الصَّلَاةَ﴾ نصًّا في إفادة وجوب الصلاة لا أكثر، وهو ليس بمجمل.
الدليل الثاني:
أن النبي ﷺ واظب على كل من الجهر والإسرار في موضعه، ولم يُخِلَّ به مرة واحدة، فصارت المواظبة على الجهر والإسرار في العبادة صفة لازمة، لملازمة النبي ﷺ على هذه الصفة، وأخذت صفة القراءة حكم القراءة نفسها، فإذا كانت القراءة واجبة فهي واجبة بالصفة التي تُلُقِّيَتْ عن الشارع من جهر وإسرار، فلا تنفك العبادة الواجبة عن صفتها، فمن خالف هذه الصفة فإنه يصدق عليه قوله ﷺ في حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
وقال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والأصل في الأمر الوجوب (٢).
* ويناقش هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول:
أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل، ويكون ذلك المجمل واجبًا، فيأخذ الفعل حكم ذلك المجمل، والمواظبة على الفعل ليست قرينة تصرف الفعل من الاستحباب إلى الوجوب، لوجود سنن كثيرة واظب عليها النبي ﷺ ولم يقل أحد بوجوبها، نعم الملازمة قد تجعل هذا الفعل من السنن المؤكدة، وإذا لم يحفظ في الشرع أمر بالجهر أو بالإسرار فلا يمكن القول بالوجوب.
الوجه الثاني:
(ح -١٥٧٨) أن دعوى المواظبة فيها نزاع، فقد روى البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا ... الحديث
стр. 1507
ورواه مسلم (١).
فكان النبي ﷺ ربما أسمع الصحابة الآية أحيانًا في الصلاة السرية، وظاهر الحديث أن هذا يتكرر منه ﵊، وأقل ما يدل عليه فعل النبي ﷺ الجواز، وإذا جازت المخالفة في الآية جازت المخالفة في أكثر منها.
قال ابن بطال: «وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه» (٢).
* ويناقش:
بأن الجهر اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها سرية.
* ورد هذا:
بأننا لم نقل إن الجهر اليسير يخرج الصلاة عن السرية، ولكنه يرد دعوى أن النبي ﷺ واظب على الجهر والإسرار في موضعه.
وإذا جاز ترك الإسرار في القليل جاز ذلك في الكثير خاصة أن النبي ﷺ لم يحفظ عنه نهي في الباب، ومن ادعى التحريم في الكثير فعليه الدليل.
ولم يقل أحد: إن ترك الجهر والإسرار في موضعه سنة، غايته أنه ترك مستحبًّا من مستحبات الصلاة، وأما التحريم فيحتاج إلى دليلٍ بَيِّنٍ، وحجة واضحة، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) على الوجوب فيه نظر كثير، وقد سبق أن بينت ذلك في مناقشة سابقة وذكرت بأن النبي ﷺ لم يكن يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك ابن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني
стр. 1508
أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم
الدليل الثاني:
ذكر النووي في الخلاصة، عن أبي هريرة رفعه: من جهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر. ويقول: إن صلاة النهار عجماء (١).
[قال النووي: باطل لا أصله له. اهـ يعني مرفوعًا، والمعروف أنه من كلام الحسن وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومجاهد] (٢).
стр. 1509
الدليل الثالث:
أن الجهر فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة واجب ليستمع القوم لقراءته، لكونها أقيمت مقام قراءتهم؛ لوجود المقصود، وهو الاستماع، فلما قامت قراءة الإمام مقام قراءة المأموم وجب أن يكون الجهر فرضًا.
* ونوقش:
بأن الحنفية يحرمون القراءة خلف الإمام حتى في السرية، فلم يكن الاستماع في الصلاة الجهرية هو علة تحمل الإمام عن المأموم القراءة حتى يكون الجهر واجبًا، بل قراءة الإمام هي العلة عند الحنفية في تحمل القراءة عن المأموم، وليس الجهر.
* دليل من قال: يستحب الجهر والإسرار في موضعه:
الدليل الأول:
لا يحفظ في النصوص الشرعية أمر شرعي من الشارع يأمر بالجهر في الجهرية والإسرار في السرية، والأصل عدم الوجوب.
стр. 1510
الدليل الثاني:
الجهر والإسرار إنما تلقيناه من السنة الفعلية، ودلالة أفعال الرسول ﷺ في أمور التعبد الأصل فيها الاستحباب، إلا أن تكون بيانًا لمجمل، فيأخذ الفعل حكم ذلك المجمل، فيبقى القول بالسنية هو المتيقن، والأصل براءة الذمة من اشتغالها بواجب لا دليل على وجوبه.
الدليل الثالث:
(ح-١٥٧٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا ... الحديث ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
(ح-١٥٨٠) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران، قال: حدثنا سلم بن قتيبة قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق،
عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات (٢).
[حسن إن سلم من الاختلاف على سلم بن قتيبة، ويشهد له حديث أبي قتادة في الصحيحين] (٣).
стр. 1511
وجه الاستدلال من الحديثين:
لو كان الجهر محرمًا لما خالفه النبي ﷺ في بعض الآيات.
* ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن المسألة مفروضة في الجهر والإسرار الكلي، لا في وقوع الجهر في الآية، وعلى التسليم فإنه دليل على جواز الجهر في السرية، فأين الدليل على جواز الإسرار في الجهرية، فالدليل أخص من الدعوى، فالجهر في آية واحدة لا ينافي السرية، والله أعلم.
* وأجيب:
بأن الجهر لا يخلو إما أن يكون مباحًا فالكثير منه والقليل سواء، أو يكون محظورًا فالقليل والكثير منه سواء، ولا يجوز أن يفرق في الحرام بين القليل والكثير إلا بنص يعتمد عليه في التفريق، والأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة الكثير.
стр. 1512
الوجه الثاني:
قد يكون الصحابي سمع منه الآية لقربه منه، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تَسْمَعُ أحيانًا بعضَ قراءة من بجانبك، أو تسبيحه أو دعاءه، وإن لم يقصد بذلك الجهر، فلا يلزم من سماع قراءة بعض الآي من الإمام أن يكون قصد بذلك الجهر.
