← Баляга

Баляга · id 17670

علم المعاني

عبد العزيز عتيق

Полный текст (199 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٧ - نائم أنت على صدر الصخور ... ولقد كنت على الزهر تنام ٨ - إلى الله أشكو أن في النفس حاجة ... تمرّ بها الأيام وهي كما هيا ... فإذا تأملنا هذه الأمثلة رأينا أن كل مثال منها يفيد تخصيص أمر بآخر. فالمثال الأول يفيد تخصيص علم الغيب بالله، وعلى هذا فعلم الغيب خاص بالله لا يتعداه إلى سواه. والمثال الثاني يفيد تخصيص العرب بالوفاء، بمعنى أن العرب مقصورون على الوفاء لا يفارقونه إلى غيره من الصفات. والمثال الثالث يفيد تخصيص صداقة الجاهل بالتعب، بمعنى أن صداقة الجاهل وقف على التعب لا تجاوزه إلى الراحة. والمثال الرابع يفيد تخصيص صفة الإجادة بالشعر، فالإجادة خاصة بالشعر لا تتجاوزه إلى الخطابة أو غيرها. والمثال الخامس يفيد تخصيص وضع الإحسان في غير موضعه بالظلم، فوضع الإحسان في غير موضعه مقصور على الظلم لا يتعداه إلى سواه. والمثال السادس يفيد تخصيص إعطاء الشهيد بحياته، فإعطاء الشهيد خاص بحياته لا يجاوزها إلى غيرها. والمثال السابع يفيد تخصيص المخاطب بالنوم على صدر الصخور، فالمخاطب خاص بالنوم على صدر الصخور لا يتعداه إلى أية صفة أخرى. والمثال الثامن والأخير يفيد تخصيص الشكوى بالله، فالشكوى مقصورة على الله لا تتجاوزه إلى سواه. ... وإذا شئنا معرفة سبب هذا التخصيص في الأمثلة السابقة فإن الأمر يستأدينا ويتطلب منا أن نعود إلى الأمثلة مرة أخرى بحثا عن السبب.

стр. 142

فإذا حذفنا من المثال الأول أداة النفي والاستثناء «لا وإلا» وجدنا أن التخصيص قد زال منه، وكأنه لم يكن. إذن النفي والاستفهام هما وسيلة التخصيص فيه. وإذا حذفنا من المثال الثاني «إنما» وجدنا أن التخصيص قد زال منه، وعلى هذا فوسيلة التخصيص فيه هي لفظة «إنما». وإذا حذفنا من المثال الثالث أداة العطف «لا» وجدنا أن التخصيص قد فارقه، وهذا يعني أن أداة العطف «لا» وسيلة التخصيص فيه. وإذا حذفنا من المثال الرابع أداة العطف «لكن» ومن المثال الخامس أداة العطف «بل» فإننا نجد أن التخصيص في كلا المثالين قد زال. إذن أداة العطف «لكن» هي وسيلة التخصيص في المثال الرابع، وأداة العطف «بل» هي وسيلة التخصيص في المثال الخامس. وفي المثال السادس نلاحظ أن المفعول به مقدم على فعله فإذا قدمنا الفعل عليه وقلنا: «وأعطى الشهيد حياته لقومه» وجدنا أن التخصيص في هذا المثال قد زال. إذن تقديم المفعول على فعله أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه. وفي المثال السابع نلاحظ كذلك أن الخبر مقدم على المبتدأ، فإذا قدمنا المبتدأ عليه وقلنا: «أنت نائم على صدر الصخور» وجدنا التخصيص قد فارق هذا المثال. ومن هذا يفهم أن تقديم الخبر على المبتدأ، أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه. وفي المثال الثامن والأخير نلاحظ أن الجار والمجرور مقدمان على فعلهما، فإذا قدمنا الفعل عليهما وقلنا: «أشكو إلى الله» وجدنا التخصيص قد زال منه وكأنه لم يكن. إذن فتقديم الجار والمجرور على فعلهما، أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه. من كل ما تقدم نستطيع الآن أن ندرك أن وسائل التخصيص في

стр. 143

الأمثلة السابقة هي: النفي والاستثناء، وإنما، والعطف بلا، أو لكن، أو بل، أو تقديم ما حقه التأخير. وعلماء المعاني يطلقون على التخصيص المستفاد من هذه الوسائل اسم «القصر»، كما يطلقون على الوسائل ذاتها اسم «طرق القصر». ... وإذا رجعنا إلى الأمثلة السابقة مرة ثالثة وبحثنا فيها مثالا مثالا، وجدنا في المثال الأول أن علم الغيب مقصور، ولفظ الجلالة مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كان علم الغيب صفة من الصفات، ولفظ الجلالة «الله» هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر. وفي المثال الثاني قصر العرب على الوفاء، فالعرب مقصورون والوفاء مقصور عليهم وهما «طرفا القصر» ولما كان العرب موصوفين والوفاء صفة لهم، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة»، بمعنى أن الموصوف لا يفارق صفة الوفاء إلى أي صفة أخرى. وفي المثال الثالث قصرت صداقة الجاهل على التعب، فصداقة الجاهل مقصورة والتعب مقصور عليها، وهما «طرفا القصر». ولما كانت صداقة الجاهل موصوفة والتعب صفة لها، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة» أيضا، بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة التعب إلى صفة أخرى كالراحة مثلا. وفي المثال الرابع قصرت الإجادة على الشعر، فالإجادة مقصورة والشعر مقصور عليه، وهما «طرفا القصر»، ولما كانت الإجادة صفة من الصفات، والشعر هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى. وفي المثال الخامس قصر وضع الإحسان في غير موضعه على الظلم،

стр. 144

فوضع الإحسان في غير موضعه مقصور والظلم مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كان وضع الإحسان في غير موضعه موصوفا والظلم صفة له، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة» بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة الظلم، وإن كانت هي تتعداه إلى موصوفين آخرين. وفي المثال السادس قصر إعطاء الشهيد لقومه على حياته، فإعطاء الشهيد لقومه مقصور وحياته مقصور عليها، وهما «طرفا القصر»، ولما كان إعطاء الشهيد لقومه صفة من الصفات، وحياته هي الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف» بمعنى أن هذه الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى. وفي المثال السابع قصر المخاطب «أنت» على «نائم على صدر الصخور»، فأنت مقصور، ونائم على صدر الصخور مقصور عليه، وهما «طرفا القصر» ولما كان «أنت» موصوف والنوم على صدر الصخور صفة له كان القصر هنا قصر «موصوف على صفة»، بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة النوم على صدر الصخور، وإن كانت هذه الصفة تتعداه إلى موصوفين آخرين. وفي المثال الاخير قصرت الشكوى على لفظ الجلالة «الله»، فالشكوى مقصورة ولفظ الجلالة مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كانت الشكوى صفة من الصفات، ولفظ الجلالة هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن هذه الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى. مما تقدم يتضح أن أسلوب القصر يشتمل على مقصور ومقصور عليه. وأن القصر لا يخلو من حالة من الحالتين السابقتين. فهو إما قصر صفة على موصوف، وإما قصر موصوف على صفة. وهذا الكلام ينطبق على الأمثلة السابقة ونظائرها، ولعل في القواعد التالية والمستنبطة من الشرح السابق ما يعين على معرفة كل من المقصور والمقصور عليه، وطرق القصر،

