• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الوقت:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وجه الاستدلال:
أن الشارع جعل إدراك الوقت مقدمًا على تأخير الصلاة بالطمأنينة، فيصلي الخائف من خروج الوقت، ولو كان راجلًا أو راكبًا، فإذا خاف على خروج الوقت وكان الإسراع سببًا في إدراك الصلاة في وقتها كان عليه الإسراع.
الدليل الثاني:
أن النهي عن الإسراع مكروه، وفوات الوقت محرم، فيغتفر ارتكاب المكروه دفعًا للمحرم.
ولأن الوقت إذا فات لا يمكن جبره.
• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الجمعة والجماعة:
الدليل الأول:
قوله ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة فامشوا ... )
رتب الشارع وجوب السعي إلى الصلاة عند سماع الإقامة، ولا يجب عليه السعي إلى الصلاة قبل ذلك إلا في صلاة الجمعة حيث أوجب السعي بسماع النداء، وهذا يدل على أن السعي للصلاة بسماع الإقامة بالسكينة والوقار مع القطع بإدراك الصلاة، ولو فات بعضها، وإلا لوجب السعي قبل سماع الإقامة، كما لو كان مكانه بعيدًا بحيث لو سعى عند سماع الإقامة لم يدرك الصلاة، فهذا يجب عليه أن يسعى قبل سماع الإقامة مع التزام السكينة والوقار، فإذا قصر وخشي من فوات الجمعة، والجمعة لا تقضى إذا فاتت، أو خاف فوات الجماعة، ولم يطمع في إدراك جماعة أخرى لم يكن داخلًا في حديث: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، لأن هذا الخطاب متوجه لرجل يدرك الصلاة إذا سعى إليها بسكينة ووقار عند سماع الإقامة.
الدليل الثاني:
قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا ... ) هذا الشرط يبين أن النهي عن الإسراع
стр. 37
متوجه لمن يمكنه إدراك الصلاة، ويخشى أن يفوته بعضها، فيقال له: لا تسرع، فما أدركت فَصَلِّ، وما فاتك فَأَتِمَّهُ. وأما إذا خشي أن تفوته الجمعة، أو تفوته الجماعة، ولا يمكنه تدارك جماعة أخرى فإنه لا يدخل في النهي.
• ويناقش:
بأن قوله: (ما أدركتم فصلوا ... وما فاتكم فأتموا)، لفظ (ما) في الجملتين من أسماء الشرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، فـ (ما أدركنا) عام يصدق على القليل والكثير، حتى لو أدرك الإمام في التشهد، فيقال له: امش وعليك السكينة والوقار فما أدركت فصل، وما فاتك فأتمه، ومن أدرك الإمام في التشهد فقد فاتته الجمعة والجماعة، فمن خص النهي عن الإسراع لمن يدرك ركعة من الصلاة فأكثر، فإن خشي أن يدرك أقل من ركعة كان مأمورًا بالإسراع من أجل إدراك الجمعة والجماعة فقد خص النص العام بلا مخصص.
• ويرد هذا الجواب:
أن قوله: (أدركتم) وقوله: (فاتكم) هذه حقائق شرعية، وليست حقائق لغوية، فالإدراك ليس هو مجرد اللحاق، فمن لحق الإمام بالتشهد فلم يدرك شيئًا من الصلاة، لأن الإدراك أطلق في مقابل الفوات، فأنت مأمور بالصلاة فيما أدركته منها، ومأمور بالإتمام لما فاتك شرعًا منها، وشرط إدراك الصلاة هو إدراك ركعة فأكثر، ولهذا من لحق بالإمام يوم الجمعة في التشهد لم يدرك الجمعة، وكذا الجماعة على الصحيح، فيكون الخطاب متوجهًا بالسكينة والوقار لرجل يصدق عليه أنه أدرك بعض الصلاة، وفاته بعضها، فيقال: ما أدركته فصله، فإذا فاتني الركوع فهذه الركعة لم أدركها، فلست مأمورًا بالدخول معه في السجود؛ لأني مأمور بصلاة ما أدركته مع الإمام شرعًا، وهذه الركعة قد فاتت، فالإدراك والفوات متقابلان، فيؤمر بصلاة ما أدركه، ولا يدركه إلا بإدراك الركوع، وإتمام ما فاته، فإذا خشي أن تفوته الصلاة لو لزم السكينة والوقار لم يكن مخاطبًا بقوله: فما أدركتم، وما فاتكم، فله أن يسرع، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٤٨) ما رواه أحمد، من طريق إسحاق الفزاري، عن ابن جريج قال:
стр. 38
حدثني منبوذ، رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع،
عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم حتى ينحدر للمغرب، قال: فقال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: أف لك، أف لك، مرتين، فكَبُر في ذَرْعِي، وتأخرت، وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ امش، قال: قلت: أحدثتُ حَدَثًا يا رسول الله؟ قال: وما ذاك؟، قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيًا على بني فلان، فغلَّ نمرة، فدُرِّع الآن مثلَها من نار (١).
