- في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثّنيها
- وترى الغصون تميل في أوراقها ... مثل الوصائف في صنوف حرير
- وكأن أجرام السّماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
- البدر أشبه ما رأيت بها ... حين استوى وبدا من الحجب
وابن الرشا لم يخطها شبها ... بالجيد والعينين واللّبب
стр. 177
البحث الثامن التشبيه الدائري (الاستطرادي)
١ - تعريفه:
هو تشبيه يبدأ ب (ما)، وينتهي ب (الباء) الداخلة على أفعل التفضيل (أفعل). وغالبا ما يكون بين الفاتحة والخاتمة وصف للمشبّه به عادة قد يطول، وقد يقصر، ليعود في النهاية ويفضّل المشبّه على المشبّه به.
وتكمن قيمته في طول نفسه واتساع عبارته حيث يترك الشاعر المشبّه ليسترسل في تصوير المشبّه به وتعظيمه ليعود في البيت الأخير منه فيفضّل المشبه على المشبّه به زيادة في المبالغة والغلوّ.
وأكثر ما ورد بأربعة أبيات، وقد يرد في أقلّ من أربعة.
وربّما سمّي استطراديا لأنّ الشاعر يستطرد فيه إلى تفصيل أجزاء المشبّه به والإحاطة بمناحي الجمال والعظمة فيه ليكون في تفضيل المشبّه عليه إغراق في التعظيم والمفاضلة.
٢ - أمثلته:
قال النابغة (البسيط):
١ - فما الفرات- إذا هبّ الرّياح له ... ترمي أو اذيّه العبرين بالزّبد
٢ - يمدّه كلّ واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد
٣ - يظلّ من خوفه الملّاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنّجد
٤ - يوما- بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
أراد النابغة أن يبالغ في وصف كرم النعمان فذهب إلى أنّ الفرات في حال فيضانه الأكبر عند ما ترمي أمواجه
بالزّبد على ضفّتيه
стр. 178
ويصبّ فيه كل واد ممتلئ بالماء تصطخب أمواجه فتجرّ كل شيء وتجتاح الركام من طمي ونبات. في هذه الحالة من الهيجان يدخل الخوف إلى قلب الملّاح فيبقى معتصما بمقدّمة السفنية وقد أدركه الخوف وأعياه الجهد. الفرات في حالة فيضانه هذه ليس أجود من النّعمان الذي لا يحول عطاء اليوم عنده دون عطاء الغد في حين يبقى فيضان الفرات موسميّا وعند ذوبان الثلج في المنبع. لقد استطرد الشاعر في وصف المشبّه به ثم استدار فنّيا ليجعل المشبّه أعلى رتبة من المشبّه به في حال كماله هذا.
وقد استخدم الشاعر الواسطة اللفظية وما- ... بأجود.
وقد سلك الأخطل طريق النابغة فتوكأ عليه في تشبيهه الاستطرادي هذا محدثا تعديلا طفيفا فيها عند ما قال (البسيط):
وما الفرات- إذا جاشت غواربه ... في حافتيه وفي أوساطه العشر
وزعزعته رياح الصّيف واضطربت ... فوق الجآجئ من آذيّة غدر
مسحنفر من جبال الروم يستره ... منها أكافيف فيها دونه زور
يوما- بأجود منه حين تسأله ... ولا بأجهر منه حين يجتهر
وقد أفرط الأعشى في اعتماد هذا الضرب من التشبيه، وربما كرّره في القصيدة الواحدة. ففي قصيدة مدح بها قيس بن معد يكرب عمد إليه مرّتين وعدّة أبياتها تسعة وستّون بيتا.
والتشبيه الأوّل مؤلّف من أربعة أبيات هي (المتقارب):
- وما رائح روّحته الجنوب ... يروّي الزروع ويعلو الدّيارا
- يكبّ السّفين لأذقانه ... ويصرع بالعبر أثلا وزارا
- إذا رهب الموج نوتيّه ... يحطّ القلاع ويرخي الزيارا
стр. 179
- بأجود منه بأدم العشا ... ر لطّ العلوق بهنّ احمرارا (١)
ولعلّه من الواضح التّقارب بين هذه المعاني الواردة في أبيات الأعشى وأبيات كلّ من النابغة والأخطل.
وبعد ثلاثة أبيات من هذا التشبيه الاستطرادي أنشأ الأعشى تشبيها استطراديا آخر قوامه ثلاثة أبيات هذه المرة (٢).
ومن أطول التشابيه الاستطرادية تشبيه للأعشى وصف فيه الأسد، وعدّته عشرة أبيات (٣) من البيت ٢١ إلى البيت ٣٠، وفي القصيدة نفسها عاد إلى تشبيه استطرادي عدّة أبياته ثلاثة، لكنّه في وصف كرم الممدوح هذه المرّة، من البيت ٣١ وحتى البيت ٣٣.
وقد أحصيت في ديوان الأعشى ثلاثة عشر تشبيها استطراديا حافظ أكثرها على العدد الشائع من الأبيات وهو أربعة أبيات.
وقد يقصر التشبيه الاستطرادي إذ يقتصر على بيت واحد كقول طفيل الغنوي (الطويل):
فما أمّ أدراص بأرض مطلّة ... بأغدر من قيس إذا الليل أظلما
وقد أحصى أحد الباحثين (٤) ثمانية وخمسين تشبيها استطراديا لاثنين وعشرين شاعرا جاهليا كان نصيب الأعشى وحده منها ثلاثة عشر تشبيها.
стр. 180
تمرينات:
١ - دلّ على التشابيه الاستطرادية واشرحها مبيّنا قيمتها الجمالية:
قال الأعشى (ديوانه ص ٩٩):
وما فلج يسقي جداول صعنبى ... له شرع سهل على كلّ مورد
ويروي النبيط الزرق من حجراته ... ديارا تروّى بالأتيّ المعمّد
بأجود منه نائلا، إنّ بعضهم ... كفى ماله باسم العطاء الموعّد
وقال أوس بن حجر (ديوانه ص ١٠٥):
وما خليج من المروّت ذو حدب ... يرمي الضّرير بخشب الطّلح والضال
يوما بأجود منه حين تسأله ... ولا مغبّ بترج بين أشبال
وقال الأعشى (ديوانه ص ١٩١):
وما مزبد من خليج الفرا ... ت يغشى الإكام ويعلو الجسورا
يكبّ السفين لأذقانه ... ويصرع بالعبر أثلا ودورا
بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا
стр. 181
المجاز
١ - تعريفه:
أ- لغة:
جاء في اللسان (جوز): «جزت الطريق، وجاز الموضع جوزا وجوازا ومجازا: سار فيه وسلكه ... وجاوزت الشيء الى غيره وتجاوزته بمعنى أي أجزته ... وتجاوز عن الشيء: أغضى، وتجاوز فيه أفرط».
