← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. فمنذ ما يقرب من ربع قرن تقريبًا، وأنا أعمل على هذا المشروع، حتى انقطعت له وقَصَرْتُ عليه عملي، مقدمًا له على غيره من درس، أو خطابة، أو موعظة، وفي كلٍ خير، إلا أني رأيت الكتاب أبقى، وشرطه أعلى، فهو وعاء لحفظ العلم، وتحرير المسائل، وضبط الأقوال، وتوثيقها من مصادرها، ومساحة رحبة لدراسة الأدلة ومناقشة دلالتها، وبيان صحيحها من ضعيفها، ومحاورة الأقوال والأفكار ليتمحص الأقوى منها حسب توفيق الله للعبد، ويكفي الكتاب بأنك تخاطب به الشاهد والغائب، فهو لا يحده زمان، ولا يحتويه مكان، يرثه الخلف عن السلف، فالكتاب أطول عمرًا من صاحبه، وما من صاحب درس، أو خطيب أو واعظ إلا ويستمد مادته من الكتاب، وقد اندرس علم أئمة كانوا ملء السمع والبصر في حياتهم، لأنهم لم يدونوا كتابًا في حياتهم، ولم يُسَخَّر لهم من يكتب علمهم، فانقطع عملهم، وخمل ذكرهم، ولولا بعض كتب التراجم ما كنت لتسمع بهم. وفي المقابل رب كتاب أدخل صاحبه في الخالدين وجعل له لسان صدق في الآخرين. ولقد أثمر هذا الانقطاع أول ما أثمر كتاب الطهارة في عشرة مجلدات، ثم انتقلت منه إلى مشروع المعاملات المالية أصالة ومعاصرة في عشرين مجلدًا، ثم رجعت إلى مشروع الصلاة لاستكمال العبادات، وقسمت مشروع الصلاة إلى قسمين: أحكام

стр. 2

الصلاة المكتوبة، وأحكام صلاة التطوع، وحين انتهيت من صفة الصلاة كنت قد أنجزت من مشروع أحكام الصلاة عشرة مجلدات، ليكون مجموع ما أنجز من المشروع حتى الآن بتوفيق الله سبحانه أربعين مجلدًا، ولله الحمد. ولقد اقترح عليَّ بعض الإخوة طباعة صفة الصلاة مفردًا لما له من أهمية في بابه، ولأن بعض الناس قد لا يرغب في شراء كتاب الصلاة كاملًا، فلا نُحَمِّلُه شراءه كاملًا، ولا نحرمه من شراء ما يحتاج إليه. من أجل هذا رغبت في إفراده، وسميته: الجامع في أحكام صفة الصلاة، وتركت تسلسل المسائل وأرقام الأحاديث والآثار كما هي في كتاب الأم. أسأل الله أن يرزقني شكر نعمته، وأن يتقبله مني، وأن يجعل العمل خالصًا لوجهه، مقربًا إليه، زلفى إلى رضوانه، والنجاة من عذابه، والحمد لله رب العالمين. وكتبه أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان القصيم - بريدة

стр. 3

الباب الأول في صفة الصلاة الفصل الأول في الأحكام المرتبطة بالخروج إلى الصلاة المبحث الأول في استحباب الخروج متطهرًا بنية الصلاة المدخل إلى المسألة: • الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي. • فضائل العمل لا تثبت بالقياس. • الخروج إلى الصلاة متطهرًا وإحسان الطهور بنية الصلاة سنة متفق عليها. • الباعث إذا خلص لله كان أكمل، فنية الخروج إذا تمحضت خالصة لإرادة الصلاة كانت أكمل من الخروج لها ولغيرها ولو كانت نية مباحة. [م-٤٣٨] يسن الخروج إلى الصلاة متطهرًا، والإحسان في الطهارة بنية الصلاة. وهذه السنة متفق عليها (١). • والأدلة على هذه السنن الثلاث: الدليل الأول: (ح-١٠٣٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت

стр. 4

أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (١). وفي رواية لهما: ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة (٢). وفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة). فقوله: (وذلك أنه إذا توضأ) التقدير: وذلك لأنه إذا توضأ فتكون الجملة تعليلية للحكم السابق، فكان هذا الفضل مرتبًا على الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والخروج بنية الصلاة، والمشي إليها ليحصل له هذا الفضل من رفع الدرجات وتكفير السيئات وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه، فالأصل ألا يترتب هذا الفضل إلا لمن جمع هذه الأمور، والله أعلم (٤). وقوله: (لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة) أي لا يحركه ولا ينهضه ولا يبعثه على الخروج إلا الصلاة، وفيه فضيلة أن تتمحض نية الخروج خالصة لإرادة الصلاة، لاستخدامه النفي والإثبات وهو دليل على الحصر، فلا يكون

стр. 5

الباعث على نيته الصلاة وغاية أخرى معها من شغل وغيره، حتى ولو كانت هذه النية مباحة لا تؤثر في صحة الصلاة، فإن الباعث إذا خلص لله كان أكمل، وما كان أكمل استحق مزية فضل على غيره. الدليل الثاني: (ح-١٠٣٣) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله يعني ابن عمرو (الرقي)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة) فجملة (تطهر، ومشى، ليقضي) فعل الشرط وما عطف عليه في حكمه، وجملة (كانت خطوتاه .. ) جواب الشرط، وإذا رتب الفضل عن طريق الشرط لم يحصل إلا بحصول شرطه وهو تطهر في البيت، ثم خرج إلى المسجد ماشيًا بنية الصلاة. قوله: (ثم مشى) ظاهر الحديث أن هذا الجزاء للماشي دون الراكب، وأن الراكب لا يحصل له هذا الفضل، ففي حديث الصحيحين قال: (لم يُخْطُ خطوة) والخطوة خاصة بالماشي، وفي لفظ مسلم، (من تطهر في بيته ثم مشى). ويؤيد ذلك ما جاء في نفي الركوب للخروج إلى الجمعة، وهو فرد من أفراد الخروج إلى المسجد. (ح-١٠٣٤) فقد روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام،

стр. 6

فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (١). [اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها] (٢).

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 10

فإن كان نفي الركوب محفوظًا في الحديث كان ذلك مقصودًا للشارع. (ح-١٠٣٥) ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ ، فقال: إن لكم بكل خطوة درجة (١). وإن كان لفظ (مشى ولم يركب) ليس محفوظًا من الحديث كان ترتيب الفضل لا يختص بالماشي ويكون وصف المشي لا مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب، فإن الغالب أن من يخرج إلى المسجد هم من يسمع النداء، ومثلهم لا يحتاج للركوب؛ ولأن المشي والركوب من باب الوسائل لا تقصد لذاتها، والغاية هي الوصول إلى المسجد للصلاة فيه جماعة، سواء أجاء ماشيًا أم راكبًا، ولو كان المشي مقصودًا لذاته لقيل باستحباب قَصْدِ المسجد الأبعد، وحديث أوس ظاهره الصحة، والأجر المرتب عليه مبالغ فيه جدًّا، فإن كل خطوة يكتب فيها أجر سنة صيامها وقيامها كثير على عمل يسير، وفضل الله واسع فإن كان أحد من الأئمة قد أعله بهذا قلت به بلا تردد، وإلا بقيت على اعتقاد صحة الحديث حتى يثبت العكس. وقد خالف حديث أوس حديث سلمان وحديث أبي هريرة، والأول في البخاري، والآخر في مسلم. (ح-١٠٣٦) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي، قال: قال النبي ﷺ : لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى (٢).

стр. 11

(ح-١٠٣٧) وروى مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (١). ورواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام (٢). فهذا الفضل قريب، وأما حديث أوس بن أوس فهو فضل مبالغ فيه لعمل يسير، فإذا كان شهود الجمعة نفسها، وهي المقصودة يكفر من الجمعة إلى التي تليها، فإذا اغتسل وأنصت، ولم يفرق بين اثنين زاد فضل ثلاثة أيام، فما الذي زاده العامل في حديث أوس حتى يكون له بكل خطوة عمل سنة بصيامها وقيامها، وكل ما زاده على ذلك ليس من الواجبات، وإنما هو من السنن، وليس بمقصود، وإنما هو من باب الوسائل كالذهاب ماشيًا إلى الجمعة، وحديث سلمان وأبي هريرة في الصحيح، وحديث أوس خارج الصحيح، وهو من وسائل الترجيح، وكنت قد ترددت في تضعيف الحديث طلبًا لإمام معتبر يضعفه لأني لا أحب معارضة الحديث بمجرد الفهم ما دام الإسناد ظاهره الصحة، ثم وجدت الإمام الترمذي قد حكم عليه بالحسن، فقال في سننه: حديث أوس بن أوس حديث حسن، وهذا ذهاب منه إلى تضعيف الحديث، فإن الحسن عند الترمذي هو كل حديث ليس في إسناده متهم (يعني أنه ليس شديد الضعف) ولا يكون شاذً، ويروى من غير وجه، وهذا يصدق على الحديث الضعيف إذا روي من أكثر من وجه، فلا يمكن حديث هذا حكم الترمذي فيه، وهو غريب الإسناد، غريب المتن لا يعرف هذا الفضل إلا من هذا الوجه، وينفرد بهذا الفضل المخالف لأحاديث الصحيحين، ويكون مقبولًا، والله أعلم. وفي الباب أحاديث أخرى، وقد تركتها اقتصارًا على أحاديث الصحيحين فإن فيها غنية. * * *

стр. 12

المبحث الثاني لا يستحب دعاء خاص للخروج إلى الصلاة المدخل إلى المسألة: • لا يستحب دعاء خاص في الخروج إلى الصلاة. • الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي. • ما ورد من دعاء خاص في الخروج إلى الصلاة كحديث ابن عباس، وكذا ما ورد من أدعية للخروج من المنزل، وعمومها يدخل فيه الخروج إلى الصلاة لا يصح منها شيء يمكن الاعتماد عليه في الباب. • إذا لم يثبت الحديث فالأصل في العبادة عدم المشروعية. • فضائل العمل لا يثبت بالقياس. • إذا تردد في استحباب العبادة كان الاحتياط في جانب الترك حتى تثبت؛ لأن التارك لا يلحقه لوم؛ لعدم الوجوب بخلاف الفاعل فهو متردد بين السنة والبدعة. [م-٤٣٩] لا يستحب دعاء خاص في الخروج من المنزل للصلاة، وما ورد من حديث خاص في الخروج إلى الصلاة كحديث ابن عباس. وكذلك ما ورد من أدعية للخروج من المنزل، وعمومها يدخل فيه الخروج إلى الصلاة فلا يصح منها شيء يمكن أن يعتمد عليه في الباب. (ح-١٠٣٨) فقد روى مسلم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس في قصة مبيته عند خالته ميمونة ليشاهد صلاة النبي ﷺ بالليل .... وذكر فيه .... فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي

стр. 13

نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا (١). [رواه علي بن عبد الله بن عباس في دعاء الخروج، ورواه كريب عن ابن عباس في الدعاء في صلاة الليل، وهو المحفوظ] (٢).

стр. 14

الدليل الثاني: (ح-١٠٣٩) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي الجهم، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية،

стр. 15

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك (١). [ضعيف موقوفًا ومرفوعًا] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٠٤٠) ما رواه أحمد من طريق سفيان (الثوري)، عن منصور، عن الشعبي، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته، قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك من أن نَزِلَّ أو نَضِلَّ، أو نَظْلِمَ أو نُظْلَمَ، أو نَجْهَلَ أو يُجْهَلَ علينا (٣).

стр. 16

[صححه الترمذي والحاكم، وأُعِلَّ بالانقطاع] (١).

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 18

الدليل الرابع: (ح-١٠٤١) ما رواه أبو داود من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ ، قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذ: هديت، وكفيت، ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 21

• الراجح: أنه لا يصح في الباب شيء، والأصل عدم التعبد حتى يصح في المسألة سنة، ومن يتساهل في باب الفضائل فإنه يرى أنه لا مانع من التعبد ببعض هذه الأذكار مما ضعفه ليس شديدًا، وفي التعبد بما صَحَّ غنية عن التماس الأحاديث الضعيفة، ولأن الاحتياط للعبادة إذا لم تكن واجبة، هو في الترك؛ لأن الأصل في العبادات الحضر، ولأن التارك لا تثريب عليه، بخلاف الفاعل فإن الناس منقسمون في حقه إلى قسمين: أحد يصحح فعله، والآخر يبدع فعله، فكون المتعبد يلزم طريقة لا يُلَامُ عليها على كل الأقوال أسلم، والله أعلم. * * *

стр. 22

المبحث الثالث في الوقت الذي يجب الذهاب فيه للصلاة المدخل إلى المسألة: • سماع النداء يوجب الإجابة على الصحيح،، قال: أتسمع النداء، قال: نعم، قال: فأجب، فعلق الأمر بالإجابة على سماع النداء، والمعتبر إمكان السماع. • إجابة النداء واجب موسع إلى حين سماع الإقامة إلا في الجمعة فإن السعي يجب بمجرد سماع النداء الثاني. • قال ﷺ : إذا سمعتم الإقامة فامشوا، منطوقه وجوب السعي بسماع الإقامة، ومفهومه: لا يجب السعي قبل سماع الإقامة. [م-٤٤٠] يستحب التبكير للصلاة من حين سماع النداء. وأما وجوب السعي: فإن كان لصلاة الجمعة وجب السعي إليها عند سماع النداء، والمعتبر إمكان السماع. وإنما وجب بمجرد النداء من أجل سماع الذكر (الخطبة)، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في صلاة الجمعة (١). وإن كان الذهاب للصلوات الخمس وجب السعي إليها بسماع الإقامة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فأمر بالسعي عند سماع النداء، والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 23

قال الجمهور: والمراد بالنداء النداء الثاني؛ لأنه الأذان الذي كان على عهده وعهد أبي بكر وعمر، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١). وقال الحنفية، وهو رواية عن أحمد: المراد به الأذان الأول الذي على المنارة (٢). وقيل: يجب السعي للجمعة بدخول الوقت، وإن لم يؤذن لها أحد، وهو قول في مذهب الحنفية (٣). • حجة الحنفية: أن المصلي لو انتظر الأذان الذي عند المنبر لفاته سماع الخطبة، وربما يُفَوِّت الجمعة إذا كان بيته بعيدًا من الجامع (٤). والأول أرجح؛ (ح-١٠٤٢) لما رواه البخاري من طريق الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكثر الناس زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (٥). فالأذان الثاني الذي كان على عهد النبي ﷺ هو الإقامة سميت أذانًا من باب التغليب، كما قال ﷺ : بين كل أذانين صلاة (٦). أي بين كل أذان وإقامة. وقيل: المراد: «معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: إذا قرب

стр. 24

وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساعٍ إليها، فاسعوا، وليس على تقدير أنه لا يجب السعي إليها إلا حين ينادى لها، والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقوله: (إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) (١)، أي: قارب الصباح. ومثله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. يريد إذا قاربن البلوغ؛ لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها. وفى إجماع العلماء على أن من كان في طرف المصر العظيم، وإن لم يسمع النداء يلزمه السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه» (٢). • وأما الدليل على وجوب السعي للصلوات الخمس عند سماع الإقامة: الدليل الأول: (ح-١٠٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (٣). فرتب الشارع وجوب السعي إلى الصلاة على سماع الإقامة، ولا يجب عليه السعي إلى الصلاة قبل ذلك إلا في صلاة الجمعة حيث أوجب السعي بسماع النداء. الدليل الثاني: (ح-١٠٤٤) ما رواه البخاري من حديث جابر ﵁، كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة .... وفيه: والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر ... الحديث (٤). فإذا كان الناس تارة يعجلون الحضور، وتارة يتأخرون في الحضور فإن هذا

стр. 25

دليل على أن الحضور لا يجب بمجرد سماع النداء، فسماع النداء يوجب على المصلي الحضور؛ لحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال فأجب، وهو واجب موسع، ويضيق إذا سمع الإقامة، لأمره بالمشي عند سماع الإقامة، والله أعلم. * * *

стр. 26

المبحث الرابع في الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار المدخل إلى المسألة: • الأصل في المشي إلى العبادة أن يكون بسكينة ووقار، إلا ما ورد فيه النص كالرَّمَلِ في موضعه، والإسراع بين العلمين في السعي. قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وإذا كان هذا في المشي المباح فالمشي إلى العبادة أولى. • التزام السكينة والوقار في السعي للصلاة سبب في التزامه بالصلاة، فالاستعجال في السعي يؤثر على قراءة المصلي وخشوعه، أو يحدث جلبة فيؤثر على خشوع عموم المصلين. • إدراك الركعة ليس بأفضل من الالتزام بالسنة، والنص العام لا يقيده إلا نص مثله. • إذا اجتمع الأمر والنهي بقوله ﷺ : (وعليكم السكينة ولا تسرعوا) فإن ذلك لا يعني إلا توكيد الالتزام بهذا الأدب، وإلا فالأمر بالشيء نهي عن ضده. • أَمَرَ الشرع بالمشي، ونَهَى عن الإسراع عند سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطًا للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوات إدراك التكبيرة أو الركعة. [م-٤٤١] اختلف العلماء في حكم الإسراع لمن سمع الإقامة، وخشي فوات الركعة: فقيل: يستحب السكينة والوقار مطلقًا، سواء أكانت الصلاةُ الجمعةَ أم غيرها، وسواء أخاف فوات تكبيرة الإحرام أم لا، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية

стр. 27

عن أحمد (١). وخالف المالكية، فقالوا: الإسراع بلا خَبَب جائز، ولا ينافي الوقار والسكينة، وتكره الهرولة، ولو خاف فوات الجمعة، فإن خاف فوات الوقت وجبت الهرولة (٢). وقيل: يكره الإسراع الشديد مطلقًا، ويكره الإسراع اليسير إلا إذا خاف فوات تكبيرة الإحرام، وطمع في إدراكها، وهذا منصوص الإمام أحمد، وهو المشهور من مذهبه (٣). قال أحمد في رواية مهنَّا: ولا بأس، إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح؛ جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى، وطمعوا في إدراكها (٤). وقال إسحاق بن راهويه: إذا خاف فوات الركعة الأولى سعى (٥). فخص ذلك بفوات الركعة، لا فوات تكبيرة الإحرام. وقال ابن تيمية في شرح العمدة: إذا خشي أن تفوته الجماعة، أو الجمعة فلا يكره له الإسراع (٦). وظاهر قوله: إذا خشي أن تفوته الجماعة أن ذلك مقيد بتعذر جماعة ثانية، قال في الإنصاف: «وقد ظهر مما تقدم أنه يعجل لإدراك الركعة الأخيرة، لكن هل تقيد

стр. 28

المسألتان بتعذر الجماعة؟ فيه تردد» (١). هذا مجموع الأقوال في المسألة، وملخصها كالتالي: فالإسراع الشديد مكروه مطلقًا عند الجمهور، ولو خاف فوات الجمعة والجماعة. واستثنى المالكية إذا خاف فوات الوقت فإنه يجب، ولا أظن المسألة هذه محل خلاف مع غيرهم. وقال بعض الحنابلة: لا يكره الإسراع الشديد إذا خاف فوات الجمعة، أو الجماعة. وأما الإسراع اليسير: فقيل: يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد. وقيل: لا يكره مطلقًا، وهو مذهب المالكية. وقيل: يكره إلا إذا طمع في إدراك التكبيرة الأولى (تكبيرة الإحرام)، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: يكره إلا إذا طمع في إدراك الركعة الأولى، وهو قول إسحاق. • سبب الخلاف: الاختلاف في الإسراع اليسير، هل ينافي السكينة والوقار المأمور بهما في الحديث الصحيح: (وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا). ولأن سبب توجيه النهي كان مرتبطًا بإسراع حدثت معه جلبة دعت النبي ﷺ ليسأل، ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، فقال: لا تفعلوا ... وذكر الحديث، فمن لم ينظر إلى خصوص السبب، قال العبرة بعموم اللفظ. ومن يرى أن السبب وصف مؤثر ارتبط بسببه توجيه النهي، فيقيد الحكم بالحال التي توجَّه فيها النهي؛ لأنه المتيقن، وغيره لا يساويه، فلا يلحق به. كما أن قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا ... ) هذا الشرط يبين أن النهي عن الإسراع متوجه لمن يدرك الصلاة، ويخشى أن يفوته بعضها، وأما إذا خاف فوات الصلاة جملة، فهل يشمله النهي؟ فالنهي عن الإسراع مكروه، فهل الحاجة إلى إدراك الصلاة ترفع الكراهة؟ لأن فوات الجمعة أو الجماعة لا يجبر، ولأن فضيلة

стр. 29

إدراك الجمعة أو الجماعة تربو على تحصيل أجر ترك المكروه؛ فالمفسدة في ارتكاب المكروه مغمورة في فضل تحصيل الواجب إلا أن يقال: ترك النهي مقدم على فعل المأمور؛ لحديث: إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه (١). ومن قال: يغتفر الإسراع اليسير لإدراك تكبيرة الإحرام أو لإدراك الركعة استشهد ببعض الآثار عن الصحابة، وهي معارضة بآثار أخرى بعدم الإسراع مطلقًا، سنأتي على تخريجها إن شاء الله تعالى. • دليل من قال: يكره الإسراع مطلقًا: الدليل الأول: (ح-١٠٤٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة؟ قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (٢). الدليل الثاني: (ح-١٠٤٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (٣). وجه الاستدلال: • اشتمل حديث أبي هريرة على ثلاثة أمور: الأمر الأول: الأمر بالمشي إلى الصلاة، وهو ينافي السعي، ولأن الأمر

стр. 30

بالشيء نهي عن ضده. الأمر الثاني: الأمر بالسكينة والوقار، والسكينة محلها طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]. والوقار: يتعلق بحركة الجوارح، فالرجل الوقور تدل هيئته وحركاته على وقاره، فأراد الله للماشي للصلاة أن يكون مخبره ومنظره متحليًا بالطمأنينة وترك العجلة. الأمر الثالث: النهي عن الإسراع، بقوله: (ولا تسرعوا) فلم يكتف الشارع بالأمر بالمشي، بل أضاف إلى ذلك التصريح بالنهي عن ضده، وهو الإسراع، وهو مطلق يشمل الإسراع الشديد واليسير، ولا ينتهك النهي لتحصيل المأمور؛ لأن النهي أشد؛ لحديث إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه (١). وكان كل ذلك عند سماع الإقامة التي هي مظنة فوات التكبيرة الأولى، بل قد تفوته بعض الركعات، فدل الحديث على أنه لا يجوز الإسراع ولو كان يسيرًا، ولو خشي منه فوات الصلاة أو بعضها. الدليل الثالث: (ح-١٠٤٧) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة (٢). ورواه مالك في الموطأ، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله أنهما أخبراه، أنهما سمعا أبا هريرة به (٣). وروى مالك، عن نعيم بن عبد الله المدني المجمر، أنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة مادام يعمد إلى الصلاة. وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه

стр. 31

حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا (١). [صحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي]. وجه الاستدلال: أن الحديث نهي عن الإسراع، ثم أكد ذلك ببيان العلة فقال ﷺ : (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)، فأشار بهذا إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة من ترك العجلة، ولزوم الخشوع، وسكون الأعضاء، وهو رد على من قال: إن الإسراع الذي لا ينافي السكينة والوقار لا بأس به. وفائدة أخرى من التعليل وهو أن المصلي إذا لم يدرك من الصلاة شيئًا فقد حصل له مقصوده؛ لكونه في صلاة منذ عمد إلى الصلاة. • ونوقش: بأن حديث أبي هريرة في الصحيحين وفي غيرهما رواه عنه أصحابه دون زيادة (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة). وقد انفرد بهذا الحرف مرفوعًا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، والعلاء وثقه أحمد، وتجنب البخاري تخريج حديثه في صحيحه، وقال يحيى بن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وفي التقريب: صدوق ربما وهم. وخالفه نعيم بن عبد الله المجمر، فرواه عن أبي هريرة موقوفًا (٢)، فأخشى

стр. 32

ألا يكون هذا الحرف محفوظًا، ولو كان محفوظًا فأين أصحاب أبي هريرة من أصحاب الطبقة الأولى عنه؟ • ويجاب من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن التعليل سواء أثبت أم لم يثبت فهو لا يرجع بالرد على أصل الحديث المتفق عليه، والمشتمل على الأمر بالمشي إلى الصلاة، والنهي عن الإسراع، ولزوم السكينة والوقار، وهذا كافٍ في ثبوت الحكم؛ وذلك لأن التعليل في الشرع لا يساق لثبوت الحكم في الأصل وهو المقصود هنا، بل لتعديته إذا وجدت العلة في الفرع. الوجه الثاني: أن هذه اللفظة ليس فيها ما يخالف قواعد الشريعة، فالشرع الذي جعل منتظر الصلاة في حكم المصلي كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين (١)، لا يبعد أن يجعل العامد إلى الصلاة في حكم المصلي بجامع أن كليهما قصد إلى الصلاة، هذا بانتظارها، وهذا بالذهاب إليها، والجواب الأول أقوى. الوجه الثالث: أن هذا الحكم مما لا يقال بالرأي، فإذا ثبت موقوفًا من طريقٍ صحيحٍ عن أبي هريرة، فإن له حكم الرفع، والله أعلم.

стр. 33

الدليل الثالث: النهي عن الإسراع مطلق، والنصوص المطلقة لا يقيدها إلا نص مثلها، أو إجماع. الدليل الرابع: قال الحافظ ابن حجر: «عدم الإسراع أيضًا يستلزم كثرة الخطا، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه أحاديث كحديث جابر عند مسلم، أن بكل خطوة درجة» (١). • ويناقش: في قول الحافظ: كثرة الخطا معنى مقصود لذاته فيه نظر، فهل كثرة الخطا مقصودة لذاتها، أم هي وسيلة، ولذلك لا يتقصد المصلي المسجد الأبعد إلا أن يقع اتفاقًا، والله أعلم. • دليل من قال: يجوز الإسراع بلا هرولة. الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر الله بالسعي إلى الجمعة، ونهى عن السعي إلى الصلاة، فكان السعي الذي أمرنا الله به هو غير السعي الذي نهانا عنه، فيجمع بينهما: أن المنهي عنه، هو السعي الشديد المنافي للوقار والسكينة، والمأمور به هو الإسراع بلا هرولة جمعًا بين الآية والحديث، فكان اسم السعي واقعًا على فعلين: أحدهما مأمور به، والآخر منهي عنه، والله أعلم. • ونوقش: بأن السعي يطلق تارة ويراد به الإسراع إلى الشيء كقوله ﷺ فلا تأتوها وأنتم تسعونَ، وكالسعي بين العلمين إذا طاف بين الصفا والمروة. وتارة يطلق السعي، ويراد به مطلق العمل سواء، أكان بإسراع أم بغيره فمن ذهب إلى الصلاة فقد سعى إليها.

стр. 34

قال الطبري إمام المفسرين: والسعي في كلام العرب: العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله: أي يعمل فيما يعود عليهم نفعه (١). فمعنى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فامضوا إلى ذكر الله، وحكي عن عمر وابن مسعود أنهما كان يقرآن: فامضوا إلى ذكر الله (٢). وهو معنى قول علمائنا: السعي إلى الجمعة واجب على كل من تلزمه الجمعة، لا يقصدون منه وجوب الإسراع إليها، وإنما يريدون مطلق الذهاب إليها (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ* بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ... [الليل: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. فالسعي إلى الجمعة إن كان بلا إسراع فهو المشي إليها، وهو المأمور به، وإن بلغ السعي إلى الصلاة حد الإسراع فهو المنهي عنه. الدليل الثاني: (ث-٢٤٩) روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى الصلاة (٤). • وأجيب: بأن رأي ابن عمر معارض بما روي عن أنس وزيد بن ثابت، وأبي ذر وغيرهم. (ث-٢٥٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا جعفر بن حيان

стр. 35

أبو الأشهب، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فأسرعت المشي فحبسني (١). وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن ثابت، قال: أخذ بيدي أنس، فجعل يمشي رويدًا إلى الصلاة، ثم التفت إلي، فقال: هكذا كان يصنع زيد بن ثابت ليكثر خطاه (٢). [صحيح]. (ث-٢٥١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا غندر، عن شعبة، عن داود بن فراهيج، قال: حدثني مولاي سفيان بن زياد أنه كان ينطلق إلى المسجد، وهو يستعجل، قال: لحقني الزبير بن العوام، فقال: اقصد في مشيك، فإنك في صلاة، لن تخطو إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الثالث: أن المطلوب هو لزوم السكينة والوقار، والإسراع الخفيف لا ينافيهما، بخلاف الإسراع الشديد فإن القلب والنفس إذا ثار فقد فارق السكينة، وفي مفارقتها تفارق جوارحه الحلم والوقار. • ويناقش: هذا التوجيه يصح لو كان النصُّ أَمَرَ بلزوم السكينة والوقار، أمَّا وقد أمر الحديث بالمشي، ولزوم السكينة والوقار، ونهى عن السرعة فلم يترك النص مجالًا للنظر.

