← Баляга

Баляга · id 17669

علم البيان

عبد العزيز عتيق

Полный текст (220 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأيام»، والذي سوغ هذا الإسناد أنّ المسند إليه «الأيام» زمان الفعل. فإسناد الإبداء إلى الأيام مجاز عقلي علاقته الزمانية. وفي المثال الرابع الأيكة الشجرة وهي لا تغني ولا تصدح، فالفعل «صدحت» أسند إلى «الأيكة» أي إلى غير فاعله، لأنّ فاعله الحقيقي هو «الطيور» التي تتخذ من الأيكة مكانا لها تصدح من فوقه. وعلى هذا فإسناد الصّدح إلى الأيكة مجاز عقلي علاقته «المكانية» لأنها مكان الطيور التي تصدح. وفي المثال الخامس يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً؟. فالحرم لا يكون آمنا لأنّ الإحساس بالأمن صفة من صفات الأحياء وإنّما الحرم مأمون بمعنى يؤمن، ولهذا أسند الوصف المبني للفاعل «آمن» إلى ضمير المفعول. وهذا مجاز عقلي علاقته «المفعولية». وإذا تدبرنا المثال السادس وهو قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، نجد أنّ كلمة «مأتيا» جاءت بدل كلمة «آت»، فاستعمل هنا اسم المفعول مكان اسم الفاعل، أو بعبارة أخرى أسند الوصف المبني للمفعول إلى الفاعل، وهذا مجاز عقلي علاقته «الفاعلية». وفي المثال السابع والأخير نجد أنّ المجاز العقلي هو في قول الشاعر «يجنّ جنونها» فالفعل «يجنّ» أسند إلى مصدره ولم يسند إلى فاعله، وإسناد الفعل إلى مصدره مجاز عقلي علاقته «المصدرية». فمن معالجة هذه الأمثلة نرى أنّ أفعالا أو ما يشبهها لم تسند إلى فاعلها الحقيقي، بل أسندت إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه، أو مصدره، وأنّ صفات كان من حقها أن تسند إلى المفعول أسندت إلى الفاعل، وأخرى كان يجب أن تسند إلى الفاعل أسندت إلى المفعول.

стр. 142

كذلك رأينا أنّ هذا النوع من الإسناد غير حقيقي، لأنّ الإسناد الحقيقي هو إسناد الفعل إلى فاعله الحقيقي. فالإسناد إذن هنا إسناد مجازي ويسمى بالمجاز العقلي، لأنّ المجاز ليس في اللفظ كالاستعارة والمجاز المرسل، بل في الإسناد وهذا يدرك بالعقل. ... على ضوء هذا الشرح نستطيع أن نستنبط القواعد التالية: ١ - المجاز العقلي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي. ٢ - الإسناد المجازي: يكون إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه أو مصدره، أو بإسناد المبني للفاعل إلى المفعول أو المبني للمفعول إلى الفاعل. ٣ - من القاعدة السابقة يتضح أنّ علاقات المجاز العقلي هي السببية أو الزمانية أو المكانية أو المصدرية أو المفعولية أو الفاعلية. ... ولمزيد من الإيضاح نقدم طائفة أخرى من الأمثلة مع بيان المجاز العقلي في كل منها وعلاقته. أ- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة السببية: ١ - قال تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ. ففي إسناد بناء الصرح إلى هامان وزير فرعون مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ هامان لم يبن الصرح بنفسه، وإنّما بناه عماله، ولكن لما كان

стр. 143

هامان سببا في البناء أسند الفعل إليه. ٢ - إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا؟ (١) فإسناد الإفناء إلى قول الكماة مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ قول الكماة: «ألا أين المحامون؟» سبب في هجوم هؤلاء المحامين وقتلهم. ٣ - يفعل المال ما تعجز عنه القوة. فإسناد الفعل إلى المال إسناد غير حقيقي لأنّ المال لا يفعل وإنّما صاحبه هو الذي يفعل، فهنا مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ المال هو الذي يدفع صاحبه إلى الفعل. ٤ - لها وجه يصف الحسن. فإسناد وصف الحسن إلى الوجه هو إسناد الفعل إلى غير فاعله الحقيقي لأنّ الذي يصف حسن الوجه إنّما هو من يراه، ولما كان الوجه وما أودع فيه من جمال هو السبب في دفع الناس إلى وصفه أسند الوصف إليه. وهذا مجاز عقلي علاقته السببية. ٥ - قال المتنبي: والهمّ يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم (٢) الفعل «يخترم» بمعنى يهلك وقد أسند «الهم» أي إلى غير فاعله

стр. 144

الحقيقي، لأنّ الهم لا يهلك الجسم وإنّما الذي يهلكه هو المرض الذي سببه الهم، وكذلك الفعل «يشيب» أسند إلى ضمير الهم، أي إلى غير فاعله الحقيقي أيضا، لأنّ الهم لا يشيب الرأس وإنّما الذي يشيبه هو الضعف في جذور الشعر الناشئ عن الهم. وعلى هذا فإسناد الاخترام والإشابة إلى الهم مجاز عقلي علاقته «السببية». ... ب- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة الزمانية: ١ - نهار الزاهد صائم وليله قائم. إذا تأملنا هذا المثال وجدنا أن «الصوم» أسند إلى ضمير «النهار»، وأن «القيام» أسند إلى ضمير «الليل»، مع أن النهار لا يصوم، بل يصوم من فيه، وأن الليل لا يقوم بل يقوم من فيه. وعلى هذا فكل من الوصفين «صائم وقائم» أسند إلى غير ما هو له، والذي سوغ ذلك الإسناد أن المسند إليه زمان الفعل. وعلى هذا فإسناد الصوم إلى ضمير النهار وإسناد القيام إلى ضمير الليل مجاز عقلي علاقته «الزمانية». ٢ - ضرب الدهر بينهم وفرق شملهم. في هذا المثال أسند الضرب والتفريق إلى الدهر مع أن الدهر في حقيقته لا يضرب ولا يفرق، وعلى هذا فإسناد الضرب والتفريق إليه هو إسناد لكل من هذين الفعلين إلى غير فاعله الحقيقي، لأن الذي ضرب بينهم وفرق شملهم هو الحوادث والمصائب التي حدثت في الدهر. فالمجاز هنا مجاز عقلي علاقته «الزمانية». ٣ - ضرّسهم الزمان وطحنتهم الأيام. في إسناد فعل التضريس إلى الزمان وفعل الطحن إلى الأيام إسناد

