← Баляга

Баляга · id 17671

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني»

محمد أحمد قاسم

Полный текст (372 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تمرينات: ١ - دلّ على الاستعارة التمثيلية في ما يأتي واشرحها. - إنّك لا تجني من الشوك العنب. - أخذ القوس باريها. - لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين. - المورد العذب كثير الزّحام. - لكلّ جواد كبوة. - أصاب عصفورين بحجر واحد. - تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل - إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه إهمال الطبيب - متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ - ومن ملك البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد - إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأيسر ما يمرّ به الوحول - زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع - إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام - ومن يجعل الضّرغام للصيّد بازه ... تصيّده الضّرغام في ما تصيّدا

стр. 212

المجاز المرسل وعلاقاته عرّفنا سابقا المجاز لغة واصطلاحا ونبحث الآن عن تعريف البلاغيين للمجاز المرسل. ١ - تعريفه: جاء في الإيضاح (١) «هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه، كاليد إذا استعملت في النّعمة، لأنّ من شأنها أن تصدر عن الجارحة، ومنها تصل الى المقصود بها، ويشترط أن يكون في الكلام إشارة الى المولي لها، فلا يقال: اتّسعت اليد في البلد، أو اقتنيت يدا، كما يقال: اتّسعت النعمة في البلد أو: اقتنيت نعمة، وإنّما يقال: جلّت يده عندي، وكثرت أياديه لديّ ونحو ذلك». يقود كلام القزويني الى استنتاج مفاده أنّ في المجاز علاقة بين أمرين، أو مجموعة من العلاقات، فاذا انحصرت هذه العلاقة في التشبيه كان المجاز ضربا من الاستعارة، وإذا لم تكن العلاقة مقيّدة بالتشبيه بل أرسلت لتشمل أنواعا كثيرة من العلاقات كان المجاز مرسلا. وإذا كان تعريف القدامى مشوبا بالغموض أو اللّبس فإن للمحدثين تعريفات أكثر وضوحا وشمولية. نذكر من هذه التعريفات ما يأتي: هو كلمة استعملت في غير معناها الأصلي، لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة لفظية أو حالية مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

стр. 213

وجاء في تعريف آخر (١) «إنّه مجاز لغوي يرتبط فيه المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي بعلاقة غير المشابهة، وسمّي بالمرسل، لأنّه غير مقيّد بعلاقة المشابهة، إذ إنّ الإرسال في اللغة الاطلاق، والمجاز الاستعاري مقيّد بادّعاء أن المشبّه من جنس المشبّه به والمجاز المرسل مطلق على هذا القيد. وقيل: إنما سمّي مرسلا لأنه لم يقيّد بعلاقة مخصوصة بل ردّد بين علاقات كثيرة». لشرح تعريف القزويني شرحا عصريا من خلال المثال الذي جاء في التعريف وهو اليد إذا استعملت في النعمة، قيل: جلّت يده عندي، وكثرت أياديه لديّ. لم يجئ في المثل كثرت نعمه لدي بل حلّ لفظ أياديه محلّ نعمه. والذي سهّل على القائل قوله هذا وجود علاقة منطقيّة بين المعنيين. فالشاعر اختزل المسافة القائمة بين اليد والنعمة. فاليد الجارحة هي التي تحدث الإحسان. فالمحسن صاحب النعم يهب النعم بوساطة يده فيحدث الجميل أو الإحسان لهذا ترسّخت العلاقة بين اليد والإنعام، وبالتكرار والتلازم ازدادت العلاقة بين اليد والنعمة وغاب الأعيان (المحسن والمحسن اليه ونوع العطاء). فاليد آلة العطاء والمال سبب في النعمة إذ اليد سبب في النعمة. فاختزلت مرحلة من مراحل تطوّر المعنى، وبذلك تحوّلت اليد من معنى الجارحة الى معنى النعمة. والذي سهّل عمليّة التحوّل هذه العلاقة السببية بين المعنيين. لهذا قال أحدهم (٢) «ففي المجاز المرسل يعبر اللفظ من مدلوله الأصلي الى مدلوله المجازي عن طريق صلة تجمع بينهما يبصرها الذهن فيهتدي بها الى تحليل الخطاب التحليل المقبول».

стр. 214

٢ - العلاقات في المجاز المرسل . تحدّث البلاغيون بإسهاب عن هذه العلاقة غير المشابهة فذكروا عددا غير قليل فاق العشرين علاقة، وقد اكتفى الخطيب القزويني بذكر تسع منها، وهي في الواقع كافية تغني عن ذكر العلاقات الهامشية الأخرى. تتمحور هذه العلاقة حول أربعة محاور ينضوي تحت كلّ منها عدد من العلاقات، وهي: ١ - العلاقة الغائيّة: وينضوي تحتها: أ. السببّية (استعمال السّبب للدلالة على النتيجة). ب. المسبّبية (استعمال النتيجة للدلالة على السّبب). ج. الآلية. د. الملزومية (إطلاق اسم الملزوم على اللازم). هـ. اللازمية. ٢ - العلاقة الكمّية: وينضوي تحتها: أ. الكلّية. ب. الجزئية. ج. العمومية (إطلاق الاسم العام وإرادة الخاص). د. الخصوصية (استعمال اللفظ الخاص للدلالة على العموم). ٣ - العلاقة المكانيّة: وينضوي تحتها: أ. المحلّية (استعمال الحاوي للدّلالة على المحتوى). ب. الحاليّة. ج. المجاورة.

стр. 215

٤ - العلاقة الزمانية: وينضوي تحتها: أ. الماضوّية (اعتبار ما كان). ب. المستقبليّة (اعتبار ما سيكون). وسنفصّل القول في هذه العلاقات وفق هذه التّصنيفات. [١ - العلاقة الغائية] ١ - أ. السّببّية: يجري هنا استعمال اللفظ الدال على السبب وتراد به نتيجته فنذكر السّبب. ونحن نريد المسبّب، نحو: ما زلنا نطأ الغيث حتى أتيناكم. لقد قلنا الغيث ونحن نريد العشب المسبّب عن الغيث. ففي هذا القول مجاز مرسل لأننا ذكرنا السّبب (الغيث)، وأردنا المسبّب (العشب) فالعلاقة سببّية والقرينة (نطأ) والارتباط بين الغيث والعشب خارجي لأن لكل منهما حقلا دلاليا مستقلّا. ومثالها أيضا قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران: ٥٤. فالمراد من (وَمَكَرَ اللَّهُ) وعاقبهم الله على مكرهم. ففي مكر مجاز مرسل ذكر السبب (المكر) وأراد ما يتسبّب عنه من عقوبة فالعلاقة سببّية. ومثالها أيضا قول عمرو بن كلثوم (الوافر): ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا. ذكر الشاعر الجاهلي (الجهل) وهو يريد ما يتسبّب عنه من عذاب وعقاب. فكان المجاز مرسلا.