فالمجاز لغة يعني إذا السيّر والتجاوز والتسامح والتخطّي، لأنّ اللسان أورد معنى العفو والتسامح عند ما أورد المعنى الديني للفظ:
«تجاوز الله عنه أي عفا».
وفي المعجم الوسيط «المجاز: المعبر. ومن الكلام: ما تجاوز ما وضع له من المعنى» فهل نلمح في المعبر معنى التغيير؟ وهل يكون الانتقال من مكان الى آخر كانتقال اللفظ من معنى الى آخر؟
فيدخل اللفظ توسّع في الدلالة أو انزياح دلالي.
ب- اصطلاحا:
جاء في معجم المصطلحات (١) «المجاز: كل الصيّغ البلاغية التي تحتوي تغييرا في دلالة الألفاظ المعتادة. ويندرج تحت هذا كل أنواع المجاز في البلاغة العربية ما عدا الكناية التي لا يمنع استعمال ألفاظها في غير ما وضعت له من إرادة المعنى الأصلي لهذه الألفاظ».
стр. 182
وفي تعريفات الشريف الجرجاني (١) «هو اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما كتسمية الشجاع أسدا» واضح أن الجرجاني يتحدّث عن انزياح دلالي شرط وجود مناسبة بين الدلالة الأولى والدلالة الثانية.
ج- تعريف البلاغيين:
عرّفه الجرجاني بقوله (٢): «المجاز كلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول».
يفهم من هذا التعريف ان المجاز مختصّ بالكلمة المفردة في حين وسّع معجم المصطلحات دائرته ليشمل الصّيغ أيضا.
ثم وسّع عبد القاهر تعريفه بقوله (٣): «وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع الى ما لم توضع له من غير أن تستأنف منها وضعا للملاحظة بين ما تجوز بها اليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها».
فالتوسّع في الشرح والتعريف أبقى المجاز محصورا في الكلمة المفردة ولم يتناول الصيغ كما في معجم المصطلحات.
أما الخطيب القزويني فرأى ان المجاز يكون في المفرد وفي المركّب. وهو عنده (٤) «الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصحّ مع قرينة عدم إرادته، فلا بدّ من العلاقة ليخرج الغلط والكناية» فاذا كان الخطيب القزويني قد تكلم هنا على المجاز المفرد، فانه تكلم في مكان آخر على المجاز المركب الذي
стр. 183
يعني (١) «اللفظ المركّب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه».
وهكذا نصل الى تعريف جامع للمجاز يوسّع دلالته ليشمل المفرد والمركّب. وهذا التوسّع يعبّر عن حقيقة الدلالة البلاغية للمجاز.
نستخلص من هذه التعريفات شروط المجاز الآتية:
١. وجوب توافر علاقة تسوّغ نقل اللفظ من معناه الحقيقي الى معناه غير الحقيقي.
٢. امكانية قيام هذه العلاقة على المشابهة أو على غير المشابهة.
٣. وجوب توافر قرينة لفظية او معنوية تساعد على تمييز المعنى الحقيقي من المعنى المجازي المقصود.
٢. غايات المجاز وفوائده:
من أهم الغايات التي يحققها المجاز ما يأتي:
١. التوسّع:
للألفاظ معان حقيقية سمّاها الدلاليون المعاني الأصلية للألفاظ وتنحصر هذه المعاني بالدلالة القاموسية للفظ، وهذه المعاني القاموسية ثابتة وموحّدة. لكن الدّلاليين تكلموا أيضا على المعاني الاضافية للفظ. والمعنى الاضافي في نظرهم معنى خاص غير موحّد مرتبط بثقافة المبدع أوّلا وبالصور الجديدة والمعاني الجديدة التي يتجاوز فيها المبدع الموروث اللغوي والتعبيري. إنّه ضرب من الإبداع
стр. 184
في العلاقات القائمة بين الألفاظ يتوسّع فيه يمنة ويسرة ليعطي للمعنى القاموسي للألفاظ معاني إضافية يساعده في انتاجها التخييل. من هنا كان الكلام على توسيع الدلالة التي لا تتحدّد بشكل دقيق الّا اذا رصفت الألفاظ في عبارة او في سياق، فقوله: له عليّ يد، لا ينظر فيه الى معنى اليد الحقيقي بل ينظر الى المعنى الإضافي للفظ وهو الجميل او المساعدة مادية كانت او معنوية. والتوسّع أتى من كون العطاء أصلا أداته اليد فتوسّع المبدعون في دلالتها حتى صارت بمعنى المساعدة والفضل.
٢. التوكيد .
من الغايات التي يحققها المجاز التوكيد لأنه وسيلة من وسائل ترسيخ المعنى بشكل غير مباشر يتطلّب من المتلقّي تخييلا معينا يصبح فيه المعنى أبلغ مّما كان عليه في الحقيقة.
٣. التشبيه .
وهو بارز جدا في المجاز، فعندما نقول: جاء القمر معبّرين بذلك عن وصول فتاة جميلة، نكون قد شبّهنا الفتاة بالقمر وأضفنا الى هذه الفتاة اسما جديدا لما بينها وبين القمر من شبه مع وجود قرينة مانعة من ايراد المعنى
الحقيقي. وهكذا يكون:
طلع القمر (على الحقيقة) خاليا من التشبيه. أما
جاء القمر (على المجاز) فهو متضمن تشبيه الفتاة الجميلة بالقمر.
ففي المجاز اذا ابتكار معنى جديد للفظ قد يكون معنى فرديا يكسب صاحبه صفة التّميّز والفرادة، وقد يكون معنى عاما- كما في
стр. 185
المثال السابق- يكسب صاحبه صفة المقلّد، فتتراجع عنه صفة الابتكار والاختراع.