стр. 145

إلى غير الفاعل الحقيقي لأن الذي يضرس ويطحن هو الحوادث والكوارث التي تقع في الزمان والأيام. فإسناد التضريس إلى الزمان والطحن إلى الأيام إذن مجاز عقلي علاقته «الزمانية». ٤ - قال المتنبي: صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من أمره ما عنانا وتولوا بغصة كلهم من ... هـ وإن سر بعضهم أحيانا ربما تحسن الصنيع ليالي ... هـ ولكن تكدر الإحسانا كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا (١) في البيت الثاني الفعل «سرّ» فاعله ضمير يعود على «الزمان» قبله، وإسناد هذا الفعل إلى ضمير الزمان إسناد للفعل إلى غير فاعله الحقيقي، لأن الزمان وهو الوقت لا يسر وإنما تسر الحوادث التي به. وإذن فإسناد السرور إلى الزمان مجاز عقلي علاقته «الزمانية». كذلك في كل من «تحسن الصنيع لياليه» وفي «تكدر الإحسانا» مجاز عقلي علاقته «الزمانية»، فإسناد إحسان الصنيع وتكدير الإحسان إلى الليالي إسناد غير حقيقي، لأن الذي يفعل ذلك هو الحوادث التي تقع في الليالي التي هي زمان. ومن أجل ذلك قلنا إن إسناد إحسان الصنيع وتكدير الإحسان إلى الليالي إسناد غير حقيقي، لأن الذي يفعل ذلك هو الحوادث التي تقع في الليالي التي هي زمان. ومن أجل ذلك قلنا إن إسناد إحسان الصنيع وتكدير الإحسان إلى الليالي مجاز عقلي علاقته «الزمانية». وفي البيت الأخير «كلما أنبت الزمان قناة» أسند إنبات القناة إلى الزمان أي إلى غير فاعله الأصلي، لأن الزمان ليس في قدرته وطبيعته

стр. 146

الإنبات، وإنما الذي يفعل إنبات القناة حقيقة حوادث تجدّ في الزمان. وعلى هذا فإسناد إنبات القناة إلى الزمان مجاز عقلي علاقته «الزمانية». ... ج- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة المكانية: ١ - قال الشاعر: ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح (١) في قول الشاعر: «سال بالدم أبطح» مجاز عقلي. وتفصيله أن سيلان الدم أسند إلى أبطح، أي إلى غير فاعله، لأن الأبطح مكان سيلان الدم، وهو لا يسيل وإنما يسيل ما فيه وهو الدم. فإسناد سيل الدم إلى الأبطح مجاز عقلي علاقته «المكانية». ٢ - يجري النهر. في هذا المثال أسند الجري إلى النهر، أي إلى غير فاعله الحقيقي، لأن النهر مكان جري الماء، وهو لا يجري، وإنما يجري ما فيه وهو الماء. فإسناد الجري إلى النهر إسناد مجازي غير حقيقي، وهو لهذا مجاز عقلي علاقته «المكانية». ٣ - ذهبنا إلى حديقة غناء. ولفظة «غنّاء» مشتقة من الغنّ، والحديقة التي هي مكان لا تغنّ، وإنما الذي يغنّ عصافيرها أو ذبابها، ففي الكلام مجاز عقلي علاقته «المكانية».

стр. 147

٤ - جلسنا إلى مشرب عذب. «المشرب» وهو مكان الشرب لا يكون عذبا، وإنما يعذب الماء الذي يكون فيه، فإسناد العذوبة إلى مكان الشرب إسناد مجازي غير حقيقي، وهو لهذا مجاز عقلي علاقته «المكانية». ... د- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة المفعولية: ١ - كان المنزل «عامرا» وكانت حجره «مضيئة». في هذا المثال المنزل لا يعمر غيره وإنما هو معمور بغيره، والحجرة ليست مضيئة لأن الإضاءة لا تقع منها في حقيقة الأمر وإنما تقع عليها، فهي لهذا مضاءة. وإذن ففي كل من «عامر» و «مضيئة» مجاز عقلي علاقته «المفعولية». ٢ - قال الشاعر: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم (١) فالمجاز هو في قول الشاعر: «وما ليل المطي بنائم» فإسناد النوم إلى ليل المطي مجازي غير حقيقي، لأن ليل المطي لا يحدث منه النوم على الحقيقة، وإنما يقع فيه الفعل، أي ينام فيه. إذن الليل ليس بنائم وإنما هو منوم فيه، وعلى هذا ففي كلمة «نائم» مجاز عقلي علاقته «المفعولية». ٣ - من أقوال العرب: «عجب عاجب». فالعجب الأمر الذي يتعجّب منه لخفاء سببه، وهو لهذا لا يمكن أن

стр. 148

يعجب، أي أن يسند إليه العجب على الحقيقة، لأن العجب صفة من صفات العقلاء، ولكن العجب يدعو إلى تعجب الناس، فاستعمل اسم الفاعل «عاجب» هنا مكان اسم المفعول «متعجّب منه». وهذا مجاز عقلي علاقته «المفعولية». ٤ - قال النابغة الذبياني: فبتّ كأني ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السم ناقع (١) فالمجاز هو في قول الشاعر: «السم ناقع» وإسناد النقع إلى ضمير السم إسناد مجازي غير حقيقي. لأن السم لا يفعل النقع على الحقيقة، وإنما هو الذي يفعل به النقع، وبمعنى آخر أن السم لا يكون ناقعا وإنما يكون منقوعا في ماء أو نحوه. ففي كلمة «ناقع» مجاز عقلي علاقته «المفعولية». ... هـ- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة الفاعلية: وذلك فيما بني للمفعول وأسند للفاعل الحقيقي، نحو: سيل مفعم بضم الميم الأولى وفتح العين، لأن السيل هو الذي يفعم أي يملأ، وأصله أفعم السيل الوادي، أي ملأه. فالفاعل الحقيقي الذي أسند إليه الإفعام هو السيل. فلو أريد الإسناد الحقيقي لقيل: سيل مفعم بكسر العين. ولكن الذي حدث أنه جيء بالمسند مبنيا للمفعول «مفعم» بفتح العين، ثم أسند إلى غير فاعله الحقيقي وقيل «سيل مفعم» بفتح العين. فالإسناد

стр. 149

هنا مجازي، وهو مجاز عقلي علاقته «الفاعلية». ... و- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة المصدرية. ١ - سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر فالمجاز في البيت هو في «جدّ جدّهم» حيث لم يسند الفعل «جدّ» إلى فاعله الحقيقي وإنما أسند إلى مصدره «جدهم»، وذلك بجعل ما هو مصدر في المعنى فاعلا لفظيا على سبيل المجاز. ومن هذا يرى أن الفعل أسند إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من الإسناد الحقيقي. فهنا مجاز عقلي علاقته «المصدرية». ٢ - قال تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ. فالفعل «نفخ» المبني للمجهول لم يسند إلى نائب فاعله الحقيقي وإنما أسند إلى مصدره «نفخة» أي أسند إلى غير ما هو له لعلاقة المصدرية. فهذا مجاز عقلي علاقته «المصدرية». ٣ - قد عز عزّ الألى لا يبخلون على ... أوطانهم بالدم الغالي إذا طلبا فالفعل «عزّ» لم يسند إلى فاعله الحقيقي وإنما أسند إلى مصدره «عزّ» وذلك بجعل ما هو مصدر في المعنى فاعلا لفظيا على سبيل المجاز. فالفعل في البيت قد أسند إلى غير ما هو له لعلاقة المصدرية، وهذا مجاز عقلي علاقته «المصدرية». ... هذا وقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى نقطة جديرة بالنظر بالنسبة لهذا المجاز وذلك إذ يقول: «واعلم أنه ليس بواجب في هذا- أي المجاز

стр. 150

الحكمي أو العقلي- أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل إنك تقول في «ربحت تجارتهم»: ربحوا في تجارتهم ... فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء. ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: «أقدمني بلدك حقّ لي على إنسان» فاعلا سوى «الحق». وكذلك لا تستطيع في قوله: وصيّرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل وفي قول أبي نواس: يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا أن تزعم أن ل «صيرني» فاعلا قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى كما فعل ذلك في «ربحت تجارتهم» ... ولا تستطيع كذلك أن تقدر ل «يزيد» في قولك: «يزيدك وجهه» فاعلا غير الوجه. فالاعتبار إذن بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته. معنى ذلك أن «القدوم» في قولك: «أقدمني بلدك حقّ لي على إنسان» موجود على الحقيقة. وكذلك «الصيرورة» في قوله: «صيرني هواك»، و «الزيادة» في قوله: «يزيدك وجهه» موجودتان على الحقيقة. وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه، وإذا لم يكن في نفس اللفظ كان لا محالة في الحكم. فاعرف هذه الجملة وأحسن ضبطها حتى تكون على بصيرة من الأمر» (١).

