المبحث الخامس في قراءة السورة قبل الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
* عمل الرسول ﷺ في صلاته وعمل المسلمين: هو تقديم أم القرآن في قراءة الصلاة على غيرها من القرآن.
* إذا قرأ قبل الفاتحة حصلت له سنة القراءة، لأن القراءة محلها القيام، وفاته سنة الترتيب بينها وبين الفاتحة.
* لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.
* إذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة لا يعتبر هو ومن لم يقرأ سواءً.
[م-٥٧٨] اختلف العلماء في قراءة السورة قبل الفاتحة، هل تحصل بها السنة:
فقيل: يجب تقديم الفاتحة على السورة، حتى لو قرأ حرفًا من السورة قبل الفاتحة ساهيًا، ثم تذكر، فإنه يقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويلزمه سجود السهو، وهذا مذهب الحنفية (١).
قال ابن الهمام: «ولو بدأ بحرف من السورة قبل الفاتحة فذكر، فقرأ الفاتحة يسجد للسهو للتأخير» (٢).
وقال الجمهور: لو قدمها لم تحسب، ويستحب له أن يعيد السورة (٣).
стр. 1297
وجاء في تعليقة القاضي حسين: «لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب، وقال الشافعي نصًّا، أَسْتَحِبُّ له أن يعيد السورة بعد الفاتحة» (١).
وقيل: يكره، وقراءته صحيحة، اختاره ابن حزم (٢).
* دليل الحنفية على وجوب تقديم الفاتحة:
قال ابن نجيم: يجب تقديم الفاتحة على السورة؛ لثبوت المواظبة منه ﷺ (٣).
يعني: وقد قال ﷺ : كما في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي). رواه البخاري، وسبق تخريجه.
ومذهب الحنفية قائم على مسألتين:
إحداهما: وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة.
الثانية: وجوب الترتيب بينها وبين الفاتحة.
ومنزعهم في المسألتين ضعيف،
أما منزعهم في وجوب ما زاد على الفاتحة: فقد أفردت لهذه المسألة مبحثًا مستقلًّا، وبينت أنه قول مرجوح، وأن حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، مفهومه: أن من قرأ فاتحة الكتاب فله صلاة. يعني فيما يتعلق بالقراءة، إلا أن الحنفية لا يرون المفهوم حجة مطلقًا، وهي مسألة خالفوا فيه الجمهور، وأدلة المسألة يراجع فيها أصول الفقه.
وأما منزعهم في وجوب الترتيب: فهو المواظبة على هذا الترتيب من فعله ﷺ ، حيث لم يحفظ أنه خالف في ذلك ولو مرة واحدة ليبين الجواز.
والمواظبة بمجردها لا تكفي حجة للقول بالوجوب، فهناك عبادات كثيرة واظب عليها النبي ﷺ ، ولم يذهب الحنفية إلى القول بوجوبها، من ذلك الوضوء، وسنة الفجر، وغيرهما، فالفعل المجرد يدل على الاستحباب، والمواظبة قد تجعل منها سنة مؤكدة، لكن لا يمكن القول بالوجوب لمجرد المواظبة، حتى يلحق
стр. 1298
المصلي الإثم إذا تعمد الإخلال بها، والله أعلم.
* دليل الجمهور على استحباب إعادة السورة بعد الفاتحة:
أن القراءة بعد الفاتحة سنة في الصلاة في مَحَلِّها، ومحلُّها بعد الفاتحة، لا قبلها، فإذا جاء بالسنة في غير محلها لم تحسب، وكأنه لم يفعل شيئًا، كما لو قرأ التشهد في القيام، واستحب له الإعادة، ولم تجب؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة ليس بواجب أصلًا، ولا يوجب ذلك سجود سهو؛ لأن القيام محل للقراءة في الجملة.
* دليل ابن حزم على كراهة تقديم السورة مع صحة الصلاة:
قال ابن حزم: «عمل المسلمين وعمل رسول الله ﷺ : هو تقديم أم القرآن، فكرهنا خلاف هذا، ولم نبطل الصلاة به؛ لأنه لم يَأْتِ عنه نهي، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. [المزمل: ٢٠]، والعجب ممن يشنع هذا، ويجيز تنكيس الوضوء، وتنكيس الطواف، وتنكيس الأذان» (١).
* الراجح:
أما القول بوجوب الترتيب بين الفاتحة والسورة فهو ظاهر الضعف.
وأما القول باستحباب الترتيب بينهما فهو ظاهر، ويبقى الخلاف في مسألتين:
في استحباب إعادة القراءة. وفي كراهة تقديم السورة على الفاتحة.
فأما الأولى: فإذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة أيعتبر هو ومن لم يقرأ سواء، أم يقال: إن القراءة محلها القيام، وهذا سنة، وكونها بعد الفاتحة سنة أخرى، فإخلاله بالمحل لا يعود بالإخلال على القراءة، فاعتباره كأنه لم يقرأ فيه ضعف، وعليه فاستحباب الإعادة قد يحتاج إلى دليل.
وقد يقال: إن السنة الأخرى وهو كونها بعد الفاتحة لم يفت محلها، والقيام كله محلٌّ للقراءة، فإذا قرأ قبل الفاتحة فقراءته صحيحة، فإذا فرغ من الفاتحة استحب له القراءة أيضًا لأن هذا محل للقراءة أيضًا فيستحب له القراءة، لا سيما إذا قرأ غير الآيات التي قرأها حتى لا يقال: أعادها، فالتوجيه هذا قول أقوى من القول
стр. 1299
باستحباب الإعادة للآيات التي قرئت، والله أعلم.
