القدرة، وعجزه عن اللفظ يسقط عنه اللفظ وحده؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز، ولا يسقط عنه ما قدر عليه من القراءة بالمعنى، وذلك يعني جواز قراءة ترجمة القرآن بالعجز.
* ونوقش هذا:
بأن العبادات إذا عجز عنها، فمنها ما يسقط بالعجز، كما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط عن العاجز فرض زكاة الفطر، فإذا عجز عنها وقت الوجوب سقطت، ولم تثبت في ذمته حتى لو تمكن بعد ذلك لم تلزمه.
ومنها ما يسقط إلى بدل، وإذا نص على البدل تعين، فلا يجوز الانتقال إلى غيره، كما في التيمم فإنه بدل عن طهارة الماء عند تعذر استعماله، والإطعام بدل عن فرض الصيام إذا عجز عنه، ومنه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن الشارع قد نَصَّ على البدل: وهو التسبيح والتحميد والتهليل كما مَرَّ معنا، فإيجاب بدل لم يَنُصَّ عليه الشارع يعتبر من تبديل الشريعة كإيجاب ترجمة القرآن بدلًا عن قراءة القرآن، ففي ذلك محذوران: ترك البدل المنصوص عليه، وتشريع بدل لم يَدُلَّ عليه دليل، والله أعلم.
* الراجح:
أنه لا يجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة مطلقًا، سواء أكان قادرًا على العربية أم كان عاجزًا، إلا أن العاجز له أن يقوم بالتسبيح والتحميد والتهليل بدلًا عن قراءة القرآن، والتسبيح والتحميد تجوز ترجمته للعاجز عن العربية، والله أعلم.
* * *
стр. 1577
المبحث الرابع في القراءة الشاذة
الفرع الأول في تعريف القراءة الشاذة
المدخل إلى المسألة:
* القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فقد يجتمعان، وقد يفترقان.
* كل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا.
* لا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، بل هي جزء من الأحرف السبعة.
* المصاحف العثمانية جزء من الأحرف السبعة، وليست هي الأحرف السبعة.
* الصحيح في القراءة الصحيحة: أنها محدودة بالوصف، وليست معدودةً في قراءة أئمة بأعيانهم ما خالفها فهو الشاذ.
* ما خالف القراءة الصحيحة قد يكون شاذًّا، وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون باطلًا.
قبل تعريف القراءة الشاذة ينبغي لنا أن نعرف القراءات اصطلاحًا، ثم نذكر تعريف القراءة الشاذة فرعًا عنها.
تعريف القراءات اصطلاحًا (١):
стр. 1578
القراءات: علم يعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في اللغة، والإعراب، والحذف، والإثبات، والتحريك، والإسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطق، والإبدال من حيث السماع.
أو يقال: علم يعرف منه اتفاقهم واختلافهم في اللغة والإعراب، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، من حيث النقل (١).
وعرفها الشيخ عبد الفتاح القاضي:
بأنه علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله (٢).
فتبين من تعريفها أنها علم يشتمل على:
كيفية النطق بألفاظ القرآن، وكتابتها.
بيان مواضع اتفاق نقلة القرآن واختلافهم.
وعزو كل كيفية من كيفيات أداء القرآن إلى ناقلها، وتمييز الصحيح والشاذ منها.
وإذا عرفنا القراءات، فما تعريف القراءة الشاذة؟
يحسن أن نذكر إشارات تمهد لنا معرفة الوقوف على مواضع الاتفاق لننتقل
стр. 1579
منها إلى مواضع الاختلاف:
فالعلماء متفقون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
(ح-١٥٩٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: وفيه: .... قال رسول الله ﷺ : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (١).
(ح-١٦٠٠) وروى الشيخان من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف (٢).
ولا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن.
يقول ابن تيمية: «القراءات المنسوبة إلى نافع، وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، وذلك باتفاق علماء السلف والخلف ... (٣).
стр. 1580
واختلف المتأخرون في المصحف العثماني الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون لهم بإحسان، والأمة بعدهم، أهو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، أم هو مجموع الأحرف السبعة؟ على قولين مشهورين، أصحهما، والذي عليه جماهير العلماء من السلف، والخلف وأئمة المسلمين أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، وليست مجموع الأحرف السبعة، ورجح ذلك ابن الجزري، وابن تيمية وغيرهما خلافًا لبعض الفقهاء وبعض القراء، وبعض المتكلمين (١).
وعلى هذا يوجد قراءات خارج القراءات السبع، والعشر تعتبر قراءات صحيحة، بل قد تكون أصح من القراءات السبع.
стр. 1581
وإذا كان ذلك كذلك: فما هو الضابط في الحكم على قراءة بأنها قراءة صحيحة؟
وإذا حكمنا على قراءة ما بأنها شاذة، فهل يجوز القراءة بها في الصلاة؟
وإذا كان لا يجوز القراءة بها في الصلاة، فهل تكون حجة في استنباط الأحكام باعتبارها خبرًا من الأخبار؟
هذا ما سوف أعرج عليه في مباحث هذه الفقرة من البحث، وإن كانت هذه المسألة يطلب بحثها في علوم القرآن، فالمرجع في كل فن إلى خاصة أهله، وإن أُدْرِجَت هذه المسألة ضمن مباحث أصول الفقه حيث تذكر في مباحث دليل الكتاب، وليست من مسائل الفروع، إلا أن خوض بعض المتكلمين في المسألة يستفاد منه على حذر، فإن كلامهم للتنظير وليس لكثير منهم ممارسة من جهة التطبيق العملي، كخوضهم في شروط الحديث الصحيح وزيادة الثقة والشاذ، والموقف من تعارض الوصل والإرسال، والإسناد والوقف، فكان كلام كثير منهم لا علاقة له بما جرى عليه عمل أئمة العلل من المحدثين والذين يتعاملون مع الأحاديث فردًا فردًا، كما يتعامل الفقيه مع فروعه.
فلنأخذ هذه المسائل مسألة مسألة، وليكن المدخل إليها في تعريف القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة.
تعريف القراءة الشاذة:
[م-٦٠٩] اختلف العلماء في تعريف القراءة الشاذة على أقوال، أصحها ما اختاره جمهور المحققين:
يقول ابن الجزري في معرفة ضابط القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة، أم كانت عمن هو أكبر منهم» (١).
стр. 1582
ويقول أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارًا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها، وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض».
ويقول ابن القيم: «لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام، وصحت في العربية، وصح سندها جازت القراءة بها، وصحت الصلاة بها اتفاقًا» (١).
فذكروا ثلاثة شروط أو أركان للقراءة الصحيحة:
الركن الأول: أن يصح سندها، وبعضهم اشترط مع صحة الإسناد أن تنقل نقلًا متواترًا أو مستفيضًا (٢).
فما لم يصح سنده منها لا تثبت قراءةً، ولا يقرأ بها، وإن كان بعضهم يصفها بالقراءة الشاذة، فالذي يظهر لي أن ما لا يثبت قراءة لا توصف بالشذوذ، فإما أن تكون ضعيفة أو باطلة، وليس الشاذ في القراءة كالشاذ في الحديث، فالشاذ في القراءة قد تثبت قراءة، ولكن لا يقطع الباحث بقرآنيتها، ولا بعدمه؛ لعدم الإجماع عليها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والشاذ في الحديث لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الوهم؛ لمخالفة الثقة من هو أوثق منه في مخرج الحديث (٣).
стр. 1583
فيكون قول ابن الجزري: متى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.
الراجح أن (أو) على التقسيم، وليس على التخيير، فالبطلان: إذا كانت القراءة لم تصح سندًا، ولم توافق وجهًا بالعربية.
والضعيفة: ما كان إسنادها ضعيفًا، وإن وافقت العربية، ورسم المصحف.
والشاذ: ما صح إسنادها، ووافقت العربية، وخالفت الرسم.
الركن الثاني: أن توافق العربية ولو بوجه، بأن يلتمس لها شاهد أو نظير تقاس عليه، أو لهجة ترد إليها، أو تأويل أو توجيه تُحمل عليه.
الركن الثالث: أن توافق في الرسم أحد المصاحف العثمانية، سواء أكان مدنيًّا أم كوفيًّا أم شاميًّا، أم مصريًّا، ولا يشترط أن توافقها كلها، فقد توافق المصحف المدني، وتخالف الكوفي.
يقول القرطبي: «وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلًّا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض، إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (١).
فإن لم توافق أحد هذه المصاحف، بل خالفتها كلها فقد دخل في رسم الشاذ عند جمهور العلماء.
وقيل في تعريف الشاذ:
قال السيوطي في الإتقان: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده (٢).
فما صح سنده، وخالف العربية ورسم المصحف لم يكن شاذًّا عند السيوطي، بل يسميه آحادًا.
стр. 1584
وعرَّف ابن الصلاح الشاذ: بقوله: «ما نقل قرآنًا من غير تواتر واستفاضة» (١).
وعليه يكون ما عدا المتواتر شاذًّا عنده.
فعند ابن الجزري ومكي: القراءة إذا لم يصح سندها ووافقت العربية ورسم المصحف، لم تقبل، ولم تقرأ، ولم تُسَمَّ شاذة بل هي قراءة ضعيفة، وتسمَّى شاذةً عند السيوطي وابن الصلاح.
وإن خالفت العربية، فكذلك عند ابن الجزري ومكي، وهي آحادية عند السيوطي، وشاذة عند ابن الصلاح.
وإن خالفت الرسم، وصح إسنادها، ووافقت العربية كانت عندهما وعند ابن الصلاح قراءة شاذة، تقبل، ولا تقرأ، وهي آحاد عند السيوطي.
وإذا صح سندها، ووافقت العربية، والرسم، فهي قراءة وقرآن عندهما، وهي آحاد عند السيوطي، وشاذة عند ابن الصلاح.
وتعريف مكي وابن الجزري أقرب للصواب.
وسيأتي مزيد بحث في اشتراط التواتر في هذا الفصل، وفي الفصل الذي يليه إن شاء الله تعالى، فانظره لتعرف الخلاف في اشتراط ابن الصلاح.
فمثال القراءة الصحيحة مما جَمَع هذه الأركان الثلاثة: قراءة: (مالك، ومَلِك)، (يَخْدَعُون يُخَادِعُون)، (وأوصَى ووصَّى)، (تَطَوَّعَ يطوع)، ونحو ذلك من القراءات المشهورة.
ومثال ما خالف وجه العربية: قراءة بعضهم: إنما يخشى الله من عباده العلماء برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء. ويصح أن تكون هذه القراءة مثالًا أيضًا للقسم الثالث؛ لأن ناقلها غير ثقة.
ومثال ما خالف فيه الرسم العثماني: قراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. بزيادة (متتابعات).
ومنها: بعض قراءة الأعمش: وما أوتوا من العلم إلا قليلًا. قال الأعمش: هكذا في قراءتنا (٢).
стр. 1585
ومنها قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا (١).
ومثال ما لم يصح إسناده من القراءات: فهذا كثير منها في كتب الشواذ، كما في قراءة: ننجيك ببدنك قرأها ننحيك بالحاء المهملة، وكالقراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة، ولا تصح عنه.
فإذا عرفت هذا فقد انقسم العلماء إلى قسمين في معرفة القراءة الصحيحة من الشاذة:
أهي محدودة بالوصف مطلقًا، حتى ولو كانت من خارج القراءات السبع، أو العشر، أو غيرهما، أم هي القراءة الصادرة من قراء معينين، فما خرج عن قراءتهم فهو الشاذ، على خلاف في تحديد القراء، أهم السبعة أم العشرة؟ على قولين:
فالأول: يرى أن ما استجمعت الأركان الثلاثة فهي قراءة صحيحة مطلقًا، سواء أكانت من القراءات السبع أم من العشر، أم من غيرهما، نص عليه أحمد، وهو المشهور من مذهبه (٢).
والشاذة: كل قراءة اخْتَلَّ فيها ركنٌ أو أكثر من أركان القراءة الصحيحة.
يقول السيوطي في الإتقان: «هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني ومكي والمَهْدَوِيُّ، وأبو شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه» (٣).
يقول ابن الجزري في طيبته:
فكل ما وافق وجْهَ نَحْوِ ... وكان لِلرَّسْمِ احتمالًا يحوي
стр. 1586
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبِتِ ... شذوذه لو أنه في السبعة
ويقول المرداوي الحنبلي: «الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وعليه أصحابه: أن الشاذ: ما خالف مصحف عثمان بن عفان ﵁، الذي كتبه وأرسله إلى الآفاق، فتصح قراءة ما وافقه وصح سنده، وإن لم يكن من العشرة، نص عليه الإمام أحمد» (١).
ويقول الشوكاني: «إذا تقرر لك إجماع أئمة السلف والخلف على عدم تواتر كل حرف من حروف القراءات السبع، وعلى أنه لا فرق بينها وبين غيرها إذا وافق وجهًا عربيًّا، وصح إسناده، ووافق الرسم ولو احتمالًا بما نقلناه عن أئمة القراء، تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل قراءة متصفة بتلك الصفة سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث أو من قراءة غيرهم» (٢).
وسيأتي مناقشة صحة الصلاة بها، وهل يلزم من ثبوتها قراءةً ثبوتها قرآنًا.
وقسم المالكية والشافعية الشاذ إلى قسمين:
الأول: شاذ مخالف للرسم العثماني، فهذا لا يقرأ به، وتبطل به الصلاة.
الثاني: شاذ موافق لرسم المصحف، قال المالكية: فهذا لا تبطل به الصلاة، وإن حرمت القراءة به.
وقال الشافعية: تصح صلاته بشرط ألا يتغير المعنى.
وقد رسم المالكية هذا الشاذ في كل قراءة لم يقرأ بها السبعة واحتملت موافقته لرسم المصحف، وذلك نحو (أساء) في قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فإنه قرئ شاذًّا فعلًا ماضيًا مهمل السين (أَسَاء) فهو موافق للرسم العثماني؛ إذ لم يكن فيه نقط ولا شكل، والسبعة قرأته بشين معجمة.
ومثله نحو (خَلَقْتُ) في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت﴾ فإنه قرئ شاذًّا بفتح الخاء المعجمة واللام، وضم التاء، وكذا رفعت ونصبت،
стр. 1587
وسطحت، وهي قراءة شاذة، وإن وافقت رسم المصحف.