والملاحظ أن التوسع الدلالي او الانزياح الدلالي عملية واعية قائمة على رصد الصلات المشتركة بين المعنى الاصلي والمعنى المجازي .. فإذا عدنا الى المثال السابق (جاء القمر) لاحظنا ان العلاقة القائمة بين القمر والوجه الجميل لا تحتاج الى تعليل وتفسير.
стр. 186
الحقيقة
١ - تعريفها:
أ- لغة:
جاء في اللسان (حقق): «والحقيقة ما يصير اليه حقّ الأمر ووجوبه. وبلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه ... والحقيقة في اللغة: ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضدّ ذلك».
فالحقيقة تعني إذا المعنى الأصلي المتعارف عليه في المعجمات وفي أصل الاستعمال. والمجاز موجّه نحو المعاني الإضافية للفظ التي يغلب عليها طابع الجدّة والابتكار والخصوصية.
وقد ذكر الخطيب القزويني تعريفا لغويا آخر مفاده (١): «والحقيقة إما فعيل بمعنى مفعول، من قولك: حققت الشيء أحقه، إذا أثبتّه، أو فعيل بمعنى فاعل من قولك: حقّ الشيء يحق اذا ثبت، أي المثبّتة أو الثابتة في موضعها الأصلي».
ب. اصطلاحا:
جاء في كتاب التعريفات (٢): «الحقيقة: كل لفظ يبقى على موضوعه، وقيل: ما اصطلح الناس على التخاطب [به]».
إنها المعنى الحقيقي للفظ المبرّأ من كلّ المعاني الإضافية.
ويتضح معناها أكثر في تعريف المحدثين الذي جاء فيه (٣): «هي مدلول الكلمة المستعملة فيما وضعت له بحيث تدلّ على معناها بنفسها
стр. 187
من غير حاجة الى علاقة أو قرينة، وذلك كاستعمال القمر للكوكب المعروف لا للوجه المشرق مثلا».
وعرّفها الخطيب القزويني (١) بقوله: «هي الكلمة المستعملة في ما وضعت له في اصطلاح التخاطب».
مثال توضيحي للحقيقة والمجاز:
قال المتنبّي وقد نظر الى السّحاب (الوافر):
تعرض لي السّحاب وقد قفلنا ... فقلت اليك إنّ معي السحابا
فشم في القبّة الملك المرجّي ... فأمسك بعدما عزم انسكابا
قال العكبري (٢) في شرح هذين البيتين: «يريد أن السحاب أمسك عن الانسكاب لئلا يخجل من وجوده لتقصيره عنه».
لقد ورد لفظ السّحاب مرتين في البيت الأول. وهو مستخدم بمعناه الحقيقي في الصدر، وبمعناه المجازي في العجز لأنّ المقصود به الممدوح الكريم. وهذا مجاز لأن اللفظ استخدم في غير ما وضع له في الاصطلاح، والقرينة تكمن في المشابهة، إذ السحاب يجود بالمطر والكريم يجود بالمال، وفي أحاديث الناس اليومية ما يشبه ذلك.
لهذا نفى بعض البلاغيين وجود مجاز في القرآن الكريم، وردّ عليهم ابن قتيبة بقوله (٣): «إنّ المجاز شائع في كلام العرب، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب الى غير الحيوان باطلا لكان أكثر كلامنا فاسدا».
стр. 188
والواقع ان الزمخشري ألّف معجم أساس البلاغة وذكر فيه المعنى اللغوي بايجاز كليّ، وفصّل الكلام على المعاني المجازية حتى عدّ المعجم معجم المعاني المجازية، وهو معجم لم يسبق الى مثله.
وهذا رسم بياني يختصر ما تقدم من كلام على الحقيقة والمجاز ويوضّح أنواع المجاز التي سوف نتناولها بالتفصيل.
стр. 189
الاستعارة
١ - تعريفها:
أ- لغة:
جاء في اللسان (عور): «استعار: طلب العاريّة. واستعاره الشيء واستعاره منه: طلب منه ان يعيره إياه ... واستعاره ثوبا فأعاره إياه».
وفي المعجم الوسيط: «استعار الشيء منه: طلب أن يعطيه إياه عاريّة. ويقال: استعاره إيّاه».
فالدلالة المعجمية للفظ تؤكد أن الاستعارة نقل الشيء من حيازة شخص الى شخص آخر.
ويعلّل أحد القدامي التسمية بقوله (١): «وإنما لقّب هذا النوع من المجاز بالاستعارة اخذا لها من الاستعارة الحقيقية، لأن الواحد منا يستعير من غيره رداء ليلبسه، ومثل هذا لا يقع الا من شخصين بينهما معرفة ومعاملة، فتقضي تلك المعرفة استعارة احدهم من الآخر، فاذا لم يكن بينهما معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر من اجل الانقطاع».
ب- اصطلاحا .
جاء في التعريفات (٢): «الاستعارة ادّعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبّه من البيتين كقولك:
لقيت أسدا وانت تعني به الرّجل الشجاع».
стр. 190
فالتعريف ركّز على العلاقة القائمة بين التشبيه والاستعارة لأن الاستعارة أساسا تشبيه حذف أحد طرفيه (المشبه أو المشبه به).
وهي في معجم المصطلحات العربية اقتباس قول السكّاكي (١): «هي تشبيه حذف منه المشبّه به او المشبه، ولا بدّ أن تكون العلاقة بينهما المشابهة دائما، كما لا بدّ من وجود قرينة لفظية أو حالّية مانعة من إرادة المعنى الأصلي للمشبّه به أو المشبّه».
ولم يبعد تعريف الجرجاني عن هذا عندما قال (٢): «اعلم أنّ الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا تدلّ الشواهد على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر او غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله اليه نقلا غير لازم، فيكون هناك كالعاريّة».
واضح من هذه التعريفات انّ الاستعارة مجاز تنزاح فيها الدّلالة عن المعنى الاساسي للفظ الى أحد المعاني الإضافية. ولهذا ذهب المحدثون الى أنها أبلغ من التشبيه (٣): «لأن التشبيه مهما تناهي في المبالغة، فلا بدّ فيه من ذكر المشبّه والمشبّه به. وهذا اعتراف بتباينهما، وأنّ العلاقة ليست الا التشابه والتداني، فلا تصل الى حدّ الاتحاد، بخلاف الاستعارة ففيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وان المشبه والمشبه به صارا معنى واحدا» وكلام الهاشمي هذا استكمال لما بدأه الجرجاني بقوله (٤): «وهي أمدّ ميدانا، وأشدّ افتنانا، وأكثر جريانا، وأعجب حسنا وإحسانا، وأوسع سعة، وأبعد غورا، وأذهب نجدا في
стр. 191
الصناعة وغورا، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها».
٢ - مكانة الاستعارة:
رأى أرسطو أن (١): «أعظم الأساليب حقّا هو أسلوب الاستعارة ...
وهو آية الموهبة».
ولم يزد الغربيّون على ما جاء من إجلالها واحترامها في كلام الجرجاني، ولكن لا بدّ من ذكر بعض أقوالهم لإظهار أهميتها في الدراسات النقدية الحديثة.
أما جان كوهين فيرى أن الاستعارة (٢): «تشكل الخاصيّة الأساسية للغة الشعرية».
ويرى الناقد الأسباني Ortega.y.Gasset (٣) :«ان الشعر هو اليوم الجسر العالي للاستعارات ... ويحتمل أن تكون الاستعارة طاقة الانسان الأكثر خصبا» ويذهب آخر الى جعلها سلطان المجاز.
٣ - أركان الاستعارة:
ذكرنا ان الاستعارة تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه، فلا بدّ فيها إذا من:
١. مشبّه،
٢. مشبّه به وما اليهما.
стр. 192
فالمشبّه والمشبّه به، وإن لم يظهرا فيها واضحين، فإنهما مقدران ولهذا أطلق مصطلح (الجامع) على وجه الشّبه. وهكذا تصبح أركانها كما يأتي.
١. المستعار له: (المشبّه).
٢. المستعار منه: (المشبّه به).
٣. الجامع: (وجه الشبه).
٤. المستعار: هو عند بعضهم لفظ المشبّه به وان كان محذوفا، وعند السكاكي لفظ المشبّه. لكن لا بدّ من اعتماد رأي الجمهور.
مثال ذلك: بكت السّماء فضحكت الأرض.
شبّهت السماء الممطرة بامرأة تبكي، والأرض المرتوية بامرأة تضحك. أما الاستعارة فتكمن في الفعلين (بكت وضحكت)، إذ شبّه انهمار المطر بالبكاء، وارتواء الأرض بالضحك، فيكون المستعار له (الانهمار والارتواء) والمستعار منه (البكاء والضحك).
لنبحث الآن عن أركان الاستعارة في المثال السابق:
١. المستعار له: المشبّه هو: السماء+ الأرض.
٢. المستعار منه: المشبّه به هو: المرأة في الحالين.
٣. الجامع: وجه الشّبه (إنهمار المطر- إنهمار الدمع)
(اشراق الأرض- اشراق الوجه)
٤. المستعار: لفظ المشبه به وإن كان محذوفا في نظر الجمهور (المرأة).
стр. 193
ولا بد من قرينة تهدي الى وجود الاستعارة. وتكمن هذه القرينة في لفظ يشير الى وجودها بعد ما نقل من معناه الحقيقي الى معناه المجازي. وهو هنا (بكت+ ضحكت) فقد نقلا من معناهما الحقيقي (البكاء والضحك) الى معنى مجازي جديد (الإمطار+ الإرواء) وبذلك أشار الى وجود الاستعارة في اللفظين (السماء والأرض).
وليس ضروريا أن تكون القرينة لفظية دائما، فقد تكون حالية مفهومة من السّياق كما في قول المتنبي مخاطبا سيف الدولة (١) (الكامل):
عيب عليك ترى بسيف في الوغى ... ما يفعل الصمصام بالصمصام؟
ففي لفظ (صمصام) الأول استعارة إذ شبه سيف الدولة بالصمصام (السيف) والقرينة حالية تفهم من السياق. وقال العكبري في معنى البيت:
«أنت سيف في حدّتك ومضائك فلا تحتاج الى سيف».
٤ - أقسام الاستعارة:
قال الخطيب القزويني (٢):
«الاستعارة تنقسم باعتبار الطرفين، وباعتبار الجامع، وباعتبار الثلاثة، وباعتبار اللفظ، وباعتبار أمر خارج عن ذلك كله».
وهكذا قسم البلاغيون المحدثون الاستعارة الى أقسام تبعا لاعتبارات محدّدة:
أ. باعتبار المستعار منه: الاستعارة مكنّية وتصريحية.
стр. 194
ب. باعتبار الجامع (لفظ الاستعارة): الاستعارة أصلية وتبعية.
ج. باعتبار الثلاثة (ما يقترن بطرفيها): الاستعارة مرشّحة ومجرّدة ومطلقة وتمثيلية.
وسنأتي الى درس كل من هذه الأقسام دراسة مفصلة.
стр. 195
البحث الأول الاستعارة باعتبار المستعار منه
تقسم الاستعارة باعتبار ما يذكر من الطرفين الى:
١ - الاستعارة المكنيّة:
عرّفها السّكاكي بقوله (١): «هي أن تذكر المشبّه وتريد به المشبّه به دالّا على ذلك بنصب قرينة تنصبها. وهي ان تنسب إليه وتضيف شيئا من لوازم المشبّه به المساوية مثل أن تشبّه المنيّة بالسبع، ثم تفردها بالذكر مضيفا اليها على سبيل الاستعارة التخييلية فتقول: مخالب المنيّة نشبت بفلان طاويا لذكر المشبّه به، وهو قولك: الشبيهة بالسّبع».
وشاهد السكّاكي مأخوذ من قول الشاعر (الكامل):
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
إذ شبّه الشاعر المنيّة بالسّبع. فالمستعار منه (السبع) محذوف، وكني عنه بشيء من خصائصه (الأظفار). المستعار له (المنيّة) مذكور. القرينة (الأظفار) والجامع بينهما هو الاغتيال.
لمزيد من التوضيح يمكن القول: هي الاستعارة التي حذف منها المستعار منه (المشبّه به) ورمز اليه بما يدلّ عليه من صفاته، ولا بدّ فيها من ذكر المستعار له (المشبّه). مثال ذلك قوله تعالى وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ الذاريات: ٤١ شبّهت الريح التي لا تحمل المطر بالمرأة العاقر التي لا تحمل الجنين.
стр. 196
فالمستعار منه المرأة محذوف، وكني عنه بصفة من صفاته (العقم) والمستعار له: الريح مذكور. والقرينة:
العقيم. والجامع بينهما: عدم الإخصاب.
