← Баляга

Баляга · id 17671

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني»

محمد أحمد قاسم

Полный текст (372 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني» تأليف الدكتور محمد أحمد قاسم الدكتور محيي الدين ديب المؤسسة الحديثة للكتاب طرابلس - لبنان

стр. 2

مقدّمة علوم البلاغة ثلاثة من علوم العربية تتداخل معها وتتكامل؛ إذ من شروط البلاغة «توخّي الدّقة في انتقاء الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعات من يكتب لهم أو يلقى إليهم» ومردّ البلاغة عموما إلى الذّوق. وتعنى الفصاحة بالمفرد عنايتها بالتركيب، لهذا روعيت قواعد الصرف والنحو والصوّت في سلامة النطق، وخلوّ المفرد من تنافر الحروف، وبعده عن الحوشيّة والغرابة ومخالفة القياس اللغوي. وكان من شروط فصاحة المركّب سلامته من ضعف التأليف، ومن التعقيد اللفظي والمعنوي، بهذا كلّه عدّت البلاغة أكمل علوم اللغة وأغناها وأدقّها فائدة. نشأت هذه العلوم لخدمة النصّ القرآني المعجز الذي كان- ولا يزال- شغل الدارسين الشاغل؛ فهو النصّ الذي تحدّى بلاغة القوم فاحتاج إلى دراسات تشرح إعجازه، وتبيّن مجازه، وتجلو حقيقته وكناياته ولطيف إشاراته. من هنا هذا الكمّ من الكتب البلاغية التي تناولت النصّ الشريف ككتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفرّاء، وكتاب تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، وكتاب النكت في إعجاز القرآن للرمّاني، وكتاب بيان إعجاز القرآن للخطّابي، وكتاب إعجاز القرآن للباقلّاني، وآخر بالعنوان نفسه للقاضي عبد الجبّار، وصولا إلى كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني. هكذا شغل القرآن الكريم الدارسين. ولهذا جعل أبو هلال العسكري تعلّم البلاغة فرضا على من يريد التعرّف إلى بلاغة القرآن وإعجازه، وذهب إلى القول: «إن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله».

стр. 3

من علوم البلاغة تتشكّل الصورة الفنّية في الشعر كما في النّثر. لهذا كانت البلاغة زاد الناقد في عملية تفكيك النّصوص بحثا عن جماليّة الصورة وعناصر التخييل. والخطبة كالقصيدة لا تخلو من الصور الجمالية، يلجأ صاحبها إلى التحسين والتزيين شأن الشاعر الذي ينفر من المباشرة ويفزع إلى التشكيل الجميل. من أجل هذا التكامل سلكنا في كتابنا هذا مسلكا خاصا؛ فقدّمنا مادّته من باب النقد، ولم نجعل التقعيد هدفا أسمى، بل سعينا إلى توظيف القاعدة في الكشف عن أسرار الصورة، وتبيّن عناصرها، وكشف جماليّتها لتقوية الذائقة الفنّية والنقدية عند المتلقّي. فالقاعدة لم تعد جسدا بلا روح بل جعلتها الأمثلة المشروحة جسما نابضا فاعلا من طريق الاستقراء الذي يعمل على جلاء اللعبة الفنّية التي اعتمدها المبدع. لهذا كلّه تميّز الكتاب بجملة من المزايا والصفات، نذكر منها: أ. عنايته بالجانب التراثي من علوم البلاغة إذ لا يجوز أن يبقى الدرس البلاغي بمنأى عن جهود الروّاد الأوائل، وأن تبقى مصنّفاتهم مغيّبة عن أجيالنا. ب. تأمين التواصل بين التراث والدراسات اللسانية الحديثة التي انتحت منحى جديدا في الكشف عن أسرار الصور البلاغية، فعمدنا إلى الاستفادة من هذه الدراسات بالقدر الذي يغني ولا يعقّد. ج. احتفاله بالمصطلح البلاغي، إذ توقّف باستمرار عند حدّه اللغوي القاموسي فالاصطلاحي وربط بين الدلالتين محدّثا التحليل والتعليل معصرنا الدرس البلاغي. د. وفرة شواهده المنتقاة بدقّة لتكون مختلفة مبنى ومعنى، ولنقع على ما يأسر الأسماع، ويخلب القلوب، ويحبّب بالدرس البلاغي. هذه الشواهد هي في الأساس أسّ الدراسة ومفتاحها. لقد حرصنا على تكثيفها لأنّ الشاهد البلاغي كالشاهد النحوي منطلق الدراسة. وكم

стр. 4

حاولنا جاهدين ألّا نكتفي بالشواهد التقليدية المستهلكة المبثوثة والمكرورة في معظم كتب البلاغة، إذا لم تكن فيها كلّها حتى باتت كمّا تراكميا يشبه أيّ منها الآخر إن لم يكن نسخة طبق الأصل عنه. هذه الشواهد فيها من القديم المتداول والجديد المتفرّد في بابه. وكانت النصوص في التمرينات آيات قرآنية أوّلا وأبياتا شعرية ثانيا. وكان تكثيفها هادفا إلى التطبيق المتكامل الذي يتناول الكلّي كما الجزئي من القاعدة. امتزج فيها التّليد بالطارف محاولين- قدر المستطاع- أن تكون نصوصا متماسكة ما وسعنا إلى ذلك. هـ. تنمية الحسّ البلاغي والنّقدي من طريق وضع علوم البلاغة في خدمة النّص وكشف جمالية الصورة، لننسخ من أذهان الناس آليّة التمرينات البلاغية التي تكتفي بالتطبيق الجافّ وتهمل تأثير التركيب في جمالية الصورة. لهذا أولينا التحليل عنايتنا الفائقة وكشفنا عن نقاب المعاني، ودرّبنا القارئ على ولوج الصورة من باب الجمالية لا من باب القاعدة الجوفاء والتطبيق المتسرّع. و. جمعه التطبيق إلى التنظير والتكافؤ ما بين النظري والعملي من حيث الأهمية والفائدة. ز. التّخفّف من الفهارس التي تضخّم الكتاب من غير فائدة تذكر، والاكتفاء بفهرس المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات. وفي الختام، نرجو أن نكون قد قدّمنا فائدة تذكر لأجيالنا وأبناء لغتنا التي شرّفها الله تعالى عندما حمّلها وحيه إلى نبيّه المصطفى، وإنّنا نشهده على اجتهادنا الصادق في الحصول على الأجرين، ولكنّننا راضون بالأجر الواحد. إنّه نعم المولى ونعم النصير. المؤلفان طرابلس في ٢/ ٣ / ٢٠٠٣

стр. 5

١ - البلاغة في اللغة والاصطلاح: ١ - ١ - البلاغة لغة: جاء في اللسان (بلغ): «بلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى، ... وبلغت المكان بلوغا: وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه، ومنه قوله تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ البقرة: ٢٣٤ أي: قاربنه. وبلغ النّبت: انتهى.» وهكذا نرى أن الدلالة اللغوية تتمحور حول الوصول، أو مقاربة الوصول، والانتهاء إلى الشيء والإفضاء إليه. وإذا عدنا إلى اللسان (بلغ)، وجدناه يقارب المعنى الاصطلاحي عند ما يقول: «والبلاغة: الفصاحة ... ورجل بليغ وبلغ وبلغ: حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، والجمع بلغاء، وقد بلغ بلاغة أي: صار بليغا» وهكذا نرى أن المعنى الإضافي (حسن الكلام) مرتبط بالمعنى الحقيقي (الوصول والانتهاء) لأنّ الكلام الحسن يوصّل ما في قلب المتكلم إلى المتلقّي بعبارة لسانه المشرقة الواضحة. ١ - ٢ - البلاغة اصطلاحا: جاء في معجم المصطلحات العربية (١) «هي مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فلا بدّ فيها من التفكير في المعاني الصادقة القيّمة القوية المبتكرة منسّقة حسنة الترتيب، مع توخّي الدقّة في انتقاء الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعاته وحال من يكتب لهم أو يلقى إليهم».

