← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» (١). ويقول الطوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة: «اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن» (٢). واختار الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأبو محمد المكي، والإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة: أن ما وافق العربية، ولم يخالف رسم المصحف، وصح سنده، فهو قراءة يقرأ بها (أي قرآن)، لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم غيرهما. وما اختل فيها شرط منها فلا يقرأ بها، أي ليست قرآنًا، وإن اعتبرت قراءة (٣). الدليل الثالث: (ح-١٦٠١) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعت هشام بن حكيم ابن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ ، وكدت أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (٤). فدل هذا الحديث أن هناك فرقًا بين اختلاف القراء وبين اختلاف الفقهاء،

стр. 1612

فاختلاف القراء في القراءات من اختلاف صفات العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، فكلها حق وصواب نَزَلَ من عند الله، وهو كلامه لا شك فيه، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث صَوَّب النبي ﷺ قراءة كل من المختَلِفَيْنِ، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله، فلا ترد القراءة لمجرد مخالفتها رسم المصحف إذا كان النقلة لها ثقاتًا، ووافقت العربية، بخلاف اختلاف الفقهاء: فهو اختلاف اجتهادي، والحق مظنون في أحدها لا في كلها، ولا يتعدد بتعدد الاختلاف. (ح-١٦٠٢) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم (النخعي)، عن مسروق، ذَكَر عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبَيِّ بن كعب، ورواه مسلم (١). الدليل الرابع: لم يكن مصطلح الشاذ معروفًا في عصر الوحي، ولا في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حتى جمع الخليفة الراشد عثمان مصحفه، وكثر القراء في القرن الأول والثاني وكثرت اختلافاتهم، فظهر اصطلاح الشاذ، وكان الحكم بين هذه الاختلافات بعد صحة إسنادها، وموافقتها لكلام العرب الذي أنزل به القرآن، هو موافقتها أو مخالفتها لخط المصاحف العثمانية، فما وافقها كان قراءة وقرآنًا، وما خالفها حكم عليه بالشذوذ، ولا يعني مخالفتها للمصحف العثماني القطع ببطلانها؛ لأن المصاحف العثمانية حرف من الأحرف السبعة كما سبق، و لو كانت باطلةً لكانت باطلة في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، والله أعلم. * يناقش: بما سبق ذكره بأن القراءات الشاذة لا نقطع ببطلانها إذا صح سندها، ووافقت العربية، ولكن لا نقطع بقرآنيتها أيضًا؛ لمخالفتها المصحف المجمع عليه، فنقبلها قراءة، ولا نقبلها قرآنًا، والصلاة إنما تصح بما نقطع بأنه قرآن، والله أعلم.

стр. 1613

* دليل من قال: تصح القراءة بالشاذة ما لم تخالف الرسم أو تغير المعنى: هذا القول مبني على تعريف القراءة الشاذة عند المالكية وبعض الشافعية، كالنووي والرافعي والرملي، حيث يرون أن القراءة المتواترة هي القراءات السبع، خلافًا للبغوي والسبكي حيث جعلوا العشر كلها متواترة، وما وراء ذلك فهو شاذ، وبالتالي قد توجد قراءات خارج القراءات السبع، بل وخارج القراءات العشر موافقة لرسم المصحف، وموافقة للعربية، وتكون مشهورة، ويحكمون بشذوذها؛ لكونها خارجة عن القراءات السبع، بدعوى اشتراط التواتر، وأن التواتر مختص بالسبع وقيل: بالعشر، فإذا صلى بهذه القراءة الشاذة لم تبطل صلاته عندهم، إلا أن تخالف الرسم زاد الشافعية: ويتغير معها المعنى، والحكم بصحة الصلاة بها حكم بقرآنيتها، حيث سقط بها فرض القراءة، وهو يضعف الحكم بشذوذها، وقولهم هذا اضطرهم إلى تقسيم القراءة الشاذة إلى قسمين: شاذة تفسد الصلاة، وشاذة لا تفسد. والصحيح أن كل قراءة سقط بها فرض القراءة فهو قرآن وقراءة معًا، فلا مسوِّغ للحكم بشذوذها، وهو دليل على ضعف التحديد بالسبع أو بالعشر، فالقراءات الصحيحة أوسع من هذا العدد، والمطلوب بعد ثبوت إسنادها، وموافقتها العربية ألا تخالف رسم المصحف، سواء أكانت من السبع أم من العشر، أم من غيرهما، والله أعلم. * دليل من قال: إن أدى بالشاذ فرض القراءة لم تصح وإلا صحت: يختلف العلماء في المقدار الذي يؤدي به المصلي فرض القراءة، فالجمهور يرونه متعينًا في الفاتحة، والحنفية يرونه في مطلق القرآن. فإذا قرأ آية طويلة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند الحنفية، أو قرأ الفاتحة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة. * وجه القول بالصحة: إن اقتصر على القراءة بالشاذ لم تصح صلاته؛ لتركه القراءة المتواترة، ولأن فرض القراءة لم يتحقق وجوده. وإن لم يقرأ من المتواتر ما يؤدي به فرض القراءة، وقرأ معها قراءة شاذة لم