стр. 145

وطرفيه في أساليب القصر المختلفة. ١ - القصر في اصطلاح علماء المعاني: تخصيص شيء بشيء أو أمر بآخر بطريق مخصوص. ٢ - للقصر أربع طرق يؤدى بها، هي: أ- النفي والاستثناء، وفي هذه الحالة يكون المقصور عليه ما بعد أداة الاستثناء. ب- إنما: ويكون المقصور عليه معها مؤخرا وجوبا. ج- العطف بلا، أو لكن، أو بل: فإن كان العطف ب «لا» كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها، وإن كان العطف ب «لكن» و «بل» كان المقصور عليه ما بعدهما. د- تقديم ما حقه التأخير، وهنا يكون المقصور عليه هو المقدم. ...

стр. 146

أقسام القصر يقسم البلاغيون القصر إلى ثلاثة أقسام: قصر حقيقي وإضافي. قصر باعتبار الطرفين. قصر باعتبار حال المخاطب. ... القصر الحقيقي والإضافي فالقصر باعتبار الحقيقة والواقع ينقسم إلى: أ- حقيقي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الحقيقة والواقع بألا يتعداه إلى غيره أصلا. ب- إضافي: وهو ما كان الاختصاص فيه بحسب الإضافة إلى شيء معين. ولبيان ذلك نورد فيما يلي طائفة من الأمثلة ثم نعقب عليها بالشرح والمناقشة توضيحا لهذين النوعين من القصر وتوصلا إلى معرفة حقيقة كل منهما. الأمثلة: ١ - قال تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*.

стр. 147

٢ - وقال تعالى: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. ٣ - وما قلت إلا الحق فيك ولم تزل ... على منهج من سنة المجد لاجب (١) ٤ - قال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟. ٥ - برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادى ينفد العمر ٦ - إنما يدوم السرور برؤية الإخوان. ... إذا تأملنا المثال الأول وجدنا القصر فيه من باب قصر الصفة على الموصوف، وإذا تدبرنا الصفة فيه وجدنا أنها لا تتعدى موصوفها إلى موصوف آخر مطلقا. فالتذكر صفة لا تتجاوز أولي الألباب إلى غيرهم من سائر الناس في الحقيقة والواقع. وطريق القصر هنا هو «إنما». وإذا تأملنا المثال الثاني وجدناه يشتمل على ثلاثة من أساليب القصر: الأول «وما توفيقي إلا بالله» والثاني «عليه توكلت» والثالث «وإليه أنيب»، وأن القصر في كل منها هو قصر صفة على موصوف. وإذا نظرنا إلى الصفة في كل قصر رأينا أنها لا تفارق موصوفها إلى موصوف آخر البتة. فالتوفيق صفة لا تتعدى المولى إلى سواه، وكذلك كل من التوكل والإنابة صفة لا تتجاوز موصوفها وهو الله إلى موصوف آخر مطلقا. وطرق القصر في هذا المثال هي: النفي والاستثناء في الأسلوب الأول، وتقديم ما حقه التأخير «الجار والمجرور» في الأسلوبين الآخرين. والقصر في المثال الثالث هو «وما قلت إلا الحق»، وهو قصر صفة على موصوف، وإذا تدبرنا الصفة فيه وجدنا أنها لا تتعدى موصوفها إلى

стр. 148

غيره أصلا. فالقول صفة لا تتجاوز موصوفها «الحق» إلى غيره من سائر الموصوفات. والقصر في المثال الثالث هو «وما قلت إلا الحق»، وهو قصر صفة على موصوف، وإذا تدبرنا الصفة فيه وجدنا أنها لا تتعدى موصوفها إلى غيره أصلا. فالقول صفة لا تتجاوز موصوفها «الحق» إلى غيره من سائر الموصوفات. فالقصر في هذه الأمثلة الثلاثة يسمى «قصرا حقيقيا» وكذلك كل قصر يختص فيه المقصور عليه اختصاصا منظورا فيه إلى الحقيقة والواقع بألا يتعداه إلى غيره أصلا. ومن مناقشة الأمثلة السابقة يلاحظ أن القصر فيها جميعا كان قصر صفة على موصوف. وهذا يعني أن القصر الحقيقي يكون في قصر الصفة على الموصوف، ولا يكاد يوجد في قصر الموصوف على الصفة. ... وإذا نظرنا إلى أسلوب القصر في المثال الرابع وهو قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ وجدناه من باب قصر الموصوف على الصفة، وإذا تدبرنا المقصور هنا وهو «محمد» وجدناه مختصا بالمقصور عليه بالإضافة، أي بالنسبة إلى شيء معين لا إلى جميع ما عداه. فليس المقصود هنا أن «محمدا» مقصور على «الرسالة» وحدها بحيث لا يتعداها إلى شيء آخر، لأن الحقيقة والواقع خلاف ذلك، وإنما المقصود أنه مقصور على الرسالة بالإضافة إلى شيء آخر معين كالشعر مثلا. وفي المثال الخامس قصران: الأول «برجاء جودك يطرد الفقر» والثاني «وبأن تعادى ينفد العمر»، وكلاهما من باب قصر الصفة على الموصوف. وإذا تأملنا المقصور في كل منهما وجدناه مختصا بالمقصور عليه بالإضافة، أي النسبة إلى شيء معين لا إلى جميع ما عداه. ففي أسلوب القصر الأول هنا قصد قصر صفة طرد الفقر على رجاء

стр. 149

جود الممدوح بالإضافة أو النسبة إلى شيء آخر معين كرجاء عطفه مثلا. وفي أسلوب القصر الثاني قصد قصر صفة نفاد العمر على معاداة الممدوح بالإضافة أو النسبة إلى معاداة شخص آخر غيره. وإذا تأملنا المثال السادس وجدنا القصر فيه من باب قصر الصفة على الموصوف. فالمقصور فيه مختص بالمقصور عليه بالإضافة، أي النسبة إلى شيء معين لا إلى جميع ما عداه. فالمقصود هنا هو قصر صفة دوام السرور على رؤية الإخوان بالإضافة إلى رؤية الأعداء مثلا. ولا ينافي هذا أن يدوم السرور برؤية الأهل أو غيرهم. فالقصر في المثال الرابع والخامس والسادس يسمى «قصرا إضافيا» وكذلك كل قصر يكون التخصيص فيه بالإضافة إلى شيء آخر. وذلك بطبيعة الحال في مقابل «القصر الحقيقي» الذي يختص فيه المقصور بالمقصور عليه اختصاصا ينظر فيه إلى الحقيقة والواقع، بمعنى أنه لا يتعداه إلى غيره أصلا. وقد لاحظنا من أمثلة القصر الإضافي أنه يأتي في كل من قصر الصفة على الموصوف وقصر الموصوف على الصفة. وهذا كما ذكرنا من قبل بعكس «القصر الحقيقي» الذي يقع في قصر الصفة على الموصوف ولا يكاد يوجد في قصر الموصوف على الصفة. كذلك لاحظنا أن «طرق القصر» في أمثلة القصر الإضافي هي: النفي والاستثناء في المثال الرابع، وتقديم ما حقه التأخير في المثال الخامس، و «إنما» في المثال السادس والأخير. ...