стр. 151

المجاز المرسل ذكرنا عند كلامنا على المجاز اللغوي أنه قسمان: مجاز استعاري، وهو ما كانت علاقته المشابهة، ومجاز مرسل وهو ما كانت علاقته غير المشابهة. كما ذكرنا أن المجاز اللغوي بقسميه يأتي في المركب والمفرد على السواء، وأن مجيئه في المركب يكون باستعمال التركيب في غير ما وضع له، كقولك لمن يسيء إليك وينتظر منك حسن الجزاء: «إنك لا تجني من الشوك العنب». أما مجيئه في اللفظ المفرد فيكون باستعمال الكلمة في غير ما وضعت له أصلا لعلاقة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي. ويعرف البلاغيون «العلاقة» بأنها الأمر الذي يقع به الارتباط بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي فيصح الانتقال من الأول إلى الثاني. وهذه العلاقة التي تربط في المجاز بين المعنيين: الحقيقي والمجازي قد تكون «المشابهة» نحو: رأيت زهرة تحملها أمها، تريد: طفلة كالزهرة في نضارتها وجمالها. وقد تكون العلاقة «غير المشابهة» كالجزئية في قوله تعالى: «وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» يريد: «وصلوا» لأن الركوع جزء من الصلاة، فأطلق الجزء وأراد به الكل مجازا. أما «القرينة» فعرفها البلاغيون أيضا بأنها الأمر الذي يصرف الذهن عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، وهي إما قرينة عقلية أي حالية نحو: «أقبل بحر» والسامع يرى رجلا، وإما قرينة لفظية نحو: «رأيت بحرا يعظ الناس من فوق المنبر» فعبارة «يعظ الناس من فوق المنبر» قرينة لفظية، تدل على أن لفظة «بحر» استعملت استعمالا مجازيا وتمنع في

стр. 152

الوقت ذاته من إرادة المعنى الحقيقي لهذه اللفظة. ... والمجاز المرسل، كما عرفه الخطيب القزويني، هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه، وذلك مثل لفظة «اليد» إذا استعملت في معنى «النعمة»، لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة ومنها تصل إلى المقصود بها (١). وقد سماه البلاغيون «مجازا مرسلا» لإرساله عن التقييد بعلاقة المشابهة. وقد اشترط عبد القاهر الجرجاني في ذلك أن يكون في الكلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة وإلى المولي لها، فلا يقال: اتسعت «اليد» في البلد، أو اقتنيت «يدا»، كما يقال: اتسعت النعمة في البلد أو اقتنيت نعمة، وإنما يقال: جلّت «يده» عندي، وكثرت أياديه لديّ ونحو ذلك. ونظير هذا «اليد» في معنى «القدرة» لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد، وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع، إلى سائر الأفعال التي تنبئ عن وجوه القدرة ومكانها. ونظير هذا أيضا قولهم في صفة راعي الإبل: «إن له عليها إصبعا»، أرادوا أن يقولوا: له عليها أثر حذق، فدلّوا عليها بالإصبع، لأنه ما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع، واللطف في رفعها ووضعها كما في الخط والنقش. وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ، أي نجعلها كخفّ البعير، فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة،

стр. 153

فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن، حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا، حتى يقال رأيت أصابع الدار، وله إصبع حسنة وإصبع قبيحة، على معنى أثر حسن وأثر قبيح ونحو ذلك. ... هذا وللمجاز المرسل علاقات شتى منها: ١ - السببية: وذلك بأن يطلق لفظ السبب ويراد المسبب، نحو قولهم: «رعينا الغيث» أي المطر، وهو لا يرعى، وإنما يرعى «النبات» الذي كان المطر سبب ظهوره. ومن أجل ذلك سمى النبات غيثا، لأن الغيث سبب وجود النبات وظهوره. فالعلاقة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي في هذا المجاز المرسل هي «السببية». ومنه قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فالمجاز هنا في لفظة «الشهر»، والشهر لا يشاهد، وإنما الذي يشاهد هو «الهلال» الذي يظهر أول ليلة في الشهر، والهلال سبب في وجود الشهر، فإطلاق الشهر عليه مجاز مرسل علاقته «السببية». ومنه كذلك قول السموأل: تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل فالشاعر السموأل أراد بالنفوس الدماء، لأنها هي التي تسيل على حدّ السيوف، ووجود النفس في الجسم سبب في وجود الدم فيه، فإطلاق النفوس على الدم التي هي سبب في وجوده مجاز مرسل علاقته «السببية». ... ٢ - المسببية: وذلك بأن يطلق لفظ المسبب ويراد السبب، نحو: «أمطرت السماء نباتا»، فذكر النبات وأريد الغيث، والنبات مسبب عن

стр. 154

الغيث أي المطر. فهذا مجاز مرسل علاقته «المسبّبية». ومن هذا النوع من المجاز قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً، فالمجاز هنا هو في كلمة «رزقا»، والرزق لا ينزل من السماء، ولكن الذي ينزل منها مطر ينشأ عنه النبات الذي منه طعامنا ورزقنا، فالرزق مسبب عن المطر، فهو مجاز مرسل علاقته «المسببية». ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً. فالمجاز في الآية الكريمة هو في لفظة «نارا» أي: ما لا تتسبب عنه النار عقابا، فهنا أطلق لفظ المسبب «النار» وأريد به السبب «المال»، وهذا أيضا مجاز مرسل علاقته «المسببية». ... ٣ - الجزئية: وهي تسمية الشيء باسم جزئه، وذلك بأن يطلق الجزء ويراد الكل، نحو قوله تعالى في شأن موسى ﵇: «فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها». وتقر عينها: أي تهدأ، ولفظة المجاز هنا هي «عينها»، والذي يهدأ هو النفس والجسم لا العين وحدها، ولهذا أطلق الجزء وهو «العين» وأريد به الكلّ وهو النفس والجسم. وهذا مجاز مرسل علاقته «الجزئية». ومنه قولهم: «الإسلام يحث على تحرير الرقاب»، فالمقصود من «الرقاب» أشخاص العبيد لأرقابهم ليس غير، ولكن لما كانت الرقاب عادة موضع وضع الأغلال في العبيد المأسورين أطلقت عليهم. ففي كلمة الرقاب مجاز مرسل علاقته «الجزئية». ومنه استعمال «العين في الربيئة»، والربيئة الشخص الذي يستطلع تحركات العدوّ في مكان عال، فإطلاق العين عليه لأن العين هي المقصودة

