← Баляга

Баляга · id 17671

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني»

محمد أحمد قاسم

Полный текст (372 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الضرب من النظم فيه ... إنه باختصار طريقة التفكير والتصوير والتعبير». وبما أنه طريقة التفكير والتصوير والتعبير فقد قسمه البلاغيون ثلاثة أقسام هي: ١ - الأسلوب العلمي: عرّفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الأسلوب الواضح المنطقي البعيد عن الخيال الشعري، وذلك كالأساليب التي تكتب بها الكتب العلمية». وليكون الأسلوب واضحا فإنه محتاج إلى المنطق السليم، والفكر المستنير البعيد عن التهويم والتخفي وراء الغموض الفكري أو الفني، فلا يخوض في الصور الشعرية المعقدة لأنه يخاطب العقل، ولا ينشد خلق حالة شعرية عند المتلقّي، فهو يتوجّه إلى العقل ليقنعه لا إلى القلب ليثيره. لهذا كان الوضوح من أبرز مقوماته. هذا الوضوح يقضي باختيار ألفاظ تقنية لا تقصّر عن أداء المعنى، ولا هي تعطيه أكثر من دلالتها القاموسية أو الاصطلاحية. لهذا وجب تجنب ألفاظ التضادّ والمشترك اللفظي، لأنها تعطّل عملية التواصل الصحيح. ولتوضيح الفكرة يستعين العلماء بلغة فيها بعض العناصر الشارحة كالنعت، والمضاف إليه، والحال، والتمييز، لكنّهم يبتعدون حتما عن الغريب والحوشي من الألفاظ، ويتحاشون الوقوع في التعقيد اللفظي والمعنوي اللذين تحدثنا عنهما سابقا. كما أنهم يبتعدون عن بعض أساليب البلاغة من كنايات، وتوريات وأساليب المجاز والمحسّنات التي تقود المعتني بها إلى مسالك تبعده عن غايته الأساسية.

стр. 37

وربّما سمح العلماء لأنفسهم باعتماد التشبيه الواضح الذي يستوفي أركانه لأنّه يساعدهم في التقريب بين الشائع المتداول من الأشياء والجديد الذي لم تألفه العيون والأفكار. ٢ - الأسلوب الأدبي: عرفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الأسلوب الجميل ذو الخيال الرائع والتصوير الدقيق الذي يظهر المعنويّ في صورة المحسوس والمحسوس في صورة المعنوي» يشيع هذا الأسلوب في الشعر والنثر الفني. يوظّف فيه الشاعر أو الكاتب طاقاته الإبداعية كلها لأن الهدف الرئيسي الذي يسعى إلى تحقيقه يبقى إثارة الانفعال في نفوس الآخرين وتحقيق نقلة بين مشاعره ومشاعرهم. فالأسلوب الأدبي عاطفي بالدرجة الأولى، ولا يكتب صاحبه إلا في درجة الغليان العاطفي لهذا كان الانفعال أبرز مقوّماته. وهو قائم على التخييل ومطالب بالتشكيل فلا يقبل فيه الكلام كيفما اتفق. فالعبارة يجب أن تكون فخمة محلّاة بالصور، مكسوّة بضروب البديع والبيان، مشعّة بألفاظ موحية تتشظّى معانيها وتقبل قراءات شتى، ويكثر فيها التأويل لأنها تتوسع في احتواء المجاز، والاستعارة، والكناية، والتورية، وما إلى ذلك من ضروب البديع والبيان. ولهذا فإن الأسلوب الأدبي مطالب بتوظيف الصور البلاغية على اختلاف درجاتها وأنواعها. ولكنّ صاحبه مطالب دائما بالبعد عن التكلف والتعسف والاقتراب من العفوية والطبعية مع مراعاة لأصول الفنّية الراقية البعيدة عن المباشرة والابتذال.

стр. 38

٣ - الأسلوب الخطابي: عرّفه معجم المصطلحات بقوله (١): «هو الذي يمتاز بقوة المعاني والألفاظ ورصانة الحجج، كما يمتاز بالجمال والوضوح وكثرة المترادفات والتكرار». الخطابة- كما قال القدامى- فنّ يهدف إلى الإقناع والتأثير. وللوصول إلى الإقناع كان على الخطيب أن يتحلى بقوة المعاني وجزالة الألفاظ، وبالحجة والبرهان الساطع الذي يسقط دليل المخاطبين ويفضح زيف ادعاءاتهم. فالعقل الخصيب يستنبط الحجج والأدلة والبراهين التي ترسّخ مقولة الخطيب وتقنع المخاطبين بوجهة نظره. ولأن الخطبة تلقى في حفل فإن أمورا شكلية تتدخل لإنجاحها. فنبرات صوت الخطيب وحسن إلقائه، ومحكم إشاراته، عناصر مساعدة على أداء خطابي ناجح. كما يعمد الخطيب إلى التكرار الذي يقتضيه المقام. فالمخاطبون قد يتخلفون عن تتبّع أفكار الخطيب فيلجأ إلى التكرار اللفظي أو المعنوي ليثبت الفكرة في عقولهم. هذا التكرار مستحبّ في الخطبة شريطة أن يراعى مستوى المخاطبين الفكري والثقافي، ولهذا نرى الخطيب الناجح لا يميت الطاقة الإيحائية الكامنة في الألفاظ المكررة بل يلجأ إلى المرادفات ويتقرّب من مخاطبيه بضرب الأمثال والابتعاد عن الرّتابة المملة بتمويج العبارة بين الخبر والإنشاء والتنقل بين التقرير والاستفهام والتعجب والاستنكار. وكثيرا ما يلجأ الخطيب إلى الطباق الموظف توظيفا حسنا ليبين الفرق بين حال قائمة وحال زائلة، بين ما هو كائن، وبين ما هو واجب أن يكون. وكذلك المقابلة التي تقوم على تعدد الطباقات التي تخاطب العقول والقلوب وتؤثر في الحواس وتأسر الأسماع. وفي الأسلوب الخطابي

стр. 39

يزواج الخطيب بين المباشرة عندما يرى أن تسمية الأمور بأسمائها مفيدة ومساعدة على الإقناع- وبين الفنية العالية التي تخاطب ذكاء المخاطبين وقدرتهم على التحليل والفهم والاستنتاج.

