هـ- مقابلة ستة بستة:
ومثاله قول شرف الدين الأربلي (الطويل):
على ١ رأس ٢ عبد ٣ تاج ٤ عزّ ٥ يزينه ٦ ... وفي ١ رجل ٢ حرّ ٣ قيد ٤ ذلّ ٥ يشينه ٦
فالمقابلة بين على وفي، ورأس ورجل، وعبد وحرّ، وتاج وقيد، وعزّ وذلّ، ويزينه ويشينه.
* رأى علماء البديع أن أعلى رتب المقابلة وأبلغها ما كثر فيه عدد المقابلات لكن شريطة الابتعاد عن التكلف والاسراف فيه.
وقد اشترط السّكاكي أن تقتصر المقابلة على الأضداد فحسب.
تمارين
١ - بيّن مواقع المقابلة في ما يأتي:
قال تعالى:
١. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ الحديد: ٢٣
٢. فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى الليل: ٥ - ١٠.
وقال الشاعر:
٣. يا أمّة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها
٤. قابلتهم بالرضا والسّلم منشرحا ... ولّوا غضابا فوا حربي لغيظهمو
٥. بواطئ فوق خدّ الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتم
٦. أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
٧. حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدّة البأس منه رقّة الغزل
стр. 72
٨. فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
٩. ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس في الرّجل!
١٠. فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
١١. تسرّ لئيما مكرمات تعزّه ... وتبكي كريما حادثات تهينه
١٢. فإذا حاربوا أذلّوا عزيزا ... وإذا سالموا أعزّوا ذليلا
١٣. شريت الفتك بالثّمن الربيح ... وبعت النسك بالقصف النجيح
стр. 73
التورية
١ - أسماؤها:
ذكر لها البلاغيّون أسماء عديدة منها:
أ. الإيهام، ذكره الخطيب التبريزي (١).
ب. التوجيه، ذكره ابن أبي الأصبع (٢).
ج. التخيير، ذكره غير واحد من البلاغيين.
٢ - تعريفها:
أ- لغة:
جاء في اللسان (ورى): «وريّت الشيء وواريته: أخفيته.
وتوارى: استتر. ووريت الخبر: جعلته ورائي وسترته. ووريت الخبر أورّيه تورية: إذا سترته وأظهرت غيره ... والتّورية: السّتر».
ب- إصطلاحا:
عرفها الخطيب التبريزي بقوله (٣): «وهي أن يطلق لفظ له معنيان: قريب، وبعيد، ويراد به البعيد منهما». فالتورية عبارة عن دالّ واحد له مدلولان: الأول مدلول قريب لا يلائم المقام لذلك فهو ملغى ومستبعد. والثاني بعيد يلائم المقام مقبول ومعتمد.
стр. 74
٣ - أنواعها:
اكتفى القزويني بقسمتها قسمين هما: تورية مجرّدة وتورية مرشّحة.
١ - التورية المجرّدة:
وهي التي لم يذكر فيها شيء مما يلائم المورّى به (المعنى القريب) ولا مما يلائم المورى عنه (المعنى البعيد)، نحو قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: ٥.
فكلمة التورية (استوى) لها معنيان:
١ - الاستقرار في المكان- المعنى القريب غير المقصود لأن الله تعالى منزّه عنه.
٢ - الاستيلاء والملك- المعنى البعيد المقصود.
ولم يذكر في الآية من لوازم المعنى البعيد أو المعنى القريب شيء؛ فلهذا كانت مجرّدة.
ومنه قول الشاعر القاضي عياض في سنة كان فيها شهر كانون معتدلا أزهرت فيه الأشجار (البسيط):
كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموّز أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل
فالتورية في (الغزالة) فلم يذكر الشاعر قبل الغزالة أو بعدها ما يشير إلى أنه قصد بها ذلك الحيوان البريّ
المشهور بطول العنق وسواد العين وما إلى ذلك، ولا من أوصاف المعنى المورّى عنه (الشمس) كالإشراق والغروب وما إليهما. ولهذا كانت التورية مجرّدة.
стр. 75
٢ - التورية المرشّحة:
وهي التي ذكر فيها ما يلائم المورّى به، وهو أقوى درجات الإيهام في التورية لأنه يقوّي المعنى القريب فيخفي المعنى البعيد المقصود ويكون هذا الذكر:
أ- قبل لفظ التورية:
ومثالها قوله تعالى وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الذاريات: ٤٧.
والتورية في (بأيد) لأنها تحتمل معنيين:
- المعنى القريب: وهو الجارحة، اليد الحقيقية. وهذا المعنى مورّى به، وقد سبقت بلفظ (بنيناها) على جهة الترشيح وهو من لوازم اليد.
- المعنى البعيد: قوّة الخالق وعظمته وهذا المعنى مورّى عنه، وهو المراد؛ لأن الخالق جل وعلا منزّه عن المعنى الأول.
ومنها أيضا قول يحيى بن منصور (الطويل):
فلما نأت عنّا العشيرة كلّها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدّهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
فالتورية في (الجفون) لاحتمال اللفظ معنيين هما:
- المعنى القريب: وهو جفون العين الحقيقية، وهذا هو المعنى المورّى به، وقد سبقه لازم من لوازمه على جهة الترشيح.
(أغضينا) لأن الإغضاء من لوازم العين.
- المعنى البعيد: جفون السيوف (أغمادها)، وهو المعنى المورّى عنه. وهذا هو المعنى المراد لأن السّيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه، وإذا جرّد انفتح.
стр. 76
ب- بعد لفظ التورية:
نحو قوله (السريع):
مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللّثم
قالت: قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام به عمّي
فالتورية: في (خالها) لاحتماله معنيين:
أ- المعنى القريب، خال النسب، أخو الأم، وهو المعنى المورّى به، وقد ذكر لازمه (العمّ) بعده على جهة الترشيح.
ب- المعنى البعيد، الشّامة التي تظهر في الوجه غالبا، وعدّها الناس أمارة حسن، وهو المعنى المورّى عنه، وهذا المعنى الأخير هو المقصود.