[ضعيف] (٢).
الشاهد من الحديث:
قوله في الحديث: (فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب) فالمغرب
стр. 39
وقتها إذا وجبت الشمس، وهذا بالإجماع سواء أقلنا: إن لها وقتًا واحدًا، فيكون وقت سقوط الشمس هو وقت الوجوب، أو قلنا: إن لها وقتًا ممتدًّا إلى غياب الشفق، فيكون وقت سقوط الشمس وقتها المستحب، فدل على أن السرعة لا بأس بها إذا خشي فوات وقت الصلاة.
الدليل الرابع:
أن المكروه إذا دعت إليه حاجة رفعت الكراهة، وأي حاجة أعظم من فضيلة إدراك الجمعة والجماعة، فإن المصلحة في إدراكهما تربو على مصلحة ترك المكروه؛ فالمفسدة في ارتكاب المكروه مغمورة في فضل تحصيل العبادة الواجبة.
• دليل من قال: يسرع لإدراك تكبيرة الإحرام:
الدليل الأول:
(ث-٢٥٢) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي عوانة، عن ليث بن أبي سليم، عن رجل، من طَىْء، عن أبيه،
أن ابن مسعود، خرج إلى المسجد، فجعل يهرول، فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهى عنه؟ قال: إنما بادرت حد الصلاة التكبيرة الأولى (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
فهذا ابن مسعود الذي كان ينهى عن الإسراع لا يرى أن الإسراع لإدراك التكبيرة الأولى داخل في النهي، وهو أعلم بمعنى ما سمعوه من النبي ﷺ .
• ويناقش:
بأن الأثر ضعيف، ولا يخصص بمثله الحديث المتفق عليه في الأمر بالمشي، والنهي عن الإسراع، ولو فرض صحة الأثر، فالموقوف لا يعارض به المرفوع، والله أعلم.
الدليل الثاني:
في حديث أبي قتادة نهى النبي ﷺ عن الإسراع في حق أناس قد سمع جلبتهم،
стр. 40
وهو في الصلاة، وهذا لا يكون إلا بعد فوات تكبيرة الإحرام.
وفي حديث أبي هريرة: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، والغالب على من مشى بعد سماع الإقامة أن تفوته التكبيرة الأولى، خاصة إذا لم يكن قريبًا من المسجد.
فكان النهي في هذين الحديثين متوجهًا في حق من فاتته تكبيرة الإحرام، ويخشى أن تفوته الركعة، لا في حق من طمع في إدراك تكبيرة الإحرام.
وفرق بين هذا الموضع وبين من يطمع في إدراك تكبيرة الافتتاح فقد جاء فضل عظيم فيمن يدرك حد الصلاة، وإدراك الحد: أن يدرك أولها، بأن يدرك الصلاة قبل تكبيرة الإمام؛ ليكون خلف الإمام إذا كبر للافتتاح، وهذا القدر لا ينجبر إذا فات؛ فإذا فاته حد الصلاة، فإنه قد أيس من إدراك الحد فإذا كان هذا المقصود العظيم الذي لا ينجبر فواته يحصل بإسراع يسير لم يكره ذلك بخلاف ما إذا فاتته الركعة فإنه يمكن أن يقضي ما فاته، فيكون داخلًا في عموم النهي عن الإسراع، بل هو المقصود من النهي؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات الركعة؛ لأنه ﷺ قال لأبي بكرة لما أسرع لإدراك الركوع: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ.
وإذا جاز الإسراع لإدراك تكبيرة الافتتاح جاز الإسراع لإدراك الجمعة والجماعة إذا خشي فواتهما.
• ويناقش:
إذا كان السعي إلى الصلاة لا يجب إلا عند سماع الإقامة، فإن إدراك تكبيرة الافتتاح ليس واجبًا على المصلي، بل مندوب، وإذا تزاحم المندوب والمكروه، والأول ملحق بالأوامر، والثاني ملحق بالنواهي كان مراعاة النهي أولى من مراعاة الأمر.
(ح-١٠٤٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١).
• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الركعة:
هذا القول لا أعلم له دليلًا، بل هو مصادم لصريح النص في قوله: (ولا
стр. 41
تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).
إلا أن يكون قد بنى فقهه هذا على القول بأن الإسراع المنهي عنه هو الإسراع الشديد، وأما اليسير الذي لا ينافي السكينة والوقار فليس داخلًا في النهي، فإن كان بنى قوله على ذلك، فليس له أن يشترط في جواز الإسراع اليسير خوف فوات الركعة؛ لأن اليسير إذا لم يكن داخلًا في النهي كان له أن يسرع مطلقًا، ولو لإدراك قراءة الركعة، أو تكبيرة الافتتاح، والله أعلم.