стр. 6

لم يكتف المعجم بتعريف البلاغة، بل تعدّاه إلى شروط تحققها في الشكل والمضمون لتكون آسرة لعقل المخاطبين، فاعلة في قلوبهم، شاملة للمواقف الكلامية التي يقفها المتكلّمون. وأضاف معجم المصطلحات العربية إلى الشروط المتقدم ذكرها شرطا أهم بقوله «والذّوق وحده هو العمدة في الحكم على بلاغة الكلام» وهذا يعني أن تباين الأذواق يجعل الحكم على بلاغة الكلام أمرا نسبيا، وتصبح البلاغة بلاغات. ١ - ٣ - حدّ البلاغة في كتب التراث: روى الجاحظ تعريفات القدامى من شعراء وكتّاب عندما سئلوا عن مفهوم البلاغة. ومن هذه التعريفات نذكر ما يأتي: ١ - ٣ - ١ - تفسير ابن المقفّع (ت ١٤٣ ه ـ): وجاء فيه (١) «البلاغة: اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة». لقد أحسن الجاحظ عند ما ذكر تفسير ابن المقفّع مستبعدا مصطلحي: الحدّ والتعريف؛ لأن ابن المقفع اكتفى بتقديم صفات البلاغة المتمثّلة في الإيجاز ومراعاة المقام. ولكن من حقّنا أن نتساءل عن علاقة السكوت والاستماع بالبلاغة. فبأي معيار نقيس بلاغة

стр. 7

الصّمت؟ وإذا كان الصمت أبلغ من الكلام في بعض المواقف المؤثرة حزنا أو فرحا، فهل يصحّ أن يسمّى العجز عن الإبلاغ عمّا يعتمل في النفس بلاغة؟ ألا يحقّ لنا أن نسمّي الصمت آنئذ حسن تخلص ارتباطه بالبلاغة واه لأن في الصمت مساواة بين البليغ وغيره. فهل يجوز أن يستوي في عين البلاغة الأبكم والفصيح؟ ١ - ٣ - ٢ - مفهوم (العتّابي ت ٢٢٠ هـ) للبلاغة: روى الجاحظ عن صديق له سأل العتّابي قائلا (١): «ما البلاغة؟ قال: كلّ من أفهمك حاجته من غير إعادة، ولا حبسة، ولا استعانة فهو بليغ» لقد اخترنا عمدا لفظ (مفهوم) لأننا رأينا أن العتّابي لم يعرّف البلاغة بقدر ما أعطى صفات البليغ. ألا يرى القارئ أن العتّابي سئل عن البلاغة فأجاب معرفا البليغ من المتكلّمين المبرّأ من العيّ والحبسة وفساد القول؟ ونترك للجاحظ نفسه شرح كلام العتّابي الذي جاء فيه (٢): «والعتّابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولّدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، أنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه» وكأن الجاحظ يقيّد الإفهام بالكلام الجاري على أنماط كلام الفصحاء من العرب.

стр. 8

١ - ٣ - ٣ - حدّ البلاغة عند الرّماني (ت ٣٨٦ ه ـ): قال الرّماني (١) «البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ» فالبلاغة تعني توصيل المعنى وتمكينه في قلوب المتلقين من طريق إلباسه الصورة الجميلة من اللفظ الذي يفتن الألباب. وهكذا نرى أن المصطلح تطوّر في هذ التعريف ليكتسب خصوصية لم يكتسبها سابقا. فلم تعد البلاغة بأوصافها، بل أخذت تحديدا واضحا ودقيقا بقي متداولا في كتب اللاحقين، يضيفون عليه ولكنّهم حافظوا على كنهه وفحواه. ١ - ٣ - ٤ - أبو هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) يتوسّع في تعريفها: استعان العسكري بالدلالة اللغوية لفهم مصطلح البلاغة عند ما ذكر سبب التسمية قائلا: «سميّت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه» (٢) ورأى أنها (٣) «من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم ... وتسميتنا المتكلّم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أن كلامه بليغ». وبعد توضيح الفصاحة معجميا ذهب إلى أن (٤) «الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له» ويستهل الفصل الثاني من الصناعتين بتعريف واف للبلاغة جاء فيه «البلاغة كل ما تبلّغ به المعنى قلب السامع، فتمكّنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن».

стр. 9

وقد وجدنا في شرح هذا التعريف ما يمكن عدّه ردّا على تعريف ابن المقفّع. قال العسكري (١) «ومن قال: إن البلاغة إنما هي إفهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة سواء». وإذا كان العسكري قد وقف الفصل الثاني لتعريفه الشخصي للبلاغة، فإنه قد جعل الفصل الثالث لتفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء في حدود البلاغة. ثم وضع شروط اجتماع آلة البلاغة، وهي في ظنّه (٢) «جودة القريحة وطلاقة اللسان» ومن تمام آلات البلاغة ما يأتي (٣): «التوسّع في معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها، ومعرفة المقامات، وما يصلح في كل واحد منها من الكلام» وقد شرح هذا القول بإسهاب فيما بعده من كلام متوقّفا عند الجزئيّات ليبسط فيها القول. ١ - ٣ - ٥ - مفهوم عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) للبلاغة: عقد الجرجاني في دلائل الإعجاز فصلا بعنوان (٤): «في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة، والبيان والبراعة، وكل ما شاكل ذلك» مبيّنا فيه أن «لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها ممّا يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزيّة إليه دون المعنى غير وصف الكلام بحسن الدّلالة، وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرّجها في صورة هي أبهى وأزين، وآنق وأعجب، وأحقّ بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق

стр. 10

لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد، ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزية». لقد قلنا مفهوم الجرجاني ولم نقل حدّه لأنه أعطى صفات مشتركة لكل من البلاغة والفصاحة والبراعة والبيان أوّلا، ولأنه لم يحدّد البلاغة تحديدا وافيا ثانيا. فالكلام يجب أن يكون شديد الدلالة على المعنى، ثم إنه من المستحسن أن يرصف في جملة أنيقة متبرّجة لتأتي فائقة الأناقة تبلغ الأسماع فتطربها بجرسها، وتأسرها بجمال وسحر ألفاظها. ولتأتي العبارة بهذه الصفات على صاحبها أن يتخيّر اللفظ الذي يؤدي المعنى ولا يقصّر عنه لأن الكلام الذي تقصّر فيه الألفاظ عن تأدية المعاني كاملة وبدقة متناهية ليس كلاما بليغا. ١ - ٣ - ٦ - موقف ابن سنان الخفّاجي (٤٢٢ - ٤٦٦ ه ـ): ذهب ابن سنان في كتابه (سرّ الفصاحة) إلى أن القدامى لم يحدّوا البلاغة، (لم يعرّفوها) لأنهم اكتفوا برصد صفاتها، وقد تعقب تعريفات السابقين مستبعدا أن تكون محاولاتهم هذه حدودا للبلاغة فشرحها مبيّنا أنها مجرّد صفات وليست حدودا صحيحة في نظره. ولكن ابن سنان لم يفرق بين الفصاحة والبلاغة، وذهبت جهوده في ذلك أدراج الرياح، فبعد أن رأى أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، وأن البلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني، فلا يقال عن كلمة مفردة إنها بليغة، ينتهي إلى تعريف للفصاحة جاء فيه (١):

стр. 11

«الفصاحة: عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار» وهذا تعريف يليق بالبلاغة أيضا. ١ - ٣ - ٧ - موقف الخطيب القزويني (ت ٧٣٤ ه ـ): أما الخطيب القزويني فقد ذهب في مقدّمة (الإيضاح) إلى أنه لم يجد في أقوال المتقدّمين (١) «ما يصلح لتعريفهما (الفصاحة والبلاغة) به» غير أنّه انتهى بعد أن شرح الفصاحة إلى تعريف بلاغة الكلام بأنها (٢) «مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته» وبعد شرح مسهب لكلام الجرجاني نفهم منه أنّه يتبنّى موقفه من إطلاق الفصاحة والبلاغة على أوصاف راجعة إلى المعاني، يتحدث عن بلاغة المتكلم التي يحدّها بقوله (٣): «هي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ».

