المبحث الأوّل الكلام بين الخبر والإنشاء
الخبر:
لعل الكلام حول مفهوم الخبر والإنشاء قد نشأ مع نشأة الجدل في عصر المأمون حول فتنة القول بخلق القرآن.
فالمعتزلة الذين أباحوا حرية التفكير كانوا ممن قالوا إن القرآن وإن كان وحيا إلا أنه مخلوق، بدلا من العقيدة التي كانت لا تنازع وهي أن القرآن أزلي غير مخلوق.
وقد بنى المعتزلة قولهم بخلق القرآن على أساس أن ما تضمنه لا يخرج عن واحد من ثلاثة: أمر ونهي وخبر، وذلك مما ينفي عنه صفة القدم.
ومن هنا جاء تحديد المعتزلة لمفهوم الخبر من حيث صدقه وكذبه، ومن رجال الاعتزال الذين أبدوا رأيهم في ذلك إبراهيم بن يسار النّظّام البصري وتلميذه الجاحظ.
فصدق الخبر أو كذبه عند «النظام» هو في مطابقته لاعتقاد المخبر أو عدم مطابقته. فالخبر عنده يكون صادقا بشرط مطابقته لاعتقاد المخبر حتى
стр. 37
ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ في الواقع، وكذلك يكون الخبر عنده كاذبا بشرط عدم مطابقته لاعتقاد المخبر، حتى ولو كان ذلك الاعتقاد صوابا في الواقع.
وتبعا لرأي «النّظام» هذا يكون قول القائل: البحر ماؤه عذب- معتقدا ذلك- صدق، ويكون قوله: البحر ماؤه ملح- غير معتقد ذلك- كذب.
وهذا الرأي قد بني على أساس أن من اعتقد أمرا فأخبر به، ثم تبين له أنه مخالف أو غير مطابق للواقع لا يعد كاذبا، وإنما يعد مخطئا. وقد روي عن عائشة أنها قالت فيمن شأنه كذلك: «ما كذب ولكن وهم»، أي أخطأ.
...
ثم جاء «الجاحظ» بعد أستاذه «النظام» ولم يقف بالخبر عند حد الصدق والكذب. فهو ينكر انحصار الخبر في الصدق والكذب، ويزعم أن الخبر ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب.
فالخبر الصادق، في رأي الجاحظ- هو المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق. والخبر الكاذب عنده هو الذي لا يطابق الواقع، مع الاعتقاد بأنه غير مطابق.
أما الخبر الذي ليس بصادق ولا كاذب فليس نوعا واحدا، وإنما هو أربعة أنواع، وهذه هي:
١ - الخبر المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق.
٢ - الخبر المطابق للواقع بدون اعتقاد أصلا.
٣ - الخبر غير المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق.
٤ - الخبر غير المطابق للواقع بدون اعتقاد أصلا.
ومن العلماء الأوائل الذين عرضوا لموضوع الخبر أيضا ابن قتيبة الدينوري في كتابه «أدب الكاتب»، وذلك إذ
يقول: «والكلام أربعة: أمر،
стр. 38
وخبر، واستخبار، ورغبة، ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب، وهي الأمر والاستخبار والرغبة، وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر» (١).
ومن أولئك العلماء قدامة بن جعفر، ففي كتابه «نقد النثر» يعرف الخبر بقوله: «والخبر كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، كقولك
قام زيد، فقد أفدته العلم بقيامه. ومنه ما يأتي بعد سؤال فيسمى «جوابا» كقولك في جواب من سألك: ما رأيك في كذا؟ فتقول: رأيي كذا. وهذا يجوز أن يكون ابتداء منك فيكون خبرا، فإذا أتى بعد سؤال كان جوابا كما قلنا» (٢).
وإتماما لمفهوم الخبر عند قدامة يقول: «وليس في صنوف القول وفنونه ما يقع فيه الصدق والكذب غير الخبر والجواب. إلا أن «الصدق والكذب يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب «الخطأ والصواب»، والمعنى واحد، وإن فرق اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد موضع الصدق والكذب «الحق والباطل» والمعنى قريب من قريب» (٣).
ويمكن تلخيص مفهوم الخبر عند قدامة بن جعفر على الوجه التالي:
١ - الخبر بصفة عامة أو أيا كان نوعه هو كل قول يستفيد منه الخبر به علما بشيء لم يكن معلوما له عند إلقاء القول عليه.
٢ - والخبر بصفة خاصة هو ما يبتدئ به المخبر به، أو ما يلقيه على مستمعه ابتداء، بقصد إعلامه بشيء يجهله أو لا يعرفه. وهذا النوع من الخبر عنده هو ما يحتمل الصدق والكذب. فإذا حصل الاعتقاد في صدق هذا الخبر فهو «الحق»، وإذا حصل الاعتقاد في كذبه فهو «الباطل».
٣ - والخبر الجوابي أو الجواب الذي يعده قدامة قسيم الخبر هو ما يأتي بعد
стр. 39
سؤال، أو ما يأتي جوابا على سؤال. وهذا النوع من الخبر يحتمل الصدق والكذب، فإذا حصل الاعتقاد في صدقه
فهو «الصواب» وإذا حصل الاعتقاد في كذبه فهو «الخطأ».
وما من شك في أن قدامة قد تأثر في مفهومه للخبر بمفهومه عند النظام والجاحظ، وإن كان هو قد طوّر هذا المفهوم وزاد عليه.
ومفهوم الكذب والصدق عند قدامة قد عبر عنه بقوله: «والكذب إثبات شيء لشيء لا يستحقه، أو نفي شيء عن شيء يستحقه، والصدق ضد ذلك، وهو إثبات شيء لشيء يستحقه، أو نفي شيء عن شيء لا يستحقه» (١).
...
وممن عالج موضوع الخبر كذلك ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها».
وابن فارس هذا هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب المشهور بابن فارس، المتوفى سنة ٣٩٥ للهجرة.
وهو من أكثر علماء القرن الرابع الهجري تأليفا وتصنيفا. فقد ألف وصنف أربعة وأربعين كتابا في الفقه والتفسير والسير والأدب واللغة والنحو وفقه اللغة.
ومع غزارة إنتاجه العلمي وتنوعه، فإنه، كما يبدو من بعض أشعاره، كان يحيا حياة شظف وعزلة، كقوله:
وقالوا: كيف حالك؟ قلت: خير ... تقضّى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرّتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي. السّراج
وكتابه «الصاحبي» هو من آخر ما ألف فقد كتبه قبل وفاته بثلاثة
стр. 40
عشر عاما، وفيه عقد ابن فارس بابا سماه «باب معاني الكلام» وذكر فيه أن معاني الكلام «هي عند أهل العلم عشرة: خبر، واستخبار، وأمر، ونهي، ودعاء، وطلب، وعرض، وتحضيض، وتمنّ، وتعجب».
وما يعنينا هنا من هذه المعاني العشرة هو «الخبر» فقد عقد له بابا خاصا سماه «باب الخبر» وفيه يقول: «أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام. تقول أخبرته أخبره، والخبر العلم.
وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديقه أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمان أو مستقبل أو دائم. نحو: قام زيد وقائم زيد. ثم يكون واجبا وجائزا وممتنعا. فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمرا، والممتنع قولنا: حملت الجبل» (١).
وأهل النظر الذين يحكي قولهم ابن فارس هنا منهم على التحديد قدامة بن جعفر، لأن القول السابق وارد في كتابه «نقد النثر» وكل ما هنالك أن ابن فارس زاده توضيحا بالأمثلة.
وقد ذكر ابن فارس في «باب الخبر» المعاني الكثيرة التي يحتملها لفظ الخبر، وهذه سنعرض لها فيما بعد عند كلامنا عن الأغراض التي يخرج إليها الخبر.
ومهما اختلفت آراء العلماء في مفهوم الخبر فإن هناك قدرا مشتركا بينهم يمكننا أن نستخلص منه تعريفا له وهو: الخبر ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب. فإن كان الكلام مطابقا للواقع كان قائله صادقا، وإن كان غير مطابق له كان قائله كاذبا.