• الراجح:
أن السعي إلى الصلاة يجب عند سماع الإقامة بشرط أن يدرك الصلاة، فإذا كان لا يدرك الصلاة لو سعى عند سماع الإقامة فيجب أن يسعى قبل سماعه الإقامة، فإذا تقرر هذا يكون الأمر بالسكينة والوقار وعدم الإسراع ليس في حق رجل يخشى أن تفوته الجمعة، أو تفوته الجماعة ولا بدل لها، بل كان موجهًا لرجل قُطِع بأنه يدرك بعض الصلاة، ويفوته بعضها، ولهذا قيل له: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، والأمر بالإتمام نص صريح بأنه قد أدرك بعض الصلاة إدراكًا شرعيًّا، فإذا خشي أن تفوته الصلاة فلا بأس بالإسراع إليها، والله أعلم.
* * *
стр. 42
المبحث الخامس في كراهة التشبيك بين الأصابع إذا خرج إلى الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• أحاديث النهي عن تشبيك الأصابع إذا خرج إلى الصلاة لا يصح منهاحديث.
• تشبيك الأصابع فعله النبي ﷺ خارج الصلاة، فدل على أن التشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله.
• قياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة صفة في العبادة، والأصل فيه المنع، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحلُّ.
• القول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر والنواهي، ولو كره التشبيك خارج الصلاة لكره الالتفات والكلام خارجها.
• وضع اليدين في جميع أحوال الصلاة له صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، بخلاف التشبيك خارج الصلاة.
[م-٤٤٢] اختلف العلماء في كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى الصلاة.
فقيل: لا يكره في غير الصلاة، وهو مذهب المالكية، وقال الحلبي من الحنفية: لم أقف عليه لمشايخنا يعني خارج الصلاة (١).
واختار الإمام البخاري عدم الكراهة في صحيحه، فبوب في الصحيح: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ثم ساق ثلاثة أحاديث يفهم منها الجواز مطلقًا.
قال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المساجد، وما به بأس، وإنما
стр. 43
يكره في الصلاة (١).
وقيل: يكره، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة (٢).
واختلف في حكمة النهي عن التشبيك:
فقيل: لكونه من الشيطان كما في حديث أبي سعيد مرفوعًا: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان ... رواه أحمد، وسيأتي تخريجه في الأدلة إن شاء الله تعالى.
وقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو من مَظَانِّ الحدث.
وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر (٣).
وقيل: لأنه من العبث، وقيل: ينافي الخشوع.
وقيل: لأن الساعي إلى الصلاة في حكم المصلي.
وقيل: لأن التشبيك صلاة المغضوب عليهم (٤).
قال الخطابي في معالم السنن: «قد يفعله بعض الناس عبثًا وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجد من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سببًا لانتقاض طهره فقيل لمن تطهر وخرج متوجهًّا إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع
стр. 44
ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة، ولا يشاكل حال المصلي» (١).
• دليل من قال: لا يشبك بين أصابعه:
الدليل الأول:
(ح-١٠٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا داود بن قيس، عن سعد بن إسحاق بن فلان بن كعب بن عجرة، أن أبا ثمامة الحناط، حدثه
أن كعب بن عجرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فلا يشبك بين يديه، فإنه في الصلاة (٢).
[ضعيف، والمعروف أن قوله: فلا يشبك من قول الراوي مدرجًا في الحديث] (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٠٥١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن عمه،
عن مولى لأبي سعيد الخدري، أنه كان مع أبي سعيد وهو مع رسول الله ﷺ ، قال: فدخل النبي ﷺ فرأى رجلا جالسًا وسط المسجد، مشبكًا بين أصابعه، يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي ﷺ ، فلم يفطن، قال: فالتفت إلى أبي سعيد فقال: إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاة، ما دام في المسجد حتى يخرج منه (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 54
قال ابن رشد في البيان والتحصيل بعد أن ذكر هذه الأحاديث: «لم يصح عند مالك ﵀ من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك، ولم يَرَ بما سواه بأسًا» (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديثين، وإن كانا ضعيفين، إلا أن أحدهما شاهد للآخر، فينجبر ضعف أحدهما بالآخر، وفي مجموعهما ما يدل على كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى المسجد.
• ويجاب عن هذا بأجوبة منها:
الجواب الأول: أن تفرد الضعفاء بهذا الحديث علة توجب رده، فلو كان هذا الحكم صحيحًا لما تفرد به ضعيف، أو مجهول، ولقد كان أئمة النقد في الحديث يتوقفون في قبول حديث الثقة والصدوق إذا لم يكن مبرزًا في الحفظ، أو مكثرًا عن
стр. 55
الراوي مُخْتَصًا به، فما ظنك بتفرد الضعفاء والمجاهيل.
