لصوت الواجب، وتلبية لنداء الضمير، وإقداما في مواقف الشجاعة، ودفاعا عن الوطن بكل ما أوتيتم من قوة.
ونحو قول قطري بن الفجاءة:
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
...
خروج الأمر عن معناه الأصلي:
ولكن الأمر قد يخرج عن معناه الحقيقي، وهو طلب الفعل من الأعلى للأدنى على وجه الوجوب والإلزام، للدلالة على معان أخرى يحتملها لفظ الأمر وتستفاد من السياق وقرائن الأحوال. ومن هذه المعاني:
١ - الدعاء: وهو الطلب على سبيل الاستغاثة والعون والتضرع والعفو والرحمة وما أشبه ذلك. ويسميه ابن فارس «المسألة»، وهو يكون بكل صيغة للأمر يخاطب بها الأدنى من هو أعلى منه منزلة وشأنا، نحو قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ.
ونحو قول المتنبي مخاطبا سيف الدولة:
أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل
وقوله:
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مردّدا
ودع كل صوت غير صوتي فإنما ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
٢ - الالتماس: وهو طلب الفعل الصادر عن الأنداد والنظراء المتساوين قدرا ومنزلة، نحو قول الشاعر محمود سامي البارودي:
يا نديمي من «سرنديب» كفّا ... عن ملامي وخلياني لما بي
يا خليليّ خلّياني وما بي ... أو أعيدا إليّ عهد الشباب
стр. 72
ونحو قول شاعر يوجه الخطاب إلى صاحبته:
يا مزاجا من رقة الزهر والفج ... ر ومن روعة الضحى والمساء
بلبليّ التغريد صوتك يسري ... في خيالي منوّرا كالرجاء
شجعيني على الجهاد تريني ... أنطق الصخر أرتقي للسماء
علميني معنى الطلاقة والخلد ... مقيما يا ربّة الإيحاء
طهّريني بفيض قدسك ما اسطع ... ت، وألقي عليّ ثوب الرضاء
وارفعيني إلى سمائك أنشد ... لك شعرا يموج موج الضياء
وأفيضي عليّ بالوحي أبدع ... كلّ لحن معبّر عن وفائي
فالأمر في كل هذه الأبيات قد خرج عن معناه الحقيقي إلى الالتماس لأن الشاعر وصاحبته رفيقان يستويان قدرا ومنزلة.
٣ - التمني: وهو طلب الأمر المحبوب الذي يرجى وقوعه إما لكونه مستحيلا، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله، نحو قول عنترة العبسيّ:
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي (١)
وقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل
وقول أبي العلاء المعري:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
٤ - النصح والإرشاد: وهو الطلب الذي لا تكليف ولا إلزام فيه، وإنما هو طلب يحمل بين طيّاته معنى النصيحة والموعظة والإرشاد، نحو قول أحد الحكماء لابنه: «يا بنيّ استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر». ومنه قول الشاعر محمود سامي البارودي:
стр. 73
فانهض إلى صهوات المجد معتليا ... فالباز لم يأو إلّا عالي القلل (١)
وكن على حذر تسلم، فربّ فتى ... ألقى به الأمن بين اليأس والوجل
ودع من الأمر أدناه لأبعده ... في لجة البحر ما يغني عن الوشل (٢)
واخش النميمة واعلم أنّ صاحبها ... يصليك من حرّها نارا بلا شعل
ومن الأمر الذي خرج إلى النصح والإرشاد أيضا الأبيات التالية:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما، وإن كنت من أهل المشورات
واخفض جناحك إن منحت إمارة ... وارغب بنفسك عن ردى اللذات
فاربأ بنفسك أن يضيمك ضائم ... وافعل كفعل الفتية القدراء
٥ - التخيير: وهو أن يطلب من المخاطب أن يختار بين أمرين أو أكثر، مع امتناع الجمع بين الأمرين أو الأمور التي يطلب إليه أن يختار بينها، نحو: «تزوج بثينة أو أختها»؛ فالمخاطب هنا مخيّر بين زواج بثينة أو أختها، ولكن ليس له أن يجمع بينهما.
ومن هذا الأمر الذي يستفاد منه التخيير قول بشار بن برد:
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه (٣)
وقول مهيار الديلميّ:
وعش أمّا قرين أخ وفيّ ... أمين الغيب أو عيش الوحاد
٦ - الإباحة: وتكون الإباحة حيث يتوهم المخاطب أن الفعل محظور عليه، فيكون الأمر إذنا له بالفعل، ولا حرج عليه في الترك، وذلك نحو
стр. 74
قوله تعالى في شأن الصائمين: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
ومن الأمر الذي خرج المعنى فيه إلى الإباحة قول أبي فراس معاتبا سيف الدولة من قصيدة بعث بها إليه وهو أسير في بلاد الروم:
فدت نفسي الأمير، كأنّ حظي ... وقربي عنده ما دام قرب
فلما حالت الأعداء دوني ... وأصبح بيننا بحر و «درب»
ظللت تبدل الأقوال بعدي ... ويبلغني اغتيابك ما يغب (١)
فقل ما شئت فيّ فلي لسان ... مليء بالثناء عليك رطب
وعاملني بإنصاف وظلم ... تجدني في الجميع كما تحب
٧ - التعجيز: وهو مطالبة المخاطب بعمل لا يقوى عليه، إظهارا لعجزه وضعفه وعدم قدرته، وذلك من قبيل
التحدي، نحو قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ، ونحو قوله تعالى في شأن من يرتابون في نزول القرآن على الرسول:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فليس المراد طلب إتيانهم بسورة من مثل القرآن الكريم لأنه محال عليهم أن يأتوا بسورة من نوعه، وإنما المراد هو تحديهم وإظهار عجزهم.
ومن الأمر الذي خرج إلى التعجيز قول الطغرائي:
حب السلامة يثني همّ صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض، أو سلّما في الجو فاعتزل
وقول آخر:
أروني بخيلا طال عمرا ببخله ... وهاتوا كريما مات من كثرة البذل
٨ - التهديد: ويكون باستعمال صيغة الأمر من جانب المتكلم في
стр. 75
مقام عدم الرضا منه بقيام المخاطب بفعل ما أمر به تخويفا وتحذيرا له.
ويسميه ابن فارس «الوعيد»، نحو قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فالأمر هنا موجه لمن يلحدون في آيات الله، وكقوله أيضا:
فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ،* وقوله: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.
ومن أمثلته شعرا:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
٩ - التسوية: وتكون في مقام يتوهم فيه أن أحد الشيئين أرجح من الآخر، نحو قوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ فقد يظن أو يتوهم أن الإنفاق طوعا من جانب المأمورين هنا أرجح في القبول من الإنفاق كرها، ولذلك سوّي بينهما في عدم القبول. ونحو قوله تعالى أيضا:
اصبروا أَوْ لا تَصْبِرُوا، فليس المراد في الآيتين الأمر بالإنفاق أو الصبر، وإنما المراد هو التسوية بين الأمرين.
ومثله من الشعر قول المتنبي:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
فالمعيشة العزيزة والموت الكريم كلاهما سواء، ولا أحد من الأمرين يرجح الآخر.
١٠ - الإهانة والتحقير: ويكون بتوجيه الأمر إلى المخاطب بقصد استصغاره والإقلال من شأنه والإزراء به وتبكيته، نحو قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وقوله تعالى على لسان موسى مخاطبا السحرة:
أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ*.