стр. 155

في كون الرجل ربيئة، إذ ما عداها من أعضاء الجسم لا يغني شيئا مع فقدها، فصارت كأنها الشخص كله. ومن أجل ذلك قال البلاغيون: «لا بد في الجزء المطلق على الكل من أن يكون له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل، فمثلا لا يجوز إطلاق اليد أو الإصبع على الربيئة وإن كان كل منهما جزءا منه» (١). ... ٤ - الكلية: وهذا يعني تسمية الشيء باسم كله، وذلك فيما إذا ذكر الكل وأريد الجزء، نحو قوله تعالى على لسان نوح ﵇: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ، فالكلمة موضع المجاز في هذه الآية الكريمة هي «أصابعهم» فقد أطلقت وأريد أناملها أو أطرافها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يضع إصبعه كلها في أذنه. وكل مجاز من هذا النوع يطلق فيه الكل ويراد الجزء هو مجاز مرسل علاقته «الكلية». والغرض منه هنا هو المبالغة في الإصرار على عدم سماع الحق بدليل وضع أصابعهم في آذانهم. ومنه قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالإنسان لا يتكلم بفمه وإنما يتكلم بلسانه فإطلاق الأفواه على الألسنة مجاز مرسل علاقته «الكلية». ومنه كذلك: أقام أبو الطيب المتنبي في مصر فترة من حياته. فالمراد أن المتنبي أقام في بعض بلاد مصر ولم يقم في القطر جميعه، فإطلاق «مصر» وإرادة بعض بلادها مجاز مرسل علاقته «الكلية». ...

стр. 156

٥ - اعتبار ما كان: أي تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ، أي الذين كانوا يتامى. وتفصيل ذلك أن اليتيم في اللغة هو الصغير الذي مات أبوه، والأمر الوارد في الآية الكريمة ليس المراد به إعطاء اليتامى الصغار أموال آبائهم، وإنما الواقع أن الله يأمر بإعطاء الأمول من وصلوا سن الرشد والبلوغ بعد أن كانوا يتامى. فكلمة «اليتامى» هنا مجاز مرسل استعملت وأريد بها الراشدون ممن كانوا يتامى. وعلاقة هذا المجاز «اعتبار ما كان». ومنه قولك: «من الناس من يأكل القمح ومنهم من يأكل الذرة والشعير» وأنت تريد بالقمح والذرة والشعير «الخبز» الذي كان في الأصل قمحا أو ذرة أو شعيرا. فعلاقة المجاز المرسل هنا «اعتبار ما كان». ومثله أيضا قولك: «شربت البن» تريد بذلك: شربت «قهوة» كان أصلها بنّا. فإطلاق البن على القهوة مجاز مرسل علاقته أيضا «اعتبار ما كان». ... ٦ - اعتبار ما يكون: وهو تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. نحو قوله تعالى على لسان أحد الفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف ﵇: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. فالمجاز هنا في كلمة «خمرا»، والخمر لا تعصر لأنها سائل، وإنما الذي يعصر هو «العنب» الذي يؤول ويتحول بالعصر إلى خمر. فإطلاق الخمر وإرادة العنب مجاز مرسل علاقته «اعتبار ما يكون». ونحو قوله تعالى على لسان نوح ﵇: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ففي كلمتي «فاجرا وكفارا» من قوله تعالى: وَلا يَلِدُوا

стр. 157

إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً مجازان، لأن المولود حينما يولد لا يكون فاجرا ولا كفارا، ولكنه قد يكون كذلك بعد الطفولة، أي بعد أن يتحول من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة. ولهذا فإطلاق المولود الفاجر الكفار، وإرادة الرجل الفاجر الكفار مجاز مرسل علاقته أيضا اعتبار «ما يكون»، أي اعتبار ما يؤول ويتحول إليه في المستقبل. ومنه كذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، فالقصاص وهو المساواة في العقاب والجزاء لم يفرض فيمن قتل قبل نزول الآية الكريمة، وإنما فرض فيمن سيقتل بعد نزولها. فالمجاز في كلمة «القتلى» أي الذين سيقتلون بعد نزول الآية. فإطلاق القتلى وإرادة من سيقتلون بعد نزول آية القصاص مجاز مرسل علاقته «اعتبار ما يكون». ... ٧ - المحلية: وذلك فيما إذا ذكر لفظ المحلّ وأريد الحالّ فيه، نحو قوله تعالى في زجر أبي جهل الذي كان ينهى النبي عن الصلاة: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ. كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ. فالأمر في قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ خرج إلى السخرية والاستخفاف بشأن أبي جهل، والمجاز هو في كلمة «ناديه»، فإننا نعرف أن النادي مكان الاجتماع، ولكن المقصود به في الآية الكريمة من في هذا المكان من عشيرته وأنصاره، فهو مجاز مرسل أطلق فيه المحلّ وأريد الحالّ، فالعلاقة «المحلية». ومنه قول الشاعر: لا أركب البحر إني ... أخاف منه المعاطب طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب

стр. 158

فالمجاز في كلمة «البحر» حيث أراد بها الشاعر «السفن» التي تجري فيه، فالبحر هو محل جريان السفن، فإطلاق المحل «البحر» وإرادة الحال فيه «السفن» مجاز مرسل علاقته «المحلية». وفي كلمة «طين» في البيت الثاني مجاز مرسل علاقته «اعتبار ما كان». ومنه قول الحجاج من خطبته المشهورة في أهل العراق: «وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا وأصلبها مكسرا فرماكم بي»، فالمجاز هنا في كلمة «كنانته» والكنانة لغة وعاء توضع فيه السهام، والوعاء لا ينثر، وإنما ينثر ما حل فيه. فإطلاق المحل «الكنانة» وإرادة الحالّ فيها وهو «السهام» مجاز مرسل علاقته «المحلية». ... ٨ - الحالّية: وهي عكس العلاقة السابقة، وذلك فيما إذ ذكر لفظ الحالّ وأريد المحل لما بينهما من ملازمة. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* فالمجاز في كلمة «نعيم»، والنعيم لا يحل فيه الإنسان لأنه معنى من المعاني، وإنما يحل الإنسان في مكانه. فاستعمال النعيم في مكانه مجاز مرسل أطلق فيه الحالّ وأريد المحل، فعلاقته «الحالّية». ومنه أيضا قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، فالمجاز في كلمة «رحمة» والرحمة لا يحل فيها الذين ابيضت وجوههم لأنها معنى من المعاني، وإنما هم يحلون في مكان الرحمة الذي يراد به في الآية الجنة. فإطلاق الحالّ «الرحمة» وإرادة محلها «الجنة» مجاز مرسل علاقته «الحالّية».