стр. 1614

تفسد صلاته؛ لأنه أتى بفرض القراءة المجزئة، فالفساد لا يكون من قراءة الشاذ، بل من تركه القراءة المتواترة. وقال بعض الحنابلة: إذا قرأ قراءة صحيحة فقد تحقق وجود الفرض المجزئ في صلاته، وشك في وجود المبطل؛ والأصل عدمه. ولأن القراءة الشاذة تكون حينئذٍ بمنزلة الذكر في الصلاة، فلا تبطل به الصلاة، وهذا التعليل يلزم منه أن يدع من القراءة الشاذة ما يتعلق بالأخبار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه من الأذكار، فيكون كالكلام في الصلاة، فيخشى منه إفساد الصلاة. يقول قاضي خان في فتاويه: «ولو قرأ في صلاته ما ليس في مصحف الإمام نحو مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما إن لم يكن معناه في مصحف الإمام، ولم يكن ذلك ذكرًا، لا تهليلًا تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس، وإن كان معناه ما كان في مصحف الإمام تجوز صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا تجوز في قياس قول أبي يوسف ﵀ أما عند أبي حنيفة فلأنه يُجَوِّزُ قراءة القرآن بأي لفظ كان ومحمد يُجَوِّزُ بلفظ العربية ولا يُجَوِّزُ بغيرها» (١). * الراجح من الخلاف: أن ما خالف المصحف العثماني مما صح سنده، ووافق العربية لا يقطع بقرآنيته، ولا نقطع بعدمها، فنثبته قراءة، ونستفيد منه بالأحكام والتفسير، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، فلا نصلي به، فإن صلى به أحد لم نتجرأ على بطلان صلاته بالشك، أصل المسألة: أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فلو وافقت المصحف المجمع عليه لقبلت قراءة وقرآنًا حتى ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، أما وقد خالفت الرسم، وكانت آحادًا فيتوقف في

стр. 1615

قرآنيتها، ولا نعطل الاستفادة منها في التفسير والأحكام، وإنما لم تكن الاستفاضة شرطًا في الصدر الأول فذلك لأن الإسناد كان عاليًا، فكلما نزل تطرق إليه احتمال الخطأ والوهم، ويقوى ذلك بمخالفته الرسم، ولذلك الإمام أحمد في رواية عنه قَبِل قراءة عبد الله، وعلل ذلك بكون قراءته مما اشتهر واستفاض. فقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: قوله: «نقل إسماعيل بن سعيد، وحنبل: إذا قرأ بقراءة تثبت عن عبد الله فصلاته جائزة، ولا أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة» (١)، فكانت استفاضتها جبرت ما فيها من المخالفة لرسم المصحف. واشترط بعض العلماء التتابع في كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود ﵁، ولم يقبل كثير منهم التتابع في قضاء رمضان لقراءة أُبَيِّ بن كعب (فعدة من أيام آخر متتابعات) (٢)؛ لأن الأولى استفاضت واشتهرت بخلاف الثانية، والله أعلم. * * *

стр. 1616

الفرع الثالث في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام المدخل إلى المسألة: * الشاذ من الحديث يختلف عن الشاذ من القراءات، فلكل فن اصطلاحه. * الشاذ من الحديث يعارضه ما هو أوثق منه، فيعد من قبيل الوهم، والشاذ من القراءات ليس له معارض يوجب طرحه، وإنما فَقَدَ شرطًا من شروط كونه قرآنًا، ولا يلغي ذلك كونه قراءة. * القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا. * المنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي ﷺ ، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة. * الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يُعَارِض نصًّا، ولم يعارضه أثرٌ مثله. * إذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي ﷺ ، فالقراءة ا لشاذة أولى أن يكون لها حكم الرفع. [م-٦١١] اختلف العلماء في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام، في وجوب قطع اليمين لقراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وفي وجوب التتابع في الصيام لقراءة أبي بن كعب وابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). فقيل: حجة ظنية يجب العمل بها في بناء الأحكام الفقهية. وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وكثير من الشافعية، وعزاه الإسنوي للشافعي، وجمهور أصحابه كابن حامد والماوردي والقاضيين حسين وأبي الطيب

стр. 1617

والرافعي، واختاره ابن حجر الهيتمي والخطيب والرملي وغيرهم (١).

стр. 1618

وقيل: لا يحتج بالقراءة الشاذة على الأحكام الشرعية، وهو مذهب المالكية، وكثير من الشافعية ونسبه الجويني إلى ظاهر مذهب الشافعي، وتبعه على ذلك الغزالي والآمدي، وابن السمعاني والنووي وابن الملقن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (١). * دليل من قال: القراءة الشاذة حجة في الأحكام: الدليل الأول: الصحابي عدل ثقة لا يمكن أن يحكيه قرآنًا ثم لا يكون قد سمعه من النبي ﷺ ، وقد عُرِفَ عن الصحابة ﵃ حرصُهم على حفظ القرآن حتى إنهم كرهوا

стр. 1619

التعاشير عليه غاية ما في الأمر أنها لم تنقل متواترة، وهذا لا يسقط حجيتها؛ لأنها مسموعة من النبي ﷺ في الجملة. الدليل الثاني: المنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي ﷺ ، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة فإن كان قرآنًا فالعمل به واجب، وإن كان خبرًا عن النبي ﷺ ، فخبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على وجوب العمل به، فيجب قبوله كسائر منقولاته. وقد يكون قرآنًا ونسخت تلاوته ولم يطلع على الناسخ، وقد يكون الصحابي سمعه تفسيرًا فظنه قرآنًا، فيثبت له رتبة الخبر، ففي الجملة لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ، ومرويًّا عنه، وعلى كل تقدير فهو حجة. وأما احتمال كونه مذهبًا للراوي فهو بعيد جدًّا فلا يظن ذلك بآحاد المسلمين أن يدخل مذهبه في مصحفه ويدعي أنه قرآن فما بالك بالصحابة خير القرون، وقد توعد الله من فعل ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومع التسليم بأنه مذهب للصحابي فإن الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يعارض نصًّا، ولم يعارضه أثر مثله، والله أعلم. * ونوقش: بأنه لا يصح قرآنًا كما لا يصح خبرًا. أما كونه لا يصح قرآنًا؛ فلأنه لو كان قرآنًا لنقل نقلًا متواترًا؛ فاهتمام الصحابة بالقرآن يمنع تقصيرهم في كتاب الله حتى لا ينقل عنهم إلا بطريق الآحاد. وأما كونه لا يصح خبرًا؛ فلأن الصحابي لم يُصَرِّحْ بكونه خبرًا، جاء في الإحكام للآمدي: «أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يُصَرَّحْ بكونه خبرًا عن النبي ﷺ فليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية مع أنه ليس بحجة بالاتفاق.

стр. 1620

وكيف وعدم الاحتجاج به فيه موافقة للنفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى» (١). وسوف أعرض الرد على هذا الجواب في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. * دليل من قال: لا يحتج بالقراءة الشاذة: الدليل الأول: أن القراءة الشاذة لا تصح قرآنًا لعدم تواترها. قال الآمدي: «النبي ﷺ كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا إن ذكره على أنه قرآن، فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﷺ ، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة» (٢). بل لا يصح أن يكون خبرًا؛ لأن الخبر ما رواه الراوي صريحًا على أنه خبر عن النبي ﷺ ، وهو لم يصرح بذلك، فكيف يقبل خبرًا، فتعين أن يكون مذهبًا له، وفي الاحتجاج بقول الصحابي خلاف معلوم في كتب الأصول. * ويجاب: ناقشت اشتراط التواتر في الفصل السابق، وأن القرآن الذي جمعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة، ونقل نقلًا متواترًا، وأما القراءات فلا يشترط لثبوتها التواتر، فكل قراءة صح سندها، ووافقت العربية من وجه، فإن لم تخالف رسم المصحف فهي قراءة وقرآن؛ لموافقتها ما أجمع عليه الصحابة. وإن خالفت رسم المصحف، فلا نقطع بقرآنيتها؛ لمخالفتها ما أجمع عليه الصحابة، ولا نقطع بنفي ذلك عنها، بل نثبتها قراءة لعدالة نَقَلَتِهِا، ولا يقرأ بها في الصلاة احتياطًا لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، ويستفاد منها في الأحكام والتفسير، وإن كنا لا نجزم ببطلان صلاة من صلى بها، وقد تقدم ذكر ذلك بالتفصيل

стр. 1621

والتدليل فلا حاجة لإعادته، فارجع إليه. وأما قولكم: إن النبي ﵇ كان يجب عليه إلقاء القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، فهذا دعوى في محل النزاع، فلا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه ﵇، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وقد جمعوه بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد. ولوكان النبي ﷺ قد ألقاه على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم لما اختلفت مصاحف الصحابة، ولهذا اختلفوا في البسملة أهي آية من القرآن أم ذكرت للتبرك، واختلف عمر ﵁ مع هشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان. ولو سلمنا وجوب ذلك على النبي ﷺ ، وأنه سمع منه جمع تقوم الحجة بقولهم، لكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك يتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ وقد زكاه النبي ﷺ وأمر بأخذ القرآن عنه، ولم يوجد ما يعارضه (١). وأما قولكم: بأنه لا يقبل خبرًا؛ لأنه لم يصرح بأنه سمعه من النبي ﷺ ، فهذا غير صحيح، فإن الصحابي حين رواه قرآنًا أثبت له أمرين: الأول: قرآنيته، والثاني: تلقيه من النبي ﷺ ؛ لأن القرآن إنما يتلقاه الصحابة من النبي ﷺ ، وليس بالاجتهاد والرأي، فإذا لم يثبت الأول؛ لكونه آحادًا حسب زعمكم، فقد ثبت الثاني؛ فإنه يلزم من رواية الصحابي على أنه قرآن أن يكون قد سمعه من النبي ﷺ ، وهل يتلقى القرآن إلا منه ﷺ ؟ وإذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي ﷺ ، فهذا أولى أن يكون مرفوعًا؛ لأن الصحابي لما ظنه قرآنًا لزم منه سماعه من النبي ﷺ ، فإذا لم يثبت أنه قرآن، فلا مجال لإسقاط سماعه من النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 1622

الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على مصحف الإمام عثمان ﵁، وطرح ما سواه، فلا يعتد بما شذ عن مصحف الإمام، فكل زيادة لا توجد بين دفتي المصحف فهي غير معدودة في القرآن. * ويناقش: كون الصحابة أجمعوا على مصحف عثمان ﵁ فهذا مُسَلَّم. وأما القول بأنهم أجمعوا على طرح ما سواه فهذا غير مُسَلَّم، كيف والقرآن أنزل على سبعة أحرف بالإجماع، ومصحف عثمان لم يشتمل على السبعة كلها بالاتفاق، وأين النقل عن الصحابة ﵃ على إبطال ما عدا مصحف عثمان. (ح-١٦٠٣) فقد روى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبَيِّ بن كعب، أن النبي ﷺ كان عند أَضَاةِ بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا (١).

стр. 1623

يقول ابن حزم: «فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئًا أخبر رسول الله ﷺ أن أمته لا تطيق ذلك، أتى عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه، ومن أجاز هذا فقد كَذَّب رسول الله ﷺ في قوله لله تعالى: إن أمته لا تطيق ذلك، ولم ينكر الله تعالى عليه

стр. 1624

ذلك ولا جبريل ﵇ .... وأيضًا فإن الله تعالى آتانا تلك الأحرف فضيلة لنا، فيقول من لا يحصل ما يقول: إن تلك الفضيلة بطلت، فالبلية إذن قد نزلت حاشا لله من هذا» (١). ولقد كان بعض الصحابة ﵃ يقرأ بما سمعه من النبي ﷺ ، كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، وهشام بن حكيم، وما شرع في حياة النبي ﷺ ، ومات عليه النبي ﷺ لا يتجرأ أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على طرحه، وباب النسخ قد أغلق بوفاة النبي ﷺ ، وكل ما كان جائزًا في حياته ﷺ حتى مات، فهو جائز إلى يوم القيامة. (ث-٤٢٥) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن إسماعيل ابن عبد الملك، قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فكان يقرأ بالقراءتين جميعًا، يقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، (وليلة بقراءة زيد) (٢)، فكان يصلي خمس ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر صلى ست ترويحات. وكان الأعمش يقرأ ختمًا على حرف ابن مسعود، وختمًا من مصحف عثمان (٣). * الراجح: أن القراءة الشاذة حجة ظنية في الأحكام، وفي التفسير، والله أعلم. * * *

стр. 1625

الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة المدخل إلى المسألة: * القراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كلها قرآن من عند الله. * الأصل جواز التلفيق بين القراءات الثابتة في الصلاة؛ ويصدق عليه أنه قرأ ما تيسر من القرآن. * لو قرأ في ركعة برواية، وقرأ بركعة أخرى برواية أخرى؛ صح التلفيق؛ لأن الكل من عند الله. * إذا قرأ كلمة أو جملة أو آية فأخذ يكررها بعدة قراءات فذلك يحرم فعله في الصلاة؛ لأنه محدث، لم يعرف في الصدر الأول. * إذا ترتب على التلفيق اختلال المعنى أو القراءة بهيئة لم يقرأ بها أحد حرم التلفيق. [م-٦١٢] التنقل بين القراءات في أثناء التلاوة، من غير الالتزام برواية معينة، كأن يقرأ وهو في موضع بضم الهاء، وفي موضع آخر بإسكانها، ويُعَبَّر عنه بـ (الخلط) وبـ (التلفيق)،اختلف العلماء في جوازه. فقيل: ممنوع مطلقًا، إما منع تحريم أو منع كراهة، وبهذا أخذ السخاوي، وهو أحد القولين عن ابن تيمية. قال السخاوي في كتابه جمال القراء: «وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ» (١). وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة» (٢).

стр. 1626

وحجتهم: بأن جمع القراءات في الصلاة بدعة محدثة، لا تعرف في الصدر الأول، ولم يعرف عن الصحابة أنهم قرؤوا في الصلاة بأكثر من قراءة واحدة، وكفى بهذا حجة في الامتناع عن الفعل. وقيل: تجوز مطلقًا، حكاه الجزري عن أكثر الأئمة، وهو أحد القولين عن ابن تيمية (١). قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة، أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، والله أعلم» (٢). وقيل بالتفصيل، وهو أرجحها: قال ابن الجزري ﵀: «والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير ... وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة. وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها. فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية، وتخليط على أهل الدراية. وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول، لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه، أو حرام؛ إذ كُلٌّ من عند الله، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينًا على أهل هذه الملة ... » (٣).

стр. 1627

وقال النووي: «إذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها، فلو قرأ بعض الآيات بها، وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطًا بالأولى» (١). واعتبار هذا الشرط يرجع لأمرين: الأول: ما قاله في تحفة المحتاج: «لاستلزامه هيئة لم يقرأ بها أحد» (٢). الأمر الثاني: وجوب المحافظة على المعنى، فالتلفيق بين القراءات قد يترتب عليه اختلال المعنى، وليس كل قارئ للقرآن يعرف ما يخل بالمعنى مما لا يخل به. ويقول فضيلة الشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي وفقه الله: «وأما التلفيق بين القراءات، فإذا كان في الكلمة الواحدة فهو محرم قطعًا، مثل من يجمع بين قراءتين متنافيتين؛ كالذي يرقق الراء في كلمة الآخرة، فإنه لا يحقق الهمزة، وهذا مثال في تحريف الكلمة الواحدة؛ لأنه لحن، وليس كلامًا من لغة واحدة. وإذا كان في الجملة الواحدة فمحل خلاف، فقيل بتحريمه، وقيل بكراهته. وإذا كان في الآية الواحدة، فهو مكروه قطعًا. وإذا كان في آيتين، ولم يكن على وجه التعليل، فهو خلاف الأولى. ومع ذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يرى أن القراءات نفسها ملفقة من الحروف السبعة التي أنزلت على النبي ﷺ ، فليست القراءة موافقة لحرف واحد، بل كل قراءة فيها أخذت من كل الحروف، ولا يمكن الجزم بهذا؛ لأن الجزم فيه صعب، ونحن نعلم أن النبي ﷺ أنزل عليه القرآن على سبعة أحرف؛ لكن لم يبين لنا أن هذا هو الحرف الأول، وهذا هو الحرف الثاني، وهذا هو الحرف الثالث ... بل قرأ بالجميع، وأَقَرَّ الناس على قراءة الجميع، فبالإمكان أن يحفظ فلان من الناس سورة التوبة على الحرف الأول، ويحفظ هو نفسه سورة يس مثلًا على الحرف الخامس، وسورة أخرى على الحرف السادس، ويلفق الجميع، فيكون قد حفظ القرآن بحروفه