стр. 12

٢ - نشأة البلاغة ٢ - ١ - [علاقة البلاغة بالقرآن] قال تعالى في محكم آياته وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ الشعراء: ١٩٢ فالقرآن معجزة إلهية نزلت بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: ١٩٥ وجد فيه العرب أسلوبا مغايرا لأساليبهم، وفصاحة لم يرق إلى مثلها بشر، وبلاغة لم يوصف بمثلها كلام. تحدّى بلاغة العرب التي كانت موضع فخرهم وزهوهم بقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً الإسراء: ٨٨ لهذا تمحورت حوله الدراسات لدرس لغته نحوا وصرفا وبلاغة ونقدا ... ورأى الدارسون أن فيه إعجازا يجب التعرّف إلى أصوله، ومجازا يجب التطرّق إلى حقيقته، وإيجازا يجب الوقوف على أسراره؛ فكان هذا البيان الساطع حافزا للدراسات البلاغية التي كان القرآن موضوعها الوحيد. ولم تكن هذه الدراسات مطلبا تعليميا بقدر ما كانت مطلبا دينيا للذود عن حياض الدين وفضح أضاليل خصومه. ولا نغالي، إن ذهبنا إلى أن القرآن الكريم تسبّب بنشأة علوم البلاغة. وقد نشأت حوله دراسات كثيرة لا حصر لها ولا عدّ. نذكر منها: ٢ - ١ - ١ - مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنّى (ت ٢١٠ ه ـ): استخدم أبو عبيدة لأول مرة لفظ المجاز. وألّف كتابه هذا سنة ١٨٨ هـ وكشف فيه عن معاني الألفاظ في سياقها من القرآن الكريم،

стр. 13

وبيّن طرائق القرآن في التعبير عن المعاني وما يستحسن قوله في تفسيره. وقد توقف فيه عند وجوه المعنى، والأوجه الإعرابية فبات شرحا إعرابيا لغويا بلاغيا في آن. ومن الظواهر البلاغية التي تطرق إليها نذكر على سبيل المثال لا الحصر: إيجاز الحذف أو المجاز المرسل بعلاقته المحلية عند ما فسّر قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف: ٨٢. وقد سمّى فيه المجاز العقلي بالمجاز اللغوي حيث أسند الفعل إلى غير ما هو له في الظاهر. وعرض لعدد من صور الالتفات، ولمّح إلى ما يسمّى بالاستعارة التمثيلية. ويبدو أن مجاز أبي عبيدة صار سجلا مفتوحا إذ كتب فيه كل من: ١. قطرب، محمد بن المستنير (ت ٢٠٦ هـ) وله: مجازات القرآن. ٢. أبي زكريا الفرّاء (ت ٢٠٧ هـ) وله: مجاز القرآن. ٣. ثعلب، أبي العباس أحمد بن يحيى (ت ٢٩١ هـ) وله: مجاز الكلام وتصاريفه. وذكر ابن النديم أسماء عشرات الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه للكسائي، والأخفش، والرؤاسي، ويونس بن حبيب، وابن الأنباري، والزجّاج، وثعلب وغيرهم (١)، كما ذكر أسماء عشرات الكتب التي ألّفت في غريب القرآن لكلّ من أبي عبيدة، ومؤرج السدّوسي، وابن قتيبة، واليزيدي، وابن سلّام، والطبري، والسجستاني، والعروضي، والبلخي، وابن خالويه (٢). هذا الفيض من الكتب التي تناولت معاني القرآن ومجازه ساعدت على نشأة البلاغة وتحديد بعض أبوابها.

стр. 14

ومن الدراسات القرآنية التي خاضت في قضايا البلاغة نذكر: ٢ - ١ - ٢ - كتاب معاني القرآن للفرّاء (ت ٢٠٧ ه ـ): هو كتاب في تفسير القرآن وإعراب ما أشكل إعرابه، وتوجيه الإعراب في خدمة المعاني، ومن أجل ذلك أشرب تفسيره بكثير من البحوث البلاغية. يمثل الكتاب ذروة النضج عند الفرّاء لأنه أملاه سنة ٢٠٤ هـ، أي قبل وفاته بأعوام. فلقد تحدّت فيه بشكل خاص عن الحذف الذي قاده إلى الكلام على الإيجاز. وكما قبل الحذف والإيجاز قبل كذلك الزيادة ولو عارض في ذلك موقف المتزمتين الذين ينكرون أيّ زيادة في النص القرآني. وتوقّف عند ضروب التكرار والفائدة الدلالية والبلاغية منه. كما تناول فنّ التعريض في مواضع متفرقة وقد وجد فيه بعدا عن المباشرة ومخاطبة لذكاء المتلقي وفطنته. واستوقفه ما يسمى بالفواصل القرآنية فدرس موسيقاها ونغميّة الإيقاع فيها. نكتفي بذكر هذه القضايا البلاغية التي عرضها الفرّاء في كتابه لأنها كافية للتدليل على علاقة البلاغة بالدراسات القرآنية. ٢ - ١ - ٣ - كتاب تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ت ٢٧٦ ه ـ): تحدّث ابن قتيبة في كتابه هذا عن المجاز ذاهبا إلى أن «للعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومآخذه» (١) وذكر من هذه المجازات كلا من الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، وغيرها من أبواب البلاغة.

стр. 15

لكن الموضوع البلاغي الذي شغله كثيرا هو موضوع المجاز الذي أفرد له بابا مستقلّا أكد فيه إيمانه بوجود المجاز في اللغة أولا وفي القرآن ثانيا، وعدّد الأمثلة التي تثبت شيوعه في اللغة. وكان بحثه في المجاز توطئة للكلام على الاستعارة جاعلا المجاز المرسل منضويا تحتها وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكناية. ورأى أن الالتفات من أساليب البلاغة العربية. ٢ - ١ - ٤ - كتاب النكت في إعجاز القرآن للرّماني (ت ٣٨٤ ه ـ): من أهم موضوعات البلاغة في هذا الكتاب قول المؤلف (١) «والبلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان». وقد جاء كلامه على هذه الأقسام متفاوتا إذ شغلت الأمثلة والشواهد حيّزا كبيرا من الكلام، أما التعريفات البلاغية فكانت غاية في الإيجاز. وفي سياق الحديث عن الإيجاز تطرّق إلى الإطناب والتطويل، مثنيا على الإطناب لأنه يفصّل المعنى وفقا للمقام. أما التطويل فليس من البلاغة في شيء لأنه تكلف الكثير من الكلام للقليل من المعاني. وقد ذهب الرماني إلى أن الشعراء يتفاضلون في باب التشبيه، وهو على كل حال على طبقات من الحسن. كما رأى أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة نظرا لأثرها النفسي في المتلقّين. وقد فاضل بين الفواصل والسجع مشيدا بالفواصل لأنّها تابعة للمعاني في حين كانت المعاني تابعة للأسجاع.