стр. 159

ومن أمثلته شعرا قول شاعر يرثي معن بن زائدة: ألّما على «معن» وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا (١) فالمجاز في كلمة «معن» يراد به قبره، فقد أطلق الشاعر الحالّ وهو «معن» وأراد المحل الذي حل فيه بعد وفاته وهو «القبر» بدليل قوله «وقولا لقبره». فالمجاز هنا مجاز مرسل علاقته «الحالّية». ... ٩ - الآلية: وذلك إذا ذكر اسم الآلة وأريد الأثر الذي ينتج عنها، نحو قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. فالمجاز في كلمة «لسان»، والمراد واجعل لي قول صدق أي ذكرا حسنا، فأطلق اللسان الذي هو آلة القول على القول نفسه وهو الأثر الذي ينتج عنه. فإطلاق «اللسان» آلة القول وأداته وإرادة الأثر الناتج عنه وهو «القول أو الكلام» مجاز مرسل علاقته «الآلية». ونحو قوله تعالى أيضا: فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ، أي على مرأى منهم، والأعين هي آلة الرؤية. فالمجاز في كلمة «أعين» حيث أطلقت وأريد الأثر الناتج عنها وهو الرؤية. فهذا مجاز مرسل علاقته «الآلية». ... ١٠ - المجاورة: وذلك فيما إذا ذكر الشيء وأريد مجاوره. ومن أمثلة ذلك قول عنترة:

стр. 160

فشككت بالرمح الأصمّ «ثيابه» ... ليس الكريم على القنا بمحرّم (١) فالشاعر يعني بقوله: «شككت ثيابه» شككت قلبه: وأي مكان آخر من جسمه يصيب منه الرمح مقتلا. فالمجاز في كلمة «ثيابه» التي أطلقت وأريد بها ما يجاورها من القلب أو أي مكان آخر في الجسم يصيب الرمح منه مقتلا. فإطلاق الثياب وإرادة ما يجاورها من مقاتل الجسم بأي سلاح كان كالرمح مجاز مرسل علاقته «المجاورة».

стр. 161

المبحث الثالث الاستعارة الاستعارة لغة رفع الشيء وتحويله من مكان إلى آخر، يقال استعار فلان سهما من كنانته: رفعه وحوّله منها إلى يده. وعلى هذا يصح أن يقال استعار إنسان من آخر شيئا، بمعنى أن الشيء المستعار قد انتقل من يد المعير إلى المستعير للانتفاع به. ومن ذلك يفهم ضمنا أن عملية الاستعارة لا تتمّ إلا بين متعارفين تجمع بينهما صلة ما. ويؤكد هذا المعنى ويوضحه قول ابن الأثير: «الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة: وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا إذ لا يعرفه حتى يستعير منه. وهذا الحكم جار في استعارة

стр. 162

الألفاظ بعضهما من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر» (١). ولعلنا نلحظ من ذلك صلة بين المعنى اللغوي أو الحقيقي للاستعارة ومعناها المجازي، إذ لا يستعار أحد اللفظين للآخر في واقع الأمر إلا إذا كان هناك صلة معنوية تجمع بينهما. وإذا شئنا التعرف على تاريخ «الاستعارة» لدى البلاغيين فإننا نجد الجاحظ «٢٥٥ هـ» من أوائل من التفتوا إليها وعرّفوها وسمّوها وأفاضوا بعض الشيء في الحديث عنها. فالاستعارة عنده: «هي تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه»، ورد ذلك التعريف في تعليقه على البيت الثالث من الأبيات التالية: يا دار قد غيّرها بلاها ... كأنما بقلم محاها .. أخربها عمران من بناها ... وكرّ ممسناها على مغناها وطفقت سحابة تغشاها ... تبكي على عراصها عيناها فقد علق الجاحظ على البيت الثالث هنا بقوله: «وطفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها ها هنا للسحاب، وجعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة، وتسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه» (٢).

стр. 163

وكثيرا ما يستعمل الجاحظ في تعليقاته على النصوص عبارات «على التشبيه»: «وعلى المثل»، «وعلى الاشتقاق» وهو يعني بها الاستعارة أو المجاز بمعناه العام الذي تندرج تحته الاستعارة. وليس في ذلك من غرابة، فالاستعارة مجاز علاقته المشابهة، وكلمة التشبيه ترد عند تحليل الاستعارة أو إجرائها، ثم هي في حقيقتها تشبيه حذف أحد طرفيه. ... وجاء بعد الجاحظ ابن المعتز «٢٩٦ هـ» فتحدث عن الاستعارة وعدها أول باب في كتابه «البديع» وأورد لها أمثلة من الكلام البديع من نحو قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ وقوله تعالى أيضا: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقول الشاعر: «... والصبح بالكوكب الدريّ منحور». وقد علق على هذا الكلام بقوله: «وإنما هو استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها مثل أم الكتاب، ومثل جناح الذل، ومثل قول القائل «الفكرة مخ العمل» فلو كان قال «لب العمل» لم يكن بديعا» (١). ومن هذا التعليق يمكن استشفاف مفهوم ابن المعتز للاستعارة. وكما أورد أمثلة شتى للاستعارة البديعة وعلق على بعضها بما يؤكد مفهومه السابق للاستعارة أورد كذلك أمثلة للاستعارة المعيبة في نظره من مثل قول أبي تمام: كلوا الصبر غضا واشربوه فإنكم ... أثرتم بعير الظلم والظلم بارك

стр. 164

متى يأتك المقدار لا تك هالكا ... ولكن زمان غال مثلك هالك (١) ... ثم نلتقي بعد ابن المعتز بقدامة بن جعفر المتوفي سنة ٣٣٧ للهجرة، فقد عقد قدامة في كتابه «نقد النثر» بابا للاستعارة تحدث فيه عن الحاجة إليها في كلام العرب ومفهومها عنده، كما تحدث عن الاستعارة المكنية وإن لم يسمها الاسم الذي عرفت به فيما بعد. فعن الأمرين الأولين يقول قدامة: «وأما الاستعارة فإنما احتيج إليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم، وليس هذا في لسان غير لسانهم، فهم يعبرون عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة ربما كانت مفردة له، وربما كانت مشتركة بينه وبين غيره، وربما استعاروا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز، فيقولون إذا سأل الرجل الرجل شيئا فبخل به عليه: «لقد بخّله فلان»، وهو لم يسأله ليبخل وإنما سأله ليعطيه؛ لكن البخل لمّا ظهر منه عند مسألته إياه، جاز في توسعهم ومجاز قولهم أن ينسب ذلك إليه. ومنه قول الشاعر: «... فللموت ما تلد الوالدة»، والوالدة إنما تطلب الولد ليعيش لا ليموت، لكن لما كان مصيره إلى الموت جاز أن يقال: للموت ولدته» (٢). فالاستعارة في نظر قدامة تتمثل في استعارة بعض الألفاظ في موضع بعض على سبيل التوسع والمجاز. وعن الاستعارة المكنية التي التفت إليها ولم يسمها باسمها