ومثله من الشعر قول جرير في هجاء الفرزدق:
خذوا كحلا ومجمرة وعطرا ... فلستم يا فرزدق بالرجال
وشمّوا ريح عيبتكم فلستم ... بأصحاب العناق ولا النزال (١)
стр. 76
تلك أهم المعاني التي يتحملها لفظ الأمر ويخرج عن معناه الأصليّ للدلالة عليها، ولكن ابن فارس قد ذكر في كتابه الصاحبي بعض معان أخرى يتحملها لفظ الأمر وإن كانت قليلة الاستعمال، وفيما يلي إشارة إليها:
١ - التكوين: ويسميها بعض البلاغيين «التسخير»، وذلك حيث يكون المأمور مسخرا منقادا لما أمر به، نحو قوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ،* أي صاغرين مطرودين، فما أمروا به، وهو أن يكونوا قردة، لم يكن في مقدورهم أن يفعلوه ولكنهم وجدوا قدرة الله قد تسلطت عليهم فحولتهم من أناسيّ إلى قردة دون أن يكون لهم يد فيما حلّ بهم. وذلك هو معنى التكوين والتسخير.
٢ - التلهيف أو التحسير: كقول القائل: «مت بغيظك، ومت بدائك» ونحو قوله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، وكما قال جرير:
موتوا من الغيظ غمّا في جزيرتكم ... لن تقطعوا بطن واد دونه مضر
٣ - التعجب: نحو قوله جل ثناؤه: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ.
وقول الشاعر:
أحسس بها خلّة لو أنها صدقت ... موعودها، ولو أنّ النصح مقبول
٤ - الندب: بأن تكون صيغة الفعل أمرا ومعناه الندب، بمعنى أن المخاطب في حل من فعله أو عدم فعله، نحو قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ.
وقول شاعر: «فقلت لراعيها انتشر وتبقّل (١)».
٥ - التسليم: حيث يكون اللفظ أمرا والمعنى تسليم وتفويض بأن يصنع ما يشاء، نحو قوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي اصنع ما أنت
стр. 77
صانع، وكقوله تعالى: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ؛ أي اعملوا ما أنتم عاملون.
٦ - الوجوب: وذلك بأن يكون اللفظ أمرا والمعنى الوجوب، نحو قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ*.
٧ - الخبر: وقد يكون اللفظ أمرا والمعنى خبر، نحو قوله تعالى:
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً، فالمعنى أنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا.
ثانيا- النهي:
ومن أنواع الإنشاء الطلبيّ النهي، وهو: طلب الكف عن الفعل أو الامتناع عنه على وجه الاستعلاء والإلزام.
وللنهي صيغة واحدة وهي المضارع المقرون ب «لا» الناهية الجازمة نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (١) وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وقوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ (٢). وقوله تعالى أيضا: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
ومن أمثلة أسلوب النهي في الشعر:
لا تخلني أرضى الهوان لنفسي ... الرضا بالهوان عجز صريح
لا تقولوا حطّنا الدهر فما ... هو إلّا من خيال الشعراء
لا تحذ حذو عصابة مفتونة ... يجدون كل قديم شيء منكرا
стр. 78
من كل ماض في القديم وهدمه ... وإذا تقدّم للبناية قصّرا
...
خروج النهي عن معناه الحقيقي:
عرفنا أن النهي الحقيقيّ في أصل الوضع هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. ولكن الذي يتأمل صيغة النهي في أساليب شتى يجد أنها قد تخرج عن معناها الحقيقي للدلالة على معان أخرى تستفاد من السياق وقرائن الأحوال، كما كان الشأن بالنسبة إلى الأمر.
ومن المعاني الأخرى التي تحملها صيغة النهي وتستفاد من السياق وقرائن الأحوال:
١ - الدعاء: وذلك عند ما يكون صادرا من الأدنى إلى الأعلى منزلة وشأنا، نحو قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً (١) كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
ومن أمثلته شعرا قول المتنبي في مدح علي بن منصور الحاجب:
أمهجّن الكرماء والمزري بهم ... وتروك كلّ كريم قوم عاتبا
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمنّي في الثناء الواجبا (٢)
وقول أبي فراس من قصيدتين مخاطبا سيف الدولة:
فلا تحمل على قلب جريح ... ... به لحوادث الأيام ندب
فلا تعدلنّ- فداك ابن عمّ ... ك، لا بل غلامك- عمّا يجب
وقوله أيضا:
стр. 79
فإن يمكنك يا مولاي وصلي ... فلا تبخل بشيء من صلاحي
ولا تعجل إلى تسريح روحي ... فموتي فيك أيسر من سراحي
وقول النابغة في النعمان بن المنذر:
فلا تتركنّي بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب
وقول شاعر معاصر يبتهل إلى الله:
لا تكلني إلى الزمان فإني ... بفجاج الزمان غير خبير
٢ - الالتماس: وذلك عند ما يكون النهي صادرا من شخص إلى آخر يساويه قدرا ومنزلة، نحو قوله تعالى على لسان هارون يخاطب أخاه موسى:
يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي.
ومنه شعرا قول أبي فراس، والخطاب لمن يساويه قدرا:
فلا تصفنّ الحرب عندي فإنها ... طعامي مذ بعت الصّبا وشرابي
وقول المتنبي في سيف الدولة، والخطاب لصديقين متخيلين:
فلا تبلغاه ما أقول فإنه ... شجاع متى يذكر له الطعن يشتق
وقول شاعر معاصر من قصيدتين:
لا تحسبوا البعد ينسيني مودتكم ... هيهات هيهات أن تنسى على الزمن
لا تقولي: «هتفت باسمك في اللي ... ل» فما طاف بي النداء الحبيب
٣ - التمني: عند ما يكون النهي موجّها إلى ما لا يعقل نحو قول شاعر معاصر:
ايه يا طير لا تضن بلحن ... ينقذ النفس من هموم كثيرة
وقوله:
يا قلب لا تنثر أساك ولا تطف ... بالذكريات وجوّهنّ المحرق
لا تنهض الأوجاع من أوكارها ... ... سوداء تنهش كالمغيظ المحنق
стр. 80
وقوله أيضا:
يا لياليّ ... وانجلي لا تعودي ... هـ بما تحسنينه من عزاء
يا أماسيّ ... وانطوي لا تعيشي ... بين دنياه عذبة الإيحاء
يا أغانيّ ... واصمتي لا تسرّي ... هـ بما تحملينه من غنائي
يا أمانيّ ... واهدئي لا تماشي ... هـ ولا تشغليه بالأشقياء
يا مآسيّ ... واسكتي لا تضجي ... ودعيه يعيش كالأحياء
وقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟
٤ - النصح والإرشاد: وذلك عند ما يكون النهي يحمل بين ثناياه معنى من معاني النصح والإرشاد، نحو قول المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
وقول أبي العلاء المعري:
ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي
وقول الطغرائي:
لا تطمحنّ إلى المراتب قبل أن ... تتكامل الأدوات والأسباب
وقول شوقي:
لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم ... فمصيبة الإسلام من جهاله (١)
وقوله:
لا تهجعنّ إلى الزمان ... فقد ينبّه من هجع (٢)
لا تخل من أمل إذا ... ذهب الزمان فكم رجع
٥ - التوبيخ: عند ما يكون المنهيّ عنه أمرا لا يشرف الإنسان ولا يليق
стр. 81
أن يصدر عنه، نحو قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ.
ونحو قول المتنبي:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا
وقول أبي الأسود الدؤلي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك، إذا فعلت، عظيم
٦ - التحقير: عند ما يكون الغرض من النهي الإزراء بالمخاطب والتقليل من شأنه وقدراته، وفيما يلي أمثلة لذلك:
لا تطلب المجد واقنع ... فمطلب المجد صعب
لا تحسبوا من قتلتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلّا الميتة الضّبع
لا تطلب المجد إن المجد سلّمه ... صعب، وعش مستريحا ناعم البال
ومنه قول الحطيئة في الزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ومنه قول أبي هلال العسكري:
انظر إليهم ولا تعجبك كثرتهم ... فإنما الناس قلّوا كلما زادوا
ولا يهولنك من دهمائهم عدد ... فليس للناس في التحصيل أعداد
ومنه قول ابن الرومي:
فلا تخش من أسهمي قاصدا ... ولا تأمننّ من العائر (١)
ولكن وقاك معرّاتها ... تضاؤل قدرك في الخاطر
٧ - التيئيس: ويكون في حال المخاطب الذي يهمّ بفعل أمر لا يقوى عليه أو لا نفع له فيه من وجهة نظر المتكلم؛ كأن تقول لشخص يحاول نظم
стр. 82
الشعر وليس لديه ملكة الشعر وأدواته: «لا تحاول نظم الشعر»، ونحو قوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ.