يقول ابن رجب: «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يَرْوِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس لذلك ضابط يضبطه» (١).
الجواب الثاني: أن حديث كعب بن عجرة حديث مضطرب، فلو كان راويه ثقة، واضطرب فيه كان الحديث ضعيفًا، أما إذا كان الراوي ضعيفًا، واضطرب فيه فإن هذا يزيده وهنًا، وحديث كعب من هذا الضرب، وقد حصل الاضطراب في سنده، وفي متنه، ففي إسناده تارة يصله، وتارة يرسله، وتارة يجعله من مسند كعب، وتارة من مسند أبي هريرة، وتارة من مراسيل ابن المسيب، أو من مراسيل بعض أبناء كعب.
والاضطراب في متنه تارة يجعل الحديث في النهي عن التشبيك في الصلاة، وتارة يجعل النهي في حق الماشي للصلاة، وثالثةً يجعل النهي في منتظر الصلاة، ومثل هذا اضطراب شديد، كما أن الاعتبار مشروط بألا يعارضه ما هو أصح منه، فلو عارض الحديث الصحيح ما هو أصح منه قدم الأصح على الصحيح، فأولى أن يقدم الصحيح على الحديث المضطرب وحديث المجهول.
الجواب الثالث: أن المعروف في حديث كعب أن النص المرفوع منه في النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة، وأما التشبيك في أثناء السعي للصلاة فهو ما فهمه الصحابي باجتهاده بإعطاء حكم الساعي للصلاة حكم المصلي، ومثل هذا يدخله الاجتهاد، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يكره تشبيك الأصابع:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
стр. 56
الدليل الثاني:
(ح-١٠٥٢) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين،
عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه ... الحديث، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
وجه الاستدلال:
دل حديث أبي هريرة على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز.
• وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا وقع بعد ما ظن فراغه من الصلاة، والنهي عن التشبيك إنما ورد في الصلاة، ومن كان في حكم المصلي كالمنتظر والساعي لها.
الجواب الثاني:
أن هذا خاص بالنبي ﷺ ، لما تقرر في الأصول أن قوله ﷺ مقدم على فعله عند التعارض.
وهذا التوجيه مُعَارَضٌ بأن الأصل التأسي وعدم الخصوصية إلا بدليل.
الجواب الثالث:
أن يكون فعله مبينًا أن النهي ليس للتحريم، وإنما للكراهة.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بريد بن أبي بردة، عن جده أبي بردة،
عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك أصابعه (٢).
стр. 57
الدليل الرابع:
(ح-١٠٥٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو بن حزم،
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك أن يغربل الناس غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله، إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون عامتكم.
حدثناه قتيبة بن سعيد بإسناده ومعناه، إلا أنه قال: وتبقى حثالة من الناس، وتدعون أمر عامتكم (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث والذي قبله ثبت أن النبي ﷺ شبك بين أصابعه، وهو مطلق، فدل على أن التشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله، وقياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة فيه محذوران:
أحدهما: أنه صفة في العبادة، والأصل في العبادات المنع، وجوازه يحتاج إلى دليل، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحل.
الثاني: أن وضع اليدين في الصلاة في جميع أحوالها لها صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، فوضع اليد حال القيام في الصلاة بأن توضع اليد اليمنى على اليسرى، وفي حال الركوع بأن توضع اليد على الركبتين، وقل مثل فذلك في بقية أحوال الصلاة بخلاف التشبيك خارج الصلاة.
والقول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر
стр. 60
والنواهي، فالالتفات مكروه في الصلاة ولا يكره خارج الصلاة، ولو كان في طريقه للمسجد.
• ونوقش هذا:
قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن المنير: «المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل، وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس» (١).
وفي هذا الكلام نظر، فالتشبيك لا يعد عبثًا إلا إذا عُدَّ وضع اليد اليمنى على اليسرى عبثًا، لأن الصورة واحدة، وعلى التسليم فإن التشبيك قد يفعله بقصد التدفئة، وقد يفعله من ينتظر الصلاة في حال الاحتباء في الجلوس.
• الراجح:
أن التشبيك لا يكره في حال الذهاب إلى الصلاة، ولا في حال الانتظار، وسوف نبحث حكم التشبيك في الصلاة في مكروهات الصلاة، بَلَّغَنَا الله ذلك بمنه وعونه وتوفيقه.
* * *
стр. 61
المبحث السادس في استحباب كثرة الخطا في الذهاب للصلاة
الفرع الأول في اختيار المسجد الأبعد طلبَا لكثرة الخطا
المدخل إلى المسألة:
• المشي إن كان إلى العبادة كان وسيلة، وإن كان فيها فهو مقصود كالمشي في الطواف والسعي، وهذا أفضل من الركوب بالاتفاق، وقيل: المشي واجب.