стр. 165

الاصطلاحي المعروف يقول: «ومن الاستعارة ما قدمناه من إنطاق الربع وكل ما لا ينطق إذا ظهر من حاله ما يشاكل النطق. ومما جاء من هذا النوع في القرآن قوله: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. لما جاز أن تحتمل مزيدا من الكافرين حسن أن يقال: قالت وهل من مزيد؟ وكذلك قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، وذلك لما كانتا عن إرادته من غير استصعاب عليه ولا عصيان له، جاز أن يقال إنهما قالتا أتينا طائعين. وكذلك قوله: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ، لما كانت الإرادة من أسباب الفعل وكان وقوع الفعل يتلوها، جاز لما قد كاد أن يقع وقرب وقوعه، أن يقال أراد أن يقع. ومثل ذلك قول الشاعر: «... امتلأ الحوض وقال قطني»، أي لما لم تكن فيه- الحوض- سعة لغير ما قد وقع فيه من الماء، جاز على الاستعارة أن يقال: قد قال حسبي، وهذا شائع في اللغة كثير» (١). وإذا كانت الاستعارة المكنية هي ما حذف فيها المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه فإن في كل من «جهنم، والسماء، والأرض، والحوض» الواردة في الأمثلة السابقة استعارة مكنية حذف في كل منها المشبه به وهو شخص أو إنسان ورمز إليه بشيء من لوازمه هو «النطق والقول». ومن البلاغيين من يسمي هذا النوع من الاستعارة «التشخيص» حيث تمثل فيه المعاني والجمادات إلى أشخاص تكتسب كل صفات الكائنات الحية أيا كانت وتصدر عنها أفعالها.

стр. 166

وهم يعدون هذا النوع من أجمل الصور البيانية لما فيه من التشخيص والتجسيد وبث الحياة والحركة في الجمادات وتصوير المعنويات في صورة محسة حية. وبعد فقد عرضنا في مستهل هذا الكتاب وعلى التحديد في مبحث «نشأة علم البيان وتطوره» لتاريخ الاستعارة مبينين كيف نشأ البحث فيها وتطور لدى رجال البلاغة في العصور المختلفة. وليس من قصدنا أن نعيد هنا ما سبق أن ذكرناه عن الاستعارة، فهذا أمر يمكن الرجوع إليه وتتبعه تاريخيا في مكانه من الكتاب. وإنما القصد أن نلقي مزيدا من الضوء على أوائل من فطنوا إلى الاستعارة وقاموا بالمحاولة الأولى في بحثها، تلك المحاولة التي التقطها البلاغيون من بعدهم وتوسعوا في دراستها، حتى وصلت الاستعارة بفضل جهودهم إلى ما وصلت إليه من التفريع والتقسيم. ذلك هو القصد، وقصد آخر هو أن نتخذ من ذلك مدخلا إلى دراسة الاستعارة دراسة موسعة تعززها الأمثلة والشواهد الكثيرة، وذلك لأهميتها في باب البيان العربي، تلك الأهمية التي جعلت إماما من أئمة البلاغة هو عبد القاهر الجرجاني ينظر إليها وإلى المجاز والتشبيه والكناية على أنها عمد الإعجاز وأركانه، والأقطاب التي تدور البلاغة عليها، وذلك إذ يقول: «ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها، وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصا الاستعارة والمجاز، فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون وأول ما يوردون» (١).

стр. 167

تعريف الاستعارة ١ - عرّفها الجاحظ بقوله: «الاستعارة تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه». ٢ - وعرّفها ابن المعتز بقوله: «هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها». ٣ - وعرّفها قدامة بن جعفر بقوله: «هي استعارة بعض الألفاظ في موضع بعض على التوسع والمجاز». ٤ - وعرّفها القاضي الجرجاني (١) بقوله: «فأما الاستعارة فهي أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسّع والتصرّف، وبها يتوصّل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر». وعرّفها مرة أخرى بقوله: «ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصلي ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها بقرب التشبيه، ومناسبة المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر» (٢). ٥ - وعرّفها أبو الحسن الرماني (٣) بقوله: «الاستعارة استعمال العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة» ومثل لها بقول الحجاج: «إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها».

стр. 168

٦ - وعرّفها الآمدي (١) بما معناه: «هي استعارة المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سببا من أسبابه». ٧ - وعرّفها أبو هلال العسكري بقوله: «الاستعارة نقل العبارة عن موضع استعمالها في أصل اللغة إلى غيره لغرض». ٨ - وعرّفها عبد القاهر الجرجاني بقوله: «الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا تدلّ الشواهد على أنه اختصّ به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازم فيكون هناك كالعارية (٢). ٩ - وعرّفها السكاكي بقوله: «الاستعارة أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعيا دخول المشبه في جنس المشبه به دالّا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخصّ المشبه به» (٣). ١٠ - وعرّفها ضياء الدين بن الأثير بقوله: «الاستعارة هي طيّ ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه، والاكتفاء بذكر المستعار الذي هو المنقول» (٤). وعرّفها ابن الأثير تعريفا آخر بقوله: «الاستعارة نقل المعنى من لفظ

стр. 169

إلى لفظ لمشاركة بينهما مع طيّ ذكر المنقول إليه (١). ١١ - وعرّفها الخطيب القزويني بقوله: «الاستعارة مجاز علاقته تشبيه معناه بما وضع له. وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبّه به في المشبّه، فيسمى المشبه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا» (٢). ... تلك طائفة من تعريفات الاستعارة تبيّن مفهومها لدى كبار رجال البلاغة العربية في عصورها المختلفة، وهي وإن اختلفت عباراتها فإنها تكاد تكون متفقة مضمونا. ومن كل التعريفات السابقة تتجلى الحقائق التالية بالنسبة للاستعارة: ١ - الاستعارة ضرب من المجاز اللغوي علاقته المشابهة دائما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. ٢ - وهي في حقيقتها تشبيه حذف أحد طرفيه. ٣ - تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبّه به في المشبّه، فيسمى المشبّه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا. ٤ - وقرينة الاستعارة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون لفظية أو حالية.

стр. 170

أقسام الاستعارة ١ - الاستعارة التصريحية والمكنية يقسّم البلاغيون الاستعارة من حيث ذكر أحد طرفيها إلى: تصريحية ومكنية. ١ - فالاستعارة التصريحية: وهي ما صرّح فيها بلفظ المشبه به، أو ما استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه. ٢ - والاستعارة المكنية: هي ما حذف فيها المشبه به أو المستعار منه، ورمز له بشيء من لوازمه. ولبيان هذين النوعين من الاستعارة نورد فيما يلي طائفة من الأمثلة ثم نعقّب عليها بالشرح والتفصيل. الأمثلة: ١ - قال المتنبي في وصف دخول رسول الروم على سيف الدولة: وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي في هذا البيت مجاز لغوي، أي كلمة استعملت في غير معناها الحقيقي وهي «البحر» والمقصود بها سيف الدولة الممدوح، والعلاقة المشابهة، والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي لفظية وهي «فأقبل يمشي في البساط». وفي البيت مجاز لغوي آخر، أي كلمة استعملت في غير معناها الحقيقي وهي «البدر» والمقصود بها أيضا سيف الدولة الممدوح، والعلاقة بين البدر والممدوح المشابهة في الرفعة، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي لفظية أيضا وهي «فأقبل يمشي في البساط».