ومثالها أيضا قول الحجّاج (١): «وإنّي لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنّي لصاحبها». لقد شبّه الحجّاج رؤوس مخاطبيه بالثمار اليانعة. المستعار منه (الثمار اليانعة) محذوف وكني عنه بشيء من خصائصه (الإيناع). المستعار له: الرؤوس مذكور. القرينة:
أينعت. والجامع بينهما: الاستدارة والارتفاع فوق جذوع يمكن انفصالها عنها.
٢. الاستعارة التصريحيّة:
هي ما صرّح فيها بلفظ المستعار منه (المشبّه به) وحذف المستعار له (المشبّه) كقول المتنبّي مادحا سيف الدولة ومعرّضا بملك الرّوم (٢) (الطويل):
فأقبل يمشي في البساط فما درى ... الى البحر يمشي أم الى البدر يرتقي
موطن المجاز هنا (الى البحر يمشي، الى البدر يرتقي). فالبحر والبدر خرجا عن معناهما الحقيقي ليدلا على شخص الممدوح (سيف الدولة) والعلاقة بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية تقوم على المشابهة، إذ شبّه سيف الدولة بالبحر في جوده على مذهب الأقدمين والمحدثين، وشبّهه بالبدر في رفعة مقامه. وسكت عن المشبه وذكر المشبّه به لهذا كانت الاستعارة تصريحية.
стр. 197
مثال آخر من قول المتنبي (١) أيضا (الوافر):
وألقى الشّرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفرّ من البنان
شّبه دوائر الضوء المتسلّلة إليه عبر أوراق الشجّر بدنانير زئبقية تستعصي على الإمساك بها، فالمستعار منه الدنانير مذكور مصرّح بذكره، والمستعار له: الدوائر الضوئية محذوفة. والقرينة: ألقى الشرق والجامع بينهما: الاستدارة والبياض والصّفرة.
ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ابراهيم: ١.
شبّهت الآية الضلال بالظلمات، والهدى بالنور. والمستعار منه (الظلمات) مذكور مصرّح به. المستعار له: الضلال
محذوف.
الجامع بينهما: عدم الاهتداء. القرينة: الحالية.
في الصورة الثانية: المستعار منه: النور وقد صرّح به المستعار له: الهدى محذوف. الجامع بينهما: الاهتداء. والقرينة حالية.
٣. صور مشتركة بين المكنّية والتصريحية .
قال ابن المعتزّ:
جمع الحقّ لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السّماحا
شّبه الشاعر البخل والسّماح بانسان يقتل ويحيي. فالمستعار له:
البخل والسّماح مذكوران. والمستعار منه: الإنسان محذوف وقد كني
стр. 198
عنه بشيء من خصائصه (القتل والإحياء) والجامع بينهما: الموت والحياة، والقرينة: قتل وأحيا. وعلى هذا التفسير تكون الاستعارة مكنّية.
لكن إذا أوّلنا البيت على الوجه الآتي:
المستعار منه: القتل والإحياء مذكوران. المستعار له: تجنّب البخل محذوف، وتجديد السّماح محذوف أيضا. والجامع بينهما:
الزّوال والاندثار وتجديد السّماح. والقرينة: قتل وأحيا. وبهذا التأويل تكون الاستعارة تصريحية. لكن الوجه الاول أبين واظهر لأنه خال من التعسّف في التأويل.
ومن هذا القبيل قول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
في لفظ (ضحك) استعارة تصريحية. المستعار منه: الضحك مذكور، المستعار له: ظهور الشّيب محذوف. الجامع بينهما:
الإشراق، القرينة: المشيب. ولكن يمكن تأويل البيت بشكل آخر هو:
المستعار منه: الإنسان محذوف وقد كني عنه بشيء من خصائصه (الضحك). المستعار له: الشّيب مذكور. الجامع بينهما:
التدرّج في ظهور البياض، القرينة: الضحك. وعليه تكون الاستعارة مكنيّة.
* تجدر الإشارة الى أن البلاغيين يذهبون الى أن الاستعارة المكنيّة أبلغ من الاستعارة التصريحية لأنّها أكثر قدرة على تشخيص الصور وبعث الحياة فيها.
стр. 199
تمرينات:
١ - بيّن نوع الاستعارة في ما يأتي وأشرحها مبيّنا السبّب.
قال شوقي في رثاء عمر المختار:
يا ويحهم نصبوا منارا من دم ... يوحي الى جيل الغد البغضاء
يا أيّها السّيف المجرّد بالفلا ... يكسو السّيوف على الزمان مضاء
وقال أبو ريشة في إحدى قصائده:
وقف التاريخ في محرابها ... وقفة المرتجف المضطرب
كم روى عنها أناشيد النّهى ... في سماع العالم المستغرب
أيّ أنشودة خزي غصّ في ... بثّها بين الأسى والكرب
لمّت الآلام منّا شملنا ... ونمت ما بيننا من نسب
وقال المتنبي:
نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد
وقال أبو العتاهية مهنئا المهديّ بالخلافة:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
وقال آخر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلّهنّ أمان
وقال غيره في وصف مزيّن:
إذا لمع البرق في كفّه ... أفاض على الوجه ماء النّعيم
стр. 200
له راحة سيرها راحة ... تمرّ على الوجه مرّ النّسيم
وقال شوقي:
ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزّمان تبسّم وثناء
وقال البحتري:
أتاك الرّبيع الطلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتّى كاد ان يتكلّما
وقال خليل مطران:
والأفق معتكر قريح جفنه ... يغضي على الغمرات والأقذاء
стр. 201
البحث الثاني الاستعارة باعتبار الجامع
يكون لفظ الاستعارة، أي لفظ المستعار منه على رأي الجمهور:
أ. أصلا في الكلام أي جامدا.
ب. تابعا لذلك الأصل أي مشتقا.
وبذلك تنقسم الاستعارة قسمين هما:
١ - الاستعارة الأصلية:
وهي ما كان فيها لفظ المستعار منه جامدا، أي اسم جنس أو اسم معنى. مثال ذلك قول ابن العميد (الكامل):
قامت تظلّلني ومن عجب ... شمس تظلّلني من الشمس
لفظ الاستعارة هو (شمس) في عجز البيت إذ شبّه الفتاة بالشمس لاشراقها. فالمستعار منه: الشمس وقد صرّح بذكره. والشمس اسم جامد. لذلك كانت الاستعارة تصريحية باعتبار المستعار منه.
