← Баляга

Баляга · id 17670

علم المعاني

عبد العزيز عتيق

Полный текст (199 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علم المعاني تأليف الدكتور عبد العزيز عتيق دار النهضة العربية

стр. 2

مقدّمة هذه محاضرات في علم المعاني ألقيتها على طلبة الصف الأول في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بيروت العربية. والقسم الأول من هذه المحاضرات يتضمن بحثا في مفهوم كل من البلاغة والفصاحة لدى علماء البلاغة العربية، مع بيان اتفاقهما واختلافهما. والقسم الثاني منها عرض تاريخي لنشأة علم المعاني ومراحل التطور والنمو التي مر بها في العصور المختلفة حتى صار علما مستقلا بذاته على يد عبد القاهر الجرجاني والبلاغيين من بعده، مع بيان أثر هذا العلم في بلاغة الكلام. أما القسم الثالث والأخير فيشتمل على دراسة تفصيلية لمباحث علم المعاني وفنونه، مع الإكثار من الأمثلة والشواهد التي توضحها وتيسرها للطالبين. وإني لآمل أن يجد الدارس في هذا البحث ما يعينه على تذوق جانب من البلاغة العربية والإفادة منه، وما يكشف له كذلك عن دور علم المعاني في فن القول وبلاغته. المؤلف

стр. 3

الفصل الأوّل بين البلاغة والفصاحة [البلاغه] البلاغة مأخوذة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيري، والمبالغة في الأمر: أن تبلغ فيه جهدك وتنتهي إلى غايته، وقد سميت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب سامعه فيفهمه. ويقال بلغ الرجل بلاغة، إذا صار بليغا، ورجل بليغ: حسن الكلام، يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه (١)، ويقال أبلغت في الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلم، وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ نوع من التوسع، وحقيقته أن كلامه بليغ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، كما تقول: فلان رجل محكم وتعني أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فجعل البلاغة صفة الحكمة ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلا أن كثرة الاستعمال جعلت تسمية المتكلم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أن كثرة الاستعمال أيضا جعلت تسمية كلمة مثل المزادة (٢) راوية كالحقيقة،

стр. 4

وكان الراوية في الأصل حامل المزادة، وهو البعير وما يجري مجراه، ولهذا سمي حامل الشعر راوية. ذلك مفهوم البلاغة لغة، وقديما اختلف أهل العلم في مفهومها ووصفها بيانيا، وقد أورد ابن رشيق القيراوني في كتابه العمدة (١) طائفة من أقوال البلغاء في تحديد مفهوم البلاغة كما تصوّرها من وردت هذه الأقوال على ألسنتهم، بيد أن النظر في كل قول من هذه الأقوال لا يعطينا مفهوما جامعا مانعا للبلاغة، ولكن ربما التمس مفهوم البلاغة المنشود من ثنايا بعض هذه الأقوال، فلنحاول. سئل بعض البلغاء: ما البلاغة؟ فقال: قليل يفهم وكثير لا يسأم. وسئل آخر فقال: معان كثيرة في ألفاظ قليلة. وقيل لأحدهم: ما البلاغة؟ فقال: إصابة المعنى وحسن الإيجاز. وسئل بعض الأعراب: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظا، وأحسنهم بديهة. وقال خلف الأحمر: البلاغة لمحة دالة. وقال الخليل بن أحمد: البلاغة كلمة تكشف عن البقية. وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل. وكتب جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي إلى عمرو بن مسعدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا. وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة. وقثال آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وقيل البلاغة: حسن العبارة، مع صحة الدلالة.

стр. 5

وقيل البلاغة: القوة على البيان مع حسن النظام. وقالوا: البلاغة ضد العيّ، والعيّ: العجز عن البيان. وقيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ قال: حسن الاستعارة. وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى والقصد إلى الحجة. وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ قال: الجزالة والإطالة. وقال البحتري يمدح محمد بن عبد الملك بن الزيات حين استوزر ويصف بلاغته: ومعان لو فصّلتها القوافي ... هجّنت شعر جزول (١) ولبيد حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد وقال العتابي: قيّم الكلام العقل، وزينته الصواب، وحليته الإعراب، ورائضه اللسان، وجسمه القريحة، وروحه المعاني. وسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون خطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة. وقال أبو الحسن علي بن عيسى الرماني: أصل البلاغة الطبع، ولها مع ذلك آلات تعين عليها وتوصل للقوة فيها، وتكون ميزانا لها، وفاصلة بينها وبين غيرها وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة، والتشبيه، والبيان، والنظم، والتصرف، والمشاكلة، والمثل.

стр. 6

وقال عبد الله بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم والإفهام، وكشف المعاني، ومعرفة الإعراب، والاتساع في اللفظ، والسداد في النظم، والمعرفة بالقصد، والبيان في الأداء، وصواب الإشارة، وإيضاح الدلالة، والمعرفة بالقول، والاكتفاء بالاختصار عن الإكثار، وإمضاء العزم على حكومة الاختيار ... قال: وكل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء البدن إلى بعض: لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر، فمن أحاط معرفة بهذه الخصال فقد كمل كل الكمال، ومن شذ عنه بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها ... قال: والبلاغة تخير اللفظ في حسن إفهام. تلك طائفة من أقوال البلغاء في تحديد مفهوم البلاغة كما تصوّرها كل واحد منهم، ومنها يمكن تحديد مفهوم البلاغة بأنها: وضع الكلام في موضعه من طول وإيجاز، وتأدية المعنى أداء واضحا بعبارة صحيحة فصيحة، لها في النفس أثر خلاب، مع ملاءمة كل كلام للمقام الذي يقال فيه، وللمخاطبين به. ولعل تعريف عبد الله بن محمد بن جميل للبلاغة هو الأقرب إلى هذا التعريف، كما أن مفهوم أبي الحسن الرماني للبلاغة متصل أكثر بأصلها ومباحثها. ولكن البلاغة قبل هذا وبعد هذا فن قولي يعتمد على الموهبة وصفاء الاستعداد، ودقة إدراك الجمال، وتبين الفروق الخفية بين شتى الأساليب. ولا بد لطالب البلاغة من أمرين: قراءة عميقة متصلة لروائع الأدب وحفظ ما يستجيده منه، ومران على التعبير من وقت لآخر عن بعض ما يجول في الخاطر وتحبش به النفس. ولا شك أن تضافر هذين الأمرين معا يعينان على تكوين الذوق الأدبي ونقد الأعمال الأدبية والحكم عليها. ومن السهل أيضا أن نلتمس في أقوال البلغاء السابقة عناصر

стр. 7

البلاغة، وهذه العناصر هي: اللفظ، والمعنى، وتأليف الألفاظ على نحو يمنحها قوة وتأثيرا حسنا، ثم الدقة في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام، وموضوعاته، وحال السامعين، والنزعة النفسية التي تسيطر عليهم. وعلى هذا فلا بد للبليغ من التفكير في المعاني التي تموج في نفسه على أن تكون صادقة قوية يتجلى فيها أثر الابتكار وسلامة الذوق في تنسيقها وحسن ترتيبها، فإذا تحقق له ذلك اختار لها من الألفاظ الواضحة المؤثرة ما يتلاءم وطبيعتها ويعبر عنها أجمل تعبير. ومع ذلك ينبغي أن نتذكر دائما أن البلاغة ليست في اللفظ وحده، وليست في المعنى وحده، وإنما هي في الارتباط العضوي بينهما، وأثر لازم لسلامتهما وانسجامهما. هذا عن البلاغة، أما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، ومقتضى الحال مختلف تبعا لتفاوت مقامات الكلام، فمقام كل من التنكير، والإطلاق، والتقديم، والذكر يباين عكسه من التعريف، والقصر، والتأخير، والحذف، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب ومقام المساواة. وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول يكون بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاط شأن الكلام يكون بعدم ذلك. فمقتضى الحال إذن هو الاعتبار المناسب. وللبلاغة طرفان: طرف أعلى وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، وطرف أسفل وهو ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، وبين هذين الطرفين مراتب كثيرة. ولعلنا ندرك من كل ما تقدم أن البلاغة مرجعها إلى أمرين: تمييز الفصيح من غيره، والاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد. أما تمييز الفصيح من غيره فمنه ما يبين في علم متن اللغة، أو الصرف، أو