ومنه شعرا قول المتنبي في مدح سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
وقول آخر:
لا تعرضنّ لجعفر متشبّها ... بندى يديه فلست من أنداده
٨ - التهديد: وذلك عند ما يقصد المتكلم أن يخوّف من هو دونه قدرا ومنزلة عاقبة القيام بفعل لا يرضى عنه المتكلم؛ كأن تقول لمن هو دونك:
«لا تقلع عن عنادك» أو «لا تكفّ عن أذى غيرك».
...
ثالثا- الاستفهام:
من أنواع الإنشاء الطلبي الاستفهام: وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة خاصة. وأدوات الاستفهام كثيرة منها: الهمزة، وهل.
ولنبدأ بإيراد أمثلة لهاتين الأداتين للتوصل عن طريق مناقشتها إلى الفرق بينهما معنى واستعمالا.
[من ادوات الاستفهام» الهمزه «]
أمثلة للهمزة:
١ - أخالد فاز بالجائزة أم أسامة؟
٢ - أكاتب أنت أم شاعر؟
٣ - أمبكرا حضرت إلى الجامعة أم متأخرا؟
٤ - أقلما أهديت إلى صديقك أم كتابا؟
٥ - أأسبوعا قضيت في الجبل أم أكثر من أسبوع؟
فهذه الجمل جميعها تفيد الاستفهام الذي هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل، وأداة الاستفهام في كل منها هي الهمزة.
стр. 83
وبالتأمل في هذه الأمثلة نجد المتكلم أو السائل في كل مثال منها يعرف النسبة التي تضمنها الكلام، ولكنه يتردد في شيئين ويطلب تعيين أحدهما.
فهو في المثال الأول يعرف أن الفوز بالجائزة قد وقع فعلا وأنه منسوب إلى واحد من اثنين: خالد وأسامة، ولذلك فهو لا يطلب معرفة النسبة لأنها معروفة، وإنما يطلب معرفة مفرد، وينتظر من المسؤول أن يعين له ذلك المفرد ويدله عليه، ومن أجل ذلك يكون جوابه بالتعيين، فيقال له: خالد مثلا.
وفي المثال الثاني يعلم السائل أن واحدا من شيئين: الكتابة أو الشعر قد نسب إلى المخاطب فعلا، ولكنه متردد بينهما، فلا يدري أهو الكتابة أم الشعر، فهو إذن لا يطلب معرفة النسبة لأنها معروفة له، ولكنه يسأل عن مفرد
ويطلب تعيينه، ولهذا يجاب بالتعيين، فيقال له في الجواب: شاعر مثلا.
وفي المثال الثالث يعلم المستفهم أن حضور المخاطب إلى الجامعة قد وقع فعلا، ولكنه متردد في الحالة التي كان عليها المخاطب عند حضوره إلى الجامعة، فلا يدري أهي حالة تبكير أم تأخير. فهو إذن لا يطلب معرفة النسبة لأنها معروفة له، وإنما يستفهم عن مفرد ويطلب تعيينه، ولهذا يجاب بتعيين إحدى الحالين، فيقال له في الجواب: مبكرا مثلا، وهكذا يقال في بقية الأمثلة.
من ذلك نرى أن همزة الاستفهام يطلب بها معرفة مفرد، وتسمى معرفة المفرد تصورا. إذن فالهمزة من استعمالاتها أنه يطلب بها التصور، وهو إدراك المفرد.
ويلاحظ من الأمثلة أيضا أن الهمزة التي للتصور تكون متلوة بالمسؤول عنه دائما ويذكر له في الغالب معادل بعد «أم».
стр. 84
أمثلة أخرى للهمزة:
١ - أتصهر النار الأحجار؟
٢ - أيزرع القطن في الجزائر؟
٣ - أينزل الثلج شتاء في الصحراء؟
وإذا نظرنا في أمثلة هذه الطائفة التي فيها أداة الاستفهام الهمزة أيضا فإننا نجد الحال على خلاف ما كانت عليه في الأمثلة السابقة.
فالسائل: «أتصهر النار الأحجار؟» متردد بين ثبوت صهر النار للأحجار ونفيه، فهو يجهل هذه النسبة، ولذلك يسأل عنها ويطلب معرفتها. وفي سؤاله: «أيزرع القطن في الجزائر؟» يتردد السائل بين ثبوت زراعة القطن في الجزائر ونفيها عن الجزائر، ولذلك يطلب معرفة هذه النسبة. وفي سؤاله كذلك: «أينزل المطر شتاء في الصحراء؟» يتردد السائل بين ثبوت نزول المطر شتاء في الصحراء ونفيه عنها، ومن أجل ذلك يطلب معرفة هذه النسبة أيضا.
وفي جميع هذه الأمثلة وأشباهها يكون الجواب ب «نعم» إن أريد الإثبات، وب «لا» إن أريد النفي. وإذا تأملنا هذه الأمثلة لم نجد للمسؤول عنه وهو «النسبة» معادلا.
ومن كل ما تقدم يتضح أن لهمزة الاستفهام استعمالين، أحدهما:
أن يكون المعلوم هو النسبة والمجهول هو المفرد، فيطلب بها معرفة المفرد، والثاني: أن يكون المجهول هو النسبة فيطلب بها معرفة النسبة. وتسمى معرفة المفرد «تصورا»، ومعرفة النسبة «تصديقا».
أمثلة «هل»:
١ - هل تنام الطيور في الليل؟
٢ - هل تحب الموسيقى؟
٣ - هل يتألم الحيوان؟
стр. 85
وإذا تأملنا هذه الأمثلة حيث أداة الاستفهام فيها هي «هل» وجدنا أن السائل في كل منها لا يتردد في معرفة مفرد من المفردات، ولكنه متردد في معرفة النسبة؛ فلا يدري أمثبتة هي أم منفية، فهو يسأل عنها، ولذلك يجاب عليه ب «نعم» إن أريد الإثبات، وب «لا» إن أريد النفي.
وكذلك يكون الشأن في جميع الأسئلة التي تكون أداة الاستفهام فيها «هل»، أعني أن المطلوب بها هو معرفة النسبة ليس غير. وعلى ذلك لا تستعمل «هل» إلا لطلب التصديق فقط، ويمتنع معها ذكر المعادل.
وتلخيصا لكل ما ذكرناه عن الاستفهام حتى الآن نقول:
١ - من أنواع الإنشاء الطلبي الاستفهام: وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة خاصة.
٢ - وأدوات الاستفهام كثيرة منها: الهمزة، وهل.
٣ - الهمزة- يطلب بها أحد أمرين:
أ- التصوّر: وهو إدراك المفرد، أي تعيينه، وفي هذه الحال تأتي الهمزة متلوّة بالمسؤول عنه، ويذكر له في الغالب معادل بعد «أم».
ب- التصديق: وهو إدراك النسبة، أي تعيينها، وفي هذه الحال يمتنع ذكر المعادل.
٤ - هل- ويطلب بها التصديق ليس غير، أي إدراك النسبة، ويمتنع معها ذكر المعادل.
وإتماما للكلام عن «الهمزة وهل» تجدر الإشارة إلى بعض نقاط تتصل بهما أو بأحدهما.