المستعار له: الفتاة (محذوف). والجامع بينهما: الإشراق والجمال.
والقرينة: تظلّلني. وبذلك تكون الاستعارة تصريحية باعتبار المستعار منه، أصلية باعتبار لفظ الاستعارة.
ومنها قوله تعالى وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ الاسراء: ٢٤.
شبّهت الآية الذلّ بطائر. فالمستعار منه الطائر غير مذكور في الكلام وكني عنه بشيء منه (الجناح). المستعار له: الذلّ. والجامع بينهما: الانقياد. والقرينة: أخفض. ولفظ الاستعارة (المستعار منه)
стр. 202
الطائر اسم ذات بمنزلة الجامد. وبذلك تكون الاستعارة مكنّية تصريحية.
٢ - تبعيّة:
تكون الاستعارة تبعيّة اذا كان لفظ الاستعارة فيها:
- اسما مشتّقا.
- أو فعلا.
- أو اسم فعل.
- أو اسما مبهما.
- أو حرفا.
مثال ذلك قوله تعالى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤ شبّهت الآية ظهور الشيّب باشتعال النار.
المستعار منه: النار وقد استعار منها الاشتعال. المستعار له:
الشّيب. الجامع بينهما: التّدرّج في الاشراق والوضوح. وقد اشتق من الاشتعال فعل (اشتعل) مصرّحا بذكر المستعار منه، فهي اذا: استعارة تصريحية لجهة المستعار منه، وتبعية لأن لفظ الاستعارة فعل (اشتعل).
وقال أبو ماضي (م. الكامل):
السّحب تركض في الفضاء الرّحب ركض الخائفين.
ففي قوله: تركض استعارة تصريحية. فالشاعر شبّه حركة السّحب في السّماء، بالركض. والجامع بينهما السّرعة. والقرينة السّحب. لذلك يكون الشاعر قد حذف المستّعار له (تحرّك السّحب) واشتق من الركض فعل تركض مصرّحا بلفظ المستعار منه وهو فعل (تركض) فكانت الاستعارة تصريحية تبعيّة.
стр. 203
ويمكن تاويل البيت بشكل آخر هو:
المستعار منه: الإنسان محذوف وقد كني عنه باحدى صفاته (الرّكض). والمستعار له: السّحب (مذكور). الجامع بينهما: السّرعة والقرينة (تركض). فالاستعارة على هذا الوجه من التأويل استعارة مكنيّة وأصلية باعتبار لفظها.
تمرينات:
١ - اذكر نوع الاستعارة في ما يأتي بعد شرح أركانها وأبعاد صورتها.
- عضّنا الدّهر بنابه ... ليت ما حلّ بنابه
- بلد صحبت به الشبيبة والصّبا ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد
- يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
- ضوء يشعشع في سواد ذوائبي ... لا أستضيء به ولا أستصبح
بعت الشباب به على مقة له ... بيع العليم بأنّه لا يربح
- إنّ التباعد لا يضرّ ... اذا تقاربت القلوب
- حول أعشاشها على الأشجار ... قد تقاسمنا القيان وهي تغنّي
- دقّات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
- أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر ... تصافحت فيه بيض الهند والّلمم.
стр. 204
البحث الثالث الاستعارة باعتبار ما يقترن بطرفيها
تكون الاستعارة باعتبار ما يقترن بها من صفات تلائم المستعار له او المستعار منه.
أ. مرشّحة.
ب. مجرّدة.
ج. مطلقة.
ولا ينظر الى القرينة لأنها جزء من الاستعارة أصيل غير طارئ. أما الصفات فطارئة.
أ- المرشحة:
هي التي اقترنت بما يلائم المستعار منه فقط، نحو: رأيت أسدا في الجبهة يزأر. فالوصف يزأر يلائم المستعار منه (الأسد)، ولم نضف الى المستعار له (البطل الشجاع) أيّ صفة، أما القرينة فموجودة (في الجبهة). ولهذا صارت الاستعارة:
تصريحية: لأن المستعار منه (الأسد) مذكور.
أصلية: لأن لفظ المستعار منه (الأسد) جامد.
مرشّحة: لأنه ذكر فيها ما يلائم المستعار منه (يزأر).
ومنها قول المتنبّي (البسيط):
أتى الزّمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم
شّبه المتنبّي الزمان بإنسان بجامع التطوّر والتحوّل من حال إلى أخرى. والمستعار منه (الإنسان) محذوف وكني عنه بشيء من
стр. 205
خصائصه (بنوه) وهي القرينة. ثم أتى بما يلائم هذه الخاصة حين ذكر شبيبته والهرم. ولكنه لم يذكر ما يلائم المستعار له. لذلك كانت الاستعارة:
مكنيّة: لأن المستعار منه (الإنسان) محذوف ورمز إليه بما يدلّ عليه من صفاته (بنوه).
أصلية: لأن لفظ المستعار منه اسم جامد.
مرشّحة: لأنّه ذكر فيها ما يلائم المستعار منه (بنوه).
ب- المجرّدة:
هي التي اقترنت بما يلائم المستعار له دون المستعار منه، نحو:
رأيت أسدا في الجبهة يرمي العدو بسهامه. فقد ذكر ما يلائم المستعار له (البطل الشجاع) حين قيل: يرمي العدو بسهامه. أما المستعار منه فلم يرد ما يلائمه. لذلك كانت الاستعارة مجرّدة.
ومنه قول نعيمة في النهر المتجمّد:
يا نهر قد نضبت مياهك فانقطعت عن الخرير.
في البيت: استعارة مكنيّة لأن الشاعر شبّه النهر بإنسان وحذف المستعار منه (الانسان) وكنى عنه بشيء من خصائصه (النداء).
- واستعارة أصلية لأن لفظ المستعار منه اسم جامد.
- ومجرّدة لأن الشاعر أتى بما يلائم المستعار له (نضبت مياهك، وانقطعت عن الخرير) ولم يأت بما يلائم المستعار منه (الانسان).
стр. 206
ج- المطلقة:
وهي التي اقترنت بما يلائم المستعار منه والمستعار له معا، أو هي التي لم تقترن بما يلائم أيّا منهما، نحو:
رأيت أسدا في الجبهة. لم يرد في هذه الاستعارة ما يناسب المستعار له (البطل)، ولا ما يناسب المستعار منه (الأسد) ولهذا سميت الاستعارة مطلقة.