стр. 8

النحو، أو يدرك بالحس، وأما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد فيكون عن طريق علم المعاني باستثناء المعنوي الذي يحترز عنه بعلم البيان. الفصاحة: وإذا ما انتقلنا من البلاغة إلى الفصاحة فإننا نرى أن الفصاحة في أصل الوضع اللغوي: الظهور والبيان، فهي من قولهم: أفصح فلان عما في نفسه إذا أظهره، والدليل على ذلك قول العرب: أفصح الصبح إذا ظهر وأضاء، وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر، وأفصح الأعجمي إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين، وفصح اللحّان، أي كثير اللحن والخطأ، إذا عبر عما في نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ. وإذا كان الأمر كذلك فالفصاحة والبلاغة ترجعان إذن إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما، لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى وإظهاره. ويذكر أبو هلال العسكري نقلا عن بعض علماء العربية، أن الفصاحة تمام آلة البيان، فلهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى فصيحا، إذ كانت الفصاحة تتضمن معنى الآلة، ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة، وإنما يوصف كلامه بالفصاحة، لما يتضمن من تمام البيان. والدليل على ذلك عنده أن الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة الحروف. وسمي الشاعر الأموي زياد بن سليمان مولى عبد القيس «زيادا الأعجم» لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف (١). فقد كان كسائر الأعاجم لا يستطيع لفظ العين والخاء، والصاد، فكان ينطق كلمات مثل «الحمار» «الهمار» و «دعوتك» «دأوتك» و «تصنع»

стр. 9

«تسنأ». ومع ما في هذه الألفاظ من القبح واللكنة فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه، كقوله في رثاء المهلب بن المغيرة: قل للقوافل والقريّ إذا قروا ... والباكرين وللمجدّ الرائح (١) إن المروءة والسماحة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح (٢) فعلى هذا- كما يقول أبو هلال العسكري- تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين، وذلك أن الفاصحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ، لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب، فكأنها مقصورة على المعنى. وقد استدل أبو هلال على أن الفصاحة تتضمن اللفظ والبلاغة تتناول المعنى بالببغاء، فالببغاء يسمى فصيحا ولا يسمى بليغا، إذ هو مقيم الحروف، وليس له قصد إلى المعنى الذي يؤديه. ويرى أبو هلال كذلك أنه يجوز أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فجّ ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء، لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف. ويذهب قوم إلى أن الكلام لا يسمى فصيحا حتى يجمع مع نعوت الجودة فخامة وشدة جزالة، فإذا جمع الكلام نعوت الجودة ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمي بليغا ولم يسم فصيحا، ويضربون لذلك مثلا قول إبراهيم بن العباس الصولي:

стр. 10

تمر الصبا صفحا بساكنة الغضى ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها (١) قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها فالبيت الأول عندهم فصيح وبليغ لاشتماله على نعوت الجودة مع الفخامة والجزالة، والبيت الثاني بليغ وليس بفصيح، لتضمنه نعوت الجودة دون الفخامة والجزالة. وربما كان ضياء الدين بن الأثير (٢) أكثر من غيره تصورا وفهما لمعنى الفصاحة، وذلك حيث يقول: «لم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول في الفصاحة والبحث عنها، ولم أجد من ذلك ما يعوّل عليه إلا القليل، وغاية ما يقال من هذا الباب أن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: أفصح الصبح إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك ولا يكشفون عن السر فيه، وبهذا القول لا تبين حقيقة الفصاحة، لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات: أحدها أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بينا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا. الوجه الآخر أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو، فهو إذن فصيح عند هذا غير فصيح عند هذا، وليس الأمر كذلك بل الفصيح هو الفصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحال من الأحوال، لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي، لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. الوجه الأخير أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بيّن ينبغي أن يكون فصيحا، وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن

стр. 11

للفظ لا وصف قبح. فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: «إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين من غير تفصيل» ثم يستطرد ابن الأثير فيقول: «ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه. ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا وأحقق القول فيه فأقول: إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة، لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة. وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم، وإنما كانت مألوفة في الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا ... فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الاستعمال سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح إذن من الألفاظ هو الحسن». «فإن قيل: من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه؟. قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها، لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس؟». «والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة (١) والديمة حسنة يستلذها السمع وأن لفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع،

стр. 12

وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي المزنة والديمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل، وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم ... وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، وإنما كان ظاهرا بينا لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع، والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف. فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة لأنه ضدها لمكان قبحه. وقد مثلت ذلك في المتقدم بلفظة المزنة والديمة ولفظة البعاق، ولو كانت الفصاحة أمرا يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء، ليس منها حسن وليس منها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أن «الفصاحة» تخص اللفظ دون المعنى. وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى؟ فإني لم أفصل بينهما وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء ضمنا وتبعا». وتدعيما لرأيه السابق في قضية الحسن والقبح في اللفظ، وردا على من ينكر ذلك ويزعم أن كل الألفاظ حسن وأن الواضع لم يضع إلا حسنا، يقول ابن الأثير (١) في موضع آخر من كتابه: «ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار وصوتا منكرا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على

стр. 13

ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم». «ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج (١)، وبين لفظة المدامة ولفظة الإسفنط (٢)، وبين لفظة السيف ولفظة الخنشليل، وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس (٣)، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه». ... ولعل من المفيد أن نفرق منذ البدء بين البلاغة العربية والنقد الأدبي حيث لكل منهما ميدانه الخاص وفلكه الذي يدور فيه. فالبلاغة العربية تقف عند حدود البحث في مظاهر الجمال الحسي والمعنوي في المفردات والجمل، أما البحث في القيمة الجمالية للنص الأدبي المتكامل في أي صورة من صوره، فهذا من وظيفة النقد الأدبي. وعلى هذا المفهوم فإن البلاغة العربية تقدم بنظرياتها للناقد أهم الأدوات التي تعينه على تقييم الأعمال الأدبية والحكم عليها. وما دام ميدان البلاغة العربية قاصرا على البحث في مظاهر الجمال الحسي والمعنوي في المفردات والجمل، وما دمنا نحاول دراسة علم المعاني الذي هو أحد علوم البلاغة العربية، فإن الأمر يستأدينا قبل الانتقال إلى مباحث هذا العلم تفصيلا أن نستكمل الكلام عن الفصاحة والبلاغة. ... لقد عرفنا مما سبق حد كل من الفصاحة والبلاغة، وخلاصته أن الفصاحة يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم، فيقال: لفظة فصيحة، وكلام فصيح، ورجل فصيح. أما البلاغة فيوصف بها الكلام والمتكلم فقط، فيقال: كلام بليغ، ورجل بليغ. وبين الاثنين عموم وخصوص مطلق،

