٤ - المشطور، أو التشطير:
هذا النوع خاص بالشّعر، وهو أن يكون لكل شطر من البيت قافيتان مغايرتان لقافية الشطر الثاني، نحو قول أبي تمام (البسيط):
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب
فسجعة الصّدر مبنيّة على روي (الميم)، وسجعة العجز مبنيّة على رويّ (الباء).
٣ - أنواعه من حيث الطول والقصر:
يأتي السجع على اختلاف أقسامه على ضربين من حيث الطول والقصر هما:
أ- السجع القصير:
وهو ما كان مؤلّفا من ألفاظ قليلة، وأقلّ القصير ما كان من لفظتين، كقوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً* فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً المرسلات: ١ - ٢.
وقوله تعالى أيضا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ المدّثر: ١ - ٥.
ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ، أو أربعة، أو خمسة، وينتهي إلى تسع كلمات أو إلى عشر، كقوله تعالى وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى النجم: ١ - ٣.
وكقوله تعالى أيضا اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ القمر: ١ - ٣.
стр. 107
ب- السجع الطويل:
وتتفاوت درجاته، فمنه ما يتألّف من إحدى عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، وقد رأى بعضهم أنه قد يبلغ عشرين لفظة؛ ولكن آخرين اشترطوا ألّا يتجاوز خمس عشرة لفظة.
ومثاله قوله تعالى وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ هود: ٩ - ١٠.
فالآية الأولى مؤلفة من إحدى عشرة لفظة، والثانية من ثلاث عشرة لفظة.
وكقوله تعالى أيضا لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ التوبة: ١٢٨ - ١٢٩.
فالآية الأولى مؤلفة من ١٤ لفظة، والثانية من ١٥ لفظة.
* يدلّ السجع القصير على قوّة منشئة وتمكّنه، لصعوبة ادراكه.
وهو أجمل صورة وأحلى وقعا على الأذن. والسجع الطويل أسهل تناولا لأن طوله يخفّف العبء على منشئه.
٤ - أحسن السّجع:
ما تساوت فقره فلا يزيد بعضها على بعض، مع اتفاق الفواصل على حرف واحد، نحو قول أعرابي عند ما سئل: من بقي من إخوانك؟
فأجاب: كلب نابح، وحمار رامح، وأخ فاضح.
وكقول أعرابي آخر: باكرنا وسميّ، ثم وليّ. فالأرض كأنّها وشي منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد،
стр. 108
فاحترثت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القويّ الأكول، بالضّعيف المأكول.
فالزيادة قليلة في أجزاء هذه السجعات إن وجدت.
ومن السجع الحسن ما تكون ألفاظ الجزءين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا في سجع، كقول أحدهم: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا. فالسجع في (تعريضك وتمريضك) وفي (تصريحا وتصحيحا). فالكلام سجع في سجع.
ومثاله قوله تعالى إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ الغاشية: ٢٥ - ٢٦.
فالسجع في (إلينا- علينا، إيابهم- حسابهم).
وهذا الضرب من السجع إذا سلم من الاستكراه أحسن وجوه السجع عند أبي هلال العسكري.
٥ - موقف النقّاد منه:
تباينت آراء النقّاد من السجع فمنهم من دعا إلى تجنّبه لما فيه من تكلّف وتشبّه بكهّان الجاهلية والمتنبئين الكذبة
بعد الاسلام. ومنهم من رأى فيه وجها من وجوه البلاغة بعد أن ورد في القرآن الكريم وأقوال النبي (ص). وإنما كان مكروها في سجع الكّهان لمعانيه لا لمبناه.
قال العسكري (١) «كان (صلعم) ربّما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها، كقوله (صلعم): أعيذه من الهامّة، والسامّة، وكل عين لامّة. وإنما أراد ملمّة، وقوله ﵇:
стр. 109
ارجعن مأزورات، غير مأجورات، وإنما أراد موزورات من الوزر فقال: مأزورات، لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحّة التسجيع».
وعلّق على ذلك بقوله: فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلوّ من التعسّف.
تمارين:
١ - بيّن السجع، ووضّح وجوه حسنه في ما يأتي:
١ - فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ الضحى: ٩ - ١٠.
٢ - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ الفيل: ١ - ٢.
٣ - خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ الحاقة: ٣٠ - ٣٢.
٤ - وقال أعرابي لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير مسرور، فأقم بندم، أو ارتحل بعدم.
٥ - وقال (صلعم): إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع.
٦ - وقال الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.
٧ - وقال أبو الفضل الهمذاني: إنّ بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا.
٨ - وقال أبو الفتح البستي: ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأمّلا.
٩ - حامي الحقيقة، محمود الخليقة ... مهديّ الطريقة نفّاع وضرّار
١٠ - ومكارم أوليتها متبرّعا ... وجرائم ألغيتها متورّعا
١١ - بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا
١٢ - وأفعاله بالرّاغبين كريمة ... وأمواله للطّالبين نهاب
стр. 110
٢ - جاء في البيان والتبيين (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥):
قال عمر بن ذرّ، ﵀: «الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف» ولمّا مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عبّاس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان» وفي الحديث المأثور، قال: «قول العبد مالي مالي، وإنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» ووصف أعرابيّ رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر (١)، ضيّق الصّدر، لئيم النّجر (٢)، عظيم الكبر، كثير الفخر».
وسأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السّند: كيف رأيتم البلاد؟ قال: ماؤها وشل، ولصّها بطل، وتمرها دقل (٣). إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلّوا بها ضاعوا.
- أدرس السّجع مبيّنا وجوه حسنه وجماله في هذا النص.
стр. 111
الجناس
١ - تعريفه:
عرّفه السّكّاكي بقوله (١): «هو تشابه الكلمتين في اللفظ»
وتعريف الخطيب القزويني لا يختلف في شيء عن تعريف السكاكي.
أما أبو هلال العسكري فقد عرّفه بقوله (٢): «هو أن يورد المتكلّم- في الكلام القصير نحو البيت من الشعر، والجزء من الرسالة او الخطبة- كلمتين تجانس كلّ واحدة منهما صاحبتها في تأليف حروفها».
وتعريف المحدثين أكثر دقّة وهو: «أن يتشابه اللفظان نطقا ويختلفا معنى».
