← Баляга

Баляга · id 17669

علم البيان

عبد العزيز عتيق

Полный текст (220 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتجدر الإشارة إلى أنّ كلامه عن هذه المباحث ينقصه التنظيم والتبويب، فالحديث عن هذه الفنون البيانية يأتي عنده متداخلا على حسب ما تستدعيه طبيعة البحث. ومع هذا فإنّ الدارس لمباحث علم البيان في كتاب المثل السائر يخرج منه بصورة شاملة واضحة لهذه المباحث البيانية، وبصورة أخرى لمنهاج ابن الأثير في البحث، هذا المنهاج الذي يجمع فيه بين علمه الدقيق بأصول البيان العربي وبين النقد والتحليل. وإذا انتقلنا الآن إلى عرض كلامه في مباحث علم البيان فإننا نراه بدأ أوّل ما بدأ بالاستعارة ممهدا لها بحديث عن المجاز، فالاستعارة عنده من أوصاف الفصاحة والبلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى، وهي ضرب من المجاز الذي هو قسمان: توسع في الكلام وتشبيه. ولا يكاد يذكر التشبيه حتى يستطرد إلى الكلام عنه فيقسمه تقسيما أوليا إلى تشبيه تام وتشبيه محذوف مع تعريف كليهما وتوضيحه بالأمثلة. ولا ينتهي من ذلك حتى يبدأ فيقسم التشبيه تقسيما آخر، من حيث ذكر أداة التشبيه وحذفها، إلى تشبيه مظهر وتشبيه مضمر. وهنا يضطره البحث إلى التفريق بين التشبيه المضمر والاستعارة، فالتشبيه المضمر يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، أمّا الاستعارة فلا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، أي أنّها لا تكون إلّا بحيث يطوي ذكر المستعار له. فالتشبيه المضمر من مثل «زيد أسد» إذا أظهرت الأداة فيه وقيل: زيد كالأسد، حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة. وهذا بخلاف الاستعارة فإنّه لا يحسن فيها ظهور أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة. فقول الشاعر:

стр. 37

فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا، وعضت على العنّاب بالبرد (١) عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة. فإذا أظهرنا المستعار له والأداة صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعا كاللؤلؤ، من عينين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب، بأسنان كالبرد. وينتقل من ذلك إلى ذكر سبب تسمية الاستعارة، وبيان حقيقتها، وميزتها على التشبيه المضمر. ثمّ يعود إلى التشبيه استيفاء للكلام عنه، فيقسم المضمر منه خمسة أقسام من حيث تقدير أداة التشبيه. فإذا ما فرغ من ذلك نراه يشير إلى تفرقة علماء البيان بين التشبيه والتمثيل، مع أنهما في رأيه شيء واحد، لا فرق بينهما في أصل الوضع، إذ يقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال مثلته به. وينتقل بعد ذلك إلى بيان فائدة التشبيه من الكلام مقررا أنّ من محاسنه مجيئه مصدريا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وكقول أبي نواس في وصف الخمر: وإذا ما مزجوها ... وثبت وثب الجراد وإذا ما شربوها ... أخذت أخذ الرقاد أي وثبت كوثب الجراد، وأخذت بشاربيها كأخذ الرقاد.

стр. 38

ومن بيان فائدة التشبيه يستطرد إلى القول بأنّ تشبيه الشيئين أحدهما بالآخر لا يخلو من أربعة أقسام: إما تشبيه معنى بمعنى، كقولنا: زيد كالأسد، وإمّا تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، وإمّا تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، (١) وإمّا تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم فشبه فتكه بالمال والأعداء، وذلك صورة مرثية، بفتك الصبابة وهو فتك معنوي. وعنده أن أبلغ هذه الأقسام الأربعة هو تشبيه معنى بصورة لتمثيله المعاني الموهومة أو المتخيلة بالصور المشاهدة، وأنّ ألطف هذه الأقسام هو تشبيه صورة بمعنى، لأنّ فيه نقل صورة إلى غير صورة. وتقسيمه السابق للتشبيه هو تقسيم له من حديث المعنى، ولهذا نراه يقسمه مرة أخرى من حيث اللفظ أقساما أربعة أيضا هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد، موضحا كل ذلك بالأمثلة. وهو يعني بتشبيه مفرد بمفرد تشبيه شيء واحد بشيء واحد، كما يعني بالمركب تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر: وكأنّها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء

стр. 39

فقد شبه الشاعر هنا ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء: شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. ... بعد ذلك ينتقل ابن الأثير إلى الحديث عن الكناية والتعريض في موضع آخر من كتابه ذاكرا في مستهل حديثه أنّ علماء البيان من أمثال الغانمي وأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، ولم يعرّفوا كليهما بتعريف يميزه عن الآخر. وقبل أن يتعرض هو لتعريف كل منهما يورد تعريف علماء أصول الفقه للكناية وهو «أنّها اللفظ المحتمل»، أي أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه. ويعقب ابن الأثير على هذا التعريف بأنّه تعريف فاسد، إذ ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية، فقد يدل اللفظ على المعنى وعلى خلافه، وليس بكناية. وتمهيدا لتحديد مفهوم الكناية عنده يقول ابن الأثير: «إنّ الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين .... وأمّا التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز، لأنّه لا يجوز حمله إلّا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى. ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، لا يصح إلّا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنّا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأنّ زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع، والذنب، والوبر، والأنياب والمخالب، وإذا كان الأمر كذلك فحدّ الكناية الجامع لها هو أنّها كل لفظة دلّت على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة

стр. 40

والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز» (١)، مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ، فكني بذلك عن النساء والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، فالمعنى هنا يجوز حمله على جانب الحقيقة، كما يجوز حمله على المجاز. ثمّ يعرض ابن الأثير بعد ذلك لاشتقاق لفظة «الكناية» مقررا أنّها قد تكون مشتقة من لفظة «الكنية» أو من الستر، إذ يقال كنيت الشيء إذا سترته. كما يقرر أنّ الكناية ليست نوعا مستقلا من المجاز، وإنّما هي جزء من الاستعارة، لأنّ الاستعارة لا تكون إلّا بحيث يطوى المستعار له، وكذلك الكناية فإنّها لا تكون إلّا بحيث يطوى ذكر المكنّى عنه. ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة وليس كل استعارة كناية. هذا فرق بينهما، وفرق آخر هو أنّ الاستعارة لفظها صريح، والصريح هو ما دلّ عليه ظاهر لفظه، والكناية ضدّ الصريح، لأنّها عدول عن ظاهر اللفظ. فهذه فروق ثلاثة بين الاستعارة والكناية ذكرهما ابن الأثير: أحدهما الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والثالث الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وكما فرّق بين الكناية والاستعارة، فرّق أيضا بين الكناية والتعريض الذي عرفه بقوله: «هو اللفظ الدال على الشيء عن طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي»، فإذا قال قائل لمن يتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: «والله إني لمحتاج، وليس في يدي شيء، وأنا عريان، والبرد