...
стр. 41
البلاغيّون والخبر
ويقول البلاغيون: إن احتمال الخبر للصدق والكذب إنما يكون بالنظر إلى مفهوم الكلام الخبريّ ذاته، دون النظر إلى الخبر أو الواقع؛ إذ لو نظرنا عند الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب إلى الخبر أو الواقع، لوجدنا أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه لا يحتمل كذبا، وما هو مقطوع بكذبه لا يحتمل صدقا.
فمن الأخبار المقطوع بصحتها ولا تحتمل الكذب البتة أخبار الله تعالى، أي كل ما يخبرنا الله به، وأخبار رسله، والبديهات المألوفة من مثل:
السماء فوقنا والأرض تحتنا، وماء البحر ملح وماء النهر عذب.
ومن الأخبار المقطوع بكذبها ولا تحتمل الصدق الأخبار المناقضة للبديهيات، نحو: الجزء أكبر من الكل، والأسبوع خمسة أيام، وكذلك الأخبار التي تتضمن حقائق معكوسة، نحو: الأمانة رذيلة والخيانة فضيلة.
ولكن هذه الأخبار المقطوع بصحتها أو المقطوع بكذبها إذا نظرنا إليها ذاتها دون النظر إلى قائلها أو إلى الواقع كانت محتملة للصدق والكذب، شأنها في ذلك شأن سائر الأخبار.
стр. 42
ركنا الجملة:
وكل جملة من جمل الخبر لها ركنان: محكوم عليه، وهو المسند إليه، ومحكوم به، وهو المسند، وما زاد على ذلك
في الجملة غير المضاف إليه وصلة الموصول فهو قيد.
فإذا قلنا: «سافر الصديق» و «الناجح مسرور» فإن الذي حكم عليه بالسفر أو أسند إليه السفر في الجملة الأولى هو «الصديق»، والذي حكم به للصديق أو أسند له هو «السفر». وعلى هذا يكون «الصديق» هو المحكوم عليه أو المسند إليه، ويكون «سافر» هو المحكوم به أو المسند.
وركنا الجملة الثانية هما «الناجح» و «مسرور». والذي حكم عليه بالسرور أو أسند إليه السرور هنا هو «الناجح»، والذي حكم به للناجح أو أسند له هو «السرور». وعلى هذا يكون «الناجح» هو المحكوم عليه أو المسند إليه، ويكون «مسرور» هو المحكوم به أو المسند. والمسند إليه عادة هو الفاعل، أو نائب الفاعل، أو المبتدأ الذي له خبر، أو ما أصله المبتدأ كاسم كان وأخواتها. والمسند هو الفعل التام، أو المبتدأ المكتفي بمرفوعه، أو خبر المبتدأ، أو ما أصله خبر المبتدأ كخبر كان وأخواتها، أو المصدر النائب عن فعل الأمر.
ولعلنا لاحظنا من الجملتين السابقتين أن الخبر إما أن يكون جملة اسمية أو فعلية. والجملة الاسمية تفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ليس غير؛ فجملة «الناجح مسرور» لا يفهم منها سوى ثبوت شيء لشيء للناجح من غير نظر إلى حدوث أو استمرار.
ولكن الجملة الاسمية قد يكتنفها من القرائن والدلالات ما يخرجها عن أصل وضعها فتفيد الدوام والاستمرار، كأن يكون الكلام في معرض المدح أو الذم، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. فالجملة الأولى سيقت في معرض المدح، والثانية سيقت في معرض الذم، والمدح والذم كلاهما قرينة، ولهذا فكلتا الجملتين قد خرجت
стр. 43
عن أصل وضعها وهو الثبوت، وأفادت الدوام والاستمرار؛ أي إن الأبرار في نعيم دائم مستمر، والفجار كذلك في جحيم دائم مستمر.
والجملة الاسمية لا تفيد الثبوت بأصل وضعها ولا الدوام والاستمرار بالقرائن إلا إذا كان خبرها مفردا أو جملة إسمية، أما إذا كان خبرها جملة فعلية فإنها تفيد التجدد. فإذا قلت: «الدولة تكرّم العاملين من أبنائها»، كان معنى هذا أن تكريم الدولة للعاملين من أبنائها أمر متجدد غير منقطع.
أما الجملة الفعلية فموضوعة أصلا لإفادة الحدوث في زمن معين، فإذا قلت: «عاد الغريب إلى وطنه» أو «يعود الغريب إلى وطنه» أو «سيعود الغريب إلى وطنه» لم يستفد السامع من الجملة الأولى إلا حدوث عودة الغريب إلى وطنه في الزمن الماضي، ولم يستفد من الجملة الثانية إلا احتمال حدوث عودة الغريب إلى وطنه في الزمن
الحاضر أو المستقبل، كما لم يستفد من الجملة الثالثة إلا حدوث عودة الغريب إلى وطنه في الزمن المستقبل.
وقد تفيد الجملة الفعلية الاستمرار التجددي بالقرائن، كما في قول المتنبي مادحا سيف الدولة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
فالمدح هنا قرينة دالة على أن إتيان العزائم على قدر أهل العزم، وإتيان المكارم على قدر الكرام، وعظم صغار المكارم في عين الصغير، وصغر العظائم في عين العظيم، إنما هو أمر مستمر متجدد على الدوام.
وقد ذكرنا آنفا أن جملة الخبر لها ركنان: المسند إليه، والمسند، وأن ما زاد على ذلك في الجملة غير المضاف إليه وصلة الموصول فهو قيد. وقيود الجملة هي: أدوات الشرط، وأدوات النفي، والمفاعيل الخمسة، والحال، والتمييز، والأفعال الناسخة، والتوابع الأربعة: النعت، والعطف، والتوكيد، والبدل.
стр. 44
وعلماء المعاني يقسمون الجملة إلى جملة رئيسية، وجملة غير رئيسية، والأولى هي المستقلة التي لا تكون قيدا في غيرها، والثانية ما كانت قيدا في غيرها، وليست مستقلة بنفسها.
أغراض الخبر:
الأصل في الخبر أن يلقى لأحد غرضين:
١ - إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة أو العبارة، ويسمى ذلك الحكم فائدة الخبر.
٢ - إفادة المخاطب أن المتكلم عالم بالحكم، ويسمى ذلك لازم الفائدة.
...
فالغرض الأول هنا وهو «فائدة الخبر» يقوم في الأصل على أساس أن من يلقى إليه الخبر، أو من يوجّه إليه الكلام يجهل حكمه أي مضمونه، ويراد إعلامه أو تعريفه به.
وهذا الغرض الذي يسميه البلاغيون «فائدة الخبر» يتمثل في جميع الأخبار التي يبغي المتكلم من ورائها تعريف من يخاطبه بشيء أو أشياء يجهلها. كذلك يتمثل في الأخبار المتعلقة بالحقائق التي تشتمل عليها الكتب في العلوم والفنون المختلفة، أو الحقائق العلمية التي تلقى على المتعلمين.
من ذلك مثلا هذا الخبر التاريخي عن معاوية بن أبي سفيان: «أسلم معاوية مع أبيه عام الفتح، واستكتبه النبيّ ﵌، واستعمله عمر على الشام أربع سنين من خلافته، وأقرّه عثمان مدة خلافته نحو اثنتي عشرة سنة، وتغلّب على الشام محاربا لعليّ أربع سنين، فكان أميرا وملكا على الشام نحو أربعين سنة. وكان حليما
حازما، داهية عالما بسياسة الملك، وكان حلمه قاهرا لغضبه، وجوده غالبا على منعه، يصل ولا يقطع» (١).
فمثل هذا الخبر قد قصد به إفادة من يلقى إليه بمضمونه، أي بما
стр. 45
اشتمل عليه من الحقائق التاريخية عن أول خلفاء الأمويين معاوية بن أبي سفيان، من حيث إسلامه، واستكتاب النبي له، ومدة ولايته وملكه على الشام، وأخلاقه. فالغرض من الخبر هنا إذن هو «فائدة الخبر».