وقال النووي: «وتصح القراءة بالشاذ إن لم يكن فيها تغيير المعنى، ولا معنى زيادة حرف، ولا نقصانه» (١).
وقال المالكية: ما وافق الرسم، ولم يقرأ به في الشاذ، ولا في غيره، فهذا معدود من اللحن (٢).
وقيل: المتواتر القراءات السبع، وما وراءها فهو الشاذ، اختاره ابن الحاجب من المالكية، والنووي والرافعي والرملي من الشافعية (٣).
يقول النووي: «القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه» (٤).
وقال في تحفة المحتاج: وتحرم القراءة بالشاذ مطلقًا ... وهو ما وراء السبعة، وقيل: العشرة (٥).
فجزم بشذوذ ما وراء السبعة، وقدمه، وحكى القول بالثاني بصيغة التمريض.
وعلى هذا القول تكون القراءات الثلاث شاذة حتى ولو صح إسنادها، ووافقت العربية، ووافقت رسم المصحف.
قال في مراقي السعود:
تَوَاتُرُ السبع عليه أجمعوا ... ولم يكن في الوحي حَشْوٌ يَقَعُ (٦).
стр. 1588
وقد انتقد ذلك ابن العربي المالكي، فقال: إن ضبط الأمر على سبع قراءات ليس له أصل في الشريعة، وقد جمع قوم ثماني قراءات، وقد جمع آخرون: عشر قراءات، والأصل في ذلك كله عندي: أن النبي ﷺ لما قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف. انقسم الحال بقوم، فظن جاهلون أنها سبع قراءات، وهذا ما لا يصح في علم عالم، وتيمن آخرون بهذا اللفظ، فقالوا: تعالوا فلنجمع سبع قراءات، وكانت الأمصار جمة، وقد جمع قراؤها وقراءاتها حتى خطر هذا الخاطر، فجمع السبع، وهو ابن مجاهد .... إلخ (١).
يقول ابن تيمية: «لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعون من السلف والأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين (يعني القراءات السبع)؛ بل من ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة (هذا خارج القراء العشرة) أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (من القراء العشرة) ونحوهما كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف؛ بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر بن القَعْقَاعِ وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاحٍ المدنيين وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق وغيرهم على قراء حمزة والكسائي. وللعلماء الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء؛ ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الأحد عشر كثبوت هذه السبعة يجمعون ذلك في الكتب ويقرؤونه في الصلاة وخارج الصلاة وذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم.
وأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة مشهورة فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف ... إلخ (٢).
стр. 1589
وقيل: القراءات السبع مشهورة مستفيضة (١).
وقيل: السبع متواترة، والثلاث تمام العشر آحاد صحيحة، وما زاد عليهما فهو من الشاذ، اختاره ابن الملقن (٢).
فهذا القائل يذهب إلى تقسيم القراءات إلى ثلاثة أقسام، متواتر، وآحاد صحيح، وشاذ، ولعل من ذهب إلى هذا التقسيم غلب عليه اصطلاح علماء الحديث، ولكل فن اصطلاحه، ودلالته.
وقد ضعف هذا القول السيوطي في الإتقان قائلًا: «وهذا الكلام فيه نظر، يعرف مما سنذكره، وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير ابن الجزري ... » ثم نقل كلام ابن الجزري السابق (٣).
وقيل: القراءات العشر كلها متواترة، وهي موافقة لرسم المصاحف العثمانية، وما زاد على العشر فهو شاذ، كقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، نص عليه ابن عابدين من الحنفية، وهو الأصح عند المالكية، واختاره من الشافعية البغوي، وتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين، وكان يذهب إلى هذا القول ابن الجزري، ثم رجع عنه (٤).
وذكر البغوي في تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بالعشر (٥).
يقول ابن الجزري: «الذي وصل إلينا متواترًا وصحيحًا مقطوعًا به قراءات الأئمة العشرة، ورواتهم المشهورين، هذا الذي تحرر من أقوال العلماء، وعليه
стр. 1590
الناس اليوم بالشام، والعراق، ومصر، والحجاز ... » (١).
ويقول ابن عابدين: «القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في مصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليه الأئمة العشرة، وهذا هو المتواتر جملة وتفصيلًا، فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذ، وإنما الشاذ ما وراء العشرة وهو الصحيح، وتمام تحقيق ذلك في فتاوى العلامة قاسم» (٢).
وسبب الاختلاف بين الحَدِّ بالسبع أو الحَدِّ بالعشر اعتقادهم أن الشاذ من القراءات ما عدا المتواتر منها، وعليه اختلفوا في تحديد الشاذ لاختلافهم في تحديد المتواتر منها، فمن رأى أن القراءات السبع متواترة، رأى أن ما عداها شاذة، ومن رأى أن العشر كلها متواترة، جعل ما عدا العشر شاذَّةً، ولم يتفق القراء فضلًا عن غيرهم على تواتر جميع آحاد السبع فما بالك بدعوى تواتر آحاد العشر.
ويلزم من هذا القول أن جميع القراءات العشر موافقة لرسم المصحف العثماني، وأسانيدها إلى الأئمة صحيحة، فلا يوجد إذن خلاف بينه وبين القول الذي لا يحد القراءة الصحيحة بأئمة معينين، فالخلاف بينهم إنما هو من باب تحقيق المناط، هل كل قراءة من قراءات الأئمة العشرة موافقة لرسم المصحف العثماني، والطرق إليها كلها صحيحة، وموافقة للغة العربية، فتكون قراءة صحيحة لموافقتها شروط القراءة الصحيحة، بصرف النظر عن دعوى تواترها من غيره، أم أن دعوى أن الطرق إلى هؤلاء الأئمة فيها المتواتر وهو الأغلب، وفيها الآحاد
стр. 1591
الصحيح، وفيها الضعيف، وفيها الموافق لرسم المصحف وهو الأغلب، وفيها المخالف، فلا تتحقق دعوى أن جميع آحاد هذه القراءات فردًا فردًا قد توفرت فيها شروط القراءة الصحيحة، ويكون إطلاق الموافقة وصحة الإسناد أمرًا نسبيًّا، كإطلاق التواتر.
وأما ما زاد على العشر، فيذهب أصحاب هذا القول إلى الحكم بشذوذه مطلقًا، ولو صح الإسناد، ووافقت القراءة رسم المصحف والقواعد العربية.
وهذا خلاف حقيقي في رسم الشاذ، ومخالف للقول الذي يرى أن القراءة الصحيحة ليست محصورة في القراءات العشر، ولا في غيرها، وأن الشاذ ما اختل فيه ركن من أركان القراءة الصحيحة، وهو مذهب الإمام أحمد، نص عليه الإمام كما سبق، ورجحه ابن الجزري، والإمام أبو شامة، ونسبه السيوطي إلى أئمة المحققين من السلف والخلف، وصار إليه الشوكاني.
يقول أبو شامة في المرشد الوجيز: «لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحيحة، وأنها أنزلت هكذا، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذٍ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» (١).
وقول أبي شامة والأخير من قولي ابن الجزري هو الصحيح المتعين.
وقد قال حرب: «سألت أحمد عن قراءة حمزة، فقال: لا تعجبني، وكرهها كراهية شديدة» (٢).
стр. 1592
ولو كانت متواترة عنده لما كرهها.
وجاء في المغني لابن قدامة: «ولم يكره قراءة أحد من العشرة إلا قراءة حمزة والكسائي؛ لما فيهما من الكسر والإدغام، والتكلف، وزيادة المد» (١).
وفي الفروع: «ولم يكره غيرهما .... وعن أحمد ما يدل على أنه رجع عن الكراهة» (٢).
وقال حرب: «سمعت الحميدي يكره قراءة حمزة» (٣).
وقال ابن هانئ: «سمعت أبا عبد الله يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: لو صليت خلف من يقرأ قراءة حمزة أعدت الصلاة، أرى أني سمعته يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ذلك» (٤).
وقال الزركشي: «والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، وأما تواترها عن النبي ﷺ ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تُكْمِلْ شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة ... » (٥).
ويقول الإمام أبو شامة في المرشد الوجيز (ت: ٦٦٥): «غاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها .... أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي ﷺ في كل فرد فرد من ذلك، وهنالك تسكب العبرات، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحادًا، إلا اليسير منها» (٦).
стр. 1593
ويقول ابن الجزري: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يَكْتَفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء أوافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم».
* وأجاب القائلون باشتراط التواتر بأجوبة منها:
الأول: القول بتواتر القراءات، أي من حيث الجملة، ولا يعني هذا التزامه في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر، وغير متواتر، ومن ذلك الخلاف في آية البسملة؛ إذ لو كانت متواترة لم يقع خلاف في قرآنيتها، وقد مر معنا ذكر الخلاف، والراجح فيه.
قال القسطلاني في اللطائف نقلًا من تفسير القاسمي: «اشتراط التواتر بالنظر لمجموع القرآن، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم» (١).
فالقراءات كالحديث، منها ما نقل بالتواتر، ومنها ما نقل بالآحاد، وما نقل بالتواتر ليس بحاجة إلى أسانيد في إثباتها؛ لأن الأسانيد لا يعول عليها في التواتر، وإنما يعول على نقل الكافة عن الكافة، بخلاف الآحاد، وهذا ليس محل خلاف، وإنما الخلاف في دعوى تواتر كل ما ورد في القراءات السبع أو القراءات العشر.
الثاني: لا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن؛ لأن ما بين دفتي المصحف متواتر، مجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها، وهو عهد الصحابة، وأما القراءات فمنها المتواتر، ومنها الآحاد، وهذا يرجع إلى التفريق بين القرآن والقراءات، وقد تقدم الاستدلال للتفريق بينهما، وهو قول متعين.
الثالث: أن القراءة إذا صح سندها، ووافقت قواعد اللغة، ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم
стр. 1594
القاطع، وإن كانت آحادًا.
ولا تنس ما هو مقرر في علم الأثر من أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك (١).
الرابع: نقل القراءة بطريق الآحاد لا يدل على عدم تواترها عن غيرهم، فلقد كان يتلقاه أهل كل بلد يقرؤه منهم الجم الغفير عن مثلهم، والتواتر حاصل بهم، ولكن الأئمة الذي تصدوا لضبط الحروف، وحفظوا شيوخهم منها، وجاء السند من جهتهم قد تكون آحادًا.
قال السخاوي: «ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان، عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند (وقد علم وجودها بطريق التواتر) لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلها متواترة» (٢).
وجاء في الموسوعة القرآنية: «ليست القراءات كالحديث مخرجها كمخرجه إذا كان مدارها على واحد كانت آحادية- ليس الأمر كذلك- ولكنها إنما نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحًا، وإلا فأهل كل بلدة كانوا يقرؤونها، أخذوها أممًا عن أمم، ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل العلم بالقراءات لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها» (٣).
الخامس: أن الاستفاضة والشهرة تقوم مقام التواتر.
فقد نقل ابن الجزري في النشر عن الإمام الكبير أبي شامة في مرشده أنه قال: «قد شاع عن ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين: أن القراءات السبع كلها متواترة: أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب، ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له، مع أنه شاع، واشتهر،
стр. 1595
واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك؛ إذ لم يتفق التواتر في بعضها» (١).
وهذا قريب من الجواب الثالث، والله أعلم.
* الراجح:
أن القراءة الصحيحة ما اجتمع فيها ثلاثة شروط:
الأول: صحة إسنادها، وبعضها أقوى من بعض فما كان متواترًا فهو أقوى من المشهور منها، وما كان مشهورًا فهو أقوى من الآحاد مما لم يشتهر، كالحديث الصحيح، المتواتر أقوى مما اتفق عليه الشيخان، وما اتفق عليه الشيخان أقوى مما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري وحده أقوى مما انفرد به مسلم وحده، وهذا في الجملة، لا بالنظر إلى حديث بعينه، كما هو معلوم، وصحة الإسناد تكفي في إفادة العلم إذا اجتمع معها بقية الشروط.
الثاني: أن توافق وجهًا في العربية، ولو مختلفًا فيه.
الثالث: أن توافق رسم المصاحف العثمانية.
وأن القراءة الشاذة: ما خالفت رسم المصاحف العثمانية، مما صح سندها، وكان لها وجه في العربية، فإن استفاضت صحت القراءة بها.
وأما إذا لم يصح إسناد القراءة، وقد خالفت الرسم العثماني، فهذه باطلة، فلا تثبت قراءة فضلًا أن يقرأ بها، بل هي من قبيل الوهم، والله أعلم.
أرجو أن أكون قد جَلَّيتُ هذه المسألة، فإن كان فإنه من توفيق الله لعبده، فله الحمد وله الشكر، وإن كانت الأخرى فلعل عذري أنني أتكلم في غير فني، فَلْيَلتَمِسْ القارئُ الكريم لي العذرَ، وحسبي أني بذلت جهدي والتوفيق بيد الله.
* * *
стр. 1596
الفرع الثاني الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف
المدخل إلى المسألة:
* كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، ولم تخالف رسم المصحف فإن القراءة بها في الصلاة صحيحة في الأصح، ولو كانت خارج القراءات العشر.
* كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، وخالفت رسم المصحف فإنها تثبت قراءة على الصحيح، وهل تثبت قرآنًا؟ في ذلك خلاف.
* لا نقطع بقرآنية ما خالف رسم المصحف؛ لمخالفتها ما أُجْمِعَ عليه، ولا ننفي قرآنيتها وقد صح سندها؛ لاحتمال أن تكون مسموعة من النبي ﷺ ، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين فلا نؤدي بها فرض القراءة، ونحتاط للشريعة فلا نهدرها فيستفاد منها في الأحكام والتفسير، على قاعدة: واحتجبي منه يا سودة.
* كل قراءة كانت جائزة في حياته ﷺ حتى مات، فهي جائزة إلى يوم القيامة ولو خالفت الرسم إذا اشتهرت واستفاضت.
* كل ما لم يصح سنده، ولا وجه له في العربية، وخالف رسم المصحف فهذا باطل، لا يعد قراءة.
* القراءات في زمن النبي ﷺ لم تكن متواترة بين الصحابة، وإلا لما اختلف عمر وهشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان، ولما اختلفوا في قرآنية البسملة.
* قال الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان (١).
* قال الطوفي: اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر
стр. 1597
القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن (١).
* لم يشترط الصحابة ﵃ حين جمعوا القرآن من بعضهم التواتر، وكل ما لم يكن شرطًا في جمعه، لا يكون شرطًا في أدائه.
* كوننا نقطع بأن بعض هذه القراءات الشاذة قد قرأ بها النبي ﷺ ، وأخذها بعض الصحابة منه من حيث الجملة، لا يلزم منه القطع في أفراد هذه القراءات كالقول في حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها.
* أصل المسألة يرجع إلى أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم نقطع بصوابه، أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فإن وافقت المصحف المجمع عليه قُبِلَت قراءة وقرآنًا ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، وإن خالفت الرسم، وكانت آحادًا ولم تشتهر فيتوقف في قرآنيتها، ويستفاد منها في التفسير والأحكام؟
[م-٦١٠] اختلف العلماء في الصلاة بالقراءة الثابتة عن الصحابة ﵃ إذا كانت مخالفة لمصحف عثمان ﵁:
فقال الأئمة الأربعة: لا يقرأ بها في الصلاة (٢).
فإن قرأ بها فاختلفوا في بطلان صلاته:
стр. 1598
فقيل: تبطل مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره السرخسي من الحنفية (١).
وقيل: تبطل إن اقتصر عليها، فإن قرأ معها من القرآن ما يُؤَدِّي به فرض القراءة لم تفسد صلاته، وهو مذهب الحنفية، وقول لبعض الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (٢).
قال في الإنصاف: «واختار المجد أنه لا يجزئ عن ركن القراءة، ولا تبطل الصلاة به، واختاره في الحاوي الكبير» (٣).
وقيل: إن خالفت الرسم بطلت صلاته، وإن لم تخالف الرسم، فصلاته صحيحة، وإنْ حَرُمَت القراءة بها، وهو مذهب المالكية (٤).
وقيل: إن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغيِّر معنى، ولا زاد حرفًا، ولا نقصه، وهو مذهب الشافعية، وقياس قول أبي حنيفة في صحة القراءة بالفارسية (٥).
стр. 1599
فزاد الشافعية على شرط المالكية أن لا يتغير معها المعنى.
وقيل: تصح الصلاة بالقراءة بها مطلقًا مع الكراهة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، ورجحها ابن الجوزي، واختارها ابن تيمية وابن القيم، وصوبها المرداوي في الإنصاف، ورجحها الشوكاني (١).
جاء في الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد: «وعن أحمد صحة الصلاة بما صح نقله من القراءات عن الصحابة؛ لأنها قراءة نقلها الثقات، فأشبهت ما في مصحف عثمان» (٢).
стр. 1600
يقول ابن القيم: «لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، وقد قرأ بها رسول الله ﷺ والصحابة بعده جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال» (١).
ويقول الشوكاني: ومن عجائب الغلو وغرائب التعصب قولهم: إن القراءة الشاذة من جملة ما يوجب فساد الصلاة، وجعلوها من كلام الناس، وأنه لا يكون من كلام الله إلا ما تواتر، وهي القراءات السبع» (٢).
* دليل من قال: يحرم القراءة بها، فإن فعل بطلت صلاته:
الدليل الأول:
هذه القراءات الشاذة لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر.
يقول النووي: «قال أصحابنا وغيرهم: .... لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة؛ لأنها ليست قرآنًا، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه، ومن قال غيره فغالط، أو جاهل، وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ... » (٣).
ولأن من تعريف العلماء للقرآن قولهم: المنقول إلينا بالتواتر.
والتواتر: هو ما رواه جماعة، عن جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه من غير تعيين عدد على الصحيح.
وصاغ الآمدي الدليل بطريقة أخرى، فقال: «إن النبي ﷺ كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا: إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن
стр. 1601
فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﵇، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة» (١).
وكلام الآمدي هو دعوى في محل النزاع.
ويقول أبو القاسم النويري: عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم؛ لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب: هوما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب ... صرح بذلك جماعات كابن عبد البر، وابن عطية، والنووي، والزركشي، والسبكي، والإسنوي، والأذرعي، وعلى ذلك أجمع القراء، ولم يخالف من المتأخرين إلا مكي وتبعه بعضهم (٢).
ومكي قد عاش بين (٣٥٥ إلى ٤٣٧)، فكيف يحسب على المتأخرين.
* ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
أن المصحف الذي جمعه الخليفة عثمان ﵁، وأجمع عليه الصحابة ثابت بالتواتر القطعي، فهل جميع القراءات السبع أو العشر، أو غيرهما جميع آحادها متواترة، ما اتفق فيه القراء، والروايات والطرق وما اختلفت عليه؟
فالمتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يمكن لأحد دفعه، يقول تاج الدين السبكي عن القراءات العشر: «متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ ، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًّا جِلْفًا لا يحفظ من القرآن حرفًا» (٣).
стр. 1602
والسؤال: إذا كان هذا ما يفيده التواتر، فكيف يتصور أن هذه القراءات كلها متواترة، ثم يحصل الخلاف بين علماء القراءات فضلًا عن غيرهم في تواترها.
فهناك من يثبت التواتر لجملتها، ويُقِرُّ بعدم ثبوت التواتر لآحادها فردًا فردًا وهو أقربها، وهناك من يثبت لها الشهرة والاستفاضة، وهي أقلُّ من التواتر، وهناك من يثبت التواتر للسبع، وينفيه عما عداها كما هو قول ابن الحاجب والنووي والرملي وغيرهم، وهناك من يثبته للقراءات العشر كالسبكي والبغوي، ويحكم بشذوذ ما وراء العشر، وهناك من ينفي اشتراط التواتر لصحة القراءة، وأن اشتراطه قول لبعض المتأخرين مخالفًا أئمة السلف، وهناك من يقول بعكس ذلك، وأن عدم اشتراط التواتر قول حادث، وهناك من يرى أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فهذا الاختلاف بحد ذاته دليل على عدم حصول التواتر في جميع آحاد القراءات السبع، ولو وقع التواتر لجميع آحاد القراءات السبع أو العشر لحصل العلم به لعموم الناس، ولم يختلف فيه العامة فضلًا عن العلماء، فضلًا عن علماء القراءات.
فهذا النووي وهو يقول بتواتر القراءات السبع يقول في التبيان في آداب حملة القرآن: «تجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها، ولا يجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة» (١).
فلم يجعل النووي الروايات المنقولة عن القراء السبعة كلها مجمعًا عليها، بل هناك قراءات مجمع عليها عنهم، وهناك روايات منقولة عنهم هي من قبيل الشاذ، والله أعلم.
وإذا كانت القراءات كلها متواترة، فكيف وقع الخلاف بين عمر ﵁ وهشام بن حكيم كما في الصحيحين في صفة قراءة سورة الفرقان.
يقول الطوفي الحنبلي: «وأبلغ من هذا أنها في زمن النبي ﷺ لم تتواتر بين الصحابة، بدليل حديث عمر لمَّا خاصم هشام بن حكيم بن حزام ﵃، حيث خالفه في قراءة سورة الفرقان إلى رسول الله ﷺ ولو كانت متواترة بينهم لحصل العلم لكل منهما بها عن النبي ﷺ ثم لم يكن عمر ﵁ ليخاصم في ما تواتر عنده» (٢).
стр. 1603
وإذا انقطع التواتر عنها في الصدر الأول، لم يحصل لها التواتر فيما بعده.