ونحو: رأيت أسدا في الجبهة يزأر ويرمي العدو بسهامه. لقد ورد في هذه الاستعارة ما يلائم المستعار له (البطل) وهي عبارة (يرمي العدوّ بسهامه). كما ورد فيها ما يلائم المستعار منه (الأسد) وهو الفعل (يزأر) لهذا كانت الاستعارة مطلقة.
وقال المتنبّي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم.
شبّه المتنبّي الغايات البعيدة السامية بالنجوم والجامع بينهم السمّو والرفعة وصعوبة المنال. وحذف المستعار له (الغايات البعيدة) وصرّح بلفظ المستعار منه (النجوم) لهذا كانت الاستعارة تصريحية ولأن لفظ المستعار منه جامد فالاستعارة أصلية. والشاعر لم يأت فيها بما يلائم أيّا من المستعار منه أو المستعار له فصارت الاستعارة مطلقة.
وقال المتنبّي أيضا:
في الخدّ إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا.
стр. 207
الدموع الجارية حزنا على فراق الأحبة تشبه في انهمالها على وجه الحبيب المطر المتساقط بغزارة. لكنّ الشاعر بفطنته لاحظ فارقا بينهما لأنّ المطر يخلّف خضرة في الأرض التي يغيثها، في حين تخلّف الدموع المرض والشحوب في وجه الحبيب الشاكي بعاد حبيبه.
فالاستعارة تصريحية أولا لأنّه صرّح فيها بلفظ المستعار منه (مطر) وحذف المستعار له (الدموع) وهي استعارة أصلية ثانيا لأن لفظ المستعار منه اسم جنس. واخيرا إنّها استعارة مطلقة لأنّ الشاعر أتى بما يلائم كلّا من المستعار له (الخد) عند ما ذكر الدموع، والمستعار منه (المطر) عند ما ذكر (المحول).
* يجب التنبّه الى أن الحكم على الاستعارة وتصنيفها (مرشّحة أو مجرّدة أو مطلقة) لا يتم إلّا بعد أن تستوفي الاستعارة قرينتها. والقرينة بناء على ذلك لا تعد في جانب أي من المستعار له أو المستعار منه.
стр. 208
تمرينات:
١ - دل على نوع الاستعارة في ما يأتي معلّلا ذلك بشرح واف.
قال الشاعر:
- يؤدّون التحيّة من بعيد ... الى قمر من الإيوان باد
- قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
- وليلة مرضت من كلّ ناحية ... فما يضيء لها نجم ولا قمر
- نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد
- يا بدر يا بحر يا غمامة يا لي ... بث الشّرى يا حمام يا رجل
- وعد البدر بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري
- والبحر كم ساءلته فتضاحكت ... أمواجه في صوتي المتقطع
- فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
- وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنك في جفن الرّدى وهو نائم
- فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كّف جارية ممشوقة القدّ
تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بدّ
لي نشوتان وللنّدمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
стр. 209
البحث الرابع الاستعارة التمثيليّة
هي استعارة شائعة في الأمثال السائرة نثرا وشعرا ومن خصائصها:
- حذف المشبّه عادة.
- وحذف أداة التشبيه.
ولذلك عرّفت بأنّها:
تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة معناه الأصلي.
من أمثلتها القول المأثور: يدسّ السّمّ في الدّسّم. وهذا مثل يطلق في وصف من يظهر الخير ويبطن الشرّ. ولقد حذف منه المشبّه لأن تقدير الكلام: من يظهر الخير ويبطن الشرّ كمن يدسّ السّمّ في الدّسم. والمشبه (من يظهر الخير ويبطن الشرّ) محذوف، وأداة التشبيه محذوفة أيضا، ولكن بقي المشبه به. ولقد فهمنا المراد من المثل وهو المعنى المجازي لا المعنى الحقيقي بواسطة القرينة أو السّياق.
وأريد بهذا القول التّمثيل، لهذا سمّيت الاستعارة تمثيلية.
ومن أمثلتها قول الكميت معاتبا مؤيدي بني أمّية في حربهم ضدّ بني هاشم:
فيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها ... ويا حاطبا في غير حبلك تحطب
стр. 210
فالشاعر شبّه هؤلاء بمن يشعل نارا ليضيء درب غيره وتبقى دربه مظلمة أو بمن يحتطب لينتفع غيره بما
يحتطب. ففي كلّ من الصّدر والعجز استعارة تمثيلية.
ومنها أيضا قول المتنبّي (الوافر):
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا.
يصاب الإنسان المريض بمرارة في فمه حتى إذا شرب الماء العذب تذوّقه مرّا كالحنظل. ولكنّه لم يقصد هذا المعنى الظاهر من البيت بل قصد فيه حسادّه وعائبي شعره فنسب هذا العيب الى ذوقهم الشعرّي المريض وضعف إدراكهم الأدبي. فالمشبّه هنا حال حسّاده والمشبّه به حال المريض الذي يجد الماء الزّلال مرّا. لهذا كانت الاستعارة تمثيلية.
ومنها ما جاء في المثل «قطعت جهيزة قول كلّ خطيب».
وأصل المثل أنّ قوما اجتمعوا يتشاورون في قضيّة الثأر لأحد قتلاهم وبينما هم يتشاورون جاءت فتاة اسمها جهيزة وأخبرتهم أن القاتل قد قتل، فقال أحد المتحاورين: قطعت جهيزة قول كلّ خطيب. وهو تركيب يتمثّل به في كل موطن يؤتى فيه بالقول الفصّل. فالمشبّه والمشبّه به صورة منتزعة من متعدّد.
стр. 211
تمرينات:
١ - دلّ على الاستعارة التمثيلية في ما يأتي واشرحها.
- إنّك لا تجني من الشوك العنب.
- أخذ القوس باريها.
- لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين.
- المورد العذب كثير الزّحام.
- لكلّ جواد كبوة.
- أصاب عصفورين بحجر واحد.
- تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل
- إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه إهمال الطبيب
- متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
- ومن ملك البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد
- إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأيسر ما يمرّ به الوحول
- زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
- إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام
- ومن يجعل الضّرغام للصيّد بازه ... تصيّده الضّرغام في ما تصيّدا
стр. 212
المجاز المرسل وعلاقاته
عرّفنا سابقا المجاز لغة واصطلاحا ونبحث الآن عن تعريف البلاغيين للمجاز المرسل.