أما الغرض الثاني من الخبر فهو ما سماه البلاغيون «لازم الفائدة».
وهو ما يقصد المتكلم من ورائه أن يفيد مخاطبه أنه، أي المتكلم، عالم بحكم الخبر، أي مضمونه. وفي الأمثلة التالية ما يوضح ذلك:
١ - إنك لتكظم الغيظ، وتحلم عند الغضب، وتعفو مع القدرة، وتصفح عن الزلة، وتستجيب لنداء المستغيث بك.
٢ - وقال المتنبي مخاطبا سيف الدولة ومثنيا على شجاعته:
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ... وقد كثرت حول الوكور المطاعم
٣ - وقال أحد الشعراء معاتبا:
وتغتابني في كل ناد تحلّه ... وتزعم أني لست كفئا لمثلكا
فالمتكلم في المثال الأول لا يقصد منه أن يفيد من يخاطبه شيئا مما تضمنه الكلام من الأحكام التي أسندها إليه من كظم الغيظ، والحلم ساعة الغضب، والعفو مع المقدرة، والاستجابة لنداء المستغيثين به، لأن ذلك يعلمه المخاطب عن نفسه قبل أن يعلمه المتكلم، وإنما يريد أن يبين له أنه، أي المتكلم، عالم بما تضمنه هذا الكلام.
والمتنبي وهو يخاطب سيف الدولة بالبيت السابق لا يقصد أن يخبره ويفيده بأنه وهو يحارب أعداءه الروم كان يتتبعهم ويطارد فلو لهم بجيشه في قمم الجبال حيث وكور جوارح الطير فيقتلهم هناك ويصنع من جثثهم وليمة كبيرة متناثرة حول أوكارها.
أجل لا يقصد المتنبي أن يفيد مخاطبه علما بمضمون بيته، لأن سيف الدولة لا يجهله، بل هو يعلمه عن نفسه قبل أن يعلمه المتكلم به، وإنما
стр. 46
يريد المتنبي أن يبين لسيف الدولة أنه، المتنبي، عالم بمضمون الخبر الذي أورده في بيته.
وفي المثال الثالث لا يقصد الشاعر منه أن يفيد مخاطبه علما بمضمون البيت الذي أسنده إليه، من اغتيابه له في كل مكان يكون فيه، ومن الزعم بأنه ليس كفئا له، لأن المخاطب يعلم أن ذلك قد حدث منه ويحدث، وإنما يبغي الشاعر من وراء إلقاء هذا الخبر على من يخاطبه به بأنه يعلم مضمونه ولا يجهله.
فالمخاطب إذن في كل مثال من الأمثلة الثلاثة لم يستفد علما بالخبر نفسه، لأنه يعلمه مسبقا ولا يجهله، وإنما استفاد أن المتكلم عالما به، ويسمى ذلك النوع من الخبر «لازم الفائدة».
ومن الأمثلة السابقة ونظائرها يمكن القول بأن الخبر «لازم الفائدة» يأتي في مواضع المدح والعتاب واللوم وما أشبه ذلك من كل موضع يأتي فيه إنسان ما عملا ما، ثم يأتي شخص آخر فيخبره به لا على أساس أن المخاطب يجهله، وإنما على أساس أن المتكلم عالم بالحكم، أي بمضمون الخبر الذي أسنده إليه.
...
أضرب الخبر:
على أن الخبر سواء أكان الغرض منه «فائدة الخبر» أو «لازم الفائدة» لا يأتي على ضرب واحد من القول. وإنما ينبغي على صاحب الخبر أن يأخذ في اعتباره حالة المخاطب عند إلقاء الخبر، وذلك بأن ينقله إليه في صورة من الكلام تلائم هذه الحالة بغير زيادة أو نقصان.
والمخاطب بالنسبة لحكم الخبر، أي مضمونه، له ثلاث حالات هي:
١ - أن يكون المخاطب خالي الذهن من الحكم، وفي هذه الحال يلقى
стр. 47
إليه الخبر خاليا من أدوات التوكيد ويسمى هذا الضرب من الخبر «ابتدائيا».
٢ - أن يكون المخاطب مترددا في الحكم شاكا فيه، ويبغي الوصول إلى اليقين في معرفته، وفي هذه الحال يحسن توكيده له ليتمكن من نفسه، ويحل فيها اليقين محل الشك. ويسمى هذا الضرب من الخبر «طلبيا».
٣ - أن يكون المخاطب منكرا لحكم الخبر، وفي هذا الحال يجب أن يؤكد له الخبر بمؤكد أو أكثر، على حسب درجة إنكاره من جهة القوة والضعف. ويسمى هذا الضرب من الخبر «إنكاريا».
وتبيانا لأضرب الخبر السابقة بالنسبة لحالات المخاطب نورد فيما يلي ثلاث طوائف من الأمثلة توضح كل طائفة منها ضربا من أضربه.
أما الطائفة الأولى، وجميعها من شعر المتنبي، فهي:
أ- سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب
ب- أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
ج- وكل امرئ يولي الجميل محبّب ... وكل مكان ينبت العزّ طيّب
د- لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدّم
هـ- أتى الزمان بنوه في شبيبتهم ... فسرّهم وأتيناه على الكبر
فالمتنبي يلقي الخبر في كل مثال من هذه الأمثلة إلى مخاطب خالي الذهن من حكمه؛ أي مضمونه، ومن أجل ذلك جاء بالخبر خاليا من أدوات التوكيد. وهذا هو ضرب الخبر «الابتدائي».
والطائفة الثانية من شعر أبي العلاء المعري وهي:
أ- إن الذي بمقال الزور يضحكني ... مثل الذي بيقين الحق يبكيني
ب- إذا ما الأصل ألفى غير زاك ... فما تزكو مدى الدهر الفروع
ج- وقد يغشى الفتى لجج المنايا ... حذارا من أحاديث الرفاق
стр. 48
فالمعري يوجّه الخبر الذي تضمنه كل بيت هنا إلى مخاطب متردد في حكم الخبر ومضمونه، ولهذا حسن توكيد الكلام له بمؤكد تمكينا له من نفسه وحسما للشك في حقيقته. وهذا الضرب من الخبر «طلبيّ». وأداة التوكيد في البيت الأول «إنّ» المشددة النون. وفي البيت الثاني «ما الزائدة» بعد كلمة «إذا»، وفي البيت الثالث «قد».
والطائفة الثالثة من شعر أبي العلاء المعري أيضا، وهي:
أ- ألا إنّ أخلاق الفتى كزمانه ... فمنهنّ بيض في العيون وسود
ب- لعمرك ما في الأرض كهل مجرّب ... ولا ناشئ إلّا لإثم مراهق (١)
ج- لقد نفق الرديء، وربّ مر ... من الأقوات يجعل في الصحاف (٢)
فالمعري في هذه المرة يتجه بالخبر في كل مثال من الأمثلة هنا إلى شخص ينكر حكم الخبر ويعتقد فيما يخالفه، ولذلك كان من الواجب تأكيد الخبر له على حسب إنكاره قوة وضعفا، بمعنى أن يزاد له في التأكيد كلما اشتد إنكاره.
وقد أكد له الخبر في البيت الأول بمؤكدين هما: حرف التنبيه «ألا» و «إنّ» المشددة النون، وفي البيت الثاني
بمؤكدين هما: لام الابتداء، والقسم في «لعمرك» إذ معناها «لعمرك قسمي»، وفي البيت الثالث أكد له الخبر بمؤكدين أيضا هما: لام الابتداء، وقد في «لقد». وهذا الضرب من الخبر «إنكاريّ».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكم على الخبر بأنه ابتدائي، أو طلبي، أو إنكاري، إنما هو على حسب ما يخطر في نفس القائل من أن سامعه خالي الذهن أو متردد أو منكر.
...
стр. 49
مؤكدات الخبر:
عرفنا من دراستنا لأضرب الخبر أن المخاطب الذي يلقى إليه الخبر إذا كان مترددا في حكمه حسن توكيده له ليتمكن مضمون الخبر من نفسه، وإذا كان منكرا لحكم الخبر وجب توكيده له على حسب إنكاره قوة وضعفا.