стр. 16

٢ - ١ - ٥ - كتاب بيان إعجاز القرآن للخطّابي (ت ٣٨٨ ه ـ): بنى كتابه على طريقة النظم حين ذهب فيه إلى أن الكلام (١) «إنّما يقوم بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا، وأشدّ تلاؤما وتشاكلا من نظمه». وتحدّث بإسهاب عن فصاحة الكلمة لأنها في نظره جزء من فصاحة الكلام وبلاغته وحسن النظم. ووصف الكلمة بالفصاحة والجزالة البعيدة عن الغرابة ولأنّ البلاغة في نظره لا تعبأ بالغرابة. ٢ - ١ - ٦ - كتاب إعجاز القرآن للباقلّاني (ت ٤٠٦ ه ـ): من ركائز إعجاز القرآن عنده براعة النظم المتمثّلة في: - مخالفته في الشكل والقالب ما عهد عن العرب في كلامها. ولهذا عقد لنفي وجود الشعر والسّجع في القرآن الكريم فصلين كاملين من كتابه. - آيات القرآن في سوره جميعا اعلى فصاحة وبلاغة من كلام العرب، وهي تتنقّل بين إيجاز وإطناب واقتصار، وبين صور مختلفة من الحقيقة والمجاز والاستعارة. ولهذا عقد فصلا للبديع أثبت فيه أن ضروب البديع الرائع عند العرب مقصّرة عن بلوغ ضروبه الواردة في محكم آياته. فلقد ذهب إلى القول (٢): «... والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التّصنع له، والتوصل إليه بحال».

стр. 17

ومن الموضوعات البلاغية التي تحدث عنها بإسهاب نذكر: السّجع والترصيع، والتشبيه، والاستعارة، والمماثلة، والكناية، والإيجاز، والإطناب، والحقيقة والمجاز، ... اختار الباقلّاني النظم طريقا للإعجاز. ونظمه مختلف عن سجع الكهّان والعرب، وعن خطبهم. وكلامه «خارج عن الوحشيّ المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصيغة المتكلّفة». ٢ - ١ - ٧ - كتاب إعجاز القرآن للقاضي عبد الجبّار (ت ٤١٥ ه ـ): كتاب إعجاز القرآن للقاضي عبد الجبار أحد أجزاء كتابه الكبير (المغني في أبواب التوحيد والعدل). والقاضي معاصر للباقلّاني وكتابه يحمل التسمية نفسها التي أطلقها الباقلّاني على كتابه، غير أن القاضي تطرق في كتابه لموضوعات لم يتناولها الباقلّاني. تعرض القاضي في كتابه للفصاحة مبيّنا أسرارها وأسبابها، ووجد أنها تقوم على ركيزتين هما:- جزالة اللفظ. - حسن المعنى. ولكنّه خلص إلى أن النظم وحده يظهر ذلك. ولهذا ذهب إلى القول (١): «فلا معتبر في الفصاحة بقصر الكلام وطوله وبسطه وإيجازه لأن كل ضرب من ذلك ربما كان أدخل في الفصاحة في بعض المواضع من صاحبه» وكأنه يريد أن يثبت صحة القاعدة البلاغية القائلة: لكل مقام مقال. ومن أبواب البلاغة التي تحدث عنها القاضي نذكر كلا من: التكرار وأنواعه، والتطويل والإيجاز، ولم يعد التطويل عيبا بالمطلق،

стр. 18

ولا الإيجاز مزيّة مطلوبة بالمطلق لأنه يقول (١): «وإنما يعد التطويل عيبا في المواضع التي يمكن الإيجاز، ويغني عن التطويل فيها. فأما إذا كان الإيجاز متعذرا أو ممكنا ولا يقع به المعنى، ولا يسدّ مسدّ التطويل، فالتطويل هو الأبلغ في الفصاحة». ٢ - ١ - ٨ - كتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ ه ـ): رسّخ عبد القاهر نظرية النظم ووطّد دعائمها بعد أن كانت شتاتا مبعثرا في كتب سابقيه. وقدّم من الحجج والأدلة ما يدحض تفاضل الكلمات المفردات لأن (٢) «الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلّق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر». ألا تكفي حججه هذه للدلالة على أن النظم أساس التفاضل؟ ونفى عبد القاهر أن يكون الإيقاع الموسيقي دليلا على إعجاز القرآن لأنه قد يقع في حماقات مسيلمة الكذّاب. كما أنه رأى أن الفواصل (السجع) لا تنهض دليلا على الإعجاز. والإعجاز في نظره لا يقع في استعارة أو كناية أو تمثيل. وقد ذهب إلى نفي كل هذه الاحتمالات ليبقي على جوهر الإعجاز في نظره وهو النظم. والنظم قاده إلى الكلام على أبواب البلاغة من مثل: التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والتعريف والتنكير، والاستعارة، والكناية، والتصريح، والإيجاز، والسجع

стр. 19

والتجنيس، والإسناد وتحقيق معنى الخبر، وغيرها من موضوعات البلاغة. ذكرنا أسماء هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر لأنّ المصنّفين ذكروا أيضا في هذا الباب كلا من كتاب: الجمان في تشبيهات القرآن لابن ناقيا البغدادي (ت ٤٨٥ هـ)، والكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، وبديع القرآن لابن أبي الأصبع المصري (ت ٦٥٤ هـ)، والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للعلوي (ت ٧٥٩ هـ) ومعترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي (ت ٩١١ هـ). وهكذا يمكننا القول: إن القرآن الكريم كان الباعث على تصنيف هذا الكم الهائل من الكتب البلاغية المرتبطة بفهم وتفسير القرآن معنى ومبنى. ولقد جعل أبو هلال العسكري تعلّم البلاغة فرضا على من يريد التعرف إلى بلاغة القرآن وإعجازه عند ما قال (١): «إنّ أحقّ العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى». ألا يكون كلام العسكري هذا تفسيرا لوفرة المصنفات البلاغية التي تناولت إعجاز القرآن، وكانت ثمرة أسئلة بحثوا عن أجوبة لها فيما قدموه من جهود، وما بذلوه من آراء؟ ٢ - ٢ - علاقة البلاغة بالشعر: عرف الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة صراعا بين تيارين شعريين هما: تيار المحافظين، وتيار المجددين. وتكلم النقاد

стр. 20

على موجة الصراع بين أنصار المحافظة والتقليد من جهة، وأنصار التجديد من جهة ثانية. هذه الحقبة عرفت على صعيد الشعر مصطلحا جديدا هو: الخصومة بين القدامى والمحدثين. هذه الخصومة وجهت الدارسين شطر دواوين الشعراء لدراسة ما فيها من بيان ساطع وقدرة على التخييل تسعف على ابتكار تشابيه جديدة وتفنّن في ضروب الاستعارة والمجاز، وراحوا يتقصون ما في دواوين هؤلاء من طباق وجناس وترصيع باحثين عن عناصر الصورة الشعرية واللغة الشعرية المميزة. وما دمنا بصدد الخصومة بين القدامى والمحدثين، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على الإشارة- ولو بسرعة- إلى عدد من المصنفات التي أفرزتها تلك الخصومة. فمن أبرز هذه المصنفات: ١. الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٦٦ هـ). ٢. الموازنة بين أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت ٣٧١ هـ). هذان المصنفان وازنا بين الشعراء، وذكر صاحباهما بحوثا في البلاغة اقتضاها حسن الشرح والتعليل لبيان ما في وجوه المفاضلة من تميّز هذا الشاعر على ذاك في التخييل، وعناصر الصورة الشعرية. ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى كتاب سبق عصر الخصومة هذه، هو كتاب البديع لأبي العباس عبد الله بن المعتز (ت ٢٩٩ هـ). لقد تعقّب ابن المعتز ظاهرة البديع فوجده في شعر السابقين لموجة الحداثة، غير أن المحدثين عرفوا به لأنهم أفرطوا في استخدامه وأسرفوا في تكلّفه. قال ابن المعتز (١) «قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا ...

стр. 21

الذي سمّاه المحدثون البديع، ليعلم أن بشّارا، ومسلما، وأبا نواس، ومن تقيّلهم (حذا حذوهم)، وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم، ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شعف به حتى غلب عليه وتفرع فيه، وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف». لنا عودة إلى كتاب البديع نفصّل فيها الكلام على أهمية الكتاب وذلك في مقدّمة علم البديع. ٢ - ٣ - علاقة البلاغة بالخطابة: كتب د. طه حسين بحثا بالفرنسية ترجمه إلى العربية عبد الحميد العبادي، وتصدّر كتاب نقد النثر لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي (ت ٣٣٧ هـ). وهو بعنوان (تمهيد في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر)، ذهب فيه إلى أن الجاحظ (١) وضع في كتابه البيان والتبيين أسس الخطابة البليغة قبل أن يطلع العرب على كتاب الخطابة لأرسطو. ولما ترجم كتاب الخطابة لأرسطو صار للعرب بيانان، أحدهما عربي والآخر يوناني. والخطبة على علاقة وطيدة بالقصيدة لأن القصيدة كانت تلقى في حفل، ولأنها تهدف مثلها في كثير من الأحيان إلى الإقناع والتأثير. ألم تكن معلقة الحرث بن حلزة خطبة عصماء أقنعت الملك عمرو بن هند وأبعدت منافسه التغلبي عمرو بن كلثوم؟ والخطبة فيها كالقصيدة عناية بفنون التعبير. لهذا بسط النقاد كلامهم على ما فيها من سجع، وطباق، وجناس، ومقابلة، وتشبيه ومجاز ... الخ.

стр. 22

ومن يراجع كتاب البيان والتبيين يجد الجاحظ غير مفرق بين البلاغة والخطابة فلقد ذهب إلى أن (١) «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة. وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ...» وقد جمع شروط الخطابة الناجحة والخطيب المفوّه متطرقا إلى مقولة: لكل مقام مقال، والبعد عن التكلف والغرابة. والإيجاز في نظره من مقومات الخطبة البليغة. وتحدث الجاحظ عن عيوب الخطيب الخلقية، كما تحدث عن عيوب النطق وعدّها آفة في الخطيب تبعده عن بلاغة القول وحسن التأثير في المخاطبين. ثم عقد بابا ذكر فيه أسماء الخطباء والبلغاء والأبيناء وذكر قبائلهم وأنسابهم. وفي الخطابة كلام على أنواع التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية والإيجاز والإطناب والمساواة وغيرها من ضروب البلاغة التي تحدث عنها النقاد والبلاغيون في نقد الشعر وبيان فضائله التعبيرية وصوره التخييلية.

стр. 23

٣ - بين الفصاحة والبلاغة والأسلوب ٣ - ١ - الفصاحة قاموسيا: جاء في اللسان (فصح)، «الفصاحة: البيان؛ فصح الرجل فصاحة فهو فصيح من قوم فصحاء وفصاح وفصح ... تقول: رجل فصيح أي بليغ، ولسان فصيح أي طلق ... وأفصح عن الشيء إفصاحا إذا بيّنه وكشفه. وفصح الرجل وتفصّح إذا كان عربي اللسان فازداد فصاحة ... وكل ما وضح فقد أفصح». من هذا الكلام نستدل على أن المعنى القاموسي متمحور حول معنيين: الوضوح والظهور. وهذا هو المعنى الوارد في القرآن الكريم وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً القصص: ٣٤، كما ورد بهذا المعنى نفسه في الحديث الشريف الذي جاء فيه: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش». كما نستدل على أن الفصاحة والبلاغة شيء واحد إذ اللسان شرح (رجل فصيح) فقال: أي بليغ فكأن الفصاحة والبلاغة عنده سيّان. ٣ - ٢ - الفصاحة اصطلاحا: جاء في معجم المصطلحات العربية (١) «الفصاحة: أن تكون كل لفظة في الكلام بيّنة المعنى، مفهومة، عذبة، سلسة، متمشّية مع القواعد الصرفية» وجعل الفصاحة في ثلاثة أمور: ١ - فصاحة التركيب. ٢ - فصاحة الكلمة. ٣ - فصاحة المتكلّم. فالفصاحة باختصار هي: الكلام

стр. 24

الواضح المعنى، البيّن الغرض الذي تجري ألفاظه على قواعد اللغة. وقد قسمها البلاغيون القدامى قسمين هما: أولا- فصاحة المفرد: ويعني «المفرد» اللفظ الواحد مجردا من سياقه الذي انتظم فيه. فهو إذا الكلمة. ولا تكون الكلمة فصيحة في نظرهم إلا إذا خلت من عيوب ثلاثة هي: أ- تنافر الحروف: ويعني البلاغيون بهذا المصطلح ما تكون الكلمة بسببه ثقيلة على اللسان، بحيث يصعب النطق بها، وثقيلة على السمع أيضا. وقد رأى البلاغيون ثقلا خفيفا في قول امرئ القيس (الطويل) (١): غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضلّ المدارى في مثنّى ومرسل فكلمة مستشزرات غير فصيحة عندهم لصعوبة النطق بها دفعة واحدة، فيضطر القارئ إلى تجزئتها وقراءتها مقطعيا. ولكن هذه الكلمة تبقى أخف من كلمة (الهعخع) التي عدّها البلاغيون ثقيلة أو هي غاية في الثقل. وقد سمّى الجاحظ هذه الظاهرة ب (الاقتران) عند ما قال (٢): «... فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء، ولا القاف، ولا الطاء، ولا الغين، بتقديم ولا تأخير. والزّاي لا تقارن الظّاء، ولا

стр. 25

السيّن، ولا الضاد، ولا الذّال، بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير. وقد يكتفى بذكر القليل حتى يستدلّ به على الغاية التي إليها يجرى». ب- الغرابة: اللفظ الغريب: هو الذي مات استعماله، وغدا من الحوشي الذي يحتاج في التعرف إلى دلالته إلى المعجمات. والحكم في قضية الغرابة الأدباء والشعراء لا العامة، وإلا صار مجمل اللغة غريبا غير فصيح. قال أبو الطيب (الكامل) (١): جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغرّ دلائل فالفعل جفخ يعني قاموسيا تكبّر وفخر وقد لجأ إليه المتنبي ليتحدّى أعداءه في البلاط. وإذا كان النقاد قد ذهبوا إلى أن اللجوء إلى الغريب عجز في صاحبه فمن السهل على المتنبي إحلال (فخرت) مكان (جفخت) و (يفخرون) محل (يجفخون) ليبتعد عن الغريب. ولهذا فإن الضرورة أو العجز لم يلجئاه إلى الغريب، ولكن الرغبة في التمايز والانفراد هي التي دفعته إلى اختيار اللفظ الغريب. ولعل البيت مصاب بعيب آخر غير الغرابة. ألا يصح اتهام اللفظ نفسه (جفخت) بتنافر الحروف؟ ألا يتهم البيت أيضا بالتعقيد اللفظي المتمثل في تكرار الضمائر الموقع في صعوبة ردها إلى أصحابها (بها، بهم). هذا التعقيد اللفظي أوقع في تعقيد معنوي حتى صار البيت بحاجة إلى شحذ الحس اللغوي، وإعادة صياغته لنظم البيت وصولا إلى المعنى. والنظم المعنوي للبيت هو: جفخت بهم شيم على الحسب الأغرّ دلائل، وهم لا يجفخون بها.

стр. 26

إن الكلام على غرابة اللفظ حمل النقاد على الحديث عن التفاضل بين لفظ وآخر. ورأى الجرجاني أن الكلمتين المفردتين لا تتفاضلان (١) «من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه، من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشيّة، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن». وإذا كان الجرجاني قد فضل الكلمة المألوفة على الغريبة الوحشية، والخفيفة على اللسان على الثقيلة عليه، فإنه في الواقع قد أهمل الدوافع النفسية التي تحمل الشاعر على تفضيل الغريب مع قدرته على استخدام المألوف كتلك التي حملت المتنبي على تفضيل (جفخت) على (فخرت). ولعل الجرجاني قد أدرك الخلل في نظرته هذه إلى التفاضل فقال: «فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ». وهكذا يرى الجرجاني أن الفصاحة والبلاغة ليستا في اللفظ المفرد إلا إذا انتظم في سياق. وهو محقّ في ذلك لأن الكلمة بمفردها مشروع معنى يحدّده ويقيّده السياق. وإذا كان الجرجاني قد ذهب إلى أن (٢) «الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر» فإنني أذهب إلى أن (جفخت) فصيحة في سياقها على الرغم من تنافر حروفها وحوشيتها؛ لأنها رصفت في سياق لا يليق به غيرها.

стр. 27

ج- مخالفة القياس اللغوي: قال أبو النّجم العجليّ (١) (الرّجز) الحمد لله العليّ الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل وقال المتنبي (٢) (الطويل): ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم توافرت لأبي النجم والمتنبي شروط الإدغام ولكن الضرورة ألجأتهما إلى فكّه في كلّ من (الأجلل- الأجلّ) و (حالل- حالّ) و (يحلل- يحلّ) وفي هذه الضرورة مخالفة للقياس الصرّفي. ومن مخالفة القياس الصرفي ما نجده من أخطاء شائعة على ألسنة الناس وفي كتابات بعض المحدثين كأن يقولوا: السيارة المباعة، ونضوج الفاكهة يزيدها حلاوة، وهذه عصاتي وغير ذلك. والقياس الصرفي يقضي بقول: السيارة المبيعة، ونضج الفاكهة ونضجها، وهذه عصاي. فالكاتب المبدع، والشاعر المفلق، يتحرى صحة الألفاظ وجريانها على قواعد الصرف والنحو، ويبتعد عن الألفاظ العامية المبتذلة. ولقد خالف بعض النقاد القدامى هذا المبدأ، فابن الأثير ينبّه إلى أنه (٣) «ينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة» وفي هذا الحكم ضرب من المغالاة- في رأينا- لأن الفصاحة وضوح وتبيين ورفع المفعول ونصب الفاعل لا يوضحان المعنى،

стр. 28

علاوة على أن الأدب آلته اللغة فإذا كانت اللغة ركيكة ذهب رونق الأدب. وذهب ابن خلدون إلى موقف شبيه بموقف ابن الأثير عندما رأى (١) «أن الإعراب لا دخل له في البلاغة، فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة. فإذا عرف اصطلاح في ملكة، واشتهر، صحّت الدلالة. وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة». إن الاستخفاف بقوانين النحاة، لا يخدم الإبداع بل يعارضه. والقدامى اشترطوا صحّة القياس ليبقى التواصل ولتتأصل الملكة ولأنهم أدركوا أن فشوّ اللحن قد عطّل آلة البلاغة كما عطّل حسن السليقة وتمكّن الملكة. ونهض من بين المحدثين من يؤكد (٢) «أهمية اتباع نظام موحد في التعامل مع اللغة حفاظا على سلامة النظام اللغوي في أبنيته ومفرداته، لكن لا ينبغي- في الوقت نفسه- التعويل دائما على القياس والخضوع المطلق لكل ما يفرضه» وردّنا على هذا لا يختلف كثيرا عن رأينا في ما تقدم من كلام على رأيي ابن الأثير وابن خلدون. ثانيا- فصاحة المركب (فصاحة الكلام): وضع البلاغيون أربعة شروط لفصاحة الكلام هي:

стр. 29

١ - سلامته من ضعف التأليف: وتعني السلامة هذه خلو الكلام من الخطأ النحوي والصرفي، وجريانه على قواعد النحو المطردة، كقول حسان (الطويل) (١): ولو أن مجدا أخلد الدّهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدّهر مطعما أعاد الشاعر الضمير المتصل بالفاعل على متأخر لفظا ورتبة. الهاء في مجده عائدة على (مطعما) وهو متأخر في اللفظ والرتبة لأنه مفعول به. وهذا ممنوع عند جمهور البصريين، ولكن بعض الكوفيين، وابن جنّي أجازوا ذلك. والمتتبّع لدواوين الشعراء القدامى، وكتابات المحدثين يرى أن هذه الظاهرة شاعت وليست من جنايات الترجمة كما ذهب إلى ذلك المخطّئون. ويبدو أن شيوعها قد سبق لغة الصحافة لأن الشعراء الذين يحتج بشعرهم قد فعلوا ذلك. والأغرب أن واضع علم النحو قد فعل ذلك في شعره عند ما قال (٢) (الطويل): جزى ربّه عنّي عدّي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فكيف تكون هذه الظاهرة ممنوعة عند النحويين وأبو النحو يستخدمها في شعره؟ وأين مصداقيّة المنظّر إذا خالفت الممارسة التنظير؟

стр. 30

٢ - سلامته من تنافر الحروف في الكلمات المتتابعة: وهذا يعني ألا يكون بين الكلمات المتتابعة مجتمعة في تركيب انسجام وتآلف بحيث تتقل على اللسان، ويصعب التلفظ بها وإن كانت كلّ كلمة بمفردها خفيفة لا تقل فيها. وذكر الجاحظ قولا للأصمعي جاء فيه (١) «ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر (السريع): وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر ولما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتتعتع ولا يتلجلج، وقيل لهم: إن ذلك إنما اعتراه، إذ كان من أشعار الجن، صدّقوا ذلك» (٢). إذا عدنا إلى كل لفظة بمفردها من ألفاظ البيت وجدناها خالية من تنافر الحروف، لا ثقل فيها على اللسان، ولكن عند اجتماعها في تعبير بدت متنافرة، لا تآلف بينها ولا تجانس، حتى ليتعثّر اللسان بنطقها مجتمعة. ورأى الجاحظ أنه إذا (٣) «كانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض، كان من التنافر ما بين أولاد العلات «*». وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيّا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة».

стр. 31

ولهذا خلص إلى القول (١): «وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدّهان». ٣ - سلامته من التعقيد اللفظي: رأى البلاغيون أن التعقيد اللفظي يعني أن يأتي الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد لخلل واقع في نظمه وتركيبه، بحيث لا يأتي رصف الألفاظ وفق ترتيب المعاني، وسبب ذلك اعتماد الفصل بين كلمات توجب اللغة عدم الفصل بينها، وتأخير الألفاظ عن مواطنها الأصلية لغرض غير بلاغي. ونقدم مثالا على التعقيد اللفظي قول الفرزدق (٢) (الطويل): وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه فضرورة الوزن حملته على التعقيد، ففصل بين البدل (حيّ) والمبدل منه (مثله)، وقدّم المستثنى (مملّكا) على المستثنى منه (حيّ)، وفصل بين المبتدأ والخبر (أبو أمه أبوه) بأجنبيّ وهو (حي)، وبين الصفة والموصوف (حي يقاربه) بأجنبي هو (أبوه). ورصف البيت ونظمه بحسب المعاني هو: ليس كالممدوح في الناس حيّ يقاربه في الفضائل إلا ملكا، أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح. لذلك كان على القارئ أو السامع أن يطلب المعنى بالحيلة، وأن يسعى إليه من غير الطريق.

стр. 32

٤ - سلامته من التعقيد المعنوي: ويقصد بالتعقيد المعنوي الكلام الذي خفيت دلالته على المعنى لخلل واقع في معناه، بسبب انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم لغة من اللفظ، إلى المعنى الثاني المقصود بحيث يحتاج المعنى البعيد إلى تكلّف وتعسّف في التفسير. ومن التعقيد المعنوي ما جاء في قول العبّاس بن الأحنف (١) (الطويل): سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا طلب الشاعر البعد عن أحبّته غير عابئ بآلام البعد لتعليله نفسه بوصال دائم، وفرح لا يزول بعد أن عاد من سفره غنيّا ليطول اجتماعه بأحبته. فقد عبر الشاعر عما يوجبه فراق الأحبة من لوعة وحزن ب (تسكب عيناي الدموع) فكان مجيدا في تعبيره لأنّ البكاء أمارة على الحزن، وكنى ب (جمود العين) عن السرور والبهجة اللذين أصاباه بعد اجتماعه بأحبته. لكنه أخطأ الهدف لأن جمود العين يعني جفاف الدمع وعدم جريانه عند الدافع إليه (الحزن على فراق الأحبة) لا عمّا أراده من السرور، إذ متى كان البكاء أمارة على السرور؟ أضاف المحدثون عيبا خامسا هو: ٥ - كثرة التكرار وتتابع الإضافات: مثال ذلك قول المتنبي في فرسه (٢) (الطويل): وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد

стр. 33

تتابعت في البيت حروف الجر ومجروراتها، وكذلك الضمائر مما أفضى إلى ثقل الكلام على اللسان. وتكرار غمرة أسقط عنها طاقة الإيحاء. قال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة بعنوان (١) (براءة ١٩٥٤): من طيبتي، ... من كبريائي من أصدقائي ... من كل ما قدّست، ما آمنت أنّ به بقائي ... من ذكرياتي من حاضري، ... من كل آت من والدي وسحابة الستّين في عينيه تهمي ... من إخوتي حتى الصغير، ومن أخيّاتي وأمّي ... من كل إنسانيّتي من كل إيثاري لغيري ... من كل شعري. ففي الأسطر الأربعة عشر تكرّر حرف الجر (من) ثلاث عشرة مرة، بحيث تصدّر ثلاثة عشر سطرا. وتكرّرت (كلّ) خمس مرات

стр. 34

حتى كان تكرارهما مدروسا فاشتد من خلال التكرار عمق شعورنا بالمأساة، وكانت الكلمة منطلقا ولم تكن مجرد متكأ يتوكأ عليه الشاعر منطلقا إلى موضوعات جديدة. لهذا كان هذا التكرار مدروسا ساعد الشاعر على إفراغ عواطفه وإبراز انفعالاته المتفجرة وكانت المرة الأولى تدفع إلى شيء لاحق وهكذا على التوالي حتى بقيت طاقة الإيحاء فيها مهيمنة، ولم يكن التكرار سبيلا إلى السأم وتهرؤ الصيغ ومعانيها. ليحافظ الشاعر على ألق العبارة يجب أن يكون التكرار في قصيدته مدروسا يبعد شبح الموت عن المعاني المكررة، ويبعث ألقا في الألفاظ بحيث تحتفظ بقدرتها الإيحائية العاملة على إثارة جديد لاحق لا إماتة معنى يشيع على مساحة القصيدة. ٣ - ٣ - الأسلوب: جاء في اللسان (سلب) «يقال للسّطر من النخيل: أسلوب. وكل طريق ممتدّ فهو أسلوب: قال: والأسلوب الطريق والوجه والمذهب ... والأسلوب: الطريق تأخذ فيه، ... والأسلوب: الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي: أفانين منه». يكتشف المتأمل في هذا الكلام المعنى القديم للأسلوب والأصل الذي بقي محافظا على كيانه يوم توسّعت الدلالة وانزاحت من سطر النخيل إلى سطر الكلام، حتى استقرّت دلالته بوشاحها الفني فالأسلوب هو الفن. وأساليب القول: أفانينه، ولعلّه من الضروري الكلام على الأساليب لأن أساليب القول هي التي أنشأت مذاهب أدبية وتيارات ومدارس شعرية. وقد جمح بعض الكتاب والشعراء في العناية بنتاجهم حتى قدّموا الأسلوب على الأفكار. وذهب بعضهم إلى القول: ليس المهم ما تقول، بل المهم كيف تقول. وشعراء الحداثة لم يثوروا على مضمون القصيدة بقدر ما ثاروا على مبناها وأسلوبها. وهذا أدونيس

стр. 35

يقول (١): «يمكن اختصار معنى الحداثة بأنه التوكيد المطلق على أوّلية التعبير، أعني أن طريقة القول أو كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وأن شعرية القصيدة أو فنيتها في بنيتها لا في وظيفتها». وإذا كان «لسان العرب» قد أعطى المعنى القاموسي للفظ فإن معجمات المصطلحات توكأت على هذا المعنى وطوّرته، لا بل حدّثته. جاء في معجم المصطلحات العربية (٢): «الأسلوب بوجه عام هو: طريقة الإنسان في التعبير عن نفسه كتابة» وهذه الطريقة تتناول الألفاظ التي يختارها الإنسان والتراكيب والجمل التي ترصف فيها هذه الألفاظ. فمن هذه التراكيب ما يكون معقّدا، ومنها ما يكون سهلا واضحا، ومنها المتأنق الموشّح بضروب البديع والبيان، ومنها البسيط المباشر الذي لا يعتني بالمحسنات على ضروبها المتعددة. من هنا علاقة الأسلوب بصاحبه وبمقدرته على استغلال خزائن اللغة واكتناه جواهرها. فمن الناس من يغرم بجمع العاديات، ومنهم من يبحث عن الجديد، ومنهم من يتوخى البساطة في التعبير، ومنهم من يتكلف القول ويتمحّل طرقا جديدة في الصياغة والعلاقات بين الألفاظ حتى لتبدو العبارة لعبة جديدة لا يتقن غيره استخدامها. ولهذا كان المحدثون ينشدون البحث عن أساليب جديدة في البحث البلاغي لأنهم جددوا الأساليب وتخطوا قواعد البلاغيين القديمة المتخلّفة عن مواكبتهم ولأن القواعد سلطة يجب تدميرها. حاول المحدثون تعريف الأسلوب تعريفا جامعا، فقال أحمد الشايب (٣): «الأسلوب هو طريقة الكتابة، أو طريقة الإنشاء، أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو

стр. 36

الضرب من النظم فيه ... إنه باختصار طريقة التفكير والتصوير والتعبير». وبما أنه طريقة التفكير والتصوير والتعبير فقد قسمه البلاغيون ثلاثة أقسام هي: ١ - الأسلوب العلمي: عرّفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الأسلوب الواضح المنطقي البعيد عن الخيال الشعري، وذلك كالأساليب التي تكتب بها الكتب العلمية». وليكون الأسلوب واضحا فإنه محتاج إلى المنطق السليم، والفكر المستنير البعيد عن التهويم والتخفي وراء الغموض الفكري أو الفني، فلا يخوض في الصور الشعرية المعقدة لأنه يخاطب العقل، ولا ينشد خلق حالة شعرية عند المتلقّي، فهو يتوجّه إلى العقل ليقنعه لا إلى القلب ليثيره. لهذا كان الوضوح من أبرز مقوماته. هذا الوضوح يقضي باختيار ألفاظ تقنية لا تقصّر عن أداء المعنى، ولا هي تعطيه أكثر من دلالتها القاموسية أو الاصطلاحية. لهذا وجب تجنب ألفاظ التضادّ والمشترك اللفظي، لأنها تعطّل عملية التواصل الصحيح. ولتوضيح الفكرة يستعين العلماء بلغة فيها بعض العناصر الشارحة كالنعت، والمضاف إليه، والحال، والتمييز، لكنّهم يبتعدون حتما عن الغريب والحوشي من الألفاظ، ويتحاشون الوقوع في التعقيد اللفظي والمعنوي اللذين تحدثنا عنهما سابقا. كما أنهم يبتعدون عن بعض أساليب البلاغة من كنايات، وتوريات وأساليب المجاز والمحسّنات التي تقود المعتني بها إلى مسالك تبعده عن غايته الأساسية.

стр. 37

وربّما سمح العلماء لأنفسهم باعتماد التشبيه الواضح الذي يستوفي أركانه لأنّه يساعدهم في التقريب بين الشائع المتداول من الأشياء والجديد الذي لم تألفه العيون والأفكار. ٢ - الأسلوب الأدبي: عرفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الأسلوب الجميل ذو الخيال الرائع والتصوير الدقيق الذي يظهر المعنويّ في صورة المحسوس والمحسوس في صورة المعنوي» يشيع هذا الأسلوب في الشعر والنثر الفني. يوظّف فيه الشاعر أو الكاتب طاقاته الإبداعية كلها لأن الهدف الرئيسي الذي يسعى إلى تحقيقه يبقى إثارة الانفعال في نفوس الآخرين وتحقيق نقلة بين مشاعره ومشاعرهم. فالأسلوب الأدبي عاطفي بالدرجة الأولى، ولا يكتب صاحبه إلا في درجة الغليان العاطفي لهذا كان الانفعال أبرز مقوّماته. وهو قائم على التخييل ومطالب بالتشكيل فلا يقبل فيه الكلام كيفما اتفق. فالعبارة يجب أن تكون فخمة محلّاة بالصور، مكسوّة بضروب البديع والبيان، مشعّة بألفاظ موحية تتشظّى معانيها وتقبل قراءات شتى، ويكثر فيها التأويل لأنها تتوسع في احتواء المجاز، والاستعارة، والكناية، والتورية، وما إلى ذلك من ضروب البديع والبيان. ولهذا فإن الأسلوب الأدبي مطالب بتوظيف الصور البلاغية على اختلاف درجاتها وأنواعها. ولكنّ صاحبه مطالب دائما بالبعد عن التكلف والتعسف والاقتراب من العفوية والطبعية مع مراعاة لأصول الفنّية الراقية البعيدة عن المباشرة والابتذال.

стр. 38

٣ - الأسلوب الخطابي: عرّفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الذي يمتاز بقوة المعاني والألفاظ ورصانة الحجج، كما يمتاز بالجمال والوضوح وكثرة المترادفات والتكرار». الخطابة- كما قال القدامى- فنّ يهدف إلى الإقناع والتأثير. وللوصول إلى الإقناع كان على الخطيب أن يتحلى بقوة المعاني وجزالة الألفاظ، وبالحجة والبرهان الساطع الذي يسقط دليل المخاطبين ويفضح زيف ادعاءاتهم. فالعقل الخصيب يستنبط الحجج والأدلة والبراهين التي ترسّخ مقولة الخطيب وتقنع المخاطبين بوجهة نظره. ولأن الخطبة تلقى في حفل فإن أمورا شكلية تتدخل لإنجاحها. فنبرات صوت الخطيب وحسن إلقائه، ومحكم إشاراته، عناصر مساعدة على أداء خطابي ناجح. كما يعمد الخطيب إلى التكرار الذي يقتضيه المقام. فالمخاطبون قد يتخلفون عن تتبّع أفكار الخطيب فيلجأ إلى التكرار اللفظي أو المعنوي ليثبت الفكرة في عقولهم. هذا التكرار مستحبّ في الخطبة شريطة أن يراعى مستوى المخاطبين الفكري والثقافي، ولهذا نرى الخطيب الناجح لا يميت الطاقة الإيحائية الكامنة في الألفاظ المكررة بل يلجأ إلى المرادفات ويتقرّب من مخاطبيه بضرب الأمثال والابتعاد عن الرّتابة المملة بتمويج العبارة بين الخبر والإنشاء والتنقل بين التقرير والاستفهام والتعجب والاستنكار. وكثيرا ما يلجأ الخطيب إلى الطباق الموظف توظيفا حسنا ليبين الفرق بين حال قائمة وحال زائلة، بين ما هو كائن، وبين ما هو واجب أن يكون. وكذلك المقابلة التي تقوم على تعدد الطباقات التي تخاطب العقول والقلوب وتؤثر في الحواس وتأسر الأسماع. وفي الأسلوب الخطابي

стр. 39

يزواج الخطيب بين المباشرة عندما يرى أن تسمية الأمور بأسمائها مفيدة ومساعدة على الإقناع- وبين الفنية العالية التي تخاطب ذكاء المخاطبين وقدرتهم على التحليل والفهم والاستنتاج.

стр. 40

بين الفصاحة والبلاغة ألفاظ الأديب التي يستخدمها في فنّه هي نفسها تلك الألفاظ التي يستخدمها جميع الناس في كلامهم، ويتحدثون بها ويكتبون، لكنه يستطيع بهذه الأداة المألوفة حين يحسن التوفيق بين حروفها، وتركيب ألفاظها، واختيار الأصلح منها أن ينطق بالسحر الحلال، الذي تقبله النفس، وينشرح له الصدر، ويمكنه بهذا أن يخرج فنا يفوق جميع الفنون، ويسمو عليها. وإذا صدر الكلام من المتحدث على تلك الصورة وصفه النقاد والبلاغيون بالفصاحة والبلاغة، وقد شاع استعمالهما في كتب النقد والبلاغة، وعرفهما العرب صنوين تستعملان معا، أو تستعمل الواحدة مكان الأخرى (١). وكان النقاد والبلاغيون الأوائل لا يفرقون بينهما. فالجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» يجعل الفصاحة والبلاغة والبيان مترادفات تدل على معنى واحد. أما أبو هلال العسكري فقد أورد فيهما رأيين: الأول: «أن الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف أصلهما، لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له» (٢). والثاني يقول فيه: إن الفصاحة مقصورة على اللفظ، والبلاغة مقصورة على المعنى: «ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تتضمن المعنى، أن الببغاء يسمّى فصيحا ولا يسمى بليغا إذ هو مقيم الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذي يؤديه، وقد يجوز مع
следующие страницы →