стр. 40

بين الفصاحة والبلاغة ألفاظ الأديب التي يستخدمها في فنّه هي نفسها تلك الألفاظ التي يستخدمها جميع الناس في كلامهم، ويتحدثون بها ويكتبون، لكنه يستطيع بهذه الأداة المألوفة حين يحسن التوفيق بين حروفها، وتركيب ألفاظها، واختيار الأصلح منها أن ينطق بالسحر الحلال، الذي تقبله النفس، وينشرح له الصدر، ويمكنه بهذا أن يخرج فنا يفوق جميع الفنون، ويسمو عليها. وإذا صدر الكلام من المتحدث على تلك الصورة وصفه النقاد والبلاغيون بالفصاحة والبلاغة، وقد شاع استعمالهما في كتب النقد والبلاغة، وعرفهما العرب صنوين تستعملان معا، أو تستعمل الواحدة مكان الأخرى (١). وكان النقاد والبلاغيون الأوائل لا يفرقون بينهما. فالجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» يجعل الفصاحة والبلاغة والبيان مترادفات تدل على معنى واحد. أما أبو هلال العسكري فقد أورد فيهما رأيين: الأول: «أن الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف أصلهما، لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له» (٢). والثاني يقول فيه: إن الفصاحة مقصورة على اللفظ، والبلاغة مقصورة على المعنى: «ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تتضمن المعنى، أن الببغاء يسمّى فصيحا ولا يسمى بليغا إذ هو مقيم الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذي يؤديه، وقد يجوز مع

стр. 41

هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فجّ، ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف» (١). أما صاحب الصّحاح فقد قال: البلاغة هي الفصاحة (٢). وابن سنان قال عنهما: «إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني، لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا» (٣). وقال عنهما ابن الأثير: «وسمي الكلام بليغا لأنه بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية، والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان والحيوان، فكل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنسان وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا» (٤). أما الخطيب القزويني فهو آخر من وقف عند البلاغة من المتأخرين، فجمع بحوث العلماء الذين سبقوه، ورتب بحث الألفاظ ترتيبا علميا فجعل البحث عن معنى «الفصاحة» مقدمة لعلوم البلاغة، وأصبح للفصاحة مضمونها وجعلها صفة للكلمة المفردة، والكلام والمتكلم، فقال: «للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة، لم أجد- فيما بلغني منها- ما يصلح لتعريفها به، ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم؛ فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين، فنقول:

стр. 42

كل واحدة منهما تقع صفة لمعنيين: احدهما: الكلام، كما في قولك «قصيدة فصيحة، أو بليغة» و «رسالة فصيحة، أو بليغة». والثاني: المتكلم، كما في قولك «شاعر فصيح، أو بليغ» «وكاتب فصيح أو بليغ». والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد؛ فيقال: «كلمة فصيحة» ولا يقال: «كلمة بليغة» (١). وعلى هذا فالبلاغة كل والفصاحة جزؤه، وعليه أيضا: الفصاحة من صفات المفرد كما هي من صفات المركب، وهذا الرأي هو الذي استقرّت عليه بحوث البلاغة أخيرا (٢).

стр. 43

تمرينات ١ - قال صفي الدين الحلي (ت ٧٥٠ هـ) (الخفيف): ١. إنما الحيزبون والدّردبيس وال ... طّخا والنّقاخ والعلطبيس ٢. والغطاريس والعقنفس والغر ... نق والخربصيص والعيطموس ٣. لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى، وتشمئزّ النفوس ٤. أين قولي: هذا كثيب قديم ... ومقالي: عقنقل قدموس؟ ٥. خلّ للأصمعيّ جوب الفيافي ... في جفاف تخفّ فيه الرؤوس ٦. إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس أسئلة: ١ - ما الذي أخلّ بفصاحة المفرد في هذه الأبيات؟ أدرس ذلك بالتفصيل. ٢ - طرح الشاعر في أحد الأبيات سؤالا استنكاريا بيّن موقفه فيه من الغريب. دلّ على هذا البيت واشرحه مبيّنا رأيك. ٣ - طرح الشاعر في أحد الأبيات رأيه في اللغة الواجب اعتمادها لتأسر المسامع والنفوس. دلّ عليه، واشرحه مبينا رأيك في موقفه هذا. قاموس المفردات: ١ - الحيزبون: المرأة العجوز. الدّردبيس: الرجل الهرم. الطخا: السحاب الرقيق المرتفع. النقاخ: الخالص من كل شيء، أو الماء البارد والنوم في أمن وعافية. العلطبيس: الأملس البراق.

стр. 44

٢ - الغطاريس: جمع غطريس، وهو المتكبر. العقنفس: السيء الخلق. الغرنق: الأبيض الناعم. الخربصيص: القرط في الأذن. العيطموس: المرأة الطويلة الجميلة. ٣ - عقنقل: كثيب من الرمل المتراكم. قدموس: قديم. ٤ - جوب الفيافي: اجتياز الصحارى. ٢ - قال الشاعر: ١. أضهلتني لمّا مدحتك جاعلا ... إياك في يوم النّزال فدوكسا ٢. وجعلت زندك خنشليلا ماضيا ... منه أديم الأرض بالجثث اكتسى ٣. لم أحظ منك بغير ماء بارد ... فمتى نقاخ الماء أحيا الأنفسا؟ ... ٤. أحيك الثّوب يلبسه صديقي ... وموددة الصديق ليوم ضيق ٥. وأشعر بالتعاسة حين يمسي ... تعيس الحظّ في الدنيا رفيقي ٦. رفيقي كان بهلولا فأمسى ... قليل الخير يصفع في الطريق. ... ٧. عانيت يوما في الجبال عصبصا ... فنزلت عن قمم الجبال لأهربا ٨. شللت يميني عند مسّ الماء من ... وديانها فعزمت أن لا أشربا ... أسئلة: ١ - ما الذي أخل بفصاحة المفرد في هذه الأبيات جميعها؟ ٢ - فتش في (لسان العرب) عن معاني المفردات الآتية: التعاسة، تعيس، بهلول، عصبصبا مبينا بعد ذلك أسباب عدم فصاحتها.

стр. 45

٣ - في البيت الرابع موضعان فيهما إخلال بفصاحة المفرد. ابحث عنهما مبينا السبب. قاموس المفردات: ١ - أضهل: أعطى القليل. الفدوكس: الأسد. ٢ - الخنشليل: السيف. ٣ - نقاخ: عذب. ٣ - قال الشاعر: ١. لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق ٢. وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه ٣. أنّى يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد؟ ٤. ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل ٥. لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر ٦. وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها ٧. ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه ... زهيرا على ما جرّ من كل جانب أسئلة: ١ - ما الذي أخلّ بفصاحة الكلام في هذه الأبيات المتفرقة؟ ٢ - أعد رصف البيت الثالث بحسب معانيه وتبيّن بعد ذلك ما وقع فيه من خلل في فصاحة الكلام. ٣ - ما العيب الذي أخل بفصاحة الكلام في البيت الثاني؟ أشرحه.