٣ - التورية المبيّنة:
وهي ما ذكر فيها لازم المورّى عنه فيعين على الاهتداء إليه، ويكون هذا الذكر:
أ- قبل لفظ التورية
، كقول البحتري (الكامل):
ووراء تسديد الوشاح مليّة ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب
فالتورية في (تملح) لاحتمال اللفظ معنيين:
أ- المعنى القريب، الملوحة ضد العذوبة، وهو المعنى المورّى به وغير المراد.
ب- المعنى البعيد، الملاحة أي الحسن، وهو المعنى المورّى عنه وهو المراد، وقد تقدّم عليه من لوازمه (مليّة بالحسن).
стр. 77
ب- بعد لفظ التورية
، ومنه قول الشاعر (الطويل):
أرى ذنب السّرحان في الأفق طالعا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع؟
في البيت توريتان، أولاهما (ذنب السّرحان). وفيها معنيان:
أ- قريب، وهو ذنب الحيوان (الذئب)، وهو المعنى المورّى به.
ب- بعيد، أول ضوء النّهار، وهو المعنى المورّى عنه، وهذا المعنى هو المعنى المراد. وقد بيّنه بذكر لازم بعده
بقوله (طالعا).
ثانيتهما (الغزالة) وفيها معنيان:
أ- قريب، وهو الغزالة الوحشية المعروفة، وهو المعنى المورّى به الذي لم يقصده الشاعر.
ب- بعيد، وهو الشمس، وهو المعنى المورّى عنه وقد بيّنه الشاعر بذكر لازمه بعده (تطلع) وهذا هو المعنى المقصود.
٤ - التورية المهيأة
، وهي على ثلاثة أنواع:
١ - المهيأة بلفظ قبلها
، نحو قول ابن سناء الملك في الملك المظفّر (الطويل):
وسيرك فينا سيرة عمريّة ... فروّحت عن قلب وأفرجت عن كرب
وأظهرت فينا من سميّك سنّة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك النّدب
فالتورية في (الفرض والنّدب) وفيهما معنيان:
- قريب، وهو أن يعني الشاعر بهما الأحكام الشرعية، وهو المعنى المورّى به، غير المقصود.
- بعيد، وهو أن يكون الفرض بمعنى العطاء، والنّدب صفة المرء السريع في قضاء الحاجات، وهو المعنى المورّى عنه (المقصود).
стр. 78
وقد سبقت التورية بلفظ (سنّة)، ولولاه ما تهيأت التورية فيهما، ولا فهم الفرض والنّدب الحكمان الشرعيّان اللذان صحّت بهما التورية.
٢ - المهيأة بلفظ بعدها
، نحو قول الشاعر (الكامل):
لولا التطيّر بالخلاف وأنّهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحبي في جنابك خدمة ... لأكون مندوبا قضى مفروضا
فالتورية في (مندوبا) لاحتمالها معنيين:
- قريب، وهو المنتدب لقضاء حكم شرعي، غير المقصود.
- بعيد، وهو الميت الذي يندب، وهو المعنى المورّى عنه، وهذا هو المعنى المراد.
ولولا ذكر (مفروضا) المتأخّر عن (مندوبا) لم يتنبّه السامع لمعنى (المندوب)، فلمّا ذكر تهيّأت التورية بذكره.
٣ - المهيأة بلفظين
، لولا كل منهما ما تهيّأت التورية في الآخر، نحو (الخفيف):
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟
هي شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يماني
فالتورية تهيّأت من اللفظين (الثريا وسهيل). وفي كل منهما معنيان:
- قريب،
الثريا: النجم المعروف، وهو المعنى المورّى به، غير المقصود.
سهيل: النجم المعروف، وهو المعنى المورّى به، غير المقصود أيضا.
стр. 79
- بعيد،
الثريا: بنت علي بن عبد الله بن الحارث، وهو المعنى المراد المورّى عنه.
سهيل: بن عبد الرحمن، وهو المعنى المورّى عنه، وهو المراد.
ولولا ذكر (الثريا) لم يتنبّه لسهيل، وكل منهما صالح للتورية.
لقد تبيّن ممّا سبق من شرح وتفصيل أنّ التورية ضرب من التخييل، وفيها شيء من الإلغاز، وهي من الغموض الفنّي المستحبّ لأن المتلقّي المتمتّع بثقافة شعرية أو فنية يدرك أنها تخاطب عقله وذكاءه وفطنته، وأنها تبعده عن المعاني المباشرة؛ لأن الأداء المباشر يبعد عن الشعر إشعاع الإيحاءات المختلفة. فالفنّ تأمّل، والمتذوّق يجب أن يتحلّى بذائقة قادرة على كشف ما يضيفه الشاعر والمبدع إلى الطبيعة الجمالية التي يرسمها الشاعر. إنها من الصور الخادعة التي تترك للمتلقي أن يذهب إلى تفسيرات مختلفة باختلاف قدرته على الكشف والتذوق وتفكيك عناصر الصورة المتخيّلة.
تمرينات:
١ - تمرين مساعد، قال سراج الدين الورّاق (الوافر):
أصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب
وربّ الشعر عندهم (بغيض) ... ولو وافى به لهم (حبيب)
تكمن التورية في لفظ (حبيب) إذ لها معنيان محتملان:
أحدهما: حبيب، بمعنى محبوب، وهو المعنى القريب المورى به. ويتبادر هذا المعنى إلى الذهن بسبب التمهيد له بلفظ (بغيض) وهو شاعر جاهلي.
стр. 80
ثانيهما: حبيب، هو الاسم الحقيقي للشاعر العباسي المشهور بأبي تمّام، واسمه الكامل حبيب بن أوس. وهذا المعنى البعيد مورّى عنه، وقد أراده الشاعر.
لهذا كانت التورية مرشّحة لأنه ذكر فيها ما يلائم المورى به قبل لفظ التورية (بغيض).
وقال طبيب العيون، ابن دانيال (السريع):
يا سائلي عن حرفتي في الورى ... واضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس؟
تكمن التورية في عبارة ابن دانيال (يأخذه من أعين الناس) إذ للجملة معنيان:
١ - المعنى الأول المورّى به وهو المعنى القريب غير المقصود، أخذ الدرهم أجر علاج عيون الناس لأن القائل طبيب يداوي الأعين، لهذا تبادر إلى الذهن هذا المعنى بسبب ما سبق من كلام على حرفة الشاعر.