٢ - أنواعه:
الجناس في نظر البلاغيين نوعان:
١ - جناس تام
وهو ما اتّفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أمور هي: نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها، كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ الروم: ٥٥. فالساعة الأولى تعني القيامة، والساعة الثانية تعني مدّة من الزمن، ولا عبرة في تعريف الأولى وتنكير الثانية. وقال السيوطي (٣) «ولم يقع منه في القرآن سواه».
والجناس التام أقسام هي:
стр. 112
أ- التام المماثل:
ما كان فيه اللفظان المتجانسان من نوع واحد، اسمين كما في الآية السابقة، أو فعلين نحو (لمّا قال لديهم قال لهم)، فقال الأولى بمعنى نام وقت القيلولة، والثانية بمعنى تكلّم، أو حرفين، نحو: (قد يجود الكريم، وقد يعثر الجواد) فقد الأولى تفيد التكّثير، والثانية تفيد التقليل.
ب- التام المستوفى:
وهو ما كان اللفظان المتجانسان فيه من نوعين مختلفين كاسم وفعل، مثاله قول أبي تمام (الكامل):
ما مات من كرم الزمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله
ج- جناس التركيب المرفوّ:
وهو ما كان أحد لفظيه مركّبا.
وسمّي مركّبا لأن أحد لفظيه مركّب، وسمّي مرفوّا لأنّ المركّب مؤلّف من كلمة وبعض كلمة، كقول الحريري (الطويل):
ولا تله عن تذكار ذنبك، وابكه ... بدمع يحاكي الوبل حال مصابه
ومثّل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه
والجناس في مصابه في البيت الأول ومصابه في البيت الثاني.
واللفظ تامّ في الأوّل، غير أنّه مركّب في الثاني؛ فقد أخذت الميم المفتوحة من مطعم وأضيفت إلى (صابه) وهو شجر مرّ المذاق فتمّ الجناس المركب بذلك.
وتحدّث الخطيب القزويني عن أقسام هذا الجناس المركّب المرفوّ فقسمه أقساما منها:
أ- المتشابه:
هو ما تشابه فيه اللفظان في الخطّ كقول البستيّ (المتقارب):
إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه، فدولته ذاهبه
стр. 113
فاللفظان متشابهان، ولكنّ الأوّل مركب من (ذا بمعنى صاحب) وهبه، والثاني غير مركّب.
ب- المفروق:
هو ما اختلف فيه اللفظان في الخطّ كقول البستيّ أيضا (م الرّمل):
كلّكم قد أخذ الجا ... م، ولا جلم لنا
ما الذي ضرّ مدير ... الجام لو جاملنا
فاللفظان (جام لنا وجاملنا) اتّفقا لفظا واختلفا خطّا فشكّلا جناسا مفروقا. وهو كما لاحظت جناس التّركيب المرفوّ الذي تقدّم شرحه.
٢ - الجناس غير التام
وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد أو أكثر من الأمور الأربعة السابقة. وهو على أنواع أيضا:
أ- الجناس الناقص: وهو ما اختلف فيه اللفظان في عدد أحرفهما فقط، ويكون ذلك على وجهين:
١ - أن يختلفا بزيادة حرف في الأول كقوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ* إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ القيامة: ٢٩ - ٣٠.
فاللفظان هما (الساق والمساق) وقد زيدت الميم في أول اللفظ الثاني.
وتكون الزيادة في الوسط كقولهم (جدّي جهدي).
فالزيادة حرف الهاء في وسط كلمة جهدي.
وتكون الزيادة في الآخر كقول أبي تمام (الطويل):
стр. 114
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
ففي اللّفظين (عواص وعواصم) زيادة الميم في عواصم، وفي اللفظين (قواض وقواضب) زيادة الباء في قواضب.
وقد أطلق الخطيب القزويني على هذا النوع الأخير اسم المطرّف.
٢ - أن يختلفا بزيادة أكثر من حرف واحد كقول الخنساء (م الكامل):
إنّ البكاء هو الشّفا ... ء من الجوى بين الجوانح
فقد زيد حرفان في (الجوانح) على أحرف (الجوى)، وسمّي هذا الضرب من الجناس مذيّلا.
ب- إذا اختلفا في أنواع الحروف اشترط ألّا يقع الاختلاف بأكثر من حرف. والجناس عندئذ أنواع:
١ - الجناس المضارع:
إذا كان الحرفان المختلفان متقاربين ويكونان إمّا في الأوّل كقول الحريري: بيني وبين كنّي (بيتي) ليل دامس وطريق طامس.
وإمّا في الوسط كقولهم: البرايا أهداف البلايا، وإمّا في الآخر كقوله (صلعم): «الخيل معقود بنواصيها الخير».
٢ - الجناس اللاحق:
وهو ما كان فيه الحرفان المختلفان غير متقاربين. ويكون ذلك في الأوّل كقوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمزة: ١.
стр. 115
كما يكون في الوسط كقوله تعالى وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ* وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ العاديات: ٧ - ٨.
كما يكون في الآخر كقوله تعالى وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ النساء: ٨٣.
وربّما سمّي هذا الجناس اللاحق جناسا مضارعا كالسابق.
ج- إذا اختلفا في ترتيب الحروف سميّ الجناس جناس القلب وهو ضربان:
أ- قلب الكلّ كقولهم: حسامه فتح لأوليائه، حتف لأعدائه.
ب- قلب البعض: كما جاء في قولهم: (رحم الله امرأ أمسك ما بين فكّيه، وأطلق ما بين كفّيه) وكقول أبي الطيّب (الوافر):
ممنّعة منعّمة رداح ... يكلّف لفظها الطير الوقوعا
وقد ذكر البلاغيون أجناسا أخرى للجناس الناقص منها:
١ - الجناس المصحّف: وهو ما تماثل فيه اللفظان خطّا وتخالفا نقطا كقوله تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً الكهف: ١٠٤.
ويسمّى أيضا جناس الخطّ وهو: أن تختلف الحروف في النقط كقوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ الشعراء: ٧٩ - ٨٠.
٢ - الجناس المحرّف: وهو ما تماثل فيه اللفظان في الحروف، وتغايرا في الحركات، كقوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ الصافات: ٧٢ - ٧٣.
стр. 116
٣ - ما يلحق بالجناس: ذكر الخطيب القزويني (١) أنه يلحق بالجناس شيئان:
١ - أن يجمع الاشتقاق اللفظين كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الروم: ٤٣ فأقم والقيّم من جذر لغوي واحد.