стр. 46

٤ - جاء في كتاب الصناعتين ص ٣٤: ... حدثني سعيد بن حميد، قال: نظر رجل إلى علقمة، وتحته بغل مصريّ حسن المنظر؛ فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل. فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر، فتنكّبت الطريق مخافة السّرّاق، وجور السلطان؛ فبينما أنا أسير في ليلة ظلماء قتماء طخياء (١) مدلهمّة حندس (٢) داجية، في صحصح (٣) أملس، إذ أحسن بنبأة (٤) من صوت نغر (٥)، أو طيران ضوع (٦)، أو نغض سبد (٧)؛ فحاص عن الطريق متنكّبا لعزّة نفسه، وفضل قوّته، فبعثته باللّجام فعسل (٨)، وحرّكته بالركاب فنسل (٩)، وانتعل الطريق يغتاله معترما، والتحف الليل لا يهابه مظلما. فو الله ما شبّهته إلا بظبية نافرة، تحفزها فتخاء شاغية (١٠). قال الرّجل: ادع الله وسله أن يحشر هذا البغل معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصّراط بطفرة (١١). أسئلة: ١ - ما الذي أخل بفصاحة المفرد في هذا النص؟ ٢ - هل ترى فيه إخلالا بفصاحة المركّب؟ اشرحه. قاموس المفردات:

стр. 47

علوم البلاغة قسم البلاغيّون علوم البلاغة ثلاثة أقسام هي: ١. علم المعاني: وأبرز موضوعاته: - الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي، وأحوال المسند والمسند إليه. - الخبر والإنشاء وأغراضهما وأقسامهما. - القصر وطرقه. - الفصل والوصل ومواضعهما. - الإيجاز والإطناب والمساواة. ٢. علم البيان: وأبرز أبوابه: - التشبيه وأنواعه وأغراضه وقيمته الجمالية. - الحقيقة والمجاز وأنواعهما. - الاستعارة وأنواعها. - الكناية وأقسامها وأنواعها. - الصورة الشعرية ومكوّناتها بين النقد والبلاغة. ٣. علم البديع: وأبرز أبوابه: أ- المحسّنات المعنوية: الطّباق، المقابلة، المبالغة، التورية، الالتفات، اللف والنّشر، مراعاة النظير، التجريد، الإرصاد، التضمين، الاقتباس.

стр. 48

ب- المحسّنات اللفظية: الجناس، السّجع، رد العجز على الصدر، لزوم ما لا يلزم، الموازنة، التشريع، الترصيع ... وقد اعترض المحدثون على هذا التقسيم الثلاثي، وذهب د. شفيع السيد (١) إلى أنه لم يكن معروفا قبل عصر السكاكي. وذهب إلى أن (٢) «المباحث البلاغية التي تضمنتها العلوم الثلاثة متشابكة ومتداخلة، ويمكن رؤيتها بأكثر من وجه، فبعض العبارات مثلا تعالج في موضوع الاستعارة، وفي الوقت نفسه تمثل لونا من ألوان البديع وهكذا» إن هذا التداخل واقع وحقيقة لا جدال فيها، ولكن إذا كانت الوجوه البلاغية متعددة في المكان الواحد فهل يعني هذا عدم صحة الفصل بين هذه العلوم؟ فالتعبير الواحد قد يكون مكللا بالسجع والطباق والجناس والتشبيه أو الاستعارة وما إلى ذلك ويبقى لكل من هذه الأبواب سماته ومميزاته.

стр. 49

أولا: علم البديع ١ - تعريفه: ١ - ١ - البديع لغة: جاء في اللسان (بدع): «بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه ... والبديع: الشيء الذي يكون أولا ... والبديع: المحدث العجيب. وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال ... والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول من كل شيء. وجاء في القرآن الكريم بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الأنعام: ١٠١ أي خالقها ومبدعها». فالبديع إذا الخلق والإبداع ومن هنا يجب التركيز على التميّز والفرادة لا على المشاكلة والمماثلة في ضروب البديع وأفانينه. ٢ - ١ - البديع اصطلاحا: جاء في معجم المصطلحات (١) «البديع: تزيين الألفاظ أو المعاني بألوان بديعة من الجمال اللفظي أو المعنوي، ويسمّى العلم الجامع لطرق التزيين». وهكذا نرى أن معجم المصطلحات ركز على جانب التزيين في هذا العلم وجعله ثانويا في التعبير البلاغي في حين ركز المعنى القاموسي على جانب الخلق والإبداع فكان أساسيا وجوهريا في التعبير البلاغي لا ضربا من الكماليات.

стр. 50

وللخطيب القزويني (ت ٧٣٤ هـ) تعريفان يكادان يكونان تعريفا واحدا، يقول في أولهما (١): «هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة» كما يقول في ثانيهما (٢): «هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة». وهكذا يقصّر المعنى الاصطلاحي عن المعنى القاموسي في إظهار أهمية البديع الذي بدأ خلقا لا على مثال إلى تحسين الكلام وبهرجته وتزيينه شريطة أن يطابق مقتضى الحال وتبقى الدلالة واضحة غير غامضة أو زائفة. هذا المعنى الاصطلاحي المركّز على التزيين حمل بعض الدارسين على تحديد دوره وحصره بالصورة الصوتية عند ما قال: «البديع والعروض والقافية علوم تهتم أساسا بالصورة الصوتية في التعبير الشعري» (٣). ٢ - تطور مصطلحه: خضع مصطلح البديع إلى مدّ وجزر في دلالته عند البلاغيين القدامى. لهذا كان لا بد من دراسته عبر حقبتين زمنيتين هما: ١. الحقبة الأولى: وهي مرحلة ما قبل القرن السابع الهجري. ٢. الحقبة الثانية: وهي مرحلة القرن السابع الهجري وما بعده.

