← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والعبرة في الطول والقصر بالعرف (١). وقال المتولي الشافعي: «والشرط ألا يزيد الفصل بينهما على القدر الذي يتنفس فيه» (٢). • وجه القول باشتراط الموالاة: أن تكبيرة الإحرام مكونة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ محكوم عليه، والخبر حكم على المبتدأ، فجزءا الجملة يكونان جملة مفيدة، والسكوت الطويل إذا فصل بين المبتدأ والخبر يقطع ارتباط بعضهما ببعض. قال ابن مالك: والخبرُ الجزُء المتمُّ الفائدة ... كاللهُ بَرٌّ والأيادي شاهدة فإذا قطع الخبر عن المبتدأ لم يكن الكلام مفيدًا، والفاصل اليسير لا يضر؛ لأن الاتصال ما زال باقيًا حكمًا، ولأن السكوت اليسير قد يكون لتنفس وسعال، فلا يشعر بقطع الكلام. قال في مطالب أولي النهى: «ويتجه اشتراط التوالي بين هذين الاسمين الجليلين، ولو حكمًا» (٣). فالتوالي قسمان: حقيقي، وهذا ظاهر. وحكمي: هو التوالي مع الفاصل اليسير، والذي يصح أن يبنى الكلام بعضه على بعض، ويفهم منه السامع جملة مفيدة، والله أعلم. جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه كما قيده الزركشي في شرح التنبيه، ومقتضاه: أن اليسيرة لا تضر، وبه صرح في الحاوي الصغير وأقره عليه ابن الملقن في شرحه» (٤). وقيل: تضر السكتة بين كلمتي التكبير، ولو كانت يسيرة، اختاره بعض الشافعية. جاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: «قوله: (ولا يضر وقفة يسيرة

стр. 387

إلخ) خلافًا لظاهر قول شيخنا: وتضر الوقفة الطويلة بينهما، وكذا اليسيرة على المعتمد. اهـ» (١). وهو قول ضعيف جدًّا، ولا ينفك أحد من سكتة يسيرة بسبب تنفس أو سعال، أو نحوهما، والله أعلم. * * *

стр. 388

الشرط الخامس في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب المدخل إلى المسألة: • لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط. • الواجب النطق، والإسماع قدر زائد على النطق. • النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة. [م-٤٨٢] اتفق العلماء على أنه يشترط أن يحرك لسانه وشفتيه بالحروف، وينطق بها، فلو أجراها على قلبه من دون تحريك لسانه، لم تنعقد صلاته. واختلفوا في اشتراط إسماع المصلي نفسه بتكبيرة الإحرام والأقوال والقراءة الواجبة: فقيل: يشترط أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط ونحوه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 389

وقيل: لا يشترط، بل يكفيه أن يحرك لسانه بالحروف وإن لم يسمع نفسه، اختاره الكرخي من الحنفية، وظاهر قول محمد بن الحسن، والمذهب عند المالكية، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (١). • دليل من قال: لا يشترط: الدليل الأول: لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط. الدليل الثاني: (ح-١١٩٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك .... وذكر الحديث (٢). وجه الاستدلال: قوله: (اقرأ بها في نفسك) أي في سرك، وليس المراد: اقرأ بها في قلبك؛ لأن هذا لا يجزئ بالإجماع، ولا يعتبر هذا قراءة؛ ولهذا اتفقوا على أن الجُنُبَ لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا للقرآن.

стр. 390

قال الباجي في المنتقى: «القراءة في النفس: هي بتحريك اللسان بالتكلم، وإن لم يسمع نفسه سرًّا» (١). الدليل الثالث: أن الواجب هو النطق بالتكبير والقراءة، وكذا كل قول واجب، والإسماع قدر زائد على النطق؛ لأن النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة. • دليل من قال: يشترط أن يسمع نفسه: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. قال الرازي: «﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: المراد منه: أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطًا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (٢). فالمراد أن يكون الصوت فوق الإسرار ودون الجهر، وأقله إسماع النفس. • ويناقش: أما قوله: قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. فليست الآية في قراءة الصلاة، لأن الله أمر رسوله ﷺ بأن يذكره، في قلبه، وأن يذكره أيضًا في لسانه، وذكر القلب وإن كان مطلوبًا خارج الصلاة وذلك بأن يستحضر معاني أسماء الله وآياته وآلائه ليكمل للعبد خوف الله وخشيته والإنابة إليه إلا أنه في الصلاة لا يكفي، فلو ذكر المصلي ربه في صلاته في قلبه فقط، فقرأ القرآن في نفسه، وقال التكبيرات والأذكار الواجبة في نفسه ولم يحرك بها لسانه لم يسقط الواجب عنه بالإجماع، فتبين أن الآية ليست في الصلاة.

стр. 391

وأما الاستدلال بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (١). فلا تدل على تحريم الإخفات إلا إذا دلت على تحريم الجهر بالصلاة، فإذا كان الجهر بالصلاة ليس محرمًا، لم يكن الإخفات محرمًا إذا حرك لسانه بالقراءة والذكر الواجب، والله أعلم. الدليل الثاني: أن المصلي إذا لم يسمع نفسه ولم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ، وإذا كان لا بد من الصوت، فالصوت ما يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فإذا لم يسمع نفسه لم يحصل علم ولا ظن بحصول شرط الصلاة. • ويناقش: بأن القول: بأنه إذا لم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ هذه دعوى في محل النزاع، فأين البينة على هذه الدعوى؟ والدعاوَى ما لم تقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياءُ. • الراجح: أن تحريك اللسان بالتكبير وكذا كل ذكر واجب يكفي ولو لم يسمع نفسه، والله أعلم. * * *

стр. 392

الشرط السادس أن تكون التحريمة بالعربية من القادر عليها المدخل إلى المسألة: • الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى. ومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق، فتصح بكل لسان. ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز ترجمته مع القدرة عليه (١). • العجز عن أذكار الصلاة يوجب الانتقال إلى أبدالها. [م-٤٨٣] اختلف العلماء في التكبير بغير العربية: فقيل: يصح مطلقًا، ولو كان يحسن العربية، وهو قول الإمام أبي حنيفة (٢). وقيل: لا يصح مطلقًا، وتسقط تكبيرة الإحرام بالعجز، ويدخل في الصلاة بالنية، وبه قال أكثر المالكية، وهو قول عند الحنابلة (٣).

