← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قال البخاري في تراجمِ صحيحِهِ: باب الجمع بين السورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة. اهـ هذا أقوى الأقوال في المسألة، يليه من قال: لا يداوم على ذلك حتى لا يعتقد بأن ذلك من سنة القراءة المقصودة، والله أعلم. * * *

стр. 1332

المبحث التاسع في قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة المدخل إلى المسألة: * الجمع بين السور محفوظ من فعل النبي ﷺ في صلاة الليل. * إذا جمع المصلي بين السور في صلاة الليل أهو مقصود لذاته، أم من أجل طول القيام؛ فيترتب عليه طول القراءة تبعًا، بحيث لو قرأ سورة طويلة حصل المقصود، الراجح الثاني. * لا فرق بين قراءة سورتين أو مقدارهما من سورة طويلة في صلاة النفل. * قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي ﷺ بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي ﷺ بالنوافل، فكان حكم الجواز هو الأقرب. * لو كان تعدد السور مقصودًا لذاته لجاء في النصوص ما يدل عليه من الأمر به، والتنبيه على فضله بخصوصه، أو المواظبة عليه. * اتفق الفقهاء على استحباب سورة كاملة بعد قراءة الفاتحة، ولم يتفقوا على استحباب سورتين لذاتهما. [م-٥٨٤] اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: يجوز مطلقًا في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة والشافعية، ورواية عن الإمام مالك، واختاره ابن حزم، وترجم له البخاري في صحيحه، فقال: باب الجمع بين السورتين في ركعة (١).

стр. 1333

وقال ابن عبد البر: «ما لم يكن إمامًا يطول على من خلفه» (١). وقال ابن رجب: «أكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان ... » (٢). وقيل: يستحب مطلقًا في الفرض والنفل، نقله البيهقي في مناقب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد (٣). وقيل: يكره مطلقًا في الفرض والنفل، حكي قولًا في مذهب الحنابلة، واستغربه صاحب الإنصاف (٤). وقيل: يكره في الفرض دون النفل، وهو قول في مذهب الحنابلة، ومذهب المالكية، قال المالكية: إلا لمأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورتين أو أكثر إذا طول إمامه (٥).

стр. 1334

قال الدردير: «وكره الاقتصار على بعض السورة على إحدى الروايتين كقراءة سورتين في ركعة في الفرض» (١). وقال في الفواكه الدواني: «وأما المأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورة ثانية إذا طول إمامه» (٢). وقيل: تكره المداومة على ذلك مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد (٣). وهذه الأقوال دائرة بين الاستحباب والجواز والكراهة، ولم يؤثر قول بالتحريم عن أحد من العلماء. * دليل من قال: يجوز قراءة سورتين فأكثر في الركعة الواحدة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فالآية مطلقة، فما تيسر يشمل السورة كما يشمل السورتين، فأكثر. * ويعترض على هذا الدليل: بأن دلالة الأمر تدل على أكثر من الجواز، فالأمر إن لم يدل على الوجوب فلا أَقَلَّ من أن يدل على الاستحباب، فلا يصح الاستدلال بالآية على جواز قراءة السورتين، فإما أن يقال: باستحباب قراءة السورتين، أو يقال: إن الآية ليس فيها دليل على جواز السورتين، فيطلب الاستدلال على الإباحة بغير صيغة الأمر. * ويرد على هذا الاعتراض: بأن الأمر بالقراءة يدل على استحباب القراءة في غير الفاتحة، وهذا متفق

стр. 1335

عليه، والأمر بقراءة ما تيسر، يتوجه الاستحباب إلى ما تحصل به سنة القراءة، وأقله آية وأعلاه سورة كاملة كما كان ذلك غالب قراءة النبي ﷺ في صلاة الفريضة، وما زاد على السورة فهو زائد على مقدار سنة القراءة، فيحمل على الإباحة، خاصة إذا ضُمَّ هذا الدليل إلى بقية الأدلة الأخرى فإنها تدل بمجموعها على أن قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي ﷺ بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي ﷺ بالنوافل، كما أن القيام في الصلاة مقدار منه ركن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وما زاد عليه فهو على الاستحباب، فكذلك القراءة مقدار منه مستحب، وما زاد عليه فهو على الإباحة. الدليل الثاني: (ح-١٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ، عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١). (ح-١٤٩٧) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن

стр. 1336

تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (١). [اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (٢). والحديث المرسل مختلف في الاحتجاج به، فاحتج به الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية. وقال الشافعي: ليس بحجة إلا أن يعتضد بمثله، وهو رواية عن أحمد. وقد اعتضد بحديث عائشة المتفق عليه، فصار حجة على سائر الأقوال. وجه الاستدلال: الحديثان يحكيان واقعتين مختلفتين، إحداهما وقعت في الحضر، والأخرى وقعت في السفر، فحديث عائشة المتفق عليه يحتمل أنه كان يختم بسورة الإخلاص في كل ركعة كما في حديث أنس. ويحتمل أنه كان يختم بها القراءة في آخر ركعة يقرأ فيها. وعلى التأويل الأول يكون الحديث دليلًا على جواز قراءة السورتين في الركعتين، وعلى التأويل الثاني يكون الحديث دليلًا على جواز قراءة السورتين في ركعة واحدة، وعلى أي الاحتمالين، فالحديث دليل على جواز قراءة سورتين في ركعة واحدة، سواء أكان ذلك يتكرر في الركعة الثانية، أم كان ذلك يقع في إحداهما. وظاهر الحديث أن ذلك وقع في صلاة الفرض، والنفل مثله. ودلالة الحديث على الجواز ظاهرة، فإن النبي ﷺ أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك، ولم يأمر الأمة بفعله. يقول ابن رجب: «دَلَّ حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فإن النبي ﷺ لم يَنْهَهُ عن ذلك. ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي ﷺ : (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)، فدل على أن موافقتهم

стр. 1337

فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة» (١). الدليل الثالث: (ح-١٤٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس. ويزيد، قال أخبرنا أبو عبد الرحمن المقرئ: عن كهمس، قال: سمعت عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: أكان نبي الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. قال: قلت: أكان يصلي جالسًا؟ قالت: بعدما حطمه الناس. قال: قلت: أكان يقرأ السُّوَر؟ فقالت: المفصل. قال: قلت: أكان يصوم شهرًا كله؟ قالت: ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أعلمه أفطر شهرًا كله حتى يصيب منه، حتى مضى لوجهه. قال يزيد: يقرن، وكذلك قال أبو عبد الرحمن (٢). ورواه أحمد وابن أبي شيبة وابن خزيمة عن وكيع، حدثنا كهمس به، بلفظ: هل كان رسول الله ﷺ يجمع بين السُّوَر في ركعة؟ قالت: المفصل (٣). [صحيح] (٤).

стр. 1338

وجه الاستدلال: قوله: (أكان يقرأ السور، فقالت: المفصل) وظاهر الحديث مطلق، فيشمل الفرض والنفل. * ويعترض عليه: بأن الحديث يدل على الاستحباب؛ وليس على الإباحة؛ لأن أفعال النبي ﷺ التعبدية محمولة على الاستحباب إلا أن تكون بيانًا لمجمل واجب.

стр. 1339

* وأجيب: بأن المقصود هو طول القراءة؛ لطول القيام، سواء أحصل ذلك بسورة طويلة، أم حصل ذلك بأكثر من سورة، فليس ظاهرًا أنه كان يتقصد تعدد السور لذاتها. الدليل الرابع: (ث-٣٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة، بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة (١). [صحيح]. وجه الاستدلال: بأن فعل ابن عمر ﵄ يشعر بالجواز، وليس بالسنية؛ لأن قراءة أكثر من سورة في القيام لو كانت سنة متبعة لم يكن هناك فرق بين الصلاة وحده، وبين الصلاة بالناس، ولم أفهم من فعل ابن عمر إلا ما دل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا في الصحيحين: (إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف ... وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) (٢). * دليل من قال: الجمع بين السور سنة مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فالآية أمرت بقراءة ما تيسير، وما تيسر يشمل السورة كما يشمل السورتين، فأكثر، وأدنى ما يفيده الأمر دلالته على المشروعية، لا على مطلق الجواز.

стр. 1340

الدليل الثاني: (ح-١٤٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (١). دل الحديث على استحباب جمع السورتين في ركعة واحدة، وهوما يدل عليه لفظ (كان) الدال على الاستمرار، وظاهر الحديث مطلق لم يتقيد بفرض أو نفل. * وأجيب: بأن العلماء حملوا ذلك على صلاة الليل، خاصة أن الرجل قال: قرأت المفصل كله الليلة في ركعة، فهو يخبر عن قراءته في صلاة الليل، فاعترض عليه ابن مسعود بأن النبي ﷺ كان يجمع سورتين في ركعة: أي في صلاته بالليل، لتكون المخالفة ظاهرة، فلو كان الرجل فعل ذلك في صلاة الليل، وكان الرسول ﷺ فعل ذلك في صلاة الفرض، لم تظهر المخالفة؛ لأن القيام في صلاة الليل أطول من القيام في الفرض، وقد أذن الشارع للرجل إذا صلى وحده أن يطيل ما شاء، وإذا صلى بالناس أن يخفف. قال ابن بطال: «ذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة، فدل هذا أن حزبه بالليل عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة» (٢). وقال ابن رجب: «الظاهر أن حديث ابن مسعود إنما هو في صلاة الليل» (٣). * ورُدَّ هذا الجواب: على التسليم بأنه محمول على صلاة الليل، فإن استحبابه في النفل دليل على استحبابه في الفرض إلا بدليل، ولا يلزم من قراءة سورتين في الفرض المشقة على الناس؛ لأن الإمام قد يختار القراءة من قصار المفصل، فتحصل سنة التخفيف مع

стр. 1341

سنة القراءة بأكثر من سورة. * ويجاب عن هذا: لا نسلم بأنه مستحب في النفل، بل وقوعه فيه دليل الجواز؛ لا دليل الاستحباب؛ لأن المقصود هو طول القراءة في صلاة النفل؛ لِطُولِ القيام، سواء أحصل ذلك بسورة طويلة، أم حصل ذلك بأكثر من سورة، فليس ظاهرًا أنه كان يتقصد تعدد السور لذاتها، فلو كان تعدد السور مقصودًا لذاته لجاء في النصوص ما يدل عليه من الأمر به، والتنبيه على فضله بخصوصه، أو المواظبة عليه، فالفقهاء اتفقوا على استحباب تقصد سورة كاملة؛ لكونه غالب فعل النبي ﷺ في صلاته، ولم يتكلموا على استحباب تقصد السورتين لذاتهما. الدليل الثالث: (ح-١٥٠٠) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال الرسول الله ﷺ : أفضل الصلاة طول القنوت (١). ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر (٢). (ث-١٧٣) وروى ابن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، فكان إذا سئل عن القنوت، قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن (٣). [صحيح]. وقال جماعة من المفسرين: أصل القنوت القيام، ومنه القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائمًا (٤).

стр. 1342

وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن القنوت في حديث جابر طول القيام، قال في الاستذكار: لا خلاف نعلمه عند أحد في ذلك» (١). وجه الاستدلال: إذا كان أفضل الصلاة طول القيام، وكان طول القيام يستلزم طول القراءة، وكان واقع كثير من الناس لا يحفظ السور الطوال، فلا قدرة له على إطالة القيام إلا بتكرار السور القصيرة، فالقول بالكراهة سوف يحرمه هذا الفضل. * وأجيب: إذا قلنا: المطلوب طول القيام، فإن ذلك يحصل بقراءة سورة طويلة، فلا يكون الاستحباب متوجهًا للعدد، وإنما لمقدار القراءة، نعم إذا كان لا يحفظ من السور الطوال، فهنا يتوجه القول باستحباب القراءة بسورتين لا لذاتهما، وإنما لتحصيل طول القيام. الدليل الرابع: (ث-٣٧٢) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال: صليت خلف عمر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (٢). [صحيح] (٣).

стр. 1343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1344

* دليل من قال: تجوز في النفل، وتكره في الفرض: الدليل الأول: (ح-١٥٠١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،

стр. 1345

عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (١). وهذا الدليل يدل على الاستحباب، وليس على مطلق الجواز؛ لأن أفعال النبي ﷺ التعبدية محمولة على الاستحباب إلا أن يقال: إن المقصود من هذا الفعل ليس تكرار السور، وإنما المستحب طول القيام، فكانت القراءة تبعًا له. ولأن هذا الفعل ليس هو الغالب على فعل النبي ﷺ ؛ فقد نقل ابن مسعود في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يقرن بين النظائر: من المفصل عشرين سورة، كل سورتين في ركعة، على ترتيب ابن مسعود ﵁ (٢)، وحديث حذيفة قرأ ما يزيد على مقدار المفصل كله في ركعة واحدة. وقد يقال: ما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، ولم يَأْتِ دليل يخص هذا الفعل بالنفل، أو ينهى عن فعله في الفرض، والأصل أنهما عبادتان من جنس واحد، ولا يلزم من جمع السورتين إطالة القيام في الفرض، والأصل فيها التخفيف، فقد يجمع السور من قصار المفصل، المهم أن يراعي في الصلاة مقدار القيام المشروع فيها، سواء أقرأ فيه سورة أم قرأ فيه أكثر من ذلك. الدليل الثاني: (ح-١٥٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (٣). والظاهر أن هذا كان في صلاة الليل.

стр. 1346

* دليل من قال: يكره الجمع بين السور في ركعة واحدة: الدليل الأول: أن المنقول عن النبي ﷺ قراءة سورة واحدة في الركعة في الفرض وفي السنن الرواتب، وما وقع من النبي ﷺ في قراءة سورتين فهو محمول على بيان الجواز، وليس لبيان الأفضل، وعليه فيكره الجمع بين السور. الدليل الثاني: (ح-١٥٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، وعبدة، قالا: حدثنا عاصم، عن أبي العالية، قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: أعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود. [صحيح]. * دليل من قال: تكره المداومة على الجمع بين السور: غالب فعل النبي ﷺ في صلاته قراءة سورة كاملة، خاصة في الفرض، وفي النوافل المعينة، كالسنن الرواتب، والسنة فيما فعله أحيانًا وتركه أحيانًا ملازمة هديه، فالمداومة على الجمع بين سورتين مخالف لفعل النبي ﷺ ، فيكون مكروهًا. * الراجح: أرى أن أقوى الأقوال القول بجواز الجمع بين السورتين مطلقًا خاصة إذا صلى الإنسان وحده، أو صلى في جماعة ولم يترتب على الجمع بين السورتين مشقة على الجماعة بطول القيام؛ لأن صلاة الجماعة الأصل فيها التخفيف، ويستحب الجمع بين السور أحيانًا في صلاة الليل؛ خاصة إذا توقف عليها طول القيام؛ لأنه مشروع في صلاة الليل، والله أعلم. * * *

стр. 1347

المبحث العاشر في تكرار السورة الواحدة في ركعتين المدخل إلى المسألة: * لم يصح أن النبي ﷺ قرأ في صلاته سورة واحدة في الركعتين. * قراءة الصلاة قراءة واحدة، ولهذا يتعوذ في أول القراءة، ولا يتعوذ في سائر الركعات على الصحيح، وإذا كانت قراءة واحدة فلا حاجة إلى تكرار السورة مرتين إلا لمن لا يعرف غيرها. * لا أعلم أحدًا قال باستحباب تكرار السورة الواحدة في الركعتين. * عموم الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن لا يمنع من جواز تكرار السورة. * أَقَرَّ النبي ﷺ الرجل الذي كان يختم قراءته بقل هو الله أحد، وهو من الإقرار الجائز، وليس المستحب، فالنبي ﷺ أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك ولو مرة واحدة، ولم يأمر الأمة بفعله. * إنكار الصحابة ع لى الرجل تكراره سورة الإخلاص في كل ركعة يدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لمخالفته لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ وقد أقرهم النبي ﷺ على هذا الإنكار. [م-٥٨٥] اختلف العلماء في تكرار سورة في ركعتين عدا الفاتحة: فقيل: يكره في الفرض إن كان يحفظ غيرها دون النفل، فإن كان لا يحفظ غيرها وجب تكرارها؛ لوجوب ضم سورة للفاتحة، وهو مذهب الحنفية (١). قال في نور الإيضاح: «ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين من النفل» (٢).

стр. 1348

وقيل: يكره مطلقًا، وإن سقطت به سنة القراءة، هو مذهب المالكية (١). وقيل: يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وهو قول في مذهب المالكية (٢). وقيل: يجوز بلا كراهة، وبه قال الشافعية والحنابلة (٣). قال الرملي في نهاية المحتاج: «لو كرر سورة في الركعتين حصل أصل سنة القراءة» (٤). * دليل من قال: يجوز مطلقًا بلا كراهة: الدليل الأول: (ح-١٥٠٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب: أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني؛ أن رجلًا من جهينة أخبره؛ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أَنَسِيَ رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمدًا؟ (٥). [انفرد به معاذ بن عبد الله، واختلف عليه في وصله وإرساله] (٦).

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1351

ونوقش هذا الحديث: بأن الراوي قال: لا أدري أنسيَ رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمدًا؛ لأنه لم يعهد من النبي ﷺ في صلاته أنه كان يفعل ذلك. * وأجيب: قال الشوكاني: «إذا دار الأمر بين أن يكون مشروعًا أو غيرَ مشروع؛ فَحَملُ فعلِه ﷺ على المشروعية أولى؛ لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان على خلاف الأصل» (١). الدليل الثاني: (ح-١٥٠٥) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ،

стр. 1352

عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١). فقوله: (يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ أكان يقصد يختم قراءته فلا دليل فيه على تكرار السورة، أم كان يقصد بأنه يختم قراءة كل ركعة؟ فيكون فيه دليل على جواز تكرار السورة في كل ركعة، ويدل على الاحتمال الثاني: (ح-١٥٠٦) ما رواه البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (٢). [اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (٣). وظاهر الحديث أن ذلك كان يقع في صلاة الفرض؛ لمشروعية الجماعة في الصلاة، وما صح في الفرض صح في النفل إلا بدليل. ودلالة الحديث على الجواز ظاهرة، فإن النبي ﷺ أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك، ولم يأمر الأمة بفعله، وإنكار الصحابة يدل على أنه

стр. 1353

ليس هو الأفضل؛ لمخالفته لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ وقد أقرهم النبي ﷺ على هذا الإنكار، لهذا قال له النبي ﷺ : (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)، ولم يجوِّز الفعل حتى علم بالباعث عليه (١). ولو كان مكروهًا لما أقرَّه النبي ﷺ على فعله، خاصة أنه كان بإمكانه الإكثار من قراءة السورة خارج الصلاة. * دليل من قال: يكره تكرار السورة في كل ركعة: الدليل الأول: أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، ولهذا يتعوذ في أول القراءة، ولا يتعوذ في سائر الركعات، وإذا كانت واحدة، فلا حاجة لتكرار السورة وهو يحفظ غيرها. الدليل الثاني: أنه لم يصح أن النبي ﷺ قرأ في صلاته سورة واحدة في الركعتين، وما تركه النبي ﷺ فتركه سنة كالفعل، فيكون تكرار السورة خلاف السنة المعهودة، وما خالف السنة فهو مكروه. * ويناقش: بأن هذا القول يصح دليلًا على من قال باستحبابه، ولا أعلم أحدًا قال باستحباب تكرار السورة، أما الرد به على من قال بالجواز فليس بالقوي؛ لأن عموم الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن لا يمنع من جواز تكرار السورة. * دليل من قال: يكره في الفرض دون النفل: الدليل الأول: (ح-١٥٠٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم الناجي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ردد آية حتى أصبح (٢).

стр. 1354

[المحفوظ أنه مرسل] (١). الدليل الثاني: (ح-١٥٠٨) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر، قال: صلى رسول الله ﷺ ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فلما أصبح، قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا (٢). [ضعيف] (٣). وجه الاستدلال: إذا جاز تكرار الآية، جاز تكرار السورة؛ حيث لا فرق بين الآية، والآيات. * ونوقش: بأن الحديث لا يصح، ولو صح لكان الدليل يدل على الاستحباب، وليس على مطلق الجواز، ولا قائل به. الدليل الثالث: أن النفل في أحكامه أوسع من الفرض. * الراجح: القول بالجواز؛ فإن قيل: كيف تكون العبادة مباحة، وهي مطلوب فعلها إمَّا وجوبًا وإما استحبابًا؟. فالجواب: أن بعض العبادات قد تحكم عليه بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا يكون مندوبًا؛ لكون النبي ﷺ لم يعمله، ولم يأمر بفعله، كما في إقرار النبي ﷺ

стр. 1355

الرجل على تكرار سورة الإخلاص، وإنما سأله النبي ﷺ على الباعث، فلما علم مشروعية الباعث أقره على الفعل، وأما القول بكراهة تكرار السورة فلا دليل عليه، والله أعلم. * * *

стр. 1356

الفصل الثالث في مقدار القراءة في الصلوات الخمس المبحث الأول في تقسيم سور القرآن إلى طوال ومئين ومثان ومفصل المدخل إلى المسألة: * تقسم سور القرآن إلى طِوَال ومِئِيْن ومثانٍ ومُفَصَّل، وتقسيم الأخير إلى طوال وأوساط وقصار مأثور عن الصحابة ﵃. * لم يختلف العلماء في السور الست: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف أنها من الطوال، واختلفوا في السابعة أهي الأنفال وبراءة، أم هي يونس؟ * المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، ويقع بعد المثاني، واختلفوا في أوله. * اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان؛ راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي. * لا أعلم في صلاة الفريضة تفضيلًا من قول الرسول ﷺ لسورة معينة بذاتها فيما يقرأ زائدًا على الفاتحة إلا ما كان في صلاة الجمعة وفي صلاة صبيحتها، ويمكن اعتباره من خصائص يوم الجمعة. [م-٥٨٦] قسم العلماء سور القرآن إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الطوال. وهي سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف،

стр. 1357

واختلفوا في السابعة: فقيل: الأنفال وبراءة؛ لعدم الفصل بينهما بالبسملة. وقيل: يونس. القسم الثاني: المئون: وهي ما ولي الطوال، وهي ما تزيد آياتها عن مائة أو تقاربها. القسم الثالث: المثاني: وهي ما ولي المئين، وسميت مثاني؛ لأنها تثنى في القراءة وتكرر أكثر من الطوال والمئين (١). وقد يطلق المثاني على القرآن كله، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. (ح-١٥٠٩) وأطلقت المثاني على الفاتحة، روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم (٢). القسم الرابع: المفصل: وهو ما ولي المثاني من قصار السور، وهو ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط وقصار. * والدليل على هذا التقسيم: (ث-٣٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة، حدثني يزيد الفارسي، حدثنا ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟ ... الحديث (٣).

стр. 1358

[اختلف في يزيد، أهو ابن هرمز الثقة فيكون صحيحًا أم هو غيره فيكون حسنًا] (١).

стр. 1359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1360

(ح-١٥١٠) وروى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (١). فاشتمل أثر عثمان على مصطلح الطوال، والمئين، والمثاني. واشتمل أثر ابن مسعود على ذكر إثبات مصطلح المفصل، فهذه أقسام أربعة. (ث-٤٧٣) وروى البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، ... وفيه قالت عائشة: ... نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... الحديث (٢). فأشارت عائشة إلى أن المفصل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثره في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام، وهو يثبت شيوع هذا المصطلح بين الصحابة ﵃.

стр. 1361

* وأما الدليل على تفاوت سور المفصل: (ث-٣٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (١). [حسن] (٢).

стр. 1362

وشبه الشيء لا يستلزم المساواة من كل وجه، وقد يكون الشبه في مقدار القيام، لا في تعيين السور. (ح-١٥١١) وروى أبو داود من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: ما من المفصَّل سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة (١). [حسن] (٢). يقصد سورة قصيرة ولا طويلة من المفصل. فإذا تبين أن هذه التقاسيم كانت شائعة لدى الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك حزب المفصل، فلقد اختلفوا في سبب تسميته: فقيل: سمي بالمفصل، لكثرة الفواصل التي بين السور بالبسملة. وقيل: لقلة المنسوخ فيه، ولهذا سمي المحكم (٣).

стр. 1363

(ث-٣٧٦) فقد روى البخاري من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم (١). * * *

стр. 1364

المبحث الثاني في تحديد بداية المفصل المدخل إلى المسألة: * كثرة الاختلافات في تحديد أول المفصل دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد. * المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، وأن آل حم ليست من المفصل. * أقرب الأقوال في تحديد طوال المفصل وأوساطه وقصاره مذهب الشافعية القائل بأن المسألة تقريب، وليست تحديدًا. * اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي. [م-٥٨٧] اتفق العلماء على أن منتهى المفصل هو آخر القرآن. واختلفوا في أوله على أقوال كثيرة أوصلها الزركشي والسيوطي إلى اثني عشر قولًا في كتابي البرهان والإتقان، وأكثرها أقوال ضعيفة، وأشدها ضعفًا من قال: المراد به القرآن كله؛ لأنه كتاب فصلت آياته (١). وكثرة الاختلافات دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد، والمتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، ويقع بعد المثاني، وربما اختلف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان لاختلاف ترتيب السور، والذي هو اجتهادي من قبل الصحابة رضوان الله

стр. 1365

عليهم، وأن آل حم ليست من المفصل. (ث-٣٧٧) لما رواه البخاري، ومسلم عن النظائر التي كان يقرن بينها الرسول ﷺ من رواية واصل الأحدب، عن أبي وائل: ثماني عشرة من المفصل، وسورتين من آل حم (١). وأشهر الأقوال في أول المفصل كالتالي: قيل: أوله من سورة الحجرات، وهو مذهب الحنفية، والمرتضى في مذهب المالكية، وصححه النووي من الشافعية، وقال به ابن عقيل من الحنابلة (٢). قال ابن نجيم: «والذي عليه أصحابنا أنه من الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ طوال، ومنها إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أوساط، ومنها إلى آخر القرآن قصار، وبه صرح في النقاية» (٣). وقيل: أوله من سورة ق، حكي قولًا عند الحنفية، وصححه ابن رشد الجد، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وقال الماوردي في تفسيره: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة، وصححه الشوكاني (٤).

стр. 1366

قال المرداوي في الإنصاف: «وأول المفصل: من سورة ﴿ق﴾ على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور قدمه في الفروع وغيره، وصححه الزركشي وغيره» (١). وقال ابن كثير في تفسيره: «وهذه السورة -يعني سورة ﴿ق﴾ -هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، وأما ما يقوله العامة: إنه من ﴿عَمَّ﴾ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم» (٢). وقيل: أوله من سورة الرحمن، وهو منسوب لابن مسعود ﵁ (٣). قال الزركشي في البرهان: «حكاه ابن السيد في أماليه على الموطأ، وقال: إنه كذلك في مصحف ابن مسعود، قلت: رواه أحمد في مسنده كذلك» (٤). ولعل هذا على ترتيب مصحف ابن مسعود، وأما على ترتيب مصحف عثمان ﵁ فيكون أوله سورة ﴿ق﴾ كما أفاده الزركشي في البرهان (٥). وقيل: أوله من سورة القتال (سورة محمد ﷺ )، وبه قال بعض السلف، قال الماوردي: وهو قول الأكثرين (٦). وقيل: أوله من سورة الضحى، ونسبه الماوردي لابن عباس، وقال: كان يفصل في الضحى بين كل سورتين بالتكبير (٧).

стр. 1367

والذي يمكن أن يستدل له من هذه الأقوال قولان: * أما دليل من قال: المفصل يبدأ من سورة ﴿ق﴾، فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: (ح-١٥١٢) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا .... فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: طرأ عليَّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: التصريح بأن حزب المفصل من سورة ﴿ق﴾ كما دل الحديث على أن المفصل يبتدئ من السورة التاسعة والأربعين ابتداء من سورة البقرة، وهذا هو رقم سورة ﴿ق﴾. الدليل الثاني: (ث-٨٧٣) روى البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، ... وفيه قالت عائشة: ... نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... الحديث (٣).

стр. 1368

فأشارت عائشة إلى أن المفصل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثره في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام. قال ابن رشد الجد: «والصحيح قول من قال إنه من سورة ﴿ق﴾؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصل مكي» (١). (ث-٣٧٩) وقد روى سعيد بن منصور في سننه، قال: أخبرنا حديج بن معاوية، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن حبيب، عن ابن مسعود قال: أنزل المفصل بمكة، فمكثنا حججًا نقرؤه، لا ينزل غيره (٢). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 1369

قال الطحاوي: «ففي هذا الحديث ما قد دل على أن سورة الحجرات ليست منه، وأنها مدنية ... » (١). ثم ذكر الحجج على مدنيتها. والقول بأن المفصل كله مكي لا يطابق الواقع، فالمجادلة والحشر، والمنافقون، والتحريم، والطلاق، وغيرها كلها في أحكام الحلال والحرام، وهي مدنية، ولا يختلف أحد أنها من المفصل. * واستدل من قال: أول المفصل من الرحمن: (ح-١٥١٣) بما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا: أتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أَهَذًّا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل، لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة»، قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵀ (٢). ورواه الفريابي من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل به بنحوه، وفيه: ... ولكن

стр. 1370

رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر في كل ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة (١). [الحديث في الصحيحين دون تسمية النظائر] (٢). فبدأ بسورة الرحمن، وذلك بحسب ترتيب مصحف ابن مسعود ﵁. * * *
следующие страницы →