стр. 51

٢ - ١ - دلالة المصطلح في الحقبة الأولى: أطلق مصطلح البديع في هذه الحقبة على الشعر المحدث الذي أتى به شعراء العصر العباسي المجددون. ويبدو أن الشعراء أنفسهم أول من أطلق هذا المصطلح على الشعر الجديد المتميّز عن سابقه بجمالية التعبير وحداثته. دليلنا على ذلك ما جاء في ترجمة صريع الغواني (مسلم بن الوليد ت ٢٠٨ هـ) من أنه (١) «أول من قال الشعر المعروف بالبديع، هو لقب هذا الجنس البديع واللطيف. وتبعه فيه جماعة، وأشهرهم فيه أبو تمام الطائي فإنه جعل شعره كله مذهبا واحدا فيه. ومسلم كان متفنّنا متصرفا في شعره» ويبدو أن المعنى القاموسي قد رجحت كفته في هذا المصطلح لأن الافتنان والتصرف الذي يعني الإتيان بالجديد المتميز هما الطاغيان على دلالته. ولكن هذا الجديد الذي أتى به مسلم لم يكن محمودا في عصره لذلك روى الأصفهاني قول أحدهم الذي جاء فيه (٢) «أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، جاء بهذا الذي سمّاه الناس البديع، ثم جاء الطائي بعده فتفنّن فيه». ويبدو أن الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) قد سبق إلى هذا المصطلح في الدراسات البلاغية حيث قال (٣): «ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتّابي، وكنتيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولّدين، كنحو منصور النّمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما».

стр. 52

وإذا كان الجاحظ قد ذكر التكلف فإنّه لا يعني التّصنّع أو التّصنيع بل هو يريد تصوير إرادة هؤلاء على الإتيان بالجديد الذي لم يسبق له مثال. ثم إن هذا الجديد صار تيارا شعريا عند ما كثر أنصاره، وها هو الجاحظ يضيف إلى أسماء أتباع البديع أسماء أخرى حيث يقول (١): «كان العتّابي يحتذي حذو بشّار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار وابن هرمة». ويبدو أن الجاحظ قد نقل هذا المصطلح من الرواة، فهو يعترف بذلك عند ما يقول معلّقا على شعر الأشهب بن رميلة (شاعر مخضرم) (٢) «وهذا الذي تسميه الرواة البديع» وهو يرى أن البديع مرتبط بالإبداع وعدم المماثلة والمشاكلة. ثم إنه يرى أن (٣) «البديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان. والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتّابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار» وهكذا يرى أن البديع مقصور على العرب لأن لغتهم فاقت كل لغة في قدرتها على التوليد والاشتقاق اللذين يعطيانها قدرة على التولد الذاتي المساعد على تفجير طاقاتها الكامنة فيأتي المبدعون بكل جديد. وكان يضيف في كل مرة إلى شعراء هذا التيار البديعي أسماء جديدة. وبعد أن شاع البديع في شعر الأقدمين وفي خطبهم نهض ابن المعتزّ (ت ٢٩٦ هـ) بجمع ضروبه في كتاب حمل اسم البديع. فكان بذلك أول من أفرده بدراسة مستقلة، لكنها لا تخلو من شوائب. وقد حدد ابن المعتز هدفه من تأليفه بقوله (٤): «قد قدّمنا في أبواب كتابنا هذا

стр. 53

بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله (صلعم) وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشّارا (ت ١٦٧ هـ) ومسلما (ت ٢٠٨ هـ) وأبا نواس (ت ١٩٨ هـ) ومن تقيّلهم، وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم» فابن المعتزّ ينفي سبق المحدثين إلى هذا الفن ولكنه يعترف بكثرته في أشعارهم. وهذا ما صرح به في نهاية مقدمته قائلا (١): «وإنما غرضنا في هذا الكتاب تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع». قسم ابن المعتز كتابه إلى خمسة أبواب هي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، وردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها، والمذهب الكلامي. وانتهى ابن المعتز إلى أن ضروب البديع محصورة في هذه الأبواب الخمسة لكنه رأى أن إضافة أي باب إليها ضرب من التعسف والمعاندة (٢) «قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأني بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا» ثم أضاف إلى هذه الأبواب مجموعة أخرى سماها (محاسن الكلام والشعر) وهي عنده عصيّة على الحصر وبابها مفتوح في نظره للإضافة والمخالفة (٣) «ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع، وحسن الخروج من معنى إلى معنى، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجدّ، والتعريض والكناية،

стр. 54

والإفراط في الصفة، وحسن التشبيه، وإعنات الشاعر نفسه في القوافي وتكلفه، وحسن الابتداءات. والملاحظ أن المحدثين قد جعلوا الكثير من هذه المحاسن أبوابا من البديع. والملاحظ أن ابن المعتز قد جمع فيه أبواب البلاغة بعلومها الثلاثة، وربما كان سبب ذلك تعريفه الضبابي للبديع الذي رأى أن (١) «البديع اسم موضوع لفنون من الشعر، يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم، ولا يدرون ما هو». ولهذا قال أحد النقاد المعاصرين (٢) «وليس لكلمة البديع التي جاءت في عنوان الكتاب صلة بما سماه البلاغيون في العصور المتأخرة (علم البديع) ... وإنما المقصود بها ألوان طريفة من التعبير لم تكن شائعة مألوفة في استعمالات الشعراء والكتاب». وعلى الرغم من ذلك يبقى الكتاب من أولى المحاولات الجادة في تدوين علم البديع. والعلوم لا تبدأ مكتملة بل هي تتكامل وتتماهى باطّراد وتستقل بعد نضجها وصلابة عودها. ثم جاء بعده قدامة بن جعفر (ت ٣٣٧ هـ) فألف كتابا عنوانه (نقد الشعر) يقع في ثلاثة فصول أورد فيها سبعة وعشرين نوعا من أنواع البديع اتفق فيها مع ابن المعتز في سبعة أنواع فقط، وانفرد بعشرين نوعا. وقد اختلفا أحيانا في التسمية، فما سمّاه قدامة (المبالغة) ورد عند ابن المعتز تحت مصطلح (الإفراط في الصفة) وما سماه (التكافؤ) سمّاه ابن المعتز (المطابقة)، وما سماه (المطابق) و (المجانس) سماه ابن المعتز (التجنيس). واختلفا في دلالة الالتفات.