стр. 14

فالفصاحة أعم والبلاغة أخص، فكل فصيح بليغ، وليس كل بليغ فصيحا. وتتمثل فصاحة اللفظ أو المفرد في خلوه من ثلاثة أمور: تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس. فتنافر الحروف هو في مثل لفظة «مستشزرات» من قول امرئ القيس: غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنّى ومرسل فالشاعر هنا يصف غزارة شعر حبيبته، فيقول: إن حبيبته لكثرة شعرها بعضه مرفوع، وبعضه مثنى، وبعضه مرسل، وبعضه معقوص ملوى بين المثنى والمرسل. وموضع الشاهد على التنافر هنا هو لفظة «مستشزرات» بمعنى «مرتفعات» فهي لفظة مستكرهة لثقلها على اللسان وعسر النطق بها. فتنافر الحروف فيها أدى إلى ثقلها وصعوبة التلفظ بها، وهذا بدوره أنقص من فصاحتها وقلل من فصاحة البيت وجماله. ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة في اللفظ سوى الذوق السليم المكتسب بطول النظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم. وغرابة اللفظ أو المفرد مثل لفظة «مسرجا» بتشديد الراء التي وردت في بيت من أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج يقول فيها: والسخط قطاع رجاء من رجا ... أزمان أبدت واضحا مفلّجا أغر براقا وطرفا أبرجا ... ومقلة وحاجبا مزججا وفاحما ومرسنا مسرّجا ... وكفلا وعثا إذا ترجرجا فالفاحم هنا الأسود، وأراد به الشاعر شعرا أسود فاحما، والمرسن الأنف الذي يشد بالرسن ثم استعير لأنف الإنسان، أما مسرجا وهي اللفظة الغريبة هنا فمختلف في تخريجها، فقيل من سرّجه تسريجا، أي

стр. 15

حسّنه وبهّجه، وقيل من قولهم: سيوف سريجية منسوبة إلى قين يقال له سريج، شبه بها (السيوف) الأنف في الدقة والاستواء، وقيل من السراج، وهو قريب من قولهم: سرج وجهه بكسر الراء أي حسن، والزجج دقة الحاجبين. والمعنى أن لهذه المرأة الموصوفة ثنايا بيضاء مفلجة، ومقلة واسعة حسنة سوداء، وحاجبا مدققا مقوسا، وشعرا أسود فاحما، وأنفا كالسيف السريجي في دقته واستوائه، أو كالسراج في بريقه وضيائه. وشاهد الغرابة فيه هو في لفظة «مسرجا» للاختلاف في تخريجها. فاللفظة إذا دلت على أكثر من معنى، واختلف في تحديد المعنى المراد منها في موضعها فإنها تكتسب بذلك صفة الغرابة التي تنتقص من درجة فصاحتها. أما مخالفة القياس فمثل لفظة «الأجلل» التي وردت في بيت من أرجوزة طويلة أيضا لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي، أحد رجاز الإسلام والتي منها: الحمد لله العلي الأجلل ... الواهب الفضل الوهوب المجزل أعطى فلم يبخل ولما يبخل فالشاهد هنا هو مخالفة القياس اللغوي في قوله «الأجلل» إذ القياس القياس «الأجل» بالادغام. هذا كله بالنسبة إلى فصاحة المفرد. أما فصاحة الكلام أو التركيب فتتمثل في خلوصه، وسلامته من ثلاثة أمور أيضا هي: ضعف التأليف، وتنافر الألفاظ، والتعقيد لفظيا ومعنويا مع فصاحة المفردات التي يتألف منها. فضعف التأليف في الكلام خروجه عن قواعد اللغة المطردة كرجوع الضمير على متأخر لفظا ورتبة في قول حسان بن ثابت: ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما

стр. 16

فالضمير في «مجده» يعود إلى «مطعما» وهو متأخر في اللفظ كما نرى في البيت، وفي الرتبة لأنه مفعول به، ورتبة المفعول متأخرة على رتبة الفاعل. فالبيت لهذا غير فصيح. وتنافر الألفاظ في الكلام أو التركيب، يعني أن يسبب اتصال بعض ألفاظ الكلام ببعض ثقلا على السمع وصعوبة في النطق بها، لأن النطق بالحروف المتقاربة في مخارجها أشبه بالمشي المقيد. ومثال ذلك قول الشاعر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر ويقال إنه لا يتهيأ لأحد أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات متواليات دون أن يتعتع (١)، أي يتلعثم. والسبب بطبيعة الحال واضح، لأن اجتماع كلمات البيت وقرب مخارج حروفها، يحدثان ثقلا ظاهرا على اللسان والسمع معا، مع أن كل لفظة أو مفردة منه لو أخذت وحدها كانت غير مستكرهة ولا ثقيلة. ومن تنافر الألفاظ في الكلام أو التركيب أيضا قول أبي تمام، حبيب ابن أوس الطائي، من قصيدة له يمدح بها أبا الغيث موسى بن إبراهيم ويعتذر إليه: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، وإذا ما لمته لمته وحدي فالتنافر هنا قد ولّده ما في قوله «أمدحه» من الثقل لقرب مخرج الحاء، من مخرج الهاء، لأن مخارج الحروف كلما قربت كانت الألفاظ مكدودة قلقة غير مستقرة في أماكنها، وإذا بعدت كانت بعكس الأول. ولهذا لم يوجد في كلام العرب اجتماع العين مع الغين ولا مع الحاء ولا مع الخاء، ولا اجتماع الطاء مع التاء حذرا من عسر النطق. وفي البيت أيضا ثقل آخر من جهة التكرار في «أمدحه» و «لمته». ومن قبيح التنافر الناشئ عن التكرار قول الشاعر:

стр. 17

وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه (١) كذلك يشترط في فصاحة الكلام أو التركيب أن يسلم من التعقيد اللفظي الذي يترتب عليه خفاء الدلالة على المعنى المراد في الكلام بسبب تأخير الكلمات أو تقديمها عن مواطنها الأصلية، أو بالفصل بين الكلمات التي يجب أن تتجاوز ويتصل بعضها ببعض، وذلك كقول الفرزدق من قصيدة يمدح بها إبراهيم المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان: ما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حيّ أبوه يقاربه فالبيت كما ترى غير فصيح لضعف تأليفه الناشئ عن تعقيد ألفاظه وصعوبة استخلاص معناه. فالمعنى الذي حاول الفرزدق أن يعبر عنه في هذا البيت هو: وما مثله- يعني الممدوح- في الناس حي يقاربه- أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكا- يعني هشام بن عبد الملك بن أخت الممدوح- أبو أمه- أي أبو أم هشام- أبوه- أي أبو الممدوح. فالضمير في «أمه» للمملّك، وفي «أبوه» للمدوح. فالشاعر في البيت قد فصل بين «أبو أمه» وهو مبتدأ، و «أبوه» وهو خبر المبتدأ بأجنبي وهو «حي». وكذلك فصل بين النعت والمنعوت «حي يقاربه» بأجنبي وهو «أبوه»، ثم قدم المستثنى وهو «مملكا» على المستثنى منه، وهو «حي يقاربه». فنظم البيت كما نرى في غاية التعقيد اللفظي، وكان من حق الناظم أن يقول: وما مثله في الناس أحد يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه. فالخلل في نظم كلمات البيت بالتقديم والتأخير، وبالفصل بين الكلمات التي يجب تجاورها واتصال بعضها ببعض قد جعل الكلام غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد.

