لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام
المجموعة الثالثة
رمضان ١٤٢١ هـ
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١
بيروت - لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
стр. 3
تصدير
المجموعة الثالثة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل الفرقان في شهر رمضان، وجعله موسمًا لأهل التُّقى والإِيمان، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على سيّد ولد عدنان، الذي كان يُذاكر فيه مع جبريل القرآن، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعهم بإحسان، ما تلا تالٍ آيَ الذكر الحكيم وتعاقب المَلَوان.
أما بعد:
فعودًا حميدًا وأَوْبًا سعيدًا لمشروع رسائل لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، وهي المجالس العلمية التي نعقدها مع جمع من الأحباب والعلماء وطلبة العلم، بصحن المسجد الحرام ليالي العشر الأواخر المباركة.
وقد يسر الله تعالى في عامي ١٤١٩ هـ و ١٤٢٠ هـ لخدمة مجموعة طيبة من الرسائل النافعة وإحياء تراث أمتنا التليد، وهي متوفرة ولله الحمد ولاقت قبول واستحسان أهل العلم والفضل في الحرمين الشريفين والعالم الإِسلامي كله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 4
وقد وفق الله تعالى في موسم هذا العام ١٤٢١ هـ ويسر بمنّه وكرمه إلى تحقيق وإعداد الرسائل التالية:
١ - بغية المستفيد في علم التجويد، للشيخ محمد بن بلبان الحنبلي، بتحقيق الأخ الشيخ رمزي سعد الدين دمشقية.
٢ - جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى، بعناية كاتب هذه السطور.
٣ - نشر ألوية التشريف بالإِعلام والتعريف بمن له ولاية عَمارة ما سقط من البيت الشريف، للشيخ محمد ابن علاَّن الصديقي، بعناية الشيخ محمد أبو بكر عبد الله باذيب اليماني.
٤ - الإِعلام الملتَزم بفضيلة زمزم، للشيخ أحمد بن علي الشافعي رئيس المحدثين بجامع أياصوفيا، بعناية الأستاذ الشيخ رمزي سعد الدين دمشقية.
٥ - تحرير الأقوال في صوم السِّت من شوال، للحافظ قاسم بن قطلوبغا، تحقيق الدكتور الشيخ عبد الستار أبو غدة.
٦ - إجازة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ للشيخ أحمد بن عيسى النجدي والشيخ راشد بن عيسى البحريني، بعناية الشيخ المحقق محمد بن ناصر العجمي.
٧ - رسالة لطيفة في شرح حديث: "أنت ومالُكَ لأبيك"، للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، عناية الأخ المربي مساعد سالم العبد الجادر.
٨ - إفادة المبتدي المستفيد في حكم إتيان المأموم بالتسميع
стр. 5
وجهره به إذا بلَّغ وإسراره بالتحميد، للإِمام برهان الدين الناجي الشافعي، بعناية عبد الرؤوف بن محمد الكمالي.
٩ - قطع الجدال في حكم الاستقبال، للشيخ محمد بن حسن العُجَيْمي، بعناية يوسف بن محمد الصبحي.
١٠ - مقدمة إملاء الاستذكار، للحافظ أبي طاهر السَّلَفي الأصبهاني.
١١ - الانتهاض في ختم الشفا لعياض، للحافظ شمس الدين السخاوي، كلاهما بتحقيق عبد اللطيف بن محمد الجيلاني.
نسأل الله أن تكون أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، بعيدة عن كل شرك خفي ورياء وخيم، وأن يكون علمنا صحبةً لنا لا علينا آمين. وصلَّى الله وسلَّم وبارك وعظَّم على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
قاله وكتبه
خادم العلم والعلماء
نظام محمد صالح يعقوبي
المسجد الحرام
ليلة ٢٤ رمضان ١٤٢١ هـ
стр. 6
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٢)
بغية المستفيد في علم التجويد
تأليف
الإمام محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي (١٠٠٦ - ١٠٨٣ هـ)
اعتنى به
رمزي سعد الدين دمشقية
ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم
دار البشائر الإسلامية
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 8
تقديم
شيخ قُرَّاء الشَّام العَلَّامَةِ الشَّيْخ محمد كريم راجح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد استضافني الأستاذ الشيخ رمزي دمشقية في بيته في بلدة بحمدون، وفي هذه الاستضافة اغتنم فرصة الاجتماع فقرأ عليَّ الرسالة الموسومة: بـ "بغية المستفيد في علم التجويد" للشيخ محمد بن بلبان ﵀، وللشيخ رمزي تعليقات حَسَنة كريمة على هذا المؤلَّف.
قرأها علي بتمامها فوجدتُها رسالةً مختصرة، وعلى أنها مختصرة رأيتها رسالة جامعة، جمع فيها مؤلفها من علم التجويد ما لا يستغني عنه قارئ القرآن، وما يستفيد منه أيُّ طالب علم يريد أن يطلع على مخارج الحروف في اللغة العربية وعلى صفاتها. وقد امتلأت هذه الرسالة بالشواهد من كتاب الله تعالى، فكان يأتي بالآيات لتكون شاهدًا
стр. 9
لما يقول. وقد جاءت هذه الرسالة في عبارة مختصرة ولكنها ظاهرة المعنى ليس فيها شيءٌ ما من الانغلاق، ولذلك أنصح كلَّ طالبٍ أن يقرأَ هذه الرسالة وأن يستفيدَ منها.
ولنعلم أن الرسائل في علم التجويد أصبحت كثيرة جدًّا ومنتشرة جدًّا، ولكننا لا نستغني أبدًا مهما كثُرت هذه الرسائل عما كتب الأولون رحمهم الله تعالى، ففي كل رسالة من رسائلهم تجد فوائدَ جديدة وتطَّلع على تعبيرات كانوا قد اصطلحوا عليها، وهي تعبيرات عربية لغوية ربما كانت قد ضاعت في أيامنا هذه، ولكننا إذا قرأنا هذه الرسائل وأمثالها نعود إلى ما كانوا يكتبونه ويعبِّرون به من عباراتهم اللطيفة العربية المفيدة (١).
لذلك يُشكر كل إنسان ينشر هذه الرسائل، ومن هؤلاء الإِخوة الكرام الذين ينشرون هذه الرسائل للأقدمين أخبرنا الشيخ رمزي دمشقية حفظه الله تعالى.
ثم اطَّلعت على هذه التعليقات التي علَّقها فرأيتها مفيدة ضافية كاملة تامة، ورأيت أنَّ الرسالة بحاجة إلى هذه التوضيحات التي وضَّحها نفع الله به. وأنا أسأل الله تعالى أن يُثيب المؤلِّف خير الثواب على ما كتب، وأن ينفع بما كتب شبابنا، وأن يثيب الشيخ رمزي على ما علق وعلى ما نشر.
стр. 10
ونحن بهذه المناسبة نحمَد الله أننا نجد شبابنا وشاباتنا مقبلين على بيوت الله يتعلمون القرآن فيتقنونه حفظًا وتجويدًا وتفسيرًا، ويفتخرون ويتباهَون بأنهم من أهل القرآن ومن حفظة القرآن، وهذا ما يدعو الشيخ رمزي وأمثاله من الذين ينشرون هذه الكتب جزاهم الله تعالى خيرًا أن يكثروا من نشر هذه الكتب وأن يفتشوا في المخطوطات عن أمثالها من أجل أن يكون لشبابنا الحاضر صلةٌ واضحة متينة بماضيهم الإِسلامي وبعلمائهم الأقدمين الذين كان لهم القِدْح المعلَّى في فهم كتاب الله وفي حُسنِ قراءته وتجويده.
على أنَّ هذه الرسائل وأمثالها لا تغني عن الرجوع إلى كتب الأقدمين كالإِمام أبي عمرو الداني والعلامة ابن الجَزَري رحمهما الله تعالى، وأيضًا لا تغني عن التلقِّي من فم الشيوخ المتقنين لأن القرآن في أدائه وتجويده إنما يؤخذ بالمشافهة، فإن سيدنا رسول الله ﷺ أخذه بالمشافهة عن جبريل، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه بالمشافهة عن رسول الله، وهكذا إلى أن وصل إلينا.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة وأن يجزي مؤلفها والمعلِّق عليها خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.
يوم السبت في
بحمدون ٢٨/ ٥/ ١٤٢٢ هـ
الموافق ١٨/ ٨/ ٢٠٠١ م
قاله بفمه وأذن بكتبه ورقمه
الشيخ محمد كريم راجح
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين على نعمائه، والصَّلاة والسَّلام على إمام المرسلين خاتم أنبيائه، وعلى آله الأطهار وصحابته الكرام، ومَن أَحبَّهم واهتدى بهديهم وسار على دربهم.
أمَّا بعد، فإنه من نِعَم الله وإفضاله ما منَّ به علينا من الاجتماع بإخوة أفاضل وعلماءَ أماثل في رحاب بيته العتيق وفي ظلال كعبته المشرفة كل عام في شهر الله المعظم رمضان، لقاءٌ حافزُه العبادة والتقرُّب إليه تعالى بالطاعات، وغايتُه رضى المولى الكريم ومغفرته والفوز بما أعدَّ لعتقائه في الجنات.
وكان لإِحياء سَنَن العلماء السابقين بقراءة كُتب العِلم وسماعها ونَسْخها ومقابلتها الأثر الطيب في عَمَارة الأوقات في تلك البقعة المطهرة ولا سيما في شهر الخيرات والمبرَّات رمضان، نسأله ﵎ القبول والتيسير إلى المزيد بمنّه وكرمه .. آمين.
وقد تسنى لي خلال زيارتي مكتبة مكة المكرمة -للقاء الشيخ الفاضل الفقيه الأديب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حفظه الله- الاطلاعُ على مخطوطات علوم القرآن الكريم بالمكتبة المذكورة،
стр. 12
فوقفت على رسالتين لطيفتين مناسبتين لما يُقرأ في "لقاء العشر الأواخر" هما: "تحفة الأكياس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ " لشهاب الدين الحَمَوي، والثانية: "بغية المستفيد في علم التجويد" لابن بلبان الحنبلي. فحرصت على اقتناء صورة منهما، وقد تكرم الدكتور عبد الوهاب رعاه الله بتصويرهما؛ فجزاه الله عنا خير الجزاء.
وبعد قراءة رسالة ابن بلبان "بغية المستفيد" في الحرم كما سيأتي آخرها والعمل في تحقيقها إذا بالأخ المحب الشيخ أبي ناصر محمد العجمي يفاجئني بنسخة ثانية من الرسالة هي نسخة المتحف البريطاني بلندن، سعى بتصويرها بواسطة بعض الأحباب في تلك الديار على عادته في إتحاف طلبة العلم وأهله بصور المخطوطات العزيزة النادرة محبَّة لنشر العلم وحسبة لوجه الله الكريم، فجزاه الله عن العلم وأهله كل خير.
وقد قمت بمقابلة النسختين والتعليق على الرسالة المذكورة بما يوضح عبارتها ويستكمل مباحثها، مستفيدًا مما كتبه الشيخ الجليل محمود خليل الحصري شيخ المقارئ المصرية ﵀ في كتابه الجامع النافع "أحكام قراءة القرآن الكريم".
وبعد إتمام العمل بهذه الرسالة المباركة أكرمني المولى بقراءتها مع تعليقاتها على شيخنا الجليل علّامة دمشق وشيخ قرائها الشيخ محمد كريَّم راجح حفظه الله تعالى ونفع بعلومه، فأفدت من توجيهاته وتصويباته في ضبط كلماتها وتقويم تعليقاتها، ثم ألبسني تاج الفخار بتفضله بالتقديم لهذه الرسالة، فجزاه الله عني وعن مؤلفها خير الجزاء.
стр. 13
وصف النسختين المخطوطتين:
١ - نسخة مكتبة مكة المكرمة (م) ورقمها (٢١١١١)، وتقع في ٩ ورقات من الحجم المتوسط، وليس في آخرها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ ومكانه. وخطها نسخي جيد إلَّا أن فيها بعض الأخطاء التي لحَظتُها عند قراءتها للمرة الأولى وقد وجدت حلها في النسخة الثانية.
٢ - نسخة المتحف البريطاني (ب) ورقمها (٦٢٧٢) مخطوطات شرقية، وتقع في ٢٧ ورقة من الحجم الصغير، وهي نسخة جيدة فيها بعض السقط، قال ناسخها في آخرها: "وقد نقلت هذه المقدمة من خط شيخنا مصطفى الغزالي، وقد نقلها شيخنا من خط مؤلفها من سادس في عصره وأوانه المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي ﵀ الملك الصمداني .. آمين". ولم يذكر ناسخها اسمه ولا تاريخ نسخها. وفي حواشي النسخة تصحيحات وإشارات لمقابلة النسخة بأصلها.
هذا ما يسَّر الله تعالى لنشر هذه الرسالة النافعة المختصرة، راجيًا منه أن يتقبَّل عملنا ويعيننا على الإِخلاص فيه، إنه خير مسؤول وأكرم مجيب.
بحمدون في ٨/ ٥/ ١٤٢٢ هـ
الموافق ٢٩/ ٧/ ٢٠٠١ م
وكتبه
خادم الكتاب والعلوم القرآنية
رمزي سعد الدين دمشقيّة
стр. 14
ترجمة المؤلف (١)
هو محمد بن بدر الدين بن بلبان البعليِّ الأصل الدمشقي الصالحي، الفقيه المُحدِّث الحنبلي المذهب المُعَمَّر، أحد الأئمة الزُّهّاد، من كبار أصحاب الشهاب ابن أبي الوفاء الوفائي الحنبلي في الحديث والفقه، ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه، وكان يُقرئ في المذاهب الأربعة.
وسمع ببعلبك وبدمشق على الشهاب العيثاوي والشمس الميداني، وأفتى مُدَّة عُمره، وانتهت إليه رئاسة العلم بالصَّالحية بعد وفاة الشيخ علي القبودي.
وكان عالمًا ورعًا عابدًا، قَطَع أوقاته في العبادة والعلم والكتابة والدرس والطلب، حتى مكَّن الله تعالى منزلته من القلوب، وأحبَّه الخاص والعام، وكان دَيِّنًا صالحًا حَسَن الخُلُق والصحبة، متواضعًا حلوَ العبارة، كثير التحري في أمر الدِّين والدُّنيا، منقطعًا إلى الله تعالى.
وكان كثيرًا ما يُورد كلام الحافظ أبي الحَسَنُ عَلي بن أحمد الزيدي -نسبة لزيد بن علي بن الحسين لأنه من ذريته- ويستحسنه
стр. 15
وهو قوله: اجعلوا النوافل كالفرائض، والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسُّمِّ، ومخالطةَ الناس كالنَّار، والغذاءَ كالدواء.
وكان في أحواله مستقيمًا على أسلوب واحد منذ عرف، فكان يأتي من بيته إلى المدرسة العُمرية في الصباح فيجلس فيها، وأوقاته منقسمة إلى أقسام: إما صلاة، أو قراءة قرآن، أو كتابة أو إقراء، وانتفع به خلق كثير.
وأخذ عنه الحديث جَمعٌ من أعيان العلماء منهم: الإِمام المُحقِّق محمد بن محمد بن سليمان المغربي، والوزير الكبير مصطفى باشا بن محمد باشا الكُوبري، وابن عمِّه حسين الفاضل، وأشياخنا الثلاثة: أبو المواهب الحنبلي، وعبد القادر بن عبد الهادي، وعبد الحيّ العكري وغيرهم، وحضرتُهُ أنا وقرأتُ عليه في الحديث، واتفق أهل عصرنا على تفضيله وتقديمه.
وله من التآليف مختصرٌ في مذهبه (١) صغير الحجم كثير الفائدة، وله محاسن ولطائف مع العلماء، وولي خطابة الجامع المظفَّري المعروف بجامع الحنابلة، وكان الناس يقصدون الجامع المذكور للصلاة خلفه، وبالجملة فقد كان بقيَّة السَّلف وبركة الخَلَف.
وكانت وفاته في سنة ثلاث وثمانين وألف، ودفن بالسفح، وكانت جنازته حافلة جدًّا، رحمه الله تعالى.
стр. 16
صورة الورقة الأولى من مخطوطة مكتبة مكة المكرمة
стр. 17
صورة الورقة الأخيرة من مخطوطة مكتبة مكة المكرمة
стр. 18
صورة الورقة الأولى من مخطوطة مكتبة المتحف البريطاني
стр. 19
صورة الورقة الأخيرة من مخطوطة مكتبة المتحف البريطاني
стр. 20
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٢)
بغية المستفيد في علم التجويد
تأليف
الإمام محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي (١٠٠٦ - ١٠٨٣ هـ)
اعتنى به
رمزي سعد الدين دمشقية
стр. 21
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تفضَّل علينا بإنزال القرآن، وعلَّمه بقدرته الباهرة لمن شاء من الجنِّ والإِنسان، وتكرَّم على قارئه بوافر الأجور لا سيَّما مع التجويد والإِتقان؛ والصلاة والسلام على أفضل الأنام محمد سيِّد الأكوان (١)، وعلى آله وصحبه رؤساء أهل التحقيق والإِيمان.
وبعد، فهذه مقدمة لطيفة تشتمل على جملة من أحكام التجويد، وذلك ما لا بدَّ منه مما يجب على قارئ كلام الله القديم المجيد، وهي كافية إن شاء الله تعالى لمن اقتصر عليها ولديه المزيد، وسمَّيتها:
"بغية المستفيد في علم التجويد"
واللهَ أسأل أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه برحمته قريب مجيب، وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 22
باب: مخارج الحروف وصفاتها
مخارجها سبعة عشر على المختار وحصرُها فيها تقريبٌ، وإلاَّ فلكل حرف مخرج عند التحقيق. وإذا أردتَ أن تعلم مخرج الحرف فسَكِّنْه وأدخل عليه همزة الوصل ثم أَصغِ إليه، فحيث انقطع الصوت كان مخرجه.
وأصول هذه المخارج خمسة، وهي: الجوف، والحلق، واللسان، والشفتان، والخيشوم.
* فأما الجوف:
وهو الخلاء داخل الفم والحلق، فهو مخرج لثلاثة أحرف، وهي: الألف، والواو، والياء المدِّيتان (١)، وهنَّ بالصوت أشبه، لكن يتميَّزن عنه بتصعُّد الألف وتسفُّل الياء واعتراض الواو (٢).
стр. 23
* وأمَّا الحلق:
ففيه ثلاثة مخارج لستة أحرف:
الأول منها: أقصاه، ويخرج منه الهمزة ثم الهاء.
والثاني: وَسَطه، ويخرج منه العين ثم الحاء المهملتان.
والثالث: أدناه، ويخرج منه الغين ثم الخاء المعجمتان.
* وأمَّا اللسان:
ففيه عَشَرة مخارج لثمانية عشر حرفًا:
الأول منها: أقصاه مع ما يحاذيه من الحَنَك الأعلى، ويخرج منه القاف فقط.
الثاني: كذلك، لكنه أسفل من الأول، ويخرج منه الكاف فقط (١).
الثالث: وَسَطه مع ما يقابله من شَجْر الفم، وهو سقف الحنك الأعلى، ويخرج منه الجيم ثم الشين المعجمة ثم الياء غير المدِّية (٢).
الرابع: حافَتُه، أي جانبه مع ما يليها من الأضراس اليسرى أو اليمنى أو هما، ويخرج منه الضاد المعجمة فقط.
стр. 24
الخامس: أول حافَتِه إلى آخرها مع ما يليها من حافَة الحَنَك الأعلى فويق الضاحك والناب والرَّباعية والثنية (١)، ويخرج منه اللام فقط.
السادس: طرفه مع ذلك تحت مخرج اللام ويخرج منه النون فقط.
السابع: يقاربه لكنه أدخل إلى ظهر اللسان قليلًا ويخرج منه الراءُ فقط.
الثامن: طرفه مع أصول الثنيتين العُلييين (٢)، ويخرج منه الطاء ثم الدال المهملتان ثم التاء المثناة فوق.
стр. 25
التاسع: طرفه وبين الثنيتين العلييين (١)، ويخرج منه الصاد والسين المهملتان والزاي.
العاشر: طرفه وطرف الثنيتين العلييين (١)، ويخرج منه الظاء المُشالة (٢) ثم الذال المعجمة ثم الثاء المثلثة.
* وأمَّا الشفتان:
ففيهما مخرجان لأربعة أحرف.
الأول منهما: بطن الشفة السفلى مع طرف الثنيتين العلييين، ويخرج منه الفاء فقط.
والثاني: بين الشفتين، ويخرج منه الواو غير المدينة (٣) والباء الموحدة والميم، لكن تخرج الواو بانفتاحهما والباء والميم بانطباقهما.
* وأمَّا الخَيْشوم:
فيخرج منه الغنَّة فقط ويأتي الكلام عليها.
فهذه السبعة عشر مخرجًا على التفصيل.
стр. 26
فصل: في الصِّفات
وبها يحصل التمييز بين الحروف المشتركة (١).
والمشهور منها تسع عشرة صفة، وهي: همس، وجهر، وشِدَّة، ورَخَاوة، وبين الرَّخاوة والشدَّة، واستعلاء، واستِفَال، وانطباق، وانفتاح، وإصْمَات، وذَلَق، وصفير، وقلقلة، ومدّ، ولين فقط، وانحراف، واستطالة، وتَفَشّ، وتكرار.
فأما الهَمْس: فيوصف به عشرة أحرف يجمعها أحرف: "فحثَّه شخصٌ سَكَت".
وأمَّا الجَهْر: فيوصف به تسعة عشر حرفًا، وهي ما عدا العشرة المذكور.
وأمَّا الشدَّة: فيوصف بها ثمانية أحرف يجمعها أحرف: "أَجِدُ قَطٍ بَكَت".
وأمَّا الصفة التي بين الرخاوة والشِّدَّة: فيوصف بها خمسة أحرف يجمعها أحرف: "لِنْ عُمَر".
стр. 27
وأمَّا الرَّخَاوة: فيوصف بها ستة عشر حرفًا، وهي ما عدا الثلاثة عشر المذكورة.
وأمَّا الانطِبَاق: فيوصف به أربعة أحرف، وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء.
وأمَّا الانفِتَاح: فيوصف به خمسة وعشرون حرفًا، وهي ما عدا الأربعة المذكورة.
وأمَّا الذَّلَق: فيوصف به ستة أحرف يجمعها أحرف: "فَرَّ مِنْ لُبِّ".
وأمَّا الإِصْمَات: فيوصف به ثلاثة وعشرون حرفًا، وهي ما عدا الستَّة المذكورة.
وأمَّا الانحِرَاف: فيوصف به حرفان، وهما: اللام، والراء.
وأما التفَشِّي: فيوصف به الشين المعجمة فقط.
وأما الاستطالة: فيوصف بها الضاد المعجمة فقط.
وأما التكرار: فيوصف به الراء فقط، ومعنى وصفه به: كونه قابلًا له، أي فيجب التحرُّز منه.
فهذه ثلاث عشرة صفة وسيأتي ذكر باقي الصفات مع حروفها مفصَّلة في مواضعها (١)، مع ذكر بعض صفات ناشئة عن بعض هذه الصفات إن شاء الله تعالى.
стр. 28
باب: المدّ والقصر
المدّ لغةً: الزيادة، واصطلاحًا: إطالة الصوت بالحرف الممدود.
والقصر لغةً: الحبس، واصطلاحًا: ترك المد وهو الأصل.
واعلم أنَّ حروف المد ثلاثة: الألف الساكنة ولا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها.
والمدّ قسمان: أصلي، وفرعي.
فأما الأصلي: فهو الذي لا تقوم ذات حرف المدَّ إلَّا به ولا يتوقف على سبب، وهو المسمَّى عندهم بالطبيعي، سُمِّي بذلك لأنَّ صاحب الطبيعة السليمة لا ينقصه عن حدِّه ولا يزيد عليه، وحدُّه مقدار أَلِف (١). مثاله على الألف: ﴿مَن قَالَ﴾، والواو ﴿مَن يَقولُ﴾، والياء: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ درجًا (٢) وما أشبهها.
ومثله مدُّ البدل من الهمزة عند الجمهور، نحو: ﴿آدَمَ﴾ و ﴿آزَرَ﴾، و ﴿إِيمَانًا﴾، و ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، سُمِّي بذلك لأنه يُبدل الهمزة الثانية من جنس حركة ما قبلها.
стр. 29
وأما الفرعي: فهو الزائد على الطبيعي، وهو أربعة أقسام: لازم، وواجب، وجائز، وعارض.
وله سببان:
أحدهما: همز يقع بعد حرف المد.
والثاني: سكون كذلك.
فالهمز سبب للواجب والجائز، والسكون سبب للازم والعارض.
فأما اللازم: فهو الذي جاء بعد حرفِ مدِّهِ حرفٌ لازم السكون في حالتي الوصل والوقف، وهو قسمان: كَلِمي، وحرفي.
فالأول نحو: ﴿الْحَاقَّةُ﴾، و ﴿الصَّاخَّةُ﴾، و ﴿الطَّامَّةُ﴾، و ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾.
والثاني نحو: ﴿الم﴾، و ﴿المص﴾، و ﴿ق﴾، و ﴿ن﴾،
وما أشبهها من حروف الهجاء التي بُنْيَتُها على ثلاثة أحرف، أوسطها حرف مد إلَّا عين، فيجوز فيها التوسُّط أيضًا. وسُمِّي لازمًا للزوم سببه وصلًا ووقفًا، ولزوم مدِّه لجميع القرَّاء.
وأمَّا الواجب: فهو أن يجتمع حرف المدِّ والهمز في كلمة واحدة، ويسمَّى متَّصلًا أيضًا لاتِّصال الهمز بكلمة حرف المد (١)، وسُمِّي واجبًا لوجوب مدِّه عند جميع القرَّاء، مثاله: ﴿جَاءَ﴾، و ﴿وَجِيءَ﴾، و ﴿هَنِيئًا﴾، و ﴿مَرِيئًا﴾، و ﴿سَوَاءٌ﴾، و ﴿السُّوءَ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾.
стр. 30
وتفصيل قدر المد مع اختلاف القرَّاء فيه لا يحتمله هذا المختصر، لكن لا يجوز أن ينقص اللازم عن ألفين (١)، ولا المتصل عن ألف ونصف (٢)، وحيث قيل بالمد فلا تجوز الزيادة على ثلاث ألفات، واعتبار ذلك كله بعد الأصلي.
وأمَّا الجائز: فهو أن يأتي حرف المد منفصلًا عن الهمزة بأن يكون آخر كلمة والهمزة أولَ أخرى بعدها، نحو: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، و ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ويسمَّى منفصلًا أيضًا لانفصال الهمز عن كلمة حرف المد، وسُمِّي جائزًا لعدم الاتِّفاق على وجوب مدّه، فإنَّ مِن القرَّاء مَنْ يرى فيه القصر فقط، ومنهم مَنْ يرى فيه المد فقط، ومنهم من يرى فيه الوجهين، ومنهم من يرى فيه التوسُّط فقط، وذلك كله محقق في المطولات فلا نطؤَل بذكره هنا.
وأما العارض: فهو الذي يعرض له السكون لأجل الوقف، سواء كان الحرف الموقوف عليه مكسورًا أو مفتوحًا أو مضمومًا، نحو: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، و ﴿نَسْتَعِينُ﴾، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، ويسمَّى جائزًا أيضًا لأنه لا يجب مدّه عند أحد من القرَّاء، بل يجوز فيه عند الجميع المد والقصر والتوسط.
وحيث قيل بالقصر في كلمة فلا يجوز أن يُخرَج بها عن المد
стр. 31
الأصلي؛ إذ الخروج عنه خطأ لأنه لا يُتوصل إليه إلَّا بإسقاط حرف من القرآن وهو غير جائز.
فائدة: الواو والياء إذا سكنا وانفتح ما قبلهما فهما حرفا لِيْن، أي بلا مد (١)، فلا يمد عليهما حينئذ وصلًا، نحو: ﴿عَلَيْهِمْ﴾، و ﴿إِلَيْهِمْ﴾، و ﴿يَوْمَ﴾، و ﴿نَوْمٌ﴾، و ﴿حُنَيْنٍ﴾، و ﴿خَوْفٌ﴾. ويجوز المد وقفًا إذا وقع بعدهما ساكن، نحو: ﴿خَوْفٌ﴾، و ﴿يَوْمَ﴾، و ﴿حُنَيْنٍ﴾، وإنما سُمِّيا بذلك لأنهما يخرجان في لين وعدم كلفة على اللسان.
وللمدّ أنواع أُخَر ضربنا عنها. لدخول بعضها تحت ما ذكرنا، ولعروض بعضها بسبب الخلاف في القراءة.
стр. 32
باب: أحكام النون الساكنة والتنوين
حد النون الساكنة: نون ساكنة تَثبُت لفظًا وخطًا ووصلًا ووقفًا، وتكون في الاسم والفعل والحرف.
وحد التنوين: نون ساكنة زائدة تلحق الآخِر لفظًا لا خطًّا لغير توكيد.
واعلم أنَّ النون الساكنة والتنوين لهما عند حروف المعجم أربعة أحكام: إظهار، وإدغام، وإقلاب، وإخفاء؛ وستأتي مفصَّلة إن شاء الله تعالى:
الحكم الأول: الإِظهار:
وهو عبارة عن إظهار النون الساكنة أو التنوين عند أحد حروف الحلق. وهي ستة يجمعها أوائل قول القائل: "أَخِي هَاكَ عِلْمًا حَازَهُ غَيْرُ خَاسِرٍ".
ويكوِن عند النون في كلمة، نحو: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، و ﴿أَنْعَمْتَ﴾، و ﴿وَانْحَرْ﴾، و ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾، و ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾.
وفي كلمتين، نحو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿مِنْ هَادٍ﴾، ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾، ﴿مِنْ غِلٍّ﴾، ونحوها.
стр. 33
وعند التنوين لا يكون إلَّا في كلمتين، نحو: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾، ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، ﴿ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ﴿فَظًّا غَلِيظَ﴾.
الحكم الثاني: الإِدغام:
وهو لغةً: إدخال الشيء في الشيء، واصطلاحًا: إدخال حرف ساكن في حرف متحرك بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشددًا. والمراد به هنا: إدغام النون الساكنة أو التنوين في أحد حروف الإِدغام، وهي ستة يجمعها أحرف: "يرملون".
فيدغمان (١) في اللام والراء إدغامًا لازمًا بلا غنة اتِّفاقًا، نحو: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَأَلَّوِ (٢) اسْتَقَامُوا﴾، ﴿أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا﴾، ﴿بَشَرًا رَسُولًا﴾.
ويدغمان في الياء والواو والميم والنون بغنَّة كاملة، بخلافٍ في الياء والواو، نحو: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾، ﴿قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾، ﴿حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وشبهها.
تنبيه: محل ذلك إذا كان المُدغم في كلمة والمُدغم فيه في كلمة أخرى، أما إذا كانا في كلمة واحدة فلا يجوز الإِدغام بل يتعين
стр. 34
الإِظهار خوفًا من الالتباس بالمضاعف، وذلك نحو: ﴿صِنْوَانٌ﴾، ﴿قِنْوَانٌ﴾، ﴿الدُّنْيَا﴾.
فائدة: الحروف من حيث هي قسمان: قمرية وشمسية. فالقمرية يجمعها حروف قولك: "ابغ حجك وخف عقيمه"، وحكمها إظهار لام التعريف عندها، نحو: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَالْقَمَرَ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾. والشمسية ما عداها، وحكمها إدغام لام التعريف فيها، نحو: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ﴾ وشبهها.
الحكم الثالث: الإِقلاب (١):
وهو عبارة عن قلب النون الساكنة أو التنوين ميمًا ثم إخفائها بغنَّة عند الباء فقط (٢)، ويكون في كلمة نحو: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾، وفي كلمتين نحو: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾، ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وشبهها.
стр. 35
الحكم الرابع: الإِخفاء:
وهو عبارة عن إخفاء النون الساكنة والتنوين عند باقي حروف الهجاء بغنَّة ألطف من غنَّة الإدغام. والحروف الباقية خمسة عشر حرفًا قد جمعها بعضهم في أوائل هذه الكلمات:
ضَحِكَتْ زَيْنَبٌ فَأَبْدَتْ ثنايَا ... تَرَكَتْنِي سَكْرَانَ دُوْنَ شَرَابِ
طَوَّقَتْنِي ظُلْمًا قَلاَئِدَ ذُلٍّ ... جَرَّعَتْنِي جُفُونُهَا كَأْسَ صَابِ
واعلم أنَّ الجيم من "جفونها" مكررة لإِقامة الوزن، ولذلك لم تُمَيَّز بالأحمر (١) كغيرها.
ويكون في كلمة وفي كلمتين، نحو: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ﴿وَانْصُرْنَا﴾، ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ﴾، ونحو: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾، ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾، ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ونحوها.
فائدة: الغنَّة صوتٌ أغنّ لا عمل للسان فيه، وهي صفة متابعة للنون والميم الساكنتين والتنوين حيث لا إظهار، ومخرجها الخيشوم، وهو أقصى الأنف، ولهذا لو أُمسِك لم يمكن خروجها. وينبغي المحافظة على إظهارها من الميم والنون المشددتين مطلقًا، نحو: ﴿وَلَمَّا﴾، و ﴿ثُمَّ﴾، ﴿وَأَنَّ﴾، و ﴿الْجَنَّةَ﴾، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ونحو ذلك.
стр. 36
فصل: في أحكام الميم الساكنة
وهي ثلاثة: حالة إدغام، وحالة إخفاء، وحالة إظهار (١).
فالأولى: أن يقع بعدها ميم (٢)، فيجب أن تُدغم فيها بغنَّة كاملة، نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ وشِبْهَه.
والثانية: أن يقع بعدها باء موحدة (٣)، فيجب أن تُخفى عندها على المختار بغنَّة (٤)، نحو: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ﴾، ﴿مَا لَهُمْ
стр. 37
بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ونحو ذلك.
والثالثة: أن يقع بعدها غير الحرفين المذكورين فيجب إظهارها عنده. ويكون في كلمة، نحو: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿تُمْسُونَ﴾. وفي كلمتين، نحو: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ﴾، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وشبهها.
وتكون أشد إظهارًا إذا وقع بعدها واو وفاء (١) ﴿عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 38
فصل: في إدغام المتماثلين والمتجانسين
أما المتماثلان: فهما ما اتفقا صفةً ومخرجًا، كالباءين والذالين واللامين، ونحو ذلك.
وأما المتجانسان: فهما ما اتفقا مخرجًا لا صفةً، كاللام والراء إن تقدَّمت اللام على الراء، وإن تأخَّرت عنها وجب الإِظهار عند الأكثر، وكالتاء المثناة فوق والدال المهملة والذال المعجمة والظاء المشالة ونحو ذلك.
وحاصله أنه متى التقى حرفان متماثلان أو متجانسان وسكن الأول منهما ولو سكونًا عارضًا وجب إدغام الساكن في المتحرك، ولا فرق بين أن يكونا في كلمة أو كلمتين.
أمثلة المتماثلين: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ونحو ذلك.
والمتجانسين، نحو ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، و ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ﴿قُلْ رَبِّ﴾، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) وشبهها.
стр. 39
تنبيه: محل ذلك إذا لم يكن أول المتماثلين حرف مد، فإن كان فلا يجوز الإِدغام وتعين الإِظهار، نحو: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا﴾، و ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأمثالهما. وعلَّة ذلك المحافظة على المد الأصلي لئلا يذهب بالإِدغام (١).
وأما ما اختُلف فيه من إدغام قال (قد) وذال (إذ) ولام (هل) و (بل) وتاء التأنيث الساكنة ونحوها في حروف مخصوصة فليس مما نحن فيه، بل ذلك كله من إدغام المتقاربين المختلف فيه كما هو مفصل في محله ولا يليق تفصيله هنا، والله أعلم.
стр. 40
فصل
وعلى القارئ أن يبيِّن إطباق الطاء من قوله تعالى: ﴿أَحَطْتُ﴾، ومن ﴿بَسَطْتَ﴾ ونحوهما، لئلا تشتبه بالتاء؛ لكون الطاء سابقة للتاء المجانسة لها بسبب اتحاد المخرج. وطريق ذلك أن تُدغم الطاء في التاء ذاتًا لا صفة؛ لأنَّ الإِدغام قسمان: كامل وناقص.
فالكامل: إدراج الحرف الأول في الثاني ذاتًا وصفةً، كالإِدغام بلا غنَّة.
والناقص: إدراج الأول في الثاني ذاتًا لا صفةً، كإدغام الطاء في التاء، من نحو: ﴿أَحَطْتُ﴾، و ﴿بَسَطْتَ﴾، وكالإدغام بغنَّة.
واختلف أهل الأداء في إبقاء صفة استعلاء القاف وإذهابها مع اتفاقهم على الإدغام في ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾ (١)، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ في المرسلات.