стр. 55

ثم تلاهما أبو هلال العسكري (ت ٣٩٦ هـ) في كتاب الصناعتين الذي ابتكر فيه ستة أنواع، وأخرج منه أنواعا رأى أنها تنضوي تحت بابي: المعاني والبيان، فنحا البديع معه منحى متخصصا. وقد اعترف العسكري أن القدامى سبقوه إلى تسعة وعشرين نوعا بلاغيا، وأنه ابتكر ستة أنواع هي: التشطير، والمجاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطّف. وجاء علم البديع في الباب التاسع من أبواب الكتاب وقسمه إلى خمسة وثلاثين فصلا هي: الاستعارة والمجاز، والتطبيق، والتجنيس، المقابلة، صحّة التقسيم، صحّة التفسير، الإشارة، الأرداف والتوابع، المماثلة، الغلوّ، المبالغة، الكناية والتعريض، العكس والتبديل، التذييل، الترصيع، الإيغال، الترشيح، ردّ الأعجاز على الصدور، التكميل والتتميم، الالتفات، الاعتراض، الرجوع، تجاهل العارف، الاستطراد، جمع المؤتلف والمختلف، السلب والإيجاب، الاستثناء، المذهب الكلامي، التشطير، المحاورة، الاستشهاد والاحتجاج، التعطف، المضاعف، التطريز، التلطّف. وادّعى العسكري أنه بذلك حصر أنواع البديع، منتهيا إلى رأي شبيه برأي ابن المعتز القائل إن الأقدمين عرفوا هذه الأنواع، وأن المحدثين أسرفوا فيها حتى اشتهروا بها. وقد صرّح برأيه هذا قائلا (١): «فهذه أنواع البديع التي ادعى من لا رواية له ولا دراية عنده أن المحدثين ابتكروها، وأن القدماء لم يعرفوها، وذلك لما أراد أن يفخّم أمر المحدثين؛ لأن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرئ من العيوب، كان في غاية الحسن ونهاية الجودة». لقد توسّع مفهوم البديع عند العسكري حتى بدا وكأنه مترادف مع البلاغة في مفهومها العام.

стр. 56

أما الباقلّاني (ت ٤٠٣ هـ) فقد ذكر في (إعجاز القرآن) نحوا من خمسة وعشرين نوعا منبّها إلى أن وجوه البديع أكثر من ذلك، ولكنه لم يهدف في كتابه إلى إحصائها وذكرها جميعا. وابن رشيق (ت ٤٥٦ هـ) يذكر في كتابه (العمدة) باب المخترع والبديع، مشيرا إلى وفرة ضروب البديع وقد وسعته قدرته على ذكر ثلاثة وثلاثين بابا منه هي: المجاز، الاستعارة، التمثيل، المثل السائر، التشبيه، الإشارة، التتبيع، التجنيس، الترديد، التصوير، المطابقة، المقابلة، التقسيم، التفسير، الاستطراد، التفريع، الالتفات، الاستثناء، التتميم، المبالغة، الإيغال، الغلو، التشكيك، الحشو وفضول الكلام، الاستدعاء، التكرار، نفي الشيء بإيجابه، الاطّراد، التضمين والإجارة، الاتساع، الاشتراك، التغاير. لكن مفهوم البديع يتوسّع كثيرا مع أسامة بن منقذ (ت ٥٨٤ هـ) في كتاب عنوانه (البديع في نقد الشعر) حيث يندرج تحته خمسة وتسعون نوعا على غير تمييز بين البيان والبديع والمعاني حتّى ليصحّ فيه ما قاله ابن أبي الإصبع (١) «وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد العظيم، والجمع من أشتات الخطأ وأنواعه من التوارد والتداخل، وضم غير البديع والمحاسن، كأنواع من العيوب، وأصناف من السرقات» ومن يراجع فهرس الموضوعات يجد عناوين جديدة لا يجدها في غيره من كتب البديع، نحو: باب النادر والبارد، وباب الرشاقة والجهامة، باب الطاعة والعصيان، باب الأواخر والمقاطع، باب التعليم والترسيم وغيرها كثير.

стр. 57

٢ - ٢ - دلالة المصطلح في الحقبة الثانية: تبدأ الحقبة في القرن السابع الهجري وفيها اتجاهان: الأول محافظ تابع مفهوم القدامى الذي توسع في أبواب البديع وعلى رأس هذا الاتجاه نذكر ابن أبي الإصبع المصري (ت ٦٥٤ هـ) حيث بلغ البديع في كتابه (تحرير التحبير) مئة وثلاثة وعشرين بابا، جمعها من بديع ابن المعتز ونقد الشعر لقدامة بن جعفر حيث أخذ من الأول سبعة عشر بابا ومن الثاني ثلاثة عشر. وعدّ هذه الأبواب أصولا. ثم جمع ستين بابا عدّها فروعا مضيفا إلى هذه الأبواب الفروع والأصول ثلاثين بابا حتى بلغ مجموع أبوابه مئة وثلاثة وعشرين بابا. ولكن ابن أبي الإصبع قد جمح إلى الكلام على أبواب لا علاقة لها بالبديع، بل هي من النقد أقرب وبخاصة ما يتعلق منها بنقد الشعر. ومن هذا الاتجاه أيضا صفيّ الدين الحلّي (ت ٧٥٠ هـ) الذي نظم بديعية تقع في مئة وخمسة وأربعين بيتا. وجاء بعده عز الدين الموصلي (ت ٧٨٩ هـ) فنظم بديعية مساوية لبديعية الحلي في عدد أبياتها. وابن حجّة الحموي (ت ٨٣٧ هـ) نظم بديعية في مئة واثنين وأربعين بيتا. وفي كل بيت من أبيات هذه البديعيات ذكر لغرض بلاغي أو أكثر لكن النزعة الانفلاشية في توسيع مدى البديع طاغية عليها جميعا. وثانيهما نحا منحى التحديد والتخصيص وعلى رأسه السكاكي (ت ٦٢٦ هـ) الذي عده النقاد رأس مدرسة التّقنين في كتابه مفتاح العلوم حيث قسم فيه أبواب البديع قسمين، أولهما عنوانه: ما يرجع إلى المعنى ويشمل: المطابقة، المقابلة، المشاكلة، مراعاة النظير، المزاوجة، اللفّ والنشر، الجمع، التفريق، التقسيم، الجمع مع التفريق، الجمع مع التقسيم، الجمع مع التفريق والتقسيم، الإيهام، تأكيد المدح بما