١ - تعريفه:
جاء في الإيضاح (١) «هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه، كاليد إذا استعملت في النّعمة، لأنّ من شأنها أن تصدر عن الجارحة، ومنها تصل الى المقصود بها، ويشترط أن يكون في الكلام إشارة الى المولي لها، فلا يقال: اتّسعت اليد في البلد، أو اقتنيت يدا، كما يقال: اتّسعت النعمة في البلد أو: اقتنيت نعمة، وإنّما يقال: جلّت يده عندي، وكثرت أياديه لديّ ونحو ذلك».
يقود كلام القزويني الى استنتاج مفاده أنّ في المجاز علاقة بين أمرين، أو مجموعة من العلاقات، فاذا انحصرت هذه العلاقة في التشبيه كان المجاز ضربا من الاستعارة، وإذا لم تكن العلاقة مقيّدة بالتشبيه بل أرسلت لتشمل أنواعا كثيرة من العلاقات كان المجاز مرسلا.
وإذا كان تعريف القدامى مشوبا بالغموض أو اللّبس فإن للمحدثين تعريفات أكثر وضوحا وشمولية. نذكر من هذه التعريفات ما يأتي:
هو كلمة استعملت في غير معناها الأصلي، لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة لفظية أو حالية مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
стр. 213
وجاء في تعريف آخر (١) «إنّه مجاز لغوي يرتبط فيه المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي بعلاقة غير المشابهة، وسمّي بالمرسل، لأنّه غير مقيّد بعلاقة المشابهة، إذ إنّ الإرسال في اللغة الاطلاق، والمجاز الاستعاري مقيّد بادّعاء أن المشبّه من جنس المشبّه به والمجاز المرسل مطلق على هذا القيد.
وقيل: إنما سمّي مرسلا لأنه لم يقيّد بعلاقة مخصوصة بل ردّد بين علاقات كثيرة».
لشرح تعريف القزويني شرحا عصريا من خلال المثال الذي جاء في التعريف وهو اليد إذا استعملت في النعمة، قيل: جلّت يده عندي، وكثرت أياديه لديّ. لم يجئ في المثل كثرت نعمه لدي بل حلّ لفظ أياديه محلّ نعمه. والذي سهّل على القائل قوله هذا وجود علاقة منطقيّة بين المعنيين. فالشاعر اختزل المسافة القائمة بين اليد والنعمة.
فاليد الجارحة هي التي تحدث الإحسان. فالمحسن صاحب النعم يهب النعم بوساطة يده فيحدث الجميل أو الإحسان لهذا ترسّخت العلاقة بين اليد والإنعام، وبالتكرار والتلازم ازدادت العلاقة بين اليد والنعمة وغاب الأعيان (المحسن والمحسن اليه ونوع العطاء). فاليد آلة العطاء والمال سبب في النعمة إذ اليد سبب في النعمة. فاختزلت مرحلة من مراحل تطوّر المعنى، وبذلك تحوّلت اليد من معنى الجارحة الى معنى النعمة.
والذي سهّل عمليّة التحوّل هذه العلاقة السببية بين المعنيين.
لهذا قال أحدهم (٢) «ففي المجاز المرسل يعبر اللفظ من مدلوله الأصلي الى مدلوله المجازي عن طريق صلة تجمع بينهما يبصرها الذهن فيهتدي بها الى تحليل الخطاب التحليل المقبول».
стр. 214
٢ - العلاقات في المجاز المرسل .
تحدّث البلاغيون بإسهاب عن هذه العلاقة غير المشابهة فذكروا عددا غير قليل فاق العشرين علاقة، وقد اكتفى الخطيب القزويني بذكر تسع منها، وهي في الواقع كافية تغني عن ذكر العلاقات الهامشية الأخرى. تتمحور هذه العلاقة حول أربعة محاور ينضوي تحت كلّ منها عدد من العلاقات، وهي:
١ - العلاقة الغائيّة: وينضوي تحتها:
أ. السببّية (استعمال السّبب للدلالة على النتيجة).
ب. المسبّبية (استعمال النتيجة للدلالة على السّبب).
ج. الآلية.
د. الملزومية (إطلاق اسم الملزوم على اللازم).
هـ. اللازمية.
٢ - العلاقة الكمّية: وينضوي تحتها:
أ. الكلّية.
ب. الجزئية.
ج. العمومية (إطلاق الاسم العام وإرادة الخاص).
د. الخصوصية (استعمال اللفظ الخاص للدلالة على العموم).
٣ - العلاقة المكانيّة: وينضوي تحتها:
أ. المحلّية (استعمال الحاوي للدّلالة على المحتوى).
ب. الحاليّة.
ج. المجاورة.
стр. 215
٤ - العلاقة الزمانية: وينضوي تحتها:
أ. الماضوّية (اعتبار ما كان).
ب. المستقبليّة (اعتبار ما سيكون).
وسنفصّل القول في هذه العلاقات وفق هذه التّصنيفات.
[١ - العلاقة الغائية]
١ - أ. السّببّية:
يجري هنا استعمال اللفظ الدال على السبب وتراد به نتيجته فنذكر السّبب. ونحن نريد المسبّب، نحو: ما زلنا نطأ الغيث حتى أتيناكم.
لقد قلنا الغيث ونحن نريد العشب المسبّب عن الغيث. ففي هذا القول مجاز مرسل لأننا ذكرنا السّبب (الغيث)، وأردنا المسبّب (العشب) فالعلاقة سببّية والقرينة (نطأ) والارتباط بين الغيث والعشب خارجي لأن لكل منهما حقلا دلاليا مستقلّا.
ومثالها أيضا قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران:
٥٤. فالمراد من (وَمَكَرَ اللَّهُ) وعاقبهم الله على مكرهم. ففي مكر مجاز مرسل ذكر السبب (المكر) وأراد ما يتسبّب
عنه من عقوبة فالعلاقة سببّية.
ومثالها أيضا قول عمرو بن كلثوم (الوافر):
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
ذكر الشاعر الجاهلي (الجهل) وهو يريد ما يتسبّب عنه من عذاب وعقاب. فكان المجاز مرسلا.