوي ما خبرهما في بيت البارودي الذي يقول فيه:
إذا استلّ منهم سيد غرب سيفه ... تفرّعت الأفلاك والتفت الدهر
стр. 195
فكل من «الأفلاك» و «الدهر» قد تحوّل بالاستعارة إلى كائن حي حساس. فهاتان الاستعارتان قد أعانتا الشاعر على أن يرينا صورة الأجرام السماوية حية حساسة ترتعد خوفا وفزعا، وصورة الدهر إنسانا يلتفت عجبا وذهولا كلما استلّ سيد من قبيل الشاعر المشهود لهم بالشجاعة والفروسية سيفه من غمده!
هذه الصورة التي تموج بالحركة والاضطراب والحيوية والمشاعر المختلفة من فزع وخوف ودهشة هي وليدة الاستعارة التي بالغ الشاعر في استخدامها إلى حد يجعل المتملي لها يتولاه الذهول من هول المنظر الذي يراه ماثلا أمام عينيه!
...
وبعد ... فليس من قصدنا أن نعرض لكل صور الاستعارة وخصائصها وأغراضها، فهذا أمر يطول شرحه ويضيق المقام عنه هنا.
وحسبنا ما ذكرنا من خصائصها للإبانة عن مكانتها في البلاغة.
ولعلّ في هذا القدر ما يشوق الدارس ويستحثه للكشف بنفسه عن خصائصها الأخرى، والدور الذي تؤديه في صناعة الكلام وأثرها فيه.
стр. 196
المبحث الرّابع الكناية
الكناية في اللغة مصدر كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به.
والكناية في اصطلاح أهل البلاغة: لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة ذلك المعنى.
ومثال ذلك لفظ «طويل النجاد» المراد به طول القامة مع جواز أن يراد حقيقة طول النجاد أيضا. فالنجاد حمائل السيف، وطول النجاد يستلزم طول القامة، فإذا قيل: فلان طويل النجاد، فالمراد أنّه طويل القامة، فقد استعمل اللفظ في لازم معناه، مع جواز أن يراد بذلك الكلام الإخبار بأنّه طويل حمائل السيف وطويل القامة، أي يراد بطويل النجاد معناه الحقيقي واللازمي.
وإذا تتبعنا تاريخ «الكناية» بقصد التعرف على مفهومها لدى علماء العربية والبلاغيين على تعاقب الأجيال والعصور فإننا نجد أبا عبيدة معمر ابن المثنى «٢٠٩ هـ» أول من عرض لها في كتابه «مجاز القرآن».
стр. 197
فهو يمثل للكناية في كتابه هذا بأمثلة من نحو قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وقوله: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، وقوله: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ثمّ يعقب عليها بأنّ الله سبحانه كنّى بالضمير في الأول عن الأرض، وفي الثانية عن الشمس. وفي الثالثة عن الروح.
فهو يستعمل الكناية استعمال اللغويين والنحاة بمعنى «الضمير»، ومعنى هذا أنّ الكناية عنده هي كل ما فهم من سياق الكلام من غير أن يذكر اسمه صريحا في العبارة.
ثمّ نلتقي بعد أبي عبيدة بالجاحظ «٢٥٥ هـ» فقد وردت الكناية عنده بمعناها العام وهو التعبير عن المعنى تلميحا لا تصريحا وإفصاحا كلما اقتضى الحال ذلك.
يفهم ذلك من قوله: «رب كناية تربى على إفصاح» كما تفهم من إيراده لتعريف البلاغة عند بعض الهنود وذلك إذ يقول: «وقال بعض الهنود: جماع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة. ومن البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة» (١). من ذلك يتضح أنّ الكناية عنده تقابل الإفصاح والتصريح إذا اقتضى الحال ذلك.
وفي حديثه عن بلاغة الخطابة والخطب يسلك الكناية مع بعض الأساليب البلاغية التي يقتضيها الحال أحيانا من إطناب وإيجاز يأتي كالوحي والإشارة، وفي ذلك يقول في معرض الحديث عن تناسب الألفاظ مع الأغراض: «ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف،
стр. 198
والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال» (١).
فالكناية عند الجاحظ كما نرى هنا معدودة من الأساليب البلاغية التي قد يتطلبها المعنى للتعبير عنه ولا يجوز إلّا فيها، وأنّ العدول عنها إلى صريح اللفظ في المواطن التي تتطلبها أمر مخل بالبلاغة.
والذي يتتبع الجاحظ فيما قاله عن الكناية وفيما أورده من أمثلة لها يرى أنّه استعملها استعمالا عاما يشمل جميع أضرب المجاز والتشبيه والاستعارة والتعريض دون أن يفرق بينها وبين هذه الأساليب.
ومن علماء العربية الذين جاءوا بعد الجاحظ وبحثوا في «الكناية» تلميذه محمد بن يزيد المبرد «٢٨٥ هـ»، فقد عرض لها في الجزء الثاني من كتابه «الكامل» ذاكرا أنّها تأتي على ثلاثة أوجه، فهي: إمّا للتعمية والتغطية، كقول النابغة الجعدي:
أكني بغير اسمها وقد علم الل ... هـ خفيات كل مكتتم
وإما للرغبة عن اللفظ الخسيس المفحش إلى ما يدل على معناه من غيره: كقوله تعالى في قصة سيدنا عيسى وأمه ﵉:
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ. كناية عما لا بدّ لآكل الطعام منه (٢).
وأمّا للتفخيم والتعظيم والتبجيل كقولهم: «أبو فلان» صيانة لاسمه عن الابتذال، ومن هذا الوجه اشتقت الكنية.
стр. 199
فالمبرد كما نرى لم يعرّف الكناية وإنما التفت إلى ما تؤديه بعض صورها من فائدة في صناعة الكلام، وكأنّه بذلك يوحي بأنّ هذا الاتجاه هو الأهم في دراسة الأساليب البلاغية، وأنّه ينبغي التركيز عليه أكثر من التركيز على القواعد.
وابن المعتز «٢٩٦ هـ» قد عدّ الكناية والتعريض من محاسن البديع ومثل لهما من منظوم الكلام ومنثوره، ومن الأمثلة التي أوردها: «كان عروة بن الزبير إذا أسرع إليه إنسان بسوء لم يجبه، ويقول: إني لأتركك رفعا لنفسي عنك. ثمّ جرى بينه وبين علي بن عبد الله بن عباس كلام، فأسرع إليه عروة بسوء، فقال علي بن عبد الله: إني لأتركك لما تترك الناس له. فاشتد ذلك على عروة (١).
وقدامة بن جعفر «٣٣٧ هـ» عرض لها في «باب المعاني الدال عليها الشعر» من كتابه نقد الشعر، وعدّها نوعا من أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى، وأطلق عليها اسم «الإرداف» وعرفه بقوله: «الإرداف أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له، فإذا دلّ على التابع أبان عن المتبوع بمنزلة قول الشاعر:
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم» (٢)
ثمّ أورد بعض أمثلة أخرى عليها. والكناية أو الإرداف على رأي قدامة هو في «بعيدة مهوى القرط» وهذا كناية عن طول العنق، فمهوى
стр. 200
القرط هو المسافة من شحمة الأذن إلى الكتف، وإذا كانت هذه المسافة بعيدة لزم أن يكون العنق طويلا.
...
كذلك عرض للكناية أبو الحسين أحمد بن فارس «٣٩٥ هـ» في كتابه «الصاحبي»، وعقد لها بابا خاصا تكلم فيه أولا عن صورتين من صورها، إحداهما كناية التغطية، وذلك بأن يكنّى عن الشيء فيذكر بغير اسمه تحسينا للفظ أو إكراما للمذكور، والثانية كناية التبجيل نحو قولهم: «أبو فلان» صيانة لاسمه عن الابتذال، وأنّ الكنى مما كان للعرب خصوصا ثمّ تشبه غيرهم بهم في ذلك. ولا ريب أنّه في ذلك متأثر برأي المبرد السابق.
ثمّ تكلّم ثانيا عن الكناية بمفهومها عند النحاة فقال: «الاسم يكون ظاهرا مثل: زيد وعمرو، ويكون مكنيا، وبعض
النحويين يسميه «مضمرا» وذلك مثل: هو وهي وهما وهن.
وزعم بعض أهل العربية أنّ أوّل أحوال الاسم الكناية ثمّ يكون ظاهرا، قال: وذلك أنّ أول حال المتكلم أن يخبر عن نفسه أو مخاطبه فيقول: أنا وأنت، وهذان لا ظاهر لهما، وسائر الأسماء تظهر مرة ويكنى عنها مرة.
والكناية متصلة ومنفصلة ومستجنّة، فالمتصلة كالتاء في «حملت وقمت»، والمنفصلة كقولنا: إياه أردت، والمستجنة قولنا «قام زيد» فإذا كنينا عنه فقلنا: «قام» فتستر الاسم في الفعل».
ثمّ يستطرد فيقول: «وربما كنّي عن الشيء لم يجر له ذكر، في مثل قوله جلّ ثناؤه: يُؤْفَكُ عَنْهُ أي يؤفك عن الدين أو عن النبي ﷺ .
قال أهل العلم وإنّما جاز هذا لأنّه قد جرى الذكر في القرآن. وقال حاتم:
стр. 201
أماويّ لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
ويقولون: إذا أغبر أفق وهبت شمالا. أضمر الريح ولم يجر لها ذكر» (١).
فابن فارس يشير بهذا إلى قول النحاة بأنّ ضمير الغائب إذا كان عائده غير لفظ فإن عائده هو «الغائب المعلوم». فالضمير في «هبت شمالا» يعود على الغائب المعلوم وهو الريح، لأنّه معلوم أنّ التي تهب شمالا هي الريح. ولهذا فالضمير المستجن أو المستتر في «هبت» هو كناية عن ذلك الغائب المعلوم ومثل ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. فالهاء في «أنزلناه» كناية عن الغائب المعلوم وهو «القرآن الكريم».
...
وأبو هلال العسكري يقرن الكناية بالتعريض كأنّما يعتبرهما أمرا واحدا، ثمّ يعرفهما بقوله: «الكناية والتعريض أن يكنّى عن الشيء ويعرّض به ولا يصرّح، على حسب ما عملوا بالتورية عن الشيء» ثمّ يورد أمثلة لهما، وكذلك للتعريض الجيد والكناية المعيبة.
ومن الأمثلة التي أوردها أبو هلال قوله: ومن مليح ما جاء في هذا الباب قول أبي العيناء وقيل له: ما تقول في ابني وهب؟ قال: «وما يستوي البحران هذان عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج» سليمان أفضل. قيل: وكيف؟ قال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (٢)
...
стр. 202
وأبو علي الحسن بن رشيق القيرواني «٤٥٦ هـ» عقد في كتابه «العمدة» فصلا خاصا بالإشارة أشاد في مستهله بفضلها وأثرها في الكلام قائلا: «والإشارة من غرائب الشعر وملحه، وهي بلاغة عجيبة تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلّا الشاعر المبرز والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملا، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه».
ثمّ يستطرد إلى بيان أنواعها والتمثيل لها فيعد منها: الإيماء والتفخيم والتلويح والتمثيل والرمز والتعريض والكناية. وفي كلامه عن الكناية نراه متأثرا برأي المبرد السابق في أنّها تأتي على ثلاثة أوجه هي: كناية التعظيم والتفخيم ممثلة في الكنية، وكناية الرغبة عن اللفظ الخسيس، وكناية التغطية والتعمية.
وعن هذا الوجه الأخير من الكناية يقول: إنّه هو التورية في أشعار العرب حيث يكنون عن الشجر بالناس كقول المسيّب بن علس:
دعا شجر الأرض داعيهمو ... لينصره السّدر والأثاب
فكنى بالشجر عن الناس، وهم يقولون في الكلام المنثور: جاء فلان بالشوك والشجر، إذا جاء بجيش عظيم.
كذلك يكنون عن المرأة بالشجرة والنخلة والسرحة والبيضة والناقة والمهرة والشاة والنعجة أو ما شاكل ذلك.
ثمّ أورد على ذلك بعض أمثلة منها قول حميد بن ثور الهلالي عند ما حظر عمر على الشعراء ذكر المرأة:
تجرّم أهلوها لأن كنت مشعرا ... جنونا بها يا طول هذا التجرّم
ومالي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
стр. 203
بلى فاسلمي ثمّ اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلّمي
ومنها قول امرئ القيس:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجّل
كناية بالبيضة عن المرأة.
وقول عنترة:
يا شاة ما قنص لمن حلّت له ... حرمت عليّ وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتجسّسي أخبارها لي واعلمي
قالت رأيت من الأعادي غرّة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتم
فالشاة هنا كناية عن امرأة أبيه وكان يهواها ويتمنى لو لم يتزوجها أبوه حتى كان يحل له تزوجها.
ثمّ يقول وعلى هذا المتعارف في الكناية جاء قول الله في إخباره عن خصم داود ﵇: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ، كناية بالنعجة عن المرأة (١).
...
وممن عرضوا للكناية غير هؤلاء ونظروا إليها من زوايا وجوانب مختلفة عبد القاهر الجرجاني وأبو يعقوب يوسف السكاكي وضياء الدين ابن الأثير والخطيب القزويني ويحيى بن حمزة صاحب كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز.
وقد سبق أن أتينا في المبحث الأول من هذا الكتاب والخاص «بنشأة
стр. 204
علم البيان وتطوره» على ملخص آرائهم وأقوالهم في الكناية، ولهذا فلا داعي لتكرارها هنا وليرجع إليها هناك.
أقسام الكناية
ذكرنا فيما سبق أنّ الكناية في عرف اللغة أن تتكلم بشيء وتريد غيره، ويقال: كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به. كما ذكرنا أنها في اصطلاح علماء البيان: لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى، أي المعنى الحقيقي للفظ الكناية (١).
وقد عبّر الإمام عبد القاهر الجرجاني عن هذا المعنى الاصطلاحي بصورة أخرى فقال: «الكناية أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومي إليه ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: «هو طويل النجاد» يريدون طول القامة، «وكثير رماد القدر» يعنون كثير القرى، وفي المرأة «نؤوم الضحى» والمراد أنّها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها. فقد أرادوا في هذا كله كما ترى معنى ثمّ لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان. أفلا ترى أنّ القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ (٢).
كذلك عبر ابن الأثير عن معناها الاصطلاحي بصورة ثالثة ومثل لها
стр. 205
فقال: «حدّ الكناية الجامع لها هو أنها كل لفظة دلّت على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز، نحو قوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ. فقد كنّى بذلك- يقصد لفظة النعجة- عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث. فالمعنى هنا يجوز حمله على الحقيقة كما يجوز حمله على المجاز (١).
وقد انتهى البحث في «الكناية» إلى السكاكي والقزويني ومدرستهما البلاغية فتوسعوا في بحثها وحددوا أقسامها على النحو الذي فصلته في مبحث «نشأة علم البيان وتطوره»، ثمّ جاء البلاغيون من بعدهم فأخذوا بتقسيمهم الذي لا يزال متّبعا إلى اليوم في دراسة «الكناية».
...
وإذا عدنا إلى تقسيم السكاكي والقزويني وجدنا أنّ المطلوب بالكناية عندهم لا يخرج عن ثلاثة أقسام هي: طلب نفس الصفة، وطلب نفس الموصوف، وطلب النسبة.
ومعنى هذا أنّهم يقسمون الكناية باعتبار المكنى عنه ثلاثة أقسام تتمثل في أنّ المكنى عنه عندهم: قد يكون صفة، وقد يكون موصوفا، وقد يكون نسبة.
ولعلّ الأمثلة والتعقيب عليها بالشرح والتحليل خير وسيلة لتوضيح أقسام الكناية وبيان أثر صورها المختلفة في بلاغة الكلام.
كناية الصفة: وهي التي يطلب بها نفس الصفة، والمراد بالصفة هنا الصفة المعنوية كالجود والكرم والشجاعة وأمثالها لا النعت.
стр. 206
١ - ومن أمثلة ذلك قول عمر بن أبي ربيعة في صاحبته هند:
نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولي نظر لولا التحرّج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك تحت السّجف أم أنت حالم؟
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبدّ شمس وهاشمّ (١)
فالكناية هنا في البيت الثالث، هي «بعيدة مهوى القرط»، ومهوى القرط المسافة من شحمة الأذن إلى الكتف. فابن أبي ربيعة يصف صاحبته بأنها بعيدة مهوى القرط، وهو بهذه الصفة يريد أن يدل على أن هندا صاحبته «طويلة الجيد». ولهذا عدل عن التصريح بهذه الصفة إلى الكناية عنها، لأن بعد المسافة بين شحمة الأذن والكتف يستلزم طول الجيد.
٢ - وقال المتنبي في إيقاع سيف الدولة ببني كلاب:
فمساهم وبسطهمو حرير ... وصبحهم وبسطهمو تراب
فالمتنبي هنا يصف بني كلاب الذين أوقع بهم سيف الدولة بأن بسطهم في المساء وقبل الإيقاع بهم كانت من الحرير ثم صارت في الصباح من التراب بسبب ما أصابهم من الأمير سيف الدولة.
وقصد الشاعر من وراء هذا التعبير في الواقع أن يصف بني كلاب بأنهم في المساء كانوا سادة أعزاء ثم صاروا في الصباح وبعد الإيقاع بهم فقراء أذلاء. وقد عدل الشاعر بتعبيره عن التصريح إلى أسلوب الرمز
стр. 207
والكناية، لأن بسط الحرير التي كانت لهم في المساء تستلزم السيادة والعزة، وإن هذه البسط التي تحولت في الصباح إلى تراب تستلزم الفقر والحاجة والذلة. فالبيت كما نرى كناية عن صفة. هذا ويجوز حمل المعنى على جانب الحقيقة، بمعنى أنه يصح هنا إرادة المعنى المفهوم من صريح اللفظ، أي أنهم في المساء كانوا يجلسون على بسط من الحرير فعلا ثم صاروا في الصباح يجلسون على التراب حقيقة.
٣ - وقالت الخنساء في أخيها صخرا:
طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتا
فالخنساء في هذا البيت تصف أخاها صخرا بثلاث صفات هي: إنه طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد.
وهي بهذه الصفات تريد أن تدل على أن أخاها شجاع، عظيم في قومه، كريم. ولكنها عدلت عن التصريح بهذه
الصفات إلى الكناية عنها، لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة، ثم إنه يلزم من كونه رفيع العماد أن يكون سيدا عظيم القدر والمكانة في قومه وعشيرته، كما أنه يلزم من كثرة الرماد كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ثم كثرة الضيفان، ثم كثرة الكرم. وهنا أيضا يجوز حمل المعنى على جانب الحقيقة، فمن الجائز بالإضافة إلى المعنى الكنائي أن يكون أخوها حقيقة طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد.
فتراكيب الكناية في الأمثلة السابقة هي «بعيدة مهوى القرط» و «كون بسطهم حريرا» و «كون بسطهم ترابا» و «طويل النجاد» و «رفيع العماد» و «كثير الرماد».
ولما كان كل تركيب من هذه التراكيب قد كني به عن صفة لازمة
стр. 208
لمعناه، كان كل تركيب من هذه وما يشبهه «كناية عن صفة». وهذا هو القسم الأول من أقسام الكناية.
...
كناية الموصوف: وهي التي يطلب بها نفس الموصوف والشرط هنا أن تكون الكناية مختصة بالمكنيّ عنه لا تتعداه، وذلك ليحصل الانتقال منها إليه.
١ - ومن أمثلة ذلك قول البحتري في قصيدته التي يذكر فيها قتله للذئب:
عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها ... على كوكب ينقض والليل مسودّ (١)
فما ازداد إلا جرأة وصرامة ... وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
ففي قول البحتري في البيت الأخير «بحيث يكون اللب والرعب والحقد» ثلاث كنايات لا كناية واحدة، لاستقلال كل واحدة منها بإفادة المقصود.
فالبحتري يريد أن يخبرنا أنه طعن الذئب أولا برمحه طعنة خرقاء لم تزده إلا جرأة وصرامة ولهذا أتبع الطعنة الأولى طعنة أخرى استقر نصلها في قلب الذئب.
ولكنه بدل أن يعبر هذا التعبير الحقيقي الصريح نراه يعدل عنه إلى ما هو أبلغ وأشد تأثيرا في النفس، وذلك بالكناية عن القلب ببعض
стр. 209
الصفات التي يكون هو موضعها، وهي اللب والرعب والحقد. وهذا كناية عن «موصوف» هو القلب لأن القلب موضع هذه الصفات وغيرها.
٢ - وقال أبو نواس في وصف الخمر:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها: قفي
مخافة أن يسطو عليّ شعاعها ... فيطلع ندماني على سرّي الخفي
فالكناية في البيت الأول وهي «موطن الأسرار». يريد أبو نواس أن يقول: «فلما شربنا الخمر ودب دبيبها، أي سرى مفعولها إلى القلب أو الدماغ قلت لها: قفي». ولكنه انصرف عن التعبير بالقلب أو الدماغ هذا التعبير الحقيقي الصريح إلى ما هو أملح وأوقع في النفس وهو «موطن الأسرار»، لأن القلب أو الدماغ يفهم منه أنه مكان السر وغيره من الصفات. فالكناية «بموطن الأسرار» عن القلب أو الدماغ كناية عن «موصوف»، لأن كليهما يوصف بأنه موطن الأسرار.
٣ - وقال شاعر في رثاء من مات بعلة في صدره:
ودبّت له في موطن الحلم علّة ... لها كالصّلال الرقش شرّ دبيب (١)
فلفظ الكناية هنا هو «موطن الحلم»، ومن عادة العرب أن ينسبوا الحلم إلى الصدر، فيقولون: فلان فسيح الصدر، أو فلان لا يتسع صدره لمثل هذا، أي لا يحلم على مثل هذا.
ولو شاء الشاعر أن يعبر عن معناه هنا تعبيرا حقيقيا صريحا لقال:
«ودبت له في الصدر علة»، ولكنه لم يشأ ذلك وآثر التعبير عنه كنائيا
стр. 210
بقوله: «ودبت له في موطن الحلم علة» لما له من تأثير بليغ في النفس، إذ الصدر موضع الحلم وغيره من الصفات. فالكناية «بموطن الحلم» عن الصدر كناية عن «موصوف» لأن الصدر يوصف بأنه موطن الحلم وغيره.
وإذا تأملنا تراكيب الكناية في هذه الأمثلة وهي «بحيث يكون اللب والرعب والحقد» و «موطن الأسرار» و «موطن الحلم» رأينا أن كل تركيب منها كني به عن ذات لازمة لمعناه، لذلك كان كل منها «كناية عن موصوف»، وكذلك كل تركيب يماثلها.
...
كناية النسبة: ويراد بها إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، أو بعبارة أخرى يطلب بها تخصيص الصفة بالموصوف.
١ - ومن أمثلة ذلك قول زياد الأعجم في مدح ابن الحشرج:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
فزياد بهذا البيت أراد، كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف للممدوح واختصاصه بها. ولو شاء أن يعبر عنها بصريح اللفظ لقال: إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في الممدوح أو مقصورة عليه، أو ما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها.
ولكنه عدل عن التصريح إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونها في القبة المضروبة عليه عبارة عن كونها فيه، فخرج كلامه إلى ما خرج إليه من الجزالة وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة. ولو أن الشاعر خطر له أن يعبر عن معناه هنا بصريح اللفظ، لما كان له ذلك القدر من الجمال الذي تطالعنا به هذه الصورة المبهجة من خلال البيت.
стр. 211
٢ - ومن أمثلة كناية النسبة أيضا قول أبي نواس مادحا:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
فالشاعر هنا يريد أن ينسب إلى ممدوحه الكرم أو أن يثبت له هذه الصفة، ولكنه بدل أن ينسب إليه الكرم بصريح اللفظ فيقول: «هو كريم» كنى عن نسبة الكرم إليه بقوله: «يسير الجود حيث يسير»، لأنه يلزم من ذلك اتصافه به.
وشتان بين الصورتين في الجمال والتأثير: الصورة الصريحة التي نرى فيها الممدوح كريما وحسب، والصورة المقنعة المدعاة التي يرينا فيها الشاعر الكرم إنسانا يرافق الممدوح ويلازمه ويسير معه حيث سار.
٣ - ومن أمثلتها كذلك قول الشاعر:
اليمن يتبع ظله ... والمجد يمشي في ركابه
فالشاعر في هذا البيت بدل أن يصف الممدوح بأنه ميمون الطلعة، قال إن اليمن يتبعه أينما سار، واتباع اليمن ظله يستلزم نسبته إليه.
فكناية النسبة كما يتضح من الأمثلة السابقة تتمثل في العدول عن نسبة الصفة إلى الموصوف مباشرة ونسبتها
إلى ما له اتصال به. وأظهر علامة لهذه الكناية أن يصرح فيها بالصفة كما رأينا في الأمثلة السابقة، أو بما يستلزم الصفة كقول شاعر معاصر:
بين برديك يا صبية كنز ... من نقاء معطر معشوق
وبعينيك يا صبية شجو ... ساهم اللمح مستطار البريق
ففي قوله: «بين برديك يا صبية كنز من نقاء» كناية عن نسبة «الطهارة» للمخاطبة بما يستلزم هذه الصفة وهو «كنز من نقاء». أما
стр. 212
الكناية في البيت الثاني «بين عينيك يا صبية شجو» فهي من النوع الأول الذي عدل فيه عن نسبة صفة الشجو أي الحزن إلى الموصوف مباشرة ونسبتها إلى ما له اتصال به، وهو هنا «العينان».
وإذا رجعنا إلى أمثلة الكناية السابقة في جميع أقسامها وأنواعها رأينا أن منها ما يدل على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، أو بعبارة أخرى رأينا أن منها ما يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي الذي يفهم من صريح اللفظ، ومنها ما لا يجوز فيه ذلك.
بين الكناية والتعريض
لعل ضياء الدين ابن الأثير أوضح من بحث أسلوبي الكناية والتعريض وفرّق بينهما.
ففي مستهل حديثه عنهما في كتابه المثل السائر يقول: «هذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا. وقد تكلم علماء البيان فيه فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض ولم يفرقوا بينهما، ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النثر والنظم وأدخلوا أحدهما في الآخر، فذكروا للكناية أمثلة من التعريض وللتعريض أمثلة من الكناية، فمن فعل ذلك الغانمي وابن سنان الخفاجي والعسكري».
وفي محاولة لتحديد مفهوم «الكناية» فرق ابن الأثير بينها وبين غيرها من أقسام المجاز بقوله: «إن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معا.
ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكل منهما يصح به المعنى ولا يختل؟ ولهذا ذهب
стр. 213
الشافعي إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو
الحقيقة في اللمس.
وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه وهو الكناية، وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على كليهما معا.
أما التشبيه فليس كذلك ولا غيره من أقسام المجاز، لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى. ألا ترى أنا إذا قلنا «زيد أسد» لا يصح إلا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأن زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب.
وقد خلص من هذا النقاش إلى تعريف الكناية بقوله: «حد الكناية الجامع لها هو أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز» وطبقا لهذا التعريف فمثالها عنده قوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بين المعنى الحقيقي والمجازي هو التأنيث. ولولا ذلك لقيل في هذا الموضع إن هذا أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل هذه كناية عن النساء.
فالوصف الجامع بين الحقيقة والمجاز شرط في صحة تعريف الكناية عنده.
...
بعد ذلك انتقل ابن الأثير إلى بيان ما بين الكناية والاستعارة من صلة فقال: «أما الكناية فإنها جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على حكم
стр. 214
الاستعارة خاصة، لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، أي المشبه، وكذلك الكناية فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، أي لازم المعنى.
ونسبة الكناية إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال كل كناية استعارة، وليس كل استعارة كناية، وهذا فرق بينهما. ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح، والصريح هو ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية ضد الصريح، لأنها عدول عن ظاهر اللفظ. وهذه فروق ثلاثة: أحدها الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والثالث الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وإذا كانت الكناية جزءا من الاستعارة، وكانت الاستعارة جزءا من المجاز، فإن نسبة الكناية إلى المجاز هي نسبة جزء الجزء وخاص الخاص.
...
ومن بيان الصلة بين الكناية والاستعارة والتفرقة بينهما انتقل ابن الأثير لبحث الصلة بين التعريض والكناية. وقد بدأ بتعريف التعريض فقال: «أما التعريض فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم لا بالوضع
الحقيقي ولا المجازي»، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: «والله إني لمحتاج، وليس في يدي شيء، وأنا عريان، والبرد قد آذاني»، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب لا حقيقة ولا مجازا، إنما دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع. وعنده أن التعريض إنما سمي تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرضه أي من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.
وكما فرق بين الكناية والتعريض من جهة خفاء الدلالة ووضوحها، فرق بينهما كذلك من جهة اللفظ فقال: «واعلم أن الكناية تشمل اللفظ
стр. 215
المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة وعلى هذا أخرى. وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتّة. والدليل على ذلك أن التعريض لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب».
ومن أمثلة التعريض:
١ - قوله تعالى في شأن قوم نوح: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ.
فقوله: «ما نراك إلا بشرا مثلنا» تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها؟ ومما يؤكد ذلك قولهم: «وما نرى لكم علينا من فضل».
٢ - كان عمر بن الخطاب يخطب يوم جمعة، فدخل عثمان فقال عمر: أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله كان يأمرنا بالغسل؟ فقوله: «أية ساعة هذا؟» تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها.
وهو من التعريض المعرب عن الأدب.
٣ - وقفت امرأة على قيس بن عبادة فقالت: «أشكو إليك قلة الفأر في بيتي». فقال: «ما أحسن ما وردت عن حاجتها، املأوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما». فهذا تعريض من المرأة حسن الموقع.