النقطة الأولى أن «أم» إن جاءت بعد همزة التصور، نحو:
أتفاحا اشتريت أم برتقالا؟ فإنها تكون متصلة، بمعنى أن ما بعدها يكون داخلا في حيز الاستفهام السابق عليها. وقد يستغنى عن ذكر المعادل
стр. 86
نحو قوله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟ ويقدر المعادل في الآية: أم غيرك؟
أما إذا جاءت «أم» بعد همزة التصديق، نحو قول جرير:
أتصحو؟ أم فؤادك غير صاح ... عشية همّ قومك الرواح
أو بعد «هل» التي للتصديق فقط نحو قول الشاعر:
ألا ليت شعري هل تغيرت الرحى ... رحى الحرب؟ أم أضحت بفلج كماهيا (١)
فإن «أم» في هاتين الحالين: حالة همزة التصديق، وهل، تقدر منقطعة، وتكون بمعنى «بل» التي تكون للانتقال من كلام إلى آخر لا يمتد تأثير الاستفهام السابق إليه. وبعبارة أخرى يكون الكلام الذي يلي «أم» المنقطعة خبريا لا إنشائيا.
النقطة الثانية أن «هل» قسمان:
١ - بسيطة: إن استفهم بها عن وجود شيء أو عدمه، نحو: هل يصدأ الذهب؟ فالمطلوب هنا هو معرفة ثبوت الصدأ للذهب أو نفيه عنه، ولذلك يجاب في الإثبات بنعم، وفي النفي بلا. ومن أمثلتها أيضا: هل الحركة موجودة؟
٢ - مركبة: إن استفهم بها عن وجود شيء لشيء أو عدمه، نحو:
هل نهر النيل يصب في البحر الأبيض؟ فالعلم بوجود نهر النيل أمر لا شك فيه، ولكن المجهول عنه والمطلوب معرفته هو ثبوت صبه في البحر الأبيض أو نفيه عنه. ولهذا يجاب عنه أيضا في الإثبات بنعم وفي النفي بلا. ومن أمثلتها أيضا: هل الحركة دائمة؟ وهذا التقسيم ليس مقصورا على «هل» وإنما تشترك معها فيه الهمزة التي للتصديق، فقد تكون هي الأخرى بسيطة
стр. 87
إن استفهم بها عن وجود الشيء أو عدمه، وقد تكون مركبة إن استفهم بها عن وجود شيء لشيء.
والنقطة الثالثة أن المسؤول عنه بالهمزة التي للتصور يلي الهمزة مباشرة، سواء أكان هو:
١ - المسند إليه نحو: أأنت الذي جاء لزيارتي أمس أم غيرك؟
٢ - أو المسند نحو: أمسافر أنت في الصيف أم مقيم؟
٣ - أو مفعولا به نحو: أكتابا قرأت في الأدب أم أكثر من كتاب؟
٤ - أو حالا نحو: أماشيا تغدو إلى عملك أم راكبا؟
٥ - أو زمانا نحو: أساعة أمضيت في زيارة صديقك أم ساعتين؟
٦ - أو غير ذلك من المتعلقات نحو: أإلى الشعر تميل أم إلى الأدب القصصي؟
...
بقية أدوات الاستفهام:
عرفنا من أدوات الاستفهام حتى الآن: الهمزة وهل، ولكن للاستفهام أدوات أخرى غير هاتين الأداتين، وهي: من وما ومتى وأيان وكيف وأين وأنى وكم وأيّ.
وهذه الأدوات يطلب بها التصور فقط، ولذلك يكون الجواب معها بتعيين المسؤول عنه.
وطبيعي أن المطلوب تعيينه أو تصوره بكل منها يخالف المطلوب تعيينه وتصوره بأداة أخرى، ولذلك يقتضي الأمر التعرّف على حقيقة المسؤول عنه والمطلوب تعيينه وتصوره بكل أداة من هذه الأدوات. وفيما يلي بيان ذلك:
١ - من: ويطلب بها تعيين العقلاء.
وتعيين العاقل يحصل بالعلم (١)، أي بذكر اسم المسؤول عنه، كقولنا
стр. 88
في جواب: من هذا؟ هذا محمد أو عليّ مثلا، كما يحصل بالصفة، أي بذكر صفة من صفات المسؤول عنه، كقولنا في جواب السؤال السابق: من هذا؟
هذا معلم أو طبيب أو صديق مثلا.
٢ - ما: ويطلب بها شرح الاسم أو ماهية المسمى.
فشرح الاسم يراد به بيان مدلوله لغة، أي بيان المعنى الذي وضع له في اللغة، نحو: ما الكبرياء؟ فيكون الجواب: إنها العظمة والملك والتجبر.
وما التواضع؟ فيكون الجواب: إنه التذلل والخشوع.
أما ماهيّة المسمى فهي حقيقته التي هو بها هو، ويراد بها الحقيقة الوجودية التي تتحقق بها أفراد الشيء بحيث لا يزاد في الخارج عليها إلا العوارض كأن يقال: ما الإنسان؟ فيكون الجواب إنه الحيوان الناطق.
فأفراد الإنسان لا تزيد عن هذه الحقيقة إلا بالعوارض أي الصفات التي تميز فردا من الإنسان على الآخر. وكأن
يقال: ما الحركة؟ أي ما حقيقة مسمى هذا اللفظ فيجاب بإيراد ذاتياته.
قال السكاكي: «يسأل بما عن الجنس»، تقول: ما عندك؟ بمعنى أي أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه: كتاب ونحوه. كذلك يسأل بما عن الوصف، تقول: ما زيد؟ أي ما صفة زيد؟ وجوابه: الكريم؟ ونحوه.
ويدخل عنده في السؤال بما عن الجنس، السؤال عن الماهية أي الحقية، نحو: ما الكلمة؟ بمعنى أي أجناس الألفاظ هي، وجوابه: إنها لفظ مفرد موضوع.
٣ - متى: ويطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا. فتقول:
متى جئت؟ والجواب: صباحا أو مساء مثلا. وتقول: متى تأتي؟ ويكون الجواب: آتي بعد شهر مثلا.
٤ - أيان: ويطلب بها تعيين الزمان المستقبل خاصة، وأكثر ما تكون في مواضع التفخيم، أي في المواضع التي يقصد فيها تعظيم المسؤول عنه
стр. 89
والتهويل بشأنه، نحو قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟ ويَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟،* ويَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ؟.
٥ - كيف: ويطلب بها تعيين الحال، فإذا قيل: كيف أحمد؟ فجوابه:
هو صحيح أو سقيم أو شج (١) أو جذلان وما أشبه ذلك.
٦ - أين: ويطلب بها تعيين المكان، فإذا قيل: أين الطبيب؟
فجوابه: هو في المستشفى أو في عيادته مثلا.
٧ - أنّى: وتأتي لمعان عدّة، وتفصيل ذلك أنها تستعمل تارة بمعنى «كيف» نحو: أنى يتوقع المرء النجاح في عمله وهو لا يعمل له؟ وتارة تستعمل بمعنى «من أين» نحو: أنى لك هذا؟ وتارة تستعمل بمعنى «متى» نحو: أنى جئت؟ أو أنى تجيء؟
٨ - كم: ويطلب بها تعيين العدد، نحو قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ؟ وقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟.
٩ - أيّ: ويطلب بها تعيين أحد المتشاركين في أمر يعمهما، نحو قوله تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً؟ أي أنحن أم أصحاب محمد؟.
وعلى هذا يسأل «بأيّ» عن العاقل وغير العاقل، وعن الزمان والمكان والحال والعدد- على حسب ما تضاف إليه. فإن أضيفت إلى زمان أو مكان أو عدد مثلا أعطيت حكم متى أو أين أو كم على التوالي، وهكذا ...
...
المعاني التي تستفاد من الاستفهام بالقرائن:
عرفنا أن الاستفهام في الأصل هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة خاصة. ولكن أدوات الاستفهام قد تخرج عن معانيها الأصلية إلى معان أخرى على سبيل المجاز تفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال.
стр. 90
ومن هذه المعاني الأخرى الزائدة التي تحتملها ألفاظ الاستفهام وتستفاد من سياق الكلام:
[اقسام الاستفهام]
١ - النفي:
وذلك عند ما تجيء لفظة الاستفهام للنفي لا لطلب العلم بشيء كان مجهولا.
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟، وقوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ؟ وقوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ؟، وقوله: ومَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟.