٢ - أن يجمعهما المشابهة، وهي ما يشابه الاشتقاق وليس منه، كقوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ الرحمن: ٥٤. فجنى والجنّتين تشابها حروفا، ولكنّ جذريهما مختلفان. ومنه قول البحتري (الخفيف):
وإذا ما رياح جودك هبّت ... صار قول العذول فيها هباء
تمارين:
١ - بيّن أنواع الجناس في ما يأتي واشرحه:
١ - قال تعالى قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ الشعراء: ١٦٨.
٢ - قال تعالى فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ الواقعة: ٨٩.
٣ - قال تعالى وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ النمل: ٢٢.
٤ - قال تعالى ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ غافر: ٧٥.
٥ - البدعة شرك الشّرك.
٦ - والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشّعر أو بيت من الشّعر
٧ - لا تعرضنّ على الرّواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذّب ... عدّوه منك وساوسا تهذي بها
٨ - وسمّيته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل
٩ - هل لما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصّبابة شافي؟
стр. 117
١٠ - فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
١١ - عضّنا الدهر بنابه ... ليت ما حلّ بنا به
١٢ - بيض الصفائح لاسود الصحائف في ... متونهنّ جلاء الشك والرّيب
١٣ - يا للغروب وما به من عبرة ... للمستهام وعبرة للرائي
١٤ - هلّا نهاك نهاك عن لوم امرئ ... لم يلف غير منعّم بشقاء
١٥ - فهمت كتابك يا سيّدي ... فهمت ولا عجب أن أهيما
١٦ - ما يستفيق غراما ... بها وفرط صبابه
ولو درى لكفاه ... ممّا يروم صبابه
١٧ - فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد الردّى بين الصّفا والصفائح
١٨ - تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلّى نوره الظّلما
١٩ - فقف مسعدا فيهنّ إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا
٢٠ - ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم
стр. 118
ردّ الأعجاز على الصدور
١ - تعريفه:
أ- في النثر:
عرّفه الخطيب القزويني بقوله (١): «هو أن يجعل أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين، أو الملحقين بهما، في أوّل الفقرة، والآخر في آخرها».
ومثاله قوله تعالى وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ الأحزاب: ٣٧.
وكقولهم: الحيلة ترك الحيلة.
وكقولهم: سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل.
ب- في الشعر:
قال الخطيب القزويني «هو أن يكون أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر الثاني.
فالأول كقوله:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعي النّدى بسريع
والثاني كقول الشاعر:
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
стр. 119
والثالث كقول الشاعر:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما
والرابع كقوله:
وإن لم يكن إلّا معرّج ساعة ... قليلا فإنّي نافع لي قليلها
والخامس كقوله:
دعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني
وقد ذكرت تفصيلات أخرى في كتب البلاغة لا تبعد كثيرا عن هذه الأمثلة التي ذكرنا.
стр. 120
لزوم ما لا يلزم
١ - تعريفه:
عرّفه الخطيب القزويني بقوله (١): «هو: أن يجيئ قبل حرف الرّوي وما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في مذهب السجع» وأعطى مثالا عليه قوله تعالى: .. فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ الأعراف: ٢٠١ - ٢٠٢.
٢ - أنواعه:
١ - التزام الحرف والحركة، كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ الضحى: ٩ - ١٠.
فقد التزمت الآيتان الهاء المفتوحة والراء الساكنة، وكان يكفي للسجع الوقوف على الراء الساكنة.
٢ - التزام حركتين وحرفين، كقوله تعالى ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ القلم: ٢ - ٣.
وقد تمّ الوقف في الآيتين على المقطع (نون).
ومنه قول الشاعر (البسيط):
سلّم على قطن إن كنت نازله ... سلام من كان يهوى مرّة قطنا
أحبّه والذي أرسى قواعده ... حبّا إذا ظهرت آياته بطنا
ما من غريب وإن أبدى تجلّده ... إلّا تذكّر عند الغربة الوطنا
стр. 121
فالأبيات الثلاثة انتهت بحرفي رويّ هما الطاء المفتوحة والنون المفتوحة بعدها ألف إطلاق وكانت النون وحدها كافية لاستقامة الوزن والقافية، لكن الشاعر التزم ما لا يلزم.
٣ - التزام أكثر من حرفين وحركتين، كقوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ الأعراف: ٢٠١ - ٢٠٢.
فانتهت الآيتان بالمقطع الصوتي (صرون) وفيهما التزام ما لا يلزم. ومنه قول الشاعر (الطويل):
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
وقد التزم الشاعر بالمقطع (لّت) في الأبيات جميعا، والمفروض أن يتم ذلك في بيتين أو أكثر أو في فاصلتين أو أكثر.
٤ - وقد يكون الالتزام في الحرف وحده، كقوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ القمر: ١ - ٢.
فالراء في الآيتين مضمومة تارة ومشدّدة تارة أخرى.
٥ - وقد يكون الالتزام في الحركة وحدها، كقول الشاعر (الطويل):
لما تؤذن الدّنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها وإنّها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد
стр. 122
فالتزم الشاعر في البيتين الفتحة قبل الرويّ.
*: اشتهر في هذا الضرب من البديع الشاعر العملاق أبو العلاء المعرّي فكان له ديوان بكامله التزم فيه ما لا يلزم وهو «اللزوميات».
**: ولزوم ما لا يلزم ضرب من السجع كما رأيت وإن وقع في الشعر، ولا يخفى ما فيه من تكلّف سوى ما جاء في القرآن الكريم. وقد لجأ إليه الشعراء تدليلا على قوّة شاعريّتهم، وتمكّنهم من اللّغة والعروض.
تمارين:
١ - بيّن رد العجز على الصدر، واشرحه في ما يأتي:
١ - اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً نوح: ١٠.
٢ - قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ الشعراء: ١٦٨.
٣ - وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ آل عمران: ٨.
٤ - إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
٥ - زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
٦ - ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منّا النفوس ذوائب
٧ - مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها
٨ - فأجبتها إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
٢ - بيّن لزوم ما لا يلزم واشرحه في ما يأتي:
١ - وَالطُّورِ* وَكِتابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ* وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ* وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ* وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الطور: ١ - ٦.