هذا فيما يتعلق باستحباب إعادة القراءة، وأما القول بكراهة تقديم السورة على الفاتحة، فيقال: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما لم يرد نهي من الشارع عن تقديم السورة على الفاتحة لا يمكن المصير إلى القول بالكراهة، لكن بعض الأصوليين يرون من قسم المكروه ترك السنن المؤكدة، ويعبرون عنه بخلاف الأولى، فهل الترتيب بينهما من السنن المؤكدة لمواظبة النبي ﷺ على هذا الترتيب، ومراعاة لخلاف الحنفية حيث يقولون بوجوب الترتيب، فيه تأمل.
وعلى كل حال فالقول بأنه خلاف الأولى أخف من القول بالكراهة، لأن هذا يلزم منه أن الشارع نهى عنه لا على سبيل الإلزام. وهو لم يحفظ في النصوص، والله أعلم.
* * *
стр. 1300
المبحث السادس
في إطالة الركعة الأولى عن الثانية
المدخل إلى المسألة:
* أكثر الأحاديث التي ورد فيها التنصيص على السور تدل على تفضيل الأولى على الثانية، كقراءة السجدة مع الإنسان، وقراءة سورة ق مع القمر، وقراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر.
* في المسألة حديثان: حديث أبي قتادة ودلالته صريحة على تطويل الأولى على الثانية، وجاء بلفظ (كان ... ) الدال على الاستمرار غالبًا، وحديث أبي سعيد ظاهره يقضي تسوية الركعة الثانية على الأولى عن طريق التخمين والحرز.
* لا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح من حديث أبي سعيد أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما.
* حديث أبي قتادة يدل على غالب فعل النبي ﷺ وحديث أبي سعيد يدل على أنه ربما سوَّى بين الركعتين أحيانًا.
[م-٥٧٩] ما ورد فيه نص بتفضيل الأولى على الثانية، كما في قراءة السجدة مع الإنسان في صلاة الفجر من يوم الجمعة (١)، أو قراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر (٢).
أو ورد فيه بتفضيل الثانية على الأولى كما في قراءة سورة الأعلى مع الغاشية في صلاة الجمعة والعيدين (٣).
стр. 1301
أو ورد فيه بالتساوي كما في قراءة سورة الجمعة مع المنافقون (١).
أو كانت المصلحة في إطالة الثانية على الأولى كما في صلاة الخوف من أجل انتظار الجماعة الثانية، فهذا ليس محلًّا للخلاف بين الفقهاء.
وإنما الخلاف فيما لم يرد فيه نص أيستحب تفضيل الأولى على الثانية أم تسوية الأوليين؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: يستحب إطالة الركعة الأولى على الثانية في صلاة الفجر في حق الإمام، وهذا مذهب الحنفية (٢).
قال في البدائع «ويستحب للإمام أن يفضل الركعة الأولى في القراءة على الثانية في الفجر بالإجماع» (٣).
ويقصد بالإجماع: اتفاق أئمة الحنفية.
وقال ابن عابدين: «وقد علم من التقييد بالإمام، ومن التعليل: أن المنفرد يسوِّي بين الركعتين في الجميع اتفاقًا شرح المنية» (٤).
وقيل: يستحب إطالة الأولى على الثانية في الفرض، وهو مذهب المالكية (٥).
وقيل: يستحب إطالة الأولى على غيرها في جميع الصلوات.
وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية وصححه النووي، والمذهب عند
стр. 1302
الحنابلة، وبه قال محمد بن الحسن (١).
جاء في الجامع الصغير: «وقال محمد ﵀: أحب إليَّ أن يطول الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها» (٢).
وقال النووي في المنهاج: «وتطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح» (٣).
وقيل: لا يفضل الأولى على الثانية، ولا الثالثة على الرابعة بزيادة القراءة، اختاره أكثر الشافعية، وصححه الرافعي (٤).
قال النووي في الروضة: «هذا الذي صححه -يقصد الرافعي- هو الراجح عند جماهير الأصحاب، لكن الأصح التفضيل» (٥).
فصارت الأقوال ترجع إلى أربعة أقوال:
استحباب تفضيل الأولى في الفجر خاصة.
استحباب ذلك في الفرض دون السنن والنوافل.
استحباب تفضيل الأولى في الصلوات كلها.
استحباب التسوية بين الركعة الأولى والثانية، وبين الثالثة والرابعة.
فإذا خلصنا من تصور الأقوال، ننتقل بعده إلى معرض الحجج والاستدلال.
* دليل من قال: لا تفضيل إلا في الصبح خاصة:
الدليل الأول:
(ح-١٤٧٨) ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١] وأن النبي ﷺ كان يقرأ في
стр. 1303
صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون (١).
وجه الاستدلال:
دل حديث ابن عباس على تطويل الركعة الأولى عن الركعة الثانية في صلاة الصبح، فسورة السجدة أطول من سورة الإنسان، ودل الحديث أيضًا على تسوية صلاة الجمعة، فسورة الجمعة بقدر سورة المنافقون.
* وأجيب:
بأن هذا الحديث لا يدخل في محل النزاع؛ لأنه مما ورد فيه نص بخصوصه، والكلام في المسألة فيما لم يرد فيه نص.
الدليل الثاني:
(ح-١٤٧٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،
عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (٢).
وجه الاستدلال:
دل حديث أبي سعيد على تسوية الركعة الثانية بالركعة الأولى حيث كان يقرأ في كل ركعة قدر سورة السجدة، وفي رواية: قدر ثلاثين آية.
* وأجيب عن هذا الاستدلال:
سبق أن أجبت على حديث أبي سعيد في مسألة سابقة، وبينت أنه معارض لحديث أبي قتادة، وهو أرجح منه إسنادًا فحديث أبي قتادة في الصحيحين،
стр. 1304
وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما، ولأن حديث أبي قتادة قد تضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين.