стр. 41

قد آذاني» فإنّ هذا القول وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا القول موضوعا في مقابلة الطلب لا حقيقة ولا مجازا، وإنّما دلّ عليه من طريق المفهوم. وعنده أنّ التعريض سمي تعريضا لأنّ المعنى يفهم فيه من عرضه، أي من جانبه، وعرض كل شيء جانبه. وكما فرّق بين الكناية والتعريض من جهة خفاء الدلالة ووضوحها، فرّق بينهما من جهة اللفظ، فالكناية تشمل المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة وعلى هذا أخرى، أمّا التعريض فيختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتة. ودليله على ذلك أنّ المعنى في التعريض لا يفهم من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنّما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا ينهض به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب. وعند ابن الأثير أنّ الكناية تنقسم قسمين: أحدهما ما يحسن استعماله، والآخر ما لا يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش. وقد عرض هنا إلى تقسيم بعض البلاغيين لها فقال: «وقد ذهب قوم إلى أنّ الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا، وإردافا، ومجاورة» (١) ثمّ بين ما يقصدونه من كل قسم، وعقب عليه بأنّه تقسيم غير صحيح، ولكن تعليقه يبدو فيه شيء من الاضطراب والتناقض. وأخيرا يختم ابن الأثير كلامه عن الكناية والتعريض بضرب الأمثلة عليهما نثرا ونظما حتى يزيد ما ذكره عنهما وضوحا. ذلك عرض موجز لجانب من كتاب المثل السائر لابن الأثير، وهو

стр. 42

الجانب الذي تكلّم فيه عن مباحث علم البيان من مجاز واستعارة وتشبيه وكناية. وقد قصدنا من وراء هذا العرض الموجز إلى بيان أمرين: مدى مساهمة ابن الأثير في تطوير هذه المباحث البيانية عن طريق المادة البلاغية التي قدّمها لنا فيها، وكذلك الطريقة التي سلكها في معالجة هذه المادة وعرضها، وهي طريقة تخالف بلا شك طريقة السكاكي التي قصد بها إلى تأصيل قواعد البلاغة وصبها في قوالب منطقية جافة. وربما التقيا في كثرة التقسيمات والتفريعات، ولكن شتان بين تقسيمات وتفريعات يغلب عليها المنطق وأخرى يجليها الفن ويحببها إلى النفس. يحيى بن حمزة: ومن علماء البلاغة أيضا يحيى بن حمزة العلوي اليمني المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة وصاحب المصنفات المختلفة في النحو والفقه وأصول الدين والبلاغة. ومما صنفه في البلاغة كتاب «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»، ويقع في ثلاثة أجزاء. وهو متأثر في كتابه هذا بخمسة كتب هي: المفتاح للسكاكي والمثل السائر لابن الأثير، وكتاب التبيان في علم البيان لابن الزملكاني، وكتاب نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للفخر الرازي، وكتاب المصباح في المعاني والبيان والبديع لبدر الدين بن مالك. وكتابه لا تبدو فيه طريقة مميزة لصاحبه، وإنّما هو موزع بين طريقة السكاكي، وطريقة الرازي، وطريقة ابن الأثير ومباحثهم وما أصّلوه من قواعد البلاغة. وقد بناه على مقدمات ومقاصد وتكملات وسمي كل جانب من هذه الجوانب فنا. وفي الفن الثاني من الكتاب يتحدّث عن موضوعات البيان بادئا

стр. 43

بالمجاز ومدخلّا فيه الاستعارة والتمثيل والكناية. وهو في إدخاله الكناية في المجاز يخالف ابن الأثير الذي قرر أنّ الكناية ليست نوعا مستقلا من المجاز، وإنّما هي جزء من الاستعارة. ثمّ يعرض بالقول للاستعارة فيفصّل القول فيها ذاكرا تعريف الرماني والرازي وابن الأثير لها، وهو يدخل فيها التشبيه البليغ أو التشبيه المضمر الأداة كما يسميه ابن الأثير. ويسوق على الاستعارة شواهد كثيرة من القرآن الكريم وأحاديث الرسول ومن كلام العرب نثرا وشعرا. وأخيرا يتكلم عن أقسام الاستعارة مستأنسا في ذلك بكلام الرازي وبدر الدين بن مالك. ومن الاستعارة ينتقل إلى التشبيه فيطيل الكلام فيه مفيدا من كل ما ذكره الرازي وبدر الدين بن مالك وابن الأثير. وأخيرا يتحدّث عن الكناية ويسوق فيها تعريف عبد القاهر الجرجاني وهو: «والمراد بالكناية أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ إليه ويجعله دليلا عليه»، مثال ذلك قولهم «هو طويل النجاد» يريدون طويل القامة، وفي المرأة «نؤوم الضحى» والمراد أنّها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى ثمّ لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان. أفلا ترى أنّ القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف (١) ذلك أن تنام إلى الضحى (٢)؟.

стр. 44

كذلك ساق تفريعات بدر الدين بن مالك وابن الأثير وبعض علماء أصول الفقه في الكناية، وتحدّث عن أقسامها كما تحدّث عن التعريض، وأخيرا ختم كلامه في البيان عن التمثيل. الخطيب القزويني (١): وممّن استفاضت شهرته في عصره وبعد عصره في ميدان البلاغة العلّامة قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني المتوفى سنة ٧٣٩ للهجرة، ولقّب بالخطيب لأنّه ولّي خطابة دمشق في المسجد الأموي الكبير. كان عالما بارعا مفتنا في علوم كثيرة، منها أصول الفقه والبلاغة، وله مصنفات في عدة فنون. وكان معجبا بالشاعر الأرّجاني ويقول: إنه لم يكن للعجم نظيره، واختصر ديوانه فسمّاه «الشذر المرجاني من شعر الأرجاني». والكتاب الذي عمّت شهرته ويعنينا هنا هو كتابه «التلخيص»، هذا الكتاب الذي لخّص فيه القسم الثالث من كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، وغطى به على كل من لخّصوه قبله وبعده من أمثال بدر الدين بن مالك، وعبد الرحمن الشيرازي. والخطيب القزويني في تلخيصه لم يقف من كتاب «مفتاح العلوم» موقف الملتزم كما فعل غيره، وإنما تصرف فيه فترك ما لم يستحسنه وأبقى على ما استحسنه منه وأضاف إليه من آرائه وآراء من سبقوه. فهو في تلخيصه قد استبعد منه تعقيد السكاكي وحشوه وتطويله كما وضّح غامضه بالشرح والأمثلة، واستبدل ببعض مصطلحاته وتعريفاته

