← Баляга

Баляга · id 17669

علم البيان

عبد العزيز عتيق

Полный текст (220 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

علم البيان تأليف الدكتور عبد العزيز عتيق دار النهضة العربية

стр. 2

مقدّمة هذا الكتاب يضم بين دفتيه محاضرات في «علم البيان» ألقيتها على طلبة الصف الثاني في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بيروت العربية. والقسم الأول من هذه المحاضرات يعالج تاريخ علم البيان ويتابع نشأته وتطوره في العصور المختلفة، أي منذ بدأت مباحثه في صورة ملاحظات بلاغية حتى صارت علما واضح المعالم قائما بذاته على يد عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي ومن بعدهم من رجال البلاغة. وقد حرصنا في هذا العرض التاريخي على التعريف بعلماء البلاغة وأعمالهم، مسلطين الضوء بوجه خاص على ما ورد في كتبهم متصلا بفنون علم البيان موضوع بحثنا. كذلك حرصنا على بيان منهاج كل منهم في بحثة ومدى تأثره بمن قبله وتأثيره فيمن بعده، مع الإشارة إلى من أدّت مساهمته منهم في هذا الميدان إلى نهضة البلاغة العربية أو جمودها. أما القسم الثاني من المحاضرات فدراسة مفصلة تحليلية تعززها النماذج والشواهد لفنون علم البيان من التشبيه، والحقيقة والمجاز بأنواعه، والكناية. والله أسأل أن ينفع بهذه المحاضرات بمقدار الجهد الذي بذل فيها. المؤلف

стр. 3

نشأة علم البيان وتطوّره ترتبط «البلاغة العربية» في الأذهان عند ذكرها بعلومها الثلاثة المعروفة لنا اليوم وهي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع. وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أنّ هذه العلوم الثلاثة البلاغية قد نشأ كل واحد منها مستقلا عن الآخر بمباحثه ونظرياته، ولكن الواقع غير ذلك. فالواقع أنّ البلاغة العربية قد مرّت بتاريخ طويل من التطور حتى انتهت إلى ما انتهت إليه، وكانت مباحث علومها مختلطا بعضها ببعض منذ نشأة الكلام عنها في كتب السابقين الأولين من علماء العربية، وكانوا يطلقون عليها «البيان». وقد أخذت الملاحظات البيانات تنشأ عند العرب منذ العصر الجاهلي، ثمّ مضت هذه الملاحظات تنمو بعد ظهور الإسلام لأسباب شتّى، منها تحضر العرب، واستقرارهم في المدن والأقطار المفتوحة، ونهضتهم العقلية، ثمّ الجدل الشديد الذي قام بين الفرق الدينية المختلفة

стр. 4

في شؤون العقيدة والسياسة. فكان طبيعيا لذلك كله أن تكثر الملاحظات البيانية والنقدية تلك التي نلتقي بها في تراجم بعض الشعراء الجاهليين والإسلاميين في كتاب مثل كتاب الأغاني. وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي فإننا نجد بالإضافة إلى نمو الملاحظات البلاغية محاولات أولية لتدوين هذه الملاحظات وتسجيلها، كما هو الشأن في كتب الجاحظ، وبخاصة كتاب «البيان والتبيين». وقد أدّى إلى هذه النقلة الجديدة عوامل منها تطور الشعر والنثر بتأثير الحضارة العباسية، ورقي الحياة العقلية فيها، ومنها ظهور طائفتين من العلماء المعلمين عنيتا بشؤون اللغة والبيان، إحداهما طائفة محافظة هي طائفة اللغويين، وهؤلاء كانوا يعلمون رواية الأدب وأصوله اللغوية والنحوية، وكان اهتمامهم بالشعر الجاهلي والإسلامي أكثر من اهتمامهم بالشعر العباسي، وقد هداهم البحث في أساليب الشعر القديم من ناحيتيها اللغوية والنحوية إلى استنباط بعض الخصائص الأسلوبية على نحو ما نجد في كتاب سيبويه من مثل كلامه عن التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتعريف والتنكير، ونحو ذلك. كذلك نلتقي بكتاب «معاني القرآن» للفرّاء «٢٠٧ هـ»، والذي يعنى فيه بالتأويل وتصوير خصائص بعض التراكيب، والإشارة إلى ما في آي الذكر الحكيم من الصور البيانية. ثمّ نلتقي بكتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى «٢١١ هـ» الذي كان معاصرا للفراء، وهذا الكتاب لا يبحث في مجاز القرآن من الجانب البلاغي، وإنّما هو بحث في تأويل بعض الآيات القرآنية، وأبو عبيدة هذا هو أوّل من تكلم بلفظ المجاز، كما ذكر ابن تيمية في كتابه «الإيمان» ولكنه لم يتكلّم عن المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، وإنّما المجاز

стр. 5

عنده يعني بيان المعنى. ومع هذا فقد وردت في كتابه «مجاز القرآن» إشارات إلى بعض الأساليب البيانية كالتشبيه والاستعارة والكناية، وبعض خصائص التعبير النحوية التي لها دلالات معنوية من مثل الذكر والحذف والالتفات والتقديم والتأخير. ومع ما اهتدى إليه كل من الفراء وأبي عبيدة من السمات والخصائص البيانية فإنّ مدلولاتها البلاغية لم تتبلور وتحدد في ذهن أي منهما أو أي من اللغويين والنحاة المعاصرين لهما. أما طائفة العلماء المعلمين الأخرى التي ظهرت في العصر العباسي فهي طائفة علماء الكلام وفي طليعتهم المعتزلة الذين كانوا يدربون تلاميذهم على فنون الخطابة والجدل والبحث والمناظرة في الموضوعات المتصلة بفكرهم الاعتزالي. وكان هذا التدريب يعمق ويمتد حتى يشمل الكلام وصناعته وقيمته البلاغية والجمالية. وقد حفظ لنا كتاب البيان والتبيين للجاحظ قدرا كبيرا من ملاحظات المعتزلة المتصلة بالبلاغة العربية، وهذه قد استقوها من مصدرين هما: التقاليد العربية، والثقافات الأجنبية التي شاعت في عصرهم واطلعوا عليها. فالثقافات الأجنبية التي أخذوا أنفسهم بدراستها وتعمّقوا في فلسفتها ومنطقها قد عادت عليهم بفائدتين لهما أثرهما في شؤون البلاغة: فائدة عقلية بحتة مصدرها دراسة الفلسفة الإغريقية التي نظمت عقولهم تنظيما دقيقا أعانهم على استنباط القضايا البلاغية، وفائدة أخرى ترجع إلى طلبهم معرفة ما في ثقافات الأمم الأخرى التي وصلت إليهم من قواعد البلاغة والبيان. ويتضح ذلك حين نجد الجاحظ المعتزلي يورد في كتابه البيان والتبيين تعاريف اليونان والفرس والهند للبلاغة وهذا يعني أنّ المعتزلة

стр. 6

أخذوا يضيفون إلى ملاحظات العرب الخاصة في البلاغة ملاحظات الأمم الأجنبية وخاصة اليونان، ومضوا من خلال ذلك ينفذون إلى وضع المقدمات الأولى لقواعد البلاغة العربية. وأوّل معتزلي خطا خطوة ملحوظة في هذا السبيل هو رئيس المعتزلة ببغداد بشر بن المعتمر المتوفى سنة ٢١٠ للهجرة، فعنه نقل الجاحظ صفحات نثر فيها بشر ملاحظات دقيقة في البلاغة، تلقفها من جاء بعده من العلماء، واستعانوا بها على بلورة بعض أصول البلاغة وقواعدها. ولعلّ أكبر معتزلي جاء بعد بشر بن المعتمر وأولى البلاغة العربية عناية فائقة هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ للهجرة. فقد ألّف في البلاغة كتابه «البيان والتبيين» في أربعة مجلدات ضخام جمع فيها معظم ما انتهى إلى عصره من ملاحظات بلاغية، سواء ما اهتدى إليه علماء العربية بأنفسهم أو ما جاء إليهم منقولا عن آداب الفرس والهند واليونان وغيرهم أو عن طريق ما قاله بشر (١) بن المعتمر وكان به سابقا لعصره في ميدان البلاغة. هذا بالإضافة إلى آراء الجاحظ وملاحظاته الخاصة في القضايا البلاغية، ولا سيما ما يتصل بالتشبيهات والاستعارات والمجازات التي هي موضوع «علم البيان». وقد خطا الجاحظ خطوة غير مسبوقة في ملاحظاته البلاغية، وذلك بالكلام عن التشبيه والاستعارة عن طريق النماذج، مع التفريق بينهما، كما استعمل «المثل» مرادفا للمجاز، وجعله مقابلا للحقيقة، وذلك إذ يقول عند حديثه عن «نار الحرب» (٢): «ويذكرون نارا أخرى، وهي على طريق

стр. 7

المثل لا على طريق الحقيقة. قال ابن ميادة: يداه يد تنهلّ بالخير والندى ... وأخرى شديد بالأعادي ضريرها وناراه: نار نار كل مدفّع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها» (١) فالمثل المرادف عنده للمجاز قد استعمله مقابلا للحقيقة، وبهذا كان أوّل من فطن إلى تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز. ولا شك أنّ هذا ينفي ما زعمه ابن تيمية في كتابه «الإيمان» (٢) من أنّ تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث بعد القرن الثالث الهجري. ولعلّ خير من أفاد من ملاحظات الجاحظ البلاغية وبنى عليها وطورها هو ضياء الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٧ للهجرة، في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»، كما سنرى فيما بعد. ومجمل القول في الجاحظ من جهة البلاغة أنّه ألّم في كتبه بالأساليب البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وحقيقة ومجاز، ولكنه لم يوردها في تعريفات اصطلاحية، وإنّما جاء تعريفه لها والدلالة عليها عن طريق الأمثلة والنماذج لا عن طريق القواعد البلاغية. والمقارنة بينه وبين من تقدموه في هذا الميدان تظهر أنّه كان بلا شك أقدرهم على إدراك أسرار البلاغة، وأكثرهم اهتداء عن طريق النماذج إلى شتى العناصر أو الأساليب البيانية التي عرفت وحدّدت فيما بعد، وأصبحت تؤلف مباحث البلاغة وموضوعاتها. ولهذا فهو يعدّ بحق مؤسس

стр. 8

البلاغة العربية الأول، ومعبّد الطريق أمام من أتى بعده من رجالها. ثمّ جاء من بعده متأثرا خطاه وإن لم يكن معتزليا (١) مثله ابن قتيبة الدينوري «٢٧٦ هـ» ففي كتابه «تأويل مشكل القرآن» يتحدّث أولا عن إعجاز القرآن كرد على الطاعنين في أسلوبه، جهلا منهم بأساليب البيان العربي، ثمّ ينتقل من ذلك إلى الحديث المبوب عن موضوعات «علم البيان» من حقيقة ومجاز وتشبيه واستعارة وكناية. وبعد ابن قتيبة يأتي معاصره أبو العباس المبرد «٢٨٥ هـ» بكتابه «الكامل» الذي يجمع بين الشعر والنثر، ويعدّ من كتب اللغة الممهدة للمعاجم بما تضمنه من تفسير كل ما يقع في نصوصه من كلام غريب أو معنى مغلق. ومع أنّ «الكامل» في الأصل كتاب لغة فإنّ المبرد تعرض فيه عند شرح النصوص الأدبية لبعض موضوعات البيان مثل المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه الذي توسع في بحثه وقسمه إلى أربعة أقسام: تشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد. وقد استوحى هذا التقسيم مما كتبه الجاحظ عن التشبيه دون أن يضيف هو إليه جديدا من عنده. ... وأوّل كتاب يلقانا من كتب علماء الكلام الذين اهتموا بالمباحث البلاغية من أجل تفسير الإعجاز البلاغي للقرآن هو كتاب «النكت في

стр. 9

إعجاز القرآن» للرماني المعتزلي «٣٨٦ هـ». وقد تحدّث الرماني فيه عن البلاغة وجعلها في عشرة أبواب يعنينا منها هنا اثنان من أبواب «علم البيان»، هما التشبيه والاستعارة. أمّا التشبيه فقد قسّمه إلى حسي وعقلي، ثمّ فصّل القول في العقلي منه تفصيلا أفاد منه فيما بعد عبد القاهر الجرجاني في كتاب «أسرار البلاغة». وكذلك توسع في الكلام عن الاستعارة مبينا قيمتها البيانية، وأنّها أبلغ في الدلالة على المعنى من الحقيقة. وكل ما قاله الرماني عن الاستعارة كان رصيدا جديدا انتفع به أيضا فيما بعد عبد القاهر وغيره من البلاغيين إلى حد كبير. وكتاب «النكت في إعجاز القرآن» بمشتملاته ومضمونه والجديد فيه له أثر واضح في تاريخ البلاغة العربية، فقد عرّف فيه بعض ألوانها تعريفا نهائيا، وميّز أقسامها وأفاض في شرحها. ... تلك نبذة عن مسائل «علم البيان» التي وردت في كتب بعض المتكلمين ممن عنوا بدراسة بلاغة القرآن وأسرار إعجازه. وبالإضافة إلى ذلك ظهرت في القرن الرابع الهجري دراسات نقدية على أسس بلاغية تعرّض فيها أصحابها إلى مباحث من علم البيان. كتاب الموازنة: من هذه الدراسات النقدية على أسس بلاغية كتاب «الموازنة بين أبي تمام والبحتري» لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفى سنة ٣٧٠ للهجرة. والكتاب كما يدل عليه اسمه موازنة بين شعر شاعرين، أو موازنة

стр. 10

بين مذهبين في الشعر متقابلين من حيث صنع الشعر ونقده. والمذهب الأول هو مذهب أبي عبادة البحتري ودعاة البلاغة العربية «ممن يفضلون سهل الكلام وقريبه، ويؤثرون صحة السبك، وحسن العبارة، وحلو اللفظ، وكثرة الماء والرونق» (١). والمذهب الثاني هو مذهب أبي تمام وأصحابه ممن «يميلون إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على غير ذلك» (٢). ومنهاج الآمدي في الموازنة ألا يفصح بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر، وإنّما يعرض بالنقد لحجج المتعصبين لكل منهما، ثمّ يقارن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتّفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، مع بيان أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى، ثمّ بترك الحكم حينئذ للقارئ على جملة ما لكل واحد منهما، إذا أحاط علما بالجيد والرديء (٣). فالموازنة في الواقع دراسة تطبيقية للصورة والمحسنات في شعر الشاعرين. وليس يعنينا من الموازنة هنا إلّا ما جاء فيها متصلا بعلم البيان، وهو الباب الذي عقده الآمدي لما عيب من الاستعارة عند أبي تمام، فهو في هذا الباب يذكر القبيح من استعارات أبي تمام، ومصدر هذا القبح في نظره هو غلوّ أبي تمام وإغراقه في استعاراته، ويقول: «إنّ للاستعارة حدا تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت وقبحت». ثمّ يشير إلى الاستعارة إشارات عامة من غير تحديد لها كقوله: «وإنّما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا

стр. 11

كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سببا من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه». وكان يعنينا من الموازنة أيضا باب آخر متصل بعلم البيان ذكره الآمدي في منهاج بحثه، ولكنه مفقود من الكتاب، وأعني به الباب الذي أفرده لما وقع في شعر أبي تمام والبحتري من التشبيه والمفاضلة بينهما فيه. وإذا كان هدفنا الأول من وراء هذا التمهيد هو تتبع فنون علم البيان منذ نشأتها حتى أصبحت علما مستقلا بذاته، فإنّ ذلك لا يمنع من التعليق على رأي الآمدي في الاستعارة بأنّ التمييز بين الاستعارة الجيدة والاستعارة القبيحة أمر يرجع إلى الذوق المكتسب بالمران والنظر في أقوال الشعراء المجيدين أكثر مما يرجع إلى القواعد التي وضعها لذلك علماء البيان. كتاب الوساطة: ومن كتب الدراسات النقدية على أسس بلاغية كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه» لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني، المتوفى سنة ٣٦٦ للهجرة. ومع أنّ الوساطة كتاب نقد أكثر منه كتاب بلاغة، فإنّ الجرجاني قد عالج فيه الاستعارة بتوسع، مفرقا بينها وبين التشبيه البليغ. وفي حديثه عن الاستعارة يقول: «فأمّا الاستعارة فهي أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر، وقد قدمنا عند ذكرنا البديع نبذا منها مثلنا بها المستحسن والمستقبح، وفصلنا بين المقتصد والمفرط. وقد كانت الشعراء تجري على

стр. 12

نهج منها قريب من الاقتصاد، حتى استرسل فيها أبو تمام ومال إلى الرخصة فأخرجه إلى التعدي، وتبعه أكثر المحدثين بعده، فوقفوا عند مراتبهم من الإحسان والإساءة، والتقصير والإصابة. وأكثر هذا الصنف من الباب الذي قدمت لك القول فيه، وأقمت لك الشواهد عليه، وأعلمتك أنّه مما يميز بقبول النفس ونفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوه، وربما تمكنت الحجج من إظهار بعضه، واهتدت إلى الكشف عن صوابه أو غلطه» (١). ولعلّنا ندرك من هذا القول أنّ مردّ الحكم على جودة الاستعارة أو قبحها عند الجرجاني هو «قبول النفس أو نفورها» وأنّ ذلك أكثر من الحجج الدالة على جودة الاستعارة أو قبحها، فقد يجد الناقد حججا يستدل بها على جودة الاستعارة، ومع ذلك تنفر منها النفس، أو يجد حججا يستدل بها على قبح الاستعارة، ومع ذلك تقبل عليها النفس. ولا ريب أنّه في ذلك يلتقي مع الآمدي في أنّ الحكم على جودة الاستعارة أو رداءتها يرجع أكثر ما يرجع إلى الذوق الذي هو وليد المران والدربة وإطالة النظر والتأمل في أقوال الشعراء المجيدين. كتاب العمدة: وفي القرن الخامس الهجري نلتقي بأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني «٤٥٦ هـ» في كتابه «العمدة» الذي يعدّ أيضا من الدراسات النقدية على أسس بلاغية. ويحدّثنا ابن رشيق في مقدمة كتابه العمدة عن الدافع الذي حفزه

стр. 13

على تصنيفه فيقول: «.... فقد وجدت الشعر أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، وأحرى أن تقبل شهادته، وتتمثل إرادته، لقول رسول الله ﷺ : «إنّ من الشعر لحكما» وروي «لحكمة»، وقول عمر بن الخطاب ﵁: «نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستنزل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم»، مع ما للشعر من عظم المزية، وشرف الأبية، وعز الأنفة، وسلطان القدرة». «وجدت الناس مختلفين فيه، متخلفين عن كثير منه: يقدمون ويؤخرون، ويقلون ويكثرون، قد بوّبوه أبوابا مبهمة، ولقبوه ألقابا متهمة (١)، وكل واحد منهم قد ضرب في جهة، وانتحل مذهبا هو فيه إمام نفسه، وشاهد دعواه، فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه، ليكون «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» «إن شاء الله تعالى». «وعولت في أكثره على قريحة نفسي ونتيجة خاطري خوف التكرار ورجاء الاختصار، إلّا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية، فإنّه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتى بالأمر على وجهه». «فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه، فهو من ذلك، إلّا أن يكون متداولا بين العلماء، لا يختص به واحد منهم دون الآخر، وربما نحلته أحد العرب، وبعض أهل الأدب، تسترا بينهم، ووقوعا دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه لبس الارتياب به، حتى أعرّف باطله من حقه وأميز كذبه من صدقه» (٢).

стр. 14

تلك نبذة من مقدمة كتاب «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» توضح غرض ابن رشيق من وراء تصنيفه، والمنهاج الذي رسمه لنفسه في إخراجه، مع بيان مقدار ما له وما لغيره فيه. وما دمنا نتحدث عن نشأة علم البيان والجهود التي أسهمت في تطويره من ملاحظات بيانية متناثرة هنا وهناك إلى علم بلاغي قائم بذاته، فإنّ موضع اهتمامنا من كتاب العمدة معلّق بالأبواب التي عرض فيها بشيء من التفصيل لفنون علم البيان، من مجاز واستعارة وتشبيه وكناية. حقا إنّه جمع تحت كل باب من هذه الأبواب أقوال السابقين فيه وعرضها عرضا حسنا ييسرها للطالبين، وليس هذا الجهد في حد ذاته بقليل. ولكن من الحق أيضا أنّ له إضافات جديدة في هذه الأبواب تدل على غزارة علمه، ودقّة فهمه، وسلامة ذوقه الأدبي. كتاب الصناعتين: ومن كتب الدراسات النقدية التي قامت على أسس بلاغية، وإن كانت أكثر تخصصا من سابقتها كتاب «الصناعتين- الكتابة والشعر» لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ للهجرة. فأبو هلال في كتاب الصناعتين يدرس البلاغة دراسة دقيقة هي مزيج من علمه الخاص بها وعلم من سبقوه إليها، مع الإكثار من الأمثلة والشواهد. وهو يعني بالصناعتين الكتابة والشعر، فالكتاب ينبئ من عنوانه عن موضوعه الذي يبحث بحثا مستفيضا في أصول هاتين الصناعتين وأدواتهما التي تتضافر على صنع الكاتب والشاعر. والكتاب يشتمل على عشرة أبواب: باب في الإبانة عن موضوع

стр. 15

البلاغة وحدودها، وباب في تمييز جيد الكلام من رديئه، وباب في معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ، وباب في البيان عن حسن النظم وجودة الرصف، وباب في ذكر الإيجاز والإطناب، وباب في حسن الأخذ وحل المنظوم، وباب في التشبيه، وباب في ذكر الاسجاع والازدواج، وباب في شرح البديع، وباب في ذكر مبادئ الكلام ومقاطعه. ويندرج تحت كل باب من هذه الأبواب فصول تتراوح من فصل إلى خمسة وثلاثين فصلا. وفي الباب الأول الذي عقده أبو هلال للإبانة عن موضوع البلاغة وحدودها ينوّه بشأن البلاغة، ويقرر أنّ العلم بها ضروري لمعرفة إعجاز القرآن الكريم، ولتربية الذوق الأدبي، والتمييز بين جيّد الكلام ورديئه. وأبو هلال لا يخفي تأثره بالجاحظ وإعجابه بكتابه البيان والتبيين، واقتباسه الكثير منه، ولكنه مع ذلك يشير إلى ما يأخذه على منهجه التأليفي بقوله: «إنّ الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتشرة في أثنائه، فهي ضالة بين الأمثلة لا توجد إلّا بالتأمل الطويل والتصفح الكثير، فرأيت أن أعمل كتابي هذا مشتملا على جميع ما يحتاج إليه في صنعة الكلام نثره ونظمه» (١). فهذا المأخذ على منهاج الجاحظ التأليفي ورغبته في تلافيه وعلاجه كان أحد الأسباب التي دفعت أبا هلال على تأليف كتاب الصناعتين، أمّا الأسباب الأخرى فهي معرفته بقيمة علم صناعة الكلام، وشعوره بشدّة الحاجة إليه، وتخبط العلماء وتخليطهم فيما راموا منه، ثمّ قلّة الكتب المصنفة فيه، والتي كان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.

стр. 16

وقد صرّح بأنّه لم يؤلف كتابه على طريقة المتكلمين، وإنّما ألّفه على طريقة صنّاع الكلام من الشعراء والكتاب. والمتصفح لكتاب الصناعتين يرى أنّ المؤلف قد ألّم فيه تقريبا بكل مباحث علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، ولكن مباحث كل علم لا تأتي في موضع معين من الكتاب، وإنّما تأتي في ثناياه وتضاعيفه على حسب مقتضيات المنهاج الذي رسمه أبو هلال لنفسه في تأليفه. ولما كنا نعرض هنا بإيجاز لتاريخ البيان وتطوره حتى صار علما قائما بذاته، فإنّ ما يعنينا من كتاب الصناعتين هو معرفة ما ورد فيه من موضوعات علم البيان وطريقة المؤلف في معالجتها، وهذه الموضوعات هي التشبيه، والاستعارة، والكناية. وقد عقد أبو هلال للتشبيه في كتابه بابا (١) من فصلين، تحدّث في أولهما عن حد التشبيه، ووجوه التشبيه المختلفة، وأدوات التشبيه، والطريقة المسلوكة في التشبيه، وإخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها، وإخراج ما لا قوّة له إلى ما له قوة، وتشبيه ما يرى بالعيان بما ينال بالفكر، وغريب التشبيه وبديعه ومليحه، وشرف التشبيه وموقعه من البلاغة. وفي الفصل الثاني تحدّث عن قبح التشبيه وعيوبه، مثل خطأ التشبيه، والتشبيه الكريه، والتشبيه الرديء اللفظ، وبعيد التشبيه، والتشبيه المتنافر. أمّا الاستعارة فعقد لها فصلا (٢) تكلّم فيه عن: الاستعارة والمجاز،

стр. 17

والغرض من الاستعارة، والاستعارة المصيبة ووقعها، وفضل الاستعارة على الحقيقة، ولا بدّ لكل استعارة ومجاز من حقيقة، ولا بدّ من معنى مشترك بين المستعار والمستعار منه، والاستعارة أبلغ من الحقيقة، والاستعارة في كلام العرب والنبي والصحابة والأعراب، والاستعارة في أشعار المتقدمين، وفي كلام المحدثين. وقد عدّ أبو هلال الكناية ضمن فنون البديع، وعقد لها فصلا عرّفها فيه وذكر نماذج من الجيد والمعيب منها، مع أنّها من مباحث علم البيان، وليس المهم إلى أي علوم البلاغة قد نسبها، وإنّما المهم أنّه أتى على ذكرها في كتابه. وطريقته في معالجة هذه الموضوعات البيانية ليست طريقة عالم البلاغة المعنيّ بدقائقها وتفاصيلها، وإنما هي طريقة من يمزج البلاغة بالأدب والنقد، وإذا القارئ أمام مزيج ترتاح إليه نفسه، ويستدرجه إلى الاسترسال في تحصيله طلبا للمزيد من المتعة العقلية والأدبية. ... وبعد فلعلنا أدركنا من ثنايا عرضنا التاريخي للبيان منذ نشأة البحث فيه حتى الآن كيف تطور على مرّ العصور، وكيف تضافرت جهود الباحثين فيه تدريجيا على كشف أصوله من تشبيه وحقيقة ومجاز واستعارة وكناية، وكيف أخذت معالم هذه الأصول تتضح وتتلاحق واحدة بعد الأخرى. وقد ظلّ الأمر كذلك حتى ظهر عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري فاقتطف ثمار هذه الجهود واتّخذ منها مادة استعان بها في وضع نظرية علم البيان.

стр. 18

عبد القاهر الجرجاني: هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الإمام النحوي وأحد علماء الكلام على مذهب الأشاعرة. ولد وعاش بجرجان ولم يفارقها حتى توفي سنة ٤٧١ للهجرة، وله مؤلفات فيّمة في النحو والصرف والعروض، وإعجاز القرآن، والتفسير، والبلاغة، ولكنه اشتهر أكثر ما اشتهر بكتابه «أسرار البلاغة» الذي وضع فيه نظرية علم البيان، وكتابه «دلائل الإعجاز» الذي وضع فيه نظرية علم المعاني. وهو لهذا يعدّ بحق واضع أسس البلاغة العربية والمشيد لأركانها، والموضح لمشكلاتها، والذي على نهجه سار المؤلفون من بعده، وأتموا البنيان الذي وضع أسسه. ومن العجيب أنّ الضعف بدأ يدب إلى اللغة في القرن الخامس وهي في أوج نهضتها، وكان أوّل مرض ألّم بها في هذا العصر هو الوقوف عند ظواهر قوانين النحو، ومدلول الألفاظ المفردة والجمل المركبة، والانصراف عن معاني الأساليب، وعدم الاهتمام بمناحي القول، وضروب التجوز والكناية فيه. وكان ذلك ما أشفق منه عبد القاهر على اللغة، فعكف على تأليف «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» اللذين دوّن فيهما علم البلاغة، ووضع قوانين للبيان والمعاني، كما وضعت قوانين النحو عند ظهور الخطأ في الإعراب. ومن مقدمة كتابه «أسرار البلاغة» يشعر القارئ أنّ مدرسة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره وغطّت على مدرسة المعاني، ومن أجل ذلك حاول هو بكتابه تأييد المعاني وبيان أثرها ودورها في بلاغة القول. وعلى هذا فالذي يعنينا من كتبه فيما نحن بسبيله هنا هو كتاب

стр. 19

«أسرار البلاغة» الذي وضع فيه نظرية علم البيان بقواعده وشعبه وتفريعاته الكثيرة. والحق يقال إنّه فريد في بابه، فهو بحث في البيان العربي غير مسبوق ولا ملحوق، وإنّه ليدل فيما يدل على ألمعية صاحبه، وغزارة علمه، وسلامة ذوقه، وعقليته الجبارة المبتكرة. و «أسرار البلاغة» باستثناء ما ورد فيه عن الجناس، والسجع، والاتفاق في الأخذ والسرقة عند الشعراء، هو بحث أصيل عميق في أصول علم البيان من حقيقة ومجاز، واستعارة، وتشبيه. وإذا كان لم يتكلم فيه عن الكناية، فإنّه قد استوفى الكلام عنها في كتابه الآخر «دلائل الإعجاز»، كما عرض فيه أيضا لبعض جوانب من الاستعارة، وللمجاز الحكمي «العقلي» الذي اهتدى إليه بذوقه الكلامي وعدّه ضربا جديدا من المجاز. وعبد القاهر ينظر إلى المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية على أنّها عمد الإعجاز وأركانه، والأقطاب التي تدور البلاغة عليها. وعنها يقول: «ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلّا ذكرها، وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصا الاستعارة والمجاز، فإنّك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، وأوّل ما يوردون» (١). وليس من غرضنا هنا التوسع بعرض مجمل آراء عبد القاهر في مباحث علم البيان فهذا أمر يطول شرحه، وإن كنّا سنعرض فيما بعد لبعض آرائه عند دراستنا التفصيلية لفنون البيان من مجاز واستعارة وتشبيه وكناية. إنّما الغرض الآن أن نبين المنهاج الذي رسمه لنفسه في البحث

стр. 20

والذي يكاد يكون أوّل منهاج علمي منظم في البلاغة، ثمّ نشفع ذلك بذكر الجوانب التي تطرق لبحثها في كل موضوع، الأمر الذي يدل على سعة علمه وتفوقه على غيره، وأخيرا نشير بإيجاز إلى طريقته في التأليف. أمّا عن منهاجه في البحث فاستمع إليه يعرضه في كلماته: «واعلم أنّ الذي يوجبه ظاهر الأمر، وما يسبق إليه الفكر: أن نبدأ بجملة من القول في الحقيقة والمجاز، ونتبع ذلك القول في التشبيه والتمثيل، ثمّ ننسق ذكر الاستعارة عليهما، ونأتي بها في أثرهما، وذلك أنّ المجاز أعم من الاستعارة، والواجب في قضايا المراتب: أن نبدأ بالعام قبل الخاص. والتشبيه كالأصل في الاستعارة، وهي شبيهة بالفرع له أو صورة مقتضبة من صوره. إلّا أنّ ههنا أمورا اقتضت أن تقع البداية بالاستعارة وبيان صدر منها، والتنبيه على طريق الانقسام فيها، حتى إذا عرّف بعض ما يكشف عن حالها، ويقف على سعة مجالها، عطف عنان الشرح إلى الفصلين الآخرين، فوفّي حقوقهما، وبيّن فروقهما، ثمّ ننصرف إلى استقصاء القول في الاستعارة» (١). ذلك هو المنهاج الذي أخذ به نفسه، وجمع فيه لأوّل مرة مباحث علم البيان بعضها إلى بعض، ورتّبها من حيث الكلام عنها ترتيبا منطقيا منظما، يبدأ فيه بالعام قبل الخاص، وبالأصل يتلوه الفرع، مع العناية بتوضيح ما بين التشبيه والتمثيل من فروق، وباستقصاء القول في الاستعارة. أمّا الجوانب التي تطرق لبحثها في كل مبحث من مباحث علم البيان فلا سبيل هنا إلى سردها جملة لكثرتها، ولكنا نكتفي بذكر طائفة منها

стр. 21

لبيان أهميتها والدلالة بها على عقلية عبد القاهر التي تنحو منحى الابتكار والإبداع. ١ - الحقيقة والمجاز: حدّ كلّ منهما، المجاز العقلي واللغوي والفرق بينهما، معنى المجاز وحقيقته، وكونه أعم من الاستعارة، ومكان الاستعارة منه، تقسيم المجاز إلى لغوي وعقلي، واللغوي إلى الاستعارة، والمجاز المرسل، كون المجاز العقلي في الجمل لا المفردات، الحذف والزيادة، وهل هما من المجاز أم لا. ٢ - التشبيه: التشبيه وأقسامه، وجوه الشبه المنتزعة من شيء أو أشياء، التشبيه المتوقف على دقّة الفكر، التفصيل لدقائق التشبيه المركب، التشبيه في الهيئة التي تقع عليها الحركات، الجمع بين الشكل وهيئة الحركة في التشبيه، قلب التشبيه، القلب أو العكس في طرق التشبيه، القياس في التشبيه، تشبيه الحقيقة والمجاز، جعل الفرع أصلا في التشبيه وعكسه، تأثير اختلاف الجنس بين المشبه والمشبه به. ٣ - التمثيل: الفرق بين التشبيه والتمثيل: التشبيه عام والتمثيل أخص منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا، وجوه الشبه في جمل من التمثيل، التمثيل في المدح والذم والحجاج والافتخار والاعتذار والوعظ، الفرق بين تأثر الكلام في التمثيل وعدمه، أسباب قوّة تأثير التمثيل وعلله النفسية بسبب تأثير التمثيل في ضربيه، تعليل في فلسفة التمثيل، جعل التمثيل الشيء كضده أو عدمه، مآخذ التمثيل من الموجودات، الفرق بين التمثيل الدقيق والتعقيد. ٤ - الاستعارة: حدها، أقسامها، الاستعارة المفيدة وأقسامها، الاستعارة المختلفة الجنس والأنواع، الاستعارة القريبة من الحقيقة، التفرقة

стр. 22

بين نوعي الاستعارة في الجنس، وجه الشبه العقلي في الاستعارة، الاستعارة والمبالغة في التشبيه، وقوع الاسم مستعارا بحسب الحس وهو ليس كذلك، بيان أنّ الاستعارة ليست من التخييل، بناء الاستعارة والتخييل على تناسي التشبيه، الفرق بين التشبيه والاستعارة. ومن جوانب الاستعارة الأخرى التي ذكرها في كتابه دلائل (١) الإعجاز: شرح معنى الاستعارة، الاستعارة التمثيلية، فضل الاستعارة والتمثيل، أمثلة من بديع الاستعارات، المستعار هو معنى اللفظ لا اللفظ نفسه، لا يعار اللفظ إلّا بعد أن يعار المعنى. ٥ - الكناية: تكلّم عبد القاهر في كتابه «دلائل (٢) الإعجاز» عن الجوانب التالية من الكناية: الكناية والاستعارة، السبب في قبح الكناية، شعب الكناية وصورها ليس لها حد ولا غاية، في الكناية إثبات يصحبه البرهان، الاستعارة والكناية والمجاز من عمد البلاغة وأركانها. أمّا الطريقة التي سار عليها عبد القاهر في تأليف كتابيه «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» وامتاز بها على كتب البيان الأخرى فهي طريقة تجمع بين العلم والعمل الذي يثبّت به العلم. أما العلم فيتمثل في القواعد الكلية، وأمّا العمل فيتمثل في الأمثلة والشواهد. فإذا كانت القاعدة الكلية هي صورة إجمالية للمعلومات الجزئية، فإنّ الأمثلة والشواهد صور تفصيلية لها. تلك هي طريقة عبد القاهر: يذكر القاعدة الكلية ثمّ يردفها

стр. 23

بالأمثلة والشواهد التي تفصّلها وتوضحها، إدراكا منه بأنّ التعليم النافع إنما يكون بقرن الصور المفصلة بالصورة المجملة، إذ بالتفصيل تعرف المسائل، وبالإجمال تحفظ في العقل. وبهذه الطريقة امتاز كتاباه على كتب البلاغة الأخرى التي اقتصرت على سرد القواعد بعبارات اصطلاحية تأباها بلاغة الأساليب العربية، والتي لا تذكر من الشواهد والأمثلة إلّا القليل النادر الذي أدلى به السابق إلى اللاحق. الزمخشري: ثمّ ظهر بعد عبد القاهر الجرجاني عالم آخر كان له أثر كبير في ميدان البلاغة العربية ونهضتها. ذلك هو العالم المعتزلي جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ للهجرة، والذي ضرب بسهم وافر في علوم العربية والتفسير، وله فيها المؤلفات القيّمة التي تشهد بفطنته وسعة علمه. ومن مؤلفاته التي وصلت إلينا «المفصل» في علم النحو، و «مقات الزمخشري» في التصوف، و «أساس البلاغة» وهو معجم لغوي يورد فيه المعاني اللغوية للكلمة، موضحا إياها في عبارات، ومردفا ذلك بمعانيها المجازية، ولكن أهم كتاب اشتهر به منذ عصره هو «الكشاف» الذي قدّم فيه صورة رائعة لتفسير القرآن، وأشاد به حتى أهل السنة على الرغم من اعتزال مؤلفه. واهتمام المعتزلة بتفسير الإعجاز البلاغي للقرآن اهتمام قديم، فقد كتب فيه من رجالهم الجاحظ والرماني وعبد الجبار المعتزلي ثمّ الزمخشري الذي أقبل بشغف على الدراسات البلاغية ولا سيما كتابات عبد القاهر

стр. 24

الجرجاني في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة». أجل لقد تتلمذ على عبد القاهر في هذين الكتابين وعمق في فهمهما واستيعابهما إلى الحد الذي جعله يؤمن بأنّ المعرفة بالبلاغة وأساليبها لا تكشف فقط عن وجوه الإعجاز البلاغي في القرآن، بل تكشف أيضا عن خفايا معانيه وأسرارها. وفي مقدمة «الكشاف» يقرر أنّ تفسير القرآن لا يكفي فيه أن يكون المفسر من أئمة الفقه، أو النحو، أو اللغة، أو علم الكلام، أو القصص والإخبار. وإنّما ينبغي فيمن يتصدى له أن يكون بارعا في علمين مختصين بالقرآن هما: علم المعاني، وعلم البيان، وهذان، في نظره، أهم عدّة لمن يريد أن يفسر القرآن، إذ بدونهما لا تستقيم له الدلالات، ولا تتضح له الإشارات، ولا لطائف ما في الذكر الحكيم من الجمال المعجز الذي عنت له وجوه العرب وخروا له ساجدين. إذن فالتفسير عنده ليس قاصرا على معرفة معاني القرآن فحسب، وإنّما هو أيضا بيان لأسرار إعجازه، بل إنّ معرفة معانيه لا تتم إلّا لمن تمّت له آلة البلاغة، وعرف وجوه الأساليب وخصائصها المعنوية، وأدرك الأسباب المعينة على تمييز صور الكلام البيانية. ... والذي يدرس بإمعان تفسير «الكشاف» يخرج منه بحقيقتين: إحداهما أنّه استوعب كل ما كتبه عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» قبل أن يشرع في تفسيره. والحقيقة الثانية أنّ «الكشاف» هو في الواقع خير تطبيق على كل ما اهتدى إليه عبد القاهر من قواعد المعاني والبيان، فقد اتّخذ الزمخشري من آي الذكر الحكيم أمثلة وشواهد يوضح

стр. 25

بها كل قواعد عبد القاهر البلاغية، سواء ما اتصل منها بعلم المعاني أو علم البيان. ولم تقف جهود الزمخشري في البلاغة عند حد تطبيق آراء عبد القاهر في تفسيره تطبيقا مستقصيا، ولكنه وصل هذا التطبيق بكثير من آرائه التي تدل على تعمقه، وفطنته في تصوير الدلالة البلاغية، وإحاطته بخواص العبارات والأساليب. ولو أنّه اكتفى بذلك لكان حسبه مساهمة في تطوير علمي المعاني والبيان، ولكنا نراه يضيف إلى مباحث هذين العلمين ما عنّ له من آراء، ويستكمل كثيرا من شعبها ودقائقها ومقاييسها. ولما كان بحثنا هنا هو في المحل الأول عن علم البيان، فإنّ الجديد الذي أضافه الزمخشري إلى مباحثه كثير. وتتمثل إضافاته إليه في استكمال صور الكناية والاستعارة والمجاز المرسل والمجاز العقلي، وإحكام وضع قواعدها إحكاما دقيقا. وإذا كان عبد القاهر هو مؤسس علم المعاني وعلم البيان، وهو من استنبط من جزئيات كلا العلمين أكثر قواعده فإنّ الزمخشري هو الذي أكمل قواعدهما، وهي وإن جاءت مفرقة في تضاعيف تفسيره، فإنّها دائما مقرونة بأمثلة من القرآن الكريم توضحها وتكشف عن دقائقها. وهكذا بمنهاج عبد القاهر الذي أجملت أهم عناصره آنفا، وبطريقته التعليمية الواضحة، وكذلك بتطبيق الزمخشري لآراء عبد القاهر في تفسيره «الكشاف» وبالإضافات الجديدة التي استكمل بها قواعده- أقول بكل ذلك استطاع الرجلان أن يضعا ويكملا قواعد علم المعاني وعلم البيان، وكل ما هناك أنّه بقي من يستقصي هذه القواعد عندهما وينظمها في كتاب يجمع متفرقها ويضم منثورها.

стр. 26

وكان ذلك العمل على يد السكاكي الذي دخلت البلاغة به في طور الجمود، كما سنرى. السكاكي: هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦ للهجرة، احترف صناعة المعادن حتى الثلاثين من عمره، ثمّ خطر له أن يخلص للعلم فتفرّغ له وأكبّ على دراسة الفلسفة والمنطق والاعتزال والفقه وأصوله، وعلوم اللغة والبلاغة حتى أتقنها. وللسكاكي مؤلفات مختلفة، منها كتاب «مفتاح العلوم» الذي يعدّ أهم كتبه، وقد قسّمه ثلاثة أقسام رئيسية، خص الأول منها بعلم الصرف والاشتقاق بأنواعه، والثاني بعلم النحو، وخص القسم الثالث بعلم المعاني وعلم البيان وألحق بهما مبحثا عن البلاغة والفصاحة، وآخر عن المحسنات البديعية اللفظية منها والمعنوية. وشهرة السكاكي العلمية ترجع في الواقع إلى هذا القسم من كتابه الذي أعطى فيه للمعاني والبيان والفصاحة والبلاغة والبديع الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يدرسونها ويشرحونها مرارا وتكرارا. وما أعطاه لعلوم البلاغة ليس ابتكارا خالصا له، وإنّما هو تلخيص دقيق يجمع بين أفكاره الخاصة وأفكار البلاغيين من قبله. وقد صاغ ذلك كله صياغة مضبوطة محكمة بقدرته المنطقية في التعليل والتجريد والتعريف والتقسيم والتفريع والتشعيب. وأهم الكتب التي اعتمد عليها في النهوض بهذا العمل كتاب «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» للفخر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ للهجرة، وكتابا «دلائل

стр. 27

الإعجاز» و «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني، وكتاب «الكشاف» للزمخشري. وقد سبقه الفخر الرازي إلى تلخيص كتابي عبد القاهر، ولكن تلخيص السكاكي أدق وأشمل. والمقارنة بين التلخيص تظهر أنّ السكاكي كان أكثر ضبطا وتنظيما للمسائل، مع ترتيب المقدمات وإحكام القياس. ومع ذلك فقد خلا تلخيصه من تحليلات عبد القاهر والزمخشري التي تبهر القارئ، وتحولت البلاغة في تلخيصه إلى علم طغت فيه القواعد والقوانين على روح البيان وومضاته التي تمتع النفس. وهو في سبيل استنباط القواعد والقوانين قد استخدم المنطق بأصوله وألفاظه وأسلوبه الجاف الذي لا يحوي أي جمال. ولا عجب في ذلك فقد كان همه أن يقنن البلاغة ويقعّدها كسائر العلوم الأخرى، وهذا أمر يستعان عليه بالمنطق. وما يعنينا هنا هو كلام السكاكي عن علم البيان، وقد عرفه بقوله: «إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه». وفي مقدمة تلخيصه لقضايا علم البيان تعرض للكلام عن الدلالات وكان في كلامه عنها متأثرا برأي الفخر الرازي فيها. وقد قسمها إلى الدلالة الوضعية للألفاظ، والدلالة العقلية أو الالتزامية، وعن الدلالة الأولى يقول إنّه لا يجوز إرجاع الفصاحة والبلاغة إلى الدلالة اللفظية، غير أنّه قد يلابسها ما يفيد الكلام جمالا وزينة. أمّا الدلالة العقلية أو الالتزامية فهي التي تجري في الصور البيانية وهي تختلف عن الدلالة الوضعية.

стр. 28

وهذه الدلالة العقلية أو الالتزامية إمّا أن تكون من باب دلالة اللازم على الملزوم كدلالة كثرة الرماد على الكرم في الكناية، وإما من باب دلالة الملزوم على اللازم، أي دلالة المسبب على السبب كقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً فالرزق لا ينزل من السماء ولكن الذي ينزل مطر ينشأ عنه النبات الذي منه طعامنا ورزقنا، فالرزق هو المسبب أو الملزوم الذي دلّ على السبب أو اللازم، وذلك على نحو ما هو معروف في المجاز المرسل. ثمّ يخلص من هذه المقدمة التي يغلب عليها أسلوب المنطق إلى أن علم البيان يتناول التشبيه والمجاز والكناية. ومباحث التشبيه عند السكاكي تتناول أربعة موضوعات هي: طرفاه، ووجهه، والغرض منه، وأحواله في القرب والغرابة، والقبول والرفض. فطرفا التشبيه إما أن يدركا بالحس كتشبيه الوجه بالقمر، وإما أن يدركا بالخيال كتشبيه شقائق النعمان (١) على أغصانها بأعلام ياقوت على رماح من زبرجد. فالتشبيه الخيالي هو المعدوم الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها يدرك بالحس، فإنّ الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لا يدرك بالحس، لأنّه لا وجود لها في عالم الواقع، ولكن المادة التي تركب منها التشبيه، أي الأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل منها محسوس بالبصر. وإما أن يدرك طرفا التشبيه بالوهم كما إذا قدرنا

стр. 29

صورة وهمية للموت وشبهناها بالمخلب أو الناب، وإما أن يدركا بالعقل كتشبيه العلم بالحياة، وإما أن يدركا بالوجدان كاللذة والألم والشبع والجوع. وهذه تقسيمات للتشبيه واستحدثها السكاكي متأثرا بكلام الفلاسفة وعلماء الكلام في صور الإدراك. ... وأقسام وجه الشبه عند السكاكي كثيرة: فوجه الشبه عنده إمّا أن يكون واحدا أو غير واحد، وغير الواحد إما أن يكون في حكم الواحد لكونه هيئة مركبة أو لا يكون. والواحد إما أن يكون حسيا أو عقليا، ولا بد في الحسي من أن يكون طرفاه حسيين. أما وجه الشبه العقلي فيجري في جميع صور التشبيه، فقد يكون طرفاه حسيين. كتشبيه الشجاع بالأسد في الجراءة، وقد يكون طرفاه عقليين كتشبيه الجهل بالموت في عدم النفع، وقد يكون أحدهما حسيا والآخر عقليا كتشبيه العلم بالنور في النفع والفائدة. وهكذا يمضي السكاكي في تقسيم وجه الشبه أقساما أخرى قد نعرض لها عند الكلام عن التشبيه تفصيليا. ... ثمّ يتحدّث السكاكي عن أغراض التشبيه، ويقسمها إلى ما يعود إلى المشبه أو إلى المشبه به. ويقسم الأول إلى بيان حال، وبيان مقدار حال، وبيان إمكان حال، وزيادة تقرير حال، وتزيين، وتقبيح واستطراف. أما الأغراض التي تعود إلى المشبه به فمرجعها إلى إيهام كونه أتم من المشبه في وجه الشبه، أو بيان أنّه أهم عند مريد التشبيه.