الدليل الثالث:
أن الركعتين الأوليين استوتا في وجوب القراءة ووصفها، فتستويان في مقدارها.
الدليل الرابع:
علل الحنفية استثناءهم إطالة الأولى على الثانية في صلاة الصبح بأنه جرى عليه التوارث من لدن رسول الله ﷺ إلى هذا الزمان، ولأن الفجر وقت نوم وغفلة بخلاف سائر الصلوات، فكان في إطالة الأولى إعانة للناس على إدراك الجماعة.
* دليل من قال: يستحب إطالة الأولى على الثانية مطلقًا:
(ح-١٤٨٠) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (١).
* وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:
الجواب الأول:
أن إطالة الركعة الأولى ليس راجعًا لطول القراءة.
قال ابن حجر: «وقال من استحب استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء
стр. 1305
الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء» (١).
* ورد هذا الجواب:
بأن الحديث نص على التفاوت بين الركعتين في القراءة، وليس على ما تشمله الركعة الأولى عن الثانية.
قال ابن الملقن: «وفي هذا الحمل ضعف؛ لأن السياق للقراءة» (٢).
الجواب الثاني:
يحتمل أن تكون الإطالة من النبي ﷺ لعارض لكونه أحس بداخل حتى يدرك الركعة، وعليه يستحب للإمام تطويل الأولى على الثانية إن كان ينتظر أحدًا، وإلا سوَّى بين الأوليين.
ولا يساعد لفظ الحديث على هذا الحمل، فإن حديث أبي قتادة جاء بصيغة (كان ... ) الدالة على الدوام والتكرار، وأنه مقصود.
* دليل من قال: يسوي بين الركعتين الأوليين:
(ح-١٤٨١) ما رواه أبو سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية. رواه مسلم (٣).
وسبق ذكره في أدلة القول الأول ومناقشته.
* الراجح:
المسألة فيها حديثان: حديث أبي قتادة ودلالته صريحة على تطويل الأولى على الثانية، وجاء بلفظ يدل (كان ... ) الدالة على الاستمرار غالبًا.
стр. 1306
وحديث أبي سعيد وظاهره يقضي تسوية الركعة الثانية على الأولى عن طريق التخمين والحرز، وهو ليس دقيقًا، فلا ينافي التفاوت اليسير مما لا يدخل تحت التخمين، فإما أن نرجح وإما أن نجمع.
فإن سلكنا مسلك الترجيح فسوف يكون ذلك لصالح حديث أبي قتادة، لوجوه منها:
الأول: أن الحديث في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم.
الثاني: أن حديث أبي قتادة صريح، فهو نص في إطالة الأولى على الثانية، وحديث أبي سعيد ظاهره التسوية، ولا يمنع التفاوت اليسير، لأن الحزر تقريب، والتفضيل يصدق بأدنى زيادة ولو كان بمقدار آية واحدة، والنص مقدم على الظاهر، والصريح مقدم على المحتمل.
الثالث: أن حديث أبي قتادة تضمن زيادة على ما يدل عليه حديث أبي سعيد، فتترجح الزيادة.
الرابع: أن أكثر الأحاديث التي ورد فيها التنصيص على السور تدل على تفضيل الأولى على الثانية، كقراءة السجدة مع الإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة ق مع القمر، وقراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر، فإذا كان حديث أبي قتادة يتفق مع دلالتها كان أولى بالتقديم مما يخالفها، ويحمل حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ فعل هذا لبيان الجواز.
الخامس: أن إطالة الركعة الأولى على الثانية له معانٍ ترجحه، من ذلك أن المصلين يكونون أكثر نشاطًا، ومن أجل أن يدرك الصلاة من لم يأت بعد.
وإن سلكنا مسلك الجمع:
فيقال: حديث أبي سعيد حديث صحيح، ولا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح منه أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فإذا أمكن الجمع بين الدليلين لزم ذلك؛ لأن سلوك الترجيح يؤدي إلى طرح أحد الدليلين مع ثبوت صحته، والجمع إعمال لهما جميعًا، فتعين، فيقال: حديث أبي قتادة يدل على غالب فعل النبي ﷺ وحديث أبي سعيد يدل على أنه ربما سوَّى بين الركعتين أحيانًا.
стр. 1307
يقول ابن القيم في الهدي: «وهذا كما أن هديه ﷺ كان تطويل القراءة في الفجر، وكان يخففها أحيانًا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يطيلها أحيانًا، وترك القنوت في الفجر، وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانًا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحيانًا» (١).
وقال صاحب فيض الباري: «ثبتت القراءة بالسورة أيضًا، فلا مناص إلا بالقول بالجواز، وهو قول فخر الإسلام منا، وهو الأصوب عندي، ولعل الأكثر من فعل النبي ﷺ تركها، وهو السنة» (٢).
وبهذا الجمع نكون قد أعملنا كلا الدليلين، والله أعلم.
* * *
стр. 1308
فرع في مقدار التفاوت بين الركعة الأولى والثانية في القراءة
المدخل إلى المسألة:
* المقادير الواجبة التي لا يجوز تجاوزها توقيفية.
* ترك المقادير إلى اختيار المكلف يشي بأن الأمر واسع.
* تحصل فضيلة التفاوت بين الركعتين بأدنى زيادة.
* لا تكره المبالغة في التفاوت بين الأولى والثانية؛ لأن الكراهة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي.
* تجوز مساواة الركعة الثانية بالأولى أحيانًا.
* التفاوت في مقدار القراءة في نصوص ا لسنة متفاوتة مما يدل على أن الأمر واسع.
* لو سلمنا باستحباب مقدار معين في التفاوت، فإنه لا يلزم من تركه الوقوع في المكروه.