стр. 1628

المتعددة، وهكذا» (١). * الراجح من هذا الخلاف: أن التلفيق بين القراءات في الصلاة: إن كان في كلمة واحدة، فذلك بدعة، وأقل أحواله الكراهة، ويحرم إن ترتب عليه لحن، كما لو جمع بين ترقيق الراء وتحقيق الهمزة في كلمة (الآخرة)، فإن من رقق الراء لم يحقق الهمزة، ومن حقق الهمزة لم يرقق الراء. وإن كان التنوع في القراءات في آيات وسور مختلفة، فالمستحب أن يقرأ بقراءة واحدة، فإن قرأ بقراءة أخرى، فإن ذلك مباح بشرط: الأول: أن يأمن تشويش العوام، فإن القراءة بهم بقراءة لم يألفوها قد يفتح على نفسه بابًا من الخلاف، لا يمكنه رده. (ث-٤٢٦) وقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال علي: حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّبَ، الله ورسوله (٢)؟ الثاني: أن لا ينشأ عن ذلك قراءة لم يقرأ بها أحد. الثالث: أن لا يعود ذلك على الإخلال بمعنى الآيات. قال ابن حجر: واستدل بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن ... بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب (٣). * * *

стр. 1629

المبحث الخامس في القراءة من المصحف الفرع الأول القراءة من المصحف خارج الصلاة المدخل إلى المسألة: * صح عن ابن مسعود أنه قال: أديموا النظر في المصحف، ويقصد به ﵁ النظر المصحوب بالتلاوة والاعتبار، لا مجرد النظر. * لا أعلم دليلًا مرفوعًا يقضي بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله. * التلاوة عبادة مقصودة، والغاية التعبد والتقرب إلى الله بتلاوة كلامه، وتدبره والاعتبار به، ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغايات. * إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فيجمع بينهما. [م-٦١٣] اختلف العلماء في أيهما أفضل القراءة من المصحف، أم القراءة من الحفظ؟ فقيل: القراءة من المصحف أفضل؛ وهو قول أكثر أهل العلم، ونسب النووي القول به للقاضي حسين، وأبي حامد الغزالي، وجماعات من السلف، ونقل الغزالي في الإحياء عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقرؤون من

стр. 1630

المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم، ولم ينظروا في المصحف. وروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثير من السلف حتى قال النووي: لم أَرَ فيه خلافًا (١). * واستدلوا بأدلة كثيرة منها: الدليل الأول: (ث-٤٢٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: أديموا النظر في المصحف (٢). [حسن موقوف على ابن مسعود] (٣). * ويجاب: أحيانًا يطلق الشيء ويراد به لازمه، فإذا أطلق النظر في المصحف فالمراد منه النظر المصحوب بالتلاوة والتدبر؛ لأن ذلك هو الغاية من النظر في المصحف، لا مجرد مطلق النظر. ومثله ما ورد في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق بالمساجد، لا يراد حب البقعة لذاتها، بل ما يصحب ذلك من ذكر الله وإقام الصلاة؛ لأن ذلك هو الغاية من إقامة المساجد، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. الدليل الثاني: (ح-١٦٠٤) روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن من طريق بقية ابن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : فضل قراءة

стр. 1631

القرآن نظرًا على من يقرؤه ظاهرًا كفضل الفريضة على النافلة (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٦٠٥) روى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب من طريق أبي سعيد بن عوذ المعلم المكي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك ألفي درجة (٣). [قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر] (٤). الدليل الرابع: (ح-١٦٠٦) روى ابن المقرئ في معجمه، والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم في الحلية من طريق الحر بن مالك العنبري، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف (٥). [غريب من حديث شعبة، وقال الذهبي: باطل] (٦).

стр. 1632

الدليل الخامس: (ح-١٦٠٧) روى أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق حفص بن عمر بن ميمون، عن عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، عن ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : أعطوا أعينكم حظها من العبادة. قيل: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه. قال البيهقي: إسناده ضعيف (١). [موضوع] (٢). الدليل السادس: (ح-١٦٠٨) روى عفيف الدين أبو المعالي في فضل العلم عن سليمان بن

стр. 1633

الربيع النهدي، حدثنا همام بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: خمس من العبادة قلة الطعام عبادة، والقعود في المساجد عبادة، والنظر في المصحف من غير قراءة عبادة، والنظر في وجه العالم عبادة، وأظنه قال: والنظر في وجه الوالدين عبادة. [ضعيف جدًّا] (١). الدليل السابع: أن القراءة من المصحف تشتمل على التلاوة والنظر، وقد صرح غير واحد من السلف أن النظر عبادة بخلاف الحفظ فهو يشتمل على التلاوة وحدها (٢). ولا أعلم دليلًا مرفوعًا بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله، فالتلاوة عبادة مقصودة، والغاية التدبر والاعتبار ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغاية، والله أعلم. وقيل: القراءة من الحفظ أفضل مطلقًا، اختاره أبو محمد بن عبد السلام في أماليه، ونقل ذلك الزركشي في البرهان (٣). * واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أثنى الله على أهل العلم بكون القرآن في صدورهم، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. الدليل الثاني: أن المقصود من التلاوة التدبر، لقوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [سورة ص: ٢٩].

стр. 1634

والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود، فكان مرجوحًا (١). الدليل الثالث: ترجم البخاري في صحيحه، فقال: باب القراءة عن ظهر قلب. ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ... وفيه: قال النبي ﷺ : ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا عَدَّها - قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (٢). قال ابن كثير في التفسير: هذه الترجمة من البخاري مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم (٣). وقد يقال: إن الحديث دليل على فضل حفظ القرآن، وهذا ليس موضع خلاف، وأما المفاضلة بين الحفظ والقراءة من المصحف فلا دلالة في الحديث، لا نصًّا، ولا إشارة. وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: «إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرًا من المصحف ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن القراءة، وعلم النبي ﷺ ذلك، فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن» (٤) .. الدليل الرابع: كان النبي ﷺ يأمر يوم أحد بدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقول: قدموا أكثرهم قرآنًا. [أعله أبو حاتم الرازي بالانقطاع] (٥).

стр. 1635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1637

الدليل الخامس: (ح-١٦٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (١). [انفرد به قابوس عن أبيه، وهو ضعيف] (٢). * ويجاب عن هذه الأدلة: بأن هذه الأحاديث دليل على فضل الحفظ فقط، ولا دلالة فيها على المفاضلة، إلا أن يقال: لما وردت أحاديث مرفوعة في فضل الحفظ، ولم ترد مثلها في فضل النظر في المصحف دلَّ ذلك على تفضيل الحفظ عليه. وقد يقال: إن المصحف لم يكن في عصر الوحي، إلا أن هذا الجواب لا يغني؛ لأنه وإن لم يكن في عصر الوحي فقد أذن الرسول ﷺ بكتابته، ونهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو (٣)، وإذا كان الرسول ﷺ لا يعلم فالله سبحانه يعلم أن المصحف سيجمع في عصر الصحابة، وسيجمعون على فعل ذلك، وسيكون في بيوت المسلمين، حتى كانت عائشة يصلي بها غلامها، وهو يقرأ من المصحف، وحتى كان غلام أنس ﵁ يصلي خلف أنس، وهو يمسك المصحف؛ ليفتح على أنس إذا ارتجت عليه القراءة، والله أعلم.

стр. 1638

وقيل: يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، اختاره النووي في الأذكار، وذكره ابن حجر في الفتح، واستحسنه السيوطي إلا أنه علق القول به إن كان قد قيل به (١). قال النووي: «قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف» (٢). وهذا القول أرجحها؛ لأن المطلوب من تلاوة القرآن تدبره، سواء أقرأ من المصحف أم قرأ ذلك حفظًا، ولو كان أحدهما أفضل من الآخر لجاءت النصوص الواضحة الفاصلة، فلمًّا لم تكن النصوص كاشفة دل على أنه لا فرق بينهما، إلا أن يعود ذلك على الخشوع والتدبر، فذلك يختلف من شخص لآخر، فإذا استويا في التدبر فالأولى أن يقرأ هكذا وهكذا، والله أعلم. * * *

стр. 1639

الفرع الثاني في القراءة من المصحف بالصلاة المدخل إلى المسألة: * يرجع الخلاف في القراءة من المصحف في الصلاة إلى اختلافهم في تقليب أوراق المصحف، والنظر فيه، أهو من العمل الكثير في الصلاة أم لا، وإذا كان كثيرًا، أيغتفر؛ لكونه لمصلحة الصلاة، أم لا، أم يفرق بين الحافظ وغيره، وبين الفرض والنفل؛ لكون النفل أوسع من الفرض. * ذكر الحنفية أنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، يقصدون بذلك ولم يحرك لسانه؛ لكون السكوت في الصلاة لا يقطع الموالاة. * حكى أبو الطيب الطبري الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما. * إذا اعتبرنا النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أَرَ فيها خلافًا، فإذا نظر فيه فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها. * عمل السلف على جواز القراءة من المصحف في النفل؛ لطول القيام في النفل فيحتاج إليه بخلاف الفرض. * هل يقال: ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل؟ وقد سئل أحمد عن القراءة من المصحف في الفرض، فقال: لم أسمع فيه شيئًا، أم يقال: لم يكن من عمل الناس بالفرض، والأصل في العبادات المنع، الأول أقرب، وإبطال العبادة يفتقر إلى دليل، والأصل صحتها. * قلب الورقة إذا فرغ من قراءتها عمل يسير جدًّا، والعمل الكثير إذا كان متفرقًا غير متصل ولمصلحة الصلاة لا يبطلها.

стр. 1640

* صح في النفل الصلاة راكبًا وقاعدًا، وإلى غير القبلة، فالحركة الكثيرة إذا احتيج إليها في النفل لا تبطلها بخلاف الفرض، فيغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض. * الحاجة ترفع الكراهة، والضرورة ترفع التحريم. [م-٦١٤] وأما القراءة من المصحف في الصلاة فقد اختلف العلماء فيها على أقوال: فقيل: لا تجوز، وإن قرأ من المصحف فسدت صلاته، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم وحكاه عن ابن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السلمي (١). قال ابن حزم: «ولا تجوز القراءة في مصحف، ولا في غيره لِمُصَلٍّ، إمامًا كان أو غيره، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته» (٢). وقيل: تحرم على الحافظ فقط، وتجوز لغيره، وهو رواية عن أحمد (٣). وقيل: تجوز القراءة من المصحف على خلاف بينهم: فقيل: تجوز مطلقًا في فرض ونفل، وهو مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٤). قال النووي: «لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء أكان يحفظه

стр. 1641

أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظه» (١). وفقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يكره مطلقًا، وصلاته صحيحة (٢). وقيل: يكره في الفريضة، وهو مذهب المالكية وقول عند الحنابلة (٣)، واختلفوا في النافلة وقيام رمضان: فقيل: تجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، وبه قال الزهري وإسحاق وجماعة من السلف (٤). «قال الإمام أحمد: «لا بأس أن يصلي بالناس القيام، وهو ينظر في المصحف. قيل له: الفريضة؟ قال: لم أسمع فيها شيئًا، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف، فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (٥). وقيل: إن ابتدأ النافلة بالقراءة من المصحف جاز، وإن ابتدأ بغير مصحف فأراد النظر فيه في أثناء النفل كره، وهو مذهب المالكية (٦). وقيل: تجوز في النفل لغير حافظ، فإن كان حافظًا كرهت كالفرض، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٧).

стр. 1642

* هذه مجمل الأقوال في المسألة، وخلاصتها. التحريم مطلقًا. التحريم على الحافظ. الجواز مطلقًا. الكراهة مطلقًا. التفريق بين الفريضة فيكره، واختلفوا في النافلة على أقوال منها: الجواز مطلقًا، والكراهة من الحافظ. والجواز إذا ابتدأ القراءة من المصحف وإلا فلا، فهذه سبعة أقوال. * دليل من قال: تحرم القراءة من المصحف وتفسد بها الصلاة: الدليل الأول: احتج ابن حزم على التحريم بأن القراءة من المصحف عمل لم يَأْتِ بإباحته في الصلاة نص، وقد قال النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلًا، رواه البخاري (١). * ونوقش: بأن قوله ﷺ : (إن في الصلاة لشغلًا) المراد منه الاشتغال بأفعال خارجة عن الصلاة. (ح-١٦١٠) فقد رواه البخاري من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أُسَلِّمُ على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علي، فلمَّا رجعنا سلمت عليه، فلم يرد علي، وقال: إن في الصلاة لشغلًا (٢). فكان في الصلاة شغل عن رد السلام على الغير، وهو ليس من فعل الصلاة ولا من مصلحتها، بخلاف القراءة من المصحف فإنه من مصلحة الصلاة فالاشتغال به لا حرج فيه، لا سيما إذا كان محتاجًا إلى ذلك. والقول بأنه لم يرد نص بالإباحة غير مسلم؛ لأن النصوص الآمرة بالقراءة

стр. 1643

مطلقة، والمطلق جارٍ على إطلاقه في الأصول، لا يقيد إلا بنص، ولم يَأْتِ نص ينهى عن القراءة من المصحف، بل جاء عن عائشة ما يدل على الإباحة كما سيأتي في أدلة القائلين بالجواز. الدليل الثاني: لأبي حنيفة في فساد الصلاة من القراءة من المصحف طريقتان في الاحتجاج: الطريقة الأولى: أن حمل المصحف، ووضعه عند الركوع، ورفعه عند القيام، وتقليب أوراقه، والنظر إليه، وفهمه والتفكر فيه، أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة، ولا حاجة لتحملها في الصلاة، والعمل الكثير مفسد للصلاة. وقياس هذه الطريقة: أن المصحف لو كان موضوعًا بين يديه، ويقرأ منه من غير حمل، وتقليب أوراق، أو يقرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن، فإن الصلاة لا تفسد؛ لعدم المفسد، وهو العمل الكثير (١). وسوف يأتي الجواب عنه في أدلة القائلين بالجواز دفعًا للتكرار. الطريقة الثانية: أنه يُلَقَّنُ من غيره، فوجب أن تبطل صلاته كما لو تلقن من معلم، وصححه السرخسي في المبسوط (٢). وعليه فلو كان حافظًا للقرآن، وقرأ من المصحف بلا حمل صحت صلاته؛ لانتفاء العمل والتلقين، ومجرد النظر بلا حمل غير مفسد، وجزم به الرازي وتبعه السرخسي، وجزم به في الفتح والنهاية والتبيين، قال في البحر: وهو وجيه كما لا يخفى (٣). وقريب من هذا التعليل، ما ذكره بعض الحنابلة: بأنه اعتمد في فرض القراءة

стр. 1644

على غيره، كما لو اعتمد على حبل في قيامه (١). * ونوقش: بأن التلقين في الصلاة منه ما هو مجمع على جوازه كما لو كان المُلَقِّن من جملة المصلين، فلو ارتجت القراءة على الإمام ففتح عليه أحد المصلين صح التلقين بالإجماع. والتلقين من خارج الصلاة مختلف فيه، والأصح أنه لا يفسد، كالتلقين من داخلها. قال النووي: «وأما التلقين في الصلاة فلا يبطلها عندنا بلا خلاف» (٢). هذا على التسليم بأن النظر في المصحف بمنزلة التلقين، وبينهما فرق: فالتلقين من رجل خارج الصلاة بمنزلة مخاطبته إذا لم يقصد المصلي القرآن، والأصل فيه المنع، وأما النظر في المصحف والقراءة منه فلا يتصور وجود خطاب بين اثنين حتى يعطى حكم التلقين من الناس، فهو كما لو قرأ آية مكتوبة في المحراب، أو على حائط المسجد، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٤٢٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن العياش العامري، عن سويد بن حنظلة البكري أنه مر على رجل يؤم قومًا في المصحف، فضربه برجله (٣). ورواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عياش العامري، عن سويد بن حنظلة أنه مر بقوم يؤمهم رجل في المصحف، فكره ذلك في رمضان، ونَحَّى المصحف (٤). [صحيح].

стр. 1645

* ويناقش: بأنه صح عن عائشة ﵂ جوازه، فيحمل أثر سويد بن حنظلة على الكمال، أو مع عدم قيام الحاجة، ويحمل أثر عائشة ﵂ على الجواز، وعلى تقدير التعارض فإنه لا حجة لقول الصحابي إذا عارضه غيره، فيطلب مرجح خارجي. الدليل الرابع: (ث-٤٢٩) ما رواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق نهشل بن سعيد، يحدث، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر ﵁ أن يؤم الناس في المصحف، ونهانا أن يؤمنا إلا المحتلم (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الخامس: (ث-٤٣٠) روى الخطيب في تاريخه من طريق أبي بلال الأشعري، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن سفيان الثوري، عن عياش بن عمرو العامري، عن نعيم بن حنظلة البكري، عن عمار بن ياسر أنه كان يكره أن يؤم الرجل الناس بالليل في شهر رمضان في المصحف، قال: هو من فعل أهل الكتاب (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 1646

* أدلة القائلين بالكراهة: الدليل الأول: استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم؛ إلا أنهم حملوها على الكراهة. الدليل الثاني: القراءة من المصحف ليس فيها إلا حمل المصحف بيده، والنظر فيه، وذلك جائز كما لو حمل شيئًا آخر إلا أننا قلنا بكراهتها من أجل أن في ذلك تشبهًا بفعل أهل الكتاب. * ويناقش بأكثر من وجه: الوجه الأول: تعليل الكراهة بالتشبه يفتقر إلى أن يأتي في شريعتنا ما يدل على أنه من فعل أهل الكتاب، ولا أعلم دليلًا مرفوعًا يذكر أن ذلك من فعلهم، وروي عن ابن عباس ولا يصح عنه. (ث-٤٣١) فقد روى أبو يوسف في الآثار، أنه قال: وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الرجل يؤم القوم، وهو ينظر في المصحف إنه يكره ذلك، وقال: كفعل أهل الكتاب (١). [ضعيف لانقطاعه]. وروي صحيحًا من قول إبراهيم النخعي. (ث-٤٣٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش،

стр. 1647

عن إبراهيم أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب (١). [صحيح عن إبراهيم، إلا أنه موقوف عليه]. الوجه الثاني: إذا ثبت أن ذلك الفعل من أهل الكتاب فإنه لا يكفي حتى يثبت أن ذلك الفعل مختص بهم، فيصح التعليل بالكراهة لعلة التشبه، فلم يثبت الأول حتى يثبت الثاني. الوجه الثالث: لو سلمنا القول بالكراهة فإن الكراهة ترفعها الحاجة. الوجه الرابع: التابعون مختلفون في القراءة من المصحف حال الصلاة، وأكثرهم على الجواز، فيكون قول الإمام إبراهيم النخعي قول فقيه معارضًا بمثله. فهذا الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح، والحكم، وعائشة بنت طلحة وغيرهم لا يرون بأسًا من القراءة بالمصحف في الصلاة (٢). * دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿اقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 1648

وقال ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (١). والنصوص الشرعية مطلقة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلم تفرق النصوص بين أن يقرأ ذلك عن حفظ أو نظر في المصحف، ومن قيد القراءة بأن تكون حفظًا فعليه الدليل، فالنصوص المطلقة جارية على إطلاقها لا يقيدها إلا نصوص مثلها، والأصل صحة الصلاة. الدليل الثاني: (ث-٤٣٣) روى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة، أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف (٢). [صحيح من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، ومن رواية عروة عنها، ورواه البخاري معلقًا عن عائشة مجزومًا به] (٣). * ونوقش هذا: بأن أثر عائشة في النفل، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في

стр. 1649

الفرض، ولهذا صح النفل راكبًا، ومتجهًا لغير القبلة، وجالسًا مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة، والحاجة إلى فعله في النافلة أكثر؛ لطول القيام وكثرة القراءة، بخلاف الفريضة، فإنه مأمور بتخفيفها إذا صلى بالناس. * ورد هذا النقاش: بأن النفل والفرض عبادتان من جنس واحد، فما صح في؟ إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل يدل على افتراقهما، وما ذكر من صحة النفل راكبًا وقاعدًا من غير عذر كل ذلك ثبت بالنص الخاص الصريح على افتراق الفريضة عن النافلة، فأين النص الخاص الصريح على اختصاص القراءة من المصحف بالنافلة حتى يقال بمقتضاه، فلا اختصاص لأحدهما بصفة إلا بنص، وما لم يرد فيه نص فالأصل أن صفتهما واحدة، فيما يجب، ويستحب، ويكره، ويباح. فإن قيل: لم يكن من عمل الناس في الفريضة، والأصل في العبادات المنع. فالجواب: هذا صحيح لو أنه لم يثبت فعله في النافلة من قبل بعض الصحابة، أما وقد صح ذلك في النافلة فإبطال العبادة أو كراهتها يفتقر إلى دليل، والأصل صحة العبادة. الدليل الثالث: (ث-٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عيسى بن طهمان، قال: حدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي، وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (١). [حسن] (٢). لو كان حمل المصحف في الصلاة مفسد للصلاة لما جاز حمله لمصلحة مظنونة، فقد يحتاج الإمام إلى الفتح وقد لا يحتاج، وكان يمكن للإمام إذا ارتجت عليه الآية أن يدعها وينتقل لغيرها، وإذا ارتجت عليه السورة انتقل إلى سورة أخرى، فإذا جاز حمل

стр. 1650

المصحف للفتح على الإمام جاز حمل المصحف للقراءة من باب أولى. الدليل الرابع: وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤)، في قيام الليل (كما في المختصر): «سئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (١). [تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه ولعله يحتمل في نقل مثل هذا الأثر] (٢). الدليل الخامس: النهي عن القراءة من المصحف في الصلاة راجع إلى أحد أمرين: إما لحمل المصحف وقلب الصفحة إذا فرغ من قراءتها، ووضعه إذا ركع، وأخذه إذا رفع. وإما إلى النظر في المصحف والقراءة منه: فأما الأول فقد دَلَّ الدليل على أن جنسه لا يفسد الصلاة: (ح-١٦١١) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٣). فإذا لم يؤثر الحمل والوضع والرفع فيما ليس من مصلحة الصلاة، كان حمل المصحف ووضعه ورفعه لا يؤثر من باب أولى؛ لكونه لمصلحة الصلاة، وأداء سنة
следующие страницы →