стр. 123
٢ - فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ* وَخَسَفَ الْقَمَرُ* وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ* يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ* كَلَّا لا وَزَرَ* إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ* يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ القيامة: ٧ - ١٣.
٣ - يقولون في البستان للعين لذّة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلّها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
٤ - أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
٥ - لم يقدر الله تهذيبا لعالمنا ... فلا ترومنّ للأقوام تهذيبا
ولا تصدّق بما البرهان يبطله ... فتستفيد من التصديق تكذيبا
٦ - إذا رضيت نفسي بميسور بلغة ... يحصّلها بالكدّ كفّي وساعدي
أمنت تصاريف الحوادث كلّها ... فكن يا زمان موعدي أو مواعدي
стр. 124
الاقتباس
تعريف الاقتباس:
١ - الاقتباس لغة:
جاء في اللسان (قبس) «وفي التهذيب: القبس: شعلة من نار تقتبسها من معظم، واقتباسها الأخذ منها ...
واقتبست منه علما أيضا، أي استفدته ... وأتانا فلان يقتبس العلم فأقبسناه، أي علّمناه» ظاهر إذا معنى الأخذ في الاقتباس. والقابس كما تمحور في الاستعمال هو الآخذ نارا أو علما. والعلم نور والنار من معاني النور المجازية فالشعر القديم والحديث جعل للمعرفة نارا.
٢ - الاقتباس اصطلاحا:
جاء في معجم المصطلحات (١) «الاقتباس: إدخال المؤلّف كلاما منسوبا للغير في نصّه، ويكون ذلك إمّا للتحلية أو للاستدلال، على أنّه يجب الإشارة إلى مصدر الاقتباس بهامش المتن وإبرازه بوضعه بين علامات تنصيص («») أو بأية وسيلة أخرى ... والاقتباس في البديع العربي، أن يتضمّن الكلام نثرا أو شعرا شيئا من القرآن الكريم، أو الحديث الشّريف، لا على أن المقتبس جزء منهما، ويجوز أن يغيّر المقتبس في الآية أو الحديث قليلا» واضح معنى الأخذ في مصطلح الاقتباس البديعي. وقد عرّفه البلاغيّون قديما بأنّه (٢) «هو أن يضمّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنّه منه».
стр. 125
وهكذا فإن الاقتباس عند البلاغيين محصور بالقرآن الكريم، والحديث الشريف.
٣ - الاقتباس من القرآن الكريم:
قال الحريري (١): «فلم يكن إلّا كلمح البصر أو هو أقرب، حتّى أنشد فأغرب» فالحريري اقتبس جزءا من سورة
النحل وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ النحل: ٧٧.
وكقول الحريري أيضا: «أنا أنبّئكم بتأويله وأميز صحيح القول من عليله» فقد اقتبس الحريري جزءا من الآية ٤٥ من سورة يوسف التي جاء فيها وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.
وقال القاضي الفاضل وقد ذكر الإفرنج «وغضبوا زادهم الله غضبا، وأوقدوا نارا للحرب جعلهم الله لها حطبا» فاقتبس جزءا من الآية ٦٤ من سورة المائدة .. وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
ومن أمثلة اقتباس الشعراء من القرآن الكريم. من ذلك قول الأحوص (الطويل):
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحبّ: ميعاد السّلوّ المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السرائر
لقد اقتبس الأحوص الآية ٩ من سورة الطارق التي تقول: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.
стр. 126
وقال آخر (الرّمل):
لا تعاشر معشرا ضلّوا الهدى ... فسواء أقبلوا أو أدبروا
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر
فالشاعر اقتبس في البيت الثاني جزءا من الآية ١١٨ من سورة آل عمران التي جاء فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، واضح أنّ الشاعر غيّر شيئا في الآية ليناسب الكلام الوزن. وهذا التغيير اليسير في الشعر خاصة مسموح به عند البلاغيين.
أمّا الاقتباس من الحديث الشريف فكقول الحريري «وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصبر عبادة» فقد اقتبس من لفظ الحديث «انتظار الفرج بالصبر عبادة».
واقتبس الشعراء أيضا من الحديث الشّريف كما في قول ابن عبّاد (م الرمّل):
قال لي إنّ رقيبي ... سيّء الخلق فداره
قلت دعني وجهك الجن ... نة حفّت بالمكاره
فلقد اقتبس الشاعر في البيت الثاني جزءا من الحديث الشريف وقد جاء فيه «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار
بالشهوات» وقد أدخل تعديلا طفيفا في الحديث ليتناسب مع قواعد العروض. وهذا مقبول عند البلاغيين أيضا.
٤ - أنواع الاقتباس:
والاقتباس أنواع منها:
أ- اقتباس لا ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر.
وما تقدّم من أمثلة ينطبق عليه.
стр. 127
ب- اقتباس ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي. ومنه قول ابن الرومي (الهزج):
لئن أخطأت في مدح ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
اقتبس ابن الرومي جزءا من الآية ٣٧ من سورة ابراهيم التي جاء فيها رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ فابن الرومي نقل معنى (بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) والمقصود بها مكّة في القرآن الكريم إلى ممدوح لا يرجى نفعه، ولا خير يرجى منه.
ولكنّ الشاعر أراد تصوير معاناته من الحرمان لا يرجى نفعه، ولا خير يرجى منه. ولكنّ الشاعر أراد تصوير معاناته من الحرمان والصبّر عليه وما امتحن الله تعالى به أنبياءه ليخبر صبرهم فكان ابن الرومي يتوسّل قصّة ابراهيم الخليل بأبعادها الدينية يشبّه بها قصّته مع ممدوح بخيل هو أشبه ما يكون بواد غير ذي زرع يعطي ساكنيه القدرة على الإقامة. والمعادلة في التشبيه قائمة على وحدة النتيجة وقوامها ما يأتي:
أسكنت ذريّتي بواد غير ذي زرع- أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع، والمراقب إذا أنعم النّظر في المعادلة يجد التغيير في الاقتباس واضحا.
وقد تكلّم البلاغيون على ثلاثة أقسام من الاقتباس، هي:
١ - اقتباس مقبول، وهذا الضرب كثير في الخطب والمواعظ كما جاء في خطبة أحدهم مخاطبا جماهير مستقبليه وهو العائد ممّا يشبه المنفى «دعوني- قبل كل شيء- أقبّل يد من جعل الله الجنة تحت قدميها» يريد تقبيل يد أمّه قبل كل شيء في إشارة إلى الحديث
стр. 128
الشريف «الزم رجلها فثمّ الجنّة» وفي رواية «الجنّة تحت أقدام الأمّهات».
٢ - اقتباس مباح، ويكون في الغزل والرسائل والقصص. مثال ذلك قول أحدهم (السريع):
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل
وإن تبدّلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
فالشاعر اقتبس في البيت الأوّل جزءا من الآية ١٨ من سورة يوسف التي جاء فيها .. قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واقتبس من الآية ١٧٣ من سورة آل عمران في البيت الثاني وفيها [فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ].
٣ - اقتباس مردود، كأن يقتبس هازل من القرآن الكريم والحديث الشريف. من هذا الاقتباس المردود نكتفي بهذا المثال:
أوحى إلى عشّاقه طرفه ... «هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ»
وردف ينطق من خلفه ... «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ»
فقد اقتبس الشاعر عجز البيت الأول من الآية ٣٦ من سورة (المؤمنون) فاقتبس الآية بتمامها كما وردت في القرآن الكريم. وفعل مثل ذلك في البيت الثاني فاقتبس عجزه من الآية ٦١ من سورة الصافات إذ اقتبسها كاملة. وقد ردّ هذا الاقتباس لأنّه من غير الجائز العبث بكلام الله ورسوله، واستعماله في مقام الهزل والدعابة والمجون.
стр. 129
تمرينات:
١ - دلّ على الاقتباس وردّه إلى مصدره مبيّنا الضرب الذي ينتمي إليه:
- وثغر تنضّد من لؤلؤ ... بألباب أهل الهوى يلعب
إذا ما ادلهمّت خطوب الهوى ... يكاد سنا برقه يذهب
- لا تعاشر معشرا ضلّوا الهدى ... فسواء أقبلوا أو أدبروا
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر
- سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلوّ همّة
ولاح بحكمتي نور الهدى في ... ليال للضّلالة مدلهمّة
يريد الجاهلون ليطفئوه ... ويأبي الله إلّا أن يتمّه
٢ - دلّ على الاقتباس مبيّنا أنواعه واشرح ما جاء فيه من تغيير:
قال القروي (ديوانه ص ٢٠١):
١ - يا «نكسن» اقتربت السّا ... عة وانشقّ القمر
٢ - أعرضت عن آياتنا ... وقلت سحر مستمرّ
٣ - واتّبعوا أهواءهم ... وكلّ أمر مستقرّ
٤ - كم جاءهم من نبأ ... بالحقّ فيه مزدجر
٥ - وحكمة بالغة ... فصحى فما تعني النّذر
٦ - تولّ عنهم يوم يدعون- ... إلى شيء نكر
٧ - يوم خروجهم من الأ ... جداث خشّع البصر
٨ - كأنّهم في الأرض أر ... جال جراد منتشر
٩ - يوم يقول الكافرو ... ن إنّ ذا يوم عسر
١٠ - وقوم نوح اتّهمو ... هـ بالجنون وازدجر
١١ - فقام يدعو ربّه ... إنّي غلبت فانتصر
стр. 130
التضمين والإيداع
١ - تعريفه:
١ - التضمين لغة:
جاء في اللسان (ضمن): «ضمّن الشيء الشيء: أودعه إيّاه ...
ومنه مضمون الكتاب كذا وكذا ... والمضمّن من الشعر: ما ضمّنته بيتا، وقيل: ما لم تتمّ معاني قوافيه إلّا بالبيت الذي يليه».
واضح أن التضمين في الشعر يعني الاقتباس، أي أن الشاعر يضمّن قصيدته بيتا أو أبياتا ليست له، يدرجه أو يدرجها في سياق القصيدة.
وهو غير التّضمين الذي عدّ عيبا من عيوب القافية لأنّه يقضي على استقلالية البيت، إذ ينتهي البيت ولا ينتهي المعنى كقول الشاعر:
وليس المال فاعلمه بمال ... من الأقوام إلّا للّذيّ
يريد به العلاء ويمتهنه ... لأقرب أقربيه وللقصيّ
فضمّن بالموصول والصّلة على شدّة اتصال كلّ واحد منهما بصاحبه. وهذه الظاهرة وقعت بكثرة في شعر النابغة الذبياني.
٢ - التضمين اصطلاحا:
جاء في معجم المصطلحات (١) «والتضمين في البديع العربي، أن يضمّن الشاعر شعره بيتا من شعر الغير مع التصريح بذلك إن لم يكن البيت المقتبس معروفا للبلغاء».
стр. 131
فالتضمين إذا أن يودع الشاعر قصيدته بيتا أو أكثر أو شطرا ليس له، والبيت المستعار أو الجزء المستعار مقتبس كما جاء في المعجم، ولهذا بات من السهل ملاحظة العلاقة الوطيدة والتشابه الواضح بين الاقتباس والتضمين.
والتّضمين عند البلاغيين (١) «أن يضمّن الشعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء» واضح من هذا التعريف أن الاقتباس إيراد شيء من القرآن والحديث، وأن التّضمين إيراد شيء من الشعر، وكلاهما قائم على استعارة معنى من الآخرين وضمّه إلى قصيدة يندرج ضمن سياقها.
ومن أمثلته:
١ - تضمين بيت بلا تنبيه عليه لشهرته كما في قول الصاحب ابن عبّاد (البسيط):
وصاحب كنت مغبوطا بصحبته ... دهرا، فغادرني فردا بلا سكن
هبّت له ريح إقبال، فطار بها ... نحو السرور، وألجاني إلى الحزن
كأنّه كان مطويّا على إحن ... ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني
«إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن»
فالصاحب قد ضمّن قصيدته بيتا ليس له ولم ينبّه عليه ولو وضع ضمن علامة التّنصيص «» وهذا البيت من قصيدة مشهورة لأبي تمام.