فظاهر هذه الآيات الكريمة الاستفهام، والمعنى: لا هادي لمن أضل الله. وليس جزاء الإحسان إلا الإحسان. ولست تنقذ من في النار. ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه.
ومن الشعر الذي خرج فيه الاستفهام إلى النفي قول الفرزدق:
أين الذين بهم تسامي دارما؟ ... أم من إلى سلفي طهيّة تجعل؟
وقول أبي فراس في رثاء أمه:
إلى من أشتكي؟ ولمن أناجي ... إذا ضاقت بما فيها الصدور؟
بأيّ دعاء داعية أوقى؟ ... بأيّ ضياء وجه استنير؟
بمن يستدفع القدر الموفى؟ ... بمن يستفتح الأمر العسير؟
وقول المتنبي من قصائد مختلفة:
ومن لم يعشق الدنيا قديما؟ ... ولكن لا سبيل إلى الوصال.
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟
وهل تفنى الرسائل في عدوّ ... إذا ما لم يكنّ ظبا (١) رقاقا؟
كيف الرجاء من الخطوب تخلّصا ... من بعد ما أنشبن فيّ مخالبا؟
стр. 91
وقول البحتري:
هل الدهر إلّا غمرة وانجلاؤها ... وشيكا، وإلا ضيقة وانفراجها؟
وقول آخر:
فما ترجى النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود؟
فالاستفهام في جميع هذه الأبيات قد خرج عن معناه الأصلي إلى النفي الذي يستفاد من سياق الكلام.
٢ - التعجب:
كقوله تعالى: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ وقوله تعالى على لسان سليمان ﵇: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ؟، فالغرض من هذا السؤال هو التعجب، لأن الهدهد كان لا يغيب عن سليمان إلا بإذنه، فلما لم يبصره تعجب من حال نفسه وعدم رؤيته. والمتعجب منه في الحقيقة هو غيبة الهدهد من غير إذن. ووجه خروج الاستفهام إلى التعجب أن السؤال عن السبب في عدم الرؤية يستلزم الجهل بذلك السبب، والجهل بسبب عدم الرؤية يستلزم التعجب.
ومن أمثلته في شعر المتنبي، قوله حينما صرع بدر بن عمار أسدا:
أمعفّر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المسلولا؟ (١)
وقوله وقد أصابته الحمّى:
أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام؟
وقوله في سيف الدولة وقد أصابته علّة:
وكيف تعلّك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
وكيف تنوبك الشكوى بداء ... وأنت المستغاث لما ينوب؟
وقوله أيضا:
стр. 92
خليليّ إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد؟
فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد
وقول إحدى نساء العرب تشكو ابنها:
أنشا يمزّق أثيابي يؤدبني ... أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا!
وقول شوقي:
ما أنت يا دنيا؟ أرؤيا نائم؟ ... أم ليل عرس؟ أم بساط سلاف؟
٣ - التمني:
وذلك عند ما يكون السؤال موجها إلى من لا يعقل.
ومن أمثلته:
هل الحدث الحمراء تعرف لونها؟ ... وتعلم أيّ الساقيين الغمائم (١)
هل بالطلول لسائل رد؟ ... أم هل لها بتكلم عهد؟
أيدري الربع أيّ دم أراقا؟ ... وأيّ قلوب هذا الركب شاقا؟
أما تغلط الأيام فيّ بأن أرى ... بغيضا تنائى أو حبيبا تقرب؟
فيا ليلة قد رجعنا بها ... سعيدين، من لي بأن تقبلي؟
وقول أبي العتاهية في مدح الأمين:
تذكر أمين الله حقي وحرمتي ... وما كنت توليني لعلك تذكر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظر؟
وقول شاعر معاصر من قصائد مختلفة:
يا طيور المساء هل من سبيل ... تصل النفس بالليالي الشهيدة؟
هو هذا أنا من لي بصوت ... يمنع الناس أن يطيلوا الملاما؟
ألا ليالي بيضا كالتي سلفت ... أنسى بها كل ما عانيت من محن؟
وقوله مخاطبا بلاده:
стр. 93
أما فيك من قلبه أمة ... ومن عزمه الجيش أو أصلب؟
٤ - التقرير:
حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه إثباتا ونفيا لغرض من الأغراض، على أن يكون المقرّر به تاليا لهمزة الاستفهام، فتقول:
أفعلت؟ إذا أردت أن تقرره بأن الفعل كان منه، وتقول: أأنت فعلت؟ إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل، وتقول: أشعرا نظمت؟ إذا أردت أن تقرره بأن منظومه شعر، وهكذا.
ومن الاستفهام التقريري قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ وقوله: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً؟، وقوله تعالى على لسان قوم إبراهيم:
أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟ وقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى؟.
ومن أمثلته شعرا:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟
ألست المرء تجبي كلّ حمد ... إذا ما لم يكن للحمد جاب؟ (١)
ألست أعمّهم جودا وأزكا ... هم عودا وأمضاهم حساما؟ (٢)
٥ - التعظيم:
وذلك بالخروج بالاستفهام عن معناه الأصلي واستخدامه في الدلالة على ما يتحلّى به المسؤول عنه من صفات حميدة كالشجاعة والكرم والسيادة والملك وما أشبه ذلك.
ومن أمثلته:
من فيكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبّع في حمير؟
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر؟
من للمحافل والجحافل والسّرى؟ ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفة؟ ... ضاعوا، ومثلك لا يكاد يضيّع
стр. 94
إذا القوم قالوا: من فتى لعظيمة؟ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ... دعيت، فلم أكسل ولم أتبلّد
٦ - التحقير:
عند ما يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي للدلالة على ضآلة المسؤول عنه وصغر شأنه مع معرفة المتكلم أو السائل به، نحو «من هذا؟». والعلاقة أن المحتقر من شأنه أن يجهل لعدم الاهتمام به فيسأل عنه والاحتقار فيه إظهار حقارة المخاطب وإظهار اعتقاد صغره، ولذلك يصح في غير العاقل نحو: «ما هذا؟»، أي هو شيء حقير قليل.
ومما ورد منه في القرآن قوله تعالى على لسان الكفار: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟، ومن أمثلته شعرا:
فدع الوعيد فما الوعيد بضائري ... أطنين أجنحة الذباب يطير؟
أتظن أنك للمعالي كاسب ... وخبيّ أمرك شرّة وشنار؟ (١)
من أية الطرق يأتي مثلك الكرم؟ ... أين المحاجم يا كافور والجلم؟ (٢)
أيشتمنا عبد الأراقم ضلّة؟ ... فماذا الذي تجدي عليك الأراقم (٣)
٧ - الاستبطاء:
وهو عدّ الشيء بطيئا في زمن انتظاره وقد يكون محبوبا منتظرا، ولهذا يخرج الاستفهام فيه عن معناه الأصلي للدلالة على بعد زمن الإجابة عن بعد زمن السؤال، وهذا البعد يستلزم الاستبطاء، نحو قولك لمخاطب دعوته فأبطأ في الاستجابة لك: «كم دعوتك؟» فليس المراد هنا الاستفهام عن عدد مرات الدعوة أو النداء، وإنما المراد أنّ تكرر الدعوة قد باعد بين زمن الإجابة وزمن السؤال، وفي ذلك إبطاء، ولهذا جاء
стр. 95
السؤال دالا على استبطاء تحقق المسؤول عنه، وهو الاستجابة للدعوة المتكررة.
ومن أمثلة ذلك قوله: «كم انتظرتك؟»، و «متى يعود السّلام إلى ربوع الوطن؟». ونحو قوله تعالى: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟.