والأدوات التي يؤكد بها الخبر كثيرة منها: إنّ، ولام الابتداء، وأمّا الشرطية، والسين، وقد، وضمير الفصل، والقسم، ونونا التوكيد، والحروف الزائدة، وأحرف التنبيه. وفيما يلي تفصيل وتوضيح لهذه الأدوات:
١ - «إنّ» المكسورة الهمزة المشددة النون، وهذه هي التي تنصب الاسم وترفع الخبر، ووظيفتها أو فائدتها التأكيد لمضمون الجملة أو الخبر، فإن قول القائل: «إن الحياة جهاد» ناب مناب تكرير الجملة مرتين، إلّا أن قولك: «إن الحياة جهاد» أوجز من قولك: «الحياة جهاد، الحياة جهاد» مع حصول الغرض من التأكيد. فإن أدخلت اللام وقلت «إن الحياة لجهاد» ازداد معنى التأكيد، وكأنه بمنزلة تكرار الجملة ثلاث مرات. وهذا الإيجاز أو الاقتصاد في ألفاظ الجملة مع حصول الغرض من التوكيد هو الذي يعطي مثل هذه الجملة قيمتها البلاغية، على أساس أن البلاغة هي الإيجاز.
ومن أمثلتها من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ، وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ.
ومن أحاديث الرسول: «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»، وقوله: «إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه، فلا خير فيه».
ومن الشعر:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
стр. 50
إني لآمل منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل
وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
٢ - «لام الابتداء»: وفائدتها توكيد مضمون الحكم، وتدخل على المبتدأ، نحو: لأنت خير من عرفت، كما تدخل على خبر «إن» نحو قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ، وعلى المضارع الواقع خبرا لإن لشبهه بالاسم نحو قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وعلى شبه الجملة نحو: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
٣ - «أما الشرطية»، المفتوحة الهمزة المشددة الميم: وهي حرف شرط وتفصيل وتوكيد، نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، ونحو قول الشاعر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
وفائدة «أما» في الكلام أنها تعطيه فضل توكيد وتقوية للحكم، تقول مثلا «زيد ذاهب» فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب وعازم عليه قلت: «أما زيد فذاهب».
٤ - «السين»: وهي حرف يختص بالمضارع ويخلصه للاستقبال، والسين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ووجه ذلك أنها تفيد الوعد أو الوعيد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه.
فهي في مثل قوله تعالى: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ مفيدة وجود الرحمة لا محالة، ولذلك فهي تؤكد هنا حصول فعل الوعد. كذلك هي في مثل قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ، سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ تؤكد حصول فعل الوعيد الذي دخلت عليه وتثبّت معناه بأنه كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين.
стр. 51
٥ - «قد»: التي للتحقيق، نحو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، فهي في مثل هذه الجملة تفيد توكيد مضمونها؛ أي أن فلاح المؤمنين الخاشعين في صلاتهم حق ولا محالة حاصل.
٦ - «ضمير الفصل»: وهو عادة ضمير رفع منفصل، ويؤتى به للفصل بين الخبر والصفة، نحو «محمد هو النبي» فلو لم نأت بالضمير «هو» وقلنا «محمد النبي» لاحتمل أن يكون «النبي» خبرا عن محمد، وأن يكون صفة له، فلما
أتينا بضمير الفصل «هو» تعين أن يكون «النبي» خبرا عن المبتدأ وليس صفة له. فضمير الفصل على هذا الأساس يزيل الاحتمال والإبهام من الجملة التي يدخل عليها، وبالتالي يفيد ضربا من التأكيد.
ولهذا عدّ من أدوات توكيد الخبر.
٧ - «القسم»: وأحرفه «الباء، والواو، والتاء»، و «الباء» هي الأصل في أحرف القسم لدخولها على كل مقسم به، سواء أكان اسما ظاهرا أو ضميرا، نحو: أقسم بالله، وأقسم بك.
و «الواو» تختص بالدخول على الاسم الظاهر دون الضمير، نحو:
«أقسم والله»، أما «التاء» فتختص بالدخول على اسم الله تعالى فقط، كقوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.
والحروف التي تدخل على المقسم عليه، أي جواب القسم، أربعة «اللام، وإنّ، وما، ولا». فإذا كان المقسم عليه والذي يسمى جواب القسم مثبتا فإن الحروف التي تدخل عليه هي «اللام، وإن»، نحو: والله لموت شريف خير من حياة ذليلة» ونحو قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ.
وإذا كان المقسم عليه أو جواب القسم منفيا فإن الحروف التي تدخل عليه هي «ما، ولا» نحو: والله ما العمل اليدويّ مهانة، ونحو: والله لا قصرت في القيام بواجبي.
стр. 52
فالقسم على أي صورة من هذه الصور فيه ضرب من التأكيد، لأن فيه إشعارا من جانب المقسم بأن ما يقسم عليه هو أمر مؤكد عنده لا شك فيه، وإلا لما أقسم عليه قاصدا متعمدا. ومن أجل ذلك عدّ البلاغيون القسم من مؤكدات الخبر.
٨ - «نونا التوكيد»: وهما نون التوكيد الثقيلة، أي المشددة، ونون التوكيد الخفيفة، أي غير المشددة، وهما يدخلان على المضارع بشروط وعلى الأمر جوازا، وقد اجتمعا في قوله على حكاية على لسان امرأة عزيز مصر في قصة يوسف: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ.
٩ - «الحروف الزائدة»: وهي «إن» المسكورة الهمزة الساكنة النون، و «أن» المفتوحة الهمزة الساكنة النون، و «ما»، و «لا»، و «من» و «الباء»، الجارتان. وليس معنى زيادة هذه الحروف أنها قد تدخل لغير معنى البتة، بل زيادتها لضرب من التأكيد.
فمثال «إن»: «ما إن قبلت ضيما» والأصل «ما قبلت ضيما» فدخول «إن» قد أكد معنى حرف النفي الذي قبله.
أما «أن» فتزاد توكيدا للكلام، وذلك بعد «لما» بتشديد الميم، نحو قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً والمراد فلما جاء البشير ...
و «ما» تزاد في الكلام لمجرد التأكيد، وهذا كثير في القرآن الكريم والشعر وسائر الكلام. ومثاله من القرآن قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١). وأصل تركيب «فإما تثقفنّهم» «فإن ما تثقفنّهم» «فإن» حرف شرط يدل على ارتباط جملتين
стр. 53
بعضهما ببعض، و «ما» حرف زائد للدلالة على تأكيد هذا الارتباط في كل حال من الأحوال.
ومثاله من الشعر قول البحتري:
وإذا ما جفيت كنت حريّا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
ومثاله من شعر البارودي في وصف بعض مظاهر شيخوخته من ضعف بصره وثقل سمعه:
لا أرى الشيء حين يسنح إلا ... كخيال كأنني في ضباب
وإذا ما دعيت حرت كأني ... أسمع الصوت من وراء حجاب
فما قد زيدت بعد «إذا» في المثالين السابقين لتأكيد معنى هذا الظرف.
ومثاله من سائر الكلام «غضبت من غير ما جرم» أي من غير جرم، و «جئت لأمر ما» فما زائدة للتأكيد، والمعنى على النفي «ما جئت إلا لأمر».
و «لا» تزاد مؤكدة ملغاة نحو قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، فلا زائدة، والمعنى ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ ... ، ونحو قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ فلا زائدة، والمعنى فأقسم بمواقع النجوم.
و «من» قد تزاد توكيدا لعموم ما بعدها في نحو «ما جاءنا من أحد» فإن أحدا صيغة عموم، بمعنى ما جاني أي أحد. ولا تكون «من» زائدة للعموم إلا إذا تقدمها نفي أو نهي أو استفهام ب «هل»؛ فالنفي نحو قوله تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها، وقوله ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، والنهي نحو «لا تهمل من غذاء عقلك» والاستفهام نحو قوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟ (١) ونحو هل من شاعر بينكم؟ و «من» هذه التي تزاد توكيدا لعموم ما بعدها نفيا كان أو نهيا أو استفهاما يكون الاسم الواقع بعدها إما فاعلا أو مفعولا أو مبتدأ كما في الأمثلة السابقة.