[م-٥٨٠] اختلف الفقهاء في التفاوت: أهو مقدر بالزمن أم مقدر بالقراءة؟
فقيل: التقدير بالقراءة، وهو قول الجمهور، وأحد القولين في مذهب الإمام مالك على خلاف بينهم في مقدار التفاوت.
فقال الحنفية الزيادة بقدر النصف، فيقرأ في الأولى من ثلاثين إلى ستين، وفي الثانية: من عشرين إلى ثلاثين (١)، إن تقاربت الآيات طولًا وقصرًا، فإن تفاوتت تعتبر من حيث الكلمات والحروف، فإذا قرأ في الأولى من الفجر عشرين آية طويلة، وفي الثانية منها عشرين آية قصيرة، تبلغ كلماتها قدر نصف كلمات الأولى
стр. 1309
فقد حصل السنة، وإن كثر التفاوت فلا بأس به (١).
وقريب من مذهب الحنفية ما ذكره بعض الشافعية، حيث قالوا: يسن تطويل قراءة الأولى بأن تكون الثانية على النصف من الأولى، أو قريبة منه كما في الخادم (٢).
واختار بعض المالكية في أحد القولين أن تكون الثانية أقل من الأولى بالربع فما دون على القول بأن التفاوت مقدر بالقراءة، لا بالزمن، وكرهوا أن تكون الثانية على النصف من الأولى؛ لأن فيه مبالغة بالتقصير (٣).
جاء في حاشية العدوي: «المطلوب أن تكون الثانية أقل من الأولى يسيرًا، لا نصفها فأقل؛ لكراهته كما قال تت (٤).
وقال الفقيه راشد: «الأقلية بنقص الربع أو أقل منه» (٥).
وجاء في الفواكه الدواني: «تكره المبالغة في تطويل الأولى، والمبالغة في تقصير الثانية بأن تقرأ في الأولى بيوسف وفي الثانية بالكوثر» (٦).
قال عليش: «سواء اعتبر -يعني التطويل والتقصير- في القراءة أو في الزمن» (٧).
وقيل: التفاوت مقدر بالزمن، لا بالقراءة، وهو أظهر القولين في مذهب المالكية (٨).
стр. 1310
* الراجح من الخلاف:
أنه لم يَأْتِ في الشرع حد معين للزيادة، فتحصل الفضيلة بأدنى زيادة، ولا تكره المبالغة في التفاوت بين الأولى والثانية؛ وهو مذهب الحنفية؛ لأن الكراهة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي، وإذا نظرنا إلى التفاوت الحاصل في مقدار القراءة المنصوصة في السنة وجدنا أن الزيادات متفاوتة، وهذا يشي بأن الأمر واسع، وعلى التسليم باستحباب مقدار معين في التفاوت، فإنه لا يلزم من تركه الوقوع في المكروه؛ والله أعلم.
* * *
стр. 1311
المبحث السابع في إطالة الركعة الثانية على الأولى
المدخل إلى المسألة:
* المكروه هو ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولم يحفظ نهي من الشارع عن إطالة الثانية على الأولى.
* ترك السنن المؤكدة خلاف الأولى عند الشافعية خلافًا للحنفية.
* إطالة الأولى لا يُعَدُّ من السنن المؤكدة بدليل أن النبي ﷺ كان يخالف ذلك كل أسبوع في الجمعة إذا قرأ بسبح والغاشية، والأولى تسع عشرة آية، والثانية ست وعشرون آية.
* لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.
* يستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا؛ لورود مثل ذلك في نصوص القراءة المحفوظة.
[م-٥٨١] في المسألة ما قبل السابقة بحثت مشروعية إطالة الركعة الأولى على الثانية، حيث ذهب الجمهور إلى استحباب إطالة الأولى خلافًا للشافعية في أحد القولين حيث استحبوا التسوية بينهما.
* ويفهم من الخلاف:
أنه لا يوجد قول يذهب إلى مشروعية إطالة الثانية على الأولى.
وأما قول ابن الملقن: «واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكًا فإنه قال: لا بأس بذلك، مستدلًّا بأنه ﵇ قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية: بالغاشية، وهي ست وعشرون آية» (١).
стр. 1312
فهذا لا يصح نسبته لمالك، وإنما قال به عبد الحكم من أصحاب مالك في مختصره خلافًا للمعتمد من المذهب، كما سيأتي توثيق ذلك حين عرض الأقوال (١).
وقول عبد الحكم يدل على جواز إطالة الثانية على الأولى، وهو لا ينفي استحباب إطالة الأولى؛ لأن ترك المستحب من قبيل الجائز، ولا يلزم منه الوقوع في المكروه، إذا وقفت على ذلك، فنأتي للخلاف في مسألتنا:
فقال الحنفية والمالكية: يكره تنزيهًا إطالة الثانية على الأولى في الفرائض دون النوافل، وخص الحنفية الكراهة بزيادة ثلاث آيات فصاعدًا، فإن كان التفاوت بآية أو آيتين فلا يكره (٢).
وانفرد الحنفية بالقول بأنه لا يكره إطالة الثالثة على الثانية والأولى.
стр. 1313
قال في العناية: «ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات؛ لأن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالمعوذتين، والثانية أطول بآية» (١).
وقال ابن عابدين: «وأما إطالة الثالثة على الثانية والأولى فلا تكره لِمَا أنه شفع آخر» (٢).
ولا يرد بهذا التعليل الضعيف السنة الصريحة.
وقال الْأَقْفَهْسِيُّ المالكي: وله أن يطول قراءة الثانية في النافلة إذا وجد حلاوة (٣).
ويستثنى من كراهة إطالة الثانية على الأولى ما ورد فيه نص، كقراءة سبح والغاشية في صلاة الجمعة والعيد واعتبره الحنابلة من التفاوت اليسير الذي لا أثر له (٤).