стр. 216

ومثله قول السموءل (الطويل): تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا ... وليس على غير الظّبات تسيل. فالذي يسيل على حدّ الظّبات هو الدماء لا النفوس، ولكن لمّا كان وجود النّفس في الجسد سببا في وجود الدم فيه استطاع الشاعر إحلال كلمة النفوس محل الدماء لأن النفس سبب لوجود الدم. فالعلاقة بين النفوس والدّماء سببّية والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للنفوس مذكورة (على حدّ الظبات) فالنفس الحقيقية لا تسيل على حدّ الظبات. وقد قسم البلاغيون علاقة السببّية أقساما هي: أ. السببيّة القابلية، أي تسمية الشيء باسم قابله، نحو: سال الوادي، أي الماء. ب. السببيّة الصورية، نحو تسمية اليد بالقدرة، لأنّ القدرة صورة اليد لحلولها منها حلول الصورة في المادّة. ج. السببيّة الفاعليّة، نحو: نزل السّحاب، أي المطر بإطلاق اسم فاعل الشيء على الشيء، فالمطر يصدر عن السّحاب. د. السببيّة الغائية، نحو: شرب عنبا، والمقصود شرب خمرا لأن الخمر غاية العنب. وقد خالف الأصوليون هذه التسميات الأربع لأسباب عقليّة حملتهم على تعليلات تخالف تعليلات البلاغيين. ١ - ب. المسبّبيّة: يرد اللفظ الدال على المسبب ويراد به سببه.

стр. 217

وتذكر فيها النتيجة أو المسبّب ونحن نريد السبب الذي أدّى اليه، نحو: أمطرت السّماء ذهبا. فالقائل يريد المطر وهو سبب اكتساب الرّزق، فالذّهب مسبّب عن المطر، والقائل استغنى بذكر المسبّب عن ذكر السبب. ولهذا كان في كلامه مجاز مرسل علاقته مسبّبية والقرينة: أمطرت السماء. ومثالها أيضا قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً النساء: ١٠. والآية في آكلي اموال اليتامى. ووردت النار لأن مآل آكلي اموال اليتامى الى النار وهي المسبّبية عن أكلهم هذه الأموال، فذكرت المسبّب (النار) وأرادت السّبب (أموال اليتامى المأكولة) ففي الآية مجاز مرسل علاقته تبعا لما ذكر المسبّبية لأنّ الإنسان لا يأكل نارا، لكنّه يأكل الطعام الحرام الذي يسبّب لصاحبه النار، فالنار مسبّبة عن اكل الحرام. ومثالها قول للشاعر يصف غيثا: أقبل في المستنّ من ربابه ... أسنمة الآبال في سحابه. (المستن: الواضح. الرّباب: السّحاب الأبيض. الآبال: جمع إبل، أسنمة: ج سنام) فهذا الغيث هو سبب نماء أسنمة الإبل. وهكذا يكون الشاعر قد ذكر المسبّب وهو يريد السبب. فالرّباب سبب، ونماء الأسنمة مسبّب عنه.

стр. 218

١ - ج. الآلية: يرد فيها اللفظ الدال على الآلة او الأداة ويراد به: أثرها. ويقتصر فيها على ذكر الآلة التي يؤدى بها الفعل بدلا من ذكر الفعل نفسه. فالآلة في الأصل هي السّبب المؤدي الى ذلك الفعل، نحو: ضربته عصا، والمراد ضربته بالعصا. ففي (عصا) مجاز مرسل لأنّه استغنى بذكر آلة الضرب عن ذكر فعل الضرب نفسه. فالعلاقة آلية والقرينة ضربته. ومثالها قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ابراهيم: ٤. والآية استخدمت (اللسان) والمراد به اللغة. والمعلوم أن اللسان آلة تؤدى بها اللغة. لذلك كان في الآية مجاز مرسل إذ ذكر الآلة (اللسان) وأراد اللغة التي تؤدي به، فالعلاقة آلية، والقرينة حالية. ومثالها ايضا قول الشاعر (الطويل): وما من يد إلّا يد الله فوقها ... وما ظالم إلّا سيبلى بأظلم. أراد الشاعر بيد (القوة) وصار معنى كلامه: ما من قوّة إلا قوّة الله فوقها لكن المعلوم عند الناس أن اليد هي آلة القوّة. لذلك كان في البيت مجاز مرسل إذ ذكر الآلة (اليد) وأراد القوّة التي تؤدى بها. فالعلاقة آلية والقرينة حالية. ومثاله قول المتنبي في كافور (البسيط): جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللّسان فلا كانوا ولا الجود.

стр. 219

ذكر المتنبي اليد واللسان مريدا بهما: المال والقول، فاستعاض بذكر الآلة عمّا تحدثه. لقد أقام المتنبي مقابلة بين الجود الحقيقي والجود المزيّف. فالأصل أن يأمر اللسان بإعطاء المال واليد تحوّل ذلك الأمر الى حقيقة فيكون ها هنا بينهما تتابع واتساق. اللسان- أمر بالجود- اليد- اعطاء المال. لكنّ المتنبي لمس الخلل في هذه السلسلة عند كافور فقارن بين الشكل الأصلي التام في الجود والشكل الأبتر عند كافور فأخرج الصورة في تركيب يقوم على مجاز مرسل ومقابلة يتوسّطها لفظ (جود) بل يبدأ به البيت وينتهي به ولكن بدايته إيجاب ونهايته سلب. ١ - د. الملزومية (إطلاق اسم الملزوم على اللازم): مثال ذلك: دخلت الشّمس من النافذة والمقصود نورها لا جرمها. فكلمة الشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية، لأنّ المعنى الحقيقي للشمس هو جرمها وجرمها ملزوم للمعنى المجازي الذي هو الضوء. والقرينة (دخلت). ومنها أيضا قوله ﵊ (لا تسبّوا الأموات فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا). فالذي قدّموه هو اعمالهم وأقوالهم التي يترتّب عليها جزاؤهم وعقابهم، والجزاء والعقاب من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. ١ - هـ. اللازمية: وهي كون الشيء يلزم وجوده عند وجود شيء آخر، أي حين يكون المعنى الحقيقي للكلمة المذكورة في العبارة لازما للمعنى المجازي.

стр. 220

مثال ذلك: أنظر الحرارة ونحن نشير الى النّار. وطلع الضّوء ونحن نقصد الشمس والقرينة في ذلك: انظر وطلع. والحرارة لازمة للنّار إذ لا نار بلا حرارة، والضوء لازم للشمس فهي أمّ الأضواء، والنظر ليس وصفا حقيقيا للحرارة بل النّار والطلوع ليس وصفا حقيقيا للضوء بل للشمس. ننتهي الآن من العلاقات الغائية وننتقل الى العلاقات الكميّة. ٢ - العلاقة الكميّة: وتتضمن العلاقات الفرعية الآتية: ٢ - أ. الكلّية: يرد اللفظ الدال على الكل ويراد به الجزء، ويستعمل فيها اللفظ الدّال على الكل ويراد جزء منه. وهي تقابل الجزئية، فنذكر الكلّ ونحن نريد جزءا منه. مثالها قوله تعالى وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ نوح: ٧. لقد ذكرت الآية (أَصابِعَهُمْ) ولكن من الطبيعي ألّا يكون بقدرتهم وضع أصابعهم كلها في آذانهم، بل الطبيعي أن يضعوا أطراف أصابعهم في آذانهم. ففي الآية إذا مجاز مرسل إذ ذكر الكل (الأصابع) وأريد به الجزء (أطرافها) والعلاقة كليّة. ومثالها أيضا قوله تعالى يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ آل عمران: ١٦٧.

стр. 221

ذكرت الآية (أفواههم) والمراد ألسنتهم لأن اللسان آلة القول ولكنّ اللسان جزء من الفم، لذلك كان في الآية مجاز مرسل إذ ذكر الكل (الفم) والمراد به الجزء (اللسان) فالعلاقة كلية. ومثالها أيضا قول المتنبي: أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخبّ بي الرّكاب ولا أمامي. فمن الطبيعي أن الشاعر لم يقم في أرض مصر بكاملها بل هو أقام في جزء منها. فلقد ذكر الكل وأراد الجزء. فالعلاقة إذا كليّة. ٢ - ب. الجزئية: يرد اللفظ الدال على الجزء ويراد به الكلّ. وفيها نذكر الجزء ويراد الكلّ، نحو قوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ البلد: ١٣. فالآية أتت على تحرير الرّقيق وعنت بفك رقبة تحرير العبد. فالرقبة جزء من العبد، والآية أرادت العبد كله لا رقبته وحدها. لذلك كان في الآية مجاز مرسل علاقته الجزئية والقرينة حالية. وكقول الكميت (الطويل): ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطرّبني بنان مخضّب. فالشاعر ذكر البنان وأراد به الحبيبة صاحبة البنان. فالبنان المخضّب جزء من الفتاة والشاعر أراد الفتاة كلّها لا إصبعها وحده. لذلك كان في شعره مجاز مرسل علاقته الجزئية.

стр. 222

ومثالها أيضا قول الشاعر (الوافر): وكم علّمته نظم القوافي ... فلمّا قال قافية هجاني. لقد ذكر الشاعر (قافية) مرادا بها قصيدة. ولكن القافية جزء من القصيدة لذلك كان في البيت مجاز مرسل علاقته الجزئية. ومنها: بثّ الحاكم عيونه في المدينة، أراد بثّ جواسيسه، فالعيون جزء من الجواسيس وكان الانتقال من الجزء الى الكلّ. ٢ - ج. العمومية: (إطلاق الاسم العام وإرادة الخاصّ) . وهي استعمال اللفظ الدّال على العموم لشيء يكون من مشتملاته، نحو وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ الشعراء: ٢٢٤. فالآية لم تعن عموم الشعراء لأنّه جاء بعدها استثناء لبعضهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الشعراء: ٢٢٧. ٢ - د. الخصوصية: (استعمال اللفظ الخاص للدلالة على العموم) . من ذلك قوله تعالى هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ المنافقون: ٤. استخدمت الآية لفظ العدوّ وأرادت الأعداء بدليل ضمير الجماعة العائد إليه في (فاحذرهم). ومن ذلك أيضا قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ التكوير: ١٤. والمقصود كلّ نفس. وهكذا تنتهي العلاقة الكمّية وتفرعّاتها الجزئية ونبدأ بالعلاقة المكانية وتفرّعاتها.

стр. 223

٣ - العلاقة المكانيّة: وتنضوي تحتها العلاقات الفرعيّة الآتية: ٣ - أ. المحلّية: يرد اللفظ الدال على المحلّ ويراد ما حلّ به. وفيها يذكر المحلّ ويراد ما يحلّ به، نحو: ركبت البحر. فأنت لم تركب البحر وإنما ركبت السفينة التي تمخر عبابه. ففي البحر مجاز لأنني ذكرت المحلّ (البحر)، وأنا أريد الحالّ فيه (السفينة) والقرينة (ركبت) فالعلاقة محليّة. ومثالها قوله تعالى وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً الأنعام: ٦. فالآية تريد بالسّماء المطر، ولهذا فقد ذكرت المحلّ الذي يأتي منه المطر (السماء) وأرادت المطر نفسه فالعلاقة إذا محلية. وكقول ابن لنكك في هجاء المتنبّي (البسيط): لكنّ بغداد- جاد الغيث ساكنها- ... نعالهم في قفا السقّاء تزدحم. فلقد ذكر الشاعر بغداد، وأراد أهلها الذين يحلّون فيها، ولقد أورد لفظ نعالهم دلالة على ذلك. ففي البيت مجاز مرسل لأنه ذكر المحل (بغداد) وهو يريد الحالّين فيه (أهل بغداد) والقرينة نعالهم. فالعلاقة إذا محلية. ومثالها أيضا قول عنترة (الكامل): فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرّم.

стр. 224

فلقد ذكر ثيابه وهو يريد جسمه، ولكنّ الجسم يحلّ في الثيّاب. ففي البيت مجاز مرسل لأنه ذكر المحل (الثياب) وهو يريد الحالّ فيه الجسم والقرينة شككت. فالعلاقة إذا محليّة. ٤ - ب. الحالّيّة: يرد اللفظ الدال على الحالّ ويراد به المحلّ. وتقابل المحليّة، فنذكر فيها الحالّ بدلا من المحلّ الذي حلّ فيه. مثالها قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ آل عمران: ١٠٧. والمقصود ب (رَحْمَتِ اللَّهِ) جنّة الله، والجنّة هي المحلّ الذي تحلّ فيه رحمة الله، ففي الآية مجاز مرسل، إذ ذكرت الآية الحالّ (الرحمة) وأرادت المحلّ (الجنّة) بقرينة (هُمْ فِيها خالِدُونَ) والعلاقة حاليّة. ومثالها أيضا قول الشاعر (الطويل): ألماّ على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا. (مربعا ثم مربعا: اربعة أيام ثم أربعة أخرى وهكذا ...). لقد ذكر الشاعر (معنا) والمقصود (قبر معن) فمعن هو الحالّ فيه. ففي البيت مجاز مرسل إذ ذكر الحالّ (معن) وأراد المحلّ (القبر) بقرينة وقولا لقبره. والعلاقة حاليّة. ومثالها أيضا قول المتنبي في هجاء كافور (البسيط): إنّي نزلت بكذّابين، ضيفهم ... عن القرى وعن التّرحال محدود.

стр. 225

لقد ذكر الشاعر (الكذّابين) وقصد أرض الكذّابين لأنّ الكذّابين يحلّون في هذه الأرض. ففي البيت مجاز مرسل إذ ذكر الحالّين (الكذّابين)، وأراد المحلّ (أرض الكذابين) بقرينة قوله (نزلت) والعلاقة حاليّة. ٣ - ج. المجاورة: المقصود بالمجاورة التعبير بالمجاور عمّا جاوره، ويكون ذلك حين يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور مجاورا للمعنى المجازي. وقد أهمل البلاغيّون هذه العلاقة لأنه بالامكان الاستغناء عنها إما بعلاقة المحليّة، وإما باللازميّة والملزوميّة. ننتقل الآن الى الضرب الأخير من العلاقات وهو العلاقة الزمانيّة. ٤ - العلاقة الزّمانية: وينضوي تحتها: ٤ - أ. الماضوّية (اعتبار ما كان) . يرد اللفظ الدال على طور من الأطوار قد انقضى ويراد به طور سابق على ذلك الطور أو هو تسمية الشيء بما كان عليه. وتكون هذه الحالة عندما نستعمل كلمة تطلق على ما كان عليه الشيء. ونحن نقصد ما آل اليه بعد ذلك. مثالها قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ النساء: ٢. ففي كلمة يتامى مجاز مرسل لأنه ذكر ما كان، وهو يريد ما آل اليه اليتامى من بلوغهم سن الرشد، وهي السّنّ التي يفقدون فيها صفة اليتم والقصور فترد عليهم أموالهم. فكأن الآية تريد وآتوا الراشدين أموالهم والقرينة حالية والعلاقة اعتبار ما كان.

стр. 226

ومثالها أيضا قوله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى طه: ٧٤. ففي كلمة (مجرما) مجاز مرسل لأن الآية ذكرت ما كان عليه في الدنيا من إجرام. والقرينة حالية، والعلاقة اعتبار ما كان. ومثالها قول ابن حمديس: لا أركب البحر أخشى ... عليّ منه المعاطب طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب ففي كلمة (طين) مجاز مرسل لأن أصل الانسان من طين، فأبو البشر آدم كان من تراب وطين. فالطين إذا رمز للانسان باعتبار ما كان عليه في الأصل، والعلاقة بين الانسان والطين علاقة تاريخ أو هي علاقة ماضوية. أما البيت الأول ففيه مجاز مرسل أيضا وعلاقته الكليّة إذ إن الركوب يكون في جزء من البحر، وقد تكون العلاقة فيه محليّة على أساس أن الركوب يكون في السفينة وهي حالّة في البحر الذي هو المحلّ. ٤ - ب. المستقبليّة (اعتبار ما سوف يكون) . يرد اللفظ الدال على طور من الأطوار التي يكون عليها شيء ما وإرادة طور لاحق، أو هو تسمية الشيء بما يكون. وتقابل العلاقة السابقة، إذ نذكر ما سوف يؤول إليه الشيء ونحن نقصد ما كان عليه. مثالها قوله تعالى: قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً يوسف: ٣٦.

стр. 227

ففي كلمة (خمرا) مجاز مرسل والعلاقة مستقبلية فالآية تريد ما كان عليه الخمر قبل العصر (العنب) وذكرت ما يكون عليه بعد العصر (الخمر) والقرينة (أعصر) فهنا مجاز مرسل علاقته مستقبلية أو اعتبار ما سيكون. ومثالها أيضا قوله تعالى: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ الصافات: ١٠١. ففي كلمة (حليم) مجاز مرسل والعلاقة مستقبلية لأن الآية تريد ما سيكون عليه الغلام لا ما هو عليه الآن. والحلم صفة لا يكتسبها الإنسان إلّا بعد الإدراك ولا يوصف بها الغلام. ومثالها أيضا قول أحمد شوقي يصف التلامذة: وتلك الأواعي بأيمانهم ... حقائب فيها الغد المختبي لقد أراد شوقي أن حقائبهم فيها الكتب والدفاتر وعدّة الدراسة فذكر ما يكون منها (الغد) أي المستقبل ولم ينظر الى ما هو كائن الآن والعلاقة مستقبلية لأنه اعتبر ما سيكون. في جمالية المجاز المرسل وأهميّته: يؤدي المجاز المرسل دورا هاما في بلاغة التعبير لأنه يوسّع دلالته ويبعث على التامّل الذي يخلّص العبارة من المباشرة المملّة ويفتح المجال واسعا امام الخيال الذي يشكّل الصور التي يستسيغها ذوقه. إنّه يشحن الألفاظ بدلالات جديدة من غير إماتة للمعنى الحقيقي. وعند ما يبدو التعميم والشمولية في المجاز المرسل فإن ذلك يدلّ على مبالغة لطيفة وان الصورة تطوي وراءها احيانا مزيدا من

стр. 228

الإحساس بالصورة المقصودة. وعندما نستبدل الكلّ بالجزء نحسّ بالمبالغة وعندما يلخّص الجزء الكلّ يتمّ تشخيص الكل بشكل متميّز عن الأشياء الأخرى. لهذا فإن المجاز على علاقة بالرسم والتصوير، وهذان يتطلّبان استخدام نظام صارم مرتبط بالألوان والأشكال والأبعاد وكذلك المجاز المرسل ليس استخداما عشوائيا للألفاظ بل هو نظام عام مرتبط بالحياة والتراث. وإذا كان المجاز ركيزة الصورة فإنّه بذلك يحدّد بدقّة وجهة نظر المبدع للأشياء ويبلور رؤيته للكون. وتكمن أهميته في أنّه يضفي على الصورة رونقا ويوسّع دائرة الإيحاء ويكمّل وظيفة اللغة من خلال الرؤيا الفنّية للأشياء. وهو يساعد على التركيز لفهم الحذف الحاصل في أوجه المجاز وعلاقاته. وإذا كان مستحبا فيه الغموض الفنّي فإن هذا الغموض لا يعني التعقيد والإلغاز، ففي المجاز المرسل يتشوّق القارئ الى تحصيل الصورة كاملة فيشعر بلذّة الاكتشاف بعد أن أعمل عقله وخياله في اكتشاف العلاقات القائمة بين ضروب المجاز. لهذا كان الشعر كشفا لما فيه من ألفاظ موحية بمعان قريبة وبعيدة تساعد القرائن اللفظية والمعنوية على اكتشافها. تمرينات: ١ - أدرس المجاز المرسل في ما يأتي واشرحه مبينا علاقاته وأهمّيتها في بناء الصورة. قال تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً الأعراف: ٢٦. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ابراهيم: ٤. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الصافات: ١٤٣. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ البقرة: ١٨٥.

стр. 229

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الأحزاب: ١. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها الأعراف: ١٧٩. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ آل عمران: ١٦٧. وقال الشاعر: ١ - أكلت دما إن لم أرعك بضرّة ... بعيدة مهوى القرط طيّبة النشر. ٢ - كم بعثنا الجيش جرّا ... را وأرسلنا العيونا ٣ - ألا من رأى الطفل المفارق أمّه ... بعيد الكرى عيناه تنسكبان ٤ - وما من يد إلّا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلّا سبيلي بأظلم ٥ - رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهنّدا ٦ - ملك شاد للكنانة مجدا ... أحكمت وضع أسّه آباؤه. ٧ - لا يغرّنك ما ترى من أناس ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا. ٨ - فضع السّوط وارفع السيّف حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا. ٩ - قل للجبان إذا تأخّر سرجه ... هل أنت من شرك المنيّة ناج؟ ١٠ - وكأسا شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها

стр. 230

ب- المجاز العقلي ١ - تعريفه: «هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له، لعلاقة، مع وجود قرينة تمنع إرادة الإسناد الحقيقي». والمقصود ب (ما في معناه): المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبّهة واسم التفضيل ... وهي مشتقات تعمل عمل الفعل. ٢ - بين المجاز المرسل والمجاز العقلي: - لا يكون المجاز العقلي إلّا في إسناد، أي: في ما كان فيه المعنى قائما على مسند ومسند إليه. - أن الأصل في تسميته عائدة إلى أن المجاز هنا ليس في اللفظ نفسه كالاستعارة والمجاز المرسل، بل في الإسناد، أي: في العلاقة بين المسند والمسند اليه، وهي تدرك بالعقل. أمثلة: الجاحظ كاتب شهير، جاء بغداد وهو في الخمسين. أسندنا في هاتين الجملتين الكتابة الى الجاحظ إسنادا حقيقيا لأن الجاحظ نفسه هو الذي اتّصف بالكتابة أو هو القائم بها. كما أسندنا المجيء الى بغداد إليه وهو ايضا إسناد حقيقي للأسباب عينها. فلقد أسندنا في هاتين الجملتين الفعل الى فاعله الأصلي حسب الظاهر. مثال آخر: إذا قال المؤمن: أنبت الله الزرع، فإن إسناد الفعل (أنبت) إلى الله إسناد حقيقي.

стр. 231

أما إذا قال المؤمن: أنبت الربيع الزرع، فإن إسناده الفعل (أنبت) إلى الربيع إسناد مجازي لأنّه يؤمن أن الذي ينبت الزرع هو الله تعالى وليس الربيع. والربيع هو زمن يكون فيه الإنبات ليس إلا. ويجري التجوّز في المجاز العقلي في الإسناد دون المعنى. فالألفاظ فيه تدلّ على ما وضعت له في اللغة، ولكن المتكلم يخرج بها عن الوجه المعهود في إجرائها في التركيب النحوي فيستأنف إجراء تركيبيا جديدا لها. وسمّي هذا المجاز مجازا عقليا لأنّه يقوم على تكسير رابط عقلي يجري به تأليف الكلام. فعندما نقول ذعر الذعر نكون قد أسندنا الذعر الى الذعر فالذعر يشارك الكائن الحي ذلك الفعل وهذا تجوّز من حيث المعقول لا من حيث اللغة. لهذا كان المجاز في المثل على مستوى الجملة النحوية. ٣ - علاقات المجاز العقلي (الإسناد المجازي) . ٣ - أ. العلاقة الزمانية: يكون المسند إليه زمنا يشتمل على الفعل المسند أو ما في معناه: ويسند فيها الفعل الى الزمان الذي وقع فيه، نحو: عركته الأيام، وأدركه الوقت، ونبت الربيع. والمراد: عركته التجارب، وأدركته المشاغل، ونبت العشب. فأسند الأفعال: (عرك، أدرك، نبت) إلى (الأيام، الوقت، الربيع) وكل منها مسند إليه غير حقيقي، لأن المسند إليه الحقيقي هو ما حصل في هذه الأزمان أي (التجارب، المشاغل، العشب). ففي كل من الجمل الثلاث مجاز عقلي أسندنا فيه الفعل إلى زمنه بدلا من الفاعل الحقيقي، والقرينة حالية. والعلاقة زمنية.

стр. 232

ومنه قول جرير (الطويل): لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم. فأسند النوم الى الليل وهو زمان النوم. ومنه قول طرفة (الطويل): ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فأسند الإبداء الى الأيام بينما هو في الحقيقة لما في الأيام من أحداث. ٣ - ب. العلاقة المكانيّة: ويكون المسند إليه مكانا يجري فيه المسند (الفعل أو ما في معناه). ويسند فيها الفعل إلى المكان الذي وقع فيه، كقولنا: حديقة غنّاء، ومكان مزدحم، ضجّت القاعة وجرى النهر. ونحن نريد حديقة طيورها غناء ومكانا مزدحم الناس وضج القوم في القاعة. فأسندنا الأفعال أو ما في معناها (غناء، مزدحم، ضجّت، جرى) الى المكان الذي وقعت فيه (حديقة، مكان، قاعة، مجرى) وليس الى الفاعل الحقيقي لكل منها (الطيور، الناس، القوم، النهر) ففي كل من الجمل الأربع مجاز عقلي أسندنا فيه الفعل أو ما في معناه الى مكانه بدلا من إسناده الى الفاعل الحقيقي، والعلاقة مكانية. ومثله قول الشاعر (الوافر): إذا سقط السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا

стр. 233

أراد المطر، والسّماء مكان المطر. وقول آخر (الطويل): أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح. يريد: سالت أعناق المطي في الأباطح وهي المكان للسيل. وقول آخر (المتقارب): يغنّي كما صدحت أيكة ... وقد نبّه الصبح أطيارها. يريد صداح الطيور التي في الأيكة. وفي البيت علاقة زمانية أيضا هي أن الصبح زمن التنبيه. ٣ - ج. المصدريّة: تكون في التراكيب التي يسند فيها الفعل أو ما في معناه الى المصدر من لفظه: وفيها يسند الفعل الى مصدره بدلا من الفاعل الحقيقي. نحو: دارت دورة الدهر. الله ﷻ ، جن جنون الرجل. ونحن نريد: دار الدهر، وجلّ الله، وجنّ الرجل. ولكننا أسندنا الأفعال الى مصادرها (دورة، جلال، جنون) وكل منها مسند إليه بدلا من إسنادها الى الفاعل الحقيقي (الدهر، الله، الرجل) ففي كل من الجمل الثلاث مجاز عقلي أسند فيه الفعل الى مصدره فالعلاقة مصدرية. ومنه قول الشاعر (البسيط): قد عزّ عزّ الألى لا يبخلون على ... أوطانهم بالدم الغالي إذا طلبا.

стр. 234

وقول الشاعر (الطويل): سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وقول أبي تمام: تكاد عطاياه يجن جنونها ... إذا لم يعوّذها برقية طالب. وقول بدوي الجبل: أرى أن هذا الأمر قد جدّ جدّه ... فكونوا لنا حصنا نكن لكم حصنا ٣ - د. الفاعليّة: يكون بإسناد ما بني للمفعول (اسم المفعول) الى الفاعل: ويسند فيها الفعل الى صيغة اسم المفعول، والمراد اسم الفاعل نحو: ليل مستور، وسيل مفعم. والمراد ليل ساتر وسيل مفعم. فاستعملت صيغة اسم المفعول (مستور، مفعم) وانت تريد معنى الفاعلية (ساتر، مفعم) ففي العبارتين مجاز عقلي أسند فيه المبني للمفعول الى الفاعل والقرينة حالية والعلاقة فاعلية. - ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا مريم: ٦١. أي كان وعده آتيا. - وقوله تعالى: جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً الاسراء: ٤٥، أي حجابا ساترا. ومثل هذه العلاقة نادر في اللغة.

стр. 235

٣ - هـ. المفعولية: وتكون في تركيب يقوم على إسناد الفعل أو ما في معناه الى المفعول به في الأصل. ويسند فيها الفعل الى صيغة اسم الفاعل والمراد اسم المفعول نحو: مكان آمن، طريق سالك، غرفة مضيئة. والمقصود: مكان مأمون، وطريق مسلوك، وغرفة مضاءة. فاستعملنا صيغة اسم الفاعل (آمن، سالك، مضيئة) ونحن نريد معنى المفعولية (مأمون، مسلوك، مضاءة) ففي العبارات الثلاث مجاز عقلي أسند فيه المبني للفاعل الى المفعول، والقرينة حالية، فالعلاقة مفعولية. ومنه قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ القارعة: ٦ - ٧. ومنه قول الاعشى: حتى يقول الناس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر. اي المنشور. ومنه قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي. أي المطعوم المكسّو. فالحطيئة نسب الى المهجو فعل الإطعام والإكساء ويريد أنه يطعم ويكسى. ٣ - و. السّببية: ويكون المسند اليه في التركيب القائم على المجاز العقلي سببا في إحداث المسند. ويسند فيها الفعل الى السبب الذي أدّى اليه:

стр. 236

نحو: نبت الغيث، فتح القائد المدينة، بنت الحكومة جامعة. والمعروف أن الذي نبت هو العشب والغيث هو سبب نباته. وان الذي فتح المدينة هم الجنود والقائد هو السبب وان البنائين هم الذين بنوا الجامعة والحكومة هي السبب في البناء. ولقد أسندت الأفعال في الجمل الثلاث الى أسبابها بدلا من إسنادها إلى الفاعلين الحقيقيين (العشب، الجنود، البنائين). ومنه قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ غافر: ٣٦. لقد أسندت الآية فعل (ابن) الى فاعل هو ضمير مستتر عائد الى هامان، وهامان ليس الفاعل الحقيقي بل الفاعل الحقيقي هو العمال لكن هامان هو السبب فالعلاقة سبّبية. ومنه قول المتنبّي في ملك الروم بعدما هزمه سيف الدولة. ويمشي به العكّاز في الدير تائبا ... وقد كان يأبي مشي أشقر أجردا والعكاز هنا هو سبب المشي أو آلته على وجه الدقّة، والمجاز يتمثل في إسناد فعل المشي الى العكاز، والحال أنه وسيلة في إحداث المشي. وقول الشاعر: وإنّا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا؟ الأصل أن يسند فعل الإفناء الى الحرب، لكن الشاعر طرح ذلك وأسند فعل القتل الى النداء الذي يحمل قومه على دخول الحرب. فالقيل

стр. 237

ليس الفاعل الحقيقي إنما هو سبب الإفناء لأنه يدعو الاوائل الى النجدة وهي التي تؤدي الى القتل والإفناء. تمارين: ١ - وضّح المجاز العقلي في ما يأتي وبيّن علاقته وقرينته. قال المتنبي: صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا وتولّوا بغصّة كلّهم من ... هـ وإن سرّ بعضهم أحيانا ربّما تحسن الصّنيع ليالي ... هـ ولكن تكدّر الإحسانا وكأنّا لم يرض فينا بريب الدّ ... هر حتّى أعانه من أعانا كلّما أنبت الزمان قناة ... ركّب المرء في القناة سنانا وقال غيره: تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها برقية طالب وقال المتنبي: أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزّا يخضب البيض بالدّم ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنّعم - يأمر السيف في الرقاب وينهى ... ولمصر على القذا إغضاء - إنّ الدّيار تريق ماء شؤونها ... كالأمهات وتندب الأحياء - بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم

стр. 238

الكناية (أقسامها وأنواعها) . ١ - تعريف الكناية: أ- لغة: جاء في اللسان (كنى): «الكناية: ان تتكلّم بشيء وتريد غيره. وكنى عن الأمر بغيره يكني كناية: يعني إذا تكلّم بغيره ممّا يدلّ عليه». فالكناية إذا إيماء الى المعنى وتلميح، أو هي مخاطبة ذكاء المتلقّي فلا يذكر اللفظ الموضوع للمعنى المقصود ولكن يلجأ إلى مرادفه ليجعله دليلا عليه. ومن هنا قول أحدهم (الطويل): وإنّي لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح. لقد استخدم الشاعر (كنوت) والأفصح كنيت لأنّ المصدر كناية، ولم يسمع كناوة. فالكناية في نظر الشاعر عدم استخدام اللفظ الحقيقي بل هي لجوء الى لفظ آخر يشير الى المعنى ويومئ اليه. إنها طريقة للتعبير غير المباشر عن الأشياء. ب- اصطلاحا: جاء في معجم المصطلحات (١) أن الكناية «لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي». هذا التعريف مأخوذ من تعريف السبكي (٢) الذي جاء فيه أنّها: «لفظ أطلق وأريد به لازم معناه الحقيقي مع قرينة لا تمنع من إرادة المعنى الأصلي مع المعنى المراد».

стр. 239

ج- تعريفات البلاغيين: الكناية في نظر عبد القاهر هي (١): «أن يريد المتكلّم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء الى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه ويجعله دليلا عليه». وهي كما عرّفها السّكاكي (٢) «ترك التصريح بذكر الشيء الى ذكر ما هو ملزمه، لينتقل من المذكور الى المتروك، كما تقول: زيد طويل النّجاد، فينتقل منه الى ملزومه وهو طول القامة». ولتوضيح هذين التعريفين نعطي المثلين الآتيين: ١. زيد طويل النّجاد (علاقة السيف) فالمثل كناية عن طول قامة زيد. ولكن لا مانع من إيراد المعنى الأصلي وهو طول علاقة السيف. ٢. حاتم كثير الرّماد. كناية عن كرمه فهو يشعل دائما نار القرى لهداية الضيفان. ولكن لا مانع أيضا من إيراد المعنى الأصلي وهو وفرة الرّماد حول بيته لأنّ النيران المشتعلة باستمرار تخلّف الرّماد الكثير المتراكم. ففي الكناية يتجاذب المعنيان الحرفي والمجازي الدلالة وللمتلقّي أن يفكّك الصورة ويدخل الى أعماقها.

стр. 240

٢ - بين الكناية والمجاز . المجاز- كما ورد سابقا- هو أن يقصد باللفظ معناه المجازي دون جواز تفسيره على المعنى الحقيقي. أما الكناية فهي أن يقصد بها المعنى المجازي مع جواز أن يقصد بها المعنى الحقيقي كما رأينا. مثال: ١. نبت الربيع. هنا لا يمكن ان يكون المقصود المعنى الحقيقي للربيع. فالمعنى المقصود هنا هو المعنى المجازي للربيع (العشب) ففي الجملة إذا مجاز. مثال: ٢. فلان طويل الحزام. الاشارة هنا الى عظم بطن فلان واضحة. وفي المثال نوع من المجاز لأن المعنى تجاوز المعنى الحقيقي (طول الحزام) الى المعنى المجازي (عظم البطن). فالعبارة هنا تحمل معناها الحقيقي أيضا لأنّ عظيم البطن لا بدّ أن يكون طويل الحزام. وفي هذا القول كناية. فالكناية إذا تخالف المجاز من جهة إمكان ارادة المعنى الحقيقي مع إرادة لازمة. أما المجاز فلا يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي لوجود القرينة المانعة من إرادته. ٣ - أقسام الكناية: تقسم الكناية تبعا لما تدل عليه الى ثلاثة أقسام هي: ٣ - أ. كناية عن صفة: هي الكناية التي يستلزم لفظها صفة.