٢ - تضمين أقلّ من بيت، كقول الحريري (الوافر):
على أنّي سأنشد عند بيعي ... «أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا»
стр. 132
فالحريري ضمّن القصيدة صدر بيت من قصيدة قيل هي للعرجي وقيل لأميّة بن أبي الصّلت، وتمام البيت هناك:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
٣ - أحسن وجوه التضمين (١) «أن يزيد المضمّن في الفرع عليه في الأصل بنكتة، كالتورية والتشبيه كما في قول صاحب التحبير (ابن أبي الإصبع المصري)
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... «تذكّرت ما بين العذيب وبارق»
ويذكرني من قدّها ومدامعي ... «فجرّ عوالينا ومجرى السّوابق»
فعجزا البيتين للمتنبّي، والمتنبي قصد بهما أنهم كانوا نزولا بين العذيب وبارق يجرون الرّماح وهم يطاردون الفرسان. أمّا صاحب التحبير فأراد بالعذيب تصغير العذب يريد به شفة الحبيبة وأراد ببارق ثغرها الضاحك شبيه البرق. وهذه تورية بديعة نادرة في بابها (٢)، وشبّه تبختر قدّها بتمايل الرماح، وتتابع دموعه بجريان الخيل السوابق.
٤ - تضمين لا يخلو من تعديل طفيف في المقتبس، مثاله:
أقول لمعشر غلطوا وغضّوا ... عن الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه
لقد ضمّن الشاعر قصيدته البيت الثاني مستعارا من قصيدة لسحيم بن وثيل الريّاحي محدثا فيه تعديلا طفيفا لأنّه في الأصل:
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
وهذا التعديل الطفيف غير مضرّ في نظر البلاغيين.
стр. 133
أنواع التّضمين:
جاء في الإيضاح (١) «وربّما سمّي تضمين البيت فما زاد استعانة وتضمين المصراع فما دونه تارة إيداعا وتارة رفوا».
وقد تقدّم الكلام على كلّ نوع من هذه الأنواع.
تمرينات:
١ - بيّن أنواع التّضمين فيما يأتي:
- قد قلت لمّا أطلعت وجناته ... حول الشّقيق الغضّ روضة آس
أعذاره السّاري العجول ترفّقا ... «ما في وقوفك ساعة من باس»
- طول حياة ما لها طائل ... نغّص عندي كلّ ما يشتهى
أصبحت مثل الطّفل في ضعفه ... تشابه المبتدا والمنتهى
فلم تلم سمعي إذا خانني ... «إنّ الثمانين وبلّغتها»
стр. 134
ثانيا: علم البيان:
- تعريفه: لغة واصطلاحا.
- الدلالة.
- التشبيه: أنواعه وأغراضه وقيمته الجمالية.
- الحقيقة والمجاز وأنواعهما.
- المجاز العقلي وعلاقاته.
- المجاز المرسل وعلاقاته.
- الاستعارة وأنواعها.
- الكناية وأقسامها وأنواعها.
- الصورة الشعرية: مقوّماتها ومكوّناتها بين النقد والبلاغة.
стр. 135
علم البيان
١ - تعريفه:
أ- لغة:
جاء في اللسان (بين): «البيان: ما بيّن به الشيء من الدلالة وغيرها. وبان الشيء بيانا: اتّضح، فهو بيّن ... والبيان: الفصاحة واللّسن، وكلام بيّن فصيح، والبيان: الإفصاح مع ذكاء، والبيّن من الرّجال السّمح اللّسان الفصيح الظريف العالي الكلام القليل الرّتج»
فالبيان بداءة: الإفصاح والوضوح والقدرة على التّصرّف في الكلام وتصريفه في وجوه شتّى، ولهذا أضيف إلى الإفصاح شرط الذّكاء والذائقة الفنّية لاكتشاف المعنى أو لتحليل الصورة. فالبيان إذا لا يكتفي بإظهار المعنى المباشر، بل يطلب من المتذوّق أن يكتشف بذكائه معنى المعنى.
من هنا كان للتخييل دور أساسي في صنع الصورة البيانيّة التي تخاطب بدورها ذكاء المتلقّي وثقافته وذائقته الفنّية. والبيان من الكلام العالي أي أنّه لا يبحث عن الفصيح فحسب، بل هو يتوخّى الأفصح والأعلى؛ ففيه التفنّن في إلباس الصورة الشعرية لباس الغموض الفنّي ببعدها عن المباشرة، ومطالبتها المتلقّي بتحليل عناصرها تمهيدا لاكتشاف كنهها وجوهرها.
جاء في القرآن الكريم الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرحمن: ١ - ٤ ومعنى البيان هنا أيضا:
الفصاحة والوضوح واللّسن.
стр. 136
ب- اصطلاحا:
جاء في كتاب التعريفات (١) «البيان عبارة عن إظهار المتكلّم المراد للسامع» فالجرجاني اكتفى بجانب الوضوح وأهمل جانب الذكاء والقصد إلى الأعلى من طرائق التعبير عن المعاني. أما المحدثون فقد تنبّهوا إلى هذه الطرائق في التعبير عن المعنى مركّزين على جانب التخييل والتصوير، فجاء في معجم المصطلحات العربية (٢): «هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة» وكأنه يريد القول: إيراد المعنى مرّة بطريق التشبيه، وإيراده ثانية من طريق المجاز، وثالثة من طريق الكناية، وهكذا.
إنّه باختصار: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد في صور مختلفة، متفاوتة في وضوح الدلالة. وكان محقا القائل (٣): «إن البيان العربي هو علم دراسة صورة المعنى الشعري. أما البديع والعروض والقافية فهي علوم تهتمّ
أساسا بالصورة الصوتيّة في التعبير الشعري».
ج- البيان كما فهمه النّقاد والبلاغيّون:
عقد الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) بابا من أبواب كتابه البيان والتبيين بعنوان: باب البيان، حاول أن يوضّح فيه معنى البيان ودلالته فقال (٤):
«والدلالة الظاهرة على المعنى الخفيّ هو البيان الذي سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه، ويحثّ عليه. بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم».
стр. 137
ركّز الجاحظ على وظيفة البيان فحصرها في التعبير الواضح عن المعنى الخفيّ. فكيف يوفّق الشاعر أو المبدع إلى حلّ هذه الإشكالية؟ يوضّح الجاحظ هذا الرأي، أو هو يحاول توضيحه بقوله (١):
«والبيان: اسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضّمير، حتّى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أيّ جنس كان الدليل؛ لأنّ مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنّما هو الفهم والإفهام، فبأيّ شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع».
فالمعنى في نظر الجاحظ مقنّع ومضمر وعلى المبدع أن يكشف هذا القناع، ويظهر هذا المضمر المستكنّ في النفوس لأنّ غاية الأمر الفهم والإفهام بأية طريقة وبأي وسيلة. هذا الكلام على الوضوح والإظهار والإبانة أهمل العناية بالجانب الفنّي، أي الطريقة الواجب اعتمادها للكشف عن المعاني المضمرة. ففنّية التعبير هي الجانب الذي يعنى به البيان لا الكلام كيفما اتّفق.
وبقي فهم الجاحظ للبيان سائدا إلى أن ظهر كتاب السّكاكي (ت ٦٢٦ هـ) (مفتاح العلوم) الذي غدا فيه البيان علما مستقلا من علوم البلاغة الثلاثة. وقد عرّفه السكّاكي بقوله (٢): «هو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد
منه» وموضوعات البيان عند السكّاكي وتلاميذه هي: التشبيه والمجاز والكناية.
стр. 138
ويأتي بعد السكّاكي الخطيب القزويني (ت ٧٣٤ هـ) ليعرّفه التعريف الذي بقي متداولا في كتب البلاغة إلى يومنا هذا، حيث يقول (١):
«وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه». وهذا هو التعريف الذي اعتمده معجم المصطلحات العربية الذي تقدّم ذكره.
البيان والدلالة:
إن تأثّر الخطيب القزويني بالبحث المنطقي حمله على تقديم علم البيان بمقدّمة تحدّث فيها عن أنواع الدلالة. فلقد ذهب الخطيب القزويني إلى أن (٢) «دلالة اللفظ: إمّا ما وضع له، أو على غيره» وتحدث عن:
أ- الدلالة الوضعيّة، وهي- كما يفهم من كلامه- التي يتطابق فيها المدلول مع اللفظ الذي وضع له من غير زيادة أو نقصان، كدلالة لفظ (البيت) على البيت الحقيقي.
ب- الدلالة التّضمّنية، وهي- كما يفهم من كلامه- التي يدلّ اللفظ فيها على جزء ما وضع له كأن يطلق البيت على غرفة منه، لأن جزء المعنى متضمّن في المعنى الكلّي وداخل فيه كالغرفة بالنسبة إلى البيت.
ج- الدلالة الالتزامية: وهي- كما يفهم من كلامه- التي يدلّ فيها اللفظ على لازم معناه الموضوع له كدلالة الإنسان على الضّحك، ودلالة الأسد على الشجاعة. فمعنيا الضحك والشجاعة
стр. 139
غير داخلين في مفهوم كلمة (إنسان) وكلمة (أسد) ولكنّهما أمران لازمان لهما.
وقد جمع الدلالتين: التضمّنية، والالتزامية تحت عنوان الدلالة العقلية.
وذهب البلاغيّون المتأخّرون إلى أن علم البيان لا يتعلّق البحث فيه بالدلالة الوضعية؛ لأنّ التعبير المستخدم في معناه الأصلي ليس فيه زيادة أو نقصان في وضوح الدلالة. أمّا الدلالتان الأخريان فهما لبّ الدراسة البيانية؛ لأنّ المعنى الواحد قد يكون جزءا من معنى آخر أو لازما له، فإذا استخدم اللفظ الدال على ذلك المعنى، وأريد به معنى آخر مرتبط به ارتباط التّضمّن أو الالتزام كان هناك مجال للتفاوت في وضوح الدلالة وغموضها.
وسنرى أثر هاتين الدلالتين في أسلوبي المجاز المرسل والكناية بشكل واضح، وسوف نلمح ظلالهما في الاستعارة، والتشبيه ولو على تفاوت بين مظهر منه وآخر.
стр. 140
[التّشبيه]
البحث الأوّل التّشبيه
١ - تعريفه:
التشبيه لغة: هو التّمثيل، شبّهت هذا بذاك، مثّلته به. والتشبيه اصطلاحا: بيان أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر، بإحدى أدوات التشبيه المذكورة أو المقدّرة المفهومة من سياق الكلام.
والتعريف الجامع هو: صورة تقوم على تمثيل شيء (حسّي أو مجرّد) بشيء آخر (حسّي أو مجرّد) لاشتراكهما في صفة (حسّية أو مجرّدة) أو أكثر. وقد عرّفه القزويني بقوله (١): «التشبيه: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى». وهذا يعني أنّ المتشابهين ليسا متطابقين في كل شيء.
٢ - التشبيه في نظر البلاغيين:
ذهب قدامة بن جعفر (ت ٣٣٧ هـ) إلى أن التشبيه (٢) «إنّما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمّهما، ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها» وهذا التعريف موافق لما جاء به بعد حين من الدّهر الخطيب القزويني الذي تقدّم ذكره ولو كان المتأخّر أقلّ وضوحا من المتقدّم.
ويزيد فهم الرّماني للتشبيه التعريف وضوحا. فالرمّاني (ت ٣٨٦ هـ)، ذهب إلى أنّه (٣) «العقد على أنّ أحد الشيئين يسدّ مسدّ الآخر في حسّ أو عقل».
стр. 141
وقد قسمه الرمّاني إلى:
أ- تشبيه حسّي، كماءين، وذهبين، يقوم أحدهما مقام الآخر.
ب- تشبيه نفسي، كتشبيه قوّة عنترة بقوّة غيره من الأبطال.
والتقسيم الثاني الذي ذهب إليه جاء فيه:
- تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، وتشبيه السّواد بالسّواد.
- تشبيه شيئين مختلفين لمعنى يجمعهما، كتشبيه الشدّة بالموت، والبيان بالسّحر الحلال.
والتقسيم الثالث جاء فيه:
- تشبيه بلاغة، كتشبيه أعمال الكفّار بالسّراب.
- تشبيه حقيقة، كتشبيه الدينار بالدينار.
والملاحظ أن الرمّاني قد أتعب نفسه في التفصيل والإتيان بتسميات مختلفة ومتعدّدة، لأن بعض التسميات مكرّرة أو هي نفسها في الدلالة والوصف. فتشبيه الحقيقة هو نفسه تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما، وتشبيه البلاغة هو نفسه تشبيه شيئين مختلفين لمعنى يجمعهما.