стр. 54
«الباء» ومن استعمالاتها أن تزاد لتوكيد ما بعدها، وقد تزاد كثيرا في الخبر بعد «ليس وما» النافيتين، وعندئذ تكون زيادتها لتوكيد نفي ما بعدها، وذلك نحو قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ،* وقوله تعالى أيضا: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بمسيطر. وقول معن ابن أوس:
ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي لمثله مثلي
فزيادة الباء هنا إنما هو لتأكيد معنى النفي؛ أي تأكيد نفي ما بعدها.
١٠ - «حروف التنبيه»: ومما يزاد أيضا حروف التنبيه، ومنها «ألا وأما» بفتح الهمزة والتخفيف. و «ألا» قد تزاد للتنبيه، وعندئذ تدل على تحقق ما بعدها، ومن هنا تأتي دلالتها على معنى التأكيد، وذلك نحو قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
و «أما» حرف استفتاح وهي بمنزلة «ألا» في دلالتها على تحقق ما بعدها تأكيدا، ويكثر مجيئها قبل القسم، لتنبيه المخاطب على استماع القسم وتحقيق المقسم عليه، نحو قوله أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما النفر (١)
...
خروج الخبر عن مقتضى الظاهر:
من دراستنا السابقة لأضرب الخبر أدركنا أن المخاطب على حسب تخيل المتكلم أو القائل إن كان خالي الذهن ألقي إليه الخبر غير مؤكد، وإن كان مترددا شاكا في مضمونه طالبا معرفته حسن توكيده له، وإن كان منكرا للخبر وجب توكيده له بمؤكد أو أكثر على حسب درجة إنكاره قوة وضعفا.
وإلقاء الكلام أو الخبر بهذه الطريقة المتدرجة على حسب جهل
стр. 55
المخاطب بمضمون الخبر أو شكه فيه أو إنكاره له هو ما يقتضيه الظاهر.
ولكن إيراد الكلام أو الخبر لا يكون دائما وأبدا جاريا على مقتضى الظاهر، فقد تجدّ اعتبارات تدعو المتكلم إلى أن يورد الكلام أو الخبر على صورة تخالف الظاهر، أو على صورة تخرج به عن مقتضى الظاهر كما يقول البلاغيون.
ومن الاعتبارات التي يلحظها المتكلم وتدعوه إلى الخروج بالكلام عن مقتضى الظاهر ما يلي:
١ - أن ينزّل خالي الذهن منزلة المتردد الشاكّ إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر ومضمونه. ومن هذا الضرب من الكلام قوله تعالى:
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ.
فالمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أن المخاطب بها خالي الذهن من الحكم أو من مضمون قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، ولكن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، وهي في مضمونها تشير إلى أن النفس محكوم عليها بشيء غير محبوب أو مرغوب فيه، أصبح المخاطب بقوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ متطلعا إلى نوع هذا الحكم، الذي يجهله ولا يدري حقيقته، ومن أجل ذلك نزّل هذا المخاطب منزلة المتردد الشاكّ، وألقي إليه الخبر مؤكدا استحسانا.
ومن أمثلة هذا النوع من التنزيل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقوله تعالى أيضا: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ*.
ومن أمثلته في الشعر قول عنترة:
لله درّ بني عبس لقد نسلوا ... من الأكارم ما قد تنسل العرب
وقول أبي الطيب المتنبي:
ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب
стр. 56
٢ - أن يجعل غير المنكر كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه. ومثال ذلك قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ؛ فالمخاطبون بهذه الآية الكريمة لا ينكرون حقيقة الموت بالنسبة للإنسان، وأنه مهما طال أجله فإن مصيره إلى الموت والفناء، وعلى ما يقتضيه الظاهر كان يجب أن يلقى الكلام إليها خاليا من التأكيد، ولكننا مع ذلك نرى أن الكلام قد خرج عن مقتضى الظاهر وألقي إليهم مؤكدا. فما السبب في ذلك؟.
السبب ظهور أمارات الإنكار عليهم، فإن نسيانهم للموت وتكالبهم على مطالب العيش كأنهم مخلدون أبدا، وعدم بذلهم في الحياة الدنيا ما ينفعهم في الآخرة، كل هذه بوادر منهم تدل على إنكارهم لحقيقة الموت، ومن أجل ذلك نزّلوا منزلة المنكرين، وألقي الخبر إليهم مؤكدا بمؤكدين هما «إن» و «لام الابتداء».
ومثال ذلك أيضا قولك لمن يعقّ والديه ولا يطيعهما: «إن برّ الوالدين لواجب»، فالمخاطب بهذا الكلام لا ينكر أن برّ الوالدين واجب ولا يداخله شك في ذلك. وكان مقتضى الظاهر أن يلقى إليه الخبر غير مؤكد، ولكن عقوقه
لوالديه، وغلظته في معاملتهما، وعدم إطاعتهما، كل ذلك اعتبر من علامات الإنكار، ولذلك نزّل منزلة الجاحد المنكر وألقي الخبر إليه مؤكدا بمؤكدين وجوبا، خروجا عن مقتضى الظاهر:
ومثاله أيضا من الشعر قول حجل بن نضلة القيسيّ:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فشقيق هذا الرجل لا ينكر رماح بني عمه، ولكنه مع ذلك يأتي إليهم عارضا شاهرا رمحه مدلّا بنفسه وشجاعته عليهم كأنه يعتقد أنهم عزل من السلاح. فمجيئه على هذه الحال علامة على إنكاره وجود السلاح مع بني عمه، ولذلك أنزل منزلة المنكر، وبالتالي ألقي الخبر إليه مؤكدا وقيل له:
إن بني عمك فيهم رماح.
стр. 57
٣ - أن يجعل المنكر كغير المنكر، إن كان لديه شواهد وأدلّة لو تأملها لعدل عن إنكاره.
ومثال ذلك قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ففي هذه الآية الكريمة نرى الله جلّ شأنه يوجه الخطاب إلى المنكرين لوحدانيته، وكان مقتضى الظاهر يوجب إلقاء الخبر على المنكرين مؤكدا، ولكننا نرى الخبر في الآية قد خرج عن مقتضى الظاهر، فألقي إلى المنكرين مجردا من التوكيد، كما يلقى إلى غير المنكرين، فما السبب في ذلك؟
السبب أن بين أيدي المنكرين لوحدانية الله من الأدلة الساطعة والشواهد المقنعة ما لو تدبّروه وعقلوه لزال إنكارهم ولحل محله اليقين والاقتناع بوحدانية الله. ولذلك لم يكترث الله بإنكارهم عند توجيه الخطاب إليهم، وأنزل هؤلاء المنكرين منزلة غير المنكرين لوجود الدلائل التي لو تأملها المنكر لاقتنع وكفّ عن إنكاره.
وأمثلة هذا النوع كثيرة، كأن تقول لمن يجحد فضل العلم: «العلم نافع»، ولمن ينكر ضرر الجهل: «الجهل ضار» ولمن ينكر ما يسبّبه الفراغ من الفساد والإفساد: «الفراغ مفسدة»، وهكذا ...
وبعد فلعلنا نرى في الأمثلة الكثيرة التي أوردناها عن أضرب الخبر وعن خروج الكلام عن مقتضى الظاهر ما يوضح لنا القيمة البلاغية لأساليب الخبر المختلفة، تلك القيمة التي تستمد عناصرها دائما من «مطابقة الكلام لحال المخاطبين».
...
أغراض الخبر البلاغية:
عرفنا مما سبق أن الأصل في الخبر أن يلقى لغرضين هما: فائدة الخبر، ولازم الفائدة، كما عرفنا أن المتكلم في كل منهما يهدف من وراء الخبر إلى إعلام المخاطب شيئا لا يعرفه، سواء أكان هذا الشيء هو مضمون الخبر أو علم
المتكلم بمضمونه.