стр. 18

وكما يشترط في فصاحة الكلام أن يسلم من التعقيد اللفظي فإنه يشترط فيه كذلك أن يسلم من التعقيد المعنوي، وهو استعمال الكلمات عند إرادة التعبير عن معنى خاص في غير معانيها الحقيقية، وبذلك يضطرب التعبير، ويصعب الوصول إلى المعنى المراد. مثال ذلك قول العباس ابن الأحنف: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا فالمعنى الذي قصد الشاعر التعبير عنه في هذا البيت هو: أطلب وأريد البعد عنكم أيها الأحبة لتقربوا، إذ من عادة الزمان الإتيان بضد المراد، فإذا أريد البعد يأتي الزمان بالقرب، وكذلك أطلب الحزن الذي هو لازم البكاء ليحصل السرور بما هو من عادة الزمان. فالشاعر أراد هنا أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود، لظنه أن الجمود هو خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر. وقد أخطأ الشاعر في مراده إذ جمود العين هو خلوها من الدمع أو بخلها بالدمع الذي هو لازم البكاء عند إرادة البكاء منها، كقول أبي عطاء يرثى ابن هبيرة: ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود إذن فالجمود لا يكون كناية عن السرور بل عن البخل، وبهذا يكون الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور. فالشاعر، كما نرى، استعمل الكلمات في غير معانيها الحقيقية، أو بعبارة أخرى لم يكن موفقا في اختيار الكلمات المعبرة عن معناه تعبيرا جليا واضحا، ومن ثم عقد المعنى أو وقع في التعقيد المعنوي الذي أخلّ بفصاحة البيت. ولعلنا أدركنا على ضوء هذا الشرح كيف أن فصاحة الكلام لا تتأتى

стр. 19

إلا إذا سلم من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد اللفظي والمعنوي. أما الفصاحة في المتكلم فملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. ...

стр. 20

الفصل الثاني علم المعاني- نشأته وتطوّره علم المعاني هو أحد علوم البلاغة الثلاثة المعروفة: المعاني والبيان والبديع. وقد كانت البلاغة العربية في أول الأمر وحدة شاملة لمباحث هذه العلوم بلا تحديد أو تمييز. وكتب المتقدمين من علماء العربية خير شاهد على ذلك، ففيها تتجاور مسائل علوم البلاغة ويختلط بعضها ببعض من غير فصل بينها. وشيئا فشيئا أخذ المشتغلون بالبلاغة العربية ينحون بها منحى التخصص والاستقلال، كما أخذت مسائل كل فن بلاغيّ تتبلور وتتلاحق واحدة بعد الأخرى. وظل الأمر كذلك حتى جاء عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري «٤٧١ هـ» ووضع نظرية علم المعاني في كتابه «دلائل الإعجاز» ونظرية علم البيان في كتابه «أسرار البلاغة»، كما وضع ابن المعتز من قبله أساس علم البديع. عبد القاهر الجرجاني إذن هو واضع أصول علمي المعاني والبيان ومؤسسهما في العربية، وقد جعل من مباحث كلا العلمين وحدة يمكن النظر فيها نظرة شاملة.

стр. 21

والعجيب أنه لم يحدث بعده تغيير يذكر في هذين العلمين، لأنه استطاع أن يستنبط من ملاحظات البلاغيين قبله كل القواعد البلاغية فيهما، وكان ذلك إيذانا بأن تتحول تلك القواعد من بعده إلى قوانين جامدة. وقد فتن البلاغيون بعمله فراحوا يرددون كلامه ويقفون عنده لا يتجاوزونه إلى عمق أو ابتكار، كأنما البحث في البلاغة قد انتهى بعبد القاهر الجرجاني. نقول ذلك لأن جهود البلاغيين من بعده انحصرت في جمع قواعد علوم البلاغة التي وضعها، وفي ترتيب أبوابها، واختصارها. وكان هذا الاختصار يصل أحيانا من الغموض والصعوبة إلى حيث يحتاج إلى شرح يوضح غامضه، ويذلل صعابه، فيقبل عليه الشراح، ومنهم من يتوسع في الشرح إلى الحد الذي يجعل الإلمام بحقائق العلم أمرا عسيرا. وهكذا وصلت البلاغة نتيجة لذلك إلى أقصى ما يمكن من اختصارات وأقصى ما يمكن من شروح. ومن أوائل من اتجهوا إلى الاختصار والتلخيص الفخر الرازي «٦٠٦ هـ» في كتابه «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز»، فقد اختصر فيه كتابي «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» لعبد القاهر. وفي ذلك يقول: «لما وفقني الله لمطالعة كتابي دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، التقطت منهما معاقد فوائدهما، وجمعت متفرقات الكلم/ في الضوابط العقلية». وظهر بجانب الرازي وفي عصره عالم ضرب بسهم وافر في الفلسفة والمنطق وأصول الفقه والاعتزال واللغة والبلاغة، وكان له تأثير خطير على البلاغة العربية. ذلك العالم هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦ للهجرة، صاحب كتاب «مفتاح العلوم» الذي جعله أربعة أقسام: قسما في علم الصرف، وقسما في علم النحو، وقسما في علوم البلاغة، وقسما في علم الشعر.

стр. 22

لقد سارت دراسة البلاغة قبل السكاكي على منهاج من عدم الفصل بين فنونها، لما في ذلك من خدمة الأدب وإمداده بأسباب القوة والجمال والوضوح. وكان لهذا المنهاج أثره وقيمته في إيقاظ المواهب وإرهاف الملكات الفنية لصناعة الأدب، وإقدار أصحابها على التذوق الأدبي والتمييز بين جيد الكلام ورديئه. ذلك كان مسار الدراسات البلاغية قبل السكاكي: تنبيه إلى مواطن الحسن والجمال من الكلام، وشحذ لملكات صنّاعه الفنية، ومحاولات للكشف عن العناصر الجمالية في البيان العربي، وتربية لملكة الذوق، وتمكين كل ذي موهبة أدبية من أن يقرأ ويفهم، ويستحسن ويستقبح، ويوازن ويفضل، أو بعبارة أخرى من أن ينقد العمل الأدبي ويحكم عليه. في هذا المنهاج لم تكن محاولة الاهتداء إلى العناصر الجمالية في البيان العربي غاية في حد ذاتها بمقدار ما كانت وسيلة لشحذ الملكات، وتنمية الذوق، وإرهاف الحس، وتكوين البلغاء والنقاد. وعلى العكس من ذلك كان منهاج السكاكي في دراسة البلاغة، فقد أصّل منهاجه فيها على أسس منطقية حولت البلاغة من فن إلى علم له قواعده ونظرياته التي إن نجحت في تكوين طبقات من البلاغيين فقد فشلت في تكوين البلغاء. ومن هنا كانت خطورة منهاج السكاكي الذي يعد في تاريخ البلاغة بداية طور الجمود في دراستها. لقد خيل إليه أنه بمنهاجه المنظم المقنن يصلح من شأن البلاغة فإذا به من حيث لا يدري يفسدها ويسيء إليها. وشهرة السكاكي في البلاغة مصدرها القسم الثالث من كتابه «مفتاح العلوم»، فقد أفرد هذا القسم من كتابه للكلام عن علمي المعاني والبيان ولواحقهما من البلاغة والفصاحة والمحسنات البديعية بنوعيها اللفظي والمعنوي. فمن خلال مجهودات البلاغيين من قبله وبخاصة عبد القاهر

стр. 23

الجرجاني «٤٧١ هـ»، والزمخشري محمود بن عمر «٥٣٨ هـ» والفخر الرازي «٦٠٦ هـ» استطاع السكاكي تحقيق أمرين: أحدهما أن ينفذ إلى عمل ملخص دقيق لما نثره أولئك البلاغيون في كتبهم من آراء، وكذلك لما توصل إليه هو من أفكار، وثانيهما أن يصوغ كل ذلك في صيغ مضبوطة محكمة، مستعينا فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتعريف والتقسيم والتفريع والتشعيب. وبهذا تحولت البلاغة في مفهومه أولا وفي تلخيصه ثانيا إلى علم بأدق المعاني لكلمة علم، فهي عنده قوانين وقواعد صبت في قوالب منطقية جافة باعدت بينها وبين وظيفتها الأساسية من إمتاع النفس، وإرهاف الحس، وتنمية الذوق، والتمكين لذوي المواهب الأدبية من القدرة على الخلق والإبداع. وقد عرّف السكاكي علم المعاني بقوله: «إنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره». وهذا التعريف وحده نموذج لتأليف السكاكي الذي أفرغه في أسلوب علمي منطقي بعيد كل البعد عن جلاء العبارة ووضوح التأليف عند من تقدموه من البلاغيين. فهو مثلا في هذا التعريف لا يقصد «بتراكيب الكلام» مطلق تراكيب، وإنما يقصد تراكيب البلغاء لا التراكيب الصادرة عمن لا حظ لهم من البلاغة. وهو كذلك يقصد «بخواص التراكيب» ما يسبق إلى الفهم منها عند سماعها لكونها صادرة عن البليغ، كما يقصد أيضا «بالإفادة» «الفهم» من قبل ذي الفطرة السليمة. فالتعريف كما ترى لا يجود بمعناه في سهولة ويسر، وإنما هو بعنّي طالبه عناء شديدا حتى يصل إليه، إن وصل. ومن أجل هذا كثر شراح السكاكي وملخصو بلاغته كما سنبين فيما بعد، وكأن البلاغة عند كل من تصدى لشرح أو تلخيص ما ورد عنها في كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي أقول كان

стр. 24

البلاغة عند أولئك الشراح والملخصين أصبحت تنحصر في أمرين: أحدهما الالتزام ببلاغة السكاكي على أنها ختام البلاغة والذروة التي ليس بعدها مجال لمستزيد أو مجتهد. وثاني الأمرين إظهار المقدرة والبراعة في شرح كتاب «المفتاح» أو تلخيصه. ويمكن حصر موضوعات علم المعاني التي وردت في القسم الثالث من كتاب «المفتاح» للسكاكي على النحو التالي: ١ - الخبر والطلب. ٢ - الإسناد الخبري باختلاف السامع من حيث خلو الذهن، أو الشك، أو الإنكار. ٣ - الإسناد، وبيان أحوال المسند إليه والمسند، من حيث: الحذف والذكر، والتنكير والتعريف، والتقديم والتأخير، والتخصيص والمقتضيات البلاغية لذلك. ٤ - الفعل ومتعلقاته. ٥ - الفصل والوصل. ٦ - الإيجاز والإطناب، وبيان كيف أنهما نسبيان. ٧ - القصر، وأنواعه، وطرقه. ٨ - الطلب، ويندرج تحته: أ- مقدمة عن الطلب مستمدة من كلام المناطقة عن التصور والتصديق وما يحصل في الذهن، وما يحصل في الخارج. ب- أنواع الطلب الخمسة: التمني، والاستفهام، والأمر، والنهي، والنداء، وأدوات كل نوع منها، ووظائفها. ج- الأغراض البلاغية أو المعاني الإضافية التي يخرج الطلب عن معانيه الأصلية من أجل الدلالة عليها، وذلك مثل: التعجب، والإنكار، والاستبطاء، والنفي. ولما كانت عنايتنا في هذا البحث مقصورة على علم المعاني وحده،

стр. 25

فتلك هي موضوعاته كما وردت في كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، أو بمعنى أدق كما وردت في القسم الثالث منه، والذي تكلم فيه عن علمي المعاني والبيان، ولواحقهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية بنوعيها اللفظي والمعنوي. وكما قلت آنفا لقد نال هذا الكتاب شهرة فائقة في ميدان البلاغة بالذات، ولقد فتن العلماء به إلى الحد الذي جعلهم ينسون أنفسهم وينكرون ملكاتهم. ولهذا ظلوا قرابة خمسة قرون ابتداء من القرن السابع الهجري عاكفين على شرحه وتلخيصه، وكأنه لم يؤلف في البلاغة العربية غير هذا الكتاب الذي استأثر باهتمامهم وعنايتهم. وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر هنا بعض من توفروا على كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي شرحا وتلخيصا. فممن عنوا بشرحه: ١ - قطب الدين محمود الشيرازي «٧١٠ هـ» شرحه في كتاب سماه «مفتاح المفتاح». ٢ - محمد بن مظفر الخلخالي «٧٤٥ هـ» شرحه في كتاب سماه «شرح المفتاح». ٣ - السيد الشريف الجرجاني «٨١٦ هـ» شرح القسم الثالث من المفتاح. ٤ - ابن كمال باشا «٩٤٠ هـ» ألف شرح المفتاح. وممن عنوا بتلخيصه: ١ - بدر الدين بن مالك «٦٦٨ هـ»، اختصره في كتاب سماه «المصباح في اختصار المفتاح». وقد نال هذا المختصر شهرة واسعة لدى طلاب البلاغة في بلاد المغرب. ٢ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الخطيب القزويني «٧٣٩ هـ»، وقد اختصره في كتاب سماه «تلخيص المفتاح». ٣ - عبد الرحمن الشيرازي «٧٥٦ هـ» وسمى تلخيصه لكتاب المفتاح

стр. 26

«الفوائد الغياثية في علوم المعاني والبيان والبديع». ولعل أوسع هذه الكتب أو التلخيصات شهرة بين المشارقة في كل العصور هو كتاب «تلخيص المفتاح» في المعاني والبيان والبديع للخطيب القزويني الآنف الذكر. فهذا الكتاب قد تنوع اهتمام العلماء به، فمنهم من شرحه، ومن نظمه، ومن لخصه. فممن شرحه: ١ - الخطيب القزويني نفسه، فقد وضع له شرحا سماه «إيضاح التلخيص» قصد به إيضاح ما أبهم واستغلق منه كما ضم إليه بعض ما فاته في التلخيص مما تضمنه المفتاح، وبعض زيادات أخرى من كتابي عبد القاهر «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة». ٢ - محمد بن مظفر الخلخالي «٧٤٥ هـ» وضع له شرحا سماه «مفتاح تلخيص المفتاح». ٣ - بهاء الدين السبكي «٧٧٣ هـ» وضع له شرحا سماه «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح». ٤ - محمد بن يوسف ناظر الجيش «٧٧٨ هـ» وضع له شرحا سماه «شرح تلخيص القزويني». ٥ - محمد البايرتي «٧٨٦ هـ»، وشمس الدين القونوي «٧٨٨ هـ» وضع له كل منهما شرحا سماه «شرح تلخيص المفتاح للقزويني». ٦ - سعد الدين التفتازاني «٧٩٢ هـ» وضع له شرحين: الشرح الكبير، والشرح الصغير للتلخيص. ٧ - ابن يعقوب المغربي «١١١٠ هـ» صاحب كتاب «مواهب المفتاح في شرح تلخيص المفتاح». وممن نظموه شعرا: خضر بن محمد مفتي أماسية، وسمى نظمه «أنبوب البلاغة»، وجلال الدين السيوطي، وسمى نظمه «عقود الجمان»،

стр. 27

ثم عاد فوضع لمنظومته شرحا، وعبد الرحمن الأخضري، وسمى نظمه «الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون». وممن قام باختصاره: عز الدين بن جماعة، وأبرويز الرومي، وزكريا الأنصاري. وتلك الشروح والتلخيصات والمنظومات إن دلت على شيء فعلى جمود الفكر البلاغي وعقمه منذ عصر السكاكي. نقول ذلك لأن كل ما ظهر من شروح وتلخيصات لكتاب المفتاح لا تخرج عن كونها ترديدا وتكرارا لمادته، ومحاولات قصد بها الإيضاح بالشرح أو التقريب والتبسيط عن طريق الإيجاز والتلخيص والنظم، وإذا هي من حيث لا يريد ولا يدري أصحابها قد زادت المفتاح صعوبة على صعوبة. وإنه ليخيل لمن يقرأ هذه الشروح والمتون أن واضعيها لم يكونوا علماء في البلاغة بمقدار ما كانوا معلمين لها، يذكرون الكلمة أو العبارة من الأصل ثم يتبعونها بشرح المراد منها، ولا يتجاوزون ذلك. كلهم في ذلك سواء، وصدق فيهم بهاء الدين السبكي: «يتناولون المعنى الواحد بالطرق المختلفة، ويتناوبون المشكل والواضح على أسلوب واحد ... لا يخالف المتأخر المتقدم إلا بتغيير العبارة، ولا يجد له على حل ما استشكل على غيره جسارة ... قصارى أحدهم أن يعزو أبياتا من الشواهد لقائليها، ويوسع الدائرة بما لا يقام له وزن من تكميل ناقصها، وإنشاد ما قبلها وما يليها ... فلو نطق «التلخيص» لتلا ما جئتم به؟ «هذه بضاعتنا ردت إلينا». فهذه الكتب الكثيرة التي أريد بها خدمة البلاغة والنقد قد عجزت عن أن تعلم نقدا أو بلاغة، وهي إن دلت على شيء فعلى جمود عقول أصحابها وفقدانها القدرة على التجديد والابتكار. والمقارنة بين ما كانت عليه البلاغة العربية في العصور الأولى وما صارت إليه في العصور المتأخرة ترينا كيف ازدهرت وتوهجت شعلتها على

стр. 28

أيدي علمائها الأوائل، ثم كيف جفّت وخبت شعلتها على أيدي المتأخرين منهم. وقد ظل أمرها هكذا جمودا على جمود حتى قيّض لها من أدباء العربية وعلمائها في العصر الحديث من يعملون على إحيائها ونهضتها. ...

стр. 29

الفصل الثالث علم المعاني وأثره في بلاغة الكلام بعد أن فصّلنا القول عن البلاغة والفصاحة وأوجه اتفاقهما واختلافها، وبعد الكلام عن نشأة علم المعاني، وبيان كيف كانت أساليبه المختلفة مختلطة في أول الأمر بأساليب علمي البيان والبديع، وكيف كان ينظر إليها جميعا على أنها وحدة تؤلف بمجموعها أصول البلاغة العربية، وبعد أن عرفنا كيف أخذت كل هذه الأساليب على مر العصور تتبلور وتنحو منحى التميز والاستقلال، حتى صارت أساليب البديع علما على يد ابن المعتز، والأساليب المتصلة بكل من المعاني والبيان علما واضح المعالم والمباحث على يد كل من عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي ... أقول بعد ذلك كله نحاول الآن أن نتبين أثر علم المعاني في بلاغة الكلام. وتوطئة للحديث عن هذا الموضوع يجدر بنا أن نتذكر أن الباحثين في البلاغة العربية منذ صدر الإسلام لم يكونوا مدفوعين إلى ذلك بباعث الشغف العلمي والبحث النظري المجرد في البلاغة، وإنما حفزهم في الواقع إلى الاشتغال بها رغبة ملحة في تحقيق هدفين: هدف خاص وآخر عام. أما الهدف الخاص فكان هدفا دينيا يرمي إلى معرفة إعجاز كتاب

стр. 30

الله، ومعرفة معجزة رسوله الذي أوتي جوامع الكلم وكان أفصح من نطق بالضاد. وذلك الهدف يدل على مدى الأثر الذي خلفته الدراسات الأولى في البلاغة، وهو البحث في أسرار الإعجاز وأسبابه، واعتبارها مكملة للإيمان بالنبي ورسالته. وقد أشار إلى ذلك عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز بقوله: «إن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أنه كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان ... ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد بعض الشعر على بعض» (١). أما الهدف العام فلا يتعلق به غرض ديني، وإنما هو محاولة الاطلاع على أسرار البلاغة والفصاحة في غير القرآن، من كلام العرب شعره ونثره، وذلك لأن من لا علم له بأوجه البلاغة يعجز عن التمييز بين الفصيح والأفصح، والبليغ والأبلغ. ويحضرنا هنا في معرض الكلام عن الهدف العام رأي فيه لأبي هلال العسكري مضمونه أن التهاون في طلب البلاغة من جانب صاحب العربية أيا كان قصور في الفهم وتأخر في المعرفة والعلم. وتفصيل ذلك الرأي كما يقول هو: «إن صاحب العربية إذا أخل بطلبه وفرط في التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفي على جميع محاسنه، وعمى سائر فضائله، لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد وكلام رديء، ولفظ حسن وآخر قبيح، وشعر نادر وآخر بارد، بان جهله وظهر نقصه. وهو أيضا إذا أراد أن

стр. 31

يصنع قصيدة أو ينشئ رسالة- وقد فاته هذا العلم- مزج الصفو بالكدر ... واستعمل الوحشيّ العكر، فجعل نفسه مهزأة للجاهل وعبرة للعاقل ... وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور أو تأليف شعر منظوم، وتخطى هذا العلم، ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه، فأخذ المرذول وترك الجيد المقبول، فدل على قصور فهمه، وتأخر معرفته وعلمه» (١). على هدى من هذه التوطئة التي توضح الهدفين اللذين كانا- ولم يزالا- منشودين من وراء الدراسات البلاغية نتقدم إلى بيان أثر علم المعاني في بلاغة الكلام. ويمكن القول من البدء أن الأثر الذي يحدثه علم المعاني في بلاغة القول يتولد في الواقع من أمرين اثنين: بيان وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها، والمعاني المستفادة من الكلام ضمنا بمعونة القرائن. ... وتوضيحا للأمر الأول نقول: إن مباحث علم المعاني من شأنها أن تبين لنا وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها، كما ترينا أن القول لا يكون بليغا كيفما كانت صورته حتى يلائم المقام الذي قيل فيه، ويناسب حال السامع الذي ألقي عليه. فللمخاطب الذي يلقى إليه خبر من الأخبار مثلا ثلاث حالات: ففي الحالة الأولى قد يكون خالي الذهن من الحكم الذي هو مضمون الخبر، وعندئذ تقتضي مطابقة الكلام لحاله أن يلقى إليه الخبر مجردا عن أي تأكيد. وفي الحالة الثانية قد يكون المخاطب على علم ما بالخبر، ولكن علمه به يمتزج بالشك وله تطلع إلى معرفة الحقيقة، وفي هذه الحالة وطبقا