ومنه شعرا:
إلام وفيم تنقلنا ركاب ... ونأمل أن يكون لنا أوان؟
حتى متى أنت في لهو وفي لعب ... والموت نحوك يهوي فاتحا فاه؟
حتام نحن نساري النجم في الظلم؟ ... وما سراه على خف ولا قدم
طال بي الشوق، ولكن ما التقينا ... فمتى ألقاك في الدنيا؟ وأينا؟
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى ... محب لها في قربه متباعد؟
٨ - الاستبعاد:
وهو عدّ الشيء بعيدا حسّا أو معنى، وقد يكون منكرا مكروها غير منتظر أصلا، وربما يصلح المحل الواحد له وللاستبطاء.
وعلى هذا قد يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي للدلالة على استبعاد السائل للمسؤول عنه، سواء أكان البعد حسيّا مكانيا، نحو قول شوقي وهو منفيّ في الأندلس: «أين شرق الأرض من أندلس؟» أو بعدا معنويا كمن يقول لمن هو أعلى منه منزلة: «أين أنا منك؟».
ومن أمثلته قوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ؟ أي كيف يذكرون ويتعظون والحال أنهم جاءهم رسول يعلمون أمانته بالآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره فتولوا عنه وأعرضوا؟ فكل هذه قرائن لاستبعاد تذكرهم.
ومن أمثلته شعرا قول جرير في رثاء ابنه سوادة:
قالوا: نصيبك من أجر فقلت لهم: ... كيف العزاء إذا فارقت أشبالي (١)؟
وقول أبي تمام:
стр. 96
من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم ردّ جوابه؟
وقول أبي الطيب:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وقول آخر:
من لي برد الدمع قسرا، والهوى ... يغدو عليه مشمرا في نصره؟
وقول شاعر معاصر:
هذا الفؤاد فنقّب في جوانحه ... أكنت تلقى به ظلا لإنسان؟
٩ - الإنكار:
وقد يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي للدلالة على أن المستفهم عنه أمر منكر عرفا أو شرعا، نحو قولك لمن يقف بسيارته في طريق عام من غير سبب: «أتعوق غيرك عن السير في الطريق؟» ونحو قولك لمسلم يأكل أو يدخن نهارا في رمضان: «أتأكل أو تدخن في شهر الصيام؟» فأنت في كلا السؤالين تنكر على المخاطب صدور مثل هذا العمل الشائن منه وتقرّعه عليه.
والاستفهام الإنكاري يكون على أوجه، فهو:
أ- إما إنكار للتوبيخ على أمر وقع في الماضي، بمعنى ما كان ينبغي أن يكون ذلك الأمر الذي كان، نحو قولك لمن صدر منه عصيان: «أعصيت ربك؟».
ب- وإما إنكار للتوبيخ على أمر واقع في الحال أو خيف وقوعه في المستقبل، والمعنى على هذا: لا ينبغي أن يكون هذا الأمر، نحو: «أتعصي ربك؟» تقول هذا لمن هو واقع في المنكر أو لمن همّ أن يقع فيه، على معنى:
لا ينبغي أن يحدث منك حالا أو يصدر عنك استقبالا. ويسمى الإنكار في الحالين السابقتين الإنكار التوبيخي.
ج- وإما إنكار للتكذيب في الماضي، بمعنى «لم يكن»، أي أن
стр. 97
المخاطب إن ادّعى وقوع شيء فيما مضى، أو نزّل منزلة المدعي أتي بالاستفهام الإنكاري تكذيبا له في دعواه، نحو قوله تعالى لمن اعتقدوا أن الملائكة بنات الله: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً؟ أي: أخصكم ربكم بالذكور وخصّ نفسه بالبنات؟ أي أنه لم يفعل هذا لتعاليه عن الولد مطلقا.
د- وإما إنكار للتكذيب في الحال أو في المستقبل، بمعنى «لا يكون» نحو قوله تعالى على لسان نوح ﵇
عند ما دعا قومه إلى التوحيد وكذبوه: قالَ يا قَوْمِ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟ أي أنلزمكم تلك الحجة البينة على أني رسول الله؟ أي أنكرهكم على قبولها، والحال أنكم لها كارهون؟ يعني لا يكون هذا الإلزام. فالإنكار في هذين الحالين إنكار لأمر كاذب، ولذلك يسمى في الحالين الإنكار التكذيبيّ.
ويجب في الاستفهام الإنكاري أن يقع المنكر بعد همزة الاستفهام.
وقد يكون المنكر هو «الفعل» نحو قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؟ فالمنكر هو نفس الفعل، أي اتخاذ الأصنام آلهة. ونحو قوله تعالى على لسان إبراهيم عند ما أسرع إليه قومه بعد أن كسّر أصنامهم:
قالَ: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؟، ونحو قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ (١)
وقول آخر:
أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذن للئيم
وقد يكون المنكر هو «الفاعل» في المعنى، كقوله تعالى: أَهُمْ
стр. 98
يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ أي ينكر عليهم أن يكونوا هم المتخيرين للنبوة من يصلح لها المتولين لقسم رحمة الله التي لا يتولاها إلّا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته. وعدّ الزمخشري من هذا الضرب قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟، وقوله تعالى أيضا: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ؟ على أن المعنى: أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان؟ وأ فأنت تقدر على هدايتهم على سبيل القسر والإلجاء؟ أي إنما يقدر على ذلك الله لا أنت.
وقد يكون المنكر «المفعول» نحو قوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا؟، وقوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ؟ وقد يكون «المفعول لأجله» نحو قوله تعالى: أَإِفْكاً (١) آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ؟ أي أتريدون آلهة غير الله كذبا؟
وهكذا ...
١٠ - التهكم:
ويقال له أيضا السخرية والاستهزاء، وهو إظهار عدم المبالاة بالمستهزأ أو المتهكم به ولو كان عظيما. وقد
يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي للدلالة على المعنى، نحو قوله تعالى حكاية عن الكافرين في شعيب: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا؟، فالقصد هنا هو الاستخفاف بشأن شعيب في صلاته التي يلازمها، لأن شعيبا كان كثير الصلاة، وكان قومه إذا رأوه يصلي تضاحكوا، فقصدوا بسؤالهم لشعيب الهزء والسخرية والتهكم لا حقيقة الاستفهام.
ومثله قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ: أَلا تَأْكُلُونَ؟ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ؟، فالمعنى أن إبراهيم ذهب خفية إلى أصنام قومه فقال لهم هذا القول تهكما بهم وسخرية واستهزاء. ومنه قوله تعالى: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؟.
стр. 99
ومنه شعرا قول المتنبي في الدمستق:
أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لاثم؟ (١)
وقول أبي فراس متهكما ببني زرارة عند ما أخذ أحد حلفائهم منهم غصبا:
ما بالكم! يا أقل الله خيركم ... لا تغضبون لهذا الموثق العاني؟
جار نزعناه قسرا في بيوتكم ... والخيل تعصب فرسانا بفرسان
١١ - التسوية:
وتأتي الهمزة للتسوية المصرح بها نحو قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فهم يعلمون مسبقا أنهم أنذروا ومع ذلك أصروا على كفرهم وعنادهم، ولهذا يجيء الاستفهام هنا للدلالة على أن إنذار الرسول وعدمه بالنسبة لهم سواء.
ومن أجل ذلك خرج الاستفهام عن معناه الحقيقي ليؤدي معنى مجازيا بلاغيا هو التسوية.
ومن أمثلة التسوية أيضا قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ؟، ومنه قول المتنبي:
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا؟
١٢ - الوعيد:
ويسميه بعض البلاغيين «التهديد»، وذلك نحو قولك لمن يسيء الأدب: «ألم أؤدب فلانا؟» إذا كان المخاطب المسيء للأدب عالما بذلك، وهو أنك أدبت فلانا، فيفهم معنى الوعيد والتهديد والتخويف فلا يحمل كلامك على
الاستفهام الحقيقي. ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ؟.