٢ - المعنى الثاني المورّى عنه وهو المعنى البعيد الذي قصده الشاعر، أخذ الدرهم من الناس مكرهين مرغمين لأنّ أعينهم تسافر خلف ما يدفعونه من دراهم لشفائها.
فالتورية مرشّحة إذا لذكر ما يلائم المعنى المورّى به.
٢ - قس على ما جاء في التمرين السابق واشرح التورية في الأبيات الآتية:
قال نصير الدين الحمّامي (الكامل):
أبيات شعرك كالقصو ... ر ولا قصور بها يعوق
ومن العجائب لفظها ... حرّ ومعناها رقيق
стр. 81
وقال سراج الدين الورّاق (مخلّع البسيط):
فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا
وقال بدر الدين الذّهبي (م الكامل):
رفقا بخلّ ناصح ... أبليته صدّا وهجرا
وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا
وقال بدر الدين الذّهبي أيضا (المجتثّ):
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو؟
يمرّ بي كلّ وقت ... وكلّما مرّ يحلو
وقال سراج الدين الورّاق (الطويل):
وقفت بأطلال الأحبّة سائلا ... ودمعي يسقي ثمّ عهدا ومعهدا
ومن عجب أنيّ أروّي ديارهم ... وحظّي منها حين أسألها الصّدى
وقال ابن الظاهر (الكامل):
شكرا لنسمة أرضكم ... كم بلّغت عني تحيّه
لا غرو إن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذّكيّه
وقال ابن نباته المصري (الكامل):
والنهر يشبه مبردا ... فلأجل ذا يجلو الصّدى
وقال الشابّ الظريف (م. الكامل):
قامت حروب الدّهر ما بين الرياض السندسيّة ... وأتت بأجمعها لتغزو روضة الورد الجنيّة
لكنّها انكسرت لأنّ الورد شوكته قويّة
стр. 82
تجاهل العارف
١ - تعريفه:
جاء في كتاب الصناعتين (١): «هو إخراج ما يعرف صحّته مخرج ما يشكّ فيه ليزيد بذلك تأكيدا».
وفي الإيضاح (٢) «هو- كما سمّاه السكّاكي- سوق المعلوم مساق غيره لنكتة».
٢ - مظاهره:
يتجلّى تجاهل العارف في كثير من مواقف القول، ويأخذ مظاهر عدّة، يصطنع فيها القائل موقفا غير الموقف الحقيقي في الظاهر، ويوهم بأن السؤال للاستفسار والحقيقة أن السؤال تظاهر بالجهل أو بالاستفهام عن حقيقة يجهلها، وواقع الحال أنه يعرف الحقيقة ويستنكر حينا تجاهلها ويقرّر واقعا ما كان ينبغي له أن يكون قائما.
ففي معرض التوبيخ قالت ليلى بنت طريف:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزغ على ابن طريف؟!
فالشاعرة تتساءل مضخّمة الحدث وكأنّها تريد أن توقف دورة الزمن بعد وفاة ابن طريف؟ وتستنكر نضرة الشجر واخضراره إذ كان عليه أن يموت ويضرب عن الاخضرار حزنا عليه.
стр. 83
فهي تشخّص الشجر فتخاطبه وتنسب إليه الجزع وهما من صفات الإنسان، وتوبّخه على فعلته وكأنها تجهل أن الشّجر لن يكفّ عن الاخضرار حزنا على أحد.
ومن مظاهره أيضا المبالغة في القدح والذّم كما في قول زهير:
وما أدري، وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟
فهل يجهل الفرق بين النساء والرّجال؟ هل التبس عليه الأمر؟
أم أنّه يبالغ في الذمّ فيجرّد آل حصن من كل صفات الرجال، ويجعلهم نساء خائفات منزويات متقاعسات عن التصدّي للعدوان والثأر للكرامة.
ومنه أيضا التولّه في الحبّ كما في قول أحدهم:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر؟
فالشاعر يشبّه ليلاه بالظبية وهذا وجه متداول في التشبيه لكنّه بعد أن خبله الحبّ بات عاجزا عن تمييز ليلاه عن الظباء فيسألها هل ليلى منكن؟ أم هي من البشر؟ ترى هذا السؤال عن الحقيقة المجهولة أو المتجاهلة؟ أليس المقصود من السؤال إظهار جموح الحبّ الذي ذهب ببصره وبصيرته فبات غير قادر على التمييز بين الظبية الحقيقية والظبية الموهومة؟
وهناك مظاهر أخرى يمكن شرحها والتعرّف إلى أسرارها قياسا على ما حلّلناه لك من أمثلة وشواهد.
стр. 84
تمرينات:
١ - اشرح ظاهرة تجاهل العارف مبيّنا الغرض منها فيما يأتي:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي؟
أيا شبه ليلى ما لليلى مريضة ... وأنت صحيح إنّ ذا لمحال
أقول لظبي مرّ بي وهو رائع ... أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال
أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقدّ ما بدا أم خيزران؟
وطرف ما تقلّب أم حسام ... ولفظ ما تساقط أم جمان؟
وشوق ما أكابد أم حريق ... وليل ما أقاسي أم زمان؟
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟
أغرّة إسماعيل أم سنّة البدر ... وفيض ندى كفّيه ام باكر القطر؟؟
стр. 85
اللفّ والنشر
سمّاه بعضهم «الطيّ والنشر».
١ - تعريفه:
جاء في الإيضاح (١) «هو ذكر متعدّد على جهة التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكلّ واحد من غير تعيين، ثقة بأنّ السامع يردّه إليه».
٢ - أنواعه:
أ- أن يكون النّشر فيه على ترتيب الطيّ
، نحو قوله تعالى:
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ القصص: ٧٣.
فلقد جمعت الآية بين الليل والنّهار فكان الطيّ أو اللّف، ثمّ جاء النّشر على ترتيب اللّف، فالأوّل من المتعدّد في اللفّ هو الليل، والأول من النشر للأول من المتعدد، في اللف وهو السكون لأن النوم والراحة يكونان في الليل، ثم كان الثاني للثاني فالنّهار في اللف تبعه ابتغاء الرزق والسعي في الكسب في النهار.