стр. 58

يشبه الذم، التوجيه، سوق المعلوم مساق غيره، الاعتراض، الاستتباع، الالتفات، تقليل اللفظ ولا تقليله. وثانيهما عنوانه ما يرجع إلى اللفظ ويتضمن: التجنيس، ردّ العجز على الصدر، القلب، الأسجاع، والترصيع. وبهذا يكون السكّاكي قد سلك طريق التخصيص والبعد عن التعميم الذي كان سائدا وباتت أبواب كل علم من علوم البلاغة محدّدة المعالم واضحة القسمات. وفي هذا الاتجاه التخصصي نذكر محمد بن علي الجرجاني (ت ٧٢٩ هـ) الذي توصل في كتابه (الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة) إلى تعريف علم البديع تعريفا رائدا جامعا مانعا يقول فيه (١): «علم البديع: علم يعرف منه وجوه تحسين الكلام، باعتبار نسبة بعض أجزائه إلى بعض بغير الإسناد والتعليق، مع رعاية أسباب البلاغة» ورتّب أبواب البديع تحت عنوانين كبيرين هما: ١. المحسنات المعنوية: وتتضمن: المطابقة، المقابلة، المناسبة، التفويف، المشاكلة، الاستطراد، العكس، الإرصاد، النقض، التورية، المزاوجة، الجمع، التفريق، التقسيم، الجمع مع التفريق، الجمع مع التقسيم، الجمع مع التفريق والتقسيم، اللف والنشر، التجريد، المبالغة، المحاجّة، التعليل، تأكيد المدح بما يشبه الذم، الاستتباع، الإدماج، التوجيه، التجاهل، القول بالموجب، الاطراد.

стр. 59

٢. المحسنات اللفظية: وتتضمن: الجناس التام، الجناس الناقص، الملحق بالجناس، ردّ العجز على الصدر، الأسجاع، التصريع، لزوم ما لا يلزم. وهكذا باتت أبواب البديع مقنّنة بإحكام ولم تعد خاضعة للمدّ والجزر والتداخل مع غيرها من أبواب البلاغة. وسلك هذا الاتجاه التّخصصي أيضا الخطيب القزويني (ت ٧٣٤ هـ) في كتابه الإيضاح في علوم البلاغة حيث أفرد القسم الثالث لعلم البديع الذي تضمن عنده المحسنات المعنوية وتتضمن: المطابقة، المقابلة، مراعاة النظير، تشابه الأطراف، التفويف، الإرصاد، المشاكلة، الاستطراد، المزاوجة، العكس، التورية، الاستخدام، اللف والنشر، الجمع، التفريق، التقسيم، الجمع مع التفريق، الجمع مع التقسيم، الجمع مع التقسيم والتفريق، تأكيد المدح بما يشبه الذم، تأكيد الذم بما يشبه المدح، الاستتباع، التوجيه، الهزل الذي يراد به الجدّ، تجاهل العارف، القول بالموجب، الاطراد. أما المحسنات اللفظية فتتضمّن: الجناس، ردّ العجز على الصدر، السجع، الموازنة، القلب، التشريع، لزوم ما لا يلزم، وأنهى الباب بكلام على شرط الحسن في البديع اللفظي. وهذا التبويب الذي انتهى إليه الخطيب القزويني هو التبويب الذي استقر عليه الدرس البديعي في يومنا هذا. وإذا كان هناك من تغيير فإنه يبقى في حدود التعديل الطفيف الذي يلحق بالأجزاء التفصيلية ولا يصيب الجوهر إصابة تذكر.

стр. 60

٢ - ٣ - دلالة المصطلح في حقبة ما بعد الخطيب القزويني إلى يومنا هذا: تبدو هذه الحقبة واسعة جدا، ولكن التقنين الذي أنجزه القزويني ورفاقه يسهّل على الباحث أمر ملاحقة هذا المصطلح ورصد التطور الدلالي الذي أصابه. فالمصطلح حدد وظيفة البديع وربطها بتحسين الكلام حتى بات البديع أدنى مكانة من علمي المعاني والبيان لهذا كان تابعا وذيلا لهما. ولأن البلاغة تعليمية فإن كتب البلاغة تعليمية على العموم وهي محكومة بطابع المتابعة لما جاء في كتب المتقدمين حتى لتجد أن الشواهد على أبواب البديع تكاد تكون مكررة والتعليق عليها أو شرحها وتحليلها شبه غائبين. ومحاولات الإفادة من الألسنية لتعميق الدراسة البلاغية ومقاربة النصوص بوحي من علومها وبخاصة علم الدلالة لا تزال متعثّرة تسلك طريقها بصعوبة ومشقة، والمقلدون أسياد الساح يسخنّون كلام القدامى الذي فقد الكثير من نكهته.

стр. 61

المحسّنات المعنوية: - الطباق والمقابلة. - التورية. - تجاهل العارف. - اللف والنشر (مراعاة النّظير). - تأكيد المدح بما يشبه الذمّ. - تأكيد الذم بما يشبه المدح. - حسن التعليل. - الإرصاد.

стр. 62

الطّباق ١ - أسماؤه: أطلقت عليه أسماء عديدة منها: التطبيق، والطباق، والتضاد، والمطابقة، والتكافؤ. ٢ - تعريفه: أ- قاموسيا: قال الخليل (١): «طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حذو واحد وألزقتهما». وجاء في اللسان (طبق): «تطابق الشيئان: تساويا. والمطابقة: الموافقة. والتطابق: الاتفاق. وطابقت بين الشيئين: إذا جعلتهما على حذو واحد وألزقتهما ... والمطابقة: المشي في القيد. والمطابقة: أن يضع الفرس رجله في موضع يده. ومطابقة الفرس في جريه: وضع رجليه مواضع قدميه». ب- اصطلاحا: جاء في معجم المصطلحات (٢): «هو الجمع بين الضّدين أو المعنيين المتقابلين في الجملة». وجاء في الإيضاح (٣): «هو الجمع بين المتضادّين، أي معنيين متقابلين في الجملة». وكتب البلاغة لم تدخل على هذا التعريف أي تعديل أو شرح.

стр. 63

ورأى د. عبد العزيز عتيق (١) أنه «ليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة». غير أن استنتاجه لا يخلو من ضعف التفسير والتأويل. ولو ردّ المعنى الاصطلاحي إلى المعنى القاموسي بلطف الصنعة لوجد مناسبة كبرى بين المعنيين. ألا يرى د. عتيق في وضع الرجل موضع القدم شيئا من الجمع بين المتضادين أو المعنيين المتقابلين في الجملة؟ ثم ألا يرى شبها بين مشي المقيّد راسفا في قيوده، وبين الكاتب والشاعر يطابقان في كلامهما؟ ٣ - صوره: ١ - الطباق الحقيقي: وهو ما كان طرفاه لفظين متضادين في الحقيقة ويكونان: أ- اسمين: كما في قوله تعالى وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ الكهف: ١٨. ب- فعلين: كقوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا النجم: ٤٣ - ٤٤. ج- حرفين: كقوله تعالى .. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ البقرة: ٢٢٨.