• إقامة الصلاة جماعة في المسجد غاية مقصودة، والمشي والركوب وسيلة إلى ذلك.
• الوسائل نوعان: وسيلة لغيرها، وهي مقصود بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها، كإمرار المُحْرِم الأقرع الموسى على رأسه للتحلل، والمشي إلى الصلاة أشبه بالنوع الثاني؛ لأن المشي وحده ليس قربة.
• الأصل في المشي الإباحة، فإن كان إلى عبادة كان مطلوبًا، وإن كان إلى مباح كان مباحًا، وإن كان إلى حرام كان حرامًا، فليس المشي مقصودًا في نفسه.
• مقاصد التشريع تحقيق المصالح ودفع المفاسد، فإن تبع ذلك مشقة فهي ليست مقصودة؛ وإن أثيب عليها؛ لأن المشقة من أسباب الترخص، لا التكليف.
• التفاوت في الأجر مبني على تفاوت المصالح، لا على تفاوت المشاق.
• ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عظم الأجر، فلا يتقصد الحج ماشيًا، وكذا سائر العبادات، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، فإن قصد المشقة فقد خالف قصد الشارع؛ لأن الشارع لم يقصد بالتكليف المشقة.
• لما كان بعد الدار عن المسجد مظنة لترك الجماعة كانت كتابة الخطا ترغيبًا في تحصيلها، ولا يعني هذا أن بُعْدَ الدار مقصودٌ لذاته من أجل تكثير الخطا.
стр. 62
[م-٤٤٣] اختلف العلماء في قصد المسجد الأبعد
فقيل: لا يقصد في سكناه المكان الأبعد عن المسجد من أجل الخطا، ولا أبعد الطريقين إلى المسجد، ولا طلب المسجد الأبعد إذا كان في الحي مسجد أقرب، فإن وقع ذلك اتفاقًا كتب للمصلي خطواته، وهذا مذهب المالكية، واختيار جماعة من المحققين كالشاطبي والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم (١).
وكره الحسن البصري قصد الأبعد، وسئل أبو عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده، ويصلي في المسجد الجامع للفضل، وكثرة الناس، فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل الجامع في صلاة الجمعة فقط» (٢).
وإذا كان هذا في تطلب أمر مقصود، وهو كثرة الجماعة، فكيف يقال: في فيمن تطلب كثرة الخطا، وهو غير مقصود لذاته، ولا يعد قربة في نفسه.
وقال ابن رجب: واعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل (٣).
وجاء في مرقاة المفاتيح: لا دلالة في الحديث على فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه، كما ذكره ابن حجر، فإنه لا فضيلة للبعد في ذاته، بل في تحمل المشقة المترتبة عليه، ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد، ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة، وإنما رغب في الحديث على كثرة الخطا تسلية لمن بعدت داره» (٤).
وقيل: المسجد الأبعد أفضل من القريب، وصرح به ابن العماد من الحنفية واختاره ابن سيد الناس، قال بعضهم: إلا أن تتعطل الصلاة أو الجماعة بذهابه إلى البعيد (٥).
стр. 63
• دليل من يستحب قصد المسجد الأبعد تكثيرًا للخُطَا:
الدليل الأول:
كثرة الخطا إلى المساجد سبب لزيادة الأجر، قال ابن رجب: دلت الأحاديث على أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجره، وهذا مما تواترت به السنن (١).
وفيه أحاديث كثيرة، وبعضها في الصحيحين، من ذلك:
(ح-١٠٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة،
عن أبي موسى، قال: قال النبي ﷺ : أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى ... الحديث (٢).
(ح-١٠٥٦) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، ... وفيه: وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة (٣).
(ح-١٠٥٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، قال:
سمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ ، فقال: إن لكم بكل خطوة درجة (٤).
ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الوارث، قال: حدثني الجريري، عن أبي نضرة،
عن جابر بن عبد الله قال: خَلَتْ البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة
стр. 64
أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد! قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: يا بني سلمة، دِيَارَكم تكتب آثاركم، دِيَارَكم تكتب آثاركم (١).
فقوله: (دياركم) أي الزموا دياركم، منصوبة على الإغراء.
• وأجيب عن هذه الأحاديث:
قال الشاطبي: لا دليل فيها على قصد نفس المشقة ... ففي البخاري ما يفسره، فإنه زاد فيه: وكره أن تُعْرَى المدينة قبل ذلك، لئلا تَخْلُوَ ناحيتهم من حراستها» (٢).
(ح-١٠٥٨) فقد روى البخاري من طريق الفزاري، عن حميد الطويل،
عن أنس ﵁، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ ، أن تعرى المدينة وقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم، فأقاموا (٣).
وقوله: (تُعْرَى المدينة) قال ابن رجب: والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه قوله تعالى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] (٤).