ويشكل على هذا التوجيه أن ظاهر قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، أنه يسمع جميع المصلين لا بعضهم، وأنه يقصد إسماعهم، لا أن السماع يحصل بلا قصد.
الوجه الثالث:
ربما جهر النبي ﷺ ليعلمهم أنه يقرأ، وحتى لا يظن أحد أن المشروع في الصلاة السرية السكوت بلا قراءة، كما ظن ذلك ابن عباس، فكان يسمعهم الآية أحيانًا لغرض التعليم، كما جهر بعض الصحابة بدعاء الاستفتاح لغرض التعليم، وليس الجهر فيه من السنة.
* ويجاب:
هذا الاحتمال صحيح، لكنه دليل على أن الجهر في السرية ليس حرامًا؛ إذ لو كان الإسرار واجبًا والجهر في السرية حرامًا لم يرتكب النبي ﷺ المحرم لمصلحة التعليم؛ لأنه يمكنه إخبارهم بذلك خارج الصلاة.
الدليل الخامس: من الآثار.
(ث-٤١٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي،
أن سعيد بن العاص صلى بالناس الظهر والعصر فجهر بالقراءة، فسبح القوم، فمضى في قراءته، فلما فرغ صعد المنبر فخطب الناس، فقال: في كل صلاة قراءة، فإن صلاة النهار الخرس، وإني كرهت أن أسكت فلا ترون أني فعلت ذلك بدعة (١).
[صحيح].
(ث-٤١٩) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء،
стр. 1513
عن عبد الله بن زياد الأسدي، قال: سمعت قراءة عبد الله، في إحدى صلاتي النهار (١).
[صحيح] (٢).
(ث-٤٢٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم،
عن علقمة، قال: صليت إلى جنب عبد الله بالنهار، فلم أدر أي شيء قرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. [طه: ١١٤]، فظننت أنه يقرأ في طه (٣).
[صحيح] (٤).
(ث-٤٢١) ومنها ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا أبو شهاب،
стр. 1514
عن حميد، وعثمان البتي، قالا: صلينا خلف أنس بن مالك الظهر، والعصر، فسمعناه يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (١).
[صحيح].
(ث-٤٢٢) ومنها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:
قلت لنافع: أكان ابن عمر يسمعك القراءة في التطوع بالنهار؟ قال: نعم، من السورة الشيء، وهو يسير (٢).
[صحيح] (٣).
ويرد على هذه الآثار من المناقشة ما ورد على حديث أبي قتادة المرفوع: (ويسمعنا الآية أحيانًا)، فارجع إليه.
فهذا ابن عمر ﵄، وهو قد يسمع منه الشيء اليسير في صلاة النهار، ينهى عن الجهر في الصلاة السرية.
(ث-٤٢٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، أنه رأى رجلًا يجهر بالقراءة نهارًا، فدعاه، فقال: إن صلاة النهار لا يجهر فيها، فأسر قراءتك (٤).
[بشر بن حرب ليس بالقوي] (٥).
стр. 1515
مما يدل على أن الجهر اليسير لا ينافي السرية، والبحث هو في الجهر الكلي في الصلاة السرية، والله أعلم.
* دليل من قال: يكره الجهر والإسرار في غير موضعه.
المكروه عند الفقهاء قسمان:
قسم: ورد النهي عنه بعينه إلا أن النهي لم يكن جازمًا، فهذا من المكروه المتفق عليه.
وقسم ما خالف فيه سنة مؤكدة، فبعض العلماء يلحق هذا بالمكروه، ويعبر عنه بعض الأصوليين بخلاف الأولى، وهو أخف كراهة من القسم الأول الذي ورد النهي عنه بذاته، وترك الجهر والإسرار في موضعه ملحق بهذا القسم، وهو خلاف الأولى.
وقد ينازع بعضهم في إلحاق هذا القسم بالمكروه؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالمكروه ملحق بالمنهيات، والسنن ملحقة بالمأمورات، والله أعلم.
* الراجح:
قول الحنفية فيه قوة، وقول الجمهور أقوى، والأصل عدم الوجوب، ومن جهر في موضع الإسرار بغرض التعليم ففعله حسن، ومن جهر معتقدًا أن الجهر أفضل ففعله منكر؛ لأن مخالفة السنة لا يمكن أن تكون أفضل.
* * *
стр. 1516
المسألة الثانية حكم الجهر والإسرار بالقراءة للمنفرد
المدخل إلى المسألة:
* إذا كان الإسرار مستحبًّا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو مستحب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.
* يتبع المصلي المنفرد ما هو أخشع لقلبه، وأنشط على الصلاة.
* استحباب الجهر للإمام من أجل الإسماع، والمنفرد لا يُسْمِعُ أحدًا.
* إذا اختار المنفرد الجهر فلا يكون جهره بمنزلة جهر الإمام الذي يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ، وإنما هو وسط بين الجهر والإخفات.
[م-٦٠٠] اختلف الفقهاء في حكم الإسرار للمنفرد في الصلاة السرية:
فقال الحنفية: المخافتة في السرية واجبة في حق المنفرد على الأصح (١).
قال في بدائع الصنائع: «إن كان منفردًا، فإن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت لا محالة، وهو رواية الأصل ... » (٢).
وجهه: إذا كان الإسرار واجبًا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو واجب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.
وقد ناقشت مذهب الحنفية في وجوب الإسرار على الإمام في المسألة
стр. 1517
السابقة، فانظره هناك.
وقال الجمهور: الإسرار سنة في السرية (١).
* واستدلوا على الاستحباب:
ذكرنا الأدلة على أن الإسرار سنة في موضعه في حق الإمام في المسألة السابقة، وإذا كان الإسرار مستحبًّا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو مستحب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.
ولأن الجهر والإسرار هيئة للذكر، فوجب أن يستوي حكمه في حق الإمام والمنفرد؛ فصلاة الإمام في حكم صلاة المنفرد؛ لأن نية الإمامة ليست بشرط، فلو صلى ولم يَنْوِ الإمامة، وصلى جماعة بصلاته صح اقتداؤهم به، وإن لم ينو الإمامة بهم، بخلاف الائتمام فإنه لا يصح إلا بنية.