زاد الشافعية: أو كانت المصلحة تقتضي ذلك، كإطالة الركعة الثانية في صلاة الخوف على الأولى حتى تأتي الفرقة الثانية، أو ليلحق نحو المزحوم (٥).
قال ابن مفلح: « ... ولعل المراد: لا أثر لتفاوت يسير، ولو في تطويل الثانية على الأولى؛ لأن الغاشية أطول من سبح، وسورة الناس أطول من الفلق، وصلى ﵇ بذلك، وإلا كره» (٦).
وقيل: يكره إطالة الثانية على الأولى مطلقًا في جميع الصلوات، وهو مذهب الحنابلة، وقول عند الحنفية (٧).
стр. 1314
قال ابن العربي: «من لم يطل الأولى عن الثانية فهو جاهل» (١).
وقال الإمام أحمد فيمن طول قراءة الثانية على الأولى: «يجزئه، وينبغي أن لا يفعل» (٢).
وقيل: لا بأس بطول قراءة ثانية الفريضة عن الأولى اختاره ابن عبد الحكم المالكي في مختصره، خلافًا للمعتمد من المذهب (٣).
ويحمل قوله: (لا بأس به) على الإجزاء، وإن كان غيره أفضل منه، فهو بنحو قول الإمام أحمد.
فخلص لنا من الأقوال:
كراهة إطالة الثانية على الأولى مطلقًا، في الفرائض والنوافل.
كراهة إطالتها في الفرائض خاصة.
جواز إطالة الثانية على الأولى.
* دليل من قال: يكره إطالة الثانية عن الأولى:
(ح-١٤٨٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (٤).
стр. 1315
وجه الاستدلال:
قوله: (ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية).
فإذا ثبت أن هذا كان من سنته في الصلاة فإن مخالفة السنة في الصلاة مكروهة.
* ويناقش:
إذا رُتِّبَتْ الكراهة على ترك السنة، فينبغي أن يوقف هنا وقفة في تعريف أقسام الكراهة عند الأصوليين، ومتى يكون ترك السنة من قبيل المكروه.
فالكراهة ليست على درجة واحدة، فمن المكروه: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، وهذا أعلى درجات الكراهة، وهذه الكراهة لا تنطبق على مسألتنا، حيث لم يحفظ نهي من الشارع عن تطويل الثانية على الأولى.
ومنها مخالفة السنن المؤكدة، مثل ترك سنة الوتر، فالحنفية يجعلون ترك مثل ذلك من قبيل ارتكاب الحرام، والجمهور يلحقونه بالمكروه، ويجعلونه أخف من المكروه الذي توجه له نهي الشارع عن فعله لا على سبيل الإلزام، ويطلق عليه بعضهم خلاف الأولى.
يقول ابن نجيم: «السنة إذا كانت مؤكدة قوية لا يبعد أن يكون تركها مكروهًا كراهة تحريم، كترك الواجب، فإنه كذلك، وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنزيهًا» (١).
стр. 1316
وهذا القسم من الكراهة لا ينطبق على مسألتنا، لأن إطالة الأولى في الصلاة ليس من السنن المؤكدة، وذلك أن السنن تتفاوت، وهي أقسام.
الأول منها: ما أمر بها الشارع لا على سبيل الإلزام، وحث عليها، وداوم على فعلها، فهذه أعلى درجات السنن وآكدها، وتركه يوقع في القسم الثاني من الكراهة، وهو خلاف الأولى خلافًا للحنفية حيث يجعلونه من المكروه كراهة تحريم.
الثاني من السنن: ما أمر به الشارع، ولم يواظب عليها، وهذه دون الأولى.
الثالث من السنن: ما ثبت بمجرد الفعل، ولم يأمر بها، وهذه لا كراهة في تركها، سواء أكانت من السنن التي داوم على فعلها، أم كانت من السنن التي كان يتركها أحيانًا في الحضر، أو يتركها في حال السفر، وهو دون التي فوقها، كراتبة الظهر والمغرب والعشاء، وهذه أخف من كل ما سبق.
فإذا بحثنا في سنة تطويل الركعة الأولى على الثانية، فلم يحفظ أمر من النبي ﷺ بفعلها، ولم يحث عليها، ولم يواظب على فعلها، بدليل أن بعض القراءات المنصوصة تكون الركعة الثانية أطول من الركعة الأولى، كما في قراءة الغاشية مع سبح في الجمعة والعيد، وقرأ النبي ﷺ بالفلق والناس، والأخيرة أطول من التي قبلها، لهذا لا يمكن أن تكون من قسم المكروه الأخف، وهوما عبر عنه بعض الأصوليين بقوله: خلاف الأولى، وبالتالي لا نستطيع أن نقول: إنه يلزم من ترك هذه السنة الوقوع في المكروه إلا في السنن المؤكدة، التي أمر بها، وواظب على فعلها، ولم يتركها حضرًا ولا سفرًا، كترك سنة الفجر، فيقال: إنها من قسم المكروه الأخف، وقد قال النبي ﷺ حين تيمم لرد السلام: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، وليس ذكر الله مكروهًا بمعنى أن الشارع نهى عنه نهيًا غير جازم، وإنما هذه الكراهة من قبيل مخالفة الأكمل، ولهذا قالت عائشة: كان يذكر الله على كل أحيانه كما في مسلم، ولا يلزم من ذلك الوقوع في المكروه والذي هو من القسم الأول، والله أعلم.
* دليل من قال: تكره إطالة الثانية في الفرض:
أن النفل أوسع من الفرض، وأسهل، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض، وإذا
стр. 1317
كان الشارع خفف بعض الأركان في النفل طلبًا لتكثير النوافل كالقيام واستقبال القبلة والصلاة على الدابة ونحوها جاز إطالة الثانية على الأولى، وقد يجد المصلي نشاطًا في الركعة الثانية، أو يجد حلاوة للقراءة فيحب أن يسترسل في القراءة، فلا تكره له إطالة الثانية.
* وأجيب:
إذا لم تثبت الكراهة في الفرض على الصحيح لم تثبت في النفل من باب أولى.
* دليل الحنفية على تقييد الكراهة بما زاد على الآيتين:
صح عن النبي ﷺ أنه صلى بالمعوذتين من حديث عقبة بن عامر، وهو حديث حسن والثانية أطول من الأولى بآية (١).
وصلى بسبح والغاشية والثانية أطول، وإن زادت الثانية على الأولى بأكثر من ثلاث آيات، إلا أنه لا تفاوت بينهما ظاهر من حيث الكلمات والحروف، بل هما متقاربتان (٢).
* وأجيب:
بأن الكلمات في سورة الأعلى اثنتان وسبعون كلمة تقريبًا، والكلمات في سورة الغاشية ثلاث وتسعون كلمة تقريبًا، فالتفاوت بينهما في حدود عشرين كلمة، والمفصل آياته من ثلاث كلمات إلى خمس، وعليه فالزيادة تكون أكثر من ثلاث آيات.
* دليل من قال: يباح تطويل الثانية على الأولى:
لعل هذا القول قد بناه على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أنه لم يحفظ عن الشارع أمر بإطالة الأولى.
المقدمة الثانية: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الركعة الأولى من الجمعة بسورة الأعلى، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية: بالغاشية، وهي ست وعشرون آية.
فإذا سلمنا أن إطالة الأولى من السنن لكونه الغالب على فعل النبي ﷺ ، فإن مخالفته من النبي ﷺ على وجه يتكرر كل أسبوع في الجمع دليل الإباحة، وهو يدل
стр. 1318
على ذلك لو وقع من المصطفى ﷺ مرة واحدة، فكيف إذا كان يتكرر في غالب الجمع، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
* ونوقش:
بأن الخلاف فيما لم يرد فيه نص، أما ما ورد فيه نص في إطالة الثانية على الأولى فليس داخلًا في الخلاف.
* ويجاب عنه:
بأن ورود النص لا يدل على استثناء هذه المسألة من محل الخلاف إلا لو كان هناك أَمْرٌ بإطالة الأولى على الثانية، حتى إذا جاء نص بإطالة الثانية قيل: هذا مستثنى بالنص، أما إذا لم يحفظ أمر من الشارع بإطالة الأولى، وحفظ من النصوص إطالة الأولى على الثانية، وإطالة الثانية على الأولى دل ذلك على أن الأمر فيه سعة، وأمكن القياس على إطالة الثانية بأن يقال: يجوز فعل ذلك أحيانًا، لا دائمًا، هذا ما تقتضيه دلالة النصوص، والله أعلم
وهذا القول هو الراجح، فلا يكره إطالة الثانية على الأولى، فيستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1319
المبحث الثامن في القراءة من أواسط السور وأواخرها
المدخل إلى المسألة:
* القرآن في الصلاة على قسمين: معين لا يجزئ عنه غيره: وهي الفاتحة مع القدرة عليها. ومطلق: وهو فيما زاد على الفاتحة، وما جاء مطلقًا في النصوص فهو جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولا مُقَيِّدَ هنا.
* ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل.
* الأدلة الدالة على أفضلية قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة لا تقتضي كراهة الاقتصار على بعض السورة، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
[م-٥٨٢] استحب جمهور الفقهاء قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية (١)، حتى قال بعض المالكية والشافعية: قراءة سورة قصيرة أولى من بعض سورة طويلة (٢).
وقال الحنفية: قراءة آخر سورة واحدة، أفضل من السورة إن كان الآخر أكثر آية (٣).
جاء في تبيين الحقائق نقلًا من فتاوى أبي الليث: «سئل عن القراءة في الركعتين من آخر السورة أفضل، أم قراءة سورة بتمامها. قال: إن كان آخر السورة التي أراد قراءتها أكثر من السورة التي أراد قراءتها فالقراءة من آخر السورة أفضل، وإن كانت السورة أكثر آية، فقراءتها أفضل» (٤).
стр. 1320
وإنما كانت العبرة للأكثر عند الحنفية؛ لأن الثواب أكثر، فله في كل حرف يقرؤه عشر حسنات.
ويجاب: بأن إصابة السنة أولى من الكثرة، فإن الله أخبر في كتابه، فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]. ولم يقل: أكثركم عملًا.
* وقد استدل الجمهور على إصابة السنة:
(ح-١٤٨٣) بما رواه البخاري من طريق شيبان، عن يحيى (يعني ابن أبي كثير)، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب، وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانًا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية.
ورواه مسلم من طريق الحجاج يعني الصواف، عن يحيى ابن أبي كثير به (١).
قال النووي: «فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فندب منهم إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط» (٢).
[م-٥٨٣] واختلفوا في كراهة القراءة من أواسط السور أو من أواخرها:
فقيل: لا يكره مطلقًا، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك، ونسبه النووي للجمهور (٣).
стр. 1321
قال في الإنصاف: «ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها، هذا المذهب، نقله الجماعة، وعليه الأصحاب» (١).
وقيل: يكره تنزيهًا، وهو قول في مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن مالك، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: يقرأ من أواسط سورة واحدة، أو من أواخر سورة واحدة في الركعتين، فإن كان ذلك من سورتين كُرِهَ، قال في المحيط البرهاني: على ما هو ظاهر الرواية،
стр. 1322
ونسبه في فتح القدير والنهر الفائق لأكثر الحنفية (١).
قال في النهر: «وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة، لا آخر سورتين فإنه مكروه عند الأكثر» (٢).
وقيل: تكره القراءة من أواسط السور دون أواخرها، وهو رواية عن أحمد (٣).
قال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين: واختلفت هل تكره القراءة من وسط السور؟
فنقل صالح أما آخر السورة فأرجو، وأما وسطها فلا، وظاهر هذا الكراهة ... » (٤).
وقيل: تكره المداومة، وهو رواية عن أحمد (٥).
стр. 1323
* حجة من قال: لا يكره:
الدليل الأول:
الأصل عدم الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي، ولا يوجد في النصوص ما يدل على كراهة قراءة أواسط السور أو أواخرها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
(ح-١٤٨٤) وقال ﷺ للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. متفق عليه (١).
(ح-١٤٨٥) وقال ﷺ كما في حديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (٢).
وجه الاستدلال من هذه النصوص:
أن القرآن في الصلاة على قسمين:
معين لا يجزئ عنه غيره: وهي الفاتحة مع القدرة عليها.
ومطلق: وهو فيما زاد على الفاتحة، وما جاء مطلقًا في النصوص فهو جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولا مقيد هنا، فإذا قرأ من أوائل السور أو من أواسطها، أو من أواخرها فقد حصل الامتثال، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٤٨٦) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد، أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (٣).
[رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة] (٤).
(ح-١٤٨٧) وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه أحمد وغيره، من طريق عن
стр. 1324
جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (١).
[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (٢).
وجه الاستدلال:
أن النص لم يعين من القراءة إلا الفاتحة، وأطلق القراءة فيما عداها.
الدليل الرابع:
(ح-١٤٨٨) ما رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: أخبرني سعيد بن يسار،
أن ابن عباس، أخبره أن رسول الله ﷺ ، كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ٥٢] (٣).
وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل؛ لكونهما عبادة من جنس واحد.
ورواه مسلم من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار،
عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
[وهم فيه أبو خالد الأحمر في الآية الثانية] (٤).
стр. 1325
الدليل الخامس:
(ح-١٤٨٩) روى مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد ابن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي،
عن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي ﷺ : الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى، وهارون أو ذكر عيسى -محمد بن عباد يشك- أو اختلفوا عليه أخذت النبي ﷺ سعلة فركع وعبد الله بن السائب، حاضر ذلك (١).
وجه الاستدلال:
فإذا جازت القراءة بأوائل السورة، جاز بأواسطها وبالخواتيم، بجامع أن كُلًّا
стр. 1326
منها بعض سورة.
* ونوقش:
بأن ركوعه كان لعذر حيث أخذته سعلة.
* ويجاب:
بأن الظاهر أن الركوع وقع اتفاقًا بعد السعلة، وليس بسببها؛ لأنه إذا لم يتعذر عليه معها ذكر الله في ركوعه وقيامه بعد الركوع وسجوده فلا يتعذر معها القراءة، وهو يعرض شبه يومي للأئمة ولا يمنعهم ذلك من إكمال قراءتهم.
الدليل السادس:
(ح-١٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم الناجي، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ردد آية حتى أصبح (١).
[المحفوظ أنه مرسل] (٢).
وله شاهد ضعيف من حديث أبي ذر الغفاري.
(ح-١٤٩١) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية،
عن أبي ذر، قال: صلى رسول الله ﷺ ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها
стр. 1327
ويسجد بها: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فلما أصبح، قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1328
* حجة من قال: يكره القراءة من أواسط السورة أو من أواخرها:
هناك أدلة كثيرة تدل على أن غالب فعل النبي ﷺ أنه كان يقرأ سورة كاملة، فإذا ثبت أن هذا كان من سنته فإن مخالفة سنة النبي ﷺ في صلاته مكروهة، من هذه الأدلة:
(ح-١٤٩٢) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين).
(ح-١٤٩٣) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١]، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون (٢).
(ح-١٤٩٤) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، مولى النعمان بن بشير،
стр. 1329
عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين (١).
(ح-١٤٩٥) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد هو ابن كيسان، عن أبي حازم،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (٢)
* ونوقش هذا:
بأن هذه الأدلة تدل على أفضلية السورة الكاملة، لكنها لا تقتضي كراهة الاقتصار على بعض السورة، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، وقد سبق أن ناقشت هذا الدليل بالمسألة السابقة بتوسع، فارجع إليه تكرمًا إن شئت.
* دليل من قال: يكره القراءة من الأواسط أو الأواخر إن كان ذلك من سورتين:
لعل هذا القول بنى الكراهة على أساس أن غالب المنقول من سنة الرسول ﷺ في القراءة إما أن تكون سورة كاملة في كل ركعة، أو سورة واحدة مقسومة على ركعتين؛ ولأن السورة الواحدة في الغالب تكون مرتبطة المعنى، بخلاف السورتين.
* وأجيب:
بأن هذا قول ضعيف؛ لأنه لا تعيين في قراءة ما تيسر إلا في الفاتحة، وفيما وردت به السنة منصوصة كالسجدة والإنسان في فجر الجمعة، وسبح والغاشية في الجمعة والعيد، والكافرون والإخلاص في ركعتي الفجر، ونحوها، وأما ما عداها فالقراءة مطلقة، سواء قرأ من أوائل السورة، أو من وسطها، أو من أواخرها، والله أعلم.
* دليل من قال: تكره المداومة:
هؤلاء كرهوا المداومة على القراءة من أواسط السور أو أواخرها حتى
стр. 1330
لا يخرج عما مضت عليه السنة، وحتى لا يعتقد أن المداومة على هذه الصفة سنة مقصودة، والله أعلم.
* دليل من قال: يكره القراءة من أواسط السور دون أواخرها:
(ث-٣٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن العلاء، عن محمد بن الحكم،
عن أبي وائل قال: صلى بنا ابن مسعود الفجر في السفر، فقرأ بآخر بني إسرائيل ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] إلخ، ثم ركع (١).
[ضعيف] (٢).
وجاء في المغني عن أحمد أنه قال: «أما آخر السور فأرجو، وأما أوسطها فلا، ولعله ذهب في آخر السورة، إلى ما روي فيه عن عبد الله وأصحابه، ولم ينقل مثل ذلك في أوسطها. وقد نقل عنه الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة؟ قال: أليس قد روي في هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد، وغيره؟» (٣).
فقول الإمام أحمد: أليس قد روي في هذا رخصة؟ كأن الأصل المنع.
* الراجح:
أن من قرأ من أواسط السورة أو من أواخرها فقد حصلت له سنة القراءة، وعلى أي وجه قرأ في قيام الصلاة فقد حصلت السنة، إلا أن يقرأ في فجر الجمعة بعض سورة السجدة، وبعض سورة الإنسان، فلا هو فعل السنة على الصفة التي وردت، ولا هو تركها إلى غيرها، فهذا الفعل خلاف الأولى على الصحيح، وما عدا ذلك فكله كتاب الله لا يكره قراءة شيء منه في قيام الصلاة.
стр. 1331
قال البخاري في تراجمِ صحيحِهِ: باب الجمع بين السورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة. اهـ
هذا أقوى الأقوال في المسألة، يليه من قال: لا يداوم على ذلك حتى لا يعتقد بأن ذلك من سنة القراءة المقصودة، والله أعلم.
* * *
стр. 1332
المبحث التاسع في قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة
المدخل إلى المسألة:
* الجمع بين السور محفوظ من فعل النبي ﷺ في صلاة الليل.
* إذا جمع المصلي بين السور في صلاة الليل أهو مقصود لذاته، أم من أجل طول القيام؛ فيترتب عليه طول القراءة تبعًا، بحيث لو قرأ سورة طويلة حصل المقصود، الراجح الثاني.
* لا فرق بين قراءة سورتين أو مقدارهما من سورة طويلة في صلاة النفل.
* قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي ﷺ بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي ﷺ بالنوافل، فكان حكم الجواز هو الأقرب.
* لو كان تعدد السور مقصودًا لذاته لجاء في النصوص ما يدل عليه من الأمر به، والتنبيه على فضله بخصوصه، أو المواظبة عليه.
* اتفق الفقهاء على استحباب سورة كاملة بعد قراءة الفاتحة، ولم يتفقوا على استحباب سورتين لذاتهما.
[م-٥٨٤] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: يجوز مطلقًا في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة والشافعية، ورواية عن الإمام مالك، واختاره ابن حزم، وترجم له البخاري في صحيحه، فقال: باب الجمع بين السورتين في ركعة (١).
стр. 1333
وقال ابن عبد البر: «ما لم يكن إمامًا يطول على من خلفه» (١).
وقال ابن رجب: «أكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان ... » (٢).
وقيل: يستحب مطلقًا في الفرض والنفل، نقله البيهقي في مناقب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد (٣).
وقيل: يكره مطلقًا في الفرض والنفل، حكي قولًا في مذهب الحنابلة، واستغربه صاحب الإنصاف (٤).
وقيل: يكره في الفرض دون النفل، وهو قول في مذهب الحنابلة، ومذهب المالكية، قال المالكية: إلا لمأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورتين أو أكثر إذا طول إمامه (٥).
стр. 1334
قال الدردير: «وكره الاقتصار على بعض السورة على إحدى الروايتين كقراءة سورتين في ركعة في الفرض» (١).
وقال في الفواكه الدواني: «وأما المأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورة ثانية إذا طول إمامه» (٢).
وقيل: تكره المداومة على ذلك مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد (٣).
وهذه الأقوال دائرة بين الاستحباب والجواز والكراهة، ولم يؤثر قول بالتحريم عن أحد من العلماء.
* دليل من قال: يجوز قراءة سورتين فأكثر في الركعة الواحدة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
فالآية مطلقة، فما تيسر يشمل السورة كما يشمل السورتين، فأكثر.
* ويعترض على هذا الدليل:
بأن دلالة الأمر تدل على أكثر من الجواز، فالأمر إن لم يدل على الوجوب فلا أَقَلَّ من أن يدل على الاستحباب، فلا يصح الاستدلال بالآية على جواز قراءة السورتين، فإما أن يقال: باستحباب قراءة السورتين، أو يقال: إن الآية ليس فيها دليل على جواز السورتين، فيطلب الاستدلال على الإباحة بغير صيغة الأمر.
* ويرد على هذا الاعتراض:
بأن الأمر بالقراءة يدل على استحباب القراءة في غير الفاتحة، وهذا متفق
стр. 1335
عليه، والأمر بقراءة ما تيسر، يتوجه الاستحباب إلى ما تحصل به سنة القراءة، وأقله آية وأعلاه سورة كاملة كما كان ذلك غالب قراءة النبي ﷺ في صلاة الفريضة، وما زاد على السورة فهو زائد على مقدار سنة القراءة، فيحمل على الإباحة، خاصة إذا ضُمَّ هذا الدليل إلى بقية الأدلة الأخرى فإنها تدل بمجموعها على أن قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي ﷺ بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي ﷺ بالنوافل، كما أن القيام في الصلاة مقدار منه ركن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وما زاد عليه فهو على الاستحباب، فكذلك القراءة مقدار منه مستحب، وما زاد عليه فهو على الإباحة.
الدليل الثاني:
(ح-١٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ،
عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١).
(ح-١٤٩٧) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،
عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن