فلتحقيق إخراج نوع الرجاء الذي فيه الإرادة، وإخراج غيره مما فيه الطماعية (١).
ومن ذلك يتضح أن التمني: طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله: إما لكونه مستحيلا، والإنسان كثيرا ما يجب المستحيل ويطلبه، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله.
فالأول: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، مثل قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
وقول ابن الرومي في شهر رمضان:
فليت الليل فيه كان شهرا ... ومرّ نهاره مرّ السحاب
وقول آخر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
ونحو قول المتنبي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منّي بحلمي الذي أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب (٢)
والثاني: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه ممكنا غير مطموع في نيله، نحو قوله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ وقوله تعالى أيضا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ.
وكقول مروان بن أبي حفصة في رثاء معن بن زائدة:
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مدّ له فطالا
стр. 107
واللفظ الذي يدل بأصل وضعه اللغوي على التمني هو «ليت»، وقد يتمنى بثلاثة ألفاظ أخرى لغرض بلاغي، وهذه هي: «هل» و «لعل» و «لو».
فالغرض البلاغي المنشود من وراء التمني بلفظتي «هل» و «لعلّ» هو إبراز المتمني المستحيل وإظهاره في صورة الممكن القريب الحصول، لكمال العناية به والشوق إليه.
فمن أمثلة «هل» قوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا، وقوله تعالى أيضا: فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ وقول الشاعر:
أيا منزلي سلمى سلام عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع
ومن أمثلة «لعل» قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ على إِلهِ مُوسى وقول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
والغرض البلاغي من استعمال «لو» في التمني، هو الإشعار بعزة المتمنّى وقدرته، لأن المتكلم يظهره في صورة الممنوع، إذ أن «لو» تدل بأصل وضعها على امتناع الجواب لامتناع الشرط.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وقول جرير:
ولى الشباب حميدة أيامه ... لو كان ذلك يشترى أو يرجع
وقول مسلم بن الوليد:
واها لأيام الصبا وزمانه ... لو كان أسعف بالمقام قليلا (١)
وإذا كان الأمر المحبوب مما يرجى حصوله كان طلبه ترجّيا. وألفاظ
стр. 108
الرجاء التي يطلب بها الأمر المحبوب المطموع فيه والممكن حصوله هي «لعل» و «عسى».
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً، وقوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقوله:
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها.
ومن الشعر:
لعل خيال العامرية زائر ... فيسعد مهجور ويسعد هاجر
على الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمى ستجمعني يوما وتجمعه (١)
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
عسى الأيام أن تدني حبيبا ... لقيت ببعده الكرب الشدادا
وقد تستعمل «ليت» في الرجاء لغرض بلاغي هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله.
ومن أمثلة ذلك:
فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا
ليت الملوك على الأقدار معطية ... فلم يكن لدنيء عندها طمع (٢)
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول؟
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم (٣)
خامسا- النداء:
والنوع الخامس والأخير من أنواع الإنشاء الطلبي النداء: وهو طلب إقبال
стр. 109
المدعو على الداعي بأحد حروف مخصوصة ينوب كل حرف منها مناب الفعل «أدعو».
وأحرف النداء أو أدواته ثمان: الهمزة، و «أي»، و «يا»، و «أيا»، و «هيا» و «آ» و «آي» و «وا».
وهذه الأدوات في الاستعمال نوعان:
١ - الهمزة، وأي لنداء القريب.
٢ - والأدوات الستّ الأخرى لنداء البعيد.
فمن أمثلة استعمال الهمزة وأي لنداء القريب جريا على الأصل، ما يلي:
أمحمد افتح النافذة التي بجوارك.
أي زينب ناوليني كتابك لأقرأ فيه قليلا.
أبني إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل (١)
أي صديقي إني قصدتك لما ... لم أجد في الحياة غيرك شهما
ومن أمثلة استعمال الأدوات الأخرى لنداء البعيد جريا على الأصل أيضا.
يا ساري البرق غاد القصر واسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيّى كان يحيينا
أيا رب قد أحسنت عودا وبدأة ... إليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟
هيا غائبا عني وفي القلب عرشه ... أما آن أن يحظى بوجهك ناظري؟
أنعشتنا روائح من ديار ... كم حننا لها وللساكنيها
يا دار الأحباب: أهلا وسهلا ... من غريب عنها وإن كان فيها
وقد ينزّل البعيد منزلة القريب، وعندئذ ينادى بالهمزة وأي، إشارة
стр. 110
إلى قربه من القلب وحضوره في الذهن، لا يغيب عن البال.
ومن أمثلة ذلك:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان (١)
أعلي إن تك بالعراق نسيتني ... فأنا بمصر على هواك مقيم
أي بلادي في القلب مثواك مهما ... طال منفاي عن ثراك الحبيب
وقد ينزّل القريب منزلة البعيد فينادى بغير الهمزة وأي، إشارة إلى علو مرتبته، أو انحطاط منزلته، أو غفلته وشرود ذهنه.
فمن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لعلو مرتبته وارتفاع شأنه:
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا رجاء العيون في كل أرض ... لم يكن غير أن أراك رجائي
أيا آخذا من دهره حق نفسه ... ومثلك يعطي حقه ويهاب
يا ربة الحسن: هل لي فيك من أمل؟ ... إني هجرت وكل الناس عاداني!
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لانحطاط منزلته:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أيا هذا أتطمع في المعالي ... وما يحظى بها إلا الرجال؟
وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول
يأيها الرجل المدلس نفسه ... في جملة الكرماء والأدباء
بالبيت ينشد ربعه أو نصفه ... والخبز يرزأ عنده والماء (٢)
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لغفلته وشرود ذهنه، قول أبي العتاهية:
أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال
стр. 111
وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال؟
وقوله أيضا:
أيا من يؤمل طول الحياة ... وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب ... فلا خير في العيش بعد الكبر
وقد يخرج النداء عن معناه الأصلي من نداء القريب أو البعيد إلى معان أخرى تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال، كالإغراء والتحسر والزجر.
١ - ومن النداء الذي خرج عن معناه الأصلي إلى الإغراء قول أبي الطيب المتنبي مخاطبا سيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقول شاعر مصري معاصر:
يا بلادي اليوم فاستقبلي النو ... ر، وعيشي طليقة يا بلادي
لم يعد فيك مأمل للألى كا ... نوا يعيشون عيشة الأوغاد
لم يعد فيك مأرب للألى كا ... نوا يظنون أننا كالجماد
وقوله أيضا:
يا شباب البلاد أحييتموها ... وأبيتم على المدى أن تهونا
كل يوم لكم مواقف صدق ... تملأ الأرض روعة وفتونا
أرسلوها في قوة وإباء ... صيحة ترهب الألد الخئونا
علموه كيف احترام الأماني ... أشعروه بأننا لن ندينا
٢ - ومن النداء الذي خرج من معناه الأصلي إلى التحسر قول ابن الرومي:
يا شبابي! وأين مني شبابي؟ ... آذنتني حباله بانقضاب
стр. 112
لهف نفسي على نعيمي ولهوي ... تحت أفنانه اللدان الرطاب (١)
وقوله أيضا:
يا أبا القاسم الذي كنت أرجو ... هـ لدهري: قطعت حبل الرجاء!
وقول عربية تتحسر على ابنها:
دعوتك يا بني فلم تجبني ... فردت دعوتي يأسا عليا!
٣ - ومن النداء الذي خرج عن معناه الأصلي إلى الزجر قول شاعر معاصر:
إلام يا قلب تستبقي مودتهم ... وقد أذاقوك ألوانا من الوصب؟
تظل تسعى مدى الأيام تطلبهم ... والعمر يذهب بين السعي والطلب
يا قلب حسبك ما قد ذقت من حرق ... يا قلب حسبك ما قد نلت من تعب
وقوله أيضا:
قل لهذا الغرب: يا غرب إلاما ... تعشق الجور وتهوى الانقساما؟
كم بزيف القول أشقيت الورى ... وبمحض الكيد آذيت السلاما!
قد هبطت الشرق داء معضلا ... لم يفت شيخا ولم يرحم غلاما!
كلما طفت بواد آمن ... ... طار عنه الأمن والخوف أقاما
٤ - وقد يخرج النداء عن معناه الأصلي إلى معان أخرى غير هذه، كأن يوجه إلى «أ» الاستغاثة نحو: يا أولي القوة للضعفاء، «ب» والتعجب، نحو: يا لجمال الربيع! «ج» الندبة نحو: وا كبدي! ويا ولداه! «د» الاختصاص نحو: بعلمكم أيها الشباب يعتز الوطن وينهض.
...
стр. 113
المبحث الثاني الجملة
أشرنا فيما سبق إلى علم المعاني بأنه العلم الذي يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال. وهذا يعني أنه العلم الذي يبحث في الأساليب والجمل العربية باعتبار إفادتها لمعان زائدة على أصل المعنى.
والوصول إلى مزيد من المعرفة بالمعاني الزائدة يستدعي النظر في الجملة من حيث أجزاؤها وأحوال هذه الأجزاء وقيودها، واقترانها بغيرها عن طريق الوصل أو الفصل، وذاك هو موضوع هذا البحث.
أجزاء الجملة
عرفنا من قبل أن لكل جملة خبرية كانت أو إنشائية ركنين هما:
أ- المسند:
ويسمى المحكوم به أو المخبر به، والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا أو ما في معناه من نحو المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفصيل والظرف.
стр. 114
ب- المسند إليه:
ويسمى المحكوم عليه أو المخبر عنه والنسبة التي بين المسند والمسند إليه تسمى الإسناد.
ومواضيع المسند هي:
١ - الفعل نحو: «يأبى» من قولك: يأبى العربي الضيم.
٢ - اسم الفعل نحو: شتان بمعنى: افترق، وأوه بمعنى: أتوجع، وبله بمعنى:
دع أو اترك.
٣ - خبر المبتدأ نحو: «عمل» من قولك: الحياة عمل.
٤ - المبتدأ المكتفي بمرفوعه نحو: «قائم» من قولك: أقائم أنت بواجبك؟
٥ - ما أصله خبر المبتدأ: ويشمل خبر كان وأخواتها نحو: «معتدلا» من قولك: صار الجو معتدلا، وخبر إن وأخواتها نحو: «فضيلة» من قولك: إن الصدق فضيلة، والمفعول الثاني للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر نحو: «نادرا» من قولك: وجدت الوفاء نادرا، والمفعول الثالث للأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل نحو: «محققا» من قولك: أعلمت المجتهد النجاح محققا.
٦ - المصدر النائب عن فعل الأمر نحو: «إحسانا» من قوله تعالى:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً*.
ومواضع المسند إليه هي:
١ - فاعل الفعل التام وشبهه نحو: انتصر المدافعون عن أوطانهم.
«فالمدافعون» وهو الفاعل هنا قد أسند إليه الانتصار، ولهذا فهو المسند إليه. والشبيه بالفعل مشتقاته، كاسم الفاعل والصفة المشبهة من نحو: أنت الحسن خلقه، «فخلقه» وهو فاعل الصفة المشبهة قد أسند إليه الحسن، ولذلك فهو المسند إليه.
٢ - نائب الفاعل، نحو: يكرم الضيف، «فالضيف» وهو نائب الفاعل قد أسند إليه الكرم، فهو المسند إليه.
стр. 115
٣ - المبتدأ الذي له خبر نحو: «الحياة» من قولك: الحياة كفاح.
٤ - ومرفوع المبتدأ المكتفي به نحو: «فضلك» من قولك: ما مجحود فضلك.
٥ - ما أصله مبتدأ: ويشمل اسم كان وأخواتها نحو: «العامل» من قولك:
ظل العامل مشتغلا، واسم إن وأخواتها نحو: «الحق» من قولك: لعل الحق يظهر، والمفعول الأول للأفعال التي تنصب مفعولين نحو:
«الصديق» من قولك: حسبت الصديق مسافرا، والمفعول الثاني للأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل نحو: «الإهمال» من قولك: أنبأت المقصر الإهمال ضارا.
فالمسند والمسند إليه هما ركنا الجملة الأساسيان، وما زاد عليهما غير المضاف إليه وصلة الموصول فهو قيد. والقيود هي: أدوات الشرط، وأدوات النفي، وحروف الجر، والمفاعيل الخمسة: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول فيه، والمفعول لأجله، والمفعول معه، والحال، والتمييز، والتوابع الأربعة: النعت، والعطف والتوكيد، والبدل.
...
стр. 116
أحوال المسند والمسند إليه
والمسند والمسند إليه اللذان يمثلان جزأي الجملة أو ركنيها الأساسيين قد تلحقهما لأغراض بلاغية أحوال من الذكر و الحذف ، أو التقديم والتأخير، أو التعريف والتنكير، أو التقييد، أو القصر، أو الخروج عن مقتضى الظاهر في المسند إليه وفي غيره، وفيما يلي بيان أهم هذه الأحوال:
...
الحذف
أ- حذف المسند إليه:
المسند إليه أحد ركني الجملة، بل هو الركن الأعظم لأنه عبارة عن الذات، والمسند كالوصف له، والذات أقوى في الثبوت من الوصف. وإذا كانت الإفادة تفتقر إلى كليهما فإن افتقارها وحاجتها إلى الدال منهما على الذات الثابتة أشد في الحاجة عند قصد الإفادة من الدال على الوصف العارض.
وحذف المسند إليه يتوقف على أمرين: أحدهما وجود ما يدل عليه عند حذفه من قرينة، والأمر الآخر وجود المرجح للحذف على الذكر. أما الأمر الأول وهو وجود القرينة الدالة على المسند إليه عند حذفه فمرجعه إلى علم النحو، وأما الأمر الثاني وهو المرجح لحذفه على ذكره فمرده إلى البلاغة.
ومعنى ذلك أنه توجد مقتضيات ودواع بلاغية ترجح حذف المسند إليه على ذكره. والمسند إليه الذي يكثر حذفه هو: المبتدأ أو الفاعل، وفيما
стр. 117
يلي أهم الدواعي التي ترجح حذف كليهما.
دواعي حذف المسند إليه إذا كان مبتدأ:
١ - الاحتراز عن العبث: وذكر المسند إليه في الجملة ليس عبثا في الحقيقة لأنه ركن للإسناد، ولكن المراد هنا «بالاحتراز من العبث» أن ما قامت عليه القرينة وظهر عند المخاطب يعد ذكره عبثا من حيث أنه يقلل من قيمة العبارة بلاغيا.
فإذا تقرر ذلك قلنا إن المبتدأ يكثر حذفه لداعي الاحتراز عن العبث في المواضع التالية:
أ- إذا وقع المبتدأ الذي هو المسند إليه في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى في شأن الهمزة (١) اللمزة: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ؟ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، أي هي نار الله الملتهبة التهابا شديدا. وقوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ «١»، أي هي نار حامية. وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ؟ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢)، أي هم في سدر (٣) مخضود وطلح منضود.
ب- وإذا وقع بعد الفاء المقترنة بجواب الشرط، نحو قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها،* أي فعمله لنفسه، وإساءته
стр. 118
عليها. وقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، أي فهم إخوانكم. وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، أي فهو طل.
ونحو قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ، أي فهو يئوس قنوط. ونحو قوله في شهود المداينة بالدين: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أي فالشاهد رجل
وامرأتان.
ج- وإذا وقع المبتدأ بعد القول وما اشتق منه، نحو قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (١)، أي أنا عجوز عقيم. وقوله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، أي قالوا: القرآن أساطير الأولين. وقوله تعالى في أصحاب الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، أي يقولون: هم ثلاثة، ويقولون: هم خسمة، ويقولون: هم سبعة.
٢ - ضيق المقام عن إطالة الكلام إما لتوجع وإما لخوف فوات فرصة. فمن أمثلة حذف المبتدأ لضيق المقام للتوجع قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
أي قلت: أنا عليل. وهذا يصلح مثالا أيضا للمبتدأ المحذوف بعد القول.
ومن أمثلته أيضا قول الشاعر:
لم تبكين؟ من فقدت؟ فقالت ... والأسى غالب عليها: حبيبي
أي قالت: الفقيد حبيبي.
стр. 119
ومن أمثلة حذف المبتدأ لضيق المقام من خوف فوات الفرصة قولك عند رؤية نار تنبعث فجأة من منزل مجاور: حريق. تريد: هذه حريق.
وكقولك عند رؤية شخص يعوم في البحر ثم يختفي في مائه ولا يظهر:
غريق. تريد: هذا غريق. وقول الصياد: غزال. يريد: هذا غزال.
٣ - تيسير الإنكار عند الحاجة إلى الإنكار:
وتفصيل ذلك أنه قد تجد مواقف يصرح فيها المتكلم بذكر شيء ثم تدعوه اعتبارات خاصة إلى جحدها وإنكارها. مثال ذلك أن يذكر شخص بعينه في معرض الحديث عن الكرم والكرماء، فيبدي فيه أحد الحضور رأيه قائلا: بخيل شحيح. يريد: هو بخيل شحيح.
فحذف المبتدأ في هذا الموقف تقتضيه البلاغة، لأن في حذفه فرصة لصاحب الرأي أن ينكر نسبة هذا الرأي إلى
نفسه. ولو أنه صرح بذكره فقال مثلا: فلان بخيل شحيح، لأقام البينة على نفسه بهذا التصريح ولما استطاع الإنكار.
٤ - تعجيل المسرة بالمسند، كأن يلوح شخص بكأس فاز بها في مسابقة قائلا: جائزتي. يريد: هذه جائزتي. ونحو قول القائل: دينار. يريد:
هذا دينار.
٥ - إنشاء المدح أو الذم أو الترحم: فالمسند إليه إذا كان مبتدأ يترجح حذفه إذا قصد به إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، وكان في الكلام قرينة تدل عليه.
فمن أمثلة حذفه لإنشاء المدح قولنا: «الحمد لله أهل الحمد» برفع «أهل»، أي هو أهل الحمد. ومنه قولهم، بعد أن يذكروا الممدوح، فتى من شأنه كذا وكذا، وأغرّ من صفته كيت وكيت، كقول الشاعر:
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
أي هو فتى ... الخ.
стр. 120
ومن أمثلة حذفه لإنشاء الذم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» برفع الرجيم، أي هو الرجيم. ومنه قول الأقيشر في ذم ابن عم له موسر سأله فمنعه، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه ولطمه:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع
يريد: هو سريع إلى ابن العم، وهو حريص على الدنيا، وهو مضيع لدينه. ومن أمثلته في الترحم: اللهم ارحم عبدك المسكين برفع المسكين، أي: هو المسكين.
دواعي حذف المسند إليه إذا كان فاعلا:
والدواعي أو الأغراض التي تدعو المتكلم إلى حذف الفاعل كثيرة جدا، ولكنها على كثرتها لا تخلو من أن سببها إما أن يكون شيئا لفظيا أو معنويا.
فمن الدواعي اللفظية لحذف الفاعل القصد إلى الإيجاز في العبارة نحو قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، أي: بمثل ما عاقبكم المعتدي به، ولما كان في الكلام قرينة تدل على الفاعل، فقد اقتضت البلاغة حذفه
مراعاة للإيجاز وإقامة المفعول مقامه.
ومنها المحافظة على السجع في الكلام المنثور نحو قولهم: من طابت سريرته حمدت سيرته؛ إذ لو قيل «حمد الناس سيرته» لاختلف إعراب الفاصلتين «سريرته وسيرته».
ومنها المحافظة على الوزن في الكلام المنظوم كما في قول الأعشى ميمون بن قيس:
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل (١)
فالأعشى هنا قد بنى الفعل «علّق» ثلاث مرات للمجهول، لأنه لو
стр. 121
ذكر الفاعل في كل مرة منها أو في بعضها لما استقام وزن البيت.
ومن الدواعي المعنوية لحذف الفاعل:
١ - كون الفاعل معلوما للمخاطب حتى لا يحتاج إلى ذكره له نحو قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً، أي: خلق الله الإنسان ضعيفا.
٢ - كون الفاعل مجهولا للمتكلم فلا يستطيع تعيينه للمخاطب، وليس في ذكره بوصف مفهوم من الفعل فائدة، وذلك كما تقول: «سرق متاعي»، لأنك لا تعرف ذات السارق، وليس في قولك «سرق السارق متاعي» فائدة زائدة في الإفهام على قولك «سرق متاعي».
وقوله تعالى أيضا: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فضله، أي: فإذا قضيتم الصلاة ...
٣ - رغبة المتكلم في الإبهام على السامع، كقولك: تصدّق بألف دينار.
٤ - ورغبة المتكلم في إظهار تعظيمه للفاعل: وذلك بصون اسمه عن أن يجري على لسانه، أو بصونه عن أن يقترن بالمفعول به في الذكر، كقولك: خلق الخنزير.
٥ - رغبة المتكلم في إظهار تحقير الفاعل: بصون لسانه عن أن يجري بذكره، كمن يقول في وصف شخص يرضى الهوان والذل: «يهان ويذل فلا يغضب».
٦ - خوف المتكلم من الفاعل أو خوفه عليه، كمن يقول: قتل فلان، فلا يذكر القاتل خوفا منه أو خوفا عليه.
٧ - عدم تحقق غرض معين في الكلام بذكر الفاعل، نحو قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذي إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً،
قد بني الفعلان «ذكر وتلي» للمجهول لعدم تعلق الغرض بشخص الذاكر والتالي.
ونحو قول الفرزدق في مدح علي بن الحسين:
стр. 122
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
فبني الفعل «يغضي» الثاني للمجهول، لأن ذكر الفاعل هنا لا يحقق غرضا معينا في الكلام، لأن معرفة ذات المغضي لا تعني السامع.
ويحسن التنبيه هنا إلى أن حذف الفاعل في جميع الأمثلة السابقة هو حذف للمسند إليه الحقيقي، وإن كان المسند إليه في اللفظ وهو نائب الفاعل مذكورا.
...
ب- حذف المسند:
وكما توجد دواع لحذف المسند إليه كذلك توجد دواع ترجح حذف المسند سواء أكان خبرا أو فعلا إذا دل عليه دليل. وفيما يلي بيان لأهم هذه الدواعي.
دواعي حذف المسند الخبر:
١ - الاحتراز من العبث بعدم ذكر ما لا ضرورة لذكره، وهذا من شأنه أن يكسب الأسلوب قوة ويضفي عليه جمالا.
ويكثر حذف الخبر لهذا الداعي أو الغرض إذا جاءت الجملة التي يرد فيها الحذف جوابا عن استفهام علم منه الخبر، كأن يسألك سائل: من شاعر العربية الأكبر؟ فتجيب «أبو الطيب المتنبي» تريد: أبو الطيب المتنبي شاعر العربية الأكبر. وكأن يسأل آخر: من عندكم؟ فيجيب «ضيف» أي:
عندنا ضيف. وكأن يسأل ثالث: ماذ في يدك؟ فيجيب «كتاب» يريد: في يدي كتاب.
كذلك يكثر حذف الخبر في الجملة الواقعة بعد «إذا» الفجائية على رأي من يعدها حرفا للمفاجأة، وكان الخبر المحذوف يدل على معنى عام يفهم من سياق الكلام نحو: خرجت من البيت وإذا العواصف، وسرت في الطريق وإذا المطر! أي: إذا العواصف شديدة، وإذا المطر نازل! فالخبر في هذين المثالين يدل على معنى عام هو الشدة في المثال الأول، والنزول في المثال الثاني، وكلاهما مفهوم من سياق الكلام.
стр. 123
ويكثر حذف الخبر أيضا إذا كانت الجملة المحذوفة الخبر معطوفة على جملة اسمية أو معطوفا عليها جملة اسمية والمبتدآن مشتركان في الحكم نحو قوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها؛ أي: وظلها دائم. وقوله تعالى أيضا:
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛ أي:
والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حل لكم.
ونحو قول الفرزدق:
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
يريد: والعجم تعرف من أنكرت أيضا.
ونحو قول شاعر آخر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
يريد: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض. وقد حذف خبر الجملة الاسمية الأولى لأنه عطف عليها بجملة اسمية أخرى والمبتدآن مشتركان في الحكم.
وداعي الحذف هنا هو الاحتراز عن العبث والقصد إلى الإيجاز مع ضيق المقام، ودلالة خبر المبتدأ الثاني على خبر المبتدأ الأول هو الذي جعل حذفه سائغا سهلا.
دواعي حذف المسند الفعل:
وأهم دواعي حذف المسند الفعل الاحتراز عن العبث بعدم ذكر ما لا ضرورة لذكره أيضا. ويكثر ذلك في جواب الاستفهام، أي إذا جاءت الجملة المحذوفة المسند جوابا لسؤال محقق نحو قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ،* أي: ليقولون خلقهن الله.
كذلك إذا جاءت الجملة المحذوفة المسند جوابا لسؤال مقدر نحو قول ضرار بن نهشل يرثى أخاه:
стр. 124
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (١)
وذلك ببناء «ليبك» للمجهول، وكأن سائلا سأل: من يبكي يزيد؟
فأجيب: ضارع ومختبط، أي: ليبكه ضارع لخصومة، وليبكه مختبط ...
ج- حذف المفعول به:
والمفعول به قد يحذف لدواع وأغراض بلاغية، شأنه في ذلك شأن المسند إليه والمسند. ومن أهم هذه الدواعي والأغراض:
١ - إفادة التعميم مع الاختصار نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ، أي يدعو جميع عباده، لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم.
وهذا التعميم يمكن أن يستفاد من ذكر المفعول بصيغة العموم كقولنا «يدعو جميع عباده» ولكن ذلك من شأنه أن يفوت مزية الاختصار أو الإيجاز.
٢ - تنزيل الفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، وذلك لعدم تعلق الغرض بذكر المفعول، لأن المراد في مثل هذه الحالة هو إفادة مجرد ثبوت الفعل للفاعل أو نفيه، نحو قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟، فالمعنى: هل يستوي من لهم علم ومن لا علم لهم؟ بغض النظر عن المعلوم أيا كان نوعه.
ونحو قول البحتري:
إذا أبعدت أبلت وإن قربت شفت ... فهجراتها يبلي ولقيانها يشفي
فهو لم يقل: أبلتني وشفتني لعدم تعلق غرض الشاعر بذكر المفعول، لأن ما يريد أن يعبر عنه هو أن إبعادها بلاء وداء وتقريبها شفاء.
٣ - مجرد الاختصار أو الإيجاز: نحو قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ؛ أي: أرني ذاتك. ونحو: أصغيت إليه، أي أصغيت إليه أذني.
٤ - تحقيق البيان بعد الإبهام، وذلك لتقرير المعنى في النفس.
стр. 125
ويكثر ذلك في فعل المشيئة أو الإرادة أو نحوهما إذا وقع فعل شرط فإن الجواب يدل عليه ويبينه، نحو قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، أي: ولو شاء الله ألا يقتتلوا أو عدم اقتتالهم ما اقتتلوا. فإنه لما قيل: «ولو شاء» علم السامع أن هناك شيئا تعلقت المشيئة الإلهية به لكنه خفيّ مبهم، فلما جيء بجواب الشرط صار بينا واضحا يقع في النفس.
ومثله قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ، أي: لو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين. وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها، أي: ولو شئنا هداية النفوس لآتينا كل نفس هداها.
وكذلك يكثر حذفه بعد نفي العلم ونحوه، كقوله تعالى: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: لا
يعلمون أن وعد الله حق. وكقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ، أي: لا يعلمون أنهم سفهاء. وقوله تعالى أيضا: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليكم وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ، أي: لا تبصرون أننا أقرب إليكم.
ويكثر حذف المفعول به أيضا في الفواصل نحو «قلى» من قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، ونحو «يخشى» من قوله تعالى أيضا: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى، ونحو «أعطى واتقى» من قوله تعالى كذلك: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، ونحو «يضرون» من قوله جل شأنه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ؟ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ. قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟.
فحذف المفعول في هذه الأمثلة وما أشبهها هو للمحافظة على وحدة الحرف الأخير من الفواصل والذي ينزل في النثر المسجوع منزلة حرف الروي في الكلام المنظوم.
стр. 126
الذكر
أ- ذكر المسند إليه:
الأصل في المسند إليه أن يذكر في الكلام، ولا ينبغي العدول عنه إلا إذا كان هناك قرينة في الكلام ترجح الحذف والاحتراز عن العبث. وأهم الدواعي والأغراض التي ترجح ذكر المسند إليه على حذفه هي:
١ - ضعف التعويل والاعتماد على القرينة: أي يكون ذكر المسند إليه للاحتياط، لأن فهم السامع من اللفظ أقرب من فهمه من القرينة، إما لخفائها أو لعدم الوثوق بنباهة السامع. فإذا استدعى أستاذ أحد طلابه وكلمه في شأن ما، ثم سأله أحد زملائه: ماذا قال لك أستاذنا؟ فمثل هذا السؤال يمكن الجواب عليه بحذف المسند إليه مرة فيقال: قال لي كذا وكذا. ويمكن الجواب عليه بذكره مرة أخرى فيقال: أستاذنا قال لي كذا وكذا، ولا شك أن ذكر المسند إليه في هذا المقام أبلغ لضعف التعويل على قرينة السؤال في حالة الحذف، لأن بعض السامعين مثلا يجوز عليه الغفلة عن السماع للقرينة، كما يجوز عليه عدم التنبه للفهم منها، ولو كان الفهم منها واضحا في نفسه.
٢ - القصد إلى زيادة التقرير والإيضاح: نحو قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ،* ففي تكرير اسم الإشارة «أولئك» زيادة تقرير وإيضاح لتميزهم بالشرف على غيرهم، فكما ثبت لهم أن تميزوا باستئثارهم بالهدى في الدنيا ثبت لهم أيضا أن تميزوا باستئثارهم بالفلاح في الآخرة.
ونحو قول القائل: «الوطنية الحقة أن تخلص لوطنك إخلاصك لنفسك، والوطنية الحقة أن تبذل قصارى جهدك فيما تعمل له،
стр. 127
والوطنية الحقة أن تلبي نداءه عن رضا في كل ما يدعوك إليه. ذاك لأن عزتك من عزته، وشرفك من شرفه، وسلامتك في سلامته». فتكرار ذكر المسند إليه هنا «الوطنية» هو لزيادة التقرير والإيضاح.
٣ - بسط الكلام والإطناب فيه بذكر المسند إليه ولو دل عليه دليل، وذلك حيث يكون الإصغاء فيه من السامع مطلوبا للمتكلم لجلال قدره أو قربه من قلبه.
ومن أجل ذلك يطال الكلام مع الأحبّاء وذوي القدر وأولي العلم تلذذا بسماعهم وتشرفا بخطابهم وانتفاعا بكلامهم. ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟ قالَ هِيَ عَصايَ، وكان يكفيه في غير هذا المقام أن يقول في الجواب «عصا»، لكنه ذكر المسند إليه «هي» لبسط الكلام رغبة منه في أن يطيل الحديث في مناجاته لربه ليزداد بذلك شرفا وفضلا. ولذلك زاد على الجواب بقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى.
وإنما أجمل المآرب لأن تفصيلها يطول، وقد يفضي الطول إلى الخروج عن مقتضيات الفصاحة والبلاغة.
٤ - إظهار تعظيم المسند إليه بذكر اسمه: نحو قولك: الله ربي ومحمد نبيي، والإسلام ديني في جواب من سألك: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟
٥ - إظهار تحقيره وإهانته: وذلك لما يحمله اسمه ويدل عليه من معنى الحقارة، كقولك: إبليس اللعين هو الذي أخرج آدم من الجنة. في جواب من سألك: من أخرج آدم من الجنة؟
٦ - التبرك والتيمن باسمه: كقولك: محمد رسول الله خير الخلق.
ونحو: القرآن خير ما يحمله المسلم دائما. في جواب من سأل: ما خير ما يحمله المسلم دائما؟
٧ - الاستلذاذ بذكره. وذلك في كل ما يهواه المرء ويتوق إليه ويعتز به، نحو
стр. 128
قول الشاعر بشارة الخوري:
الهوى والشباب والأمل المنش ... ود توحى فتبعث الشعر حيا
وقول عباس محمود العقاد:
الحب أن نصعد فوق الذرى ... والحب أن نهبط تحت الثرى
والحب أن نؤثر لذاتنا ... وأن نرى آلامنا آثرا
ب- ذكر المسند:
المسند كالمسند إليه الأصل فيه الذكر، ولهذا لا يعدل عنه إلا لقرينة في الكلام تبرر حذفه. ومن الأغراض التي ترجح ذكر المسند:
١ - الاحتياط لضعف القرينة وعدم التعويل عليها، كقولك: «عنترة أشجع وحاتم أجود»، في جواب من قال: من أشجع العرب في الجاهلية وأكرمهم؟ فلو حذف المسند «أجود» لفهم أن حاتما يشارك عنترة في الحكم السابق وهو الشجاعة. ولهذا تعين التصريح بالمسند «أجود» من قبيل الاحتياط لاحتمال الغفلة عن العلم به من السؤال.
ومن أمثلة هذا النوع أيضا: عقل في السماء وحظ مع الجوزاء. فلو حذف المسند «مع الجوزاء» لما دل عليه مسند الجملة الأخرى السابقة وهو «في السماء» دلالة قاطعة، إذ يحتمل أن يكون الحظ عاثرا كما هو شأن الكثيرين من أرباب المواهب والعقول.
٢ - التعريض بغباوة السامع: وذلك مثل قولنا: «سيدنا محمد نبينا»، في جواب من قال: من نبيكم؟ تعريضا بالسامع وأنه لو كان ذكيا لم يسأل عن «نبينا» وهو المسند هنا، لأنه أظهر من أن يتوهم خفاؤه. ومن أجل ذلك يجاب بذكر أجزاء الجملة إعلاما بأن مثل هذا السائل غبي لا يكفي معه إلا التنصيص، لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
ومن التعريض بغباوة السامع أيضا ذكر المسند «فعله» في قوله تعالى:
أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ
стр. 129
إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. فالمسند «فعله» قد اقتضى المقام ذكره تعريضا بغباوة السائلين وبأن الدافع على تكسير الأصنام هو غيظ إبراهيم من كبيرهم هذا الذي يخصونه بتعظيم أكثر.
٤ - إفادة أن المسند فعل أو اسم: فإن كان فعلا فهو يدل بأصل وضعه على التجدد والحدوث مقيدا بأحد الأزمنة الثلاثة بطريق الاختصار.
وإن كان اسما فهو يفيد بأصل وضعه كذلك الثبوت من غير دلالة على الزمان.
مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (١)، فإن قوله: يُخادِعُونَ يفيد تجدد الخداع منهم مرة بعد أخرى مقيدا بالزمان من غير افتقار إلى قرينة تدل عليه كذكر «الآن» و «الغد». وقوله:
وَهُوَ خادِعُهُمْ يفيد الثبوت من غير دلالة على الزمان.
...
стр. 130
التقديم والتّأخير
من المسلم به أن الكلام يتألف من كلمات أو أجزاء، وليس من الممكن النطق بأجزاء أي كلام دفعة واحدة. من أجل ذلك كان لا بد عند النطق بالكلام من تقديم بعضه وتأخير بعضه الآخر. وليس شيء من أجزاء الكلام في حد ذاته أولى بالتقدم من الآخر، لأن جميع الألفاظ من حيث هي ألفاظ تشترك في درجة الاعتبار، هذا بعد مراعاة ما تجب له الصدارة كألفاظ الشرط والاستفهام.
وعلى هذا فتقديم جزء من الكلام أو تأخيره لا يرد اعتباطا في نظم الكلام وتأليفه، وإنما يكون عملا مقصودا يقتضيه غرض بلاغي أو داع من دواعيها.
وقبل الشروع في بيان هذه الدواعي وتفصيلها ينبغي التنبيه إلى أن ما يدعو بلاغيا إلى تقديم جزء من الكلام هو هو ذاته ما يدعو بلاغيا إلى تأخير الجزء الآخر. وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يكون هناك مبرر لاختصاص كل من المسند إليه والمسند بدواع خاصة عند تقديم أحدهما أو تأخيره عن الآخر، لأنه إذا تقدم أحد ركني الجملة تأخر الآخر، فهما متلازمان.
والآن ... وعلى ضوء هذه المقدمة نذكر أن أهم الدواعي والأغراض البلاغية التي توجب التقديم والتأخير في الكلام هي:
١ - التشويق إلى المتأخر إذا كان المتقدم مشعرا بغرابة. نحو قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحق والقمر
فهنا قدم المسند إليه وهو «ثلاثة» واتصف بصفة غريبة تشوق النفس
стр. 131
إلى الخبر المتأخر، وهي «تشرق الدنيا ببهجتها». فإشراق الدنيا أمر يشوق النفس إلى أن تعرف هذه الأشياء الثلاثة التي جعلت الدنيا بحسنها تتألق وتضيء. فإذا عرفت النفس ذلك تمكن الخبر المتأخر فيها واستقر.
ومثله قول أبي العلاء المعري:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
فالمسند إليه قد تقدم أيضا هنا واتصل به ما يدعو إلى العجب ويشعر بالغرابة وهو «حارت البرية فيه»، وهذا أمر يشوق النفس ويثير فضولها إلى معرفة الخبر المتأخر.
٢ - تعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل أو التطير:
فالتعجيل بالمسرة نحو: الجائزة الأولى في المسابقة كانت من نصيبك.
ونحو: براءة المتهم حكم بها القاضي، والإفراج عنه تم اليوم.
والتعجيل بالمساءة نحو: الفشل أصيب به العدو، والخسائر في جيشه كبيرة، ونيران الأسلحة المختلفة تطارد فلوله في كل مكان.
٣ - كون المتقدم محط الإنكار والتعجب: نحو قوله تعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؟ فإنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله أَراغِبٌ أَنْتَ ولم يقل «أأنت راغب» وذلك لأهمية المتقدم وشدة العناية به، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها. وهذا بخلاف ما لو قال: «أأنت راغب عن آلهتي؟».
ومن أمثلته شعرا قول أبي فراس الحمداني:
أمثلي تقبل الأقوال فيه؟ ... ومثلك يستمر عليه كذب؟
وقول شاعر آخر:
أمنك اغتياب لمن في غياب ... ك يثني عليك ثناء جميلا؟
стр. 132
٤ - النص على عموم السلب أو سلب العموم:
فالنص على عموم السلب يعني شمول النفي لكل فرد من أفراد المسند إليه، ويكون عادة بتقديم أداة من أدوات العموم على أداة نفي نحو:
كل قوي لا يهزم. ففي هذا المثال أداة عموم هي «كل» مقدمة على أداة نفي هي «لا»، والكلام هنا يفيد شمول السلب أو النفي لكل فرد من أفراد المسند إليه المتقدم، إذ المعنى: «لا يهزم أحد أو أي فرد من الأقوياء»، والسبب في إفادة الكلام شمول النفي هنا أن أداة العموم بهذا الوضع تكون المتسلطة على النفي، العاملة فيه بكليتها، وذلك يقتضي عموم النفي وشموله.
ومن أمثلة ذلك أيضا: من يظلم الناس لا يفلح.
والنص على سلب العموم يكون عادة بتأخير أداة العموم عن أداة النفي. والنفي في سلب العموم أو نفي الشمول ليس عاما شاملا لكل الأفراد، بل يفيد ثبوت الحكم لبعض الأفراد ونفيه عن البعض الآخر، كقول المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
فالمعنى هنا: أن الإنسان لا يدرك كل أمانيه، وإنما هو يدرك بعضها ويفوته بعضها الآخر.
ومن أمثلته أيضا قول أبي فراس الحمداني:
ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كاف
وقول عمارة اليمني:
ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
٥ - تقوية الحكم وتقريره: وذلك كقولك عن شخص كريم: «هو يعطي الجزيل»، فأنت لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل، ولا أن تعرض بإنسان آخر يعطي القليل، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقق أنه
стр. 133
يفعل إعطاء الجزيل. فتقديم المسند إليه «هو» وتكريره في الضمير المستتر في «يعطي» أدى إلى تقوية الحكم وتقريره.
وسبب التقوي على ما ذكره عبد القاهر الجرجاني هو أن الاسم لا يؤتى به مجردا من العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه فإذا قلت:
«عبد الله» فقد أشعرت السامع بذلك أنك تريد الحديث عنه، فهذا توطئة له وتقدمة للإعلام به، فإذا جئت بالحديث فقلت: «قام» مثلا دخل على القلب دخول المأنوس به، وذلك لا محالة أشد لثبوته وأنفى للشبهة وأمنع للشك. وجملة الأمر أنه ليس إعلامك بالشيء بغتة مثل الإعلام به بعد التنبيه عليه، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام.
وعلى ضوء ذلك يتضح الفرق من حيث تقوية الحكم وتقريره بين «هو يعطي الجزيل» و «يعطي الجزيل».
ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ فهذا أبلغ في تأكيد نفي الإشراك مما لو قيل: والذين بربهم لا يشركون أو لا يشركون بربهم.
ومنه كذلك قول أبي فراس الحمداني مخاطبا سيف الدولة:
ألست وإياك من أسرة ... وبيني وبينك قرب النسب؟
فالبيت يشتمل على جملتين تقدم المسند إليه في الأولى وتأخر في الثانية، وليس من سبب لذلك في الحالين إلا
تقرير الحكم الذي تضمنته كلتا الجملتين وتقويته.
٦ - التخصيص: وهذا يعني أن المسند إليه قد يقدم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي بشرط أن يكون مسبوقا بحرف نفي نحو: ما أنا قلت هذا، أي: لم أقله ولكنه مقول غيري. فأنت في هذا المثال تنفي وقوع المقول منك، ولكنك لا تنفي وقوعه من غيرك. ولهذا لا يصح: ما أنا قلت هذا ولا غيري. فتقديم المسند إليه «أنا» أفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك.
стр. 134
ومن ذلك قول الشاعر:
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا
فسقم الجسم بالحب وإضرام النار في القلب كلاهما ثابت موجود، ولكن قصرهما وتخصيصهما بالمسند إليه المتقدم «أنا» قصد به نفي كون المتكلم هو السبب في سقم جسمه وإضرام النار في قلبه، وإثبات السبب لغيره كالحبيب مثلا.
وكما يتقدم المسند إليه لقصره على المسند الفعل لا يتجاوزه إلى غيره وإن كان الفعل يتعداه إلى غيره، كذلك قد يتقدم المسند ويتأخر المسند إليه، بقصد قصره عليه، نحو قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،* فملك السموات والأرض مختص بكونه لله، أي مقصور عليه ومنحصر فيه.
ومن هذا القبيل قوله تعالى في خمر أهل الجنة: لا فِيها غَوْلٌ، فالغول مقصور على اتصافه بعدم حصوله في خمر الجنة ولكنه يوجد في خمور الدنيا. فتقديم المسند «فيها» يقتضي تفضيل المنفي عنه وهو خمر الجنة على غيرها من خمور الدنيا، أي ليس فيها ما في غيرها من الغول الذي يغتال العقول ويسبب دوار الرأس وثقل الأعضاء.
٧ - التنبيه على أن المتقدم خبر لا نعت: وذلك خاص بتقديم الخبر المسند على المبتدأ المسند إليه، نحو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ،* فالشاهد هنا هو في قوله: «ولكم مستقر» فلو قال «ومستقر لكم» لتوهم ابتداء أن «لكم» نعت وأن خبر المبتدأ سيذكر فيما بعد، وذلك لأن حاجة النكرة إلى النعت أشد من حاجتها إلى الخبر. ولذلك تعين تقديم المسند للتنبيه على أنه خبر لا نعت.
ومن أمثلته شعرا قول المتنبي.
و «فيك» إذا جنى الجاني «أناة» ... تظن كرامة وهي احتقار
стр. 135
وقول حسان بن ثابت في مدح الرسول ﵇:
«له همم» لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
«له راحة» لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر
...
تلك هي الأغراض والدواعي البلاغية التي تقتضي التقديم والتأخير أحيانا بين المسند والمسند إليه.
ولكن بالإضافة إلى ذلك هناك نوع آخر من التقديم يكون مقصورا على تقديم متعلقات الفعل عليه ، من مثل المفعول والجار والمجرور والحال والاستثناء وما أشبه ذلك.
فالأصل في العامل أن يقدم على المعمول، فإذا عكس الأمر فقدم المعمول على العامل فإنما يكون ذلك لغرض بلاغي يقتضيه، وفي هذه الحالة يكون التقديم أبلغ من التأخير. وفيما يلي شيء من البيان لذلك.
تقديم متعلقات الفعل عليه:
١ - فمن تقديم المفعول على الفعل قولك: «محمدا أكرمت» والأصل «أكرمت محمدا»، فإن في قولك بالتقديم «محمدا أكرمت» تخصيصا لمحمد بالكرم دون غيره، وذلك بخلاف قولك «أكرمت محمدا»، لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاع الكرم على أي مفعول شئت، بأن تقول:
أكرمت خالدا أو عليا أو غيرهما. فتقديم المفعول على الفعل هنا قصد به اختصاصه به، أي اختصاص محمد دون غيره بالإكرام.
٢ - ومن تقديم الجار والمجرور على الفعل قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ،* فإن تقديم الجار والمجرور دل على أن مرجع الأمور ليس إلا لله وحده، على حين لو وردت الآية من غير تقديم وقيل: «ترجع الأمور إلى الله» لاحتمل إيقاع مرجع الأمور إلى غير الله وهذا محال.
٣ - ومن تقديم الحال على الفعل كقولك: «مبكرا خرجت إلى عملي»
стр. 136
تخصيصا لحالة التبكير بالخروج دون غيرها من الحالات، وذلك بخلاف قولك: «خرجت إلى عملي مبكرا» لأنك في تقديمك الفعل تكون بالخيار في إيقاعه مقيدا بأي حالة شئت، بأن تقول: خرجت إلى عملي متأخرا أو مسرعا أو مسرورا أو غير ذلك. وكذلك يجري الأمر في بقية متعلقات الفعل.
...
وعلماء البلاغة ومنهم الزمخشري يرون أن تقديم متعلقات الفعل عليه على النحو السابق إنما هو للاختصاص.
ولكن ابن الأثير يرى أن تقديم متعلقات الفعل عليه يكون لواحد من غرضين: أحدهما الاختصاص، والآخر مراعاة
نظم الكلام، وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم وإذا أخر المقدم زال ذلك الحسن، وهذا الوجه عنده أبلغ وأوكد من الاختصاص.
فمن الأول عنده وهو التقديم الذي يكون الغرض البلاغي منه «الاختصاص» قوله تعالى بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فإنه إنما قيل: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ولم يقل: «بل اعبد الله» لأن المفعول وهو لفظ الجلالة «الله» إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره. ولو قال: «بل اعبد» لجاز وقوع فعل العبادة على أي مفعول شاء.
ومن الثاني وهو التقديم الذي يكون الغرض البلاغي منه مراعاة نظم الكلام قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ويرى الزمخشري أن التقديم في هذا الموضوع قصد به الاختصاص، ولكن ابن الأثير يرى أن المفعول لم يقدم على الفعل للاختصاص وإنما قدم لمكان نظم الكلام، لأنه لو قال: «نعبدك ونستعينك» لم يكن له ما لقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فجاء بعد ذلك قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وذلك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون.
стр. 137
ولو قال: «نعبدك ونستعينك» لذهبت تلك الطلاوة وزال ذلك الحسن، وهذا غير خاف على أحد من الناس فضلا عن أرباب علم البيان.
ومما ورد فيه التقديم مراعاة لنظم الكلام أيضا قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (١)، فإن تقديم الجحيم على التصلية وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه لم يكن ههنا للاختصاص، وإنما هو للفضلية السجعية.
ولا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن مما لو قيل:
«خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم».
ولهذا النوع من التقديم نظائر كثيرة في القرآن منها أيضا قوله تعالى:
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ (٢) الْقَدِيمِ، فتقديم المفعول «القمر» على الفعل هنا ليس من باب الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، ولو أنه قال: «وقدرنا القمر منازل» لما كان بتلك الصورة في الحسن.
ومنه كذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، فالغرض البلاغي من وراء تقديم مفعول كل من الفعلين السابقين عليه هو مراعاة حسن النظم السجعي.
...
وهناك نوع آخر من التقديم لا يرجع إلى تقديم أحد ركني الإسناد على الآخر، ولا إلى تقديم أحد متعلقات الفعل عليه، وإنما هو مختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك. وهذا النوع من التقديم مما لا
يحصره حد ولا ينتهي إليه، وهو يتمثل في صور شتى منها:
стр. 138
١ - تقديم السبب على المسبب: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فهنا قدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب، وأسرع لوقوع الإجابة.
ولو قال: «إياك نستعين وإياك نعبد» لكان جائزا، ألا أنه لا يسد ذلك المسد، ولا يقع ذلك الموقع.
وعلى نحو منه قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً. فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس وإن كانوا أشرف محلا، لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس. فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس، لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقي ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم.
٢ - تقديم الأكثر على الأقل: كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ.
وإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه، ثم أتى بعده بالمقتصدين، لأنهم قليل بالإضافة إليه، ثم أتى بالسابقين وهم أقل من القليل، أعني من المقتصدين.
وهكذا قدم الأكثر وبعده الأوسط ثم ذكر الأقل آخرا، ولو عكست القضية لكان المعنى أيضا واقعا في موقعه، لأنه يكون قد روعي فيه تقديم الأفضل فالأفضل.
وضابط هذا النوع هو أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختص بصفة فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر كهذه الآية، فإن السابق بالخيرات مختص بصفة الفضل، والظالم لنفسه مختص بصفة الكثرة. فعلى هذا يقاس ما يأتي من الأشباه والنظائر.
стр. 139
ومن هذا الجنس قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.
فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين، إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين وقدمه على الماشي على أربع، لأنه دل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشي في الأربع. وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب (١).
...
стр. 140
القصر
[معني القصر في اللغة]
القصر لغة: الحبس والإلزام، تقول: قصرت نفسي على الشيء إذا حبستها وألزمتها إياه، كما تقول: قصرت الشيء على كذا إذا لم تجاوز به غيره. ومن القصر بمعنى الحبس قوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ، أي قصرن وحبسن على أزواجهن فلا يطمحن لغيرهم. والقصر في
[معني القصر في الاصطلاح]
اصطلاح علماء المعاني: تخصيص شيء بشيء أو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوصة.
ولأسلوب القصر طرفان وله طرقه المختلفة التي يؤدى بها، كما له أقسامه باعتبار الحقيقة والإضافة، وباعتبار حال المخاطب، وباعتبار الطرفين. ولبيان كل ذلك نورد الأمثلة التالية، فعلى ضوء شرحها ومناقشتها تنجلي لنا كل الحقائق المتصلة بأسلوب القصر وقيمته البلاغية:
الأمثلة:
١ - قال تعالى: لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
٢ - إنما العرب أوفياء.
٣ - صداقة الجاهل تعب بلا راحة.
٤ - لا أجيد الخطابة لكن الشعر.
٥ - ما وضع الإحسان في غير موضعه عدلا بل ظلم.
٦ - وحياته أعطى الشهيد لقومه ... أترى أجلّ من الحياة عطاء؟
стр. 141
٧ - نائم أنت على صدر الصخور ... ولقد كنت على الزهر تنام
٨ - إلى الله أشكو أن في النفس حاجة ... تمرّ بها الأيام وهي كما هيا
...
فإذا تأملنا هذه الأمثلة رأينا أن كل مثال منها يفيد تخصيص أمر بآخر.
فالمثال الأول يفيد تخصيص علم الغيب بالله، وعلى هذا فعلم الغيب خاص بالله لا يتعداه إلى سواه.
والمثال الثاني يفيد تخصيص العرب بالوفاء، بمعنى أن العرب مقصورون على الوفاء لا يفارقونه إلى غيره من الصفات.
والمثال الثالث يفيد تخصيص صداقة الجاهل بالتعب، بمعنى أن صداقة الجاهل وقف على التعب لا تجاوزه إلى الراحة.
والمثال الرابع يفيد تخصيص صفة الإجادة بالشعر، فالإجادة خاصة بالشعر لا تتجاوزه إلى الخطابة أو غيرها.
والمثال الخامس يفيد تخصيص وضع الإحسان في غير موضعه بالظلم، فوضع الإحسان في غير موضعه مقصور على الظلم لا يتعداه إلى سواه.
والمثال السادس يفيد تخصيص إعطاء الشهيد بحياته، فإعطاء الشهيد خاص بحياته لا يجاوزها إلى غيرها.
والمثال السابع يفيد تخصيص المخاطب بالنوم على صدر الصخور، فالمخاطب خاص بالنوم على صدر الصخور لا يتعداه إلى أية صفة أخرى.
والمثال الثامن والأخير يفيد تخصيص الشكوى بالله، فالشكوى مقصورة على الله لا تتجاوزه إلى سواه.
...
وإذا شئنا معرفة سبب هذا التخصيص في الأمثلة السابقة فإن الأمر يستأدينا ويتطلب منا أن نعود إلى الأمثلة مرة أخرى بحثا عن السبب.
стр. 142
فإذا حذفنا من المثال الأول أداة النفي والاستثناء «لا وإلا» وجدنا أن التخصيص قد زال منه، وكأنه لم يكن. إذن النفي والاستفهام هما وسيلة التخصيص فيه.
وإذا حذفنا من المثال الثاني «إنما» وجدنا أن التخصيص قد زال منه، وعلى هذا فوسيلة التخصيص فيه هي لفظة «إنما». وإذا حذفنا من المثال الثالث أداة العطف «لا» وجدنا أن التخصيص قد فارقه، وهذا يعني أن أداة العطف «لا»
وسيلة التخصيص فيه.
وإذا حذفنا من المثال الرابع أداة العطف «لكن» ومن المثال الخامس أداة العطف «بل» فإننا نجد أن التخصيص في كلا المثالين قد زال. إذن أداة العطف «لكن» هي وسيلة التخصيص في المثال الرابع، وأداة العطف «بل» هي وسيلة التخصيص في المثال الخامس.
وفي المثال السادس نلاحظ أن المفعول به مقدم على فعله فإذا قدمنا الفعل عليه وقلنا: «وأعطى الشهيد حياته لقومه» وجدنا أن التخصيص في هذا المثال قد زال. إذن تقديم المفعول على فعله أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه.
وفي المثال السابع نلاحظ كذلك أن الخبر مقدم على المبتدأ، فإذا قدمنا المبتدأ عليه وقلنا: «أنت نائم على صدر الصخور» وجدنا التخصيص قد فارق هذا المثال. ومن هذا يفهم أن تقديم الخبر على المبتدأ، أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه.
وفي المثال الثامن والأخير نلاحظ أن الجار والمجرور مقدمان على فعلهما، فإذا قدمنا الفعل عليهما وقلنا: «أشكو إلى الله» وجدنا التخصيص قد زال منه وكأنه لم يكن. إذن فتقديم الجار والمجرور على فعلهما، أو تقديم ما حقه التأخير هو وسيلة التخصيص فيه.
من كل ما تقدم نستطيع الآن أن ندرك أن وسائل التخصيص في
стр. 143
الأمثلة السابقة هي: النفي والاستثناء، وإنما، والعطف بلا، أو لكن، أو بل، أو تقديم ما حقه التأخير. وعلماء المعاني يطلقون على التخصيص المستفاد من هذه الوسائل اسم «القصر»، كما يطلقون على الوسائل ذاتها اسم «طرق القصر».
...
وإذا رجعنا إلى الأمثلة السابقة مرة ثالثة وبحثنا فيها مثالا مثالا، وجدنا في المثال الأول أن علم الغيب مقصور، ولفظ الجلالة مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كان علم الغيب صفة من الصفات، ولفظ الجلالة «الله» هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر.
وفي المثال الثاني قصر العرب على الوفاء، فالعرب مقصورون والوفاء مقصور عليهم وهما «طرفا القصر» ولما كان العرب موصوفين والوفاء صفة لهم، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة»، بمعنى أن الموصوف لا يفارق صفة الوفاء إلى أي صفة أخرى.
وفي المثال الثالث قصرت صداقة الجاهل على التعب، فصداقة الجاهل مقصورة والتعب مقصور عليها، وهما «طرفا القصر». ولما كانت صداقة الجاهل موصوفة والتعب صفة لها، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة» أيضا، بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة التعب إلى صفة أخرى كالراحة مثلا.
وفي المثال الرابع قصرت الإجادة على الشعر، فالإجادة مقصورة والشعر مقصور عليه، وهما «طرفا القصر»، ولما كانت الإجادة صفة من الصفات، والشعر هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى.
وفي المثال الخامس قصر وضع الإحسان في غير موضعه على الظلم،
стр. 144
فوضع الإحسان في غير موضعه مقصور والظلم مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كان وضع الإحسان في غير موضعه موصوفا والظلم صفة له، كان القصر في هذا المثال قصر «موصوف على صفة» بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة الظلم، وإن كانت هي تتعداه إلى موصوفين آخرين.
وفي المثال السادس قصر إعطاء الشهيد لقومه على حياته، فإعطاء الشهيد لقومه مقصور وحياته مقصور عليها، وهما «طرفا القصر»، ولما كان إعطاء الشهيد لقومه صفة من الصفات، وحياته هي الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف» بمعنى أن هذه الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى.
وفي المثال السابع قصر المخاطب «أنت» على «نائم على صدر الصخور»، فأنت مقصور، ونائم على صدر الصخور مقصور عليه، وهما «طرفا القصر» ولما كان «أنت» موصوف والنوم على صدر الصخور صفة له كان القصر هنا قصر «موصوف على صفة»، بمعنى أن الموصوف لا يتعدى صفة النوم على صدر الصخور، وإن كانت هذه الصفة تتعداه إلى موصوفين آخرين.
وفي المثال الاخير قصرت الشكوى على لفظ الجلالة «الله»، فالشكوى مقصورة ولفظ الجلالة مقصور عليه، وهما «طرفا القصر». ولما كانت الشكوى صفة من الصفات، ولفظ الجلالة هو الموصوف، كان القصر في هذا المثال قصر «صفة على موصوف»، بمعنى أن هذه الصفة لا تتعدى الموصوف إلى موصوف آخر، وإن كان هو يتعداها إلى صفات أخرى.
مما تقدم يتضح أن أسلوب القصر يشتمل على مقصور ومقصور عليه. وأن القصر لا يخلو من حالة من الحالتين السابقتين. فهو إما قصر صفة على موصوف، وإما قصر موصوف على صفة. وهذا الكلام ينطبق على الأمثلة
السابقة ونظائرها، ولعل في القواعد التالية والمستنبطة من الشرح السابق ما يعين على معرفة كل من المقصور والمقصور عليه، وطرق القصر،
стр. 145
وطرفيه في أساليب القصر المختلفة.
١ - القصر في اصطلاح علماء المعاني: تخصيص شيء بشيء أو أمر بآخر بطريق مخصوص.
٢ - للقصر أربع طرق يؤدى بها، هي:
أ- النفي والاستثناء، وفي هذه الحالة يكون المقصور عليه ما بعد أداة الاستثناء.
ب- إنما: ويكون المقصور عليه معها مؤخرا وجوبا.
ج- العطف بلا، أو لكن، أو بل: فإن كان العطف ب «لا» كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها، وإن كان العطف ب «لكن» و «بل» كان المقصور عليه ما بعدهما.
د- تقديم ما حقه التأخير، وهنا يكون المقصور عليه هو المقدم.
...