стр. 32

لمقتضيات البلاغة يحسن توكيد الخبر له إزالة للشك وتمكينا للخبر من نفسه. وفي الحالة الثالثة قد يكون المخاطب على علم بالخبر ولكنه منكر جاحد له، وعندئذ يجب أن يلقى الخبر مؤكدا بمؤكد أو أكثر تبعا لدرجة إنكاره قوة وضعفا. على هذا الأساس إذا ألقي الخبر إلى خالي الذهن منه بالصورة التي يجب أن يلقى بها إلى المنكر له، كان في ذلك خروج على مقتضيات البلاغة من جهة وجوب مطابقة الكلام لحال السامع الذي هو أصل من أصول علم المعاني. كذلك من أصول علم المعاني أن يخاطب كل إنسان على قدر استعداده في الفهم وحظه من اللغة والأدب، فلا يجوز أن يخاطب العامي بما ينبغي أن يخاطب به الأديب. فعكس الأمر هنا بلا داع فيه إخلال بما تتطلبه بلاغة المعنى، لانعدام الملاءمة بين الكلام ومقامه. ولعل فيما رواه صاحب الأغاني من حديث أحمد بن خلاد عن أبيه ما يوضح بالمثال هذا الأصل القائل بأن البلاغة هي في مخاطبة كل إنسان على قدر استعداده في الفهم وحظه من اللغة والأدب. «قال أحمد بن خلاد: حدثني أبي قال: قلت لبشار: إنك لتجيء بالشيء الهجين (١) المتفاوت! قال: وما ذاك؟ قال: قلت: بينما تقول شعرا يثير النقع، وتخلع به القلوب، مثل قولك: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما تقول: ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت!

стр. 33

فقال بشار: لكلّ وجه وموضع، فالقول الأول جدّ، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا عندها من قولي أحسن من «قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل» عندك» (١). وتتمثل مطابقة الكلام لمقتضى الحال أيضا فيما يتصرف فيه القائل من إيجاز وإطناب، حيث لكل من الإيجاز والإطناب مقاماته التي تقتضيها حال السامع ومواطن القول. فالذكي الذي تكفيه اللمحة أو الإشارة يحسن له الإيجاز، والغبي أو المكابر يجمل عند خطابه الإطناب في القول. فالبلاغة تقتضي استخدام أسلوب الإيجاز مع الذكي اعتمادا على سرعة فهمه وقدرته على استيعاب ما تحمله الألفاظ القليلة من المعاني الكثيرة، وكذلك الشأن بالنسبة لأسلوب الإطناب، فبلاغته تستلزم الإسهاب بالشرح والإيضاح، إما طلبا لتمكين المخاطب من الفهم إن كان غبيا، وإما لتنزيله منزلة قصار العقول إن كان قد تجاوز الحد في المكابرة والعناد. وتأييدا لما ذكرنا عن الإيجاز والإطناب نورد هنا كلمتين توضح كل منهما رأي صاحبها في ذلك: روي عن جعفر بن يحيى أنه قال مع إعجابه بالإيجاز: «متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا، ومتى كانت الكناية في موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا». وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا في معنى واحد، فأطال أحدهما واختصر الآخر، فقال للمختصر- وقد نظر في كتابه-: ما

стр. 34

أرى موضع زيادة، وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان (١). ... أما الأمر الثاني الذي يبحث فيه علم المعاني فهو دراسة ما يستفاد من الكلام ضمنا بمعونة القرائن. فالكلام يفيد بأصل وضعه معنى نطلق عليه المعنى الحقيقي أو الأصلي، ولكنه قد يخرج أحيانا عن المعنى الذي وضع له أصلا ليؤدي إلينا معنى جديدا يفهم من السياق وترشد إليه الحال التي قيل فيها. فالغرض مثلا من إلقاء الخبر إلى المخاطب في أصل الوضع هو، إمّا إفادته الحكم الذي تضمنه الخبر، وإمّا إفادته أن المتكلم عالم بالحكم. كقولك: «كان عمر بن عبد العزيز لا يأخذ من بيت المال شيئا»، وكقولك: «لقد كنت في مطار بيروت أمس». ففي المثال الأول تريد إفادة السامع بما لم يكن يعرفه عن عمر بن عبد العزيز من الفقه والزهد في مال المسلمين. وفي المثال الثاني لا تريد إفادة السامع مضمون الكلام لأن ذلك معلوم له قبل أن تعلمه أنت، فالسامع في هذه الحال لم يستفد علما بالخبر نفسه، وإنما استفاد أنك عالم به. ذلك هو الغرض من إلقاء الخبر في أصل الوضع، إما إفادة المخاطب بالحكم، وإما إفادته أن المتكلم عالم به. ولكن الخبر قد يخرج عن هذين المعنيين ليؤدي إلينا معنى جديدا يفهم من السياق. تأمل مثلا قول أبي فراس الحمداني: ومكارمي عدد النجوم ومنزلي ... مأوى الكرام ومنزل الأضياف وكذلك قول أبي العتاهية في رثاء ولده عليّ: بكيتك يا عليّ بدمع عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيا

стр. 35

وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا فكلا الشاعرين هنا لا يقصد أيّا من المعنيين اللذين يدل عليهما الخبر بأصل وضعه، وإنما يقصد إلى معنى آخر يستشفه اللبيب ويلمحه من سياق الكلام، هو في بيت أبي فراس الفخر بمكارمه الكثيرة وكرمه، وهو في بيتي أبي العتاهية إظهار التحسر والأسى على فقد ولده وفلذة كبده. وكذلك الشأن بالنسبة لأساليب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء، فقد يخرج كل منها عن معناه الأصلي لغرض بلاغي بديع، أراده المتكلم من الخروج عما يقتضيه ظاهر الكلام، كالخروج بالأمر عن أصل وضعه مثلا لإفادة التعجيز، وبالنهي لإفادة الدعاء، وبالاستفهام لإفادة التعجب. وليس من غرضنا هنا التعرض بالشرح لكل أساليب المعاني وتوضيح المعنى أو المعاني التي تستفاد من كل منها ضمنا بمعونة القرائن، وإنما أوردنا ما أوردنا منها على سبيل المثال لا الحصر. ولعل فيما أوردناه كفاية لبيان ما لعلم المعاني من أثر في بلاغة الكلام، وإقناعا لكل راغب بقيمة دراسة أساليب علم المعاني المختلفة والإفادة منها في الارتفاع بأسلوب إنشائه من ناحية، وفي الحكم على جيد الكلام ورديئه من ناحية أخرى. ... والآن نشرع في دراسة مباحث علم المعاني دراسة تفصيلية، ونبدأ أول ما نبدأ بالكلام بين الخبر والإنشاء. ***

стр. 36

المبحث الأوّل الكلام بين الخبر والإنشاء الخبر: لعل الكلام حول مفهوم الخبر والإنشاء قد نشأ مع نشأة الجدل في عصر المأمون حول فتنة القول بخلق القرآن. فالمعتزلة الذين أباحوا حرية التفكير كانوا ممن قالوا إن القرآن وإن كان وحيا إلا أنه مخلوق، بدلا من العقيدة التي كانت لا تنازع وهي أن القرآن أزلي غير مخلوق. وقد بنى المعتزلة قولهم بخلق القرآن على أساس أن ما تضمنه لا يخرج عن واحد من ثلاثة: أمر ونهي وخبر، وذلك مما ينفي عنه صفة القدم. ومن هنا جاء تحديد المعتزلة لمفهوم الخبر من حيث صدقه وكذبه، ومن رجال الاعتزال الذين أبدوا رأيهم في ذلك إبراهيم بن يسار النّظّام البصري وتلميذه الجاحظ. فصدق الخبر أو كذبه عند «النظام» هو في مطابقته لاعتقاد المخبر أو عدم مطابقته. فالخبر عنده يكون صادقا بشرط مطابقته لاعتقاد المخبر حتى

стр. 37

ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ في الواقع، وكذلك يكون الخبر عنده كاذبا بشرط عدم مطابقته لاعتقاد المخبر، حتى ولو كان ذلك الاعتقاد صوابا في الواقع. وتبعا لرأي «النّظام» هذا يكون قول القائل: البحر ماؤه عذب- معتقدا ذلك- صدق، ويكون قوله: البحر ماؤه ملح- غير معتقد ذلك- كذب. وهذا الرأي قد بني على أساس أن من اعتقد أمرا فأخبر به، ثم تبين له أنه مخالف أو غير مطابق للواقع لا يعد كاذبا، وإنما يعد مخطئا. وقد روي عن عائشة أنها قالت فيمن شأنه كذلك: «ما كذب ولكن وهم»، أي أخطأ. ... ثم جاء «الجاحظ» بعد أستاذه «النظام» ولم يقف بالخبر عند حد الصدق والكذب. فهو ينكر انحصار الخبر في الصدق والكذب، ويزعم أن الخبر ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب. فالخبر الصادق، في رأي الجاحظ- هو المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق. والخبر الكاذب عنده هو الذي لا يطابق الواقع، مع الاعتقاد بأنه غير مطابق. أما الخبر الذي ليس بصادق ولا كاذب فليس نوعا واحدا، وإنما هو أربعة أنواع، وهذه هي: ١ - الخبر المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق. ٢ - الخبر المطابق للواقع بدون اعتقاد أصلا. ٣ - الخبر غير المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق. ٤ - الخبر غير المطابق للواقع بدون اعتقاد أصلا. ومن العلماء الأوائل الذين عرضوا لموضوع الخبر أيضا ابن قتيبة الدينوري في كتابه «أدب الكاتب»، وذلك إذ يقول: «والكلام أربعة: أمر،

стр. 38

وخبر، واستخبار، ورغبة، ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب، وهي الأمر والاستخبار والرغبة، وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر» (١). ومن أولئك العلماء قدامة بن جعفر، ففي كتابه «نقد النثر» يعرف الخبر بقوله: «والخبر كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، كقولك قام زيد، فقد أفدته العلم بقيامه. ومنه ما يأتي بعد سؤال فيسمى «جوابا» كقولك في جواب من سألك: ما رأيك في كذا؟ فتقول: رأيي كذا. وهذا يجوز أن يكون ابتداء منك فيكون خبرا، فإذا أتى بعد سؤال كان جوابا كما قلنا» (٢). وإتماما لمفهوم الخبر عند قدامة يقول: «وليس في صنوف القول وفنونه ما يقع فيه الصدق والكذب غير الخبر والجواب. إلا أن «الصدق والكذب يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب «الخطأ والصواب»، والمعنى واحد، وإن فرق اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد موضع الصدق والكذب «الحق والباطل» والمعنى قريب من قريب» (٣). ويمكن تلخيص مفهوم الخبر عند قدامة بن جعفر على الوجه التالي: ١ - الخبر بصفة عامة أو أيا كان نوعه هو كل قول يستفيد منه الخبر به علما بشيء لم يكن معلوما له عند إلقاء القول عليه. ٢ - والخبر بصفة خاصة هو ما يبتدئ به المخبر به، أو ما يلقيه على مستمعه ابتداء، بقصد إعلامه بشيء يجهله أو لا يعرفه. وهذا النوع من الخبر عنده هو ما يحتمل الصدق والكذب. فإذا حصل الاعتقاد في صدق هذا الخبر فهو «الحق»، وإذا حصل الاعتقاد في كذبه فهو «الباطل». ٣ - والخبر الجوابي أو الجواب الذي يعده قدامة قسيم الخبر هو ما يأتي بعد

стр. 39

سؤال، أو ما يأتي جوابا على سؤال. وهذا النوع من الخبر يحتمل الصدق والكذب، فإذا حصل الاعتقاد في صدقه فهو «الصواب» وإذا حصل الاعتقاد في كذبه فهو «الخطأ». وما من شك في أن قدامة قد تأثر في مفهومه للخبر بمفهومه عند النظام والجاحظ، وإن كان هو قد طوّر هذا المفهوم وزاد عليه. ومفهوم الكذب والصدق عند قدامة قد عبر عنه بقوله: «والكذب إثبات شيء لشيء لا يستحقه، أو نفي شيء عن شيء يستحقه، والصدق ضد ذلك، وهو إثبات شيء لشيء يستحقه، أو نفي شيء عن شيء لا يستحقه» (١). ... وممن عالج موضوع الخبر كذلك ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها». وابن فارس هذا هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب المشهور بابن فارس، المتوفى سنة ٣٩٥ للهجرة. وهو من أكثر علماء القرن الرابع الهجري تأليفا وتصنيفا. فقد ألف وصنف أربعة وأربعين كتابا في الفقه والتفسير والسير والأدب واللغة والنحو وفقه اللغة. ومع غزارة إنتاجه العلمي وتنوعه، فإنه، كما يبدو من بعض أشعاره، كان يحيا حياة شظف وعزلة، كقوله: وقالوا: كيف حالك؟ قلت: خير ... تقضّى حاجة وتفوت حاج إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج نديمي هرّتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي. السّراج وكتابه «الصاحبي» هو من آخر ما ألف فقد كتبه قبل وفاته بثلاثة

стр. 40

عشر عاما، وفيه عقد ابن فارس بابا سماه «باب معاني الكلام» وذكر فيه أن معاني الكلام «هي عند أهل العلم عشرة: خبر، واستخبار، وأمر، ونهي، ودعاء، وطلب، وعرض، وتحضيض، وتمنّ، وتعجب». وما يعنينا هنا من هذه المعاني العشرة هو «الخبر» فقد عقد له بابا خاصا سماه «باب الخبر» وفيه يقول: «أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام. تقول أخبرته أخبره، والخبر العلم. وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديقه أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمان أو مستقبل أو دائم. نحو: قام زيد وقائم زيد. ثم يكون واجبا وجائزا وممتنعا. فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمرا، والممتنع قولنا: حملت الجبل» (١). وأهل النظر الذين يحكي قولهم ابن فارس هنا منهم على التحديد قدامة بن جعفر، لأن القول السابق وارد في كتابه «نقد النثر» وكل ما هنالك أن ابن فارس زاده توضيحا بالأمثلة. وقد ذكر ابن فارس في «باب الخبر» المعاني الكثيرة التي يحتملها لفظ الخبر، وهذه سنعرض لها فيما بعد عند كلامنا عن الأغراض التي يخرج إليها الخبر. ومهما اختلفت آراء العلماء في مفهوم الخبر فإن هناك قدرا مشتركا بينهم يمكننا أن نستخلص منه تعريفا له وهو: الخبر ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب. فإن كان الكلام مطابقا للواقع كان قائله صادقا، وإن كان غير مطابق له كان قائله كاذبا. ...
следующие страницы →