стр. 171

٢ - وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. ففي الآية الكريمة مجازان لغويان في كلمتي «الظلمات والنور» قصد بالأولى «الضلال» وبالثانية «الهدى والإيمان». فقد استعير «الظلمات» للضلال، لعلاقة المشابهة بينهما في عدم اهتداء صاحبهما. كذلك استعير «النور» للهدى والإيمان، لعلاقة المشابهة بينهما في الهداية، والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي في كلا المجازين قرينة حالية تفهم من سياق الكلام. ٣ - وقال المتنبي في مدح سيف الدولة أيضا: أما ترى ظفرا حلوا سوى الظفر ... تصافحت فيه بيض الهند باللمم (١)؟ ففي البيت هنا مجاز لغوي في كلمة «تصافحت» يراد منها «تلاقت» لعلاقة المشابهة، والقرينة لفظية هي «بيض الهند واللمم». وإذا تأملنا المجاز اللغوي في كل هذه الأمثلة الثلاثة رأينا أنه تضمن تشبيها حذف منه لفظ المشبه واستعير بدله لفظ المشبه به ليقوم مقامه بادّعاء أن المشبه به هو عين المشبه مبالغة. فكل مجاز من هذا النوع يسمى «استعارة»، ولما كان المشبه به مصرّحا به في هذا المجاز سمي «استعارة تصريحية». ...

стр. 172

٤ - قال الشاعر دعبل الخزاعي: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك «المشيب» برأسه فبكى فالمجاز هنا في كلمة «المشيب» حيث شبّه بإنسان على تخيل أن المشيب قد تمثل في صورة إنسان، ثم حذف المشبه به «الإنسان» ورمز له بشيء من لوازمه هو «ضحك» الذي هو القرينة. ٥ - قال الشاعر: وإذا «العناية» لا حظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهنّ أمان المجاز اللغوي في كلمة «العناية»، فالذي يفهم من البيت أن الشاعر يريد أن يشبّه «العناية» بإنسان، وأصل الكلام: العناية كامرأة لاحظتك عيونها، ثم حذف المشبه به «المرأة» فصار: العناية لاحظتك عيونها، على تخيل أن العناية قد تمثلت في صورة امرأة، ثم رمز للمشبه به المحذوف بشيء من لوازمه هو «لاحظتك عيونها» والذي هو القرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. ٦ - وقال الحجاج من خطبته في أهل العراق: «إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها». فالمجاز اللغوي هنا في كلمة «رؤوسا»، وأصل الكلام على التشبيه «إني لأرى رؤوسا كالثمرات قد أينعت وحان قطافها» ثم حذف المشبه به وهو «الثمرات»، فصار الكلام «إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها» على تخيل أن الرؤوس قد تمثلت في صورة ثمار، ثم رمز للمشبّه به المحذوف بشيء من لوازمه هو «قد أينعت وحان قطافها».

стр. 173

ولما كان المشبه به في هذا النوع من الاستعارة محتجبا سميت «استعارة مكنية». من هذه الأمثلة وشرحها يتضح ما سبق أن ذكرناه من أن الاستعارة من حيث ذكر أحد طرفيها نوعان: ١ - الاستعارة التصريحية: وهي ما صرّح فيها بلفظ المشبّه به، أو ما استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه. ٢ - الاستعارة المكنية: وهي ما حذف فيها المشبه به أو المستعار منه، ورمز له بشيء من لوازمه. إجراء الاستعارة يقصد بإجراء الاستعارة تحليلها إلى عناصرها الأساسية التي تتألف منها. وهذا التحليل يتطلب تعيين كلّ من المشبه والمشبه به في الاستعارة، وعلاقة المشابهة أو الصفة التي تجمع بين طرفي التشبيه، ونوع الاستعارة، وكذلك نوع القرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، والتي تكون أحيانا لفظية وأحيانا حالية تفهم من سياق الكلام. وفيما يلي إجراء لبعض الاستعارات يحلّلها ويوضّح العناصر الرئيسية التي تتألف منها: ١ - قال ابن المعتز: جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا في البيت استعارتان الأولى منهما في «قتل البخل» حيث شبّه تجنب كل مظاهر البخل، وهو المشبه، بالقتل، وهو المشبه به، بجامع الزوال في كل، والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الحقيقي هي لفظة «البخل». ولأن

стр. 174

المشبّه به وهو «القتل» مصرّح به تسمى هذه الاستعارة «تصريحية». والاستعارة الثانية في البيت هي «أحيا السماحا»، حيث شبّه تجديد وانبعاث ما اندثر من عادة الكرم، وهو المشبه، بالإحياء، وهو المشبه به، بجامع الإيجاد بعد العدم في كل، والقرينة هنا لفظية وهي «السماحا». ولأن المشبه به «الإحياء» مصرّح به فالاستعارة «تصريحية». ٢ - وقال الشاعر في وصف مزين: إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الوجه ماء النعيم في هذا البيت شبّه الموسى بالبرق بجامع اللمعان في كل، واستعير اللفظ الدالّ على المشبه به وهو «البرق» للمشبه وهو «الموسى»، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «في كفه». ولما كان المشبه به «البرق» مصرّحا به فالاستعارة تصريحية. ... ٣ - قال أبو خراش الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... أبصرت كل تميمة لا تنفع في هذا البيت شبّهت «المنية» بحيوان مفترس بجامع إزهاق روح من يقع عليه كلاهما، ثم حذف المشبه به «الحيوان المفترس» ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو «أنشبت أظفارها»، والقرينة لفظية وهي إثبات الأظفار للمنيّة. والاستعارة هنا «مكنية» لأن المشبه به قد حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه. ٤ - وقال أبو العتاهية يهنئ المهدي بالخلافة: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها

стр. 175

شبّهت «الخلافة» هنا بغادة ترتدي ثوبا طويل الذيل بجامع بهاء المنظر والحسن في كل، ثم حذف المشبه به «الغادة» ورمز إليها بشيء من لوازمها وهو «أتته منقادة»، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية، وهي «تجرر أذيالها» أو إثبات تجرير الأذيال للخلافة. ونوع الاستعارة «مكنية» وذلك لحذف المشبه به والرمز إليه بشيء من لوازمه. ٥ - وقال السري الرفاء: مواطن لم يسحب بها الغيّ ذيله ... وكم للعوالي بينها من مساحب (١) ففي هذا البيت شبّه «الغيّ» بإنسان بجامع أن كليهما يقود إلى الزلل، ثم حذف المشبه به «الإنسان» ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو «يسحب ذيّله»، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لفظية، وهي «إثبات سحب الذيل للغي». ولما كان المشبه به قد حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه فالاستعارة «مكنية». ٢ - الاستعارة الأصلية والتبعية ويقسم البلاغيون الاستعارة تقسيما آخر باعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية. أ- فالاستعارة الأصلية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسما جامدا غير مشتق.