وإذا كانت قراءة أحدهما آحادًا، ولهذا لم يعلم بها الآخر، فهل كونها آحادًا تكون شاذةً؛ لأنها فقدت صفة التواتر، وكيف يقول النبي ﷺ لكل واحد منهما: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسير منه، متفق عليه (١)، ثم تكون شاذة.
وكذلك يقال في البسملة، وكيف وقع الخلاف فيها بين القراء والفقهاء: بين من يقول: ليست قرآنًا مطلقًا، بل هي ذكر كتبت للتبرك بها، وبين من يقول: هي آية من كتاب الله على خلاف بينهم، أهي آية مستقلة، أم آية من الفاتحة ومن كل سورة، أم آية من الفاتحة فقط، فلو كان القرآن لا يثبت إلا بالتواتر لما اختلف فيها، والاختلاف فيها لا يمنع من كونها قرآنًا على الصحيح، والقول بأنها متواترة عند بعض القراء وليست متواترة في قراءة بعضهم، فهذا كدعوى الشيء ونقيضه، فلو تواترت لما جاز لأحد أن ينفي قرآنيتها؛ لأن التواتر يفيد العلم الضروري.
قال القسطلاني في اللطائف نقلًا من تفسير القاسمي: اشتراط التواتر بالنظر لمجموع القرآن، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم (٢).
وقد نقل ابن الجزري عن الإمام مكي أبي محمد (٣٥٥ - ٤٣٧) شروط ما يقبل من القراءات وما لا يقبل.
* فذكر من شروط ما يقبل قراءة وقرآنًا ثلاث خلال:
الأولى: أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ .
وقد حاول بعض المعاصرين أن يأخذ من كلمة (الثقات) اشتراط التواتر، باعتبار الثقات جمعًا، وهذا من التكلف، فالتعبير بالثقات باعتبار طبقات السند، بأن يكون الإسناد من ابتدائه إلى منتهاه من رواية الثقة عن مثله، وعلى التنزل فليس كل جمع يدل على التواتر، بل ولا يدل على الاستفاضة والشهرة.
стр. 1604
الثانية: أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغًا.
الثالثة: أن يكون موافقًا لخط المصحف؛ لأن خط المصحف أخذ عن إجماع (١).
فجعل الإمام مكي القراءة، وإن كانت آحادية إذا وافقت المصحف العثماني فقد وافقت ما أجمع عليه، فقبلت قراءة، وقبلت قرآنًا، بخلاف ما صح سنده، وخالف ما أجمع عليه من خط المصحف، فيقبل قراءة، ولا يقبل قرآنًا.
فلم يشترط مكي التواتر لثبوت القراءة، وهو من المتقدمين، فكيف يزعم أن القول بعدم اشتراط التواتر لم يقل به إلا المتأخرون.
وذهب ابن الجزري إلى عَكْسِ قول أبي القاسم، حيث كان يرى أن اشتراط التواتر هو قول لبعض المتأخرين، وأنه مخالف لما عليه أئمة السلف والخلف.
يقول ابن الجزري: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يَكْتَفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء أوافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم، وقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف» (٢).
فابن الجزري، وهو من علماء القراءات كان يذهب إلى اشتراط التواتر موافقة لبعض المتأخرين كتقي الدين السبكي وتاج الدين السبكي، ثم ظهر له فساد هذا القول، فتركه ورأى أن في تركه موافقة لأئمة السلف والخلف.
ويقول الإمام أبو شامة في المرشد الوجيز (ت: ٦٦٥): «غاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها .... أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي ﷺ في كل فرد فرد من ذلك، وهنالك تسكب العبرات، فإنها من ثم لم
стр. 1605
تنقل إلا آحادًا، إلا اليسير منها» (١).
وبصرف النظر عن الراجح من هذا الخلاف فإن اختلافهم يقدح في صحة دعوى التواتر؛ فالتواتر إذا وقع أفاد العلم الضروري، الذي يضطر الإنسان إليه، بحيث لا يمكن دفعه، ولا يعول فيه على إسناد، ولا على غيره، ويحصل للعامي كما يحصل للعالم، واختلافهم في تواتر القراءات دليل على أنه من قبيل العلم النظري القائم على النظر والاستدلال، ويستفاد منه الظن، وليس القطع، مع القول بوجوب العمل به.
* ولهذا اختلف العلماء في اشتراط التواتر على أربعة أقوال:
أحدها: أن القرآن متواتر مطلقًا، سواء ما كان منه من جوهر اللفظ كمالك، وملك، أم كان منه من قبيل الأداء والهيئة: كالتفخيم والترقيق، والمدِّ والإدغام ونحو ذلك، وهذا قول الجمهور.
الثاني: أن القرآن ليس متواترًا مطلقًا، لا في أصله، ولا في هيئته، عكس القول الأول.
الثالث: أن القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، وهو اختيار ابن الحاجب وغيره.
قال ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوه (٢).
يعني: فيما زاد على القدر المشترك في المد ونحوه، وإذا لم يثبت متواترًا فيكفي شهرته واستفاضته.
قال ابن الجزري: ولا نعلم أحدًا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك (٣).
الرابع: التوقف في اشتراط التواتر في القرآن، وإليه ذهب ابن الأمير الصنعاني (٤).
стр. 1606
والتوقف ليس حكمًا شرعيًّا؛ لأنه يتعلق بحال المجتهد.
والراجح: أن أكثر القراءات العشر متواترة خاصة فيما أجمعوا عليه، وهناك روايات عن القراء السبعة ليست متواترة، بل منها ما هو مشهور، ومنها ما هو من قبيل الآحاد، كما سبق بيانه في الفصل السابق.
الوجه الثاني:
لم يعرف عن أحد من أهل العلم أن التواتر شرط في قبول القراءة قبل جمع عثمان مصحفه، وحتى كثرت القراءات في القرن الثاني والثالث، فأراد العلماء ضبط هذا الاختلاف، وعليه يكون اشتراطه حادثًا، فما لم يكن شرطًا في صحة الصلاة قبل جمع عثمان لم يكن شرطًا بعد ذلك، وفي هذا رد على قول أبي القاسم النويري بأن عدم اشتراط التواتر قول حادث، بل عكسه هو الصحيح، وأن اشتراط التواتر هو الحادث، وأن ذلك لم يكن معروفًا في الصدر الأول.
الوجه الثالث:
أن التواتر قد يُسَلَّم فيما لم يختلف فيه القراء السبعة أو العشرة، واتفقت عليه الروايات والطرق، أما ما اختلفوا فيه من القراءات فلو كان متواترًا لما اختلفوا فيه.
قال أبو العباس أحمد الشهير بابن حلولو القروي المالكي: قد اختلف الناس فيما اختلف القراء السبعة فيه، هل هو متواتر أو لا؟ ولا يعلم عن أحد إنكار القراءة بما اختلف فيه القراء من الحروف، أو صفة الأداء (١).
الدليل الثاني:
حكى بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ.
قال ابن عبد البر: «قال مالك: من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يُصَلَّ وراءه. قال ابن عبد البر: وعلماء
стр. 1607
المسلمين مجمعون على ذلك إلا قومًا شذوا لا يعرج عليهم» (١).
وقال الرازي في تفسيره: «اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة» (٢).