١٣ - التهويل:
وهو التفظيع والتفخيم لشأن المستفهم عنه لغرض من
стр. 100
الأغراض، وذلك كقراءة ابن عباس لقوله تعالى: وَلَقَدْ أنجينا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ فقد قرأ ابن عباس «من فرعون؟» بفتح ميم «من» على أنها اسم استفهام خبر مقدم، و «فرعون» بالرفع على أنه مبتدأ. وحقيقة الاستفهام على هذه القراءة غير مرادة، وإنما المراد تفظيع أمر فرعون والتهويل بشأنه لبيان شدة العذاب الذي نجا منه بنو إسرائيل. وللتهويل من شأن فرعون وعذابه، قال تعالى بعد ذلك:
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ، أي إنه كان عاليا في ظلمه مسرفا في عتوّه.
١٤ - التنبيه على الضلال:
نحو قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ وليس القصد هنا الاستفهام عن مذهبهم وطريقهم، بل التنبيه على ضلالهم وأنه لا طريق لهم ينجون به. وكثيرا ما يؤكّد هذا الاستعمال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق القصد: «يا هذا إلى أين تذهب قد ضللت فارجع»، وبهذا يعلم أن التنبيه على الضلال لا يخلو من الإنكار والنفي.
١٥ - التشويق:
وفيه لا يطلب السائل العلم بشيء لم يكن معلوما له من قبل، وإنما يريد أن يوجه المخاطب ويشوقه إلى أمر من الأمور، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. ومن هذا القبيل قوله تعالى على لسان إبليس عند ما راح يوسوس لآدم ويغريه بالأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الاقتراب منها: قالَ يا آدَمُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى؟.
١٦ - الأمر:
وقد يخرج الاستفهام عن معناه الحقيقي للدلالة على معنى الأمر، نحو قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ * أي أسلموا، وقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ أي انتهوا، ونحو قوله تعالى أيضا: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ * أي تذكّر واتعظ، وكذلك قوله
стр. 101
تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ؟ أي أسلموا.
ومن هذا القبيل «أرأيت؟» أو «أرأيتك؟» فإنه استفهام خرج إلى الأمر بمعنى «أخبرني». وقد ورد هذا الأسلوب كثيرا في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟ أي أخبروني عن هذه الأصنام الثلاثة التي كانوا يزعمون أنها تمثل بعض الملائكة، وكانوا يتقربون بها إلى الله.
ومنه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى؟، أي أخبرني عن هذا الذي أعطى قليلا ثم أكدى، أي توقف عن العطاء.
وقوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى؟ أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى؟ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى؟ أي أخبرني أيها السامع عن حال هذا الرجل، هل هو على هدى عند ما منع عبدا من طاعة ربه، أو أهو أمر بالتقوى عند ما أمر غيره بعدم إطاعة خالقه؟ ثم أخبرني عند ما كذّب رسولنا وأعرض عن طاعة ربه، فهل يظن أنه يفلت من عقابنا؟ كلا.
١٧ - النهي:
وقد يخرج الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى معنى النهي، أي إلى طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء نحو قوله تعالى:
أَتَخْشَوْنَهُمْ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ، أي لا تخشوهم فالله أحق أن تخشوه.
ومنه قول الشاعر:
أتقول: أفّ للتي ... حملتك ثم رعتك دهرا؟
أي لا تقل: أفّ لأمك.
وقول آخر:
أتخالني أرضى الهوان؟ فحاذر ... واسلم بنفسك من أبيّ قادر
أي لا تخلني أرضى الهوان، فحاذر ... إلخ ...
١٨ - العرض:
ومعناه طلب الشيء بلين ورفق. ومن أدواته «ألا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام، و «أما» بفتح الهمزة وتخفيف الميم. وتختص كلتا
стр. 102
الأداتين إذا كانت للعرض بالدخول على الجملة الفعلية، نحو قوله تعالى:
أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟ ونحو: أما تزورونا فتدخل السرور علينا؟
ومنه شعرا:
ألا تقول لمن لا زال منتظرا ... منك الجواب كلاما يبعث الأملا؟
أما تضيف لما أسديت من نعم ... فضل المعونة في اللأواء والمحن؟ (١)
ألا فتى من بني ذبيان يحملني؟ ... وليس يحملني إلّا ابن حمّال (٢)
ألا فتى يورد الهنديّ هامته ... كيما تزول شكوك الناس والتّهم؟
١٩ - التحضيض:
ومعناه طلب الشيء بحثّ. ومن أدواته «لولا» و «لو ما» و «هلّا» بتشديد اللام، و «ألّا» بفتح الهمزة وتشديد اللام. وهذه الأدوات إذا كانت للتحضيض فإنها تختص بالدخول على جملة فعلية فعلها ماض أو مستقبل.
فإذا وقع بعد أداة من هذه الأدوات فعل ماض، فإن معناها يخرج إلى اللوم والتوبيخ فيما تركه المخاطب، أو يقدّر فيه الترك، نحو قولك لمن قصّر في الامتحان: هلّا أعددت للإمتحان عدّته؟ ولمن جاء متأخرا: لولا حضرت مبكرا؟ ولمن تراخى وتباطأ في عمله: ألّا بدأت عملك؟ ولمن تسرّع في القيام بواجبه فلم يحسنه: لو ما تأنيت في أداء واجبك؟ فالتحضيض في كل هذه المعاني قد خرج إلى اللوم والتوبيخ، وذلك لوقوع الفعل الماضي بعد كل أداة تحضيض.
ومنه قول أبي فراس الحمداني من قصيدة طويلة في التشيع لآل علي والرد على خصومهم:
هلّا صفحتم عن الأسرى بلا سبب ... للصافحين «ببدر» عن أسيركم؟
стр. 103
هلا كففتم عن «الديباج» سوطكم؟ ... وعن بنات «رسول الله» شتمكم؟ (١)
أما إذا وقع المستقبل بعد أي أداة من الأدوات السابقة فإن معنى التحضيض يخرج إلى الحث في طلب الشيء، كقول المعلم لتلميذه الذي لا يظهر اجتهادا: لولا تجتهد؟ ولمن لا يصغي إليه أثناء شرح الدرس: لو ما تصغي إليّ؟ ولمن ينقطع عن المدرسة أحيانا: ألّا تواظب على الحضور إلى المدرسة؟ ولمن يقرأ من غير جدّ: هلّا تقرأ خيرا من ذلك؟
فالتحضيض في كل هذه المعاني قد خرج إلى الحث أو الاستحثاث على الفعل، وذلك لوقوع الفعل المستقبل بعد أدوات التحضيض. ومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ؟ وفي هذا شاهد على وقوع الفعل المستقبل بعد أداة التحضيض فأفاد طلب الفعل بحثّ، وقد خرج الاستفهام هنا إلى معنى الأمر، أي «إيتنا بالملائكة».
وقد يلي الفعل الماضي أداة التحضيض فلا يفيد اللوم والتوبيخ وإنما يفيد الطلب بحث، وذلك لأن الماضي في تأويل الفعل المستقبل، نحو قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؟، إذ المعنى: لولا تأخرني إلى أجل قريب؟
وقد تستعمل أداة العرض «ألا» المفتوحة الهمزة المخففة اللام للتحضيض إذا دلت على طلب الفعل بحثّ نحو قوله تعالى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيمانكم؟، وكقولك لمن يخلف الوعد: ألا تفي بوعدك؟ ولمن يضيع وقته سدى: ألا تملأ وقتك بعمل نافع؟ وهكذا ...
...
تلك هي أهم المعاني الزائدة التي قد يخرج الاستفهام عن معناه الحقيقي لأدائها عن طريق قرائن تستفاد من سياق الكلام.
وقد ذكر ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة» معاني أخرى
стр. 104
يخرج الاستخبار، أي الاستفهام عن معناه الحقيقي للدلالة عليها.
وعن هذه المعاني يقول: «ويكون اللفظ استخبارا والمعنى «تفجّع» نحو: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؟ ويكون استخبارا والمعنى «تبكيت» نحو: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ تبكيت للنصارى فيما
ادعوه، ويكون استخبارا والمعنى «استرشاد» نحو:
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها؟، ويكون استخبارا، والمراد به «الإفهام» نحو قوله جل ثناؤه: وَما تِلْكَ (١) بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟، قد علم الله أن لها أمرا قد خفي على موسى ﵇ فأعلمه من حالها ما لم يعلم، ويكون المعنى استخبارا، والمعنى «تكثير» نحو قوله جل ثناؤه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها؟ وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها، وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ؟، ومثله:
كم من دنيّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا.