وأما الجهر في الجهرية:
فقال الحنفية والحنابلة: يخير المنفرد، إن شاء خافت وإن شاء جهر، والجهر أفضل عند الحنفية (٢).
стр. 1518
* وجه التخيير:
أن لكل من الجهر والإسرار ما يسوغه، فالجهر اعتبار بالوقت، حيث صلاة الليل جهرية، وغالب صلاة النهار سرية.
والمخافتة باعتبار أن الجهر من أجل الإسماع، وهولا يُسْمِعُ أحدًا. والله أعلم.
واختار المالكية والشافعية أنه يسن له الجهر، وهو رواية عن أحمد (١).
قال القيرواني في الرسالة: «وأما الجهر فأن يسمع نفسه ومن يليه إن كان وحده» (٢).
* دليل من قال: يستحب الجهر:
الدليل الأول:
(ح-١٥٨١) ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن إسحاق، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح،
عن أبي قتادة؛ أن النبي ﷺ خرج ليلةً، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر بن الخطاب، وهو يصلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ ، قال: يا أبا بكر، مررتُ بك وأنتَ تصلي تخفض صوتك؟ قال: قد أسمعتُ مَن ناجيتُ يا رسول الله. قال: وقال لعمر: مررتُ بك، وأنت تصلي رافعًا صوتك؟ قال: فقال: يا رسول الله! أوقظُ الوَسنانَ، وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا (٣).
[المحفوظ أنه مرسل، ووصله شاذ] (٤).
الدليل الثاني:
أن الاعتبار بالصلاة في الجهر والإسرار، ولأنه إذا جهر في الصلاة الجهرية لم ينازع غيره، ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره، فكان حكمه حكم الإمام (١).
* الراجح:
القول بالتخيير فيه قوة، ويتبع المصلي ما هو أخشع لقلبه، وأنشط على الصلاة، فمن الناس من يكون حاله في الجهر أكثر تدبرًا وتلذذًا بالقرآن، ومن الناس من يجد خشوعه أكثر في الإسرار، وإذا جهر لا يكون جهره بمنزلة جهر الإمام الذي يسمع من خلفه، وإنما وسط بين الجهر والإخفات.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠].
* * *
стр. 1521
المسألة الثالثة حكم الجهر بالقراءة للمأموم
المدخل إلى المسألة:
* أجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار بالقراءة.
* جهر المأموم بالقراءة فيه مفسدتان: منازعة الإمام، والتشويش على المأموم.
* قول النبي ﷺ مالي أنازع القرآن نهي عن الجهر لا عن أصل القراءة.
[م-٦٠١] اتفق العلماء على أن المأموم لا يشرع له الجهر بالقراءة خلف الإمام، لا فرق في ذلك بين الصلاة السرية والجهرية.
قال النووي: «أجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار، ويكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا ... » (١).
وقال ابن قدامة: «وهذا الجهر مشروع للإمام، ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف» (٢).
وحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع (٣).
وقال ابن حزم: فرض عليه الإسرار ... ولو جهر بطلت صلاته.
(ح-١٥٨٢) ومستند الإجماع ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، أو العصر، فقال: أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها (٤).
стр. 1522
فهذا الحديث ليس فيه النهي عن القراءة، وإنما يفهم منه النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام.
وقد روى أبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق ومحمد بن كثير العبدي، وشبابة عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين به، زاد في آخره: قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه (١).
قال البيهقي: إن كان كره النبي ﷺ من قراءته شيئًا فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإمام، ألا تراه قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة؛ وإلا لم يسمِّ له ما قرأ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام، فأما أن يترك أصل القراءة فلا» (٢).
وقال ابن عبد البر في التمهيد: «ليس في هذا الحديث دليل على كراهية ذلك (يعني: القراءة خلف الإمام في السرية)؛ لأنه لو كرهه لنهى عنه، وإنما كره رفع صوت الرجل بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في صلاةٍ سُنَّتُها الإسرارُ بالقراءة» (٣).
وقال النووي عن قوله: (خالجنيها): «أي نازعنيها، ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم» (٤).
* * *
стр. 1523
المسألة الرابعة حكم جهر المرأة بالقراءة
المدخل إلى المسألة:
* الأصل أن كل ما ثبت للرجل في الصلاة ثبت ذلك في حق المرأة إلا بدليل.
* إذا ورد خطاب شرعي بلفظ المذكر كان ذلك خطابًا للنساء إما لشمول الخطاب، أو بمقتضى القياس، إلا بدليل يقتضي تخصيص الحكم بالرجال، ولم يَأْتِ دليل يمنع المرأة من الجهر إذا كانت وحدها، أو بحضرة النساء.
* صوت المرأة ليس بعورة على الصحيح.
* قال ابن حزم: لم يختلف مسلمان في أن سماع الناس كلام نساء رسول الله ﷺ مباح للرجال، ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء.
* قول ابن مسعود: المرأة عورة، يقصد به عورة المرأة إذا خرجت من بيتها، وليس في عورة المرأة وحدها، ولا عند محارمها، ولا في صلاتها.
* حديث المرأة عورة على التسليم بصحته مرفوعًا خص منه بالإجماع وجه المرأة في الصلاة، ويخص منه صوت المرأة على الصحيح.
* إذا لم تجهر المرأة بالتسبيح وشرع في حقها التصفيق بدلًا منه لم تجهر بالقرآن في حضرة الأجانب، وإن كان صوتها ليس بعورة.
[م-٦٠٢] اختلف العلماء في جهر المرأة بالقراءة:
فقيل: تسر القراءة في الصلاة مطلقًا، ولو كانت وحدها، ولو جهرت لم تفسد صلاتها، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، وقول للحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية (١).
стр. 1524
قال ابن الهمام من الحنفية: لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهًا (١).
وقال القاضي حسين: «ولأصحابنا في صوت المرأة وجهان:
أحدهما: هو عورة ... فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها.
الثاني: لا، وهو الأصح» (٢).
وجاء في المدونة: «قال مالك في المرأة تصلي وحدها صلاة يجهر فيها بالقراءة، قال: تسمع المرأة نفسها، قال: وليس شأن النساء الجهر إلا الأمر الخفيف في التلبية، وغير ذلك» (٣).
وقال خليل في التوضيح: «وجهر المرأة كَسِرِّها، فتسمع نفسها فقط» (٤).
وقيل: تجهر مطلقًا، وبه قال ابن حزم (٥).
وقال الشافعية: إن كانت تصلي خالية، أو بحضرة نساء، أو رجال محارم جهرت بالقراءة، وإن صلت بحضرة أجنبي أَسَرَّتْ، وهو مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٦).
قال في كشاف القناع: «ولا بأس بجهر امرأة في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي منها، بأن كانت تصلي وحدها، أو مع محرمها، أو مع النساء» (٧).
стр. 1525
وقيل: تجهر إذا صلت بالنساء، ولا تجهر إذا صلت وحدها، وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة (١).
* دليل من قال: لا تجهر مطلقًا:
الدليل الأول:
استدل القائلون بالمنع مطلقًا على اعتبار أن المرأة عورة.
(ح-١٥٨٣) لما رواه الترمذي من طريق عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٢).
[صحيح موقوفًا، وجاء مرفوعًا، إلا أن الأكثر على وقفه] (٣).
إذا كانت المرأة عورة كان صوتها عورة كذلك، وإذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى.
* ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
الأثر موقوف، والحجة في المرفوع.
* ويجاب:
بأن الاحتجاج بالموقوف محل خلاف بين أهل الأصول، والأصح أنه حجة إذا لم يعارض نصًّا، ولم يخالفه قول صحابي آخر، وعلى التسليم بأنه ليس دليلًا فهو صالح باعتباره من أدوات الترجيح في مسائل الخلاف لكون الصحابي أقدر على فهم أحكام الشرع، لأخذه الأحكام من رسول الله ﷺ مباشرة.
الوجه الثاني:
بأن العموم قد يطلق ويراد به الخصوص، فالأثر يتكلم عن عورة المرأة إذا
стр. 1526
خرجت من بيتها، وليس في عورة المرأة وحدها، ولا عند محارمها، ولا في صلاتها.
الوجه الثالث:
على التسليم بصحته للاحتجاج، فإن العموم في قوله: (المرأة عورة) لا يشمل ما خُصَّ منه؛ لأن الخاص مقدم على العام.
وقد خص منه بالإجماع وجه المرأة في الصلاة، وسبق الكلام عليه عند بحث عورة المرأة في الصلاة.
ويخص منه صوت المرأة، قال ابن حزم: «لم يختلف مسلمان في أن سماع الناس كلام نساء رسول الله ﷺ مباح للرجال، ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء، وبالله تعالى التوفيق» (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٥٨٤) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وفيه ... قال رسول الله ﷺ : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، من رابه شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح الْتُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء (٢).
قال القاضي عياض: «عللوا اختصاص النساء بالتصفيق لأن أصواتهن عورة» (٣).
* ويناقش:
بأن الحديث يحتمل: (إنما التصفيق للنساء) أي من فعل النساء، قال ذلك على وجه الذم، فنهى الرجال عن التشبه.
ويحتمل الحديث: إنما التصفيق مشروع للنساء أي في الصلاة، وهو الأرجح كما تفيده رواية أبي هريرة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.
وعلى الاحتمال الأول لا حجة فيه مطلقًا في مسألتنا؛ لأن الحديث إنما توجه
стр. 1527
في النهي عن تشبه الرجال بالنساء بعادة التصفيق، ولا يؤخذ منه تشريع التصفيق للنساء في الصلاة.
وعلى الاحتمال الثاني يكون ذلك خاصًّا بحضرة الرجال الأجانب، وليس مطلقًا، فعلى الاحتمالين لا يصح مستمسكًا بمنع المرأة مطلقًا عن الجهر بالصلاة، ولو كانت وحدها.
* دليل من قال: تجهر مطلقًا:
الدليل الأول:
صوت المرأة ليس بعورة، ولقد كانت المرأة تأتي إلى النبي ﷺ فتسأله المسألة، وهو بين أصحابه، فيسمعها، ويقر أصحابه على سماعها، وما نهيت المرأة عن القول، وإنما نهيت عن الخضوع فيه.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وإذا جهرت المرأة في خطابها بمحضر الرجال في حاجاتها المباحة كالبيع والشراء، والاستفتاء، فالجهر بالقرآن أولى بالجواز.
* ويناقش:
صوت المرأة -وإن لم يكن عورة- فإنه يخشى منه الفتنة.
* ويجاب:
إذا خشي منه الفتنة كما لو كان صوت المرأة فيه أنوثة غير معتادة، يخشى منه الافتتان فهذه حال خاصة، لا تأخذ حكمًا عَامًّا في كل النساء، كما حرم بعض الفقهاء النظر إلى الأمرد إذا خشي منه الفتنة، وإن لم يكن هذا حكمًا عَامًّا في النظر إلى كل أمرد.
الدليل الثاني:
والأصل أن كل ما ثبت للرجل في الصلاة ثبت ذلك في حق المرأة إلا بدليل، فإذا ورد خطاب شرعي بلفظ المذكر كان ذلك خطابًا للنساء إما لشمول الخطاب، أو بمقتضى القياس، إلا بدليل يقتضي تخصيص الحكم بالرجال، ولم يَأْتِ دليل يمنع المرأة من الجهر، فتدخل في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية.
стр. 1528
* دليل من قال: لا تجهر في حضرة الأجانب:
* الدليل الأول:
(ح-١٥٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (١).
ورواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سفيان به، وزاد: (في الصلاة) (٢).
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وحده،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة.
فزاد لفظ: (في الصلاة) وهي زيادة محفوظة (٣).
ورواه مسلم من طريق الفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس، كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله (٤).
أي بمثل رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ليس فيه زيادة (في الصلاة).
ورواه مسلم أيضًا من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ
стр. 1529
بمثله، وزاد: في الصلاة (١).
ورواه أحمد من طريق هشام، عن محمد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء بالصلاة (٢).
[سنده في غاية الصحة] (٣).
وجه الاستدلال:
أن المرأة لم يشرع لها التسبيح في الصلاة، وشرع لها بدلًا من ذلك التصفيق كله حتى لا تجهر بصوتها بحضرة الرجال الأجانب، وإن لم يكن صوتها عورة، وإذا لم تجهر بالتسبيح لم تجهر في القرآن في حضرة الأجانب.
* دليل من قال: تجهر إذا صلت بالنساء، ولا تجهر إذا صلت وحدها:
يمكن أن يستدل له بأن الجهر شرع من أجل إسماع المقتدي، فإذا صلت وحدها فلا حاجة للجهر.
وكون الجهر لا حاجة له، لا ينفي على الأقل إباحته كالرجل إذا صلى وحده، يباح له الجهر أو يشرع، وإن كان لا يُسْمِعُ أحدًا، والله أعلم.
* الراجح:
أرى أن قول الشافعية والحنابلة وسط بين المانع مطلقًا، وبين المجيز مطلقًا، فإذا كانت المرأة في حضرة الرجال الأجانب لم يشرع لها الجهر، وإن كان صوتها على الأصح ليس بعورة، ولكن من باب سد الذرائع، ولو جهرت لم تبطل صلاتها، والله أعلم.
* * *
стр. 1530
الفرع الرابع في أقل الجهر وأعلاه
المسألة الأولى في أقل الجهر
المدخل إلى المسألة:
* أكمل الجهر إسماع جميع المأمومين، وأدناه إسماع بعضهم، وإذا لم يسمعه أحد فلم يقم بسنة الجهر.
* المقصود من الجهر الإسماع، فإذا لم يسمعه أحد لم يخرج عن حد الإسرار.
* إذا أسمع القارئ نفسه فقط في الصلاة السرية لم يخرج بصلاته عن حد الإسرار.
[م-٦٠٣] ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأكثر مشايخ الحنفية إلى أن أقل الجهر أن يسمع من يليه (١).
стр. 1531
جاء في البحر الرائق: «أكثر المشايخ على أن الصحيح أن الجهر أن يسمع غيره والمخافتة أن يسمع نفسه» (١).
وقال الخرشي: «وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلاه لا حد له» (٢).
وجاء في مسائل حرب الكرماني: «سئل أحمد عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها إذا سمع أذنيه؟ قال: يسمع من إلى جنبه» (٣).
لأن المقصود من الجهر إسماع المأموم، فإذا لم يسمعه أحد كانت قراءته سرية.
وخالف الكرخي من الحنفية، فقال: أدنى الجهر أن يسمع نفسه، وأدنى المخافتة تصحيح الحروف؛ لأن القراءة فعل اللسان، ولا علاقة للأذن به (٤).
وَيُرَدُّ عليه:
أن المطلوب في الجهر ليس مطلق الجهر، فالجهر في الصلاة الجهرية لم يشرع من أجل أن يسمع الإمام نفسه فقط، ولو أسمع نفسه في الصلاة السرية لا يعتبر أنه خرج بصلاته عن حد السرية، وإن اختلفوا في اشتراطه في حد القراءة، فتلك مسألة أخرى؛ بل شرع الجهر لإسماع المأموم، ويكفي إسماع بعضهم، فإذا لم يُسْمِعْ أحدًا منهم كان في حكم من أسر صلاته.
* الراجح:
أن أكمل الجهر إسماع جميع المأمومين، وأدناه إسماع بعضهم، وإذا لم يسمعه أحد فلم يقم بسنة الجهر، والله أعلم.
* * *
стр. 1532
المسألة الثانية في أعلى الجهر
المدخل إلى المسألة:
* يتفاوت الناس في قوة الصوت وحدته.
* لا يتكلف الإمام في الجهر بالقراءة إلا بحدود ما أعطاه الله.
* لا حد لأعلى الجهر؛ بشرط ألا يجهد نفسه، ولا يؤذي غيره.
* إسماع جميع المصلين أفضل بلا تكلف، وليس بشرط في تحقيق سنة الجهر.
* سمع عمر أبا محذورة وقد رفع صوته بالأذان، فقال: أما خشيت أن ينقطع مُرَيْطَاؤكَ؟ والمُريطَاء: ما بين السرة والعانة.
[م-٦٠٤] قال الحنفية: يجهر بحسب حاجة الجماعة، فإن زاد فوق حاجة الجماعة فقد أساء (١).
وخالف أبو جعفر من الحنفية، فقال: كلما زاد في الجهر فهو أفضل بشرط ألا يجهد نفسه، ولا يؤذي غيره (٢).
وقال المالكية: لا حد لأعلاه، وهو الصواب (٣).
قال ابن ناجي التنوخي في شرح الرسالة: «وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وأعلاه لا حد له» (٤).
стр. 1533
(ث-٤٢٤) لما رواه مالك في الموطأ، عن عمه أبي سهيل بن مالك،
عن أبيه أنه قال: كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم بالبلاط (١).
[صحيح] (٢).
قال ابن عبد البر: «كان عمر مديد الصوت فمن هناك كان يبلغ صوته حيث وصف سامعه، وفيه تفسير لحديث: (لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) أنه في المنفردين، وأما قراءة الإمام في المكتوبة أو غيرها فلا» (٣).
قال أبو الوليد الباجي: «ذكر بعض أهل التفسير أن صوت عمر إنما سمع في ذلك المكان لجهارته وقوته» (٤).
وقال الباجي: «لا بأس أن يرفع الإمام صوته فيما يجهر فيه من الفرائض وكذا النوافل، وقد روى أشهب عن مالك لا بأس أن يرفع المتنفل ببيته صوته بالقراءة ولعله أنشط له وأقوى» (٥).
* فالراجح:
أن الإمام يجهر بما يناسب صوته، ولا يجهد نفسه، والله أعلم.
* * *
стр. 1534
الفرع الخامس في جهر بعض المصلين على بعض
المدخل إلى المسألة:
* سمع النبي ﷺ أصحابه وقد جهر بعضهم على بعض بالقراءة، فنهاهم عن ذلك، وقال: لا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة.
* إذا كان جهر بعض القراء على بعض موصوفًا بالأذية، فالأصل في أذية المسلم التحريم.
* نهى الرسول ﷺ من جهر بعض المصلين على بعض، والأصل في النهي التحريم.
* الأذى بالجهر إن كان يؤذي من بجانبه ويؤثر على خشوعه في الصلاة كان فعله محرمًا، وإن كان أدنى من ذلك فهو مكروه؛ لأنه أقل ما يدل عليه النهي.
[م-٦٠٥] عرفنا حكم المنفرد في الجهر والإسرار، فإذا شرع له الجهر فعليه أن يتحرى الجهر الخفيف الذي لا يتأذى به نائم ولا مُصلٍّ آخر، فإن فعل:
فقيل: يحرم، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقال مرعي الحنبلي: يتجه التحريم (١).
قال محمود محمد السبكي في الدين الخالص: «لا يجوز رفع الصوت في المسجد ولو بالقرآن والذكر» (٢).
стр. 1535
وقيل: يكره، وهو مذهب الشافعية، ونقله ابن مفلح عن صاحب الترغيب وغيره (١).
جاء في حاشية الجمل: «قوله: (إن لم يشوش على نائم) أي وإلا كره، وقيل: يحرم» (٢).
وقال ابن قدامة: «إن كان قريبًا منه من يتهجد، أو من يُسْتَضَرُّ برفع صوته فالإسرار أولى» (٣).
* واستدل من قال بتحريمه أو كراهته أو جعله خلاف الأولى:
(ح-١٥٨٦) بما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي سعيد الخدري، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قبة له، فكشف الستور، وقال: كلكم مناجٍ به، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة (٤).
[صحيح] (٥).
فمن نظر إلى أن الأصل في النهي التحريم، وأن العلة هي أذية المسلم، ذهب إلى القول بالتحريم.
стр. 1536
ومن نظر إلى أن الجهر لا يؤدي إلى فساد صلاة الآخرين، وإلا كيف يصلي الإنسان تحية المسجد، والإمام يخطب الجمعة؛ نظر إلى أن النهي محمول على الكراهة، وأضعف الأقوال من اعتبر ذلك الإسرار أولى، فيكون الجهر خلاف الأولى، وهذا يصح فيما لم يرد فيه نهي خاص، أما ما ورد فيه نهي خاص فهو دائر بين التحريم والكراهة، والله أعلم.
* * *
стр. 1537
الفرع السادس الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية
المدخل إلى المسألة:
* الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها مقصودة، وأفعاله التعبدية على التأسي إلا أن يقوم دليل على الخصوصية.
* لا يسوغ أن يحمل جهر النبي ﷺ بالآية أحيانًا على السهو من غير بيان؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يختلط المشروع بغيره.
* لا بأس أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ لإعلام من خلفه أنه يقرأ لا سيما ممن يُنْظَرُ إلى فعله ويُقْتَدَى به.
* الجهر والإسرار في موضعه من سنن الصلاة، والقول بوجوبه قول ضعيف.
* لا يحفظ في السنة أمرٌ بالجهر والإسرار، والمنقول فعله ﷺ وأفعاله التعبدية على الاستحباب، لا على الوجوب إلا ما كان منها بيانًا لمجمل واجب.
* ترك المستحب لمصلحة راجحة جائز بقدرها.
* ترك الواجب عمدًا عند الحنفية لا يبطل الصلاة، وقال به المالكية في بعض المسائل.
(ح-١٥٨٧) روى البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (١).
стр. 1538
(ح-١٥٨٨) و روى النسائي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران، قال: حدثنا سلم بن قتيبة قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق،
عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات (١).
[حسن إن سلم من الاختلاف على سلم بن قتيبة، ويشهد له حديث أبي قتادة في الصحيحين] (٢).
فقول أبي قتادة: (ويسمعنا الآية أحيانًا) قوله: (أحيانًا) يدل على تكرار ذلك منه، واختلفوا في ذلك: أكان ذلك من غير قصد، وإنما وقع سبق لسان؛ للاستغراق في التدبر، أم كان ذلك عن قصد؟
وإذا كانت مقصودة: أكان يقصد ﷺ إخبارهم بأنه يقرأ حتى لا يظن أحد أن المشروع السكوت بلا قراءة، أم أن المقصود لكي يقفوا على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي، أم من أجل أن ينتبه غافلهم، أم أراد بذلك بيان جواز الجهر ببعض الآي في السرية؟ كل ذلك قيل به، ولا منافاة من إرادتها كلها أو أكثرها، وبعضها أرجح من بعض، وهل يؤخذ من الجهر بالآية جواز الجهر بالسرية والإخفات في الجهرية، أم يقال: إن الجهر في الآية جهر خفيف دون الجهر المعتاد، ومقدارها يسير فلا يستدل به على جواز الجهر بجميع قراءة الصلاة السرية، كل هذا كان محل بحث بين فقهائنا (٣).
[م-٦٠٦] إذا عرفت ذلك فتعال نقف على بعض كلام أهل العلم في المسألة:
قال الحنفية: الإخفات والجهر واجب في موضعه فلا يجهر ولو بكلمة واحدة (٤).
стр. 1539
قال في العناية: «الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات» (١).
فإن جهر عامدًا سواء أكان إمامًا أم منفردًا فقد أساء، وصلاته تامة، وإن جهر ساهيًا، وكان إمامًا وجب عليه سجود السهو بخلاف المنفرد.
واختلف الحنفية في مقدار ما يتعلق به سجود السهو.
فقيل: إذا جهر بكلمة واحدة، وجب عليه سجود السهو، وهذا هو ظاهر الرواية (٢).
قال ابن نجيم: «ظاهر الرواية وجوب السجود على الإمام إذا جهر فيما يخافت أو خَافَتَ فيما يجهر قَلَّ ذلك أو كَثُرَ وكذا في الظهيرية والذخيرة زاد في الخلاصة وعليه اعتماد شمس الأئمة الحلواني ... » (٣).
* وجه ظاهر الرواية:
أن فرض القراءة عند أبي حنيفة يتأدى بآية واحدة، وإن كانت قصيرة، فإذا غير صفة القراءة في هذا القدر تعلق به السهو.
وروي عن أبي يوسف: أنه إذا جهر بحرف واحد سجد (٤).
وحديث أبي قتادة رد عليهما (٥).
وقيل: إذا جهر بآية تامة، وتركوا ظاهر الرواية؛ لما فيها من الشدة، فالقليل عفو كما يدل عليه حديث أبي قتادة.
وتَأَوَّلُوا قوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا) بأن الجهر بالآية لا يستلزم الجهر بتمامها، فإنك تقول: ضربت زيدًا، مع أنك لا تضرب إلا بعضه.
стр. 1540
وقال ابن الهمام: «الاحتراز عن الجهر بالكلية منها متعسر، فإن في مبادئ التنفسات غالبًا يظهر الصوت، وفي الحديث: (وكان يسمعنا الآية أحيانًا) وهو والله أعلم بهذا السبب» (١).
وهذا الحمل ضعيف؛ لأن النبي ﷺ لم يكن فعله غير مقصود، بحيث يظهر الصوت عند مبادئ التنفس بلا قصد مع قول الصحابي: (ويسمعنا)، وسوف أبين ضعف هذا الاحتمال عند عرض مذهب السادة الشافعية.
وقيل: إذا جهر بما يتأدى به فرض القراءة وهي عندهما (أبي يوسف ومحمد) آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار، فإن جهر بأَقَلَّ من ذلك لم يتعلق به سجود السهو (٢).
قال ابن نجيم في البحر: «اختلف الترجيح على ثلاثة أقوال، وينبغي عدم العدول عن ظاهر الرواية الذي نقله الثقات من أصحاب الفتاوى» (٣).
زاد المصنف في منحه نقلًا من حاشية ابن عابدين: «وأنا أعجب من كثير من كُمَّلِ الرجال كيف يعدل عن ظاهر الرواية الذي هو بمنزلة نص صاحب المذهب إلى ما هو كالرواية الشاذة. اهـ.
فتعقب ذلك ابن عابدين بقوله: لا عجب من كُمَّلِ الرجال كصاحب الهداية والزيلعي وابن الهمام حيث عدلوا عن ظاهر الرواية لما فيه من الحرج، وصححوا الرواية الأخرى للتسهيل على الأمة، وكم له من نظير ولذا قال القهستاني: ويجب السهو بمخافتة كلمة لكن فيه شدة. وقال في شرح المنية: والصحيح ظاهر الرواية، وهو التقدير بما تجوز به الصلاة من غير تفرقة؛ لأن القليل من الجهر في موضع المخافتة عفو أيضًا؛ ففي حديث أبي قتادة في الصحيحين ... (ويسمعنا الآية أحيانًا). ا هـ.
ففيه التصريح بأن ما صححه في الهداية ظاهر الرواية أيضًا، فإن ثبت ذلك فلا كلام، وإلا فوجه تصحيحه ما قلنا، وَتَأَيُّدُهُ بحديث الصحيحين، وقد قدمنا في
стр. 1541
واجبات الصلاة عن شرح المنية: «أنه لا ينبغي أن يعدل عن الدراية أي الدليل إذا وافقتها رواية» (١).
* واختلف جواب الحنفية عن حديث أبي قتادة: (ويسمعنا الآية أحيانًا).
فقال بعضهم: إنه كان لتعليم ما يقرأ، لا أن الجهر في نفسه مقصود، فلا يكون الحديث دليلًا على أن الجهر في نفسه سنة، كما كان يجهر بعض الصحابة بالتسمية، وبدعاء الاستفتاح ولم يكن الجهر بهما سنة بل تعليمًا بأنه يقرأ (٢).
وهذا الجواب من أقوى الأجوبة، لكنه لا يخلص الحنفية، فلو كان الإخفات والجهر واجبين في محلهما لما جهر النبي ﷺ في السرية من أجل التعليم، فلا يتصور ارتكاب الحرام مع إمكان التعليم بالقول خارج الصلاة، وهو أبلغ من التعليم بالفعل؛ لأن الفعل يدخله من الاحتمالات ما لا يدخل القول.
وقال علي القارئ الحنفي في شرح المشكاة: قوله: (وكان يسمعنا الآية أحيانًا) لا يجوز حمله على بيان الجواز؛ لأن الجهر والإخفاء واجبان على الإمام، إلا أن يراد ببيان الجواز سماع الآية أو الآيتين لا يخرجه عن السر (٣).
وقال في بدائع الصنائع: «لما ورد الحديث مُقَدَّرًا بآية أو آيتين ولم يرد بأزيد من ذلك كانت الزيادة تركًا للواجب، فيوجب السهو» (٤).
* وَيَرِدُ عليه:
بأن الجهر لا يخلو إما أن يكون مباحًا، فالكثير منه والقليل سواء، أو يكون محظورًا، فالقليل والكثير منه سواء، ولا يجوز أن يُفَرَّق في الحرام بين القليل والكثير إلا بنص يعتمد عليه في التفريق، والأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة
стр. 1542
الكثير، هذا إذا كان الحنفية يقولون بإباحة الجهر في الآية والآيتين، فلا علاقة في مذهبهم بين ترتب السجود على الفعل وبين إباحة الفعل؛ لأن السجود متعلق بفعله سهوًا، والساهي لا إثم عليه، والنبي ﷺ لم يفعله ساهيًا، بدليل قول الصحابي: (ويسمعنا الآية أحيانًا) أي يقصد إسماعهم، والتحريم عند الحنفية يتعلق بفعله عامدًا، والعامد لا سجود عليه، ولو كان كثيرًا.
ولهذا جاء في التجريد للقدوري: «أن هذا فَعَلَه -يعني النبي ﷺ على وجه العمد، وعندنا لا يثبت السجود فيما تعمده» (١).
وهذا الجواب قد يدفع الإيراد عليهم بعدم سجود النبي ﷺ للسهو، ولكنه لا يُخَلِّصهم من القول بأن من جهر في صلاته عامدًا فقد أساء، فإن جهر النبي ﷺ أَقَلُّ ما يدل عليه هو الجواز، إن لم يدل على الاستحباب.
وذكر في الخلاصة نقلًا من البحر الرائق: «أنه لو أسمع رجلًا أو رجلين لا يكون جهرًا، والجهر أن يسمع الكل» (٢).
وهذا من أضعفها؛ فهل يقول الحنفية فيما يجب فيه الجهر عندهم أنه لو أسمع بعض المأمومين لا يكون قائمًا بالواجب حتى يسمع الكل؟.
ولأن قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، ظاهره أنه يسمع جميع المصلين وأَقَلُّه أنه قد أسمع أغلبهم، لا بعضهم.
هذا ملخص الأقوال في مذهب الحنفية، وكلامهم في مسألتين:
إحداهما: أن الجهر والإخفات في موضعه واجب مطلقًا، فلا يجهر ولو بكلمة واحدة.
الثانية: أنهم قد اختلفوا فيما يتعلق به سجود السهو، فقيل: إذا جهر بكلمة، وقيل: بحرف، وقيل: بآية ولو قصيرة، وقيل: بآية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة.
والحق أن الجهر لا يتعلق به سجود سهو، سواء أكان ذلك بقدر ما جهر به النبي ﷺ ، أم كان بأكثر من ذلك، وسواء أكان ساهيًا أم كان عامدًا، فلم يسجد النبي ﷺ
стр. 1543
حين جهر، ولو كان يختلف الحكم إذا زاد في جهره على مقدار الآية لبينه النبي ﷺ .
وقد فصلت حكم الجهر بالقراءة في مسألة مستقلة سابقة، فارجع إليه إن رمت الوقوف على أدلتهم.
وقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا (١).
وهذا القول شاذ، فإن الجهر والإسرار ليس فيهما إلا فعل الرسول ﷺ ، ولم يحفظ في السنة أمر منه بهما، وأفعاله التعبدية على الاستحباب، لا على الوجوب، إلا ما كان منها بيانًا لمجمل واجب، وليس هذا منها.
وقال ابن بطال: «وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه» (٢).
واعتبر القاضي عياض: أن الجهر بالآية في الصلاة السرية دون الجهر المعتاد بالصلوات الجهرية، وهو نوع من الجهر الخفيف، فإذا جهر بهذه الصفة فلا شيء فيه (٣).
هل أراد القاضي عياض أن يقول: إن الجهر الخفيف لا يعطى حكم الجهر، إن كان أراد ذلك فهو قول ضعيف، ومخالف للمذهب.
فالمالكية يرون أن أدنى الجهر أن يسمع نفسه، ومن يليه (٤)، وقد قال أبو قتادة: ويسمعنا الآية، فعبر بلفظ الجمع، فهو مقطوع بإسماع من يليه.
وقال الشافعي: «لا نرى بأسًا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ ليعلم من خلفه أنه يقرأ» (٥).
стр. 1544
ونفي البأس غاية ما يدل عليه هو الإباحة، وليس الاستحباب.
وقال ابن دقيق العيد: «الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر، لا يوجب سهوًا يقتضي السجود» (١).
فجعله من الجائز المغتفر، وليس من الأمور المطلوب فعلها.
كما أن الشافعي يرى أن المقصود بالجهر ليس الجهر نفسه، وإنما لإعلام من خلفه أنه يقرأ، وحتى لا يظن أحد أن المشروع في الصلاة السرية السكوت بلا قراءة، كما ظن ذلك ابن عباس، فكان يسمعهم الآية أحيانًا لغرض التعليم، كما جهر بعض الصحابة بدعاء الاستفتاح لغرض التعليم، وليس الجهر فيه من السنة.
وقال النووي: «هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، والله أعلم» (٢).
فهنا النووي جزم بأن الفعل لبيان الجواز، وساق القول بأنه فعله من غير قصد احتمالًا بصيغة التمريض، وفي شرح المهذب سوَّى بينهما.
قال في المجموع: «وهذا محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر بالآية من غير قصد، أو أنه فعله لبيان جواز الجهر، وأنه لا تبطل به الصلاة، ولا يقضي سجود سهو، أو أنه ليعلمهم أنه يقرأ، أو أنه يقرأ السورة الفلانية» (٣).
فالقول بأنه سبق لسان قول ضعيف؛ لأن الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها مقصودة، وأفعاله التعبدية على التأسي، وحَمْلُ فعله على السهو من غير بيان لا يسوغ؛ لأنه يؤدي إلى أن يختلط المشروع بغيره، فلووقع من غير قصد لجاء البيان حفظًا للشريعة من التلبيس والخلط، وقد تعهد الله بحفظ الشريعة، وهذا ما فهمه الصحابي ﵁ من قوله: (يُسْمِعُنا) دليل على أن المصطفى كان يتقصد إسماعهم، والنووي أَخَّر هذا القول وساقه بصيغة التمريض، وعلى طريقة
стр. 1545
الاحتمال، فلم يكن هذا القول مقدمًا عند النووي.
والجزم بأنه جهر من أجل بيان الجواز قول ضعيف والله أعلم، فالأقوى منه القول بأنه أراد ليُعْلِمَ الأمة أنه يقرأ، وليقفوا على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي، فإن حاجة الأمة إلى معرفة هذا لصحة صلاتهم أشد من حاجتهم إلى معرفة جواز الجهر بالسِّريَّة، فإنه لو لم يعرفه المصلي ما ضَرَّ صلاته، ولو كان الفعل لبيان جواز الجهر لجهر النبي ﷺ بكل القراءة، ولما اقتصر على آية منها، خاصة أن الجهر بآية لا ينافي السرية، فلا دلالة فيه صريحة على جواز الجهر بكامل القراءة إلا عن طريق دلالة القياس، وذلك بالقول بجواز الجهر بكامل القراءة قياسًا على جواز الجهر بالآية منها، وقد ينازع المخالف بهذه الدلالة.
قال ابن رجب: قوله: (كان يسمعنا الآية أحيانًا): ظاهره: أنه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر، فإنه حصل لبعضهم شَكٌّ في ذلك» (١).
قلت: يقصد به ابن عباس،
(ح-١٥٨٩) فقد روى أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من طريق موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، قال:
دخلت على ابن عباس، في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بَلَّغَ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس.
[صحيح] (٢).