стр. 45

الملتوية مصطلحات وتعريفات أخرى أكثر وضوحا ودقة، وسمح لنفسه فرتب مباحثه ترتيبا قريبا يجعلها أيسر منالا. ولم يكتف بذلك وإنما أضاف إليه فوائد عثر عليها في كتب المتقدمين، وزوائد لم يظفر بها في كلام أحد لا بالتصريح ولا بالإشارة. وكل ذلك قد صاغه صياغة حسنة العبارة واضحة الدلالة. ولعلّ كل هذا هو ما هيأ لتلخيصه سبيل الشهرة، ولفت الأنظار إليه، فأقبل الناس عليه في عصره وإلى اليوم ما بين دارس وشارح وملخّص وناظم. و «تلخيص المفتاح» يشتمل على مقدمة في الفصاحة والبلاغة، وثلاثة فنون: الفن الأول عقده لمباحث «علم المعاني» والثاني لمباحث «علم البيان»، والثالث لمباحث «علم البديع». ولما كانت دراستنا في هذا الكتاب قاصرة على «علم البيان»، فإن ما يهمّنا هنا من كتاب «تلخيص المفتاح» للقزويني هو التعريف إجمالا بمباحث البيان التي وردت فيه، تاركين الكلام عنها تفصيلا إلى ما بعد الفراغ من هذه المقدمة. ... وإذا عدنا إلى «علم البيان» في كتاب «تلخيص المفتاح» فإننا نجد القزويني يبدأ أول ما يبدأ فيعرّف علم البيان بأنّه «علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه» ويجرّه هذا التعريف إلى دلالة اللفظ فيقسمها إلى دلالة وضعية وأخرى عقلية، ثم يخلص من شرح هاتين الدلالتين إلى أن مباحث علم البيان ثلاثة: التشبيه، والمجاز والكناية. وينتقل إلى «التشبيه» فيعرفه ثم يتكلم عن أركانه، وهي: طرفاه ووجهه وأداته، وعن الغرض منه، وعن تقسيم طرفيه إلى حسيين وعقليين

стр. 46

أو مختلفين. كذلك يتكلم عن وجه الشبه وأنواعه، وأدواته: «الكاف، وكأن، ومثل» وما في معناها، وعن أغراض التشبيه وما يعود منها إلى المشبه أو المشبه به. بعد ذلك يقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى تشبيه مفرد بمفرد وهما غير مقيدين، أو مقيدان، أو مختلفان، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد. ثم يقسم طرفي التشبيه من حيث تعددهما إلى أربعة أقسام: تشبيه مكفوف، كقوله: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وتشبيه مفروق، كقوله: النشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنم (١) وتشبيه التسوية أن تعدّد طرفه الأول، كقوله: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي وتشبيه الجمع أن تعدّد طرفه الثاني، كقوله: كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد، أو برد أو أقاح (٢) ويقسمه باعتبار وجه الشبه إلى تشبيه تمثيل، وتشبيه غير تمثيل، وتشبيه مجمل، وتشبيه مفصّل. كذلك يقسمه باعتبار أداته إلى مؤكد وهو ما حذفت أداته، ومرسل وهو ما ذكرت فيه الأداة. وأخيرا يقسمه

стр. 47

باعتبار الغرض إلى مقبول أو مسلم الحكم فيه، أو مردود. ثم يختم كلامه بالحديث عن التشبيه البليغ على أنه أعلى مراتب التشبيه في قوة المبالغة لحذف وجهه وأداته. ... ومن الكلام عن التشبيه ينتقل إلى الحديث عن مبحث «الحقيقة والمجاز» وهنا يبدأ أول ما يبدأ بتعريف «الحقيقة والمجاز» اللغويين. فالحقيقة اللغوية «هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب»، وهو يعني بالوضع تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه، وبهذا يخرج المجاز اللغوي لأنه يدلّ على معنى بقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. ثم يقسم المجاز أولا إلى مفرد ومركب، وثانيا إلى مجاز مرسل إن كانت العلاقة فيه غير المشابهة، وإلى استعارة إن كانت العلاقة فيه المشابهة، ويستطرد من هذا إلى بيان علاقات المجاز المرسل وهي: السببية، والمسببية، والجزئية، والكلية، واعتبار ما كان، واعتبار ما سيكون، والمحلية والحالية. ومن المجاز المرسل يستطرد إلى الاستعارة فيذكر: أنها قد تقيد أو توصف بالأصلية أو لتحقّق معناها حسّا أو عقلا، كقول زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظافره لم تقلم فالاستعارة هنا في لفظ «أسد» الذي استعير للرجل الشجاع، وهو أمر متحقق حسّا، وكقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فقد استعير «الصراط المستقيم» للدين الحق، وهو أمر متحقّق عقلا. ويعرض بالتفصيل لقرينة الاستعارة التي تمنع من إرادة المعنى

стр. 48

الحقيقي، وهي عنده إما أمر واحد أو أكثر أو معان ملتئمة، مع التمثيل لكل نوع. ثم ينتقل إلى تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين قسمين لأن اجتماعهما في شيء إما ممكن نحو «أحييناه» في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أي ضالّا فهديناه، وإما ممتنع كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم غنائه وجدواه، وهو يسمى الاستعارة التي من النوع الأول «وفاقية» (١) والتي من النوع الثاني «عنادية». كذلك يقسّم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع، أي باعتبار المستعار منه والمستعار له والصفة الجامعة بينهما ستة أقسام. وتفصيل ذلك أن الطرفين إن كانا حسيين فالصفة الجامعة بينهما إما حسيّة أو عقلية أو مختلفة، وإن كان الطرفان عقليين أو مختلفين والحسيّ هو المستعار منه، أو مختلفين والحسيّ هو المستعار له، فالصفة الجامعة في كل ذلك عقلية. فهذه ستة أقسام. ومن هذا التقسيم ينتقل إلى تقسيم آخر وهو تقسيم الاستعارة باعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية. فالاستعارة تكون أصلية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه اسما جامدا، أعني اسم جنس دالّا على ذات محسّة مثل لفظة «أسد»، أو اسم جنس دالّا على معنى، مثل لفظة «قتل» المصدر. والاستعارة تكون تبعية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه فعلا أو ما اشتق منه أو حرفا. وأخيرا يقسّم القزويني الاستعارة إلى مطلقة، ومجردة، ومرشحة. فالاستعارة المطلقة هي ما خلت من ملائمات المستعار منه والمستعار له،

стр. 49

والاستعارة المجردة هي ما ذكر معها ملائم المستعار له، أما الاستعارة المرشحة فهي ما ذكر معها ملائم المستعار منه. وقد يجتمع التجريد والترشيح في الاستعارة كقول زهير السابق: لدى أسد شاكي السلاح مقذّف ... له لبد أظافره لم تقلّم فالاستعارة هنا في لفظة «أسد» و «شاكي السلاح» تجريد لأنه وصف يلائم المستعار له أي المشبّه، وهو الرجل الشجاع، وباقي البيت «له لبد أظافره لم تقلم» ترشيح، لأنه وصف يلائم المستعار منه أي المشبّه به، وهو الأسد الحقيقي. وبعد أن يستوفي القزويني الكلام عن الاستعارة على النحو السابق نراه يعود إلى القسم الثاني من المجاز، وهو المجاز المركب فيعرفه بأنه «اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة»، كما يقال للمتردد في أمر: «إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى». وهذا التمثيل على سبيل الاستعارة، بمعنى أن حال المتردد في أمره يشبه حال من يقدم رجلا ويؤخر أخرى. إذن هذا التركيب «إنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى» قد استعمل استعمالا مجازيا لا حقيقيا، لأن المتردد في أمره، قد يبدو عليه التردد دون أن يقدم رجلا ويؤخر أخرى فعلا. والعلاقة هنا هي علاقة المشابهة بين حال المتردد وحال من يقدم رجلا ويؤخر أخرى. وهذا النوع الذي سمّاه القزويني «التمثيل على سبيل الاستعارة» عرف فيما بعد باسم «الاستعارة التمثيلية». وقد اقترب القزويني من هذا التعريف عند ما قال: «وقد يسمى التمثيل مطلقا، ومتى فشا استعماله كذلك سمّي مثلا». بعد ذلك عقد الخطيب القزويني فصلا خاصّا للاستعارة المكنية قال

стр. 50

فيه: «قد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبه، ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر يختصّ بالمشبه به فيسمى التشبيه استعارة بالكناية أو مكنيا عنها، وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية، وقد مثّل لهذه الاستعارة بقول الهذلي: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع شبّه هنا المنيّة بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار. وإثبات الأظفار للمنيّة التي هي المشبه هو من قبيل الاستعارة التخييلية. وأخيرا يختم القزويني عرضه للاستعارة بثلاثة فصول يجمل فيها كلام السكاكي عن الحقيقة اللغوية والمجاز اللغوي والاستعارة تعريفا وتقسيما وتفريعا مع مناقشته في بعض آرائه. كما يشير إلى رأي السكاكي في أن حسن الاستعارة التمثيلية والاستعارة التحقيقية، وهي التي يتحقق معناها حسّا وعقلا، إنما يكون برعاية حسن التشبيه، بمعنى أن لا يشم رائحته لفظا، وأن حسن الاستعارة المكنية إنما يكون بحسب حسن المكنّى عنه. كذلك يشير في النهاية إلى المجاز العقلي مبيّنا أنه لا يكون في اللفظ كما هو الشأن في الاستعارة والمجاز المرسل، وإنما يكون في الإسناد، أي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، وهذا أمر يدرك بالعقل، ولهذا سمي المجاز العقلي. ... ومن الحقيقة والمجاز ينتقل الخطيب القزويني للكلام عن المبحث الثالث والأخير من مباحث علم البيان، وأعني به «الكناية» فيعرفها بأنها

стр. 51

«لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه»، ويوضّح الفرق بينها وبين المجاز الذي لا يجوز إرادة المعنى الحقيقي معه، إذ لا يجوز أن يكون المراد من قولك: «كلّمت أسدا» الأسد الحقيقي. ثم يقسّم الكناية باعتبار المكنّى عنه ثلاثة أقسام: لأن المكنّى عنه قد يكون موصوفا، وقد يكون صفة، وقد يكون نسبة. ولم تفته الإشارة هنا إلى أنواع أخرى من الكناية ذكرها السكاكي كالتعريض والتلويح والرمز والإشارة والإيحاء. ذلك عرض موجز لمباحث علم البيان كما وردت في كتاب «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني والذي أنهى الكلام فيه بفصل عن بلاغة المجاز والكناية والحقيقة والاستعارة، مقرّرا أن البلغاء أجمعوا على أن المجاز والجناية أبلغ من الحقيقة والتصريح، لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، فهو كدعوى الشيء بيّنة، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه لأنها نوع من المجاز. ... وعلى الرغم من الجهد العلمي الذي أفرغه القزويني في «التلخيص» فإنه، على ما يبدو، لم يكن راضيا عنه كل الرضاء. نقول ذلك لأننا رأيناه يعود فيضع له شرحا سمّاه «الإيضاح» يفصّل فيه بعض ما أجمله في «التلخيص» مضيفا إليه زوائد مما استوحاه من كتابات عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي، وكذلك مما هداه إليه تفكيره ولم يجده لغيره. وفي ذلك يقول في مقدمة الإيضاح: «هذا كتاب في علم البلاغة وتوابعها ترجمته بالإيضاح وجعلته على ترتيب مختصري الذي سمّيته «تلخيص المفتاح»، وبسّطت فيه القول ليكون كالشرح له، فأوضحت

стр. 52

مواضعه المشكلة، وفصّلت معانيه المجملة، وعمدت إلى ما خلا منه المختصر مما تضمنه «مفتاح العلوم» وإلى ما خلا عنه المفتاح من كلام الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما فاستخرجت زبدة ذلك كله وهذّبتها ورتبتها حتى استقر كل شيء في محله، وأضفت إلى ذلك ما أدى إليه فكري ولم أجده لغيري». ومع ما يتخلل «التلخيص» و «التوضيح» من اعتراضات على السكاكي ومناقشات كثيرة لآرائه فإن القزويني مدين له بمادة الكتابين الأساسية، لأنه استقاها من كتابه مفتاح العلوم مع زوائد من كتابات عبد القاهر والزمخشري ومن آرائه الخاصة التي لم يجدها لغيره. ويبقى بعد ذلك أنه خير من تأثر بالسكاكي ونجا منحاه في تلخيص قواعد البلاغة، هذا المنحى الذي أدّى الالتزام به والاسترسال فيه فيما بعد إلى جفاف الدراسات البلاغية وجمودها. وكما أقبل القزويني على مفتاح السكاكي تلخيصا وتوضيحا، أقبل كذلك كثيرون من رجال البلاغة شرقا وغربا على «تلخيص» القزويني درسا وحفظا وتلخيصا وشرحا ونظما، كأنهم رأوا فيه خير مرجع لقواعد البلاغة. فممّن نظمه شعرا جلال الدين السيوطي وسمى نظمه «الجمان» ووضع له شرحا سمّاه «عقود الجمان»، وخضر بن محمد وسمّى نظمه «أنبوب البلاغة»، وعبد الرحمن الأخضري، وسمّى نظمه «الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون».

стр. 53

وممّن قام باختصاره عزّ الدين بن جماعة، وأبرويز الرومي، وزكريا الأنصاري. وممّن شرحه محمد بن مظفر الخلخالي «٧٤٥ هـ»، وسمى شرحه «مفتاح تلخيص المفتاح» وبهاء الدين السبكي «٧٧٣ هـ» وسمى شرحه «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»، ومحمد بن يوسف ناظر الجيش «٧٧٨ هـ» وسمى شرحه «شرح تلخيص المفتاح»، ومحمد البايرتي «٧٨٦ هـ»، وشمس الدين القونوي «٧٨٨ هـ» وسمى كلاهما شرحه «شرح تلخيص المفتاح للقزويني»، وسعد الدين التفتازاني «٧٩٢ هـ» وقد وضع له شرحين: الشرح الكبير، والشرح الصغير للتلخيص. وهؤلاء الشرّاح كما يلاحظ هم من علماء القرن الثامن الهجري، وقد استمر الاهتمام بشرح تلخيص القزويني متصلا حتى لنجد من علماء القرن الثاني عشر الهجري من قام بشرحه مثل ابن يعقوب المغربي «١١١٠ هـ» صاحب كتاب «مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح». وأطول هذه الشروح شرح بهاء الدين السبكي والشرح الكبير للتفتازاني الذي عدّه القدماء خير شروح التلخيص. ولعلّ مما يلاحظ على من شرحوا «تلخيص» الخطيب القزويني أن معظمهم كانوا على اطّلاع واسع بعلوم الفلسفة والمنطق وأصول الفقه والنحو والبلاغة. ويبدو من شروحهم أنهم لم يكونوا يهدفون إلى توضيح ما في «التلخيص» من إبهام وغموض وتعقيد بمقدار ما كانوا يهدفون إلى الإعلان عن مدى إلمامهم بالفلسفة والمنطق وأصول الفقه والنحو وغيرها. ذلك أنهم أقحموا الكثير من قضايا هذه العلوم على البلاغة إقحاما، وبهذا أضافوا إلى ميراث الصعوبات التي وضعها من تقدمهم على طريق البلاغة العربية صعوبات أخرى أشاعت اليأس في نفوس الراغبين في دراستها والإفادة منها.

стр. 54

من كل ما تقدم ندرك أن البلاغة العربية منذ أن تولّاها في القرن السابع الهجري أمثال الفخر الرازي والسكاكي لم يدخل على مباحثها مباحث جديدة تثريبها وتبقيها مطّردة النمو والازدهار. ولعلّ سبب ذلك هو ما ران وغلب على العصور المتأخرة من أعراض الجمود الفكري التي لم تصب البلاغة وحدها وإنما تجاوزتها إلى الأدب شعرا ونثرا. لقد تلقف السكاكي البلاغة العربية التي صنعتها الأجيال السابقة من عبد القاهر والزمخشري وهي زاخرة بالحيوية والحياة مشرقة بالجمال، وكان عليه أن يسلمها إلى من بعده أكثر حيوية وحياة وإشراقا حتى يستمر نموّها وازدهارها. ولكنه بدل ذلك انكبّ عليها بعقليته العلمية يصوغها ويصبّها ويحصرها في قوالب فلسفية منطقية هادفا من وراء محاورته إلى جمع قواعدها وتبويب مباحثها، ووضع المعالم والحدود المميزة لعلومها. ولعلّه كان يظن أنه بذلك يسدي إلى البلاغة أجلّ صنيع، وما درى أن محاولته كانت من أهم الأسباب التي قيدت البلاغة وحدّت من نشاطها وحيويتها وانتهت بها تدريجيا إلى حال من الذبول والجفاف. ولو وقف الأمر بالبلاغة عند صنيع السكاكي لقلنا عثرة على طريقها ستنهض منها، ولكن جاء بعده من نظروا إلى ما أتى به السكاكي على أنه البلاغة فالتزموا به وعكفوا عليه درسا وحفظا، وتلخيصا وشرحا ونظما، مستخدمين في كل ذلك طرائق تقيد العقول بدل أن تحررها، وتقضي على الأذواق والمواهب والملكات بدل أن ترقى بها وتنمّيها ... !! ... وبعد ... فهذا عرض لنشأة علم البيان وتطوره منذ بدأ في العصر

стр. 55

الجاهلي على صورة ملاحظات بيانية أخذت تنمو وتتكاثر على تعاقب العصور حتى صارت علما مستقلا بذاته على يد عبد القاهر الجرجاني ومن جاء بعده من البلاغيين. ومن خلال هذا العرض التاريخي تعرّفنا إلى الكثيرين من علماء البلاغة العربية ومؤلفاتهم فيها. والأمل أن يجد طلاب البلاغة ودارسوها فيما ذكرناه بإيجاز من موضوعات هذه المؤلفات البلاغية ومشتملاتها ما يغريهم بالرجوع إليها، ويحبّبهم في قراءتها والإفادة منها. والآن نشرع في تفصيل الكلام عن المبحث الأول من مباحث علم البيان، وأعني به مبحث «التشبيه».

стр. 56

المبحث الأوّل فن التشبيه حد التشبيه: التشبيه لغة: التمثيل، وهو مصدر مشتق من الفعل «شبّه» بتضعيف الباء، يقال: شبّهت هذا بهذا تشبيها، أي مثّلته به. والتشبيه في اصطلاح البلاغيين له أكثر من تعريف، وهذه التعاريف وإن اختلفت لفظا فإنها متفقة معنى. فابن رشيق مثلا يعرفه بقوله: «التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة، لا من جميع جهاته، لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه. ألا ترى أن قولهم «خدّ كالورد» إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه» (١).

стр. 57

وأبو هلال العسكري يعرفّه بقوله: «التشبيه: الوصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه، ناب منابه أو لم ينب، وقد جاء في الشعر وسائر الكلام بغير أداة التشبيه، وذلك قولك: «زيد شديد كالأسد»، فهذا القول هو الصواب في العرف وداخل في محمود المبالغة، وإن لم يكن زيد في شدته كالأسد على حقيقته» (١). ويعرّفه الخطيب القزويني بقوله: «التشبيه: هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى» (٢). ويعرّفه التنوخي بقوله: «التشبيه: هو الإخبار بالشبه، وهو اشتراك الشيئين في صفة أو أكثر ولا يستوعب جميع الصفات» (٣). وللتشبيه تعريفات أخرى كثيرة لا تخرج في جوهرها ومضمونها عما أوردناه منها آنفا، ومن مجموع هذه التعريفات نستطيع أن نخرج للتشبيه بالتعريف التالي: التشبيه: بيان أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر، بأداة هي الكاف أو نحوها ملفوظة أو مقدرة، تقرّب بين المشبه والمشبه به في وجه الشبه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن «التمثيل» نوع من أنواع التشبيه، وهذا رأي عبد القاهر الجرجاني الذي يقول: «والتمثيل ضرب من ضروب التشبيه، والتشبيه عام والتمثيل أخص منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا» (٤).

стр. 58

ويوضح عبد القاهر رأيه هذا في موضع آخر من كتابه بقوله: «واعلم أن الشيئين إذا شبّه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين أحدهما: أن يكون من جهة أمر بيّن لا يحتاج فيه إلى تأويل، والآخر: أن يكون الشبه محصّلا بضرب من التأويل» (١). ثم يروح يشرح قوله هذا في إسهاب مفاده أن التشبيه العام هو ما كان وجه الشبه فيه مفردا، أي صفة أو صفات اشتركت بين شيئين ليس غير، وأن تشبيه التمثيل هو ما كان وجه الشبه فيه صورة مأخوذة أو منتزعة من أشياء عدة. فقول البحتري في ممدوحه مثلا: هو بحر السماح والجود فازدد ... منه قربا تزدد من الفقر بعدا هذا التشبيه على رأي عبد القاهر تشبيه عام لأن البحتري فيه يشبه ممدوحه بالبحر في الجود والسماح، فوجه الشبه هنا مفرد وهو اشتراك الممدوح والبحر في صفة الجود. وقول المتنبي في ممدوحه سيف الدولة: يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب (٢) هو عند عبد القاهر تشبيه تمثيل، لأن المتنبي يشبه صورة جانبي الجيش، أي صورة ميمنة الجيش وميسرته وسيف الدولة بينهما وما فيهما من حركة واضطراب بصورة عقاب تنفض جناحيها وتحركهما. ووجه الشبه هنا

стр. 59

ليس صفة مفردة، ولكنه صورة منتزعة من متعدد، وهي وجود جانبين لشيء في حالة حركة وتموج. عبد القاهر إذن يفرق بين التشبيه العام وتشبيه التمثيل على النحو الذي بسطناه، ويرى أن بين الاثنين عموما وخصوصا مطلقا، فكل تمثيل عنده تشبيه وليس كل تشبيه تمثيلا. ولكنّ كثيرا من البلاغيين ينظرون إلى المعنى اللغوي للتشبيه، وهو التمثيل، فيجعلون التشبيه والتمثيل مترادفين، ومن هؤلاء البلاغيين ضياء الدين بن الأثير الذي يقول: «وجدت علماء البيان قد فرّقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابا ولهذا بابا مفردا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال شبّهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال مثلته به. وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه» (١). أركان التشبيه أركان التشبيه أربعة هي: ١ - المشبّه. ٢ - المشبه به. ويسميان «طرفي التشبيه». ٣ - أداة التشبيه، وهي الكاف أو نحوها ملفوظة أو مقدرة. ٤ - وجه الشبه، وهو الصفة أو الصفات التي تجمع بين الطرفين.

стр. 60

طرفا التشبيه طرفا التشبيه هما المشبه والمشبه به، وهما ركناه الأساسيان، وبدونهما لا يكون تشبيه. ولعل قدامة بين جعفر هو أول من بحث التشبيه بحثا أقرب إلى المنهاج العلمي، فأساس التشبيه عنده أن يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمّهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما بصفتها. وهو يبني قوله هذا على أساس أن الشيء لا يشبّه بنفسه ولا بغيره من كل الجهات، لأن الشيئين إذا تشابها من جميع الوجوه، ولم يقع بينهما تغاير البتة اتّحدا، فصار الاثنان واحدا. وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه عنده هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد (١). وقد تابع أبو هلال العسكري قدامة في رأيه القائل بأن الشيئين إذا تشابها من جميع الوجوه، ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا، فصار الاثنان واحدا، وذلك إذ يقول: «ويصح تشبيه الشيء بالشيء جملة، وإن شابهه من وجه واحد، مثل قولك: وجهك مثل الشمس، ومثل البدر، وإن لم يكن مثلهما في ضيائهما ولا عظمهما، وإنما شبّه بهما لمعنى يجمعهما وإياه وهو الحسن. وعلى هذا قول الله : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إنما شبّه المراكب بالجبال من جهة عظمها لا من جهة

стр. 61

صلابتها ورسوخها ورزانتها، ولو أشبه الشيء الشيء من جميع جهاته لكان هو هو» (١). وما من شك في أن ابن رشيق كان ينظر أيضا إلى قول قدامة الآنف الذكر عند ما قال في كتابه العمدة ما معناه: إن المشبه لو ناسب المشبه به مناسبة كلية لكان إياه، كقولهم «فلان كالبحر»، إنما يريدون كالبحر سماحة وعلما وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته (٢). ومما يجري مجرى الكلام السابق بالنسبة لطرفي التشبيه قول السكاكي: «لا يخفى عليك أن التشبيه مستدع طرفين مشبّها ومشبّها به، واشتراكا بينهما من وجه وافتراقا من آخر، مثل أن يشتركا في الحقيقة ويختلفا في الصفة أو بالعكس. فالأول كالإنسانين إذا اختلفا طولا وقصرا، والثاني كالطولين إذا اختلفا حقيقة: إنسانا وفرسا، وإلا فأنت خبير بأن ارتفاع الاختلاف من جميع الوجوه حتى التعيّن يأبى التعدد، فيبطل التشبيه، لأن تشبيه الشيء لا يكون إلا وصفا له بمشاركته المشبّه به في أمر، والشيء لا يتصف بنفسه. كما أن عدم الاشتراك بين الشيئين في وجه من الوجوه يمنعك محاولة التشبيه بينهما، لرجوعه إلى طلب الوصف حيث لا وصف» (٣). وطرفا التشبيه: إما: ١ - حسيّان: والمراد بالحسيّ ما يدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس الظاهرة؛ ومعنى هذا أنهما قد يكونان من المبصرات، أو

стр. 62

المسموعات، أو في المذوقات، أو المشمومات، أو الملموسات: أ- فيكونان من المبصرات، أي مما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات وما يتصل بها، كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فالجامع البياض والحمرة. وكقول الشاعر: أنت نجم في رفعة وضياء ... تجتليك العيون شرقا وغربا فالمخاطب الممدوح هنا شبّه بالنجم في الرفعة والضياء. ونحو تشبيه الخد بالورد في البياض المشرب بحمرة، وتشبيه الوجه الحسن بالشمس والقمر في الضياء والبهاء، والشعر بالليل في السواد. ب- ويكونان من المسموعات، أي مما يدرك بالسمع من الأصوات الضعيفة والقوية والتي بين بين، نحو تشبيهك صوت بعض الأشياء بصوت غيره، كتشبيه صوت المرأة الجميل بصوت البلبل، وصوت الغاضب الهائج بنباح الكلاب، وكقول امرئ القيس: يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال فامرؤ القيس يصور هنا غضب رجل أظهرت امرأته ميلا نحو الشاعر، فيشبه غطيط أو صوت هذا الزوج المغيظ المحنق بغطيط البكر وهو الفتيّ من الإبل الذي يشد حبل في خناقه لترويضه وتذليله. ج- ويكونان في المذوقات، أي مما يدرك بالذوق من المطعوم، كتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل والسكر، والريق بالشهد أو الخمر، وكقول الشاعر: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل يعل به برد أنيابها .. ... إذا النجم وسط السماء اعتدل