стр. 30

ولا يفوته هنا أن يبدي رأيه في التشبيه التمثيلي مقررا أنّ وجه الشبه فيه ينبغي أن يكون مركبا، أي صورة منتزعة من متعدد وأن يكون وهميا اعتباريا، وهو في ذلك يخالف عبد القاهر الذي يشترط أن يكون وجه الشبه في التشبيه التمثيلي مركبا وأن يكون عقليا، والعقلي عنده يشمل الوهمي. ... وعن أحوال التشبيه من حيث القرب والغرابة، والقبول والرفض، يستوحي السكاكي في ذلك رأي عبد القاهر، فيقول: إن إدراك الشيء مجملا أسهل من إدراكه مفصلا، وإنّ حضور ما يتردد على الحس أقرب من حضور ما لا يتردد عليه، وإنّ الشيء مع ما يناسبه أقرب حضورا منه مع ما لا يناسبه، وإنّ استحضار الأمر الواحد أيسر من استحضار غير الواحد، وإنّ ميل النفس إلى الحسيات أتم من ميلها إلى العقليات، وإنّ النفس لما تعرف أقبل منها لما لا تعرف، وإنّ الجديد المستطرف عندها ألذ من المعاد المكرر. وعلى ضوء هذه الأصول يقول: إنّ من أسباب قرب التشبيه أن يكون وجهه أمرا واحدا، أو يكون المشبه به قريبا في الصورة من المشبه، أو يكون حاضرا في الخيال بجهة من الجهات. أمّا غرابته فمن أسبابها أن يكون وجه الشبه مركبا، أو يكون المشبه به بعيد الشبه عن المشبه، أو يكون وهميا أو مركبا عقليا. أمّا التشبيه المقبول فالأصل فيه أن يكون صحيحا، وألّا يكون مبتذلا. وكذلك يعرض السكاكي لصور التشبيه البليغ، ويتابع عبد القاهر في إدخال صور التجريد المختلفة في التشبيه كقولك عن صديق أنست بحديثه «وجدت في حديثه نسمة عطرة» فقد جردت من حديث الصديق

стр. 31

نسمة متصفة بالعطر كأنّها غيره، مع أنّ حديث الصديق هو هي. وكقول الشاعر: أعانق غصن البان من لين قدها ... وأجني جنى الورد من وجناتها فالشاعر هنا جرّد من قدّ الحبيبة غصن بان لين، ومن وجنتيها وردا. فهو بدل أن يعبر بالتشبيه الصريح فيقول: قدّ الحبيبة كغصن البان لينا، ووجناتها كالورد، عبّر عنه بأسلوب التجريد الذي عدّه السكاكي صورة من صور التشبيه. وأخيرا يختم السكاكي كلامه عن التشبيه ذاكرا أنّه قد يشبّه الضد بضده على سبيل التهكم، كتشبيه الجبان بالأسد، والبخيل بحاتم مثلا. ... بعد ذلك ينتقل السكاكي إلى الحديث عن المجاز ويجره ذلك أولا إلى تعريف الحقيقة بأنّها: «الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع» واحترز بقوله: «من غير تأويل في الوضع» حتى لا تدخل الاستعارة. ثمّ يخلص من ذلك إلى تعريف المجاز بأنّه: «الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع». ويحترز بقيد «التحقيق» من خروج الاستعارة، وبقيد «استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها» من استعمال الكلمة لغة أو شرعا أو عرفا، وبقيد «مع قرينة مانعة عن إرادة معناها» من الكناية. ويفرق بين المجاز والمشترك اللغوي، بأنّ المجاز يلاحظ فيه المعنى

стр. 32

الأصلي، أمّا المشترك فيدل على المعنيين معا، ويتخصص بالقرائن وهي دلالة وضعية. ومن تعريف المجاز ينتقل إلى أقسامه، فيقسمه قسمين أساسيين: مجازا لغويا في المفرد، ومجازا عقليا في الجملة ثمّ يفرّع هذين القسمين أقساما أخرى، منها المفيد الخالي عن المبالغة في التشبيه وهو المجاز المرسل، ومنها المفيد المتضمن للمبالغة في التشبيه، وهو الاستعارة، وهي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به دالا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخص المشبه به. ... بعد ذلك يأخذ السكاكي في تقسيم الاستعارة إلى تصريحية وهي ما صرّح فيه بلفظ المشبه به، وإلى مكنية وهي ما ذكر فيها لفظ المشبه، ثمّ يقسمها إلى أصلية أو تبعية، وإلى مرشحة أو مجردة. وبعد الكلام مفصلا عن كل نوع من أنواع الاستعارة، يعود إلى استيفاء بقية أنواع المجاز فيتكلم عن مجاز الحذف من مثل «وجاء ربك» أي أمر ربك، ومجاز الزيادة من مثل «ليس كمثله شيء» إذ زيدت الكاف في الآية، والمجاز العقلي، وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، كقول المتنبي في وصف ملك الروم بعد هزيمة سيف الدولة له: ويمشي به العكاز في الدير تائبا ... وقد كان يأبى مشي أشقر أجردا فالفعل «يمشي» هنا قد أسند إلى «العكاز» أي إلى غير فاعله، لأنّ العكاز لا يمشي وإنّما الذي يمشي هو صاحب العكاز، ولكن لما كان

стр. 33

العكاز سببا في المشي جاز إسناد الفعل إليه. ... وأخيرا ينتقل السكاكي إلى الكناية فيعرّفها بأنّها: «ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه، لينتقل من المذكور إلى المتروك». ويلاحظ أنّ المتروك قد يكون قريبا ظاهرا، وقد يكون بعيدا خفيا، ولهذا قال إنّ الكتابة تتفاوت من تعريض إلى تلويح، ورمز، وإيحاء وإشارة. ثمّ يعرض إلى التفريق بين الكناية والمجاز من وجهين: أحدهما أنّ الكتابة لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها، فالخنساء عند ما ترثي أخاها صخرا «بأنّه كثير الرماد» كناية عن جوده وكرمه، فإنّ هذه الكناية لا تمنع من إرادة المعنى الحقيقي بأنّ أخاها صخرا كثير الرماد حقيقة ومن غير تأويل. أمّا المجاز فيمنع من إرادة المعنى الحقيقي، فلا يجوز أن يكون المراد من قولك: «كلمت أسدا» الأسد الحقيقي. والوجه الثاني أنّ الكناية بنيت على الانتقال من اللازم إلى الملزوم على حين بني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم. ويقسم السكاكي الكناية بحسب المراد منها إلى ثلاثة أقسام: كناية عن صفة، وكناية عن موصوف، وكناية عن نسبة. تلك خلاصة لما أورده السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» عن مباحث علم البيان التي أكثر فيها من التقسيمات والتفريعات، وخرج بها من جو البلاغة الواضحة السمحاء إلى ميدان المنطق المعقد الجاف. ... وعلى طريق تتبعنا لنشأة علم البيان وتطوره نلتقي بعد السكاكي

стр. 34

بطائفة من علماء البلاغة الذين انحرفوا في دراستها عن طريقة السكاكي، أو ساروا عليها تلخيصا لمجهوده فيها. ... ابن مالك: ومن أولئك العلماء بدر الدين بن مالك المتوفى سنة ٦٨٦ للهجرة، وصاحب كتاب «المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع»، وكتابه هذا هو في الواقع تلخيص لكتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، مع تجريده من تعقيداته المنطقية والكلامية والفلسفية، ولعلّ التغيير الوحيد الذي أحدثه هو نقل مبحث البلاغة والفصاحة من ذيل علم البيان إلى فاتحة مختصرة أو تلخيصه. وقد جرى على رأي السكاكي في النظر إلى علمي المعاني والبيان على أنّهما مرجع البلاغة، وإلى الفصاحة على أنّها مرجع المحسنات البديعية، ومع اعترافه بأنّ هذه المحسنات توابع للمعاني والبيان فإنّه جعلها علما مستقلا سماه «علم البديع» وبذلك مهّد لأن تصبح البلاغة العربية متضمنة ثلاثة علوم. التنوخي: ومنهم التنوخي محمد بن محمد بن عمرو المتوفى سنة ٦٩٢ للهجرة، وصاحب كتاب «الأقصى القريب في علم البيان». والتنوخي هذا ممن انحرفوا عن طريقة السكاكي والزمخشري وعبد القاهر الجرجاني في تقسيم البلاغة إلى علوم، لكل منها مباحثه الخاصة التي تميزه عن غيره. وقد نحا التنوخي في كتابه منحى ابن الأثير من حيث إطلاق اسم البيان على جميع

стр. 35

مباحث البلاغة من غير فصل بينها. أمّا من حيث مباحث علم البيان التي عرض لها في كتابه فلم تتجاوز الاستعارة والتشبيه. وكلامه عن الاستعارة موجز يقف فيه عند ما سماه السكاكي الاستعارة التصريحية، وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به دون المشبه. أمّا الاستعارة المكنية والتي هي قسيم التصريحية فلم يتعرض لها في كتابه. وقد أطال في سرد أمثلة التشبيه وبيان أنواعه، وبهذا نال من اهتمامه أكثر مما نالت منه الاستعارة. ابن الأثير: ومن أولئك العلماء أيضا ضياء الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٧ من الهجرة، وصاحب كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر». وهو ممن انحرفوا في دراسة البلاغة عن طريقة السكاكي، والذي تتسع عنده كلمة «علم البيان» لتشمل كذلك مباحث المعاني والبديع. وقد بنى ابن الأثير كتابه على مقدمة ومقالتين: المقدمة تعالج أصول علم البيان، والمقالة الأولى في الصناعة اللفظية، والمقالة الثانية في الصناعة المعنوية. وما يعنينا هنا من كتابه هو محاولة التعرف على المساهمة العلمية التي أسهم بها في تطوير مباحث علم البيان، وهذه المباحث التي عالجها في كتابه وعدّها من الصناعة المعنوية هي: الاستعارة والمجاز والتشبيه والكناية والتعريض.

стр. 36

وتجدر الإشارة إلى أنّ كلامه عن هذه المباحث ينقصه التنظيم والتبويب، فالحديث عن هذه الفنون البيانية يأتي عنده متداخلا على حسب ما تستدعيه طبيعة البحث. ومع هذا فإنّ الدارس لمباحث علم البيان في كتاب المثل السائر يخرج منه بصورة شاملة واضحة لهذه المباحث البيانية، وبصورة أخرى لمنهاج ابن الأثير في البحث، هذا المنهاج الذي يجمع فيه بين علمه الدقيق بأصول البيان العربي وبين النقد والتحليل. وإذا انتقلنا الآن إلى عرض كلامه في مباحث علم البيان فإننا نراه بدأ أوّل ما بدأ بالاستعارة ممهدا لها بحديث عن المجاز، فالاستعارة عنده من أوصاف الفصاحة والبلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى، وهي ضرب من المجاز الذي هو قسمان: توسع في الكلام وتشبيه. ولا يكاد يذكر التشبيه حتى يستطرد إلى الكلام عنه فيقسمه تقسيما أوليا إلى تشبيه تام وتشبيه محذوف مع تعريف كليهما وتوضيحه بالأمثلة. ولا ينتهي من ذلك حتى يبدأ فيقسم التشبيه تقسيما آخر، من حيث ذكر أداة التشبيه وحذفها، إلى تشبيه مظهر وتشبيه مضمر. وهنا يضطره البحث إلى التفريق بين التشبيه المضمر والاستعارة، فالتشبيه المضمر يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، أمّا الاستعارة فلا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، أي أنّها لا تكون إلّا بحيث يطوي ذكر المستعار له. فالتشبيه المضمر من مثل «زيد أسد» إذا أظهرت الأداة فيه وقيل: زيد كالأسد، حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة. وهذا بخلاف الاستعارة فإنّه لا يحسن فيها ظهور أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة. فقول الشاعر:

стр. 37

فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا، وعضت على العنّاب بالبرد (١) عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة. فإذا أظهرنا المستعار له والأداة صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعا كاللؤلؤ، من عينين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب، بأسنان كالبرد. وينتقل من ذلك إلى ذكر سبب تسمية الاستعارة، وبيان حقيقتها، وميزتها على التشبيه المضمر. ثمّ يعود إلى التشبيه استيفاء للكلام عنه، فيقسم المضمر منه خمسة أقسام من حيث تقدير أداة التشبيه. فإذا ما فرغ من ذلك نراه يشير إلى تفرقة علماء البيان بين التشبيه والتمثيل، مع أنهما في رأيه شيء واحد، لا فرق بينهما في أصل الوضع، إذ يقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال مثلته به. وينتقل بعد ذلك إلى بيان فائدة التشبيه من الكلام مقررا أنّ من محاسنه مجيئه مصدريا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وكقول أبي نواس في وصف الخمر: وإذا ما مزجوها ... وثبت وثب الجراد وإذا ما شربوها ... أخذت أخذ الرقاد أي وثبت كوثب الجراد، وأخذت بشاربيها كأخذ الرقاد.

стр. 38

ومن بيان فائدة التشبيه يستطرد إلى القول بأنّ تشبيه الشيئين أحدهما بالآخر لا يخلو من أربعة أقسام: إما تشبيه معنى بمعنى، كقولنا: زيد كالأسد، وإمّا تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، وإمّا تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، (١) وإمّا تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم فشبه فتكه بالمال والأعداء، وذلك صورة مرثية، بفتك الصبابة وهو فتك معنوي. وعنده أن أبلغ هذه الأقسام الأربعة هو تشبيه معنى بصورة لتمثيله المعاني الموهومة أو المتخيلة بالصور المشاهدة، وأنّ ألطف هذه الأقسام هو تشبيه صورة بمعنى، لأنّ فيه نقل صورة إلى غير صورة. وتقسيمه السابق للتشبيه هو تقسيم له من حديث المعنى، ولهذا نراه يقسمه مرة أخرى من حيث اللفظ أقساما أربعة أيضا هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد، موضحا كل ذلك بالأمثلة. وهو يعني بتشبيه مفرد بمفرد تشبيه شيء واحد بشيء واحد، كما يعني بالمركب تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر: وكأنّها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء

стр. 39

فقد شبه الشاعر هنا ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء: شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. ... بعد ذلك ينتقل ابن الأثير إلى الحديث عن الكناية والتعريض في موضع آخر من كتابه ذاكرا في مستهل حديثه أنّ علماء البيان من أمثال الغانمي وأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، ولم يعرّفوا كليهما بتعريف يميزه عن الآخر. وقبل أن يتعرض هو لتعريف كل منهما يورد تعريف علماء أصول الفقه للكناية وهو «أنّها اللفظ المحتمل»، أي أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه. ويعقب ابن الأثير على هذا التعريف بأنّه تعريف فاسد، إذ ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية، فقد يدل اللفظ على المعنى وعلى خلافه، وليس بكناية. وتمهيدا لتحديد مفهوم الكناية عنده يقول ابن الأثير: «إنّ الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين .... وأمّا التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز، لأنّه لا يجوز حمله إلّا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى. ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، لا يصح إلّا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنّا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأنّ زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع، والذنب، والوبر، والأنياب والمخالب، وإذا كان الأمر كذلك فحدّ الكناية الجامع لها هو أنّها كل لفظة دلّت على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة

стр. 40

والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز» (١)، مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ، فكني بذلك عن النساء والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، فالمعنى هنا يجوز حمله على جانب الحقيقة، كما يجوز حمله على المجاز. ثمّ يعرض ابن الأثير بعد ذلك لاشتقاق لفظة «الكناية» مقررا أنّها قد تكون مشتقة من لفظة «الكنية» أو من الستر، إذ يقال كنيت الشيء إذا سترته. كما يقرر أنّ الكناية ليست نوعا مستقلا من المجاز، وإنّما هي جزء من الاستعارة، لأنّ الاستعارة لا تكون إلّا بحيث يطوى المستعار له، وكذلك الكناية فإنّها لا تكون إلّا بحيث يطوى ذكر المكنّى عنه. ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة وليس كل استعارة كناية. هذا فرق بينهما، وفرق آخر هو أنّ الاستعارة لفظها صريح، والصريح هو ما دلّ عليه ظاهر لفظه، والكناية ضدّ الصريح، لأنّها عدول عن ظاهر اللفظ. فهذه فروق ثلاثة بين الاستعارة والكناية ذكرهما ابن الأثير: أحدهما الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والثالث الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وكما فرّق بين الكناية والاستعارة، فرّق أيضا بين الكناية والتعريض الذي عرفه بقوله: «هو اللفظ الدال على الشيء عن طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي»، فإذا قال قائل لمن يتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: «والله إني لمحتاج، وليس في يدي شيء، وأنا عريان، والبرد
следующие страницы →