стр. 58
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخبر ليس مقصورا على هذين الغرضين الأصليين؛ فالواقع أنه بالإضافة إليهما قد يلقى الخبر لأغراض أخرى بلاغية تفهم من السياق وقرائن الأحوال. ومن هذه الأغراض التي يخرج الخبر عن غرضيه الأصليين إليها:
١ - إظهار الضعف: وذلك نحو قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، وقول الشاعر:
إن الثمانين، وبلّغتها، ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقول المتنبي في وصف مرضه:
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام (١)
وقول شاعر مريض يقارن بين حاله وحال آخر معافّى من المرض:
الخطى عندك، إذ تقصرها، وثب وقفز ... والخطى عندي إذ أوسعها، ضعف وعجز
٢ - الاسترحام والاستعطاف: نحو قول إبراهيم بن المهدي مخاطبا المأمون:
أتيت جرما شنيعا ... وأنت للعفو أهل
فإن عفوت فمنّ ... وإن قتلت فعدل
وقول المتنبي وهو في محبسه مستعطفا السلطان:
دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء والموت منّي كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلاء ... وأوهن رجليّ ثقل الحديد
وقول شاعر آخر:
فمالي حيلة إلا رجائي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظنّي
يظن الناس بي خيرا وإني ... لشر الناس إن لم تعف عنّي
стр. 59
٣ - إظهار التحسر على شيء محبوب: نحو قول المتنبي في رثاء جدته:
أتاها كتابي بعد يأس وترجة ... فماتت سرورا بي فمت بها غمّا
حرام على قلبي السرور فإنني ... أعدّ الذي ماتت به بعدها سمّا
وقوله في رثاء أبي شجاع فاتك:
الحزن يقلق والتجمّل يردع ... والقلب بينهما عصيّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع!
وقول آخر يرثى عزيزا عليه:
وأيقظت أجفانا وكان لها الكرى ... ونامت عيون لم تكن قبل تهجع
وقول أبي فراس الحمداني عند ما سمع بمرض أمه وهو في الأسر:
عليلة بالشآم مفردة ... بات بأيدي العدا معلّلها
تمسك أحشاءها على حرق ... تطفئها والهموم تشعلها
تسأل عنا الركبان جاهدة ... بأدمع ما تكاد تمهلها!
٤ - المدح: نحو قول زهير بن أبي سلمى:
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه (١) ما تغبّ فواضله
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقول المتنبي مادحا سيف الدولة:
أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
إذا مطرت منهم ومنك سحائب ... فوابلهم طلّ وطلك وابل (٢)
стр. 60
٥ - الفخر: نحو قول الفرزدق:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
وقول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... رأيت الناس كلهم غضابا
ولآخر في الفخر بكثرة العدد:
ما تطلع الشمس إلّا عند أوّلنا ... ولا تغيّب إلّا عند آخرنا
وللشريف الرضي:
لغير العلى منّي القلى والتجنب ... ولولا العلى ما كنت في العيش أرغب
وقور: فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصهباء بي حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلّا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب مغضب
٦ - الحث على السعي والجد: كقول شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال ... إذا الإقدام كان لهم ركابا
وقوله:
أعدت الراحة الكبرى لمن تعبا ... وفاز بالحق من لم يأله طلبا
وقول ابن نباتة السعدي:
يفوت ضجيع الترّهات طلابه ... ويدنو إلى الحاجات من بات ساعيا
فإذا نظرنا إلى كل مثال من الأمثلة السابقة وجدنا أن المتكلم لا يقصد منه فائدة الخبر ولا لازم الفائدة، وإنما خرج به عن هذين الغرضين إلى غرض آخر بلاغي يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال، كغرض المدح أو الفخر، أو الاسترحام، أو إظهار التحسر، أو إظهار الضعف، أو الحث على السعي والجد.
وقد ذكرنا من قبل أن أحمد بن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه
стр. 61
اللغة» عقد بابا خاصا لمعاني الكلام العشرة عند أهل العلم وعدّ منها «الخبر» الذي سبق أن أوردنا تعريفه له مع تعاريف بعض العلماء الآخرين.
ولعل من المفيد ونحن بصدد الكلام عن أغراض الخبر الأصلية وأغراضه الأخرى التي تفهم من سياق الكلام أن نستكمل البحث هنا بذكر المعاني التي يحتملها الخبر كما جاءت في كتاب «الصاحبي».
قال أحمد بن فارس: «والمعاني التي يحتملها لفظ الخبر كثيرة. فمنها «التعجب» نحو: ما أحسن زيدا، و «التمني» نحو: وددتك عندنا، و «الإنكار» نحو: ما له عليّ حق، و «النفي» نحو: لا بأس عليك، و «الأمر» نحو قوله جلّ ثناؤه:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (١)، و «النهي» نحو قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، و «التعظيم» نحو: سبحان الله، و «الدعاء»، نحو: عفا الله عنه، و «الوعد» نحو قوله جلّ وعزّ: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ، و «الوعيد» نحو قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرط وجزاء نحو قوله تعالى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ فظاهره خبر، والمعنى إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومثله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، المعنى من طلق امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرّحها بإحسان.
والذي ذكرناه في قوله جل ثناؤه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم هو تبكيت. وقد جاء في الشعر مثله. وقال شاعر يهجو جريرا:
أبلغ جريرا وأبلغ من يبلّغه ... أني الأغرّ وأني زهرة اليمن
فقال جريرا مبكتا له:
ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن؟
стр. 62
ويكون اللفظ خبرا والمعنى دعاء وطلب، نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، معناه فأعنا على عبادتك. ويقول القائل: أستغفر الله، والمعنى «اللهم اغفر». قال الله جل ثناؤه: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. ويقول الشاعر:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل (١)
مما تقدم نرى أن ابن فارس قد أورد من المعاني التي يحتملها لفظ الخبر أحد عشر معنى، وأن إيراده لهذه المعاني إما على سبيل المثال أو على أنها أهم معاني الخبر التي يكثر تداولها في الكلام. نقول ذلك لأن المعاني التي يحتملها لفظ الخبر ويدل عليها لا حصر لها، وأنها أكثر من أن تستقصى.
...
стр. 63
الإنشاء
مقدمة
في البحث السابق عرضنا للخبر فاستوفينا القول عنه من حيث مفهومه، وأضربه، وأغراضه الأصلية، ومؤكداته، وأغراضه الأخرى التي يحتملها لفظه. والآن ننتقل إلى قسيم الخبر، أو إلى القسم الثاني من الكلام، وهو «الإنشاء» فنفصل القول فيه.
وإذا كان الإنشاء قسيم الخبر، وكان الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب، فإن الإنشاء إذن هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، وذلك لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يطابقه أو لا يطابقه.
فالمعري مثلا عند ما يقول:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى ... إني أخاف عليكم أن تلتقوا
قد استعمل أحد أساليب الإنشاء وهو أسلوب النهي في قوله: «لا تظلموا الموتى». ونحن لا يمكننا هنا أن نقول إن المعري صادق أو كاذب في
стр. 64
نهيه عن ظلم الموتى، وذلك لأنه لا يعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله، وليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يمكن أن يقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب الإنشاء من أمر واستفهام وتمن ونداء، فليس لمدلول أي لفظ منها قبل النطق به وجود خارجي يعرض عليه مدلوله ويقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه، وإلا فإن كل أسلوب إنشائي يستلزم خبرا يحتمل الصدق والكذب.
فقول القائل: «اجتهد» يستلزم خبرا هو «أنا طالب منك الاجتهاد»، وقوله: «لا تكسل» يستلزم خبرا هو: «أنا طالب منك عدم الكسل» وهكذا ...
فالخبر الذي يستلزمه الأسلوب الإنشائي ليس مقصودا ولا منظورا إليه، وإنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الأسلوب الإنشائي، وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء الصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء.
أقسام الإنشاء:
والإنشاء قسمان: طلبي وغير طلبي.
أ- فالإنشاء الطلبي: هو ما يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب. وهو خمسة أنواع على الوجه التالي:
١ - الأمر: نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا.
стр. 65
٢ - النهي: نحو قوله تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.
٣ - الاستفهام: نحو قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ؟
٤ - التمني: نحو قوله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ.
٥ - النداء: نحو قوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.
هذه هي أساليب الإنشاء الطلبي الخمسة، وكل واحد منها لا يحتمل صدقا ولا كذبا، وإنما يطلب به حصول به شيء لم يكن حاصلا وقت الطلب، ولذلك يسمى الإنشاء فيها طلبيا.
ب- أما الإنشاء غير الطلبيّ: فهو ما لا يستدعي مطلوبا. وله أساليب وصيغ كثيرة منها:
١ - صيغ المدح والذم من مثل: نعم وبئس، وحبذا ولا حبذا.
وفيما يلي أمثله لهذه الصيغ:
قال زهير:
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلا وكان لمرتاع لها وزرا
وقال تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ.
وقال حرير:
يا حبذا جبل الريّان من جبل ... وحبذا ساكن الريّان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الريان أحيانا
وقال شاعر:
ألا حبذا عاذري في الهوى ... ولا حبذا العاذل الجاهل
٢ - التعجب: وهو تفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه في وصف من الأوصاف. والتعجب يأتي قياسيا بصيغتين: «ما أفعله» و «أفعل به».
стр. 66
فمن الصيغة الأولى قول شقران الهزيمي:
أولئك قوم بارك الله فيهم ... على كل حال، ما أعف وأكرما!
ومن الصيغة الثانية: قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا.
٣ - القسم: ويكون بأحرف ثلاثة تجر ما بعدها وهي «الباء، والواو والتاء»، كما يكون بالفعل «أقسم» أو ما في
معناه من مثل «أحلف».
«فالباء» هي الأصل في أحرف القسم الثلاثة، وهي تدخل على كل مقسم به، سواء أكان اسما ظاهرا أو ضميرا، نحو «أقسم بالله» و «أقسم بك».
و «الواو» فرع عن الباء، وتدخل على الاسم الظاهر فقط، نحو قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.
و «التاء» فرع من الواو، بمعنى أنها لا تدخل على كل الأسماء الظاهرة، وإنما تدخل على اسم الله تعالى فقط، نحو قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.
ومن صيغ القسم التي ترد كثيرا في الأساليب العربية «لعمر» مضافة إلى اسم ظاهر أو ضمير مثل «لعمر الله» و «لعمرك» والتقدير: لعمر الله، ولعمرك قسمي أو يميني أو ما أحلف به، وذلك نحو قول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
وقول ابن الرومي:
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟
٤ - الرجاء: ويكون بحرف واحد هو «لعلّ»، وبثلاثة أفعال هي:
عسى، وحرى، واخلولق.
стр. 67
و «لعل» التي تعد من صيغ الإنشاء غير الطلبي هي التي تفيد الرجاء، نحو قول ذي الرمّة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي شجيّ البلابل (١)
أما «لعل» التي تكون بمعنى «كي» نحو قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*، ولَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ*، ولَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أي كي تتقوا، وكي تتذكروا، وكي يتذكر، وكذلك «لعل» التي بمعنى «ظنّ» نحو قول امرئ القيس:
وبدلت قرحا داميا بعد صحة ... لعل منايانا تحولنّ أبؤسا
فإن «لعل» في هاتين الحالين لا تفيد الرجاء، وبالتالي لا تعد من صيغ الإنشاء غير الطلبي.
ومن أمثلة أفعال الرجاء قوله تعالى: عسى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقول الشاعر:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
وقول الأعشى:
إن يقل هنّ من بني عبد شمس ... فحرى أن يكون ذاك، وكانا
ونحو «اخلوقت السماء أن تمطر» بمعنى «عسى».
٥ - صيغ العقود: من نحو قولك: بعت، واشتريت، ووهبت، وقولك لمن أوجب لك الزواج «قبلت هذا الزواج».
والفرق بين الإنشاء الطلبي وغير الطلبي، أن الإنشاء الطلبي هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه، فإذا أمرت الأم ولدها قائلة: «اغسل يديك وفمك قبل الأكل وبعده» فإن لفظ الأمر «اغسل» قد سبق إلى الوجود قبل وجود معناه، أي قبل قيام المأمور، بتنفيذ ما أمر به وهو «غسل اليدين
стр. 68
والفم». ومن هنا قيل إن الإنشاء الطلبي هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه، أو هو ما يسبق وجود لفظه على وجود معناه.
أما الإنشاء غير الطلبي فهو ما يقترن فيه الوجودان، بمعنى أن يتحقق وجود معناه في الوقت الذي يتحقق فيه وجود لفظه، أي في الوقت الذي يتم اللفظ به. فإذا قال شخص لآخر زوجتك ابنتي، فقال الآخر: «قبلت هذا الزواج» فإن معنى الزواج أو وجوده يتحقق في وقت التلفظ بكلمة القبول.
والإنشاء غير الطلبي ليس من مباحث علم المعاني، وذلك لقلة الأغراض البلاغية التي تتعلق به من ناحية، ولأن أكثر أنواعه في الأصل أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء من ناحية أخرى.
أما الإنشاء الذي هو موضع اهتمام البلاغيين، لاختصاصه بكثير من الدلالات البلاغية فهو «الإنشاء الطلبيّ» والذي ننتقل الآن لدراسته بشيء من التفصيل.
...
الإنشاء الطلبي
عرفنا مما سبق أن الإنشاء قسيم الخبر، وإذا كان الخبر هو كل كلام يحتمل الصدق والكذب، فإن الإنشاء على عكسه هو ما لا يحتمل الصدق والكذب من الكلام.
وعلى حد تعريف البلاغيين هو ما يستدعي مطلوبا غير حاصل في وقت الطلب، أو هو كما يقولون بعبارة أخرى: ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه.
وأهم أنواع الإنشاء الطلبيّ، كما ذكرنا آنفا، خمسة: «الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والنداء». نقول ذلك لأن من أنواع الإنشاء الطلبيّ أيضا «العرض والتحضيض (١)»، ولكن الأنواع الخمسة الأولى أكثر
стр. 69
استعمالا وحملا لشتى الدلالات واللطائف البلاغية ولذلك نقصر الحديث عليها.
أولا- الأمر:
وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. ويقصد بالاستعلاء أن ينظر الآمر لنفسه على أنه أعلى منزلة ممن يخاطبه أو يوجه الأمر إليه، سواء أكان أعلى منزلة منه في الواقع أم لا.
وللأمر أربع صيغ تنوب كل منها مناب الأخرى في طلب أي فعل من الأفعال على وجه الاستعلاء والإلزام. وهذه هي:
أ- فعل الأمر: نحو قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ* وقوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها.
ونحو قول الشاعر:
ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله
وقول شاعر آخر يطلب من شباب العروبة أن يعملوا لمجد قومهم:
وانشر لقومك ما انطوى من مجدهم ... وأعد فخار جدودك القدماء
هم ورثوك المجد أبيض زاهرا ... فاحمله مثل الشمس للأبناء
стр. 70
ب- المضارع المقرون بلام الأمر: نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وقوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
ونحو قول أبي الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة:
كذا فليسر من طلب الأعادي ... ومثل سراك فليكن الطلاب (١)
وقول أبي تمام راثيا بني حميد الطوسي:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
ج- اسم فعل الأمر: ومنه «عليكم» اسم فعل أمر بمعنى «الزموا» نحو قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، ونحو قول الأخطل التغلبي:
فعليك بالحجاج لا تعدل به ... أحدا إذا نزلت عليك أمور
ومنه «بله» بمعنى «دع» كقول الشاعر في صفة السيوف:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكفّ كأنها لم تخلق
ومنه «رويده» بمعنى: أمهله، كقول الشاعر:
رويد الذي محضته الود صافيا ... إذا ما هفا حتى يظل أخا لكا
د- المصدر النائب عن فعل الأمر: نحو قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً* بمعنى وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، ونحو قوله تعالى أيضا:
وإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا* فضرب الرقاب (٢)، ونحو: أيها القوم استجابة
стр. 71
لصوت الواجب، وتلبية لنداء الضمير، وإقداما في مواقف الشجاعة، ودفاعا عن الوطن بكل ما أوتيتم من قوة.
ونحو قول قطري بن الفجاءة:
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
...
خروج الأمر عن معناه الأصلي:
ولكن الأمر قد يخرج عن معناه الحقيقي، وهو طلب الفعل من الأعلى للأدنى على وجه الوجوب والإلزام، للدلالة على معان أخرى يحتملها لفظ الأمر وتستفاد من السياق وقرائن الأحوال. ومن هذه المعاني:
١ - الدعاء: وهو الطلب على سبيل الاستغاثة والعون والتضرع والعفو والرحمة وما أشبه ذلك. ويسميه ابن فارس «المسألة»، وهو يكون بكل صيغة للأمر يخاطب بها الأدنى من هو أعلى منه منزلة وشأنا، نحو قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ.
ونحو قول المتنبي مخاطبا سيف الدولة:
أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل
وقوله:
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مردّدا
ودع كل صوت غير صوتي فإنما ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
٢ - الالتماس: وهو طلب الفعل الصادر عن الأنداد والنظراء المتساوين قدرا ومنزلة، نحو قول الشاعر محمود سامي البارودي:
يا نديمي من «سرنديب» كفّا ... عن ملامي وخلياني لما بي
يا خليليّ خلّياني وما بي ... أو أعيدا إليّ عهد الشباب
стр. 72
ونحو قول شاعر يوجه الخطاب إلى صاحبته:
يا مزاجا من رقة الزهر والفج ... ر ومن روعة الضحى والمساء
بلبليّ التغريد صوتك يسري ... في خيالي منوّرا كالرجاء
شجعيني على الجهاد تريني ... أنطق الصخر أرتقي للسماء
علميني معنى الطلاقة والخلد ... مقيما يا ربّة الإيحاء
طهّريني بفيض قدسك ما اسطع ... ت، وألقي عليّ ثوب الرضاء
وارفعيني إلى سمائك أنشد ... لك شعرا يموج موج الضياء
وأفيضي عليّ بالوحي أبدع ... كلّ لحن معبّر عن وفائي
فالأمر في كل هذه الأبيات قد خرج عن معناه الحقيقي إلى الالتماس لأن الشاعر وصاحبته رفيقان يستويان قدرا ومنزلة.
٣ - التمني: وهو طلب الأمر المحبوب الذي يرجى وقوعه إما لكونه مستحيلا، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله، نحو قول عنترة العبسيّ:
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي (١)
وقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل
وقول أبي العلاء المعري:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
٤ - النصح والإرشاد: وهو الطلب الذي لا تكليف ولا إلزام فيه، وإنما هو طلب يحمل بين طيّاته معنى النصيحة والموعظة والإرشاد، نحو قول أحد الحكماء لابنه: «يا بنيّ استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر». ومنه قول الشاعر محمود سامي البارودي:
стр. 73
فانهض إلى صهوات المجد معتليا ... فالباز لم يأو إلّا عالي القلل (١)
وكن على حذر تسلم، فربّ فتى ... ألقى به الأمن بين اليأس والوجل
ودع من الأمر أدناه لأبعده ... في لجة البحر ما يغني عن الوشل (٢)
واخش النميمة واعلم أنّ صاحبها ... يصليك من حرّها نارا بلا شعل
ومن الأمر الذي خرج إلى النصح والإرشاد أيضا الأبيات التالية:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما، وإن كنت من أهل المشورات
واخفض جناحك إن منحت إمارة ... وارغب بنفسك عن ردى اللذات
فاربأ بنفسك أن يضيمك ضائم ... وافعل كفعل الفتية القدراء
٥ - التخيير: وهو أن يطلب من المخاطب أن يختار بين أمرين أو أكثر، مع امتناع الجمع بين الأمرين أو الأمور التي يطلب إليه أن يختار بينها، نحو: «تزوج بثينة أو أختها»؛ فالمخاطب هنا مخيّر بين زواج بثينة أو أختها، ولكن ليس له أن يجمع بينهما.
ومن هذا الأمر الذي يستفاد منه التخيير قول بشار بن برد:
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه (٣)
وقول مهيار الديلميّ:
وعش أمّا قرين أخ وفيّ ... أمين الغيب أو عيش الوحاد
٦ - الإباحة: وتكون الإباحة حيث يتوهم المخاطب أن الفعل محظور عليه، فيكون الأمر إذنا له بالفعل، ولا حرج عليه في الترك، وذلك نحو
стр. 74
قوله تعالى في شأن الصائمين: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
ومن الأمر الذي خرج المعنى فيه إلى الإباحة قول أبي فراس معاتبا سيف الدولة من قصيدة بعث بها إليه وهو أسير في بلاد الروم:
فدت نفسي الأمير، كأنّ حظي ... وقربي عنده ما دام قرب
فلما حالت الأعداء دوني ... وأصبح بيننا بحر و «درب»
ظللت تبدل الأقوال بعدي ... ويبلغني اغتيابك ما يغب (١)
فقل ما شئت فيّ فلي لسان ... مليء بالثناء عليك رطب
وعاملني بإنصاف وظلم ... تجدني في الجميع كما تحب
٧ - التعجيز: وهو مطالبة المخاطب بعمل لا يقوى عليه، إظهارا لعجزه وضعفه وعدم قدرته، وذلك من قبيل
التحدي، نحو قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ، ونحو قوله تعالى في شأن من يرتابون في نزول القرآن على الرسول:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فليس المراد طلب إتيانهم بسورة من مثل القرآن الكريم لأنه محال عليهم أن يأتوا بسورة من نوعه، وإنما المراد هو تحديهم وإظهار عجزهم.
ومن الأمر الذي خرج إلى التعجيز قول الطغرائي:
حب السلامة يثني همّ صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض، أو سلّما في الجو فاعتزل
وقول آخر:
أروني بخيلا طال عمرا ببخله ... وهاتوا كريما مات من كثرة البذل
٨ - التهديد: ويكون باستعمال صيغة الأمر من جانب المتكلم في
стр. 75
مقام عدم الرضا منه بقيام المخاطب بفعل ما أمر به تخويفا وتحذيرا له.
ويسميه ابن فارس «الوعيد»، نحو قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فالأمر هنا موجه لمن يلحدون في آيات الله، وكقوله أيضا:
فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ،* وقوله: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.
ومن أمثلته شعرا:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
٩ - التسوية: وتكون في مقام يتوهم فيه أن أحد الشيئين أرجح من الآخر، نحو قوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ فقد يظن أو يتوهم أن الإنفاق طوعا من جانب المأمورين هنا أرجح في القبول من الإنفاق كرها، ولذلك سوّي بينهما في عدم القبول. ونحو قوله تعالى أيضا:
اصبروا أَوْ لا تَصْبِرُوا، فليس المراد في الآيتين الأمر بالإنفاق أو الصبر، وإنما المراد هو التسوية بين الأمرين.
ومثله من الشعر قول المتنبي:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
فالمعيشة العزيزة والموت الكريم كلاهما سواء، ولا أحد من الأمرين يرجح الآخر.
١٠ - الإهانة والتحقير: ويكون بتوجيه الأمر إلى المخاطب بقصد استصغاره والإقلال من شأنه والإزراء به وتبكيته، نحو قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وقوله تعالى على لسان موسى مخاطبا السحرة:
أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ*.
ومثله من الشعر قول جرير في هجاء الفرزدق:
خذوا كحلا ومجمرة وعطرا ... فلستم يا فرزدق بالرجال
وشمّوا ريح عيبتكم فلستم ... بأصحاب العناق ولا النزال (١)