أما عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) فذهب إلى أنّه يوجد نوعان من التشبيه، نرى في أحدهما وجه الشبه قائما فعلا في كلا الطرفين، كأن يكون مدركا بإحدى الحواس، أو هو أمر عقلي راجع إلى الفطرة. وسمّى هذا النوع من التشبيه (التشبيه الحقيقي الأصلي). أما في ثانيهما فلا يتحقق وجه الشبه فعلا في كلا الطرفين، بل يوجد في أحدهما على الحقيقة، وفي الآخر على التأويل كما في قولنا: كلامه
стр. 142
كالعسل في حلاوته، فالحلاوة قائمة حقيقة في العسل، ولكنها غير حقيقية في الكلام. وهذا التشبيه يسمّيه عبد القاهر تشبيه التمثيل. وربّما أطلق عليه اسم الشّبه العقلي لأن التأويل من عمل العقل. هذا التشبيه التمثيلي الذي نادى به عبد القاهر مختلف عن تشبيه التمثيل الذي تعارف عليه البلاغيون كما سنرى لاحقا.
٣ - أركان التشبيه:
تواضع البلاغيون على أنّ للتشبيه أربعة أركان هي:
١ - المشبّه:
وهو الركن الرئيس في التشبيه، تخدمه الأركان الأخرى، ويغلب ظهوره، لكنّه قد يضمر للعلم به على أن يكون مقدّرا في الإعراب، وهذا التقدير بمنزلة وجوده. مثاله قول عمران بن حطّان مخاطبا الحجّاج (الكامل):
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
فلفظ أسد خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت، وعليه يكون المشبّه ضميرا مقدّرا في الإعراب، وهو ماثل في المعنى وإن لم يظهر بلفظه.
والفتخاء: الناعمة.
٢ - المشبّه به:
تتوضّح به صورة المشبّه، ولا بدّ من ظهوره في التشبيه.
يشترك مع المشبّه في صفة أو أكثر إلّا أنّها تكون بارزة فيه أكثر من بروزها في المشبّه.
* يسمّى المشبّه والمشبّه به طرفي التشبيه.
стр. 143
٣ - وجه الشبّه:
هو الصفة المشتركة بين المشبّه والمشبّه به، وتكون في المشبّه به أقوى وأظهر مما هي عليه في المشبّه. قد يذكر وجه الشّبه، وقد يحذف كما سيأتي، وإذا ذكر جاء غالبا على إحدى صورتين هما:
أ- مجرورا ب (في)، كما في قول ابن الرومي:
يا شبيه البدر في الحسن ... وفي بعد المنال
ب- تمييزا، ومثاله قول أحدهم:
يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا
وإذا جاء على خلاف هاتين الصورتين، فلا بدّ من تأويله بإحداهما. مثال ذلك قول أحدهم:
العمر مثل الضّيف أو ... كالطّيف ليس له إقامة
وتأويل وجه الشبه: العمر مثل الضّيف أو كالطيف في قصر إقامته.
٤ - أداة التشبيه:
هي كل لفظ دلّ على المشابهة، وقد تكون:
أ- حرفا
، كالكاف، كما في قوله تعالى وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس: ٣٩.
أو كما قال أبو القاسم الشابّي:
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام ... كاللحن كالصّباح الجديد
كالسّماء الضحوك كاللية القمراء ... كالورد كابتسام الوليد
وقد كرّر الأداة (الكاف) ثماني مرّات في البيتين. كما تكون كأن أداة التشبيه كما في قول الطيّب صالح في رواية عرس الزين
стр. 144
«والزين واقف في مكانه، في قلب الدائرة، بقامته الطويلة وجسمه النحيل فكأنه صاري المركب».
ب- اسما:
والأسماء المتداولة في هذا الباب هي: مثل، شبه، مثل، مماثل، قرن، مضارع، محاك، وما كان بمعناها أو مشتقّا منها. مثال ذلك قول المجنون في ظبية:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنّني ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
وقول آخر:
كم وجوه مثل النهار ضياء ... لنفوس كالليل في الإظلام
ج- فعلا ،
والأفعال المحتملة في هذا الباب هي: شابه، حاكى، ضارع، ماثل، ومضارع هذه الأفعال وما شابهها. وأمثلته قول أحدهم:
تفّاحة جمعت لونين قد حكيا ... خدّي حبيب ومحبوب قد اتّفقا
وكقول آخر:
وكأنّ البنفسج الغضّ يحكي ... أثر اللّطم في خدود الغيد
تحدّث الجرجاني عن دور الأداة ودلالتها بقوله (١): «تقول: زيد كالأسد أو مثل الأسد، أو شبيه بالأسد، فتجد ذلك كلّه تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: كأنّ زيدا الأسد، فيكون تشبيها أيضا، إلا أنّك ترى بينه وبين
стр. 145
الأوّل بونا بعيدا؛ لأنّك ترى له صورة خاصة، وتجدك قد فخّمت المعنى، وزدت فيه بأن أفدت أنّه من الشجاعة وشدّة البطش، وأنّ قلبه قلب لا يخامره الذّعر، ولا يدخله الرّوع بحيث يتوهّم أنه الأسد بعينه، ثم تقول: لئن لقيته ليلقينّك منه الأسد، فتجده قد أفاد هذه المبالغة لكن في صورة أحسن وصفة أخص، وذلك أنّك تجعله في (كأنّ) يتوهّم أنه الأسد، وتجعله هاهنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حدّ التوّهّم إلى حدّ اليقين» لهذا عدّ التشبيه البليغ الذي حذف منه وجه الشّبه وأداة التشبيه أقوى انواع التشبيه لأنّه يرفع المشبّه إلى مرتبة المشبّه به إلى حدّ المماثلة التامّة.
أمثلة موضّحة:
قال الشاعر:
كم وجوه مثل النهار ضياء ... لنفوس كالليل في الإظلام
في البيت تشبيهان:
١ - يشبّه وجوه بعض الناس بالنهار في ضيائها وجمالها (في الأوّل).
٢ - يشبّه في الثاني نفوس هؤلاء بالليل في تجهّمها وإظلامها.
في الأول: المشبه: وجوه. المشبّه به: النهار. أداة التشبيه:
مثل (اسم). وجه الشّبه: ضياء.
في الثاني: المشبه: نفوس، المشبّه به: الليل، وجه الشبه:
الإظلام، أداة التشبيه: الكاف (حرف).
وقال آخر:
أنت مثل الغصن لينا ... وشبيه البدر حسنا