وقد يكون اللفظ استخبارا، والمعنى «إخبار وتحقيق» نحو قوله جل ثناؤه: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ؟، قالوا معناه: «قد أتى».
ثم يستطرد فيقول: ومن دقيق باب الاستفهام أن يوضع في «الشرط» وهو في الحقيقة للجزاء، وذلك كقول القائل: إن أكرمتك تكرمني؟ المعنى:
أتكرمني إن أكرمتك؟ قال الله جل ثناؤه: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟.
تأويل الكلام: أفهم الخالدون إن متّ؟ ومثله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ تأويله: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات؟ (٢).
ولكن بالتأمل يمكن إدخال بعض المعاني التي أشار إليها ابن فارس في بعض المعاني السابقة التي خرج إليها الاستفهام.
كذلك ذكر ابن فارس أن العرب ربما حذفت همزة الاستفهام، وأورد
стр. 105
على ذلك الأمثلة التالية:
رفوني (١) وقالوا: يا خويلد لم ترع ... فقلت، وأنكرت الوجوه، هم هم؟
أراد: أهم هم؟ وقال آخر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر؟
أي أشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر؟
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
أي: أبسبع رمين الجمر أم بثمان؟
وعلى هذا حمل بعض المفسرين قوله جل ثناؤه في قصة إبراهيم ﵇: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ: هذا رَبِّي. أي: أهذا ربي (٢)؟
رابعا- التمني:
التمني نوع من الإنشاء الطلبي. وقد عرّفه سعد الدين التفتازاني (٣) بقوله: «التمني، هو طلب حصول شيء على سبيل المحبة».
وعرفه ابن يعقوب المغربي بقوله: «هو طلب حصول الشيء بشرط المحبة ونفي الطماعية في ذلك الشيء»، فخرج ما لا يشترط فيه المحبة، كالأمر والنهي والنداء والرجاء بناء على أنه طلب، وأما نفي الطماعية
стр. 106
فلتحقيق إخراج نوع الرجاء الذي فيه الإرادة، وإخراج غيره مما فيه الطماعية (١).
ومن ذلك يتضح أن التمني: طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله: إما لكونه مستحيلا، والإنسان كثيرا ما يجب المستحيل ويطلبه، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله.
فالأول: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، مثل قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
وقول ابن الرومي في شهر رمضان:
فليت الليل فيه كان شهرا ... ومرّ نهاره مرّ السحاب
وقول آخر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
ونحو قول المتنبي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منّي بحلمي الذي أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب (٢)
والثاني: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه ممكنا غير مطموع في نيله، نحو قوله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ وقوله تعالى أيضا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ.
وكقول مروان بن أبي حفصة في رثاء معن بن زائدة:
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مدّ له فطالا
стр. 107
واللفظ الذي يدل بأصل وضعه اللغوي على التمني هو «ليت»، وقد يتمنى بثلاثة ألفاظ أخرى لغرض بلاغي، وهذه هي: «هل» و «لعل» و «لو».
فالغرض البلاغي المنشود من وراء التمني بلفظتي «هل» و «لعلّ» هو إبراز المتمني المستحيل وإظهاره في صورة الممكن القريب الحصول، لكمال العناية به والشوق إليه.
فمن أمثلة «هل» قوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا، وقوله تعالى أيضا: فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ وقول الشاعر:
أيا منزلي سلمى سلام عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع
ومن أمثلة «لعل» قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ على إِلهِ مُوسى وقول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
والغرض البلاغي من استعمال «لو» في التمني، هو الإشعار بعزة المتمنّى وقدرته، لأن المتكلم يظهره في صورة الممنوع، إذ أن «لو» تدل بأصل وضعها على امتناع الجواب لامتناع الشرط.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وقول جرير:
ولى الشباب حميدة أيامه ... لو كان ذلك يشترى أو يرجع
وقول مسلم بن الوليد:
واها لأيام الصبا وزمانه ... لو كان أسعف بالمقام قليلا (١)
وإذا كان الأمر المحبوب مما يرجى حصوله كان طلبه ترجّيا. وألفاظ
стр. 108
الرجاء التي يطلب بها الأمر المحبوب المطموع فيه والممكن حصوله هي «لعل» و «عسى».
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً، وقوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقوله:
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها.
ومن الشعر:
لعل خيال العامرية زائر ... فيسعد مهجور ويسعد هاجر
على الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمى ستجمعني يوما وتجمعه (١)
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
عسى الأيام أن تدني حبيبا ... لقيت ببعده الكرب الشدادا
وقد تستعمل «ليت» في الرجاء لغرض بلاغي هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله.
ومن أمثلة ذلك:
فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا
ليت الملوك على الأقدار معطية ... فلم يكن لدنيء عندها طمع (٢)
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول؟
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم (٣)
خامسا- النداء:
والنوع الخامس والأخير من أنواع الإنشاء الطلبي النداء: وهو طلب إقبال
стр. 109
المدعو على الداعي بأحد حروف مخصوصة ينوب كل حرف منها مناب الفعل «أدعو».
وأحرف النداء أو أدواته ثمان: الهمزة، و «أي»، و «يا»، و «أيا»، و «هيا» و «آ» و «آي» و «وا».
وهذه الأدوات في الاستعمال نوعان:
١ - الهمزة، وأي لنداء القريب.
٢ - والأدوات الستّ الأخرى لنداء البعيد.
فمن أمثلة استعمال الهمزة وأي لنداء القريب جريا على الأصل، ما يلي:
أمحمد افتح النافذة التي بجوارك.
أي زينب ناوليني كتابك لأقرأ فيه قليلا.
أبني إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل (١)
أي صديقي إني قصدتك لما ... لم أجد في الحياة غيرك شهما
ومن أمثلة استعمال الأدوات الأخرى لنداء البعيد جريا على الأصل أيضا.
يا ساري البرق غاد القصر واسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيّى كان يحيينا
أيا رب قد أحسنت عودا وبدأة ... إليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟
هيا غائبا عني وفي القلب عرشه ... أما آن أن يحظى بوجهك ناظري؟
أنعشتنا روائح من ديار ... كم حننا لها وللساكنيها
يا دار الأحباب: أهلا وسهلا ... من غريب عنها وإن كان فيها
وقد ينزّل البعيد منزلة القريب، وعندئذ ينادى بالهمزة وأي، إشارة
стр. 110
إلى قربه من القلب وحضوره في الذهن، لا يغيب عن البال.
ومن أمثلة ذلك:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان (١)
أعلي إن تك بالعراق نسيتني ... فأنا بمصر على هواك مقيم
أي بلادي في القلب مثواك مهما ... طال منفاي عن ثراك الحبيب
وقد ينزّل القريب منزلة البعيد فينادى بغير الهمزة وأي، إشارة إلى علو مرتبته، أو انحطاط منزلته، أو غفلته وشرود ذهنه.
فمن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لعلو مرتبته وارتفاع شأنه:
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا رجاء العيون في كل أرض ... لم يكن غير أن أراك رجائي
أيا آخذا من دهره حق نفسه ... ومثلك يعطي حقه ويهاب
يا ربة الحسن: هل لي فيك من أمل؟ ... إني هجرت وكل الناس عاداني!
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لانحطاط منزلته:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أيا هذا أتطمع في المعالي ... وما يحظى بها إلا الرجال؟
وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول
يأيها الرجل المدلس نفسه ... في جملة الكرماء والأدباء
بالبيت ينشد ربعه أو نصفه ... والخبز يرزأ عنده والماء (٢)
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لغفلته وشرود ذهنه، قول أبي العتاهية:
أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال