بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
إنَّ الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له.
"وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله اللَّه رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين" (١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فلقد اصطفى اللَّه تعالى هذه الأمة؛ إذ شرفها بأن اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين "كتابه العزيز"، وهيَّأ هذه الأمة لتضطلع بتلك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد اللَّه ﵎
стр. 2
سلفًا بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد -بحمد اللَّه- من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفًا أو حركةً من القرآن الكريم.
ولما تعهد اللَّه تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمنًا حفظ سنة رسول اللَّه ﷺ ، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى ﷺ بأسانيدها، فكان الإسناد أحد الخصائص التي اختص اللَّه تعالى بها أمة صفيِّه ﷺ .
ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (١) وغيره عن محمد بن سيرين أنه قال: "إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" وروى أيضًا (٢) عنه أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
ومن ثم افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء "علم الجرح والتعديل" أو "علم الرجال".
وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جدًّا، وينجلي ذلك مما نقلناه سالفًا عن ابن سيرين، وقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن اللَّه تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به، ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فقد أسند ابن عدي في مقدمة "الكامل" (٣)، وابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" (٤) أنه قيل لعبد اللَّه بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
стр. 3
ولم يخلُ عصر من العصور من إمام يقوم بواجب هذه الصنعة، إلا أن المنهج -وكما يعرفه المختصون- اختلف من المتقدمين إلى المتأخرين. فبعد أنْ كان عند المتقدمين قائمًا على الاجتهاد والأصالة والسبر والاستقراء، أصبح عند المتأخرين قائمًا على الترتيب والجمع والتصنيف، ومن خلال التطور الزمني للتصنيف في علم الجرح والتعديل، كان "الكمال في أسماء الرجال" (١) للحافظ عبد الغني المقدسي أحد حلقات تطوره، والذي نال من الاهتمام ما لا ينكره عاقل، ومن ثم تكاثرت فروعه، فكان أحد تلك الفروع كتاب: "تقريب التهذيب" لحافظ عصره بلا مدافع، وإمام وقته بلا منازع أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -رحمه اللَّه تعالى-.
وقد برزت في هذا الكتاب -كما في غيره من كتبه- شخصية الحافظ الناقد الخبير البصير بمواضع الكلام، ومراتب الرواة، وعلل أحاديثهم، فكان خير تعبير عن علم جمٍّ وافر، وذوق ناقد ماهر، فلقي من القبول ما لم يكد يلقه كتاب آخر في موضوعه، ولم يجرأ أحد من الناس على رد أحكام الحافظ -بل: غاية ما كان استدراكات لا يخلو عمل بشري من العوز لها- منذ تأليفه في النصف الأول من القرن التاسع الهجري حتى وقت قريب.
وبينما المسلمون اليوم يعيشون بين صفعة حاقد، وزمجرة جامد، وتسلط كاسد، ظهر في أسواقهم كتاب أسماه مؤلفاه الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرنؤوط: "تحرير تقريب التهذيب"، ادعيا فيه تعقب الحافظ في أحكامه، وأنه أخطأ في خُمس الكتاب، ولم يكن صاحب منهج و. . . و. . . و. . .، مما وصفا الحافظ من أوصاف شديدة.
ومن هنا أخذت على عاتقي التصدي لهذا الكتاب، وبيان ما فيه من زيف وزلل وخطأ ووهم، وليس تجمعني والمؤلفَينِ كراهةٌ، لكن مقالة الحق لا تبقي
стр. 4
لصاحبٍ صاحبًا، وتدخلك مع من لست تعرف في غير صحبة ودٍّ، ولكن كثرةُ الدعاء لهما بالسداد وحسن الخاتمة كان ديدني طوال صحبتي لهما في كتابة هذا العمل، وكل يؤخذ منه ويردُّ عليه إلا رسول اللَّه ﷺ .
وربما كتب القلم غاضبًا، فقال حينًا -في الحقِّ- ما ليس كلُّ الناس ترضى عنه وتقبلُ، فهذا مما أستغفر اللَّه منه -على اعتقادي بصوابه- وأعتذر للمحررين عنه -وإن كان مما جنته أيديهم- وأقول لمن قد لا يرتضي:
مُرَّانِ كَمْ قَضَّا مَضَاجِعَ عَالِمٍ … الحَقُّ مُرٌّ والسُّكُوتُ مَرَارُ
فَلَئِنْ سكَتَّ فَأَنْتَ تَخْذُلُ حَافِظًا … وَلَئِنْ كَتَبْتَ فَضَجَّةٌ سَتُثَارُ
عَتِبٌ عَلَى قَلَمِ الحَقِيقَةِ أَخْرَسٌ … فَمَتَى وَقَدْ هُدِمَتْ رُؤَاكَ تَغَارُ؟
وَمَتَى سَتَكْتُبُ أَنْتَ أَوَّلُ صَارخٍ … يُرْجَى إِذَا قَتَلَ الهَوَاءَ غُبَارُ
فَكَتَبْتُ مَوْجُوعَ الفُؤَادِ، مَرَارَةً … أَلَّا يُرَى غَيْرَ السُّكُوتِ خَيَارُ
يَا دَوْلَةَ "التَّحْرِيرِ" لَسْتِ بِدَوْلَةٍ … قَدْ آنَ يَقْتُلُ لَيْلَتَيْكِ نَهَارُ
فجاء هذا الكتابُ غضبةً في اللَّه لابن حجر، وما علي من شيءٍ بعد هذا سوى طلب السداد من اللَّه ، في زمنٍ قليلًا ما رأينا فيه غضبة للَّه ولعلماء الأمة، الذين أحرقوا أعمارهم شموعًا أنارت دروب حياتنا المظلمة، فلم أر قلمًا تعقب المحررين في كتابهما هذا غير قلم شيخي العلامة الدكتور هاشم جميل -حفظه اللَّه- على كثرةٍ لهذه الأقلام لكن في غير ما غضبةٍ.
ورحم اللَّه القائل:
مَا أكثَرَ النَّاسَ بَلْ ما أقَلَّهُمُ … واللَّهُ يَشْهَدُ أَنِّي لَمْ أَقُلْ فَنَدا
و:
إِنِّي لَأَفْتَحُ عَيْنِي حِين أَفْتَحُهَا … علَى كَثِيرٍ وَلَكِنْ لَا أَرَى أَحَدَا
стр. 5
و:
مَا أَكْثَرَ "الْأَقْلَامَ" حِينَ "تَعُدُّها" … لَكِنَّهَا فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ
وكان دافعي الرئيس الذب عن سنة المصطفى ﷺ ، والدفاع عن علم الجرح والتعديل الذي هو أصعب العلوم، والدفاع عن الصحيحين.
ثم ليس أمر الكلام في الرواة شيئًا يسيرًا أو هينًا، لذا اشترطت في المجرح والمعدل: العدالة، والدين المتين، والورع، لذا قال الإمام السبكي ﵀ وهو يتحدث عن صنوف العلماء: "ومنهم المؤرخون وهم على شفا جرفٍ هارٍ؛ لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد ما يبلغهم من صادقٍ أو كاذبٍ، فلابد أن يكون المؤرخ عالمًا عادلًا، عارفًا بحال من يترجمه، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمل على التعصب ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه" (١).
فشمرت عن ساعد الجد، لنقد هذا الكتاب وبيان فحواه، واللَّه أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم.
واقتضت طبيعة هذا الكتاب أن أقسمه بعد هذه المقدمة إلى قسمين:
القسم الأول: في المقدمات، واحتوى على خمسة فصول:
الفصل الأول: الحافظ ابن حجر، وكتابه التقريب.
الفصل الثاني: أنظار في تحرير التقريب.
الفصل الثالث: فرائد الفوائد.
الفصل الرابع: طبعات التقريب.
الفصل الخامس: نقد مقدمة التحرير.
стр. 6
أما القسم الثاني: وهو الأهم، فقد ذكرت فيه أوهام المحررين وأخطاءهما، وقد سرت فيه على النهج الآتي:
أذكر الترجمة من نص التحرير (وقد حرصت على ذكر نصهما بحروفه)، وأصدر الترجمة برقم متسلسل لتراجم الكتاب، ثم أضع رقم الترجمة من التحرير بين هلالين، ثم أسوق تعقب المعترضين، ثم بعد ذلك أناقشهما في ذلك.
وقد تتبعت المحررين -الدكتور بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرنؤوط- في نصهما الذي أثبتاه للتقريب وفي أحكامهما وفي نقولاتهما فكانت دراسة استقرائية تامة شاملة -إن شاء اللَّه-.
وقد وجدت عدد الأخطاء والأوهام وغير ذلك التي وقع فيها المحرران كثيرًا جدًّا، وأن مسألة ذكرها بجملتها في صلب الكتاب، ربما يجعل الكتاب ذا مجلدات عدة، فارتأيت أن أضع تلك الأخطاء في جداول طلبًا للاختصار وألحقتها في نهاية الكتاب.
وقد أجملت بعضها في القسم الأول خشية التكرار والإطالة، وقد تم تعقب المحررين في أكثر من ألفي موضع، توزعت على (١٤٢٠) موضعًا في مقدمة الكتاب، و (٥٨٥) موضعًا في القسم الثاني، و (٣٩٩) موضعًا في ملاحق الكتاب.
وكان من منهج عملي في كتابي هذا: أنني قابلت النص على المطبوعات واستعنت في مواطن الاختلاف بالنسخ الخطية (١) وما أعزها علينا في بلدنا الذي يئن تحت وطئة الحصار منذ عقد من السنين، ثم تحت الاحتلال المقيت، وتتبعت المحررين الفاضلين في تخريجاتهما وأحكامهما في غير هذا الكتاب؛ ليصبح بيان منهجهما في باقي كتبهما أوضح، وليكون إيراد تناقض أبلغ، واستفدت في مواضع من تخريجات وتنبيهات المُحْدَثين بعد سبرها وتمحيصها.
стр. 7
وسيجد القارئ الكريم أني أغلظت القول في بعض المواطن للمحررين غضبة للَّه ولرسوله، وإنني موقنٌ أن هناك كثيرًا ممن يشاركني ذلك، واللَّه من وراء القصد، وهو يتولى السرائر.
وقد بذلت جهدي وما وسعتني طاقتي في هذا الكتاب، ولم آلُ بتعب أو وقت عليه، راجيًا اللَّه تعالى أن يجعله نورًا لي إنه سميع عليم.
وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
стр. 8
القسم الأول
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: الحافظ ابن حجر وكتابه التقريب.
الفصل الثاني: أنظار في تحرير التقريب.
الفصل الثالث: فرائد القواعد وشرائد الفوائد.
الفصل الرابع: طبعات التقريب.
الفصل الخامس: نقد مقدمة التحرير.
стр. 9
الفصل الأول ابن حجر وكتابه التقريب
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حياته
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حياته.
المطلب الثاني: مؤلفاته.
المبحث الثاني: كتاب تقريب التهذيب.
стр. 10
تمهيد
لما كان الحافظ ابن حجر يمتاز بالمكانة العلمية المرموقة، فقد ترجم له كثير من المؤلفين القدماء، كما عني بعض المحدثين بأخباره ومكانته ومؤلفاته (١).
وقد وردت ترجمة ابن حجر في أكثر من ثلاثين (٢) مصدرًا ما بين قديم وحديث ونظرًا لتوافر التراجم القديمة والحديثة، فقد اقتصرنا في التعريف به على مبحثين موجزين:
تحدثت في المبحث الأول عن بعض ملامح حياته العلمية، وفي المبحث الثاني تحدثت عن التقريب.
فكانت خطة البحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: حياته ومؤلفاته وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حياته.
والمطلب الثاني: في مؤلفاته.
стр. 11
المبحث الأول
المطلب الأول حياته
وفيها:
١ - اسمهُ ونسبه ونسبتُه وكنيته:
هو شهاب الدين، أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن حجر الكناني العسقلاني.
وكنانة: هي قبيلته، وعسقلان: هي المدينة التي جاءت منها أصوله.
وأما حجر: فهو اسم أحد أجداده أو لقب له واشتهر هو بـ (ابن حجر) وكناه والده أبا الفضل، ولقب بشهاب الدين (١).
٢ - ولادته ونشأته وطلبه للعلم ورحلاته:
ولد في شهر شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة، على شاطئ النيل بمصر ونشأ يتيمًا؛ إذ مات أبوه وله من العمر أربع سنوات، وكانت أمه قد ماتت قبل ذلك (٢). وقد دخل الكُتَّابَ وهو ابن خمس سنين، وأكمل حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، وصلَّى بالناس التراويح في الحرم المكي سنة خمس وثمانين وسبع مائة، وله من العمر اثنا عشر عامًا، وكان مع وصيه زكي الدين الخرُّوبي (٣).
стр. 12
وكان له من النهمة العلمية الشيء الكثير، فبعد حفظه القرآن حفظ كتبًا من مختصرات العلوم، وعرضها -كما هي العادة- على جماعة من أئمة عصره وكتبوا له خطوطهم بذلك.
فلما قارب العشرين فاق أقرانه في فنون الأدب، ونظم الشعر الرائق، وكتب النثر الفائق، واهتم بالتاريخ والحديث وعلومهما (١). وقد رحل تحصيلًا للعلم إلى كثير من البلدان، فسافر إلى اليمن، والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن مشاهير علمائها (٢).
٣ - شيوخه:
تلقى ابن حجر العلم عن شيوخ كثيرين في مختلف العلوم والفنون، وقد خصص لشيوخه كتابين:
الأول: (المجمع المؤسس للمعجم المفهرس) ترجم فيه لشيوخه، وذكر مروياتهم بالسماع أو بالإجازة أو الإفادة عنهم.
والثاني: المعجم المفهرس، وهو فهرس لمرويات الحافظ، ذكر فيه شيوخه خلال ذكره لأسانيده في الكتب والمسانيد، والكتابان محققان. وكذلك ذكر شيوخ الحافظ تلميذه النجيب السخاوي في كتابه: (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) (٣)، وفصَّل القول عنهم، وفيما يأتي ذكر لبعض المشهورين منهم.
فمن شيوخه في الحديث:
١ - عبد الرحيم بن الحسين العراقي ت (٨٠٦) هـ (٤).
стр. 13
٢ - علي بن أبي بكر الهيثمي ت (٨٠٧) هـ (١).
ومن شيوخه في الفقه:
٣ - عمر بن علي بن الملقن ت (٨٠٤) هـ (٢).
٤ - عمر بن رسلان البلقيني ت (٨٠٥) هـ (٣).
ومن شيوخه في العربية:
٥ - محمد بن محمد الغماري ت (٨٠٢) هـ (٤).
٦ - مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت (٨١٧) هـ (٥).
ومن شيوخه في القراءات:
٧ - إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي ت (٨٠٠) هـ (٦).
٤ - وظائفه:
تقلد ابن حجر وظائف متعددة وهي:
١ - التدريس: وقد تولى تدريس التفسير والحديث والفقه في مدارس كثيرة منها
стр. 14
(المدرسة الجمالية) و (المدرسة الشريفية) و (المدرسة الحسنية) وغيرها.
وقد أملى من خلال هذه الوظيفة أكثر من ألف مجلس حديثي (١).
٢ - الإفتاء: وتولى منصب الإفتاء أكثر من ثلاثين سنة.
٣ - القضاء: وتولى القضاء مدة تزيد على إحدى وعشرين سنة.
٤ - وهناك وظائف أخرى كالخطابة بالجامع الأزهر، وجامع عمرو بن العاص وخزن كتب المدرسة المحمودية وغير ذلك (٢).
٥ - تلاميذه:
أما تلاميذه، فقد توافدوا على مجالسه من كل حدب، وصوب حتى ضاقت مجالسه، وامتلأت بجموعهم مدارسه، وقد أخذوا عنه من أقطار شتى وأماكن مختلفة (٣)، ومن أبرزهم وأشهرهم:
١ - ابن فهد المكي، تقي الدين محمد بن محمد ت (٨٧١) هـ (٤).
٢ - محمد بن سليمان الكافيجي ت (٨٧٩) هـ (٥).
٣ - إبراهيم بن عمر البقاعي ت (٨٨٥) هـ (٦).
١ - محمد بن محمد الخيضري ت (٨٩٤) هـ (٧).
٢ - محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت (٩٠٢) هـ (٨).
стр. 15
٣ - زكريا بن محمد الأنصاري ت (٩٢٦) هـ (١).
٦ - وفاته:
ثم توفي بعد حياة حافلة بالعلم والعمل الصالح في أواخر شهر ذي الحجة سنة (٨٥٢) اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد رثاه غير واحد (٢).
٧ - صفاته وأخلاقه:
قال ابن تغري بردي في بيان صفاته: "شيخ الإسلام، حافظ المشرق والمغرب أمير المؤمنين في الحديث، علامة الدهر، شيخ مشايخ الإسلام، حامل لواء سنة سيد الأنام، قاضي القضاة أوحد الحفاظ والرواة، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ نور الدين علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، العسقلاني الأصل، الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها وشاعرها. . . لم يخلف بعده مثله شرقًا ولا غربًا، ولا نظر هو مثل نفسه في علم الحديث.
وكان -رحمه اللَّه تعالى- إمامًا عالمًا حافظًا شاعرًا أديبًا مصنفًا مليح الشكل منور الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية عذب المذاكرة، مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ودرية بالأحكام ومداراة الناس، قل أن كان يخاطب الرجل بما يكره، بل كان يحسن إلى من يسيء إليه، ويتجاوز عمن قدر عليه هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبر والصدقات، وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد" (٣).
وقال ابن فهد: "لم ترَ العيون مثله، ولا رأى مثل نفسه" (٤).
стр. 16
المطلب الثاني مؤلفاته
يعد الحافظ ابن حجر العسقلاني من المكثرين في التصنيف، إذ له من المؤلفات والتحقيقات ما يزيد على مائتين وسبعين مؤلفًا، وهي متفاوتة في أحجامها فمنها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها الصغير، ويغلب عليها التصنيف في الحديث والجرح والتعديل. وقد استقصاها عدد من الباحثين المعاصرين (١) وفصَّلوا القول فيها، فبينوا مطبوعها من مخطوطها من مفقودها، ولا داعي لتكرار ما ذكره الباحثون من سرد مؤلفاته، ولكنني سأكتفي ببعض ذلك:
١ - إتحاف المهرة (وقد طبع منه أربع عشرة مجلدًا).
٢ - الإصابة في تمييز الصحابة (مطبوع في أربع مجلدات).
٣ - إنباء الغمر بأبناء العمر (مطبوع).
٤ - بلوغ المرام (طبع عدة طبعات).
٥ - تبصير المنتبه في تحرير المشتبه (مطبوع في أربع مجلدات).
٦ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة (مطبوع).
٧ - تغليق التعليق (مطبوع في أربع مجلدات).
٨ - التلخيص الحبير (طبع عدة طبعات).
стр. 17
٩ - تهذيب التهذيب (طبع عدة طبعات، أولها في الهند في اثني عشر مجلدًا).
١٠ - الدراية في تلخيص تخريج أحاديث الهداية (مطبوع).
١١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري (مطبوع في أربعة عشر مجلدًا).
١٢ - لسان الميزان (مطبوع في سبع مجلدات).
١٣ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (مطبوع في خمس مجلدات).
١٤ - نزهة الألباب في الألقاب (مطبوع في مجلدين) (١).
* * *
стр. 18
المبحث الثاني كتاب تقريب التهذيب
وفيه تمهيد ومطلبان:
المطلب الأول: الطبقات عند الحافظ ابن حجر.
المطلب الثاني: العلامات والرقوم.
* * *
تمهيد
اهتم العلماء منذ وقت مبكر بتأليف الكتب التي تتكلم عن الرواة، وتحكم عليهم، وتبين مراتبهم من التوثيق والتضعيف وغير ذلك، وفائدة هذا: التوصل إلى معرفة صحة الحديث من سُقْمِه؛ لذا زخرت المكتبة الإسلامية بالجم الغفير من الكتب منذ نهاية عصر التدوين حتى يوم الناس هذا، وكانت من الكثرة بحيث أصبحت عملية عدها مستعصية على العادِّ ويكاد يكون أمرًا غير ممكن، إلا أن هناك بعضًا من المصنفات نالت حظوة لدى الباحثين، وقيمة عليا عند المحققين منها: تاريخ يحيى بن معين (برواياته المختلفة) وكتب السؤالات التي وجهت للإمام أحمد، وتواريخ البخاري، ومصنفات ابن أبي حاتم وثقات ابن حبان وابن شاهين، ومؤلفات الدارقطني وغيرها الكثير الكثير.
ولما كان كلام أئمة الجرح والتعديل متناثرًا في كتبهم، تلفه طويات صفحاتها كان أمر جمع أقوال النقاد في كل راوٍ على حدة حلمًا ساور الكثير من المصنفين، إلى أن جاء الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي الحنبلي (٥٤٤ - ٦٠٠ هـ) فصنف سفره العظيم: "الكمال في أسماء الرجال" فكان بحق كتابًا نافعًا ماتعًا، ويكفيك للدلالة على علو كعب هذا الكتاب إقدام المزي على تهذيبه.
стр. 19
وقد تناول الحافظ عبد الغني في كتابه هذا رجال الكتب الستة من خلال بيان أسمائهم، وما قيل فيها من اختلاف وبيان شيوخهم وتلامذتهم، وما قيل في كلٍّ منهم من جرح وتعديل، وما عرف من وفيات أكثرهم. ومع حرصه الشديد على الشمول والاستقصاء، فقد فاته بعض الرواة الذين لم يقف عليهم، فشاب -وما شان- كتابه شيء من النقص، كان بحاجة إلى إكمال.
فقيض اللَّه تعالى لهذا العمل العظيم رجله بحق الإمام الحافظ أبا الحجاج المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، فعمل على تهذيب كتاب الكمال طلبًا لاختصاره، وأضاف تراجم كثير من الرواة الذين فات الحافظ عبد الغني ذكرهم طلبًا للاستيفاء، وحذف منه وأضاف له، وسمَّاه: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، فكان بحق كمالًا للكمال، ومكملًا لفوائد اقتضاها الحال.
ومن الناس من يظن أن عمل الحافظ المزي إنما هو اختصار للكمال، وهو خطأ لطالما سمعته من كثير من المشايخ، والذي يظهر أن التهذيب هنا بمعنى: التصحيح والاستدراك.
ولقد تجمع من جهد هذين الحافظين عمل فذ كان الذروة في بابه، إلا أن الكتاب طال جدًّا، وصعبت على الناس مراجعته، مع بعد الزمان وتقاصر الهمم، الأمر الذي حدا بكثير من العلماء إلى اختصاره طلبًا للتيسير ودفعًا للمشقة المتوقعة، فكان أحد هؤلاء الحافظ ابن حجر، إذ اختصره في كتابه "تهذيب التهذيب" فكان كتابًا عظيمًا نافعًا.
ويتلخص تهذيب الحافظ ابن حجر فيما يأتي:
١ - لم يحذف من رجال "تهذيب الكمال" أحدًا، وإنما زاد فيهم من هو على شرطه.
٢ - أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل "الكمال" وكان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناءً على أن بعض الستة أخرج لهم، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة.
стр. 20
٣ - حذف من الترجمة الأحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية الموافقات والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو.
٤ - لم يستوعب شيوخ وتلاميذ المترجم له، بل اقتصر على المشهورين منهم وحذف الباقين.
٥ - لم يلتزم نهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، بل قدم المشهورين على غيرهم.
٦ - حذف من الترجمة أغلب الأخبار التي لا تدل على توثيق ولا تجريح.
٧ - حذف كثيرًا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم له.
٨ - ميز ما أضافه إلى الترجمة بـ "قلت" (١) ثم يسوق قوله.
ومن فوائد هذا الكتاب العظيم أنه جمع ما استدرك على المزي، فوضعه في محاله، وقد ذكر الحافظ استفادته من زوائد الذهبي في "تذهيب تهذيب الكمال"، ثم قال: "وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال، مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته، وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا الكتاب المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف لكان معنًى مقصودًا، هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما، والعلم مواهب، واللَّه الموفق" (٢).
ولما كان الكتاب يمتاز بهذه الزيادات النافعة الماتعة، أصبح على نفاسته مَدْرَسَ الناس ومرجعهم، ينهلون منه العلم والمعرفة في تفحص أحوال الرجال التي
стр. 21
إليها المرجع في معرفة صحيح الحديث من ضعيفه، ثم أراد الحافظ ابن حجر أن يقرب فوائد هذا الكتاب إلى الناس، فاختصر "تهذيب التهذيب" في كتابه "تقريب التهذيب"، راعى فيه الفائدة والاختصار بحيث تكون الترجمة تشمل اسم الرجل واسم أبيه وجده، ونسبه ونسبته وكنيته ولقبه، مع ضبط المشكل بالحروف، ثم الحكم على كل راوٍ من المترجمين لهم بحكم وجيز، ثم التعريف بعصر كل راوٍ؛ حيث قسَّمهم على طبقات، جعلها اثنتي عشرة طبقة، ثم ذكر الرموز لكل راوٍ والتي تنبئ عن مكان وجود أحاديث المترجم له في الكتب (١).
وقد بين الحافظ نفسه سبب اختصاره للتهذيب بالتقريب، فقال: "فإني لما فرغت من تهذيب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" الذي جمعت فيه مقصود التهذيب لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضَمَمْتُ إليه مقصود إكماله، للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرًا منه على ما اعتبرته، وصحَّحته من مظانه من بيان أحوالهم أيضًا وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يُتَعَجَّبُ من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما، وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعًا حسنًا عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل. . . والثلث كثير، فالتمس مني بعض الأخوان أن أجرد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته على وجه يحصل مقصوده بالإفادة ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي: أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه" (٢).
стр. 22
وهذا ملخص جيد عن المنهج الذي سار عليه الحافظ ابن حجر في كتابه "التقريب". ثم إن كتاب تقريب التهذيب هو خلاصة جهود الحافظ ابن حجر في علم الجرح والتعديل، وآخر اجتهاداته، وقد فرغ من تأليفه عام (٨٢٧ هـ) فظلَّ يحرر فيه، وينقح فيه، ويضيف إليه وينقص حتى عام (٨٥٠ هـ) أي قبيل وفاته بعامين، قال الشيخ الفاضل محمد عوامة: "إذا كان الحافظ ﵀ قد أنهى شرحه "فتح الباري" عام (٨٤٢ هـ)، فإنه ظلَّ يشتغل ويصقل كتابه "التقريب" ويعمل يده فيه إلى عام (٨٥٠ هـ)، كما هو واضح من تواريخ الإلحاقات، والإضافات على النسخة التي بين يدي، وقد أرخ عشرين إلحاقًا منها مؤرخة سنة (٨٤٨ هـ) وإحالة واحدة مؤرخة سنة (٨٥٠ هـ)، ثم قال: "فلا مجال لاحتمال زيادة إطلاع الحافظ على زيادة في الجرح والتعديل، أهمل خلاصتها فلم يلحقها في "التقريب" خلال هذه السنوات الطويلة من عام (٨٢٧ - ٨٥٠ هـ) وعلى احتمال اطلاعه على أشياء جديدة، فإنها أقوال لا تغيِّر من أحكامه" (١).
* * *
стр. 23
المطلب الأول الطبقات عند الحافظ ابن حجر
سبق أن قلت أن الحافظ ابن حجر عرَّفَ بعصر كل راوٍ؛ إذ قسم الرواة على طبقات، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في المقدمة: ". . . بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا، يجمع اسم الرجل. . . ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه.
وباعتبار ما ذكرت انحصر لي. . . طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة. . .
وأما الطبقات: فالأولى: الصحابة. . .، الثانية: طبقة كبار التابعين. . . الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين. . .، الرابعة: طبقة تليها، جل روايتهم عن كبار التابعين. . .، الخامسة: الطبقة الصغرى منهم. . .، السادسة: طبقة عاصروا الخامسة؛ لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. . . السابعة: كبار أتباع التابعين. . .، الثامنة: الطبقة الوسطى منهم. . .، التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين. . . العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلقَ التابعين. الحادي عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك. الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا. . .
وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية: فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة: فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات: فهم بعد المائتين، ومن ندر عن ذلك بيَّنته".
стр. 24
وخلاصة ذلك (١):
١ - بيَّن الباعث له على هذا الاصطلاح الخاص بكتابه هذا -وهو الطبقات- أنه أراد استدراك ما حذفه من تسمية شيوخ المترجم له والرواة عنه، فإنه بهذا التحديد الزمني يقرِّب للباحث أن هذا المترجم له هو مراده لا غيره.
وهو استدراك جيد بديع؛ ولكنه نبَّه إلى أن تحديد الطبقة يفيد غالبًا -لا دائمًا- فاستدرك وقال لبيان الأغلبية: "إلا من لا يؤمن لبسه".
٢ - ثم بيَّن أنه:
- جعل الصحابة طبقة واحدة على اختلاف طبقاتهم.
- وجعل للتابعين خمس طبقات: كبرى، ووسطى، وملحقة بها وصغرى، وملحقة بها.
- وجعل لأتباع التابعين ثلاث طبقات: كبرى، ووسطى، وصغرى.
- ولأتباعهم ثلاث طبقات أخرى: كبرى، ووسطى، وصغرى، وألحق بالصغرى نفرًا قليلًا من شيوخ بعض الأئمة، كبعض شيوخ النسائي فلقلة عددهم لم يفردهم بطبقة خاصة بهم.
٣ - ثم بين مصطلحه في الوفيات: فمن كانت وفاته خلال القرن الأول قال عنه: من الثانية، ولا ينسب أحدًا إلى الأولى، فإن أهلها من الصحابة وهو يستغني بوصفهم بالصحبة عن تحديد طبقتهم وقوله عنهم: من الأولى.
ومن كانت وفاته في المائة الثانية: وصفه بما يليق به: من الثالثة، من الرابعة. . . من الثامنة، ولا يزيد.
стр. 25
ومن كانت وفاته بعد المائتين: فهو من التاسعة فما بعدها إلى الثانية عشرة.
ثم قال: "ومن ندر عن ذلك بينته" وهو شامل:
- لمن تأخرت وفاته عن المائة قليلًا أو المائتين، وهو ملحق بمن دونها.
- مثال ذلك: أبو الطفيل عامر بن واثلة، آخر الصحابة وفاة، وكانت وفاته سنة (١١٠ هـ)، أي جاوز المائة، ورسم ما مضى يقضي أن يكون من الثالثة، مع أنه صحابي من أهل الطبقة الأولى.
- ولمن تقدمت وفاته على المائة والمائتين، وهو ملحق بمن بعدها.
مثال ذلك: عروة بن الزبير: "من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح"، فكونه "من الثالثة" يقتضي أنه توفي بعد المائة، وإلا خالف الاصطلاح فاقتضى البيان والاستثناء؛ لذلك قال: "ومن ندر عن ذلك بينته".
وهنا لا بد من بيان معنى الطبقة عند ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب"؛ إذ أن مصطلحه كان مثار انتقاده ممن غفل عنه.
تقدم أنه جعل للمائة الأولى طبقتين: الأولى والثانية، وللمائة الثانية ست طبقات: من الثالثة إلى آخر الثامنة، وللمائة الثالثة أربع طبقات: من التاسعة إلى آخر الثانية عشرة.
فيكون قد توسع في القدر الزمني لرجال المائة الأولى، وتوسط في المائة الثالثة، وضيَّق المسافة الزمنية لكل طبقة من أهل المائة الثانية.
فهو في كتاب واحد لم يمشِ على وتيرة واحدة، وهذا لا يؤثر على منهجه؛ إذ أنه اصطلح وبيَّن ما اصطَلَحَ عليه، ولا مشاحة في الاصطلاح.
إنما ينبغي للناظر في كتابه أن يحفظ مصطلحاته، ويفهم مراده، ويوفق بين ما رسمه وبين تطبيقه له.
стр. 26
فالمائة الثانية: قسمها على ست طبقات، فيكون للطبقة الواحدة تقريبًا نحو (١٧ سنة)، أي: من يقول عنه: من الثالثة، فوفاته في حدود سنة (١٢٠ هـ)، ومن الرابعة: بين (١٣٥ - ١٤٠)، وهكذا.
ومن قال عنه: من الثامنة، فوفاته أواخر القرن الثاني.
ومن كانت وفاته في الربع الأول من القرن الثالث: كان من التاسعة، ومن توفي في الربع الثاني منه، فهو من العاشرة، ومن توفي خلال الربع الثالث منه: عدَّه من الحادية عشرة، والمتوفى أواخر القرن: كان من الثانية عشرة.
لكن ليست هذه التحديدات حدودًا منطقية لا يجوز الخروج عنها، إنما هي مرتبطة بأمر آخر هام، هو المقياس الدقيق الذي لا يجوز تجاوزه بحال، وهو: الشيوخ الذين أدركهم وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك قد يطول عمر هذا الراوي فتكون وفاته في عصر الطبقة التي بعده، لتأخرها، وقد يقصر عمره، فيتوفى في عصر الطبقة التي قبله.
فلا يصح النظر في تاريخ الوفاة والطبقة التي حددها له، فإن اختل التناسب بينهما خطَّأنا المصنف، لا إنما الطبقة -عنده- ملاحظ فيها ثلاثة أمور: أهمها الشيوخ الذين أخذ عنهم، ثم ولادته، ثم وفاته.
وإنما أخرت معرفة الولادة عن معرفة الشيوخ؛ لأنه قد تتقدم ولادته؛ ولكنه يتأخر في الطلب والسماع -وإن كان بينهما تلازم في غالب الأحيان-.
فإن تأخر في السماع: فاته فلان وفلان من المتقدمين، وأخذ عن فلان وفلان من المتأخرين، ويشاركه حينئذ من تأخرت ولادته عنه، في السماع من هؤلاء المتأخرين.
والأمثلة توضح منهجه:
أحمد بن عبد اللَّه بن ميمون. . . ابن أبي الحواري، قال عنه: "من العاشرة مات سنة ست وأربعين".
стр. 27
وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري، ابن أخي عبد اللَّه بن وهب، قال عنه: "من الحادية عشرة مات سنة أربع وستين" أي: كلاهما بعد المائتين.
وهذان مثالان منطبقان على الطبقة وتاريخ الوفاة، ولا إشكال فيهما" (١).
* * *
стр. 28
المطلب الثاني العلامات والرقوم التي استخدمها الحافظ (١)
"قال المصنف ﵀ في مقدمة كتابه: "وقد اكتفيت بالرقم -أي: الرمز- على أول اسم كل راوٍ، إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة.
فالبخاري: في صحيحه: خ، فإن كان حديثه عنده معلقًا: خت. وللبخاري في الأدب المفرد: بخ، وفي خلق أفعال العباد: عخ، وفي جزء القراءة خلف الإمام: ر، وفي رفع اليدين: ي.
ولمسلم. م (٢).
ولأبي داود: د، وفي المراسيل: مد، وفي فضائل الأنصار: صد، وفي الناسخ: خد، وفي القدر: قد، وفي التفرد: ف، وفي المسائل: ل، وفي مسند مالك: كد.
وللترمذي: ت، وفي الشمائل له: تم.
وللنسائي: س، وفي مسند علي له: عس، وفي مسند مالك: كن.
ولابن ماجة: ق، وفي التفسير له: فق.
стр. 29
فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة أكتفي برقمه ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم: ع، وأما علامة ٤ فهي لهم سوى الشيخين.
ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه: تمييز، إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره، ومن ليست عليه علامة نبه عليه وترجم قبل أو بعد".
فهذه واحد وعشرون كتابًا وتزيد الرموز عليها أربعة: خت، لمعلقات البخاري وللستة: ع، وللسنن الأربعة: ٤، و (تمييز) لمن ليست له رواية في الكتب المذكورة.
١ - وقد أضاف المصنف في ثنايا الكتاب ثلاثة رموز، وهي: مق، ص، سي (مق): لمقدمة مسلم في صحيحه، (ص): لخصائص سيدنا علي ﵁، (سي): لعمل اليوم والليلة وكلاهما للنسائي.
فيكون مجموع الرموز ثمانية وعشرين رمزًا، لثلاثة وعشرين كتابًا" (١).
* * *
стр. 30
الفصل الثاني أنظار فى تحرير التقريب
وفيه تمهيد وسبعة مباحث:
المبحث الأول: المقبول.
المبحث الثاني: المستور.
المبحث الثالث: في المتفرقات.
المبحث الرابع: شيوخ أبي داود كلهم ثقات.
المبحث الخامس: قاعدة توثيق شيوخ بقي بن مَخْلد.
المبحث السادس: شيوخ أبي حاتم.
المبحث السابع: منهج المحررين.
стр. 31
تمهيد
وقد رأيت أن أضمن هذا الفصل بعض القواعد الشاذة التي سار عليها محررا التقريب، وأدت بالنتيجة إلى تضخم عدد أخطائهما في كتابهما، وقد جعلت ذلك مباحث، ثم أردفت تلك المباحث ببعض النتائج التي توصلت إليها من خلال استقرائي لهذا الكتاب.
* * *
стр. 32
المبحث الأول المقبول
المقبول لغةً: ضد المردود، وهو المأخوذ المرضي (١).
وهو بنفس المعنى في اصطلاح المحدثين، قال الحافظ ابن حجر: "المقبول: وهو ما يجب العمل به عند الجمهور" (٢).
هذا فيما يخص الحديث: نعني متنه، أما لفظة: "المقبول" من حيث إطلاقها كحكم على أحد رجال السند، فتختلف تبعًا لاختلاف مناهج الأئمة النقاد في جرح الرواة وتعديلهم، واختلاف اصطلاحاتهم بخصوص هذا.
إلا أن الذي يهمنا من هذا معناها عند الحافظ ابن حجر، وهو أمر ميسور لنا، إذ إن الحافظ بيّن مراده، فقال: "السادسة: مَن ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث" (٣).
من هذا يتضح أن الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده وهي:
١ - قلة الحديث.
٢ - عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله.
٣ - المتابعة.
стр. 33
فالأصل في المقبول عند الحافظ أنه ضعيف، إذ "لين الحديث" من ألفاظ التجريح (١)، فإذا توبع الراوي رفعته المتابعة إلى مرتبة القبول، فالمتابعة شرط لارتقاء الراوي من الضعف إلى القبول عند الحافظ ابن حجر، و"المقبولية" أول درجات سلّم القبول بمعناه الأعم.
ولكن ينبغي لنا أن لا نَغْفل عن أن الحافظ ابن حجر يضع أصلًا آخر للمقبول عنده، وهو كونه "قليل الحديث"، وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا قلة الحديث؟
أقول: إن الراوي إذا كان قليل الحديث كان من السهل عليه ضبط حديثه وإتقان حفظه، إلا أنه لم يكن ذا شهرة تجعله محط رحال المحدثين، فيشتهر بينهم وتنطلق ألسنتهم بمدحه والثناء عليه، أو ذمه والحط منه، لذا بقي هذا الراوي دائرًا في فلك خاص به، فليس هو بالحافظ المشهور فيرتقي إلى مصافهم، وليس بالضعيف المعروف فينزل إلى سننهم، ولما كان هو خاليًا عن كل حكم من النقاد، وكان حديثه قليلًا ليس فيه ما يدل على خطئه، وتوبع على أحاديثه القليلة، خرج عن حيز الضعف، وصار إلى مرتبة القبول، فإذا اختل شرط من هذه الشروط عدنا إلى الأصل فيه وهو الضعف. ولذا كان من منهجه ﵀ أن الراوي إذا كان بهذه الصورة، إلا أنه قد وجد جرح لأحد النقاد فيه قُدِّمَ الجرح؛ لأنه صار بمثابة مرجح لأحد الطرفين (٢).
والشيء الملاحظ على هؤلاء الرواة المقبولين عند الحافظ ابن حجر أن كثيرًا منهم وصف بالجهالة، وهذه فائدة عزيزة يجب التنبه لها؛ إذ الغالب على هؤلاء -كما سبق- عدم الشهرة؛ لذا فإن كل راوٍ منهم لم يكن له نصيب وافر من التلامذة الذين حدثوا عنه، وكثير منهم لم يكن له إلا راوٍ واحد، فوصف أحد من الأئمة لأحد هؤلاء الرواة بـ (الجهالة) لا يقدح في اشتراطنا: عدم ثبوت ما يترك حديثه لأجله.
стр. 34
وهذا المنحى من الحافظ قائم على أساس تصحيحه لاختيار أبي الحسن القطان في أن من زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قُبلَ وإلا فلا (١). خلافًا للقاعدة المشهورة عند جمهور المحدثين في اشتراط راويين لرفع الجهالة (٢) فإذا انتفى التعديل عدنا بالراوي إلى الأصل فيه وهو جهالته، وقد نص الحافظ على هذا، فقال في مقدمة التقريب: "التاسعة: مَن لم يروِ عنه غير واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول" (٣)، فتعديل واحد من النقاد لهؤلاء.
"الوحدان" -كما هو معروف في اصطلاح أهل الحديث- قائم عند الحافظ مقام الراوي الثاني، المشترط عند الجمهور في رفع الجهالة.
فإذا علمنا هذا وجب علينا أن نجعل اصطلاح الحافظ نصب أعيننا إذا ما رمنا تعقبه، وكذلك الحال مع كل إمام له اصطلاح على أمر خاص به، ولا يصح بحال من الأحوال محاكمته إلى غيرها، وإن كانت قواعد مشهورة قال بها الجمهور، وإلا كان هذا من باب المشاحة في الاصطلاح، وهي مسألة غير مقبولة عند الجميع.
وهذا الفهم الصحيح السديد -إن شاء اللَّه- كان حظه الغياب من ذهن المحررين، لذا نجدهما اضطربا إزاء الموقف ممن يقول فيه الحافظ: "مقبول" فتارة يوثقانه، وأخرى يجهلانه، وثالثة يصفانه بالصدوق الحسن الحديث، ورابعة يضعفانه، فكان هذا الموقف المتصلب من الحافظ وأحكامه من أدل الأدلة على أن المحررين لم يكونا ذوي منهج واحد، متصف بالأصالة والإنصاف، فكانت النتيجة أن جاء تحريرهما مشحونًا بألوان التناقض، ويتضح لك هذا جليًا من خلال الإحصائية الآتية:
١ - من قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول". وقالا: "حسن الحديث" أو:
٨٤٠٥، ٨٤٠٩، ٨٤٢٠، ٨٤٢٧، ٨٤٣٠، ٨٤٣٢، ٨٤٣٨، ٨٤٤٦، ٨٤٧٨، ٨٤٨٣، ٨٤٨٤، ٨٤٨٦، ٨٤٩٣، ٨٥٣٥، ٨٥٣٣، ٨٥٤٩، ٨٥٥٩، ٨٥٦٠، ٨٥٦٦، ٨٥٦٩، ٨٥٧٠، ٨٥٧٩، ٨٥٨٥، ٨٥٨٢، ٨٥٨٣، ٨٥٨٧، ٨٥٨٩، ٨٥٩٦، ٨٦٠٣، ٨٦١٠، ٨٦٢٦، ٨٦٤٩، ٨٦٥٦، ٨٦٦٤، ٨٦٧٧، ٨٦٧٩، ٨٦٨١، ٨٦٨٢، ٨٦٨٥، ٨٦٩٢، ٨٦٩٧، ٨٦٩٨، ٨٧٠٥، ٨٧٠٦، ٨٧١٤، ٨٧٣٣، ٨٧٣٦، ٨٧٤٥، ٨٧٤٦، ٨٧٤٩، ٨٧٥٠، ٨٧٥٩، ٨٧٦٦، ٨٧٦٧، ٨٧٦٩، ٨٧٧٤، ٨٧٧٦.
٣ - من قال فيه الحافظ: "مقبول". وقالا عنه: "ضعيف" أو: "ضعيف يعتبر به"، ومجموع ذلك (٢٠) ترجمة، وإليك أرقامها:
٨٥٧، ٨٨٠، ٩٢٢، ٩٢٩، ٧٤١، ١٨٠٢، ١٣٧٠، ١٥٧١، ١٦٤٠، ١٦٤٣، ١٦٧١، ١٨٨١، ١٩٩٧، ٢١٨٠، ٢٨٠٣، ٣١٨٧، ٣٧٤٨، ٤٥٣٠، ٤٥٧٤، ٥٩٦٤.
٤ - من قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول". وقالا عنه: "مستور" وذلك ترجمتان: ١٣٠١، ١٣٠٩.
٥ - من قال فيه الحافظ: "مقبول". وقالا عنه: "ثقة" أو: "ثقة له مناكير" أو: "ثقة له أفراد"، ومجموع ذلك (٢٧) ترجمة، وإليك أرقامها:
٢٥٦، ٣٦٠، ٤١٣، ٧٧٤، ١٤١٩، ١٦٢٦، ١٧٢٢، ١٠٠٩، ٢٣٥١، ٢٧٧٣، ٣٠٥٠، ٣١٥٤، ٥٠٩١، ٥٣٢٩، ٥٤٨٥، ٦٣٢٣، ٦٣٩٦، ٦٦٧٨، ٦٧٥٩، ٦٨١٤، ٦٨٨٠، ٦٩١١، ٦٩٢٩، ٦٩٤٦، ٧٠١٥، ٧٠٣٦، ٧٠٥٦.
وخلاصة هذا المبحث:
إن مجموع هذه التراجم البالغ تعدادها (١١٣٩) ترجمة، لا يرد منها شيء على الحافظ ابن حجر البتة، وذلك لأن المحررين بنيا أساس استدراكهما عليه بمحاكمته إلى غير اصطلاحه، وهي عملية في غاية الضعف، والثاني أن الحافظ قد
стр. 40
بين منهجه في الكتاب، فمن استشكل شيئًا منه فإنما هو لقصورٍ في فهمه، لا لتقصير الحافظ، فالتعقب عليه بهذا النحو: تسويد أوراق لا طائل تحته، ولم أشأ تعقب المحررين في كل ترجمة مما ذكر خشية الإطالة، وتضخم الكتاب، وهذه ومثيلاتها جعلت المحررين يفرحان بازدياد العدد وتكاثره من أجل الحط من صنيع الحافظ ابن حجر، ولكن يأبى اللَّه إلا أن يحق الحق. ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
* * *