стр. 176

١ - مثال ذلك لفظة «كوكبا» في قول التهامي الشاعر راثيا ابنا صغيرا له: يا «كوكبا» ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار ففي إجراء هذه الاستعارة يقال: شبّه الابن «بالكوكب» بجامع صغر الجسم وعلو الشأن في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «الكوكب» للمشبه «الابن» على سبيل الاستعارة التصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به. والقرينة نداؤه. وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «الكوكب» رأيناه اسما جامدا غير مشتق، ومن أجل ذلك يسمى هذا النوع من الاستعارة «استعارة أصلية». ٢ - ومثاله أيضا لفظة «القيان» في قول الشاعر: حول أعشاشها على الأشجار ... قد سمعن «القيان» وهي تغني وفي إجراء هذه الاستعارة أيضا يقال: شبّهت الطيور المغردة على الأشجار «بالقيان» أي المغنيات بجامع حسن الصوت في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «القيان» للمشبه «الطيور» على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي قوله: «حول أعشاشها على الأشجار». وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «القيان» جمع قينة رأيناه اسما جامدا غير مشتق. ولهذا يسمى هذا النوع من الاستعارة التي يكون فيها اللفظ المستعار اسما جامدا «استعارة أصلية». ٣ - ومن الاستعارة الأصلية كذلك لفظة «حديقة» في قول المتنبي: حملت إليه من لساني «حديقة» ... سقاها الحجا سقي الرياض السحائب

стр. 177

فالاستعارة هنا في لفظة «حديقة»، وفي إجراء الاستعارة يقال: شبّه الشعر «بالحديقة» بجامع الجمال في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به «الحديقة» للمشبه «الشعر» على سبيل الاستعارة التصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به. والقرينة «من لساني وسقاها الحجا». وإذا تأملنا اللفظ المستعار وهو «الحديقة» رأيناه كذلك اسما جامدا غير مشتق، ومن أجل ذلك تسمى «استعارة أصلية». ومن إجراء هذه الاستعارات وتحليلها يتجلى لنا أمران: الأول أنه قد صرّح في كل استعارة بلفظ المشبه به، ولهذا تسمى الاستعارة «تصريحية»، والثاني أن اللفظ المستعار اسم جامد غير مشتق، وبسبب ذلك تسمى الاستعارة «أصلية». ومن أجل ذلك تسمى هذه الاستعارات وأمثالها مما يتوافر له هذا الأمر أن «استعارة تصريحية أصلية». ... ب- الاستعارة التبعية: وهي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسما مشتقا أو فعلا. ١ - مثال ذلك لفظة «سكت» من قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ. ففي هذه الآية الكريمة استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به، وفي إجرائها نقول: شبه انتهاء الغضب عن موسى «بالسكوت» بجامع الهدوء في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به وهو «السكوت» للمشبه وهو «انتهاء الغضب»، ثم اشتق من «السكوت» بمعنى انتهاء الغضب «سكت» الفعل بمعنى انتهى.

стр. 178

٢ - ومثالها أيضا لفظة «عانقت» في قول البحتري يصف قصرا: ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر ففي هذا البيت استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبّه به، واللفظ المستعار هو فعل «عانقت»، وفي إجراء الاستعارة نقول: شبهت الملامسة «بالمعانقة» بجامع الاتصال في كل، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو «المعانقة» للمشبه وهو «الملامسة»، ثم اشتق من «المعانقة» بمعنى الملامسة الفعل «عانقت» بمعنى لامست. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «شرفاته». ٣ - ومن أمثلتها كذلك لفظ «لبس» من قول ابن الرومي: بلد صحبت به الشبيبة والصّبا ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد ففي لفظة «لبس» أولا استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به، واللفظ المستعار هنا هو فعل «لبس»، وفي إجراء الاستعارة نقول: شبّه فيها التمتع باللهو «باللبس» للثوب الجديد بجامع السرور في كل، ثم استعير اللفظ الدّال على المشبه به وهو «اللبس» للمشبه وهو التمتع باللهو، ثم اشتق من «اللبس» الفعل «لبس» بمعنى تمتع. والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «ثوب اللهو». ... وإذا وازنّا بين إجراء الاستعارات الثلاث الأخيرة وإجراء الاستعارات الثلاث الأولى، رأينا أن الإجراء هنا لا ينتهي عند استعارة المشبه به للمشبه كما انتهى في الاستعارات الثلاث الأولى، بل يزيد عملا

стр. 179

آخر، وهو اشتقاق كلمة من المشبه به، وأن ألفاظ الاستعارة هنا مشتقة لا جامدة. وهذا النوع من الاستعارة يسمى «بالاستعارة التبعية»، لأن جريانها في المشتق كان تابعا لجريانها في المصدر. ... وإذا رجعنا إلى المثال الأول من الأمثلة الثلاثة الأخيرة وهو «ولما سكت عن موسى الغضب» فإننا نرى أنه يجوز أن يشبّه «الغضب» بإنسان، ثم يحذف المشبه به «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «سكت»، فتكون في «الغضب» استعارة «مكنية». وإذا رجعنا إلى المثال الثاني منها وهو «وعانقت شرفاته قطع السحاب الممطر» فإننا نرى أنه يجوز أيضا أن تشبه «شرفات القصر» بإنسان ثم يحذف المشبه به «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «عانقت»، فتكون في «شرفاته» استعارة «مكنية». وإذا رجعنا إلى المثال الثالث والأخير منها وهو «ولبست ثوب اللهو» فإننا نرى كذلك أنه يجوز أن يشبه «اللهو» بإنسان له ثوب أعاره الشاعر ثم يحذف المشبه به وهو «الإنسان» ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو «الثوب». ومن ذلك نرى أن كل استعارة «تبعية» يصحّ أن يكون في قرينتها استعارة «مكنية»، غير أنه لا يجوز لنا إجراء الاستعارة إلا في واحدة منهما لا في كلتيهما معا. وبعد ... فلعلّ من المفيد هنا أن نعود فنلخص القواعد الخاصة بهذا القسم من الاستعارة زيادة في الإيضاح وتمكينا من الإلمام بها.

стр. 180

١ - يقسّم البلاغيون الاستعارة تقسيما آخر باعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية. ٢ - الاستعارة الأصلية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسما جامدا غير مشتق. ٣ - الاستعارة التبعية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسما مشتقا أو فعلا. وتسمى تبعية لأن جريانها في المشتق يكون تابعا لجريانها في المصدر. ٤ - كل استعارة تبعية قرينتها استعارة مكنية، وإذا أجريت الاستعارة في واحدة منهما امتنع إجراؤها في الأخرى. ٣ - الاستعارة باعتبار الملائم ذكرنا فيما سبق أن الاستعارة تنقسم باعتبار طرفيها إلى تصريحية ومكنية، وباعتبار اللفظ المستعار إلى أصلية وتبعية، وهنا نذكر أنها تقسم باعتبار الملائم تقسيما ثالثا إلى مرشحة، ومجردة، ومطلقة. ١ - فالاستعارة المرشحة: هي ما ذكر معها ملائم المشبه به، أي المستعار منه. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ. ففي هذه الآية الكريمة استعارة تصريحية في لفظة «اشتروا» فقد استعير «الاشتراء» «للاختيار» بجامع أحسن الفائدة في كل، والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي لفظية وهي «الضلالة». وإذا تأملنا هذه الاستعارة رأينا أنه قد ذكر معها شيء يلائم المشبه
следующие страницы →