стр. 64

د- مختلفين: كقوله تعالى وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ آل عمران: ٤٩ فاللفظ الأول فعل (أحيي)، والثاني اسم (الموتى). ٢ - الطباق المجازي: ويكون طرفاه غير حقيقتين أي مجازيّين. ومثاله قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ الأنعام: ١٢٢. فقد فسّر المفسّرون هذه الآية بقولهم: كان ضالا فهديناه. وعلى المعنى المقصود يكون الطباق مجازيا. ولو أخذ اللفظان على الحقيقة لبقي الطباق قائما بين ميتا (اسم) وأحييناه (فعل). وقد سماه قدامة بن جعفر (التكافؤ) وأعطى مثلا عليه قول الشاعر (الطويل). إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرّك يقظان التراب ونائمه فالمطابقة بين «اليقظان والنائم» ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز لا الحقيقة. ولو نظرنا إليه على سبيل الحقيقة ما امتنع الطباق بين (يقظان) و (نائم) و (شرق) و (مغرب). ٣ - الطباق المعنوي: هو ما كانت المقابلة فيه بين الشيء وضده في المعنى لا في اللفظ. وخير مثال عليه قوله تعالى: قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ* قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ يس: ١٥ - ١٦. فمعنى الآية الثانية: إن الله يعلم إنا لصادقون. وبذلك يتم التّضاد المعنوي بين الآيتين، ولو كان التضاد في اللفظين مفقودا.

стр. 65

٤ - أقسامه: أ- طباق الإيجاب: وهو ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا نحو: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. فالقول مشتمل على الشيء وضده (ساهرة ونائمة). ب- طباق السّلب: وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، نحو قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الزّمر: ٩. فالفعل (يعلمون) أثبت في الطرف الأول من الطباق ونفي ب (لا) في الطرف الثاني. ويكون طرفاه أمرا ونهيا كما في قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ المائدة: ٤٤. فالطرف الأول نهي (لا تخشوا)، والطرف الثاني أمر (إخشون) ومن أمثلته تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ المائدة: ١١٦. فالفعل (علم) جاء مثبتا مرة ومنفيا مرة أخرى. ٥ - ما يلحق بالطّباق: أ- الطباق الخفيّ: وهو ما تكون فيه المطابقة خفية لتعلق أحد الركنين بما يقابل الآخر تعلّق السببية، نحو قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الفتح: ٢٩. فالرحمة ليست مقابلة للشدة؛ لكنها مسبّبة عن اللين الذي هو ضد الشدّة.

стр. 66

ب- إيهام التضاد: وهو ما جمع فيه بين معنيين غير متقابلين عبّر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان. ومنه قول دعبل الخزاعي. (الكامل): لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى وأراد دعبل ب (ضحك المشيب برأسه ظهور الشيب ظهورا تاما ولا تقابل بين البكاء وظهور الشيب (المجازي). لكن الضحك بمعناه الحقيقي مضاد للبكاء. * أهمية الطباق ودوره: ليس الطباق بالضرورة ترفا لفظيا فحسب، بل هو تعبير في أكثر الأحيان عن حركة نفسية متوهجة، وصراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين الراهن والمتوقع. والمبدع يلجأ إليه لتصوير الهوة القائمة بين واقع مرفوض ومستقبل مأمول. والقصد منه العمل على بناء عالم مخالف لما هو قائم حالم بالأفضل. فكثرة المتعارضات تشف عن غليان داخلي ورفض للأمر الواقع. تمرينات: ١ - بيّن مواضع الطباق في الأمثلة الآتية، ووضح نوعه في كل مثال: قال تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ آل عمران: ٢٦. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة: ٢٨٦. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً البقرة: ٢٢.

стр. 67

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ البقرة: ٨ و ٩. وقال الشاعر: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا عليّ ولا ليا لهم جلّ ما لي إن تتابع لي غنى ... وإن قلّ مالي لم أكلّفهم رفدا سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج ولقد عرفت، وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل ٢ - قال المتنبي وهو يغادر مصر باكيا على فاتك (ديوان المتنبي، شرح العكبري ٤/ ١٥٥ وما بعدها): ١. حتّام نحن نساري النجم في الظّلم ... وما سراه على خفّ ولا قدم ٢. تسوّد الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسوّد بيض العذر واللّمم ٣. لا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السّقم ٤. طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتى مرقن بنا من جوش والعلم ٥. قد بلّغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم ٦. من لا تشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرّمم ٧. ما زلت أضحك إبلي كلّما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم ٨. أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفّة الصنّم

стр. 68

٩. حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم ١٠. من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته ... أجاب كلّ سؤال عن هل بلم ١١. ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرّجال ولو كانوا ذوي رحم ١٢. سبحان خالق نفسي كيف لذّتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم ١٣. وقت يضيع، وعمر ليت مدّته ... في غير أمّته من سالف الأمم ١٤. أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم، وأتيناه على الهرم ... ١. أدرس الطباق وأنواعه، ومدى قدرته على تصوير الغليان الداخلي الذي يتحكّم بنفس الشاعر.

стр. 69

المقابلة ١ - تعريفها: هي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة. وجاء في الإيضاح (١) «هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب». ٢ - بين المقابلة والطباق: - لا يكون الطباق إلا بين الأضداد، والمقابلة تكون بين الأضداد وغير الأضداد. - لا يكون الطباق إلا بين ضدّين فقط، والمقابلة تكون بين أكثر من اثنين. ٣ - صورها: أ- مقابلة اثنين باثنين: ومثالها قوله تعالى فَلْيَضْحَكُوا ١ قَلِيلًا ٢ وَلْيَبْكُوا ١ كَثِيراً ٢ التوبة: ٨٢ فالآية الكريمة تشتمل في صدرها على معنيين يقابلهما في عجزها معنيان على الترتيب. ففي صدرها الضحك والقلة قابلهما في العجز البكاء والكثرة.

стр. 70

ب- مقابلة ثلاثة بثلاثة: ومثالها قول المتنبي: (الطويل) فلا الجود ١ يفني ٢ المال والجدّ مقبل ... ولا البخل ١ يبقي ٢ المال والجدّ مدبر ٣ فالمقابلة على الترتيب بين «الجود ويفني ومقبل» و «البخل ويبقي ومدبر». وكقوله تعالى يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ الأعراف: ١٥٧. في الآية مقابلتان الأولى: يأمرهم والباء والمعروف في مقابل- ينهاهم وعن والمنكر والثانية: يحل ولهم والطيبات في مقابل يحرّم وعليهم والخبائث. ج- مقابلة أربعة بأربعة: ومثالها قول جرير: (الطويل) وباسط ١ خير ٢ فيكم ٣ بيمينه ٤ ... وقابض ١ شرّ ٢ عنكم ٣ بشماله ٤ فقابل بين باسط وقابض، وخير وشر، وفيكم وعنكم، وبيمينه وبشماله. د- مقابلة خمسة بخمسة: ومثالها قول صفيّ الدين الحلّي (البسيط): كان ١ الرضا ٢ بدنوّي ٣ من ٤ خواطرهم ٥ ... فصار ١ سخطي ٢ لبعدي ٣ عن ٤ جوارهم ٥ فالمقابلة بين كان وصار، والرضا والسخط، والدنو والبعد، ومن وعن، وخواطرهم وجوارهم على مذهب من يرى أن المقابلة تجوز بغير الأضداد.

стр. 71

هـ- مقابلة ستة بستة: ومثاله قول شرف الدين الأربلي (الطويل): على ١ رأس ٢ عبد ٣ تاج ٤ عزّ ٥ يزينه ٦ ... وفي ١ رجل ٢ حرّ ٣ قيد ٤ ذلّ ٥ يشينه ٦ فالمقابلة بين على وفي، ورأس ورجل، وعبد وحرّ، وتاج وقيد، وعزّ وذلّ، ويزينه ويشينه. * رأى علماء البديع أن أعلى رتب المقابلة وأبلغها ما كثر فيه عدد المقابلات لكن شريطة الابتعاد عن التكلف والاسراف فيه. وقد اشترط السّكاكي أن تقتصر المقابلة على الأضداد فحسب. تمارين ١ - بيّن مواقع المقابلة في ما يأتي: قال تعالى: ١. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ الحديد: ٢٣ ٢. فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى الليل: ٥ - ١٠. وقال الشاعر: ٣. يا أمّة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها ٤. قابلتهم بالرضا والسّلم منشرحا ... ولّوا غضابا فوا حربي لغيظهمو ٥. بواطئ فوق خدّ الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتم ٦. أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي ٧. حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدّة البأس منه رقّة الغزل

стр. 72

٨. فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا ٩. ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس في الرّجل! ١٠. فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب ١١. تسرّ لئيما مكرمات تعزّه ... وتبكي كريما حادثات تهينه ١٢. فإذا حاربوا أذلّوا عزيزا ... وإذا سالموا أعزّوا ذليلا ١٣. شريت الفتك بالثّمن الربيح ... وبعت النسك بالقصف النجيح

стр. 73

التورية ١ - أسماؤها: ذكر لها البلاغيّون أسماء عديدة منها: أ. الإيهام، ذكره الخطيب التبريزي (١). ب. التوجيه، ذكره ابن أبي الأصبع (٢). ج. التخيير، ذكره غير واحد من البلاغيين. ٢ - تعريفها: أ- لغة: جاء في اللسان (ورى): «وريّت الشيء وواريته: أخفيته. وتوارى: استتر. ووريت الخبر: جعلته ورائي وسترته. ووريت الخبر أورّيه تورية: إذا سترته وأظهرت غيره ... والتّورية: السّتر». ب- إصطلاحا: عرفها الخطيب التبريزي بقوله (٣): «وهي أن يطلق لفظ له معنيان: قريب، وبعيد، ويراد به البعيد منهما». فالتورية عبارة عن دالّ واحد له مدلولان: الأول مدلول قريب لا يلائم المقام لذلك فهو ملغى ومستبعد. والثاني بعيد يلائم المقام مقبول ومعتمد.

стр. 74

٣ - أنواعها: اكتفى القزويني بقسمتها قسمين هما: تورية مجرّدة وتورية مرشّحة. ١ - التورية المجرّدة: وهي التي لم يذكر فيها شيء مما يلائم المورّى به (المعنى القريب) ولا مما يلائم المورى عنه (المعنى البعيد)، نحو قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: ٥. فكلمة التورية (استوى) لها معنيان: ١ - الاستقرار في المكان- المعنى القريب غير المقصود لأن الله تعالى منزّه عنه. ٢ - الاستيلاء والملك- المعنى البعيد المقصود. ولم يذكر في الآية من لوازم المعنى البعيد أو المعنى القريب شيء؛ فلهذا كانت مجرّدة. ومنه قول الشاعر القاضي عياض في سنة كان فيها شهر كانون معتدلا أزهرت فيه الأشجار (البسيط): كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموّز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل فالتورية في (الغزالة) فلم يذكر الشاعر قبل الغزالة أو بعدها ما يشير إلى أنه قصد بها ذلك الحيوان البريّ المشهور بطول العنق وسواد العين وما إلى ذلك، ولا من أوصاف المعنى المورّى عنه (الشمس) كالإشراق والغروب وما إليهما. ولهذا كانت التورية مجرّدة.

стр. 75

٢ - التورية المرشّحة: وهي التي ذكر فيها ما يلائم المورّى به، وهو أقوى درجات الإيهام في التورية لأنه يقوّي المعنى القريب فيخفي المعنى البعيد المقصود ويكون هذا الذكر: أ- قبل لفظ التورية: ومثالها قوله تعالى وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الذاريات: ٤٧. والتورية في (بأيد) لأنها تحتمل معنيين: - المعنى القريب: وهو الجارحة، اليد الحقيقية. وهذا المعنى مورّى به، وقد سبقت بلفظ (بنيناها) على جهة الترشيح وهو من لوازم اليد. - المعنى البعيد: قوّة الخالق وعظمته وهذا المعنى مورّى عنه، وهو المراد؛ لأن الخالق جل وعلا منزّه عن المعنى الأول. ومنها أيضا قول يحيى بن منصور (الطويل): فلما نأت عنّا العشيرة كلّها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدّهر فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر فالتورية في (الجفون) لاحتمال اللفظ معنيين هما: - المعنى القريب: وهو جفون العين الحقيقية، وهذا هو المعنى المورّى به، وقد سبقه لازم من لوازمه على جهة الترشيح. (أغضينا) لأن الإغضاء من لوازم العين. - المعنى البعيد: جفون السيوف (أغمادها)، وهو المعنى المورّى عنه. وهذا هو المعنى المراد لأن السّيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه، وإذا جرّد انفتح.
следующие страницы →