وبالغ ابن العربي، فحكى في القبس اتفاق الأمة على أن القراءة الشاذة لا توجب علمًا، ولا عملًا (٣).
* ويناقش:
بأن الأمة لم تتفق على رسم الشاذ، حتى تتفق على تحريم القراءة به، وسبق لنا كلام العلماء في تعريف القراءة الشاذة:
فقيل: ما خالف المصاحف العثمانية مطلقًا، سواء أكانت في القراءات السبع، أم في القراءات العشر، أم في غيرهما.
وقيل: ما عدا القراءات السبع.
وقيل: ما عدا القراءات العشر.
وسبق لي نقل الخلاف في المبحث السابق.
الدليل الثالث:
هذه القراءات المخالفة لمصاحف عثمان ﵁ تحتمل أن تكون تفسيرًا سمعه الصحابي ﵁ من النبي ﷺ فظنه قرآنًا، والتفسير لا يقرأ به في الصلاة، وإن قرأ به بطلت صلاته ككلام الآدميين.
* ويناقش:
بأن هذا الاحتمال بعيد جدًّا، وكيف يظن بالصحابي بأنه لا يفرق بين القرآن والتفسير، وهم الأمنة على نقل الشريعة، وإذا فتح هذا الوسواس أبطل كثير من المبطلين السنة بهذا الاحتمال.
стр. 1608
* دليل من قال: تصح القراءة بالشاذ مع الكراهة:
الدليل الأول:
لا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، وقد تقدم نقل إجماع السلف والخلف على ذلك في الفصل السابق (١).
والصحيح من أقوال أهل العلم، والذي عليه جماهير العلماء من السلف، والخلف وأئمة المسلمين أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وليست هي مجموع الأحرف السبعة، ورجح ذلك ابن الجزري، وابن تيمية وغيرهما خلافًا لبعض الفقهاء وبعض القراء، وبعض المتكلمين (٢).
وإذا كان ذلك كذلك فإننا نقطع بأنه يوجد قراءات خارج القراءات السبع، والعشر تعتبر قراءات صحيحة، وإن خالفت رسم المصحف، بل قد تكون أصح من القراءات السبع.
الدليل الثاني:
هذه القراءات -التي اصطلح عليها بأنها شاذة؛ لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه- نقطع بأن بعضها قد قرأ به النبي ﷺ ، وأخذها بعض الصحابة منه، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل جمع عثمان مصحفه يقرؤون بقراءات لم يثبتها عثمان ﵁ في مصحفه، وكانوا يصلون بها، ولا يرى أحد منهم تحريم ذلك، ولا بطلان صلاتهم به، وهذا بينهم كالإجماع.
فكيف نحكم على قراءتهم بأنها قراءة شاذة، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ قد قرأ ببعض هذه القراءات، كما في قصة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم؟
ولهذا كان يشكل على ابن دقيق العيد تسمية هذه القراءات بالشذوذ، فقد نقل عنه أنه قال: «هذه الشواذ إذ نقلت نقل آحاد عن رسول الله ﷺ ، فيعلم ضرورة أن
стр. 1609
رسول الله ﷺ قرأ بشاذ منها، وإن لم يعين، كما أن حاتمًا نقلت عنه أخبار في الجود كلها آحاد، ولكن حصل من مجموعها الحكم بسخائه، وإن لم يتعين ما تسخى به، وإذا كان كذلك فقد تواترت قراءة رسول الله ﷺ بالشاذ، وإن لم يتعين بالشخص، فيكف يسمى شاذًّا، والشاذ لا يكون متوترًا؟» (١).
* الجواب على الدليلين السابقين من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذه القراءات وإن كنا نقطع بأن بعضها قد قرأ به النبي ﷺ ، وأخذها بعض الصحابة منه، لكن لا نستطيع القطع في أفراد هذه القراءات بأن الرسول ﷺ قد قرأها؛ فلا يلزم من تواتر قراءته بهذه الأفراد من حيث الجملة تواتر أفراده؛ لأن الصحابة ﵃ زمن عثمان لم يجمعوا عليها، فلا نقطع بقرآنيتها، ولا نجحدها، بل يستفاد منها في التفسير، وفي الأحكام، وخير مثال على ذلك حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها، فلا تثبت آحاد هذه الأخبار لتواتر حجة الوداع، وقل مثل ذلك في أحاديث الشفاعة، وأحاديث رفع اليدين في الدعاء ونحوهما.
يقول مكي نقلًا من كتاب النشر: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآنًا يُقْرَأُ به بخبر الواحد. (يعني أنه يثبت قراءة، ولا يثبت قرآنًا).
العلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده ... إلخ (٢).
وهذا يبتنى على أصل: وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟
стр. 1610
قال ابن الجزري: «الذي عليه ا لجمهور أنه لا يجب القطع بذلك؛ إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًّا، وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه أشار مكي بقوله: ولبئس ما صنع إذا جحده، وذهب بعض أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه» (١).
قال الإمام أحمد فيما نقل عنه المروذي: قراءة العامة أعجب إليَّ، وإن قرأ بقراءة ابن مسعود لا أقول يعيد (٢).
فلم يتجرأ الإمام أحمد على إبطال صلاته؛ لعدم القطع بالمبطل.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين القرآن والقراءة على القول الصحيح، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا، فكانت القسمة ثلاثة.
القسم الأول: ما اجتمعت فيه أركان القراءة الصحيحة السابق ذكرها بأن صح سندها، ووافقت العربية ورسم المصحف: فهي قراءة صحيحة، ويقرأ بها أيضًا، فكانت قرآنًا.
والقسم الثاني: لا يعتبر قراءة، ولا يقرأ به، وهو ما لم يصح سنده.
والقسم الثالث: ما ثبت قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا، وهو ما صح سنده، وصح وجهه في العربية، وخالف رسم المصحف.
فإن قيل: كيف يكون قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا؟
فالجواب: أنه لما خالف رسم المصاحف العثمانية لم نقطع بكونه قرآنًا؛ لعدم إجماع الصحابة عليه، كما أننا لا نقطع بأنه ليس قرآنًا، فقد يكون قرآنًا سمعه الصحابي من النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد قرأ به، إلا أن القرآن لا يثبت بالاحتمال، فيثبت قراءة، ولا يقرأ به؛ لعدم القطع بقرآنيته، ويستفاد منه في الأحكام والتفسير (٣)، والله أعلم.
ويقول الزركشي في البرهان: «اعْلَمْ أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: اختلاف
стр. 1611
ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» (١).
ويقول الطوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة:
«اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن» (٢).
واختار الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأبو محمد المكي، والإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة:
أن ما وافق العربية، ولم يخالف رسم المصحف، وصح سنده، فهو قراءة يقرأ بها (أي قرآن)، لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم غيرهما.
وما اختل فيها شرط منها فلا يقرأ بها، أي ليست قرآنًا، وإن اعتبرت قراءة (٣).
الدليل الثالث:
(ح-١٦٠١) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعت هشام بن حكيم ابن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ ، وكدت أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (٤).