стр. 63

د- ويكونان في المشمومات، أي مما يدرك بحاسة الشم من الروائح، وهذا نحو تشبيه رائحة بعض الرياحين برائحة الكافور والمسك، وتشبيه النّكهة بالعنبر، وتشبيه أنفاس الطفل بعطر الزهر، وتشبيه رائحة فم المرأة وأعطافها بعد النوم بالمسك. هـ- ويكونان في الملموسات، أي في كل ما يدرك باللمس من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والخشونة والملاسة، واللين والصلابة، والخفة والثقل وما يتصل بها؛ كتشبيه اللين الناعم بالخز، والجسم بالحرير، وكقول الشاعر: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر ٢ - أو عقليان: والمراد بالطرفين العقليين أنهما لا يدركان بالحس بل بالعقل، وذلك كتشبيه العلم بالحياة، والجهل بالموت، فقد شبه هنا معقول بمعقول، أي أن كلا منهما لا يدرك إلا بالعقل. ٣ - أو مختلفان: وذلك بأن يكون أحدهما عقليا والآخر حسيّا، كتشبيه المنيّة بالسبع، والمعقول هو المشبه، والمحسوس هو المشبه به، وكتشبيه العطر بالخلق الكريم، فالمشبه وهو العطر محسوس بالشم، والمشبه به وهو الخلق عقليّ. والتشبيه الحسي الذي يدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس يدخل فيه أو يلحق به التشبيه «الخيالي». والتشبيه الخيالي هو المركب من أمور كل واحد منها موجود يدرك بالحسّ، لكن هيئته التركيبية ليس لها وجود حقيقي في عالم الواقع، وإنما لها وجود متخيّل أو خيالي. ولكن لأن أجزاء التشبيه الخيالي موجودة تدرك بالحس ألحق بالتشبيه

стр. 64

الحسي، لاشتراك الحس والخيال في أن المدرك بهما صورة لا معنى، وذلك كقول الشاعر: وكأنّ محمرّ الشقي ... ق إذا تصوّب أو تصعّد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد (١) فالهيئة التركيبية التي قصد التشبيه بها هنا، وهي نشر أعلام مخلوقة من الياقوت على رماح مخلوقة من الزبرجد لم تشاهد قط لعدم وجودها في عالم الحس والواقع، ولكن العناصر التي تألفت منها هذه الصورة المتخيلة، من الأعلام والياقوت والرماح والزبرجد موجودة في عالم الواقع وتدرك بالحس. ويدخل البلاغيون في التشبيه العقلي ما يسمونه بالتشبيه «الوهميّ»، وهو ما ليس مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، ولكنه لو وجد فأدرك، لكان مدركا بها، كما في قوله تعالى في شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم: «طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ»، وكقول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أعوال؟ فالشياطين (٢) والغول وأنيابها مما لا يدرك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، ولكنها لو وجدت فأدركت لكان إدراكها عن طريق حاسة البصر.

стр. 65

ويدخل في العقلي أيضا ما يدرك بالوجدان، كاللذة والألم، والشّبع والجوع، والفرح والغضب. وما يدرك بالوجدان يعني ما يدرك بالقوى الباطنية مثل القوة التي يدرك بها الشّبع، والتي يدرك بها الجوع، وكالقوة الغضبية التي يدرك بها الغضب، وكذلك القوة التي يدرك بها الفرح والخوف وغير ذلك من الغرائر. فمثل هذه المعاني توجد بفعل قوى باطنية تدركها النفس بها، وتسمى تلك القوى وجدانا، والمدركات بها وجدانيات. وقد سميت عقلية لخفائها وعدم إدراكها بالحواس الظاهرة، كالألوان المدركة بالعين، والطعم المدرك بالذوق. أجود التشبيه عند أبي هلال: وعند أبي هلال العسكري أن أجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة (١) أوجه: أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وهو قول الله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ (٢) يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، فأخرج ما لا يحس إلى ما يحس، والمعنى الذي يجمعهما بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة ولو قال: «يحسبه الرائي ماء» لم يقع موقع قوله: «الظمآن»؛ لأن الظمآن أشد فاقة إلى الماء، وأعظم حرصا عليه. وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ

стр. 66

بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ. والمعنى الجامع بينهما بعد التلاقي، وعدم الانتفاع. وكذلك قوله تعالى في حال من كذب بآياته ورفض الإيمان في كل حال «فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث»، أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب. والمعنى أن الكلب لا يطيعك في ترك اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان في رفق ولا عنف. ومثله قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ، فالمعنى الذي يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك الحاجة. والوجه الآخر: ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، كقوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، (١) والمعنى الجامع بين المشبه والمشبه به الانتفاع بالصورة. ومن هذا قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، (٢) هو بيان ما جرت به العادة

стр. 67

إلى ما لم تجر به، والمعنى الذي يجمع الأمرين الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر والموعظة لمن تذكر. ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فاجتمع الأمران في قلع الريح لهما وإهلاكهما، والتخوف من تعجيل العقوبة. ومنه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ، (١) والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدلالة على عظم الشأن، ونفوذ السلطان. ومنه قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب، وفيه الاحتقار، للدنيا، والتحذير من الاغترار بها. والوجه الثالث: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها، فمن هذا قوله : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، فقد أخرج ما لا يعلم بالبديهة وهو عرض الجنة إلى ما يعلم

стр. 68

بها، والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصفة. ومثله قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول، والفائدة فيه الترغيب في تحفظ العلوم، وترك الاتكال على الرواية دون الدراية. ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، (١) والجامع بين الأمرين خلو الأجساد من الأرواح، والفائدة الحث على احتقار ما يؤول به الحال. وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد، والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس. والوجه الرابع: إخراج ما لا قوة له في الصفة على ما له قوة فيها، كقوله : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة البيان عن القدرة في تسخير الأجسام العظام في أعظم ما

стр. 69

يكون من الماء. وعلى هذا الوجه يجري أكثر تشبيهات القرآن، وهي الغاية في الجودة، والنهاية في الحسن. وقد جاء في أشعار المحدثين تشبيه ما يرى بالعيان بما ينال بالفكر، وهو رديء، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدقة، وهو مثل قول الشاعر: وندمان سقيت الراح صرفا ... وأفق الليل مرتفع السّجوف صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دقّ في ذهن لطيف فأخرج ما تقع عليه الحاسة إلى ما لا تقع عليه، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر. ومثله كثير في أشعارهم. أقسام التشبيه عند المبرد: والمبرد من أوائل العلماء الذين درسوا فن التشبيه، وهو يقسمه إلى أربعة أضرب: ١ - التشبيه المفرط: وهو التشبيه المبالغ فيه، أو المبالغ في الصفة التي تجمع بين المشبه والمشبه به، كقول الخنساء في أخيها صخر: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كأنه نار في رأس علم، والعلم الجبل. ومن هذا النوع في شعر المحدثين قول بشار: كأن فؤاده كرة تنزّي ... حذار البين إن نفع الحذار وقول أبي نواس الحسن بن هانئ في صفة الخمر:

стр. 70

فإذا ما اجتليتها فهباء ... تمنع الكفّ ما تبيح العيونا (١) أكل الدهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لبابها المكنونا فهي بكر كأنها كل شيء ... يتمنى مخيّر أن يكونا في كؤوس كأنهن نجوم ... جاريات بروجها أيدينا طالعات من السّقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا فهذا تشبيه مفرط يصفه المبرد بأنه غاية على سخف كلام المحدثين!. ٢ - التشبيه المصيب: ويفهم من الأمثلة التي أوردها المبرد أنه يعني به ما خلا من المبالغة وأخرج الأغمض إلى الأوضح، كقول امرئ القيس في طول الليل: كأن الثريا علّقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صمّ جندل (٢) فهذا التشبيه في ثبات الليل، لأنه يخيل إليه من طوله كأن نجومه مشدودة بحبال من الكتان إلى صخور صلبة، وإنما استطال الليل لمعاناته الهموم ومقاساته الأحزان فيه. وكقوله في ثبات الليل: فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل (٣)

стр. 71

فهو هنا يشبه نجوم الليل في ثباتها وعدم تحركها كما لو كانت قد شدت بشيء مفتول قوي إلى جانب هذا الجبل. وقد ذكر ابن رشيق أمثلة للتشبيه المصيب منها قول النابغة في وصف المتجردة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العوّد وقول عدي بن الرقاع العاملي: وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقول صريع الغواني: فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع (١) ٣ - التشبيه المقارب: كقول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللته المظلمات الحنادس وهذا من نوع التشبيه المقلوب الذي يجعل فيه المشبه مشبها به فالعادة أن أعجاز النساء أو أوراك العذارى تشبه بكثبان الرمال ولكن الشاعر هنا قلب التشبيه طلبا للمبالغة. ومن المقارب الحسن قول الشماخ: كأن المتن والشرخين منه ... خلاف النصل سيط به مشيج

стр. 72

يريد سهما رمى به فأنفذ الرميّة وقد اتصل به دمها، والمتن متن السهم، وشرخ كل شيء حده، فأراد شرخي الفوق (١) وهما حرفاه، والمشيج المختلط. ٤ - التشبيه البعيد: وهو الذي يحتاج إلى تفسير، وعند المبرد أن هذا النوع هو أخشن الكلام، كقول الشاعر: بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الدار كأني حمار فإن الشاعر أراد الصحة، وهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله وهو من البين الواضح-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً في أنهم قد تعاموا عن التوراة وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها. ويلاحظ على هذا التقسيم الذي أورده المبرد للتشبيه أمور منها: أن هذه الأنواع الأربعة هي صفات لبعض التشبيهات، وأنه لم يضع حدودا تميز كل نوع عما عداه. وترك هذا لحدس القارئ وتخمينه، وأنه قد حكم على بعض الأمثلة التي أوردها بالحسن أو القبح دون أن يعلل لما استحسنه أو استقبحه. ولكنه في عصره المبكر وفي المراحل الأولى للبلاغة والنقد لم يكن ينتظر منه أن يتوسع في دراسة التشبيه بأكثر مما فعل. أداة التشبيه وأداة التشبيه كل لفظ يدل على المماثلة والاشتراك، وهي حرفان وأسماء، وأفعال، وكلها تفيد قرب المشبه من المشبه به في صفته. والحرفان هما:

стр. 73

١ - الكاف: وهي الأصل لبساطتها، والأصل فيها أن يليها المشبه به، كقول الشاعر: أنا كالماء- إن رضيت- صفاء ... وإذا ما سخطت كنت لهيبا وقول آخر: أنت كالليث في الشجاعة والإقدام ... والسيف في قراع الخطوب (١) وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به، وذلك إذا كان المشبه به مركبا، كقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، ولا بمفرد آخر يتعمل ويتمحل لتقديره، بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفا ثم يهيج فتطيّره الرياح كأن لم يكن. ونحو قول لبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وبعد بلاقع فلبيد لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها وسرعة نهوضهم عنها وتركها خالية. ٢ - كأن: وتدخل على المشبه أو يليها المشبه، كقول الشاعر: كأن أخلاقك في لطفها ... ورقة فيها نسيم الصباح وقول آخر: وكأنّ الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضّرّاب (٢)

стр. 74

و «كأن» حرف مركب عند أكثر علماء اللغة من الكاف وإن. قالوا: والأصل في «كأن زيدا أسد» «إن زيدا كأسد» ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة «إن» لدخول الجار، وما بعد الكاف جرّ بها. و «كأن» للتشبيه على الإطلاق، وهذا هو استعمالها الغالب والمتفق عليه من جمهور النحاة، وزعم جماعة من النحاة أنها لا تكون للتشبيه إلا إذا كان خبرها اسما جامدا، نحو: كأن زيدا أسد. بخلاف كأن زيدا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن والشك. أي بمنزلة ظننت وتوهمت. ومعنى هذا أنه إذا كان خبرها وصفا أو جملة أو شبه جملة فهي فيهن للظن، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما يتمثل به. فإن قلت: كأن زيدا قائم، لا يكون تشبيها لأن الشيء لا يشبه نفسه. ولكن جمهور النحاة على الرأي الأول القائل بأنها للتشبيه على الإطلاق، وعلى هذا يقولون: إن معنى كأن زيدا قائم، تشبيه حالته غير قائم بحالته قائما. ٣ - مثل: ومن أدوات التشبيه مثل وما في معنى مثل كلفظة «نحو»، وما يشتق من لفظة مثل وشبه، نحو مماثل ومشابه وما رادفهما. وأما أدوات التشبيه الفعلية فنحو: يشبه ويشابه ويماثل ويضارع ويحاكي ويضاهي. وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه كالفعل «علم» في قولك: علمت زيدا أسدا ونحوه، هذا إذا قرب التشبيه بمعنى أن يكون وجه الشبه قريب الإدراك، فيحقق بأدنى التفات إليه. وذلك لأن العلم معناه التحقق، وذلك مما يناسب الأمور الظاهرة البعيدة عن الخفاء. أما إن بعد التشبيه أدنى تبعيد قيل: خلته وحسبته ونحوهما لبعد الوجه عن التحقق، وخفائه عن الإدراك العلمي، وذلك لأن الحسبان

стр. 75

ليس فيه الرجحان، ومن شأن البعيد عن الإدراك أن يكون إدراكه كذلك دون التحقق المشعر بالظهور وقرب الإدراك. التشبيه باعتبار الأداة: والبلاغيون يقسمون التشبيه باعتبار الأداة إلى مرسل ومؤكد: ١ - فالتشبيه المرسل: هو ما ذكرت فيه أداة التشبيه، نحو: خلق كالمدام أو كرضا ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب وقول الشاعر: العمر مثل الضيف أو ... كالطيف ليس له إقامة وقول المتنبي في هجاء إبراهيم بن إسحاق الأعور بن كيغلغ: وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم ٢ - والتشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه أداة التشبيه، وتأكيد التشبيه حاصل من ادعاء أن المشبه عين المشبه به، وذلك نحو قوله تعالى تصويرا لبعض ما يرى يوم القيامة: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي أن الجبال ترى يوم ينفخ في الصور تمر كمر السحاب، أي تسير في الهواء كسير السحاب الذي تسوقه الرياح. ومنه شعرا قول المتنبي مادحا: أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام (١) كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام (٢)
следующие страницы →