ومنه قول ابن حيّوس (الكامل):
فعل المدام، ولونها، ومذاقها ... في مقلتيه، ووجنتيه، وريقه
ذكر ابن حيّوس في الصّدر ثلاثة أمور هي: فعل المدام، ولونها، ومذاقها، ثم جاء في العجز بتفصيل لهذه الأمور الثلاثة على
стр. 86
الترتيب: ففعل المدام في مقلتيه، ولونها في وجنتيه (خدّيه)، ومذاقها (طعمها) في ريقه. وهكذا كان اللّف في صدر البيت، ثم جاء النشر في العجز على الترتيب أوّلا بأوّل.
ب- أن يكون النّشر على خلاف ترتيب الطيّ
، ومثاله قوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ* فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آل عمران:
١٤٧ - ١٤٨.
فالآية تذكر دعاء المؤمنين على سبيل التفصيل ثم ذكرت الإجابة من غير ترتيب، فقدّمت ثواب الدنيا مع تأخره في الدعاء لما كان المقام مقام القتال والنفوس متطلّعة إلى النصر، وخصّصت ثواب الآخرة- دون ثواب الدنيا بالحسن للإيذان بفضله ومزيته، وأنّه المعتدّ به عند الله.
ومنه قول ابن حيّوس (الخفيف):
كيف أسلو، وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا
يتساءل الشاعر قائلا: كيف أنسى وتطيب نفسي بالسلوان وأنت حقف (نقا رمل متراكم مستدير يشبّه به الكفل في العظم والاستدارة) وغصن وغزال؟ فهذا هو الطيّ، ثم جاء النّشر بعد ذلك على غير ترتيب. فاللحظ للغزال والغزال آخر في الطيّ واللحظ أوّل في النشر، ثم جاء القدّ، والقدّ ثان في النشر وثان في الطيّ لأنه شبّه القدّ بالغصن، والجزء الثالث من النشر كان الرّدف وقد شبّهه بالحقف والحقف جاء أوّلا في الطيّ وهكذا جاء النّشر على غير ترتيب الطيّ.
стр. 87
تمارين:
١ - بيّن وجوه الطيّ والنشر في ما يأتي:
١ - آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدّجى والأخريات رجوم
٢ - سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السّخي
وأبصر المسك وبدر الدّجى ... فقال: ذا خالي، وهذا أخي
٣ - ولمّا أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهمو عندي وعندك من ثار
غزونا همو من ناظريك وأدمعي ... وأنفاسنا بالسيف والسيّل والنّار
٤ - ثغر وخدّ ونهد واحمرار يد ... كالطّلع والورد والرمّان والبلح
٥ - لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم، أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم
٦ - عيون وأصداغ وفرع وقامة ... وخال ووجنات وفرق ومرشف
سيوف وريحان وليل وبانة ... ومسك وياقوت وصبح وقرقف
٧ - ولحظه ومحيّاه وقامته ... بدر الدّجا وقضيب البان والرّاح
٨ - ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلّا الأذلّان غير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد
...
٥ - طريد دم: مطارد مطلوب لثأر. المغرم: الدّين. شزرا من شزر بمعنى طعن عن يمينه وعن شماله. الوشيج: شجر الرّماح. المقوّم: المستقيم لا عوج فيه.
٦ - أصداغ: جمع مفرد صدغ وهو ما بين العين والأذن. الفرع:
الشعر. مرشف: الفم والرّيق. قرقف: خمر مرعدة.
٧ - المحيّا: الوجه.
стр. 88
ثالثا: مراعاة النظير
١ - أسماؤها:
من أسمائها الواردة في كتب البلاغة: التناسب والائتلاف والتوفيق والمؤاخاة.
٢ - تعريفها:
جاء في الإيضاح (١): «هي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتّضاد نحو: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ الرحمن: ٥» فجمع في الآية بين الشمس والقمر وهما متناسبان لتقارنهما في الخيال، وكونهما كوكبين سماويين. وكقول البحتري يصف إبلا هزيلة:
كالقسيّ المعطّفات بل الأس- ... هم مبريّة بل الأوتار
شبّهها بالقسيّ والأوتار والأسهم، لما بينها من المناسبة والائتلاف. فقد شبّه الإبل أوّلا في ضعفها بالقسيّ، ثم ذهب إلى ما هو أدق منها وهو السّهام، ثم ذهب إلى ما هو أدقّ وهو الأوتار.
ومنه قول ابن رشيق (٢):
أصحّ وأقوى ما سمعناه في النّدى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السّيول عن الحيا ... عن البحر، عن كفّ الأمير تميم
стр. 89
فإنه ناسب فيه بين الصحّة، والقوّة، والسّماع، والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، ثم بين السيل، والحيا، والبحر، وكفّ تميم، مع ما في البيت الثاني من صحّة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر، ولهذا جعل كفّ الممدوح أصلا للبحر مبالغة.
٣ - من مظاهرها:
١ - تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، نحو لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الأنعام: ١٠٣. فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا، فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به.
تمارين:
١ - دلّ على مراعاة النظير واشرح معانيها في ما يأتي:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ البقرة: ١٦.
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ الرحمن: ٦.
كأن الثريا علّقت في جبينها ... وفي نحرها الشّعري وفي خدّها القمر
والطلّ في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النّسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقّط
ضممت جناحيهم على القلب ضمّة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم
стр. 90
رابعا: تأكيد المدح بما يشبه الذّم
١ - مكتشفه:
أوّل من اهتدى إلى هذا الضرب من البديع عبد الله بن المعتز (١) وأعطى عليه مثالين هما:
١ - قول النابغة الذبياني (الطويل):
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
٢ - قول النابغة الجعدي (الطويل):
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
وقد سمّاه أبو هلال العسكري (٢) ب (الاستثناء):
غير أن تسمية ابن المعتز هي التي شاعت في ما بعد لأنّها أكثر انسجاما مع المعنى.
٢ - نوعاه:
أ- أن يستثنى من صفة ذمّ منفيّة عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها، نحو قول ابن الرومي (السريع):
ليس به عيب سوى أنّه ... لا تقع العين على شبهه
стр. 91
بدأ ابن الرومي مدحه بأن نفى كلّ عيب عن الممدوح عند ما قال «ليس به عيب»، ولكنه أتبع هذا المدح بلفظ الاستثناء (سوى)، فأوهم السامع أنه تراجع عن تبرئة الممدوح من كل عيب، وأنّه سيكاشفه بعيب اكتشفه فوجب ذكره. غير أن ابن الرومي خدع سامعه حين أورد بعد الاستثناء مدحا يفوق المدح الأول، ويؤكده حين قال: «لا تقع العين على شبهه» فهو مبرّأ من كل عيب، ولن ترى العين شبيها له في كماله.
ب- أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى، نحو، قول النابغة الجعدي (الطويل):
فتى كملت أخلاقه غير أنّه ... جواد فما يبقي على المال باقيا
فالشاعر بدأ بيته بصفة ممدوحة هي «كمال أخلاق الفتى»، ولكنّه أتى بعدها بلفظ الاستثناء (غير)، فدهش السامع وتوقّع أن يذكر الشاعر ما يناقض الكمال الذي استهلّ البيت بذكره. لكنّ الشاعر لم يفعل ذلك، بل أتى بعد الاستثناء بصفة ممدوحة أخرى، وهي «جواد» وفصّلها بقوله: فما يبقي على المال باقيا. وفي ذلك توكيد للمدح الأوّل.
стр. 92
تأكيد الذّم بما يشبه المدح
هو أسلوب شبيه بالأسلوب السابق. وهو نوعان:
أ- أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذمّ بتقدير دخولها فيها، نحو: فلان لا خير فيه إلّا أنه يسيء إلى من يحسن إليه.
فصفة المدح (خير) في فلان منفيّة ب (لا)، وقد استثني من هذه الصفة الممدوحة المنفيّة صفة ذم (الإساءة إلى من يحسن إليه) وهي داخلة في الصفة المنفية.
ب- أن يثبت للشيء صفة ذم، ثم يؤتى بعدها بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له، نحو: فلان فاسق إلّا أنّه جاهل.
فصفة الذم (فاسق) مثبتة غير منفيّة أتي بعدها بأداة الاستثناء (إلّا) ثم تليت أداة الاستثناء بصفة ذم أخرى هي (جاهل).
تمارين
١ - اشرح ما في الأمثلة الآتية من تأكيد المدح بما يشبه الذّم، وبيّن ضربه:
١ - ولا عيب فيه غير أنّي قصدته ... فأنستني الأيّام أهلا وموطنا
٢ - وجوه كأزهار الرّياض نضارة ... ولكنّها يوم الهياج صخور
٣ - ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبّة والوطن
٤ - ولا عيب في معروفهم غير أنّه ... يبيّن عجز الشاكرين عن الشّكر
٥ - ولا عيب فيه لا مرئ غير أنّه ... تعاب له الدنيا وليس يعاب
٦ - فما فيه عيب غير أنّ جفونه ... مراض وأنّ الخصر منه ضعيف
٧ - ولا عيب فيهم ظاهر غير أنّني ... حسبتهم- لمّا نزلت بهم- أهلي
стр. 93
٨ - ولا عيب في هذا الرّشا غير أنّه ... له معطف لدن وخدّ منعّم
٩ - ولا عيب فيها غير سحر جفونها ... وأحبب بها سحّارة حين تسحر
١٠ - هو البدر إلّا أنّه البحر زاخرا ... سوى أنّه الضّرغام لكنّه وبل
٢ - اشرح ما في الأمثلة الآتية من تأكيد الذم بما يشبه المدح، وبيّن ضربه:
١ - فلان لا أمل فيه إلّا أنّه يضرّ بمن أدّى إليه نفعا
٢ - فلان ما جن إلّا أنّه ساذج
٣ - هو الكلب، إلّا أنّ فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب
٤ - خلا من الفضل غير أنّي ... أراه في الحمق لا يجارى
٥ - لئيم الطّباع سوى أنّه ... جبان يهون عليه الهوان
٦ - فإنّ من لا مني لا خير فيه سوى ... وصفي له بأخسّ الناس كلّهم
стр. 94
حسن التعليل
١ - تعريفه:
هو في معجم المصطلحات (١) «أن يتلمّس الأديب للشيء أو للظاهرة علّة أدبية طريفة تناسب الغرض الذي يرمي إليه بدلا من علّته أو علّتها الحقيقية، وذلك كقول ابن الرومي (البسيط):
أمّا ذكاء فلم تصفرّ إذ جنحت ... إلّا لفرقة ذاك المنظر الحسن
فالعلّة الأدبية التي تلمّسها ابن الرومي لاصفرار الشمس عند ميلها للغروب الخوف من فراق وجه الممدوح لا السبب العلمي المعروف من دوران الأرض حول محورها».
والطّريف في حسن التعليل أنّ المبدع- كاتبا أو شاعرا- ينكر صراحة أو ضمنا علّة الشيء المعروفة والشائعة عند الناس ليأتي بعلّة يرتئيها وتناسب الغرض الذي يرمي إليه. وفي حسن التعليل تظهر قدرة الكاتب على اختراع المعاني، وابتداع الصّور التي لم يسبق إليها.
وأكثر ما يكون تعليله صادما لأنه يخالف المألوف ويأتي بالجديد المقنع الذي لا يوافق العرف العامّ ولكنّه لا يرفض لطرافته ودقّة نظر صاحبه.
٢ - أقسامه:
ذهب الخطيب القزويني إلى أنه (٢) «أربعة أقسام، لأنّ الوصف إمّا ثابت قصد به بيان علّته، أو غير ثابت أريد إثباته، والأوّل إمّا أن لا
стр. 95
يظهر له في العادة علّة، أو يظهر له علّة غير المذكورة، والثاني إمّا ممكن، أو غير ممكن».
١ - القسم الأول: وصف ثابت غير ظاهر العلة، مثاله قول المتنبّي (الكامل):
لم يحك نائلك السّحاب وإنما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء
«فنزول المطر لا يظهر له في العادة علّة» كما يقول القزويني (١).
ومنه أيضا قول أبي تمام (الكامل):
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالي
علّل أبو تمّام عدم إصابة الغنى الكريم بتشبيه غير ظاهر العلّة عادة؛ فالسّيل لا يصيب المكان العالي، والغنى لا يصيب الكريم، ووجه الشبه يكمن في أن الكريم عالي القدر كالمكان العالي، والغنى لحاجة الناس إليه يتدفّق كالسيل الجارف من القمم فلا يحبس مياها كما لا يحبس الغني مالا. وإذا فتّشنا عن علّة خلوّ الكريم من المال ما وجدنا علّة ظاهرة لذلك ظاهرة في البيت، وكذلك لا نجد علّة ظاهرة لعدم احتفاظ المرتفعات بمياهها.
ومن طريف الأمثلة على هذا الضرب قول أبي هلال العسكري (الكامل):
زعم البنفسج أنّه كعذاره ... حسنا فسلّوا من قفاه لسانه
стр. 96
إن خروج ورقة البنفسج إلى الخلف وصف ثابت في زهرة البنفسج، وهذا الخروج لا علّة له لأنه هكذا خلق منذ عرف البنفسج، لكنّ الشاعر التمس له عذرا طريفا هو الافتراء على المحبوب.
٢ - القسم الثاني: وصف ثابت ظاهر العلّة:
مثاله قول المتنبّي (الرّمل):
ما به قتل أعاديه، ولكن ... يتّقي إخلاف ما ترجو الذئاب
اعتاد الناس أن يعلّلوا قتل الملوك والسلاطين لأعدائهم بنشدانهم صفاء الجوّ وعدم تعكير الأمن بالثورة أو التمرّد أو ما يشبه ذلك، ولكن الشاعر فاجأهم بتعليل آخر غريب وغير متوقع تمثّل في خوف الملك والسلطان على الذئاب الضارية التي ترتقب أكل جثث القتلى المتساقطة تحت ضربات الملك فيوفّر لها طعامها، ويخاف الملك أو السلطان أن يخيّب رجاءها لذلك فهو شديد الفتك بالأعداء لا كرها بهم أو خوفا منهم على ملكه لكن رغبة في توفير طعام للكواسر التي لا يريد إصابتها بخيبة أو صدمة وهي التي عودّها على توفير غذائها كلّما جرّد للعدو
سلاحا.
ومنه قول أحدهم (المتقارب):
أتتني تؤنّبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول- وفي قولها حشمة- ... أتبكي بعين تراني بها؟!
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها
تسكب العين دمعها عادة من حزن يسببه إعراض الحبيب وهجرانه، وفقدان عزيز وما إلى ذلك من أسباب الاكتئاب، لكن الشاعر ابتكر علّة طريفة غير متوقّعة لتهطال الدمع تمثّلت في إرادة تأديب عينه
стр. 97
لأنّها استحسنت رؤية غير الحبيب فكان الدمع قصاصا لها. وفي هذا التعليل خيال لافت وذكاء خارق ومخالفة للمألوف يجنح إليه الفن وينفرد به الفنّان الأصيل الذي يسعى للخروج على المماثلة والمشاكلة ويجنح للفرادة والتميّز.
الثالث: وصف غير ثابت: وهذا الوصف يجوز أن يكون ممكنا كما يجوز ان يكون غير ممكن.
١ - الوصف غير الثابت الممكن، ومثاله، قول مسلم بن الوليد (البسيط):
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنساني من الغرق
خالف الشاعر المألوف في معنى ذهب إليه وهو حسن إساءة الواشي.
وأن يستحسن المرء وشاية الواشي أمر ممكن، ولكنّه خالف الناس في استحسانه هذا فاضطر إلى تبرير الاستحسان قائلا: إن حذار الواشي منعه من البكاء لكي لا يشمت به وإلا فإن البكاء كان قد أغرق إنسان عينه بالدمع (الإنسان: البؤبؤ).
٢ - وصف غير ثابت وغير ممكن كقول القزويني (البسيط):
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
ذهب الشاعر إلى أن الجوزاء تريد خدمة الممدوح، وهذه صفة غير ثابتة وغير ممكنة أيضا لا بل هي ممتنعة، ولكنّه علّلها بعلّة طريفة ادّعاها خيال مقبول عند ما تخيّل النجوم تحيط بالجوزاء فتشكّل حولها
стр. 98
نطاقا شبيها بالخدم المحيطين بالممدوح متحفّزين لتلبية طلبه وهم رهن إشارته. فالتعليل مبنيّ على قوّة تخييل.
تمرينات:
١ - إشرح الأبيات الآتية، مبيّنا حسن التعليل فيها وأقسامه:
- ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... وإنّما رقصت من عدله طربا
- أرى بدر السماء يلوح حينا ... ويبدو ثم يلتحف السحابا
وذاك لأنّه لمّا تبدّى ... وأبصر وجهك استحيا وغابا
- استشعر الكتّاب فقدك سالفا ... وقضت بصحّة ذلك الأيام
فلذاك سوّدت الدّويّ كآبة ... أسفا عليك وشقّت الأقلام
- سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا
- عيون تبر كأنّها سرقت ... سواد أحداقها من الغسق
فإن دجا ليلها بظلمته ... تضمّها خيفة من السّرق
- عداتي لهم فضل عليّ ومنّة ... فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
همو بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
- لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيبا ساعة السّحر
стр. 99
الإرصاد
١ - أسماؤه:
أطلق عليه البلاغيّون أسماء عدّة أشهرها:
١ - التوشيح: ذكره أبو هلال العسكري واعترض على التسمية بقوله (١): «وهذه التسمية غير لائقة بهذا المعنى».
٢ - التبيين: اسم اقترحه العسكري لأنه أقرب إلى المعنى.
٣ - التسهيم: ذكره الخطيب التبريزي في (التلخيص) (٢) (والإيضاح) (٣).
٤ - الإرصاد: وهو الأعمّ الأغلب في كتب البلاغة قديما وحديثا.
٢ - تعريفه:
أ- لغة:
جاء في اللسان (رصد): «الراصد بالشيء: الراقب له، والترصّد: الترقّب، والإرصاد في المكافأة بالخير ... والرّصد: القوم يرصدون كالحرس».
ب- اصطلاحا:
عرّفه العسكري بقوله: «هو أن يكون مبدأ الكلام ينبئ عن مقطعه؛ وأوّله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، وعرفت رويّه، ثم سمعت صدر بيت منه، وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه».
стр. 100
٣ - مظاهره:
كثر وروده في القرآن الكريم، وهذه بعض أمثلته:
١ - قال تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يونس: ١٩. فإذا وقفت على قوله تعالى: «فِيما فِيهِ» عرف السامع أن بعده «يختلفون» لما تقدم من الدلالة عليه.
٢ - وقال تعالى: إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ يونس: ٢١.
فإذا وقف القارئ على (يَكْتُبُونَ) عرف السامع أن بعده «ما تَمْكُرُونَ» لما تقدّم من ذكر المكر.
وممّا جاء منه في الشعر قول الراعي النميري (الوافر):
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإذا سمع الإنسان أوّل هذا البيت، وقد تقدّمت عنده قافية القصيدة، استخرج لفظ قافيته كما يقول العسكري؛ وذلك لأنّه عرف أنّ قوله «وزن الحصى» سيأتي بعده «رزين» لعلّتين هما:
١ - إن قافية القصيدة توحيه.
٢ - إن نظام البيت يقتضيه، لأنّ الذي يفاخر برجاحة الحصى ينبغي أن يصفه بالرّزانة.
ومن عجيب هذا الباب قول البحتري (الطويل):
فليس الذي حلّلته بمحلّل ... وليس الذي حرّمته بحرام.
وذلك أن من سمع صدر البيت عرف عجزه بكامله. ومنه أيضا (الطويل):
فأمّا الذي يحصيهم فمكثّر ... وأمّا الذي يطريهم فمقلّل
فصدر البيت يجعلنا قادرين على رصد عجزه، والتنبؤ به قبل لفظه.
стр. 101
تمارين:
١ - دلّ على الإرصاد واشرحه في ما يأتي:
١ - ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يونس: ١٤.
٢ - فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ العنكبوت: ٤٠.
٣ - مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ العنكبوت: ٤١.
٤ - هي الدّرّ منثورا إذا ما تكلّمت ... وكالدّرّ منظوما إذا لم تكلّم
٥ - ضعائف يقتلن الرّجال بلا دم ... ويا عجبا للقاتلات الضعائف
٦ - سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا- لا أبا لك- يسأم
٧ - أبكيكما دمعا ولو أنّي على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما
٨ - إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
٩ - وكنت إذا سألت القلب يوما ... تولّى الدّمع عن قلبي الجوابا
١٠ - حببتك قلبي قبل حبّك من نأى ... وقد كان غدّارا فكن أنت وافيا
١١ - طواه الرّدى عنّي فأضحى مزاره ... بعيدا على قرب قريبا على بعد
١٢ - ألام لما أبدي عليك من الأسى ... وإنّي لأخفي منك أضعاف ما أبدي
١٣ - ضممت جناحيهم على القلب ضمّة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم
стр. 102
المحسّنات اللّفظية:
- السّجع والازدواج.
- الجناس.
- ردّ الأعجاز على الصّدور.
- لزوم ما لا يلزم.
- الاقتباس والتضمين والإيداع.
стр. 103
السّجع والازدواج
هو أهم أبواب البديع اللفظي:
١ - تعريفه:
قال السكّاكي (١) «ومن جهات الحسن الأسجاع: وهي في النّثر، كما القوافي في الشّعر، ومن جهاته الفواصل القرآنية».
وعرّفه الخطيب التبريزي (٢) «هو تواطؤ الفاصلتين من النّثر على حرف واحد، وهو معنى قول السكّاكي، هو في النّثر كالقافية في الشّعر».
٢ - أقسامه:
يأتي السّجع بصور متعدّدة نذكر أهمّها:
١ - المطرّف:
وهو ما اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنا واتفقت رويا، وذلك بأن يرد في أجزاء الكلام سجعات غير موزونة عروضيا، وبشرط أن يكون رويّها روي القافية، نحو قوله تعالى ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً نوح: ١٣ - ١٤.
فالآيتان متفقتان رويا (را) مختلفتان وزنا لأن الآية الأولى أطول من الثانية.
стр. 104
٢ - المرصّع:
وهو الذي تقابل فيه كلّ لفظة من فقرة النثر أو صدر البيت بلفظة على وزنها ورويّها، نحو قوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار: ١٣ - ١٤.
ومثاله في الشّعر قول الشاعر (الكامل):
فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي
وقد وقع الترصيع في ألفاظ البيت جميعا (حريق ورحيق، جمرة وخمرة، سيفه وسيبه، المعتدي والمعتفي).
وذكر أبو هلال العسكري (١) نوعا من الترصيع بقوله: «هو أن يكون حشو البيت مسجوعا. ومن أمثلته عليه قول
تأبّط شرّا:
حمّال ألوية شهّادّ أندية ... هبّاط أودية جوّاب آفاق
وقول النمر:
طويل الذّراع قصير الكراع ... يواشك بالسّبسب الأغبر
وقول ذي الرمّة:
كحلاء في برج صفراء في نعج (٢) ... كأنّها فضّة قد مسّها ذهب
وعلّق على هذا الضرب من التّرصيع بقوله (٣): ومثل هذا إذا اتفق في موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف،
стр. 105
وأورد هذه الأبيات للخنساء:
حامي الحقيقة محمود الخليقة مه ... ديّ الطريقة نفّاع وضرّار
وعلّق على البيت بقوله: هذا البيت جيّد ثم قالت:
فعّال سامية ورّاد طامية ... للمجد نامية تعنيه أسفار
هذا البيت رديء لتبرؤ بعض ألفاظه من بعض، ثم قالت:
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
آخر هذا البيت لا يجري مع ما قبله، وإذا قسته بأدلّة وجدته فاترا باردا.
٣ - المتوازي:
وهو ما اتفقت فيه اللفظة الأخيرة من الفقرة مع نظيرتها في الوزن والرّوي، نحو قوله تعالى فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ* وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ الغاشية: ١٣ - ١٤.
فالآيتان منتهيتان بلفظتين متفقتين وزنا (موضوعة/ هـ/ هـ/ هـ، مرفوعة/ هـ/ هـ/ هـ) ورويا (ع).
ومن أمثلته شعرا قول أبي الطيّب (البسيط):
فنحن في جذل والروم في وجل ... والبرّ في شغل والبحر في خجل
فالبيت مؤلّف من أربع فقرات، اتفقت كل فقرة منها مع الأخريات في اللفظة الأخيرة وزنا ورويا (جذل، وجل، شغل، خجل).
стр. 106
٤ - المشطور، أو التشطير:
هذا النوع خاص بالشّعر، وهو أن يكون لكل شطر من البيت قافيتان مغايرتان لقافية الشطر الثاني، نحو قول أبي تمام (البسيط):
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب
فسجعة الصّدر مبنيّة على روي (الميم)، وسجعة العجز مبنيّة على رويّ (الباء).
٣ - أنواعه من حيث الطول والقصر:
يأتي السجع على اختلاف أقسامه على ضربين من حيث الطول والقصر هما:
أ- السجع القصير:
وهو ما كان مؤلّفا من ألفاظ قليلة، وأقلّ القصير ما كان من لفظتين، كقوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً* فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً المرسلات: ١ - ٢.
وقوله تعالى أيضا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ المدّثر: ١ - ٥.
ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ، أو أربعة، أو خمسة، وينتهي إلى تسع كلمات أو إلى عشر، كقوله تعالى وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى النجم: ١ - ٣.
وكقوله تعالى أيضا اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ القمر: ١ - ٣.
стр. 107
ب- السجع الطويل:
وتتفاوت درجاته، فمنه ما يتألّف من إحدى عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، وقد رأى بعضهم أنه قد يبلغ عشرين لفظة؛ ولكن آخرين اشترطوا ألّا يتجاوز خمس عشرة لفظة.
ومثاله قوله تعالى وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ هود: ٩ - ١٠.
فالآية الأولى مؤلفة من إحدى عشرة لفظة، والثانية من ثلاث عشرة لفظة.
وكقوله تعالى أيضا لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ التوبة: ١٢٨ - ١٢٩.
فالآية الأولى مؤلفة من ١٤ لفظة، والثانية من ١٥ لفظة.
* يدلّ السجع القصير على قوّة منشئة وتمكّنه، لصعوبة ادراكه.
وهو أجمل صورة وأحلى وقعا على الأذن. والسجع الطويل أسهل تناولا لأن طوله يخفّف العبء على منشئه.
٤ - أحسن السّجع:
ما تساوت فقره فلا يزيد بعضها على بعض، مع اتفاق الفواصل على حرف واحد، نحو قول أعرابي عند ما سئل: من بقي من إخوانك؟
فأجاب: كلب نابح، وحمار رامح، وأخ فاضح.
وكقول أعرابي آخر: باكرنا وسميّ، ثم وليّ. فالأرض كأنّها وشي منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد،
стр. 108
فاحترثت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القويّ الأكول، بالضّعيف المأكول.
فالزيادة قليلة في أجزاء هذه السجعات إن وجدت.
ومن السجع الحسن ما تكون ألفاظ الجزءين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا في سجع، كقول أحدهم: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا. فالسجع في (تعريضك وتمريضك) وفي (تصريحا وتصحيحا). فالكلام سجع في سجع.
ومثاله قوله تعالى إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ الغاشية: ٢٥ - ٢٦.
فالسجع في (إلينا- علينا، إيابهم- حسابهم).
وهذا الضرب من السجع إذا سلم من الاستكراه أحسن وجوه السجع عند أبي هلال العسكري.
٥ - موقف النقّاد منه:
تباينت آراء النقّاد من السجع فمنهم من دعا إلى تجنّبه لما فيه من تكلّف وتشبّه بكهّان الجاهلية والمتنبئين الكذبة
بعد الاسلام. ومنهم من رأى فيه وجها من وجوه البلاغة بعد أن ورد في القرآن الكريم وأقوال النبي (ص). وإنما كان مكروها في سجع الكّهان لمعانيه لا لمبناه.
قال العسكري (١) «كان (صلعم) ربّما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها، كقوله (صلعم): أعيذه من الهامّة، والسامّة، وكل عين لامّة. وإنما أراد ملمّة، وقوله ﵇:
стр. 109
ارجعن مأزورات، غير مأجورات، وإنما أراد موزورات من الوزر فقال: مأزورات، لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحّة التسجيع».
وعلّق على ذلك بقوله: فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلوّ من التعسّف.
تمارين:
١ - بيّن السجع، ووضّح وجوه حسنه في ما يأتي:
١ - فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ الضحى: ٩ - ١٠.
٢ - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ الفيل: ١ - ٢.
٣ - خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ الحاقة: ٣٠ - ٣٢.
٤ - وقال أعرابي لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير مسرور، فأقم بندم، أو ارتحل بعدم.
٥ - وقال (صلعم): إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع.
٦ - وقال الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.
٧ - وقال أبو الفضل الهمذاني: إنّ بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا.
٨ - وقال أبو الفتح البستي: ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأمّلا.
٩ - حامي الحقيقة، محمود الخليقة ... مهديّ الطريقة نفّاع وضرّار
١٠ - ومكارم أوليتها متبرّعا ... وجرائم ألغيتها متورّعا
١١ - بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا
١٢ - وأفعاله بالرّاغبين كريمة ... وأمواله للطّالبين نهاب
стр. 110
٢ - جاء في البيان والتبيين (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥):
قال عمر بن ذرّ، ﵀: «الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف» ولمّا مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عبّاس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان» وفي الحديث المأثور، قال: «قول العبد مالي مالي، وإنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» ووصف أعرابيّ رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر (١)، ضيّق الصّدر، لئيم النّجر (٢)، عظيم الكبر، كثير الفخر».
وسأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السّند: كيف رأيتم البلاد؟ قال: ماؤها وشل، ولصّها بطل، وتمرها دقل (٣). إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلّوا بها ضاعوا.
- أدرس السّجع مبيّنا وجوه حسنه وجماله في هذا النص.