стр. 393

وقال المالكية في المعتمد: إن قدر على بعض تكبيرة الإحرام، أتى به إن كان له معنى، كلفظ الجلالة، أو على صفةٍ من صفاته، وأطلق بعض المالكية القول بأنه إذا لم يقدر سقط (١). وقيل: لا يصح إن كان يحسن العربية، وإن كان لا يحسنها وجب عليه أن يتعلمه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا خشي أن يفوته الوقت كبر بلغته، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). وقال في الإنصاف: «فإن لم يحسنها لزمه تعلمها بلا نزاع ... فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته، وكذا إن عجز، وهذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم» (٣). قال خليل من المالكية: «وكره ... بعجمية لقادر» (٤). قال الخرشي: «ومفهومه الجواز للعاجز» (٥). والتعبير بالجواز لا يدل على وجوب المرادف للعربية من لغة أخرى. وقال في الفواكه الدواني: «والمعتمد عدم بطلان الصلاة بشيء من ذلك كما يؤخذ من كلام خليل؛ فإنه قال في مكروهات الصلاة: أو بعجمية لقادر» (٦). والقول بعدم البطلان لا يدل على وجوب المرادف في حال العجز. • دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].

стр. 394

فالذكر مطلق، والمعتبر فيه تعظيم الله ، وهذا حاصل بكل لسان. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الأذكار المقيدة يقصد لفظها، كما بينت ذلك في المبحث السابق، لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت، وقد سبق تخريجه في المبحث السابق، فإذا كان لا يصح استبداله بمرادف عربي مع القدرة، لم يصح استبداله بمرادف أعجمي من باب أولى. الوجه الثاني: أن المطلوب هو لفظ التكبير من القادر عليه دون معناه، لقول النبي ﷺ : تحريمها التكبير؛ يعني: لا غيره، حيث حصر المبتدأ في الخبر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير، فإذا كان لا يجوز استبداله بغيره ولو بلفظ عربي آخر، فمن باب أولى أن لا يجوز بسائر اللغات، وقد شرحت لك في المبحث السابق دلالة الحصر بالأمثلة، فارجع إليه إن شئت. الدليل الثاني: القياس على الإيمان، فلو آمن بغير العربية جاز إجماعًا لحصول المقصود، وقياسًا على التلبية في الحج والتسمية في الذبح يجوز بغير العربية بالإجماع فكذا هنا (١). • ويناقش: هذه الأشياء قد اختلف العلماء في صحتها بغير العربية، وعلى القول بصحتها فلا يصح القياس عليها، ذلك أن الصلاة شرعت على وصف لا يعقل معناه، لا في وقتها، ولا في عددها، ولا في هيئتها، ولا في تنوع أذكارها، فغَلَب عليها جانب التعبد، فلزم الإتيان بها على الصفة المشروعة، بخلاف الدخول في الإسلام فالمقصود من لفظها الإخبار عن تصديق القلب، وهذا المعنى يستوي فيه اللفظ العربي بغيره. كما أن القياس على الذبح لا يصح أيضًا؛ لأنه قياس في مقابل النص، ولأن المطلوب في الذبح ذكر اسم الله عليه، والنصوص مطلقة، ولم يطلب صيغة معينة

стр. 395

فأي اسم من أسماء الله تعالى ذكر فقد تحقق المقصود. قال ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر. رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج (١). • دليل من قال: لا يصح بغير العربية مطلقًا: الدليل الأول: الواجبات في اللغة العربية على قسمين: ١ - واجبات تسقط بالعجز، قال ﷺ : صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. ٢ - وواجبات إذا عجز الإنسان عنها انتقل إلى بدلها، كالتيمم بدل عن الوضوء، ومثلها بعض الكفارات التي على الترتيب، ولا يصار إلى البدل إلا بدليل، وتكبيرة الإحرام باللغة العربية واجب، فإذا عجز عنه سقط، لأن القول بوجوب بدل عنه يحتاج إلى توقيف، ولا يوجد نص من الشارع يوجب البدل، والأصل عدم وجوب البدل. الدليل الثاني: أن المطلوب هو لفظ التكبير دون معناه، لقول النبي ﷺ : تحريمها التكبير. الدليل الثالث: القياس على من عجز عن قراءة القرآن بالعربية، فإنه لا يعبر عنها بغيرها. الدليل الرابع: القياس على الأخرس، فكما أن الأخرس عاجز عن النطق، فيسقط عنه، فكذلك الأعجمي عاجز عن نطق التكبير بالعربية، فيسقط عنه. • ونوقش: بأن قياس الذكر على القرآن قياس مع الفارق؛ لأن القرآن معجز بلفظه، فلا تجوز ترجمته بلغة أخرى بخلاف أذكار الصلاة فإنها لا إعجاز فيها، كما أن قياس العاجز عن العربية بالأخرس قياس مع الفارق، فإن الأخرس ليس معه آلة

стр. 396

النطق، بخلاف العاجز عن العربية، فهو قادر بلغته. • دليل من قال: يجوز بشرط العجز عن العربية: الدليل الأول: الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى. ومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق؛ فيجوز بكل لسان؛ لأن العبرة بالعقود بمعناها دون لفظها. ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز الترجمة مع القدرة على اللفظ، فإذا عجز جازت الترجمة؛ لأن هذه الألفاظ لا إعجاز فيها، فلا يمنع من ترجمتها (١). الدليل الثاني: بأن الأمر بالصلاة لإقامة ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فكونه يذكر الله تعالى بلغته خير من الوقوف والركوع والسجود بلا ذكر، فإن الذكر سبب للخشوع، والخشوع من الصلاة كالروح من الجسد، فإذا خلت الصلاة من ذكر الله تعالى صارت حركات بلا روح، وإذا كان من يعجز عن الفاتحة وهو كلام الله المعجز والمنزل بلسان عربي مبين ينتقل إلى التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير بمقدار الفاتحة، فالتكبير الذي هو من كلام الناس من باب أولى أنه إذا عجز عنه باللغة العربية انتقل إلى بدله من لغته، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. • الراجح: أرجح الأقوال القول بالتفصيل، وأن القادر على نطق الأذكار باللغة العربية لا يجوز له ترجمتها، بخلاف العاجز، والله أعلم. * * *

стр. 397

الشرط السابع سلامة التكبير من اللحن المغير للمعنى المدخل إلى المسألة: • كل لحن يغير المعنى، ويوهم محذورًا فهو محرم، ويفسد الصلاة. • كل إشباع يخرج عن الحد الطبيعي، ولا يغير المعنى، إذا ارتكبه قاصدًا عالمًا فهو مكروه. • الخطأ النحوي في غير كتاب الله من تحريك الساكن، أو تسكين المتحرك إذا لم يغير المعنى، لم يفسد الصلاة. [م-٤٨٤] اللحن في النطق إما أن يكون لحنًا في بنية الكلمة أو في إعرابها، وسوف نعرض لبعض الصور من اللحن الذي يقع فيه الناس، وتعرض له الفقهاء في أحكامهم. القسم الأول: صور من اللحن الواقع في بنية الكلمة، من ذلك: الصورة الأولى: أن يمد همزة لفظ الجلالة كما لو قال: آلله أكبر، فصارت الجملة بصورة الاستفهام، فتغير المعنى. وقد نَصَّ الحنفية وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة على أن الصلاة لا تنعقد (١). وقال بعض المالكية: إن قصده بطلت (٢). بل قال أكثر الحنفية إن تعمده كفر (٣).

стр. 398

وقال بعضهم: خيف عليه من الكفر (١). ونقل في العناية: أنه إن فعل ذلك عمدًا كان كفرًا؛ لشكه في كبريائه، وإن لم يتعمده أفسد صلاته، ثم تعقب ذلك بقوله: وفيه نظر؛ لأن الهمزة يجوز أن تكون للتقرير، فلا يكون هناك كفر، ولا فساد (٢). وانتقده في المعراج، بأن الهمزة لا تكون للتقرير إلا في كلام منفي، لا في كلام مثبت، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] قال في النهر الفائق: كذا قيل (٣). فكأنه لم يرتَضِهِ، وتعقب ابن نجيم، كلام صاحب العناية فقال في البحر الرائق: «وفيه نظر؛ لأن ابن هشام في المغني قال: والرابع التقرير، ومعناه: حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته، أو نفيه، ويجب أن يليها الشيء الذي يقرر به، تقول في التقرير بالفعل: أضربت زيدًا؟ أو بالفاعل: أأنت ضربت زيدًا؟ أو بالمفعول: أزيدًا ضربت؟ كما يجب ذلك في المستفهم عنه اهـ. وليس (الله أكبر) من هذا القبيل؛ إذ ليس هنا مخاطب كما لا يخفى» (٤). وقد كشف نقل ابن نجيم عن ابن هشام أن التقرير كما يكون في النفي يكون في الإثبات. وقال زروق في شرح الرسالة: «ومواضع اللحن ... منها مد ألف الله من اسم الجلالة ... وهو قريب من الكفر» (٥).

стр. 399

وقال ابن المنير نقلًا من مواهب الجليل: «ويحذر أن يمد بين الهمزة واللام من اسم الله فيوهم الاستفهام، وأن يمد بين الباء والراء فيتغير المعنى ... هذا كله لحن ويخاف منه بطلان الصلاة» (١). • والراجح: أنه إن تعمد هذا اللحن مع العلم بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا فأرجو أن تكون صلاته صحيحة، والله أعلم. الصورة الثانية: إشباع حركة الهاء من لفظ الجلالة (الله). قال الحنفية: إشباع حركة الهاء من الجلالة، خطأ لغة، ولا تفسد به الصلاة، وبه قال بعض المالكية (٢). جاء في مراقي الفلاح: «وإشباع حركة الهاء من الجلالة خطأ لغة ولا تفسد به الصلاة وكذا تسكينها» (٣). وقال ابن المنير المالكي: «ويحذر أن يشبع الهاء حتى تتولد الواو ... فهذا كله لحن، ويخاف منه بطلان الصلاة» (٤). ونص الشافعية على أن إشباع الضمة إذا تولد منه واو بين الكلمتين أنه لا يجزئ (٥). وعلل بعض الشافعية المنع بأن لفظ الجلالة إذا أشبعت حركة الهاء حتى تولد منها واو، صار لفظ الجلالة جمع لاهٍ (٦). وقال في نهاية المحتاج: «لأن ذلك لا يسمى تكبيرًا» (٧).

стр. 400

ونص صاحب كفاية الأخيار أن الإشباع زيادة تخل بالمعنى، فقال: «ومنها: أن لا يزيد ما يخل بالمعنى بأن يمد الهمزة من الله لأنه يخرج به إلى الاستفهام .... أو يزيد في إشباع الهاء فتتولد واو، سواء كانت ساكنة أو متحركة» (١). واشترط الرملي للتحريم شروطًا منها العلم والقصد، والقدرة، وهي شروط في كل محرم، جاء في فتاوى الرملي: «سئل عمن يشبع هاء الله حتى تتولد منها واو فهل ذلك حرام أو لا؟ فأجاب: نعم يحرم عليه إن أتى به قاصدًا به الله ، أو مسندًا إليه ما لا يصح إسناده إليه تعالى عالمًا بتحريمه قادرًا على الصواب، بل إن فعله عنادًا كَفَر؛ لتغييره معنى الاسم الكريم، ففي العزيز في الكلام على تكبيرة الإحرام، ولو زاد واوًا بين الكلمتين ساكنة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزيه» (٢). •والراجح: أن القول بإبطال الصلاة شديد، ويحتاج إلى نص، والأصل الصحة، ولكن القول بالكراهة إذا تقصد ذلك غير مدفوع، لما ذكره الشافعية من تعليلات، والله أعلم. الصورة الثالثة: مد لام لفظ الجلالة (الله)، فإن كان بمقدار حركتين فهو الصواب؛ لأن ذلك مقدار المد الطبيعي. وأما قصره عن المد الطبيعي، فذكر النفراوي من المالكية أن من قصر عن هذا المقدار لا يصير محرمًا؛ لأنه لا يصير ذاكرًا إلا به. وقال الشافعية: «ويندب ... أن لا يقصر بحيث لا يفهم، وأن لا يطول بالتمطيط» (٣). واستحب الحنفية والشافعية الإسراع بالتكبير: أي لا يمده (٤).

стр. 401

• واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: (ح-١١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أنه صلى خلف النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير (١). [منكر تفرد به الحسن بن عمران وخالف الأحاديث المتواترة في إتمام التكبير] (٢).

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 404

فسر الحنفية قوله: (لا يتم التكبير): أي لا يمده (١). وقال أبو داود: معناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر. فجعل الإتمام في مقابل النقص: أي ينقص التكبير، وهذا ما أحدثه بعض حكام بني أمية، وهذا التفسير ورد في بعض طرق الحديث، وعلى كل حال الحديث لا يصح، ولو صح فهو مخالف للسنة من الجهر بالتكبير في كل مواضعه من الصلاة. الدليل الثاني: قال الرافعي في شرح الوجيز: «روي أنه ﷺ قال: التكبير جزم، والتسليم جزم» (٢). وفسر ابن نجيم: التكبير جزم: أي بلا مد، وذلك بحذفه من غير تطويل (٣). قال الحافظ في التلخيص: «لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي» (٤). قلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك. (ث-٢٨٠) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: ... قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد (٥). [ضعيف جدًّا فيه يحيى بن العلاء متهم] (٦). وأما الزيادة عن المد الطبيعي: فقيل: تكره، ولا تفسد به الصلاة، وهو المختار عند الحنفية، ومذهب الحنابلة (٧).

стр. 405

قال في النهر الفائق: «أما مد لام الاسم فحسن ما لم يخرج عن حَدِّه، كذا في (الشرح)، وَحَدُّهُ: أن لا يبالغ فيحدث من ذلك الإشباع ألف بين اللام والهاء، فإن فعل كره، ولا تفسد على المختار، كذا في (شرح المنية)» (١). وقال في الفروع: «ولا يضر لو خلل الألف بين اللام والهاء؛ لأنه إشباع، وحذفها أولى؛ لأنه يكره تمطيطه» (٢). قال الحطاب في مواهب الجليل: «ويبقى شيء لم أَرَ من نبه عليه، وهو: إشباع مد ألف الجلالة التي بين اللام والهاء فإنه ليس ثم سبب لفظي يقتضي إشباع مدها في الوصل ... » (٣). وقال الشافعية: يضر المد إن خرج إلى حد لا يراه أحد من القراء، مع علمه بالحكم (٤). قال الرملي في نهاية المحتاج: «ولو زاد في المد على الألف التي بين اللام والهاء إلى حد لا يراه أحد من القراء وهو عالم بالحال فيما يظهر ضر» (٥). قال الشبراملسي في حاشيته: «(قوله: لا يراه أحد من القراء) أي في قراءة غير متواترة؛ إذ لا يخرجه ذلك عن كونه لغة، وغاية مقدار ما نقل عنهم على ما نقله ابن حجر سبع ألفات، وتقدر كل ألف بحركتين، وهو على التقريب، ويعتبر ذلك بتحريك الأصابع متوالية متقارنة للنطق بالمد» (٦).

стр. 406

الصورة الرابعة: مد همزة أكبر، حتى تكون بصورة الاستفهام (آكبر). فقيل: خطأ يفسد الصلاة، ولا يصير شارعًا في الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «إن كان المد في أكبر، فإن كان في أوله فهو خطأ مفسد، وإن تعمده، قيل يكفر للشك، وقيل لا. ولا ينبغي أن يختلف في أنه لا يصح الشروع به» (٢). وعده المالكية من اللحن في الأذان (٣). وقال في شرح المقدمة الحضرمية: «قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذورًا، بل كثير منه كفر من العالم العامد، كمد همزة أكبر» (٤). وقال ابن مفلح: «ولا تنعقد إن مَدَّ همزة الله، أو أكبر» (٥). والقول في مد همزة أكبر كالقول في مد همزة الله حيث تكون صورتها صورة الاستفهام، والله أعلم. الصورة الخامسة: مد آخر (أكبر) بحيث ينطقها بلفظ: (أكبار). نص الحنفية وأكثر المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن مد باء أكبر يبطل الصلاة (٦).

стр. 407

قال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله حتى يصير مستفهمًا، ومن مد باء أكبر، ومن تشديد رائه ... فإن جميع ذلك مبطل للتكبير» (١). واعتبره ابن المنير المالكي لحنًا يخاف منه إبطال الصلاة (٢). وذكر الفقهاء في تعليل الإبطال أن المعنى يفسد، فإن أكبار بفتح الهمزة جمع كبر، وهو الطبل، وإن قال (إكبار) بكسر الهمزة فقد ذكر بعضهم أنه اسم من أسماء الحيض (٣). قال ابن جرير في تفسيره: «زعم بعض الرواة: أن بعض الناس أنشده في: أكبرن بمعنى حضن بيتًا، لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بمعروف عند الرواة وذلك قوله: نأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكْبَرْن إكبارًا وزعم أن معناه: إذا حضن» (٤). (ث-٢٨١) بما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده في قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]، قال: حضن. [ضعيف] (٥).

стр. 408

وجاء في اللسان: «وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]. فأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. وروي عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة. قال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت: أي حاضت، فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي. وروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلًا من طيء، فقلت له: يا أخا طيء ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قال: وما سنها؟ قال: قد أكبرت، أو كَبِرت. قال: وما أكبرت؟ قال: حاضت. قال أبو منصور: فلغة طيء تصحح أن إكبار المرأة أول حيضها، إلا أن هاء الكناية في قوله تعالى: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ تنفي هذا المعنى، فالصحيح أنهن لما رأين يوسف راعهن جماله، فأعظمنه. وروى الأزهري بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]، قال: حضن. فإن صحت الرواية عن ابن عباس (١)، جعلنا الهاء في قوله: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هاء وقفة لا هاء الكناية، والله أعلم بما أراد (٢). الصورة السادسة: في إبدال همزة (أكبر) واوًا. ذهب المالكية إلى أنه لا يضر إبدال الهمزة واوًا مطلقًا (٣).

стр. 409

جاء في القوانين لابن جزي: «ومن قال: الله وكبر بإبدال الهمزة واوًا جاز» (١). وجهه: أن الهمزة إذا جاءت بعد ضم جاز أن تقلب واوًا في لغة عند العرب، ويعرف ذلك من له علم بالقراءات فإن أبا جعفر وَوَرْشًا من القراء يبدلان الهمزة واوًا. وقال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: لا يصح على الأوجه (٢). وانتقد الهيتمي القائلين بالجواز اعتمادًا على اللغة، فإن العبادات تفعل على الرسم الوارد دون النظر إلى المعنى، فألفاظ الأذكار مبنية على التوقيف، والاتباع، ولم يحفظ في إبدالها سنة، والله أعلم. وقد يناقش بهذا أن المسألة ليس فيها إبدال، فالتكبير هو التكبير، وإذا كان هذا يتسع له القرآن وتحتمله بعض القراءات، فغيره أولى. وخص بعض الشافعية المنع من العالم، دون الجاهل (٣)، وليس هذا قولًا جديدًا؛ غايته أنه اعتبر الجهل عذرًا. وخص بعضهم الجواز بالعامة معللًا ذلك بأن العامة مظنة الخطأ في مثل هذا، فيتسامح في حقهم بخلاف العلماء (٤). وهذا لا يستند على حجة، فإن أحكام الشريعة لا تفرق بين العامة والخاصة، لأن الحكم بإفساد الصلاة إن كان وضعيًّا لم يفرَّق فيه بين المكلف وغيره، وإن كان تكليفيًّا فالعامة مكلفون كالخاصة. والصحيح الجواز، وعدم الإبطال. الصورة السابعة: إذا زاد بين كلمتي التكبير واوًا بأن ينطقها هكذا (الله وأكبر). فقيل: لا يصح التكبير، وبه قال الشافعية وبعض المالكية (٥).

стр. 410

والفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها أن التي قبلها قلب الهمزة واوًا، بحيث تحل الواو محل الهمزة، وأما هذه المسألة فهي في زيادة واو مع النطق بالهمزة. قال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله ... وزيادة واو مع همزة أكبر، فإن جميع ذلك مبطل للتكبير» (١). وعلل المنع بأن هذه الزيادة تغير المعنى؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى حينئذٍ تكبيرًا، ولأن الجملة مبتدأ وخبر، ودخول الواو بينهما يجعل الجملة من باب عطف الخبر على المبتدأ، فيفسد المعنى. وقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر -خلافًا للشافعية- زيادة واو قبل همزة أكبر كما للفيشي على العشماوية» (٢). قال الدسوقي: «وقد تعقب ذلك بعضهم بقوله الظاهر أنه مضر؛ إذ لا يعطف الخبر على المبتدأ، على أن اللفظ متعبد به، ونحوه نقل عن المسناوي» (٣). ومذهب الشافعية أقوى، والله أعلم. الصورة الثامنة: لو شدد الباء من أكبر. جاء في مغني المحتاج: ولو شدد الباء من أكبر، ففي فتاوى ابن رزين: أنها لا تنعقد، ووجهه واضح؛ لأنه لا يمكن تشديدها إلا بتحريك الكاف؛ لأن الباء المدغمة ساكنة، والكاف ساكنة، ولا يمكن النطق بهما، وإذا حركت تغير المعنى؛ لأنه يصير (أَكَبَّر) (٤). ولأنه زاد في تكبيرة الإحرام حرفًا، ومن شروط صحة التكبيرة أن يأتي بها في حروفها كما هي من غير زيادة، ولا نقص.

стр. 411

الصورة التاسعة: لو كرر الراء من أكبر. تكرار الراء له معنيان: أحدهما: التكرار عن طريق التشديد: وذلك أن الحرف المشدد وإن كان في صورة الكتابة حرفًا واحدًا إلا أنَّهُ في النطق حرفان من جنس واحد، أولهما ساكن. المعنى الثاني: تكرار الراء وذلك بما يقتضيه مخرج الراء، فإن حرف الراء بطبيعته حرف مكرر، حتى قال سيبويه عن الراء: حرف شديد جرى فيه الصوت لتكرره ... ولو لم يكرر لم يجر فيه الصوت. قال ابن الجزري تعليقًا على كلام سيبويه: ظاهر كلام سيبويه أن التكرير صفة ذاتية في الراء وإلى ذلك ذهب المحققون ... ويتحفظون من إظهار تكريرها ... ويعدون ذلك عيبًا في القراءة» (١). فإذا شدد الراء بالمعنى الأول فقد زاد حرفًا في تكبيرة الإحرام، وقد اختلف قول الفقهاء في حكمه إذا فعل. فقيل: لا يضر، وبه قال المالكية والشافعية (٢). ولعل هذا القول مخرج على لغة عند بعض العرب في جواز تشديد الحرف الأخير عند الوقف فكانوا يقولون: جعفرٌّ ونفعلُّ بالتشديد وقفًا (٣). واختار بعض الشافعية البطلان. فقد نقل بعض الشافعية عن فتاوى ابن رزين أنه قال: لو شدد الراء بطلت صلاته، فتعقبوه بأن الوجه خلافه (٤). وقال ابن المنير المالكي عن تشديد الراء: «لحن ويخاف منه بطلان الصلاة» (٥). وإذا كانت أذكار العبادة توقيفية فالزيادة فيها مضرة بالصلاة خاصة مع القدرة على

стр. 412

الصواب، وكون الحرف المزيد مشددًا لا يخفف الشأن، فإنه حرف زائد على القدر المشروع، فكانت القواعد تقتضي فساد التكبير مع القدرة على الصواب، وليس المحكم هو سلامة المعنى من التغيير، بل موافقة اللفظ المنطوق للفظ المنقول، والله أعلم. الصورة العاشرة: في إبدال الكاف من (أكبر) بالقاف. نص الحنابلة على أنه لو قال: الله أقبر لم تنعقد صلاته (١). ونسب الحنابلة للحنفية أن الصلاة تنعقد بذلك؛ لأن بعض العرب يبدل الكاف قافًا (٢). ولم أقف على ذلك من كتب الحنفية، فليتأمل. ولو صح النقل عن الحنفية فإن الأذكار توقيفية مبناها على الاتباع، فليس له ترك الله أكبر مع القدرة عليه، والله أعلم. القسم الثاني من اللحن: أن يقع اللحن في إعراب الكلمة، وله أمثلة: أحدها: قال بعض الشافعية: لو فتح الهاء أو كسرها من الله، أو فتح الراء أو كسرها من أكبر هل يضر أو لا؟ فيه نظر، والأقرب عدم الضرر؛ لأن اللحن في القراءة إذا لم يغير المعنى لا يضر (٣). المثال الثاني: لا يضر ترك جزم الراء من أكبر. فقد اختلف العلماء في التكبير: هل يشترط في صحته جزم الراء على قولين: القول الأول: أن الأصل جزم التكبير، ولو تركه لم يؤثر ذلك في صحته، وهو مذهب الجمهور، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٤).

стр. 413

قال ابن عابدين: «ويجزم الراء: أي يُسَكِّنُهَا ... قال في الحلية: اعلم أن المسنون جزم التكبير، سواء كان للافتتاح أو في أثناء الصلاة، قالوا: لحديث إبراهيم النخعي موقوفًا عليه، ومرفوعًا: الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم. قال في الكافي: ... وأما الراء ففي المضمرات عن المحيط: إن شاء بالرفع أو بالجزم، وفي المبتغى: الأصل فيه الجزم؛ لقوله ﷺ : التكبير جزم، والتسميع جزم» (١). وأثر النخعي لا يصح لا موقوفًا، ولا مرفوعًا، ولو صح لم يرد به الجزم الاصطلاحي، وقد بينت ذلك فيما سبق، ولكن فائدة هذا النص الذي نقله لنا ابن عابدين هو في حكم تسكين لفظ (أكبر) عند الحنفية فإذا كان سنة لم يكن الإخلال به مفسدًا لصحة التكبير، والله أعلم. وقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر عدم جزم الراء من أكبر، وخبر التكبير جزم، قال الحافظ ابن حجر: لا أصل له، وإنما هو قول النخعي» (٢). وقال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: «ويسن جزم الراء، وإيجابه غلط، وحديث التكبير جزم: لا أصل له، وبفرض صحته فالمراد به عدم مده كما حملوا عليه الخبر الصحيح: السلام جزم على أن الجزم المقابل للرفع اصطلاح حادث فكيف تحمل عليه الألفاظ الشرعية» (٣). القول الثاني: يشترط جزم الراء في (أكبر) وهو أحد القولين في مذهب الشافعية. جاء في النجم الوهاج في شرح المنهاج: «ويشترط جزم الراء لقوله ﷺ : التكبير جزم، فلو ضم الراء من (أكبر) لم تصح صلاته، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه. ولأنه ﷺ : قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وهو ﷺ لم ينطق التكبير إلا مجزومًا» (٤).

стр. 414

جاء في فتاوى الرملي: «سئل، هل المعتمد عدم انعقاد صلاة من لم يجزم الرَّاء من تكبيرة الإحرام، بأن رفعها، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه، والقمولي في الجواهر، والزركشي في شرح التنبيه، والدميري في شرح المنهاج، وقال جلال الدين البكري: إنه الصواب؟ فأجاب: بأن الصواب انعقاد صلاته، كما صرح به جماعة، وهو ظاهر؛ إذ قوله: (أكبر) خبر للجلالة الكريمة، وما استند إليه القائلون بالأول من خبر: (التكبير جزم) فمعناه: الجزم بِالْمَنْوِيِّ؛ ليخرج به التردد فيه» (١). والراجح: أنه الرفع من قبيل مخالفة الأولى ولو رفعها صحت صلاته، والله أعلم. هذه بعض الأمثلة في اللحن سواء كان في بنية الكلمة أو في إعرابها، والراجح من كل ذلك وجوب التكبير للدخول في الصلاة، ولا يجزئ إلا صفة الله أكبر، وكل لحن في جملة التكبير إن كان مبعثه العجز، فإن التكليف مع القدرة، ولكن الشأن في صحة ذلك إذا لحن لحنًا يغير المعنى مع العلم والقدرة، فإن ذلك يؤثر في صحة التكبير. قال النفراوي: «ومما لا ينبغي الشك فيه عدم بطلان صلاة من لحن فيه أو في تكبيرة الإحرام لأن اللحن فيهما عجزًا عن الصواب ليس بأقبح من اللحن في الفاتحة عند العجز كما قدمنا، ولا التفات لمن قال غير ذلك؛ لأن النظر للقول، لا للقائل» (٢). * * *

стр. 415

الشرط الثامن في اشتراط القدرة على التكبير المدخل إلى المسألة: • شرط التكليف القدرة على الفعل، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. • تحريك اللسان وسيلة، والنطق غاية، فإذا عجز عن الغاية سقطت وسيلته. • تحريك اللسان مع العجز عن النطق عبث يخشى منه بطلان الصلاة. [م-٤٨٥] اختلف العلماء في الأخرس كيف يحرم بالصلاة؟ فقيل: يحرم بقلبه، ولا يلزمه تحريك لسانه، وهو الصحيح من مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية والمشهور عند الحنابلة، واختاره بعض الشافعية (١). جاء في البحر الرائق نقلًا عن المحيط: «الأخرس والأمي افتتحا بالنية أجزأهما؛ لأنهما أتيا بأقصى ما في وسعهما، وفي شرح منية المصلي ولا يجب عليهما تحريك اللسان عندنا، وهو الصحيح» (٢).

стр. 416

ونفي الوجوب عند الحنفية لا يلزم منه نفي الاستحباب، وقد استحبوا في النسك أن يحرك الأخرس لسانه بالتلبية، والباب واحد، والقول بالاستحباب قول ضعيف، قال ابن تيمية: «لو قيل ببطلان الصلاة بذلك -يعني بتحريك اللسان- كان أقوى» (١). • وجه القول بسقوط التكبير عنه: أن القدرة شرط في كل الواجبات، من عجز عن شيء سقط عنه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولأنه أقرب إلى العبث. قال ابن قدامة: «لأن ذلك -يعني تحريك اللسان- إنما وجب على الناطق ضرورة القراءة، وإذا سقطت سقط ما هو من ضرورتها، كالجاهل الذي لا يحسن شيئًا من الذكر، ولأن تحريك لسانه بغير القراءة عبث مجرد، فلا يرد الشرع به» (٢). وقيل: يلزمه تحريك لسانه، حكاه العراقيون عن نص الشافعي، قال ابن الرفعة: فإن عجز عن ذلك نواه بقلبه، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٣). • وجه قول الشافعية: أن الواجب النطق بالتكبير بتحريك اللسان، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. قال الرملي: «إن كان مراد الشافعي والأصحاب بذلك من طرأ خرسه، أو خبل لسانه بعد معرفته القراءة وغيرها من الذكر الواجب فهو واضح؛ لأنه حينئذٍ يحرك لسانه وشفتيه ولهواته بالقراءة على مخارج الحروف، ويكون كناطق انقطع صوته فيتكلم بالقوة، ولا يسمع صوته، وإن أرادوا أعم من ذلك فهو بعيد، والظاهر أن

стр. 417

مرادهم الأول، وإلا لأوجبوا تحريكه على الناطق الذي لا يحسن شيئًا؛ إذ لا يتقاعد حاله عن الأخرس خلقة، وعلى تقدير أن لا يريد الأئمة من طرأ خرسه فأقل الدرجات أن يقال: لا بد أن يسمع الأخرس القراءة والذكر بحيث يحفظهما بقلبه» (١). وقيل بالتفريق بين تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال، فلا يحرك لسانه في تكبيرة الإحرام، ويحرك لسانه في سائر التكبيرات، نقله ابن عابدين في حاشيته على البحر الرائق، واستظهر خلافه (٢). • وجه التفريق: أن تكبيرة الإحرام لها خلف، وهو النية بخلاف غيرها. • ويجاب: لو صح القول بتحريك اللسان لكان تحريكه في تكبيرة الإحرام أولى، فإن تكبيرة الإحرام فرض، وغيره سنة في قول أكثر أهل العلم، والله أعلم. * * *

стр. 418

الباب الخامس أحكام القيام في الصلاة الفصل الأول حكم القيام مدخل إلى المسألة: • القيام ركن من أركان الصلاة المفروضة وجزء من حقيقتها للقادر غير المسبوق، كالركوع والسجود، والجلوس. • ركن الشيء: ما لا وجود لذلك الشيء إلا به، ويطلق على جزء الماهية، ولا يثبت إلا بالنص، فالجلوس للتشهد جزء من الصلاة، ويختلف حكم الأول عن الأخير. • الواجب القيام استقلالًا، فإن عجز ففرضه القيام متكئًا أو مستندًا، فإن عجز انتقل إلى الجلوس استقلالًا، فإن عجز ففرضه الجلوس مستندًا، فإن عجز صلى مضطجعًا. [م-٤٨٦] القيام ركن في صلاة الفريضة، والقعود بدل عنه في حق المعذور (١). وقد دل على فرضية القيام النص والإجماع: أما النص: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾. [البقرة: ٢٣٨]. والأمر بالقيام للوجوب، ولا وجوب فيه خارج الصلاة، فتعين المراد بالقيام

стр. 419

داخل الصلاة. قال ابن نجيم: «المراد به القيام في الصلاة بإجماع المفسرين» (١). وقال السعدي: «إن كان المراد بالقيام هنا الوقوف في صلاة الفرض فهو ركن، وإن أريدَ به القيامُ بأفعال الصلاة عمومًا دل على الأمر بإقامتها كلها، وأن تكون قائمة تامة غير ناقصة» (٢). ورجح شيخنا ابن عثيمين: «أن المراد بالقيام هنا: المكث على الشيء، والقيام على القدمين» (٣). يقصد شيخنا أن القيام يشمل القيام على الصلاة بالمواظبة عليها، وكذلك القيام بالوقوف فيها، من الأول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: أي مواظبًا ملازمًا (٤). (ح-١١٩٢) ومن السنة: ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى

стр. 420

جنب (١). فالقيام لا يسقط فرضه في صلاة الفريضة إلا مع العجز عنه، فإذا لم يطق الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، ثم القعود كذلك لا يسقط فرضه إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عنه صلى على جنبه، لحديث عمران هذا. ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما الإجماع على أن القيام للصلاة فرض، فحكاه جمع من أهل العلم، منهم ابن نجيم الحنفي (٢)، وابن العربي، وأبو الوليد الباجي من المالكية (٣)، والخطيب من الشافعية (٤)، وغيرهم. قال القرطبي: «أجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردًا كان أو إمامًا» (٥). وقال ابن رشد: «من تركه مع القدرة عليه فلا صلاة له» (٦). * * *

стр. 421

الفصل الثاني في منزلة القيام بالصلاة المدخل إلى المسألة: • القيام مقصود للقراءة، ومقصود بذاته، كالوضوء. • سقوط القراءة لا يسقط القيام إلا عن المسبوق. • القيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾، فأمر بالقيام في الصلاة. وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. • كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (١)، ونهاهم أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم. • قال ﷺ : من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (٢)، لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله. [م-٤٨٧] اختلف الفقهاء في القيام: أهو ركن مقصود لذاته، أم هو مقصود لغيره؟

стр. 422

فقال الحنفية والمالكية: القيام ركن مقصود لغيره، على خلاف بينهم في المقصود بالقيام: فقال الحنفية: المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة؛ لما فيه من نهاية التعظيم (١). قال ابن نجيم: «القيام ليس بركن مقصود؛ ولهذا جاز تركه في النفل من غير عذر» (٢). وقال في الهداية: «وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، ويصلي قاعدًا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيه من نهاية التعظيم» (٣). وقال الكاساني: «ولأن السجود أصل، وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا كان السجود معتبرًا من دون القيام، كما في سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرًا بدون السجود، بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة» (٤). وقال المالكية: المقصود من القيام القراءة؛ لأن القيام في حقه مقدر بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود، ويسقط ما زاد على ذلك بسقوط القراءة، ولذلك المسبوق يسقط عنه القيام لسقوط القراءة عنه (٥). وقال خليل في مختصره: «وإن عجز عن فاتحة قائمًا جلس» (٦). قال الدسوقي: «سواء كان يقدر على القيام من غير قراءة، أم لا؛ لأن القيام كان لها» (٧). وقال الخرشي: «وأما المأموم فلا يجب عليه القيام لها، قال ابن يونس: لما جوزوا له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام» (٨).

стр. 423

• ويعترض به عليهم: بأن القيام بعد الركوع ركن، ولا قراءة فيه، وقد أوجب المالكية القيام للركوع إذا عجز عن الفاتحة وجلس، وهذا قيام بلا قراءة. ولا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه. يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (١). ولأن الأصل في الصلاة الأفعال، والأذكار تبع لها. ولأن القيام لو لم يكن مقصودًا في نفسه لم يلزم الأخرس؛ لأنه لا قراءة عليه. وقال الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية: القيام والقراءة كل منهما ركن مقصود بذاته (٢). قال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام ... وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (٣). قال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (٤). وقال البهوتي في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٥). (ح-١١٩٣) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،

стр. 424

عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١). فعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة. ولأن القيام إذا كان ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه. وقد ذكر ابن رجب في القواعد هذا القسم، وقسمه إلى أربعة أقسام. يقول ابن رجب في القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ هذا أقسام: القسم الأول: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة، بل هو وسيلة محضة إليها كتحريك اللسان في القراءة في حق العاجز، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق للأقرع، والختان، فهذا ليس بواجب .... والقسم الثاني: ما وجب تبعًا لغيره وهو نوعان. أحدهما: ما كان وجوبه على وجه الاحتياط للعبادة؛ ليتحقق حصولها، كغسل المرفقين في الوضوء فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما عند الأصحاب الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد .... والثاني: ما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، مثل رمي الجمار والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها .... والقسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرورة: فالأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه فلا يلزمه بغير خلاف. والثاني: كعتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل؛ لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السراية والسعاية

стр. 425

وقال: (ليس لله شريك) فلا يشرع عتق بعض الرقبة. والقسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه: فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، ويتفرع عليه مسائل كثيرة: منها: العاجز عن القراءة يلزمه القيام لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة لكنه أيضًا مقصود في نفسه وهو عبادة منفردة (١). • الراجح: أن سقوط القراءة عن غير المسبوق لا يسقط القيام عنه، فكلاهما واجب عليه، والعجز عن أحدهما لا يسقط الآخر، وإذا اتفقنا على وجوب القيام مع القدرة على القراءة والسجود، فيستصحب الوجوب مع العجز عنهما حتى يقوم دليل على إسقاط القيام، ولم يقم دليل على سقوطه بالعجز عن القراءة، والله أعلم. * * *
следующие страницы →