• ورد هذا الجواب:
بأنه لا يمنع أن تكون هذه علة أخرى في الأمر بإبقائهم في ديارهم، ولا تعارض العلة السابقة، والحكم قد يركب من أكثر من علة.
• ويجاب عن هذا الرد:
هذا القول لا يغني شيئًا؛ لأن الكلام على اعتبار البعد عن المسجد مقصودًا لذاته، فإذا كان تابعًا فلا إشكال، فالقرب من المسجد والبعد عنه بحسب المصالح المتعلقة بذلك، لا يقصد من أجل الخُطَا، فبقاء بني سلمة بعيدًا عن المسجد كان أفضل لما يترتب عليه من مصالح، وقد يتحقق لأحد من الناس من القرب من المسجد مصالح أعظم من فوات كثرة الخطا، كيسر المحافظة على التكبيرة
стр. 65
الأولى، ومحافظة الصغار والشباب على صلاة الجماعة، والتزامهم بحلقات التحفيظ، وكل هذه من المقاصد بخلاف الخطا التي هي من الوسائل، وعلى كل حال لا يقصد البعد إذا تيسر القرب من أجل الخُطَا، فمن وقع بيته بعيدًا عن المسجد، فاحتسب خُطَاه كان له بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ترغيبًا له في تحصيل الجماعة؛ لأن البعد مظنة الترك، فإذا أحب النبي ﷺ بقاء بني سلمة في أماكنهم لئلا تعرى المدينة، كانت آثارهم إلى المسجد مكتوبة تبعًا، لا قصدًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٥٩) ما رواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن أُبَيِّ بن كعب، قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : قد جمع الله لك ذلك كله (١).
وجه الاستدلال:
فهذا الصحابي قد تقصد المشقة، وكان بإمكانه تخفيف ذلك بشراء دابة تحمله، وقد أقره النبي ﷺ .
• ويجاب:
كون الرجل أبعد رجلًا إلى المسجد لا يعني أن بيته بعيد جدًّا، فالمدينة كلها على وقت النبي ﷺ كانت حول المسجد، فالقرب والبعد نسبي، ولهذا كان التكليف بوجوب الجماعة على من سمع النداء، وهو حينئذٍ بلا مكبر، ووجوب السعي إليها بسماع الإقامة، وكان كثير من الصحابة يسمع الإقامة وهو في بيته وإذا كان هذا غالب المصلين لم يكن أبعد رجل منهم في حاجة شديدة إلى الركوب، ولهذا السبب كانت النصوص دائمًا تأتي بالمشي إلى الصلاة، وليس بالركوب إليها، لعلاقة المسافة بين المنادِي والمنادَى، وبين المصلي وموضع صلاته.
стр. 66
كحديث الصحيحين إذا سمعتم الإقامة فامشوا.
وإذا كان لا يشرع التعرض للرمضاء طلبًا للأجر، ولا قصد الظلمة في المشي إذا تيسرت الإضاءة، فكذلك إذا دعت حاجة إلى الركوب وتيسر فإنه لا يترك طلبًا للأجر، ولهذا كان النبي ﷺ يذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا؛ لأن الركوب إلى قباء حاجة، فلو كان المشي مقصودًا لفضله النبي ﷺ على الركوب.
الجواب الثاني:
أن الصحابي ﵁ لم يترك ركوب الحمار طلبًا للأجر، وإنما قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد ... فلو كان عند الصحابي ﵁ دابة، ثم ترك ركوبها طلبًا للمشقة ليعظم الأجر لأمكن الاستدلال فيه على مسألتنا، فالوسائل التي يتوصل بها إلى العبادة لا يقصد المكلف الأشق منها مع إمكان تحصيل المقصود بلا مشقة، وإلا لقيل: يستحب الوضوء بالماء البارد مع وجود الماء الساخن، لفضل إسباغ الوضوء على المكاره، ولقيل: يستحب ترك وسائل التكييف إذا صام؛ ليزداد مشقة بسبب الحر، فيثاب عليها، فالمشقة ليست مصلحة حتى تكون مقصودة.
الجواب الثالث:
تفضيل المشي على الركوب يجعل المشي في نفسه عبادة مقصودة، والمشي في نفسه لا يشرف إلا لكونه يتوصل به إلى مطلوب، والأصل في المشي الإباحة فإن كان المشي إلى عبادة أثيب عليه؛ لا لكونه عبادة في نفسه، وإنما لشرف العبادة نفسها، وإن كان المشي إلى مباح كان مباحًا، أو إلى مكروه كان مكروهًا، وإن كان إلى محرم حرم تبعًا، ولا يتعبد بالمشي وحده؛ لأنه ليس عبادة، وإنما يتوصل به إلى غيره، فيأخذ حكم ما يتوصل به.
ولهذا ورد الثواب بمطلق الذهاب بصرف النظر عن الوسيلة.
(ح-١٠٦٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله
стр. 67
له نزله من الجنة كلما غدا أو راح (١).
وكونه يثاب على المشي لا يجعله عبادة مقصودة.
(ح-١٠٦١) فقد روى البخاري من طريق عبد الله (بن المبارك)، أخبرنا حميد.
عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (٢).
فهل السير للجهاد مقصود لذاته، لكون المجاهد يثاب على سعيه إليه.
الجواب الرابع:
أن إقرار الرسول ﷺ على فعله هذا جاء بعد أن سأله عن الباعث إلى ذلك، كما في المسند، قال له النبي ﷺ : ما أردت بقولك ما يسرني أن منزلي أو داري إلى جنب المسجد؟ قال: أردت أن يكتب إقبالي إذا أقبلت، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال له النبي ﷺ : أعطاك الله ذلك كله.
فإذا كان المباح إذا قصد به قربة تحول إلى قربة وأثيب على نيته، فما ظنك في وسائل الطاعة إذا نوى بها القربة، ولا يعني هذا تفضيل البعد على القرب، ولا كون المشي يتحول إلى عبادة مقصودة في ذاته، فالثواب أوسع من كون الفعل مطلوبًا أم لا.
(ح-١٠٦٢) فقد روى البخاري من حديث عائشة، أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال: أخبروه أن الله يحبه (٣).
فأثيب على هذه النية، وإن كانت فعله من قبيل المباح، لا من قبيل المطلوب؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الصفة، ولم يرغب في فعلها مع كمال محبته لصفة الرحمن.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٦٣) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت
стр. 68
أبا صالح، يقول:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (١).
وفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحَطَّ عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (٢).
(ث-٢٥٣) وروى مالك، عن نعيم بن عبد الله المدني المجمر،
أنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة مادام يعمد إلى الصلاة. وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا (٣).
[صحيح موقوف]
ومثله لا يقال بالرأي؛ لأن الفضائل لا تدرك بالقياس.
• ويجاب بجوابين:
الجواب الأول:
بأن هذا الأجر مقيد بأمرين: أن يخرج من بيته على طهر قد أحسنه، وأكمله، وأن لايخرج إلا إلى الصلاة في المسجد، فلو خرج لحاجة له، وكان المسجد في طريقه فدخل المسجد، فصلى، ولم يكن خروجه لذلك لم يحصل له هذا الأجر الخاص، فلم يكن هذا مرتبًا على مطلق المشي إلى الصلاة (٤).
стр. 69
الجواب الثاني:
ليس الخلاف في أن كثرة الخطا سبب في زيادة الأجر، ولكن البحث في كثرة الخطا، أهي مقصودة للشارع بحيث يتجاوز المسجد الأقرب إلى الأبعد طلبًا في كثرة الخُطَا، ويسلك أبعد الطريقين إلى المسجد، أم المقصود هو الصلاة جماعةً؟ فإن اتفق وكان المكان بعيدًا أُجِرَ على ذلك، ولكن لا يطلب الأبعد مع وجود الأقرب؛ لأن المشي ليس مقصودًا في نفسه، ولا هو قربة في ذاته.
فالمقطوع به من نصوص الشريعة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى أن المشقة ليست مقصودة في التكاليف.
الدليل الرابع:
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].
• ويجاب:
بأن الغاية من الجهاد إعلاء كلمة الله، والنَّصَبُ والمخمصةُ والظمأُ ليس مقصودًا، فإذا وقع ذلك تبعًا أُجِر عليها المجاهد، فليس في الآية ما يدل على أن المشقة مقصودة بالتكليف، ولكن من الطبيعي أن الجهاد لا يتأتى إلا بالمشقة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [البقرة: ١٢٦].
فليس الخير المقصود من فرض القتال هو طلب المشقة.
قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
فإحقاق الحق وقطع دابر الكفر هو المقصود من الجهاد، وليس طلب الشوكة لذاتها.
الدليل الخامس:
(ح-١٠٦٤) ما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أم المؤمنين، ح وعن القاسم،
стр. 70
عن أم المؤمنين، قالت: قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأُصْدِرُ بنسكٍ واحدٍ؟ قال: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأَهِلِّي منه، ثم ألقينا عند كذا وكذا -قال: أظنه قال: غدًا- ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك (١).
ورواه البخاري من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا ابن عون، عن القاسم بن محمد (ح).
وعن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قالا: قالت عائشة ... وذكراه مرسلًا (٢).
وجه الاستدلال:
أن الشارع جعل الأجر على قدر النصب، مما يدل على أن المشقة مقصودة.
• ويجاب بجوابين:
أحدهما: أن المراد به على قدر النصب الذي لا تتأتى العبادة إلا به، وليس معنى هذا أن يتقصد المكلف المشقة ليعظم له الأجر، فالمشقة ليست مقصودة.
الجواب الثاني:
أن قوله: (ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك).
قوله: على قدر نصبك أو نفقتك يحتمل أن (أو) للشك هل قال هذا، أو قال ذاك، ويحتمل أنها التنويع، كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
فإن كانت للشك هل قال الرسول ﷺ : على قدر نصبك أو على قدر نفقتك، فليس الحديث نصًّا لاحتمال أن يكون الراجح فيه أنه قال: أو على قدر نفقتك، والنفقة معتبرة في الأجر.
وقد رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني في السنن، والحاكم في المستدرك من طريق مهران بن أبي عمر، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها في عمرتها: إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك.
إلا أن هذا الإسناد ضعيف، تفرد به مهران بن أبي عمر، وقد تكلم في
стр. 71
روايته، عن الثوري (١).
الدليل السادس:
تفضيل المشي على الركوب، وما ذلك إلا لأن الخطا مقصودة في ذاتها.
من ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب، وقد تقدم إسناده وتمام لفظه، وقد ترك شراء الدابة، وعلل ذلك بقوله، (إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : قد جمع الله لك ذلك كله).
فهذا الصحابي كان مُسْتَقِرًّاعنده أن مشيه إلى المسجد أعظم لأجره من ركوبه إليه وقد أقره النبي ﷺ على ذلك.
(ح-١٠٦٥) ومن ذلك روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني،
عن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام، فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (٢).
[اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها].
(ح-١٠٦٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي قال: من السنة أن تأتي المصلى يوم العيد ماشيًا (٣).
قال الترمذي: هذا حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا.
والحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه.
ولا يمكن الجزم بأن الرسول ﷺ ترك الركوب في الذهاب إلى العيد مع داعي الحاجة إليه، فالمدينة في عهد النبي ﷺ كانت صغيرة، بقدر مساحة مسجده ﵊ في وقتنا الحاضر، حتى لو صاح أحد بأعلى المدينة لسمعه من كان في أقصاها، وقد كان البقيع خارج المدينة ومساكنها والذي هو اليوم أصبح ملاصقًا لساحات المسجد من جهته الشرقية.
وعلى التنزل أن هناك حاجة إلى الركوب وأن النبي ﷺ آثر المشي فلم يتعين أن ذلك من أجل الخطا، فقد يكون لمعنى آخر، لأن ذهاب الناس بدوابهم وسياراتهم إلى مصلياتهم منافٍ للخشوع والتذلل، وله عناء ومؤونة أكثر من الذهاب ماشيًا مع قرب المصلى.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يذهب إلى قباء يوم السبت ليصلي فيه ماشيًا وراكبًا، مما يدل على عدم تفضيل أحدهما على الآخر من أجل الخطا (١).
(ح-١٠٦٧) وقد روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء،
عن جابر، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صَلِّ هاهنا، فسأله، فقال: «صَلِّ
стр. 74
هاهنا»، فسأله، فقال: شأنك (١).
[حسن] (٢).
فلو كان الذهاب إلى الصلاة مقصودًا بالعبادة لوجب الوفاء بالنذر، فلما سقط دل على أن المشي والركوب كلاهما في الفضل سواء، وإن كتب أجر المشي فلأنه أشق، والمشقة إذا عرضت للعبادة كتبت، ولا يقصدها المكلف بالفعل طلبًا للمشقة.
يقول ابن تيمية: «مما ينبغي أن يُعْرَف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحَمْلِها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشقَّ كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا، ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته وفائدته ... إلى أن قال: هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي» (٣).
стр. 75
فاعتبر ابن تيمية أن المشي ليس مقصودًا لذاته حتى يذهب إلى الأبعد مع تيسر الأقرب.
• حجة من قال: لا يقصد الأبعد مع وجود الأقرب لكثرة الخطا:
الدليل الأول:
(ح-١٠٦٨) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ... (١).
فما يقع من المشاق في العبادة سواء أكان في الغايات أم في الوسائل لا يقصدها المكلف من حيث كونها مشقة، بل يقصدها لجلب المصالح في الأوامر، ودفع المفاسد في النواهي، فإن وقعت المشقة عرضًا، أو كانت العبادة لا تتأتى إلا بها أثيب عليها، فإذا تحققت المصلحة بلا مشقة كان ذلك أحب للشارع.
يقول العز بن عبد السلام: «لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب ، وليس عين المشاق تعظيمًا، ولا توقيرًا» (٢).
واستدل الشاطبي بأن الشارع لا يقصد المشقة بالتكليف بأدلة منها:
أحدها: النصوص الدالة على إرادة التخفيف والتيسير،
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولو كان الشارع يقصد المشقة بالتكليف ما كان اليسر والتخفيف من مقاصد الشريعة.
الثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة ضرورة، كرخص القصر، والفطر والجمع، كل ذلك دليل على أن المشقة من أسباب التخفيف، وليست من أسباب التكليف (٣).