стр. 241

يرد هذا النوع من الكناية كثيرا على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية. ففي مصر يقولون: هو ربيب أبي الهول. كناية عن شدّة الكتمان. وفي لبنان يقولون: فلان يشكو قلة الجرذان في بيته كناية عن فقره. كما يقولون: فلان عضّ إصبعه: كناية عن الندم. وهكذا. وقد وردت الكناية كثيرا في الشعر القديم والحديث، ومنها قول أبي ريشة (الرّمل). كم نبت أسيافنا في ملعب ... وكبت أجيادنا في ملعب. ففي كلّ من الصدر والعجز كناية لطيفة عن الخيبة والانتكاسة وهي كناية عن صفة. وكقول المتنبي (الطويل): بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه. ففي الشطر الثاني كناية عن طول الوقوف وهي كناية عن صفة. كما أن في البيت تشبيها بليغا بين المصدر (وقوف) الذي اشتق منه الفعل أقف (في الشطر الأول وبين المصدر وقوف في الشطر الثاني). ومنها أيضا قول الشاعر (الطويل): أكلت دما إن لم أرعك بضرّة ... بعيدة مهوى القرط طيبّة النشر. ففي الشطر الثاني (بعيدة مهوى القرط) كناية عن صفة هي طول عنق الضرّة. وينقسم هذا النوع من الكناية عند البلاغيين الى قسمين:

стр. 242

١ - كناية قريبة: وهي التي لا يحتاج فيها للانتقال من المعنى الحقيقي للكلام الى المعنى المجازي الى أكثر من خطوة واحدة. مثال: جاء في الحديث الشريف: اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا كناية عن العطاء واليد السفلى كناية عن الأخذ. فالمقصود من الحديث يدرك بسرعة لعدم وجود واسطة. ٢ - كناية بعيدة: ويحتاج فيها الى أكثر من خطوة واحدة للوصول الى المعنى المجازي المراد من الكلام. مثال: فلان كثير الرماد، فالمعنى المجازي هو (الكرم) لكن للوصول إليه لا بدّ من تفسيرات عدّة. كثرة الرّماد ناجمة عن كثرة الإشعال، وكثرة الإشعال عائدة الى كثرة الطبخ، ومن كان كثير الطبخ كان كثير الضيوف، وكثرة الضيوف تدل على الكرم. ٣ - ب. كناية عن موصوف: وهي الكناية التي يستلزم لفظها ذاتا أو مفهوما: ويكنى فيها عن الذات كالرجل والمرأة والقوم والوطن والقلب واليد وما إليه ... نقول في لبنان: مدينة الشمس كناية عن بعلبك. ونقول مخاطبين أبناء مصر: يا أبناء النيل. ونقول عن العرب: هم أبناء الضاد كناية عن اللغة العربية.

стр. 243

ومن أمثلتها قوله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ الزخرف: ١٨. ففي قوله تعالى (يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ) أي في الزينة كناية عن موصوف هو البنات. وكقول المتنبي مفتخرا (البسيط): سيعلم الجمع ممّن ضمّ مجلسنا ... بأنني خير من تسعى به قدم. ففي قوله (من تسعى به قدم) كناية عن موصوف هو الإنسان: أراد أنه خير الناس. ومنها قول جرير (الوافر): ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح. ففي قوله (من ركب المطايا) كناية عن موصوف هو الناس. ومنها أيضا قول المتنبي عند فراقه سيف الدولة (الطويل): وما ربّة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمّم. فكنى (بربة القرط) عن المرأة و (برب الحسام) عن الرجل. ففي كليهما كناية عن موصوف. ومنها أيضا قول شوقي (الخفيف): يا ابنة اليمّ ما أبوك بخيل ... ما له مولعا بمنع وحبس؟ فلقد كنى شوقي (بابنة اليم) عن السفينة، وكنى ب (أبوك) عن البحر ففي كليهما كناية عن موصوف.

стр. 244

٣ - ج. كناية عن نسبة: هي الكناية التي يستلزم لفظها نسبة بين الصفة وصاحبها المذكورين في اللفظ، تنفرد عن النوعين السابقين بأن المعنى الأصلي للكلام غير مراد فيها، وبأننا نصرّح فيها بذكر الصفة المراد إثباتها للموصوف، وإن كنا نميل بها عن الموصوف نفسه الى ما له اتصال به. أمثلة: هذا بيت شرف. إذ نسبنا الشرف الى أصحاب البيت من طريق إسنادنا هذا الشرف الى البيت نفسه ومنها قول الكميت (الطويل): أناس بهم عزّت قريش فأصبحت ... وفيهم خباء المكرمات المطنّب. ففي قوله: (وفيهم خباء المكرمات المطنّب) كناية عن نسبة المكرمات الى بني هاشم عندما جعلها في خيامهم. وكقول البحتري (الكامل): أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثمّ لم يتحول. ففي قوله (المجد ألقى رحله في آل طلحة) كناية عن نسبة، إذ جعل المجد يحطّ رحاله في ديار آل طلحة، فنسب المجد إليهم. وكقول زياد الأعجم (الكامل): إنّ المروءة والسّماحة والنّدى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج. ناسبا المروءة والسماحة والندى الى ابن الحشرج، عندما جعلها في قبتّه.

стр. 245

٤ - الكناية باعتبار الوسائط (اللوازم) والسياق: تنقسم الكناية أيضا باعتبار الوسائط (اللوازم) والسياق الى أربعة أقسام هي: ٤ - أ. التعريض: هو نوع لطيف من الكناية يطلق فيه الكلام مشارا به إلى معنى آخر يفهم من السياق او المقام الذي يتحدث فيه. مثاله: قولك أمام البخيل: ما أقبح البخل! معرّضا به. وكقولك أمام المتكبّر: ما أجمل التواضع! معرّضا به. ومن ذلك قول المتنبي معرّضا بسيف الدولة وهو يمدح كافور (الطويل): إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا. ومنه أيضا قول الحجّاج معرّضا بمن تقدّمه من الأمراء في ولاية العراق (الرجّز). لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم (١). ولهذا قيل: لا يحسن التعريض إلّا ثلبا (ذما)، وهو أخفى من الكناية.

стр. 246

٤ - ب. التلويح: هو كناية تكثر فيها الوسائط بلا تعريض، فيكون الفضاء الفاصل بين المعنى المكني عنه والمعنى الحرفي كبيرا. وسمّيت بالتلويح لأنها تقوم على الإشارة من بعيد. ويتميز التلويح بأمرين: - بعد ما بين المعنى الحرفي والمعنى المقصود لكثرة الوسائط. - قرب في الفهم لوضوح العلاقات وسهولة العبور من واسطة الى أخرى ومن النص الحرفي إلى المعنى المكني عنه. مثاله: قول الشاعر (الوافر) وما يك فيّ من عيب فإنّي ... جبان الكلب، مهزول الفصيل. المراد بقوله: جبان الكلب كناية عن كرم الرجل بأسلوب التلويح، لأن جبن الكلب ناجم عن دوام منعه عن الهرير في وجه القادمين. ودوام منعه معناه دوام تأديبه وزجره، ودوام تأديبه ناجم عن كثرة القادمين الى دار صاحبه. وكثرة القادمين ناجمة عن كونه سيدا كريما إذ لا يزدحم الناس إلّا على أبواب الكرام. وفي قوله: مهزول الفصيل كناية عن كرم الرجل بأسلوب التلويح. وقد توصّلنا إلى صفة الكرم عبر الوسائط الآتية: - الفصيل ولد الناقة ولا يكون هزيلا إلّا اذا لم تتح له فرص الرّضاع من اطباء (أثداء) أمه الناقة. وأمه لا ترضعه بسبب غيابها عنه غيابا أبديا. وغيابها الأبدي ناجم عن كون صاحبها قد نحرها لضيوفه لأنّ لحمها طريّ وشهيّ فيه لذّة للآكلين.

стр. 247

٤ - ج. الإيماء أو الإشارة: وهي كناية تتوسط بين التلويح والرمز بقلة الوسائط فيها وبوضوح نسبي في العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المراد. وتتميّر بأنها قليلة الوسائط، فتدلّ على المعنى المراد دلالة مباشرة كأنها تومئ إليه. مثالها قول أبي تمام في وصف الإبل (الوافر): أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد. فإنّه في إفادة أن أبا سعيد كريم لا يخفى كرمه على أحد. ٤ - د. الرّمز: هو كناية قليلة الوسائط، خفيّة اللوازم أو الكناية القائمة على مسافة قريبة فيكون فيها الخفاء نسبيا كأن نقول: عريض الوسادة كناية عن أنّه أبله. ومنه قول الشاعر (الكامل): رمزت إليّ مخافة من بعلها ... من غير ان تبدي هناك كلامها. فلقد أشار الشاعر الى حبيبة له على سبيل الخفية. ومن أمثلته: وصف البليد بأنه عريض الوسادة- فعرض الوسادة يستلزم كبرا في الرأس وطولا في العنق وهذان الطولان من مستلزمات البلاهة عند العرب. ومنه أيضا: وصف القاسي بأنّه غليظ الكبد.

стр. 248

٥ - أهمية الكناية وجمالياتها: الغرض من الكناية المبالغة والبعد عن المباشرة. والمبالغة في الصفة أو الصفات سبيل الى تثبيتها في نفوس المتلقّين. لذلك كانت الكناية عند الجاحظ أبلغ من التصريح. وهي أبلغ من الإفصاح عند عبد القاهر. فللكناية قيمة إبلاغية تقدّمها اللمحة الدالّة. فالشاعر والمبدع عندما يغطّيان المعنى الحقيقي بهذا الستار الشفّاف، يدعوان المتلقّي إلى اكتشاف هذا المعنى المتواري وراء المعنى المجازي، فيشعر بلذّة الكشف عنه وتفكيك عناصره والتدّرج في رصفها تمهيدا للوصول الى المعنى المقصود. فهناك حركة نفسية دائمة عند المتلقّي يستحضرها الخيال من تجاربه الخاصة، ومن ثقافته وعادات مجتمعه ليصل الى المعنى المراد فيتقرّر المعنى ويتأكّد. والمهمّ في الكناية كمية الصور الذهنيّة التي يستحضرها المتلقّي تباعا كأنّها ومضات تتكثّف وتتراكم لتشكل في النهاية معنى ثابتا يطمئن إليه العقل، ويتأثر به القلب. والكناية مظهر بلاغي راق لأنّها تقدّم الحقيقة مشفوعة بالأدلّة، والمعقول متلبسا ثوب المحسوس. والكنايات تعبير عن الحياة الاجتماعية بأحاديث يومية راقية معبّرة عن ثقافة المجتمع وذوقه. مثال ذلك هذه الكنايات: - ألقى عصاه، كناية عن الإقامة وترك الترحّل. - يحمل غصن الزيتون، كناية عن دعوته للسّلام. - عضّ أصابعه، كناية عن النّدم. - يمشي على بيض، كناية عن البطء والتثاقل في المشي. - قلع أسنانه، كناية عن الحنكة ووفرة التجارب. - بابه مفتوح، كناية عن حسن الاستقبال والكرم ودماثة الخلق. - ذمّته واسعة، كناية عن تعطيل ضميره وإباحته المحرّمات وأكل الرزق الحرام.

стр. 249

- كأنّ على رؤوسهم الطّير، كناية عن الهدوء والصّمت والإصغاء بدقّة. ومن مميّزات أسلوب الكناية عند الجرجاني أنّه لا يدلّ على المعنى مباشرة ولكنّه ينقل المتلقّي من طريق الدلالات ليصل الى المعنى المقصود من وراء ظلال التركيب. وهذا الذي سمّاه معنى المعنى. من هنا كان الكلام على كناية قريبة وأخرى بعيدة، وعلى كناية جليّة وأخرى خفيّة. ولكنّ هذه الوسائط سبب من أسباب قوّة المعنى وفخامته. تمارين: ١ - بيّن أنواع الكنايات الآتية وعيّن لازم معنى كل منها. - فمسّاهم وبسطهم حرير ... وصبّحهم وبسطهم تراب. ومن في كفّه منهم قناة ... كمن في كفّه منهم خضاب. - قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان. - ولمّا شربناها ودبّ دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها قفي. - فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير. - تجول خلاخيل النّساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا. - بيض المطابخ لا تشكو إماؤهم ... طبخ القدور ولا غسل المناديل. - مطبخ داود في نظافته ... أشبه شيء بعرش بلقيس. ثياب طبّاخه إذ اتّسخت ... أنقى بياضا من القراطيس. - فليت قلوصي عند عزّة قيّدت ... بحبل ضعيف غرّ منها فضلّت. - والقيت لمّا أن أتيتك زائرا ... عليّ لحافا سابغ الطول والعرض. - وتخال ما جمعت عليه ثيابها ذهبا وعطرا. - رأيت ابن أمّ الموت لو أن بأسه فشا ... بين أهل الأرض لا نقطع النّسل.

стр. 250

- ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما - الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان - فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد - سليل النار (السيف) دقّ ورقّ حتّى ... كأنّ أباه أورثه السلالا - يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلّت - إن في ثوبك الذي المجد فيه ... لضياء يزري بكل ضياء - وقال احدهم في كلبه: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم - أفي كل يوم ذا الدمستق مقبل ... قفاه على الإقدام للوجه لائم - متى تطلع الأيام مثلي لكم فتى ... طويل نجاد السيف رحب المقلّد؟
следующие страницы →