стр. 150

القصر باعتبار طرفيه والقصر مطلقا: حقيقيا كان أو إضافيا، ينقسم باعتبار طرفيه قسمين: قصر موصوف على صفة. وقصر صفة على موصوف. فقصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا هو ما لا يتعدى فيه الموصوف تلك الصفة إلى أي صفة أخرى. وقد سبق أن ذكرنا أن هذا النوع من القصر لا يكاد يوجد، وذلك لأن أي موصوف له من الصفات ما يتعذر الإحاطة بها، ولهذا من المحال إثبات صفة واحدة للموصوف وقصره عليها ونفي ما عداها من صفاته الأخرى نفيا شاملا. وقصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا: هو ما لا تتجاوز فيه الصفة ذلك الموصوف إلى أي شيء آخر. وذلك كالأمثلة التي سبق إيرادها ومناقشتها، وكقولنا: «لم يبن الأهرام إلا المصريون»، فالقصر هنا قصر صفة على موصوف قصرا حقيقيا، قصرا يراد به أن صفة بناء الأهرام مقصورة على المصريين لم تتجاوزهم إلى سواهم من الناس. وقصر الموصوف على الصفة قصرا إضافيا: هو ما لا يتعدى فيه المصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى معينة، وإن كانت الصفة تتجاوزه إلى غيره.

стр. 151

ومن الأمثلة لذلك بالإضافة إلى الأمثلة السابقة قولنا: «ما المتنبي إلا شاعر»، فقد قصر المتنبي على صفة الشاعرية لا يتجاوزها إلى غيرها من الصفات كالخطابة والكتابة، وإن كانت صفة «الشاعرية» تتجاوز المتنبي إلى غيره من الناس. وقصر الصفة على الموصوف قصرا إضافيا هو: ما لا تتجاوز فيه الصفة الموصوف إلى غيره من الموصوفات أو الموصوفين وإن كان هو يتجاوزها إلى صفات أخرى. ومن أمثلة ذلك «لا يتحمل الشدائد إلا الأقوياء» ففي هذا القصر الإضافي قصرت صفة تحمل الشدائد على الأقوياء بمعنى أنها لا تتجاوز الأقوياء إلى غيرهم، وإن كان الموصوف يتجاوزها إلى غيرها من الصفات. وكما يقول الخطيب القزويني ليس المراد بالصفة في باب القصر النعت النحوي، وهو التابع الذي يدل على معنى في متبوعه، وإنما يراد بها ما يقابل الذات، وهو المعنى الذي يقوم بغيره سواء دل عليه بالوصف نحو «عادل» من قولك: «ما عمر إلا عادل» أو دل عليه بغير الوصف كالفعل نحو قولك: «ما عمر إلا يعدل». والمراد بالموصوف في باب القصر كل ما يقوم به غيره، والغالب أن يكون دالا على ذات كما أوضحنا في الأمثلة السابقة. ومن غير الغالب قد يدل الموصوف في نفسه على معنى قائم بغيره، نحو: ما خدمة العلم إلا عبادة. فقد قصرت خدمة العلم على العبادة قصر موصوف على صفة مع أن خدمة العلم وهي المقصور تدل في نفسها على معنى قائم بغيره. ...

стр. 152

القصر باعتبار حال المخاطبة وهذا القسم خاص بالقصر الإضافي فقط. وبيان ذلك أن القصر الإضافي ينقسم باعتبار حال المخاطب إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد، وقصر قلب، وقصر تعيين. أ- فإذا اعتقد المخاطب الشركة في الحكم بين المقصور عليه وغيره، فهذا «قصر إفراد». ب- وإذا اعتقد المخاطب عكس الحكم الذي تثبته بالقصر، فهذا «قصر قلب». ج- وإذا كان المخاطب مترددا في الحكم بين المقصور عليه وغيره، فهذا «قصر تعيين». فإذا قلت في قصر الصفة على الموصوف: «الكريم محمد لا علي» وكان المخاطب يعتقد اشتراك محمد وعلي في صفة الكرم كان القصر «قصر إفراد». وإذا كان المخاطب يعتقد عكس ما تقول كان القصر «قصر قلب». وإذا كان المخاطب مترددا لا يدري أيهما الكريم كان القصر «قصر تعيين». وإذا قلت في قصر الموصوف على الصفة: «ما أحمد إلا تاجر» وكان المخاطب يعتقد اتصاف أحمد بالتجارة والزرعة كان القصر «قصر إفراد».

стр. 153

وإذا كان المخاطب يعتقدا اتصاف أحمد بالزراعة لا التجارة، كان القصر «قصر قلب». وإذا كان المخاطب مترددا لا يدري أي الصفتين هي صفة أحمد، كان القصر «قصر تعيين». ... على ضوء ما تقدم نورد جملتي القصر التاليتين ثم نعرض لهما بالتحليل لبيان أيهما أبلغ. إنما يجيد السباحة حسين. إنما حسين يجيد السباحة. فالجملة الأولى تفيد أن حسينا وحده هو الذي يجيد السباحة ولا يشاركه غيره في هذه الصفة، وهذا لا يمنع أن يتصف حسين بصفات أخرى كركوب الخيل ولعب الكرة والصيد والتجذيف مثلا. أما الجملة الثانية فتفيد أن حسينا يجيد السباحة وحدها ولا يجيد غيرها من الأعمال، وهذا لا يمنع أن يكون هناك من يشارك حسينا في إجادة السباحة. من هذا التحليل يتضح أن الجملة الأولى أبلغ في مدح حسين من ناحيتين: فهي من ناحية تفيد أنه متفرد بإجادة السباحة لا يشاركه غيره في هذه الصفة، ومن ناحية أخرى لا تنفي أن لحسين أعمالا أخرى يجيدها. ***

стр. 154

الفصل والوصل من أسرار البلاغة العلم بمواطن الوصل والفصل في الكلام، أو بعبارة أخرى العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها، والإتيان بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى. وإدراك مواطن الوصل والفصل في الكلام لا تتأتى إلا للعرب الخلّص لأن اللغة لغتهم وهم ينطقون بها عن سليقة، كما لا تتأتى إلا لمن طبعوا على البلاغة وأوتوا حظا من المعرفة في ذوق الكلام. وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال: «البلاغة معرفة الفصل من الوصل»، وذاك لغموض هذا الباب ودقة مسلكه، ولأن من يكمل له إحراز الفضيلة فيه يكمل له إحراز سائر معاني البلاغة. «والوصل» يعني عند علماء المعاني عطف جملة على أخرى «بالواو» فقط من دون سائر حروف العطف الأخرى، كقول المتنبي: أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب (١) ويقصد علما المعاني «بالفصل» ترك هذا العطف، كقول الشاعر:

стр. 155

عادة الأيام لا أنكرها ... فرح تقرنه لي بترح وقد قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب على البحث في عطف الجمل «بالواو» دون بقية حروف العطف كما أشرت سابقا، لأن «الواو» هي الأداة التي تخفى الحاجة إليها ويتطلب فهم العطف بها دقة في الإدراك. وسبب ذلك أنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك، أما غيرها من أحرف العطف فتفيد مع الاشتراك معاني زائدة كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في «ثم» وهلم جرا. فإذا عطفت بواحد منها ظهرت الفائدة وسهل إدراك موطنها. وبعد ... فلكل من الفصل والوصل بالواو في الكلام مواضع خاصة تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام. والآن نعرض بالشرح والتفصيل لهذه المواضع بادئين بالفصل. مواضع الفصل يجب الفصل في ثلاثة مواضع: ١ - أن يكون بين الجملتين اتحاد تام، وذلك بأن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، أو بيانا لها، أو بدلا منها. ويقال حينئذ إن بين الجملتين «كمال الاتصال». أ- فمن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية توكيدا للجملة الأولى قول الشاعر: يهوى الثناء مبرّز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان فالبيت هنا يشتمل على جملتين، وإذا تأملناهما وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «حب الثناء طبيعة الإنسان». لم تجيء إلا توكيدا للأولى وهي جملة «يهوى الثناء مبرز ومقصر»، فإن معنى الجملتين واحد. ومن أمثلة هذا النوع أيضا قول المتنبي:

стр. 156

وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا فإذا تدبرنا جملتي البيت وجدنا بينهما كذلك اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا» لم تجيء في الواقع إلا توكيدا للجملة الأولى وهي «وما الدهر إلا من رواة قصائدي» لأن معنى الجملتين واحد. ب- ومن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية بيانا للجملة الأولى قول الشاعر: كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي فإذا تدبرنا جملتي البيت وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «تروح له بالواعظات وتغتدي» لم تجيء في الواقع إلا لإيضاح إبهام جملة «كفى زاجرا للمرء أيام دهره» فهي بيان لها. ومن أمثلة هذا النوع كذلك قول الشاعر: الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم فإذا تأملنا جملتي هذا البيت وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم» لم تأت إلا لإيضاح إبهام الأولى وهي «الناس للناس من بدو وحاضرة» فهي بيان لها. ج- ومن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية بدلا من الجملة الأولى قوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. فالتأمل في الآية الكريمة يظهر أن بين جملة أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ وجملة أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ كمال الاتصال، ذلك لأن الجملة الثانية بدل بعض من كل من الجملة الأولى، إذ الأنعام والبنون والجنات والعيون بعض ما يعلمون. ومن أمثلة هذا النوع أيضا قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ

стр. 157

يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ. فالجملة الثانية هنا وهي يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بدل بعض من كل من الأولى لأن تذبيح الأبناء بعض ما يسومونهم ويحمّلونهم إياه من سوء العذاب. فالجملة الثانية في كل مثال من الأمثلة السابقة مفصولة عن الجملة الأولى، ولا سبب لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام التآلف وكمال الاتحاد. ومن أجل ذلك يقال إن بين الجملتين «كمال الاتصال». ... ٢ - والموضع الثاني من المواضع التي يجب فيها الفصل بين الجمل هو: أن يكون بين الجملتين «تباين تام»، وذلك بأن تختلفا خبرا وإنشاء، أو بألا تكون بينهما مناسبة ما، ويقال حينئذ إن بين الجملتين «كمال الانقطاع». أ- فمن الأمثلة التي يجب فيها الفصل بين الجملتين لاختلافهما خبرا وإنشاء قول الشاعر: لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فبين الجملة الثانية والأولى في هذا البيت تمام التباين وغاية الابتعاد، لاختلافهما خبرا وإنشاء، وذلك لأن الجملة الأولى إنشائية والثانية خبرية، ومن أجل ذلك تعين الفصل بينهما. ومن أمثلة هذا النوع أيضا قول الشاعر: لست مستمطرا لقبرك غيثا ... كيف يظمأ وقد تضمن بحرا؟ فالجملة الأولى هنا خبرية والثانية إنشائية، فبينهما تمام التباين ومنتهى الابتعاد، ولهذا تعين الفصل بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء. ب- ومن الأمثلة التي يجب فيها الفصل بين الجملتين لعدم وجود مناسبة بينهما قول القائل: «كفى بالشيب داء صلاح الإنسان حفظ الوداد» فبين الجملتين كما ترى تباين تام، إذ لا مناسبة بينهما في المعنى.

стр. 158

وهذا الحكم ينطبق على كل جملتين لا تكون بينهما مناسبة ما كقولك: «السماء ممطرة عليّ يغدو إلى عمله مبكرا»، وكقول الشاعر: وإنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه (١) فبين الجملة الثانية هنا والجملة الأولى تمام التباين ومنتهى الابتعاد، لأنه لا مناسبة بينهما مطلقا، إذ لا رابطة في المعنى بين قوله: «وإنما المرء بأصغريه» وقوله: «كل امرئ رهن بما لديه» ففي جميع هذه الأمثلة والأمثلة التي تختلف فيها الجملتان خبرا وإنشاء نجد الجملة الثانية مفصولة عن الجملة الأولى، ولا سر لذلك إلا كمال التباين وشدة التباعد، ولذلك يقال في هذا الموضع من مواضع الفصل إن بين الجملتين «كمال الانقطاع». ... ٣ - والموضع الثالث من المواضع التي يجب فيها الفصل بين الجملتين هو أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الأولى، ويقال حينئذ إن بين الجملتين «شبه كمال الاتصال». ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ (٢)، ففي هذه الآية الكريمة فصلت جملة قالُوا لا تَخَفْ عن جملة وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً لأن بينهما شبه كمال الاتصال، إذ الثانية جواب لسؤال يفهم من الأولى، كأن سائلا سأل: فماذا قالوا له حين رأوه قد أحس منهم خوفا؟ فأجيب «قالوا لا تخف». ومن أمثلة هذا النوع من الفصل أيضا قول الشاعر: يقولون إني أحمل الضيم عندهم ... أعوذ بربي أن يضام نظيري (٣)

стр. 159

فبين جملة «أعوذ بربي أن يضام نظيري» وجملة «يقولون إني أحمل الضيم عندهم» شبه كمال الاتصال، لأن الثانية جواب عن سؤال نشأ من الأولى، فكأن الشاعر بعد أن أتى بالشطر الأولى من البيت أحس أن سائلا يقول له: «وهل ما يقولونه من أنك تتحمل الضيم صحيح؟» فأجاب بالشطر الثاني. ففي هذين المثالين نرى أن الجملة الثانية في كليهما مفصولة من الأولى، ولا سبب لهذا الفصل إلا قوة الرابطة المعنوية بين الجملتين، فإن الجواب شديد الارتباط بالسؤال، فأشبهت الحال هنا من بعض الوجوه حال «كمال الاتصال» السابقة الذكر. ومن أجل ذلك يقال إن بين الجملتين «شبه كمال الاتصال». ... تلك هي مواضع الفصل الثلاثة بين الجمل في الكلام، وفيما يلي تجميع للقواعد التي تحكمها. أ- الوصل عطف جملة على أخرى بالواو، والفصل ترك هذا العطف. ب- يجب الفصل بين الجملتين في ثلاثة مواضع: ١ - أن يكون بين الجملتين اتحاد تام، وذلك بأن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، أو بيانا لها، أو بدلا منها. وفي هذه الأحوال الثلاثة يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «كمال الاتصال». ٢ - أن يكون بين الجملتين تباين تام، وذلك بأن يختلفا خبرا وإنشاء، أو بألا تكون بينهما أي مناسبة معنوية. وفي هاتين الحالتين يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «كمال الانقطاع». ٣ - أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الأولى. وفي هذه الحالة يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «شبه كمال الاتصال».