فدل هذا الحديث أن هناك فرقًا بين اختلاف القراء وبين اختلاف الفقهاء،
стр. 1612
فاختلاف القراء في القراءات من اختلاف صفات العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، فكلها حق وصواب نَزَلَ من عند الله، وهو كلامه لا شك فيه، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث صَوَّب النبي ﷺ قراءة كل من المختَلِفَيْنِ، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله، فلا ترد القراءة لمجرد مخالفتها رسم المصحف إذا كان النقلة لها ثقاتًا، ووافقت العربية، بخلاف اختلاف الفقهاء: فهو اختلاف اجتهادي، والحق مظنون في أحدها لا في كلها، ولا يتعدد بتعدد الاختلاف.
(ح-١٦٠٢) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم (النخعي)، عن مسروق،
ذَكَر عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبَيِّ بن كعب، ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
لم يكن مصطلح الشاذ معروفًا في عصر الوحي، ولا في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حتى جمع الخليفة الراشد عثمان مصحفه، وكثر القراء في القرن الأول والثاني وكثرت اختلافاتهم، فظهر اصطلاح الشاذ، وكان الحكم بين هذه الاختلافات بعد صحة إسنادها، وموافقتها لكلام العرب الذي أنزل به القرآن، هو موافقتها أو مخالفتها لخط المصاحف العثمانية، فما وافقها كان قراءة وقرآنًا، وما خالفها حكم عليه بالشذوذ، ولا يعني مخالفتها للمصحف العثماني القطع ببطلانها؛ لأن المصاحف العثمانية حرف من الأحرف السبعة كما سبق، و لو كانت باطلةً لكانت باطلة في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، والله أعلم.
* يناقش:
بما سبق ذكره بأن القراءات الشاذة لا نقطع ببطلانها إذا صح سندها، ووافقت العربية، ولكن لا نقطع بقرآنيتها أيضًا؛ لمخالفتها المصحف المجمع عليه، فنقبلها قراءة، ولا نقبلها قرآنًا، والصلاة إنما تصح بما نقطع بأنه قرآن، والله أعلم.
стр. 1613
* دليل من قال: تصح القراءة بالشاذة ما لم تخالف الرسم أو تغير المعنى:
هذا القول مبني على تعريف القراءة الشاذة عند المالكية وبعض الشافعية، كالنووي والرافعي والرملي، حيث يرون أن القراءة المتواترة هي القراءات السبع، خلافًا للبغوي والسبكي حيث جعلوا العشر كلها متواترة، وما وراء ذلك فهو شاذ، وبالتالي قد توجد قراءات خارج القراءات السبع، بل وخارج القراءات العشر موافقة لرسم المصحف، وموافقة للعربية، وتكون مشهورة، ويحكمون بشذوذها؛ لكونها خارجة عن القراءات السبع، بدعوى اشتراط التواتر، وأن التواتر مختص بالسبع وقيل: بالعشر، فإذا صلى بهذه القراءة الشاذة لم تبطل صلاته عندهم، إلا أن تخالف الرسم زاد الشافعية: ويتغير معها المعنى، والحكم بصحة الصلاة بها حكم بقرآنيتها، حيث سقط بها فرض القراءة، وهو يضعف الحكم بشذوذها، وقولهم هذا اضطرهم إلى تقسيم القراءة الشاذة إلى قسمين: شاذة تفسد الصلاة، وشاذة لا تفسد.
والصحيح أن كل قراءة سقط بها فرض القراءة فهو قرآن وقراءة معًا، فلا مسوِّغ للحكم بشذوذها، وهو دليل على ضعف التحديد بالسبع أو بالعشر، فالقراءات الصحيحة أوسع من هذا العدد، والمطلوب بعد ثبوت إسنادها، وموافقتها العربية ألا تخالف رسم المصحف، سواء أكانت من السبع أم من العشر، أم من غيرهما، والله أعلم.
* دليل من قال: إن أدى بالشاذ فرض القراءة لم تصح وإلا صحت:
يختلف العلماء في المقدار الذي يؤدي به المصلي فرض القراءة، فالجمهور يرونه متعينًا في الفاتحة، والحنفية يرونه في مطلق القرآن.
فإذا قرأ آية طويلة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند الحنفية، أو قرأ الفاتحة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة.
* وجه القول بالصحة:
إن اقتصر على القراءة بالشاذ لم تصح صلاته؛ لتركه القراءة المتواترة، ولأن فرض القراءة لم يتحقق وجوده.
وإن لم يقرأ من المتواتر ما يؤدي به فرض القراءة، وقرأ معها قراءة شاذة لم
стр. 1614
تفسد صلاته؛ لأنه أتى بفرض القراءة المجزئة، فالفساد لا يكون من قراءة الشاذ، بل من تركه القراءة المتواترة.
وقال بعض الحنابلة: إذا قرأ قراءة صحيحة فقد تحقق وجود الفرض المجزئ في صلاته، وشك في وجود المبطل؛ والأصل عدمه.
ولأن القراءة الشاذة تكون حينئذٍ بمنزلة الذكر في الصلاة، فلا تبطل به الصلاة، وهذا التعليل يلزم منه أن يدع من القراءة الشاذة ما يتعلق بالأخبار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه من الأذكار، فيكون كالكلام في الصلاة، فيخشى منه إفساد الصلاة.
يقول قاضي خان في فتاويه: «ولو قرأ في صلاته ما ليس في مصحف الإمام نحو مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما إن لم يكن معناه في مصحف الإمام، ولم يكن ذلك ذكرًا، لا تهليلًا تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس، وإن كان معناه ما كان في مصحف الإمام تجوز صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا تجوز في قياس قول أبي يوسف ﵀ أما عند أبي حنيفة فلأنه يُجَوِّزُ قراءة القرآن بأي لفظ كان ومحمد يُجَوِّزُ بلفظ العربية ولا يُجَوِّزُ بغيرها» (١).
* الراجح من الخلاف:
أن ما خالف المصحف العثماني مما صح سنده، ووافق العربية لا يقطع بقرآنيته، ولا نقطع بعدمها، فنثبته قراءة، ونستفيد منه بالأحكام والتفسير، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، فلا نصلي به، فإن صلى به أحد لم نتجرأ على بطلان صلاته بالشك،
أصل المسألة: أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فلو وافقت المصحف المجمع عليه لقبلت قراءة وقرآنًا حتى ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، أما وقد خالفت الرسم، وكانت آحادًا فيتوقف في
стр. 1615
قرآنيتها، ولا نعطل الاستفادة منها في التفسير والأحكام، وإنما لم تكن الاستفاضة شرطًا في الصدر الأول فذلك لأن الإسناد كان عاليًا، فكلما نزل تطرق إليه احتمال الخطأ والوهم، ويقوى ذلك بمخالفته الرسم، ولذلك الإمام أحمد في رواية عنه قَبِل قراءة عبد الله، وعلل ذلك بكون قراءته مما اشتهر واستفاض.
فقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: قوله: «نقل إسماعيل بن سعيد، وحنبل: إذا قرأ بقراءة تثبت عن عبد الله فصلاته جائزة، ولا أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة» (١)، فكانت استفاضتها جبرت ما فيها من المخالفة لرسم المصحف.
واشترط بعض العلماء التتابع في كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود ﵁، ولم يقبل كثير منهم التتابع في قضاء رمضان لقراءة أُبَيِّ بن كعب (فعدة من أيام آخر متتابعات) (٢)؛ لأن الأولى استفاضت واشتهرت بخلاف الثانية، والله أعلم.
* * *