стр. 36

• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الوقت: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وجه الاستدلال: أن الشارع جعل إدراك الوقت مقدمًا على تأخير الصلاة بالطمأنينة، فيصلي الخائف من خروج الوقت، ولو كان راجلًا أو راكبًا، فإذا خاف على خروج الوقت وكان الإسراع سببًا في إدراك الصلاة في وقتها كان عليه الإسراع. الدليل الثاني: أن النهي عن الإسراع مكروه، وفوات الوقت محرم، فيغتفر ارتكاب المكروه دفعًا للمحرم. ولأن الوقت إذا فات لا يمكن جبره. • دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الجمعة والجماعة: الدليل الأول: قوله ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة فامشوا ... ) رتب الشارع وجوب السعي إلى الصلاة عند سماع الإقامة، ولا يجب عليه السعي إلى الصلاة قبل ذلك إلا في صلاة الجمعة حيث أوجب السعي بسماع النداء، وهذا يدل على أن السعي للصلاة بسماع الإقامة بالسكينة والوقار مع القطع بإدراك الصلاة، ولو فات بعضها، وإلا لوجب السعي قبل سماع الإقامة، كما لو كان مكانه بعيدًا بحيث لو سعى عند سماع الإقامة لم يدرك الصلاة، فهذا يجب عليه أن يسعى قبل سماع الإقامة مع التزام السكينة والوقار، فإذا قصر وخشي من فوات الجمعة، والجمعة لا تقضى إذا فاتت، أو خاف فوات الجماعة، ولم يطمع في إدراك جماعة أخرى لم يكن داخلًا في حديث: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، لأن هذا الخطاب متوجه لرجل يدرك الصلاة إذا سعى إليها بسكينة ووقار عند سماع الإقامة. الدليل الثاني: قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا ... ) هذا الشرط يبين أن النهي عن الإسراع

стр. 37

متوجه لمن يمكنه إدراك الصلاة، ويخشى أن يفوته بعضها، فيقال له: لا تسرع، فما أدركت فَصَلِّ، وما فاتك فَأَتِمَّهُ. وأما إذا خشي أن تفوته الجمعة، أو تفوته الجماعة، ولا يمكنه تدارك جماعة أخرى فإنه لا يدخل في النهي. • ويناقش: بأن قوله: (ما أدركتم فصلوا ... وما فاتكم فأتموا)، لفظ (ما) في الجملتين من أسماء الشرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، فـ (ما أدركنا) عام يصدق على القليل والكثير، حتى لو أدرك الإمام في التشهد، فيقال له: امش وعليك السكينة والوقار فما أدركت فصل، وما فاتك فأتمه، ومن أدرك الإمام في التشهد فقد فاتته الجمعة والجماعة، فمن خص النهي عن الإسراع لمن يدرك ركعة من الصلاة فأكثر، فإن خشي أن يدرك أقل من ركعة كان مأمورًا بالإسراع من أجل إدراك الجمعة والجماعة فقد خص النص العام بلا مخصص. • ويرد هذا الجواب: أن قوله: (أدركتم) وقوله: (فاتكم) هذه حقائق شرعية، وليست حقائق لغوية، فالإدراك ليس هو مجرد اللحاق، فمن لحق الإمام بالتشهد فلم يدرك شيئًا من الصلاة، لأن الإدراك أطلق في مقابل الفوات، فأنت مأمور بالصلاة فيما أدركته منها، ومأمور بالإتمام لما فاتك شرعًا منها، وشرط إدراك الصلاة هو إدراك ركعة فأكثر، ولهذا من لحق بالإمام يوم الجمعة في التشهد لم يدرك الجمعة، وكذا الجماعة على الصحيح، فيكون الخطاب متوجهًا بالسكينة والوقار لرجل يصدق عليه أنه أدرك بعض الصلاة، وفاته بعضها، فيقال: ما أدركته فصله، فإذا فاتني الركوع فهذه الركعة لم أدركها، فلست مأمورًا بالدخول معه في السجود؛ لأني مأمور بصلاة ما أدركته مع الإمام شرعًا، وهذه الركعة قد فاتت، فالإدراك والفوات متقابلان، فيؤمر بصلاة ما أدركه، ولا يدركه إلا بإدراك الركوع، وإتمام ما فاته، فإذا خشي أن تفوته الصلاة لو لزم السكينة والوقار لم يكن مخاطبًا بقوله: فما أدركتم، وما فاتكم، فله أن يسرع، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٠٤٨) ما رواه أحمد، من طريق إسحاق الفزاري، عن ابن جريج قال:

стр. 38

حدثني منبوذ، رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم حتى ينحدر للمغرب، قال: فقال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: أف لك، أف لك، مرتين، فكَبُر في ذَرْعِي، وتأخرت، وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ امش، قال: قلت: أحدثتُ حَدَثًا يا رسول الله؟ قال: وما ذاك؟، قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيًا على بني فلان، فغلَّ نمرة، فدُرِّع الآن مثلَها من نار (١). [ضعيف] (٢). الشاهد من الحديث: قوله في الحديث: (فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب) فالمغرب

стр. 39

وقتها إذا وجبت الشمس، وهذا بالإجماع سواء أقلنا: إن لها وقتًا واحدًا، فيكون وقت سقوط الشمس هو وقت الوجوب، أو قلنا: إن لها وقتًا ممتدًّا إلى غياب الشفق، فيكون وقت سقوط الشمس وقتها المستحب، فدل على أن السرعة لا بأس بها إذا خشي فوات وقت الصلاة. الدليل الرابع: أن المكروه إذا دعت إليه حاجة رفعت الكراهة، وأي حاجة أعظم من فضيلة إدراك الجمعة والجماعة، فإن المصلحة في إدراكهما تربو على مصلحة ترك المكروه؛ فالمفسدة في ارتكاب المكروه مغمورة في فضل تحصيل العبادة الواجبة. • دليل من قال: يسرع لإدراك تكبيرة الإحرام: الدليل الأول: (ث-٢٥٢) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي عوانة، عن ليث بن أبي سليم، عن رجل، من طَىْء، عن أبيه، أن ابن مسعود، خرج إلى المسجد، فجعل يهرول، فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهى عنه؟ قال: إنما بادرت حد الصلاة التكبيرة الأولى (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: فهذا ابن مسعود الذي كان ينهى عن الإسراع لا يرى أن الإسراع لإدراك التكبيرة الأولى داخل في النهي، وهو أعلم بمعنى ما سمعوه من النبي ﷺ . • ويناقش: بأن الأثر ضعيف، ولا يخصص بمثله الحديث المتفق عليه في الأمر بالمشي، والنهي عن الإسراع، ولو فرض صحة الأثر، فالموقوف لا يعارض به المرفوع، والله أعلم. الدليل الثاني: في حديث أبي قتادة نهى النبي ﷺ عن الإسراع في حق أناس قد سمع جلبتهم،

стр. 40

وهو في الصلاة، وهذا لا يكون إلا بعد فوات تكبيرة الإحرام. وفي حديث أبي هريرة: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، والغالب على من مشى بعد سماع الإقامة أن تفوته التكبيرة الأولى، خاصة إذا لم يكن قريبًا من المسجد. فكان النهي في هذين الحديثين متوجهًا في حق من فاتته تكبيرة الإحرام، ويخشى أن تفوته الركعة، لا في حق من طمع في إدراك تكبيرة الإحرام. وفرق بين هذا الموضع وبين من يطمع في إدراك تكبيرة الافتتاح فقد جاء فضل عظيم فيمن يدرك حد الصلاة، وإدراك الحد: أن يدرك أولها، بأن يدرك الصلاة قبل تكبيرة الإمام؛ ليكون خلف الإمام إذا كبر للافتتاح، وهذا القدر لا ينجبر إذا فات؛ فإذا فاته حد الصلاة، فإنه قد أيس من إدراك الحد فإذا كان هذا المقصود العظيم الذي لا ينجبر فواته يحصل بإسراع يسير لم يكره ذلك بخلاف ما إذا فاتته الركعة فإنه يمكن أن يقضي ما فاته، فيكون داخلًا في عموم النهي عن الإسراع، بل هو المقصود من النهي؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات الركعة؛ لأنه ﷺ قال لأبي بكرة لما أسرع لإدراك الركوع: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ. وإذا جاز الإسراع لإدراك تكبيرة الافتتاح جاز الإسراع لإدراك الجمعة والجماعة إذا خشي فواتهما. • ويناقش: إذا كان السعي إلى الصلاة لا يجب إلا عند سماع الإقامة، فإن إدراك تكبيرة الافتتاح ليس واجبًا على المصلي، بل مندوب، وإذا تزاحم المندوب والمكروه، والأول ملحق بالأوامر، والثاني ملحق بالنواهي كان مراعاة النهي أولى من مراعاة الأمر. (ح-١٠٤٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١). • دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الركعة: هذا القول لا أعلم له دليلًا، بل هو مصادم لصريح النص في قوله: (ولا
следующие страницы →