стр. 160

وفيما يلي طائفة أخرى من أمثلة الفصل يستطيع الدارس أن يتبين مواضعها وموجبات الفصل فيها على ضوء الشرح السابق. ١ - قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بربهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. ٢ - وقال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ. ٣ - وقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. ٤ - وقال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً. ٥ - أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال ٦ - أعلمت من حملوا على الأعواد؟ ... أعلمت كيف خبا ضياء النادي؟ ٧ - الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني ٨ - حسب الخليلين نأي الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي (١) ٩ - يا من يقتّل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان ١٠ - لا يعجبنك إقبال يريك سنا ... إن الخمود لعمري غاية الضرم (٢) ١١ - لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر ١٢ - أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما ١٣ - قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل ١٤ - يا واردا سؤر عيش كلّه كدر ... أنفقت عمرك في أيامك الأول (٣) ١٥ - إن نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي (٤)

стр. 161

١٦ - لا الدمع غاض ولا فؤادك سال ... دخل الحمام عرينة الرئبال (١) ١٧ - وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغى عليه ثواب ١٨ - ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب (٢) ١٩ - من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام ٢٠ - لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... السيل حرب للمكان العالي ٢١ - بعيد عن الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد ٢٢ - زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي ٢٣ - ونحن أناس لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر مواضع الوصل ويجب الوصل بين الجملتين في ثلاثة مواضع أيضا: أ- إذا قصد إشراك الجملتين في الحكم الإعرابي. وتفصيل ذلك أنه إذا أتت جملة بعد جملة وكان للأولى محمل من الإعراب وقصد تشريك الثانية لها في هذا الحكم فإنه يتعين في هذه الحالة عطف الثانية على الأولى بالواو، تماما كما يعطف مفرد على مفرد بالواو لاشتراكهما في حكم إعرابي واحد. وفيما يلي طائفة من الأمثلة لهذا الموضع من مواضع الوصل: ١ - أنت أيقظتني وأطلعت عيني ... على عالم من السر أخفى ٢ - وما زلت مذ كنت تولي الجميل ... وتحمي الحريم وترعى النسب ٣ - وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب (٣) ٤ - وأبطأ عني والمنايا سريعة ... وللموت ظفر قد أطلّ وناب

стр. 162

تأمل في البيت الأول الجملتين «أيقظتني» و «أطلعت عيني على عالم من السر أخفى» تجد أن للجملة الأولى موضعا من الإعراب لأنها خبر للمبتدأ قبلها، وأن الشاعر أراد إشراك الثانية لها في هذا الحكم الإعرابي، أي أراد أن تكون خبرا ثانيا للمبتدأ، ولهذا تعين عطف الثانية على الأولى بواو العطف. وإذا تأملت الجملتين «تولي الجميل» و «تحمي الحريم» في البيت الثاني وجدت أن للأولى موضعا من الإعراب، لأنها خبر للفعل الناسخ «ما زال» وأن الشاعر أراد هنا أيضا إشراك الثانية وهي «تحمي الحريم» للأولى في حكمها الإعرابي، أي أراد أن تكون خبرا ثانيا للفعل «ما زال»، ومن أجل ذلك تعين وصل الجملة الثانية بالأولى بواو العطف. وإذا تدبرنا الجملتين «لا يناله نديم» و «لا يفضي إليه شراب» في البيت الثالث وجدنا أن للأولى موضعا من الإعراب لأنها صفة للنكرة قبلها وهي كلمة «موضع»، وأن الشاعر أراد إشراك الثانية لها في هذا الحكم الإعرابي، ولهذا وصلها بها أو عطفها عليها بالواو. وإذا تدبرنا الجملتين «والمنايا سريعة» و «للموت ظفر قد أطل وناب» في البيت الرابع والأخير وجدنا أن للأولى منهما موضعا من الإعراب، لأنها تقع في موضع حال من فاعل «أبطأ»، وأن الشاعر أراد إشراك الجملة الثانية لها في هذا الحكم الإعرابي، ولهذا وصلها بها بحرف العطف الواو. وكذلك يجب الوصل بين كل جملتين على هذا النحو، أي بين كل جملتين قصد إشراكهما في حكم إعرابي واحد. ... ب- ويجب الوصل بين الجملتين إذا اتفقتا خبرا أو إنشاء، وكانت بينهما جهة جامعة، أي مناسبة تامة، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما. وفيما يلي طائفة من أمثلة هذا الموضع الثاني من مواضع الوصل:

стр. 163

١ - قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. ٢ - ديارهمو انتزعناها انتزاعا ... وأرضهمو اغتصبناها اغتصابا ٣ - وما كل فعّال يجازى بفعله ... ولا كل قوّال لديّ يجاب ٤ - فلا تترك الأعداء حولي ليفرحوا ... ولا تقطع التسآل عني وتقعد ٥ - فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب ٦ - وما أنس دار ليس فيها مؤانس؟ ... وما قرب قوم ليس فيهم مقارب؟ ... ففي الأمثلة الثلاثة الأولى هنا اشتمل كل مثال منها على جملتين متحدتين خبرا متناسبتين في المعنى وليس هناك من سبب يقتضي الفصل، ولذلك عطفت الجملة الثانية على الأولى في كل منها بواو العطف. وفي الأمثلة الأخيرة اشتمل كل واحد منها على جملتين متحدتين إنشاء متناسبتين معنى، وليس هناك من سبب أيضا يقتضي الفصل، ولذلك عطفت الثانية على الأولى. وهكذا يجب الوصل بين كل جملتين اتحدتا خبرا أو إنشاء، وتناسبتا في المعنى، ولم يكن هناك مانع من العطف. ... ج- ويجب الوصل بين الجملتين إذا اختلفتا خبرا وإنشاء وأوهم الفصل خلاف المقصود. وهذا هو الموضع الثالث من مواضع الوصل. وتتمثل شواهد هذا النوع من الوصل في الإجابة بالنفي على سؤال أداته «هل» أو «همزة التصديق» مع التعقيب على جملة الجواب المنفي بجملة دعائية. ومن أمثلة ذلك: ١ - لا ولطف الله به. تقول ذلك في جواب من سألك: هل تحسنت صحة صديقك؟. ٢ - لا وحفظك الله. تقول ذلك في جواب من سألك: ألك حاجة أقضيها لك؟.

стр. 164

ف «لا» في هذا الموضع قائمة مقام جملة خبرية تقديرها في المثال الأولى «لم تتحسن صحته» وتقديرها في المثال الثاني «لا حاجة لي»، وكل من جملتي «لطف الله به» و «حفظك الله» جملة دعائية إنشائية. وقد كان الأمر يقتضي هنا الفصل بين الجملتين لاختلافهما خبرا وإنشاء، فيقال في المثال الأول «لا لطف الله به» وفي الثاني «لا حفظك الله». ولكن الفصل على هذه الصورة يجعل السامع يتوهم أنك تدعو عليه في حين أنك تقصد الدعاء له. ولذلك وجب العدول هنا عن الفصل إلى الوصل. وكذلك الحال في كل جملتين اختلفتا خبرا وإنشاء وكان العطف بينهما يوهم خلاف المقصود. وفيما يلي تلخيص وتجميع للقواعد التي تحكم مواضع الوصل: يجب الوصل بين الجملتين في ثلاثة مواضع: الأول- إذا قصد إشراك الجملتين في الحكم الإعرابي. الثاني- إذا اتفقت الجملتان خبرا أو إنشاء، وكانت بينهما جهة جامعة، أي مناسبة (١) تامة، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما. الثالث- إذا اختلفت الجملتان خبرا وإنشاء، وأوهم الفصل خلاف المقصود. ... وفيما يلي طائفة أخرى من أمثلة الوصل يترك للدارس أمر التعرف إلى موضع الوصل في كل منها وموجبه. ١ - قال تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً. ٢ - وقال تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي. ٣ - رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي

стр. 165

الْآخِرِينَ. وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. ٤ - وقال أبو بكر ﵁: «أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم». ٥ - وشر عدويك الذي لا تحارب ... وخير خليليك الذي لا تناسب ٦ - سل عن شجاعتك وزره مسالما ... وحذار ثم حذار منه محاربا ٧ - وأسطو وحبي ثابت في قلوبهم ... وأحلم عن جهالهم وأهاب ٨ - ولست واجد شيء أنت عادمه ... ولست غائب شيء أنت حاضره ٩ - أعيا عليّ أخ وثقت بوده ... وأمنت في الحالات عقبى غدره ١٠ - تسائلني: من أنت؟ وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حاله نكر؟ ١١ - فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر ١٢ - لا وجعلني الله فداءك. ١٣ - لا وأيدك الله. ... محسنات الوصل وعيوبه من محسنات الوصل تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية، وتناسب الجملتين الفعليتين في المضي والمضارعة، وفي الإطلاق والتقييد إلا لمانع، كما في الأمثلة السابقة. ولهذا لا يحسن العدول عن ذلك في الوصل إلا لغرض. ومن هذه الأغراض أن يقصد التجدد في إحدى الجملتين والثبات في الأخرى، كقولك: أقام محمد وأخوه مسافر. هذا إذا أردت أن إقامة محمد تتجدد وسفر أخيه ثابت مستمر، لأن الدلالة على التجدد تكون بالجملة الفعلية، وعلى الثبات بالجملة الاسمية. ومن الأغراض أن يراد الإطلاق في إحدى الجملتين والتقييد في الأخرى كقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ

стр. 166

الْأَمْرُ. فالجملة الأولى هي: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ مطلقة، والجملة الثانية وهي: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ مقيدة، لأن الشرط «لو» مقيد للجواب فقضاء الأمر، أي قضاؤه بهلاكهم، مقيد بإنزال الملك. ومن عيوب الوصل انعدام المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، كقول أبي تمام: لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم وإنما كان العطف في هذا البيت معيبا لأنه لا مناسبة في المعنى بين المعطوف والمعطوف عليه، إذ لا علاقة إطلاقا بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين. ومن هذا القبيل أن يقال مثلا: علي تاجر وأحمد مريض فهذا العطف معيب قبيح، إذ لا مناسبة بين الجملتين ولا رابطة في المعنى بين تجارة علي ومرض أحمد. ولو قيل مثلا: علي طبيب وأحمد ممرض لصح العطف لوجود رابطة تجمع بين الجملتين، وهي هنا التماثل بين المسندين فيهما. ...

стр. 167

الإيجاز والإطناب والمساواة الإيجاز أشاد الجاهليون كثيرا بالإيجاز ودعوا إليه ومارسوه في أدبهم على اختلاف ألوانه. ولعل السر في اهتمامهم به راجع إلى ظروف مجتمعهم، فقد كان مجتمعا تشيع فيه الأمية وتندر فيه الكتابة، ولهذا كان عليهم أن يعتمدوا على ذاكرتهم من ناحية في الإبقاء على أدبهم الذي يصور حياتهم، وعلى تناقله عن طريق الرواية جيلا بعد جيل من ناحية أخرى. ولكن الذاكرة مهما كانت قوية فإنها لا تستطيع أن تستوعب كل ما يقال، ولا سيما إذا كان طويلا، وإذا استوعبت ما قدرت عليه من الكلام المسهب فإنها معرضة لنسيان بعضه بسبب طوله. من هنا ولهذه الاعتبارات، كما يبدو، كانت الحاجة إلى الإيجاز في القول أول الأمر كوسيلة لاستيعاب أكبر قدر ممكن من الأدب تستطيع الذاكرة أن تعيه من غير نسيان، وبذلك يتسنى للأجيال المتعاقبة أن تتناقله سليما غير منقوص. على ضوء ذلك يمكن القول بأن ما نرى لهم من كلام كثير في فضل الإيجاز والتنويه به واعتباره البلاغة الحقة كان نابعا في المحل الأول من حاجتهم إليه كأهم وسيلة للحفاظ على تراثهم العقلي. وقلما نظروا بمفهومه المتطور لدى رجال البلاغة المتأخرين، أي على أنه مطلب بلاغي في حد ذاته تستدعيه مقتضيات الكلام أحيانا.

стр. 168

وفي صدر الإسلام لم يتطور مفهوم الإيجاز كثيرا عما كان عليه في العصر الجاهلي. حقا لقد اقتضى الأمر تدوين الرسائل في الإسلام لأغراض شتى، ولكن ظروف المجتمعين الجديد والقديم كانت لا تزال متقاربة متشابهة من جهة قلة الكاتبين وندرة أدوات الكتابة، ولذلك ظل الإيجاز وسيلة أكثر منه غاية قائمة لذاتها. ثم شيئا فشيئا زاد الاهتمام بالكتابة وتفرغ لها طائفة من الأدباء يفتنون في طرقها وأساليبها، فكان ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة في تطور مفهوم الإيجاز والنظر إليه على أنه مطلب بلاغي في حد ذاته يتنافسون في الإبداع فيه حتى ود بعضهم لو كان الكلام كله توقيعات مصبوبة في قوالب من الإيجاز. ... فإذا أتينا إلى العصر العباسي فإننا نرى الجاحظ في القرن الثالث الهجري يحدد مفهوم الإيجاز بقوله: «الإيجاز هو الجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة (١)». ثم نراه فيما بعد يتوسع في مفهوم الإيجاز، فلم يعد يقصره على «جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة»، وإنما صار الإيجاز عنده بمعنى «أداء حاجة المعنى، سواء أكان ذلك الأداء في ألفاظ قليلة أم كثيرة»، فقد يطول الكلام وهو في رأيه إيجاز لأنه وقف عند منتهى البغية ولم يجاوز مقدار الحاجة (٢). فمقياس الإيجاز في نظره إذن هو أداء حاجة المعنى وعدم تجاوز مقدار هذه الحاجة أو النكوص عنها طال الكلام أم قصر. وعند أبي هلال العسكري يتمثل الإيجاز في ترديد رأي أصحابه القائل بأن «الإيجاز قصور البلاغة على الحقيقة، وما تجاوز مقدار الحاجة فهو

стр. 169

فضل داخل في باب الهذر والخطل، وهما من أعظم أدواء الكلام، وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصناعة (١)». وفي هذا الرأي نظر إلى رأي الجاحظ السابق وتأثر به. أما ابن رشيق فلم يورد للإيجاز تعريفا خاصا مكتفيا في ذلك بتعريف الرماني (٢) له وتقسيمه. أما تعريفه فقد قال ابن رشيق نقلا عن الرماني: «الإيجاز هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف». أما عن تقسيمه فقد قال ابن رشيق: «الإيجاز عند الرماني على ضربين: مطابق لفظه لمعناه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، كقولك: «سل أهل القرية»، وضرب آخر يسمونه «الاكتفاء»، وفيه يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب، كقولهم: «لو رأيت عليا بين الصفين»، أي: «لرأيت أمرا عظيما». ويعلق ابن رشيق على هذا الضرب من الإيجاز بقوله: «وإنما كان هذا معدودا من أنواع البلاغة لأن نفس السامع تتسع في الظن والحساب، وكل معلوم فهو هين لكونه محصورا (٣)». ... كذلك عرض ضياء الدين بن الأثير في كتابه «المثل السائر» للإيجاز فعرفه وقسمه وفصل القول فيه تفصيلا حسنا مع الإكثار من الأمثلة والشواهد. وقد عرف ابن الأثير الإيجاز مرة بقوله: «الإيجاز حذف زيادات الألفاظ» ومرة أخرى بقوله: «الإيجاز دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه». كما قسمه إلى إيجاز بالحذف وإيجاز بدون الحذف. أما الإيجاز بالحذف

стр. 170

عنده «فهو ما يحذف منه المفرد والجملة لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه». أما الإيجاز بدون حذف فيقسمه قسمين: أحدهما إيجاز «القصر» وهو ما زاد معناه على لفظه، والآخر إيجاز «التقدير» وهو ما ساوى لفظه معناه. وهذا القسم هو ما أطلق عليه رجال البلاغة فيما بعد اسم «المساواة» (١). وإذا تتبعنا «الإيجاز» عند غير هؤلاء الأدباء والبلغاء من أمثال السكاكي والقزويني وغيرهما فإننا نجد أن مفهومه، وإن اختلفت صيغ التعبير عنه، واحد وهو «جمع المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح». ... والإيجاز عند البلاغيين ضربان: [انواع الايجاز] أ- إيجاز قصر: وهو تقليل الألفاظ وتكثير المعاني. وقيل: هو تضمين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف. وقيل أيضا: هو الذي لا يمكن التعبير عن معانيه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدّتها. وهذا النوع، كما يقول ابن الأثير، هو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا نادرا. ومما ورد من إيجاز القصر في القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ، فإن قوله تعالى: الْقِصاصِ حَياةٌ لا يمكن التعبير عنه بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس. ويتبين فضل هذا الكلا إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل». فقد يخيل لمن لا يعلم أن هذا القول على وزن الآية الكريمة، وليس الأمر كذلك، بل بينهما فروق من ثلاثة أوجه: أحدها

стр. 171

أن «القصاص حياة» لفظتان، «والقتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ، والوجه الثاني أن في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية، والوجه الثالث أنه ليس كل قتل نافيا للقتل إلا إذا كان القتل على حكم القصاص. ومن أمثلة إيجاز القصر في القرآن الكريم أيضا، قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه. وقوله تعالى: وَالْفُلْكِ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ جمع أنواع التجارات، وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد والإحصاء. وقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأن في العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات والتبرؤ من كل قبيح، لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر. وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يفسد الدين. وقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فهذه الآية الكريمة تتضمن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة. وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، فدل بشيئين «الماء والمرعى» على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنار والملح والماء، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. والشاهد على أنه أراد ذلك كله قوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ*. ومما ورد من إيجاز القصر في أحاديث الرسول قوله ﵌: «كفى بالسلامة داء»، وقوله: «إنكم لتكثرون عند الطمع، وتقلون عند الفزع»،

стр. 172

وقوله: «حبك الشيء يعمي ويصم»، وقوله: «إن من البيان لسحرا»، وقوله: «ترك الشر صدقة»، وقوله: «نية المؤمن خير من عمله»، وقوله: «إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك». فقوله: «فليبن عليك» أي فليظهر أثره عليك بالصدقة والمعروف ودل على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل» أي اكسر من مالك وأعط، وقوله: «ولا تعجز عن نفسك» أي لا تجمع لغيرك وتبخل عن نفسك فلا تقدم خيرا. ومنه في كلام العرب قول أعرابي: «أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم، فالخير بهم زائد والمعروف لهم شاهد» أي يقون أعراضهم ويحمونها بأموالهم. وقول آخر: «أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك، واستحي من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك». وقيل لأعرابي يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله في يدي. فمعاني هذا الكلام- على حد قول أبي هلال العسكري- أكثر من ألفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحة ذلك فحلّها وابنها بناء آخر، فإنك تجدها تجيء في أضعاف هذه الألفاظ. ب- إيجاز حذف: وهو القسم الثاني للإيجاز، ويعرفه البلاغيون بقولهم: «هو ما يحذف منه كلمة أو جملة أو أكثر مع قرينة تعيّن المحذوف. ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه». وعن هذا النوع من الإيجاز يقول ابن الأثير: «أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم

стр. 173

تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبيّن ... (١)». ثم يستطرد في الكلام عن إيجاز الحذف فيقول: «والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ولا سبب. ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غث لا يناسب ما كان عليه من الطلاوة والحسن. ... ذكرنا آنفا أن الإيجاز إنما يكون بحذف كلمة أو جملة أو أكثر. وإذا تتبعنا المحذوف في هذا النوع من أساليب الإيجاز فإننا نجده يأتي على وجوه مختلفة منها: ١ - ما يكون المحذوف فيه حرفا: نحو قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً (٢) أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ فالمراد: «تالله لا تفتأ» أي لا تزال، فحذفت «لا» من الكلام وهي مرادة. وعلى هذا جاء قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت «لا» في هذا الموضع أيضا وهي مرادة. ومما جاء منه قول أبي محجن الثقفي لما نهاه سعد بن أبي وقاص عن شرب الخمر وهو إذ ذاك في قتال الفرس بموقعة القادسية:

стр. 174

رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما يريد: لا أشربها، فحذف «لا» من الكلام وهي مفهومة منه. ٢ - ما يكون المحذوف مضافا: نحو قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ (١) الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ، أي: اسأل أهل القرية وأصحاب العير. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، أي: من أثر حافر فرس الرسول. وقوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، أي: وجاهدوا في سبيل الله ... ٣ - ما يكون المحذوف موصوفا: نحو قوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، فإنه لم يرد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء وإنما يريد: آية مبصرة، فحذف الموصوف وهو «آية» وأقام الصفة مقامه. وأكثر وقوع حذف الموصوف في النداء وفي المصدر. أما النداء فنحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ أي: يا أيها الرجل الساحر، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ،* أي: يا أيها القوم الذين آمنوا. وأما المصدر فكقوله تعالى: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا ... ومما جاء منه في الشعر قول البحتري من أبيات يصف فيها التصاوير التي في إيوان كسرى، وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم فصوروا مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها، فمما ذكره البحتري في ذلك قوله: وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعت بين روم وفرس

стр. 175

والمنايا مواثل وأنو شر ... وان يزجي الصفوف تحت الدرفس (١) في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس (٢) فقوله «على أصفر»، أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال، لأنه لما قال: «على أصفر» علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر، كما أن «يختال» قرينة لفظية، لأن الاختيال من صفات الخيل الحسنة. ٤ - ما يكون المحذوف صفة: ولا يسوغ هذا الحذف إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها أو تأخر عنها أو فهم ذلك من شيء خارج عنها. أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها فنحو قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، فحذف الصفة، أي: كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. ويدل على المحذوف قوله: «فأردت أن أعيبها» فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب. فحذفت الصفة هنا لأنه تقدمها ما يدل عليها. وأما الصفة المحذوفة التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول يزيد بن الحكم الثقفي: كل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم (٣) يريد: كل امرئ متزوج، إذ دل عليه ما بعده من قوله: «ستئيم منه أو منها يئيم» إذ لا تئيم هي إلا من زوج، ولا يئيم هو إلا من زوجة. فجاء بعد الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك ما صح معنى البيت، إذ ليس كل

стр. 176

امرئ يئيم من عرس ولا تئيم منه عرس إلا إذا كان متزوجا. وأما ما يفهم منه حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام فقول النبي ﵌: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه قد علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث. فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، أي: لا صلاة أفضل أو أكمل لجار المسجد إلا في المسجد. وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ وإنما علم من شيء خارج عنه. ٥ - ما يكون المحذوف القسم أو جوابه: فأما حذف القسم فنحو قولك: «لأفعلن» أي: والله لأفعلن، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها. وأما حذف جواب القسم فنحو قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، فإن معناه: ق والقرآن المجيد لتبعثن. والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله تعالى: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ. وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا، كقوله تعالى في سورة النازعات: وَالنَّازِعاتِ (١) غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، فجواب القسم ههنا محذوف تقديره: لتبعثن أو لتحشرن. ويدل على ذلك ما أتى به من ذكر القيامة في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، وكذلك إلى آخر السورة.

стр. 177

٦ - ما يكون المحذوف لو وشرطها، أو جوابها فقط: وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها. فأما حذف لو وشرطها معا كقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إذن لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ تقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق ... وكذلك ورد قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذن لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ تقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون. ومما جاء من ذلك شعرا قول قريط بن أنيف: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا ف «لو» في البيت الثاني محذوفة لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: «لم تستبح إبلي»، ثم حذفها في الثاني وتقدير حذفها: إذ لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، أو إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن. وأما حذف جواب «لو» فكثير شائع نحو: «لو زرتنا أو لو ألممت بنا» معناه: لأحسنا إليك أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى. ومنه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أراد: لكان هذا القرآن. فحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب بأن الشرط المذكور لا بد له من جواب. ... هذا عن القسم الأول من أقسام إيجاز الحذف وهو حذف مفرد أو كلمة. وهذا النوع من الحذف يتصرف على أربعة عشر ضربا أتينا هنا على

стр. 178

ستة أضرب منها على سبيل المثال (١). أما القسم الثاني من أقسام إيجاز الحذف وهو حذف جملة أو أكثر، فمن أمثلته قوله تعالى في حكاية موسى ﵇ مع اب ابنتي شعيب: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا. فالمحذوف هنا جمل عدة، ونظم الكلام من غير حذف أن يقال: فذهبتا إلى أبيهما وقصتا عليه ما كان من أمر موسى، فأرسل إليه، فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ. ومن أمثلة الإيجاز بحذف أكثر من جملة أيضا قوله تعالى في قصة سليمان وقصة الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس: قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ .... فالمحذوف هنا أكثر من جملة ونظم الكلام من غير حذف أن يقال: فأخذ الهدهد الكتاب وذهب به إلى بلقيس فلما ألقاه إليها وقرأته قالت: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ... *. والمحذوف إذا كان كذلك دل عليه الكلام دلالة ظاهرة، لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف لدلالة الحاشيتين عليه. وبعد ... فلما كان سبب الإيجاز في جميع ما أوردناه هنا من أمثلة هو الحذف، سواء أكان حذف مفردات أو جمل، سمي «إيجاز حذف». وتلخيصا لقواعد الإيجاز التي فصلنا القول فيها نقول: ١ - الإيجاز: جمع المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح.

стр. 179

٢ - الإيجاز نوعان: أ- إيجاز قصر: ويكون بتضمين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف. ب- إيجاز حذف: ويكون بحذف مفرد أو جملة أو أكثر مع قرينة تعيّن المحذوف. ***

стр. 180

الإطناب عرض الجاحظ للإطناب فقال: «وقد بقيت- أبقاك الله- أبواب توجب الإطالة وتحوج إلى الإطناب. وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية (١). فالإطناب والإطالة في رأي الجاحظ مترادفان ومقابلان للإيجاز، وهما عنده: كل ما جاوز مقدار الحاجة من الكلام ولم يقف عند منتهى البغية «١». وأشار أبو هلال العسكري إلى الإطناب في معرض كلامه عن الحاجة إلى الإيجاز والإطناب فقال: «والقول القصد أن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام وكلّ نوع منه، ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه. فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ (٢)». وأبو هلال متأثر في هذا الرأي بأقوال السابقين في البلاغة كقول القائل: «البلاغة الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل». وإذا كانت الإطالة عند الجاحظ مرادفة للإطناب فإنها عند أبي هلال مقابلة لها وفي ذلك يقول: «فالإطناب بلاغة والتطويل عيّ، لأن التطويل
следующие страницы →