• وجه هذا القول:
أن نية الصلاة موجودة معه بخروجه إلى الصلاة، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، فذهوله عن النية لا يلغي استصحاب حكمها، فالنية تقدمت عند القيام للصلاة، وانضمت تلك النية للتكبير الذي أوقعه عند الركوع، وشأن تكبيرة الركوع أن لا تقارن النية، وإنما هذا شأن تكبيرة الإحرام، ولا يكبر للركوع إلا من دخل في الصلاة، فأما من لم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولًا، ولا يضر عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائز، والله أعلم.
القول الثاني:
لا تجزئه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ونقله ابن منصور وغير واحد عن أحمد، وجعله القاضي أبو يعلى في جامعه الكبير هو المذهب رواية واحدة، وتأول ما خالف ذلك عن أحمد (١).
• وجه هذا القول:
تعارضت قرينة الافتتاح بقرينة الهُوِيِّ، فلا بد من قصد صارف إلى إحداهما، فلا تجزئ حتى ينوي بها الافتتاح، فقد اجتمع في هذا المحل تكبيرتان: إحداهما ركن، والأخرى ليست كذلك، فاحتاج الركن إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد، أو المأموم الذي أدرك الإمام قبل الركوع، فإنه لم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحد، فلو كبر ولم يَنْوِ شيئًا لم يجتمع في حقه تكبيرتان، فلا حاجة إلى تمييزها بالنية، والله أعلم.
* * *
стр. 352
الشرط الثالث أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها
المدخل إلى المسألة:
• كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.
• تبديل قوله (الله أكبر) أو الزيادة عليه؛ لا يجوز؛ لأن التبديل تحريف، والزيادة استدراك، وكلاهما لا يجوز.
• قال ﷺ : تحريمها التكبير و (أل) في التكبير إن كانت للعموم ففيه إجمال، والمجمل يرد إلى المبين من فعله ﵊، ولم ينقل من فعله إلا لفظ (الله أكبر)، فتعين. وإن كانت للعهد، فلا عموم فيها، وتعين لفظ (الله أكبر) حيث لم يعهد في السنة غيره.
• أمر النبي ﷺ بالتكبير، وأمره للوجوب، وفعله ﵊ بيان لمجمل الأمر بالتكبير، وبيان الواجب واجب، ولا يختلف الكافة أن النبي ﷺ كان يستفتح الصلاة بلفظ: الله أكبر، لم يُخِلَّ بذلك مرة واحدة.
[م-٤٧٩] اتفق الفقهاء على انعقاد الصلاة بلفظ: الله أكبر (١)، واختلفوا هل تنعقد بغيره؟
فقال مالك وأحمد: لا تنعقد بغيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن الهمام من الحنفية، وعلى هذا عوام أهل العلم قديمًا وحديثًا (٢).
стр. 353
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإبراهيم النخعي، والحكم: تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله، كالتكبير، والتهليل، والتحميد، مثل قول: الله الكبير، الله الأجَلُّ، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة، نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أَجَلُّ، وسواء أكان يحسن التكبير أم لا، والأصح عند الحنفية أن انعقاد الصلاة بغير الله أكبر مكروه كراهة تحريم، فيجب لفظ: (الله أكبر)، وإن انعقدت الصلاة بغيره (١).
فإن قال: الله فقط انعقدت الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن في هذا الاسم معنى التعظيم؛ لأنه مشتق من التَألُّهِ وهو التعبد خلافًا لمحمد بن الحسن؛ القائل بأن تمام التعظيم لا يكون إلا بذكر الاسم مع الصفة.
ولو قال: بسم الله الرحمن الرحيم لا يصير شارعًا؛ لأنه للتبرك، ولو قال: اللهم
стр. 354
اغفر لي، أو استغفر الله أو حوقل، لا يصير شارعًا؛ لأنه دعاء (١).
وقال الشافعية: يجزئ الله أكبر، أو الله الأكبر، ولا يجزئ غيرهما، فلا يجزئ الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وكذا لو قال: الرحمن أكبر أو الرب أكبر، وإذا أدخل بين كلمتي التكبير بشيء من صفات الله تعالى وثنائه، وكان يسيرًا لا يصير به التكبير مفصولًا، كقوله: الله أكبر صح، فإن طال كقوله: الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكبر لم يجزئ (٢).
وقال أبو يوسف: لا يكون شارعًا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، كالله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، زاد السرخسي: والله كبير، إلا إذا كان لا يعلم أو لا يحسن التكبير (٣).
وقال ابن حزم: يجزئ بكل اسم من أسماء الله تعالى ذكر بالتكبير نحو الرحمن أكبر، والأكبر الله، والكبير الله (٤).
هذه مجمل الأقوال في المسألة أوسعها مذهب الحنفية، فلا يشترطون من الأسماء لفظ الجلالة (الله)، ولا من التعظيم لفظ التكبير.
يقابله مذهبا مالك وأحمد اللذان قصرا الصيغة على لفظ: (الله أكبر).
وما بين ذلك ثلاثة أقوال:
مذهب الشافعية حيث قصروا الصيغة على لفظين: الله أكبر، أو الله الأكبر.
يليه مذهب أبي يوسف حيث قصر الصيغة في أسماء الله على لفظ الجلالة (الله) وعلى مشتقات التكبير، فكان أوسع من مذهب الشافعية حيث لم يشترط في التكبير أفعل التفضيل كما اشترطه الشافعية.
يلي ذلك اختيار ابن حزم حيث وسع الصيغة في أسماء الله، فأجزأ عنده أي اسم من أسماء الله بشرط أن يذكر معه التكبير، فوسع دائرة الأسماء مع مشتقات التكبير.
стр. 355
• سبب الخلاف:
اختلافهم في قوله ﷺ : تحريمها التكبير، وقوله ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقول عائشة: (كان يستفتح الصلاة بالتكبير)، وغيرها من الأحاديث أهي من الخطاب المجمل المبيَّن بالسنة الفعلية بلفظ: (الله أكبر)، فيأخذ الفعل المبيِّن حكم الأمر المجمل، فيجب لفظ (الله أكبر) ولو ورد بصيغة الفعل، أم أن الأمر بالتكبير من الألفاظ المبيَّنة وليس فيها إجمال، إنما فيها عموم، فكل صيغة من صيغ التكبير يمكن أن تنعقد بها الصلاة، وكون السنة الموروثة جاءت بلفظ (الله أكبر) فهذا فرد من أفراد العام يوافق العام في لفظه، ولا يقتضي تخصيص الحكم به، والفعل بمجرده لا يدل على وجوب هذه الصيغة، وإن دل على أفضيلة هذا اللفظ؛ لتفضيل النبي ﷺ له، أم أن المقصود من التكبير هو التعظيم، فينوب عن التكبير كل ما فيه تعظيم لله ، وهذا أضعفها، والله أعلم.
هذا هو محل الخلاف الفقهي الذي بنيت عليه هذه المسألة، إذا وقفت على ذلك نأتي لبيان أدلة كل فريق، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: لا تنعقد إلا بلفظ: الله أكبر:
ذكر أصحاب هذا القول نوعين من الأدلة، أدلة ذكر فيها الأمر بالتكبير، أو أنه كان يستفتح بالتكبير.
ونوع آخر من الأدلة تبين أن المراد بالتكبير المجمل في الأدلة هو لفظ: الله أكبر، لا غير، وإليك ما وقفت عليه من الأدلة:
الدليل الأول:
(ح-١١٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة،
стр. 356
فكبر ... وذكر بقية الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمره بالتكبير، والأصل في الأمر الوجوب، والتكبير مجمل، وقد بينته السنة بلفظ: (الله أكبر) وبيان الواجب واجب مثله.
الدليل الثاني:
(ح-١١٨١) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ... ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ ، والحديث رواه مسلم (٢).
وله شاهد من حديث مالك بن الحويرث في الصحيحين (٣)، وحديث وائل بن حجر في مسلم (٤).
الدليل الثالث:
(ح-١١٨٢) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .... الحديث (٥).
[أعل بالإرسال لأن أبا الجوزاء لم يسمعه من عائشة] (٦).
الدليل الرابع:
(ح-١١٨٣) ما رواه مسلم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .... الحديث (١).
ورواه البزار في مسنده، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، قال: أخبرنا يوسف بن أبي سلمة الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج به، بلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... الحديث (٢).
لم يروه بلفظ: (الله أكبر) عن الماجشون إلا ابنه يوسف، ولا عن يوسف
стр. 359
إلا محمد بن عبد الملك، تفرد عنه أبو بكر البزار، والبزار ممن لا يحتمل تفرده، ولا مخالفته، وقد رواه مسلم وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون به، بلفظ: إذا استفتح الصلاة كبَّر، وهو المحفوظ (١).
الدليل الخامس:
(ح-١١٨٤) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن
стр. 360
عقيل، عن محمد بن الحنفية،
عن علي، عن النبي ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١).
[حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار.
وجه ذلك: أن التعيين مستفاد من حصر المبتدأ في الخبر، وهذا معلوم في باب القصر والحصر في علم البيان، وليس هذا من قبيل المفهوم؛ لئلا يقول الحنفية: هذا من المفهوم، ونحن لا نقول به.
فالحديث لو فرض أنه قال: (التكبير تحريمها) لم يلزم انحصار التحريم في التكبير، فلما قدم ما ينبغي تأخيره علم قطعًا أن ذلك لقصد الحصر، وهذا بمثابة قول القائل: زيد صديقي، فلا يتضمن حصر الصداقة في زيد، فإذا قال: صديقي زيد تضمن ذلك حصر الصداقة في زيد؛ لأن قوله: (صديقي) عام، فإذا أخبر عنه بخاصٍ، وهو زيد، كان ذلك حصرًا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر، وهو زيد؛ إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز.
وبناء عليه يكون قوله: (تحريمها التكبير) يعني: لا غيره، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير.
ولأن قوله: (تحريمها) نكرة مضاف إلى معرفة وهو الضمير العائد إلى الصلاة، فيكون عامًّا كقولك: «وإن تعدوا نعمة الله»، فنعمة نكرة مضافة إلى معرفة فكانت عامة، ولهذا قال: لا تحصوها، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير.
فإذا اتفقنا على حصر التحريم في التكبير وحده، فهل المراد بالتكبير مطلق التكبير؛ لأن التكبير له صيغ، وهو مصدر، وقد دخلت عليه (أل) والأصل فيه العموم؟
стр. 361
• فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن نعتبر أن التكبير وقع فيه شيء من الإجمال، والموقف الشرعي من المجمل أن نطلب له مبيِّنًا، فنرجع إلى فعل النبي ﷺ ، فما لازم عليه يعتبر مبيِّنًا لهذا النص، وقد لزم النبي ﷺ في صلاته لفظ (الله أكبر) ونُقل لنا هذا نقلًا متواترًا نقله الصحابة إلى التابعين، ونقله التابعون إلى من بعدهم جيلًا عن جيل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن اللام في (التكبير) للعهد، أي التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلًا ضروريًا خلفًا عن سلف، عن نبيها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيره، ولا مرة واحدة، فهذا هو المراد بلا شك في قوله: (وتحريمها التكبير)، فهو كاللام في قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) فليس المراد به كل طهور، بل الطهور الذي واظب عليه النبي ﷺ وشرعه لأمته، وكان فعله له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه، فمن جوز الله الأكبر، أو الله الكبير فإنه وإن سمي تكبيرًا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث (١).
الدليل السادس:
(ح-١١٨٥) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي أسامة قال: حدثني عبد الحميد ابن جعفر قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
سمعت أبا حميد الساعدي يقول: كان رسول الله ﷺ : إذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر.
[إسناده حسن والحديث صحيح] (٢).
الدليل السابع:
(ح-١١٨٦) ما رواه النسائي من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، وذكر آخر قبله عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج،
стр. 365
عن محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعًا، قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك، ثم يقرأ (١).
[ضعيف جدًّا، المعروف أنه من مسند علي ﵁] (٢).
الدليل الثامن:
(ح-١١٨٧) ما رواه الطبراني في الكبير، من طريق حجاج، ثنا حماد، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،
عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلى فأمره رسول الله ﷺ ، فأعاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: يا رسول الله ما ألوت بعد مرتين أو ثلاث أن أتم صلاتي، فقال رسول الله ﷺ : إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله تعالى ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن ... الحديث (٣).
[انفرد حماد بن سلمة بذكر لفظ: (الله أكبر) ولم يقم إسناده] (٤).
• دليل من قال: يجزئ الله أكبر أو الله الأكبر فقط:
استدل الشافعية بأدلة القول السابق من وجوب تعيين لفظ الجلالة (الله) ومن وجوب التكبير بصيغة أفعل التفضيل (أكبر)؛ لأن التكبير يغلب عليه التعبد، فيجب الاتباع على ما ورد، ويمتنع قياس غير المنصوص على المنصوص، إلا أنهم يرون أن زيادة الألف اللام على لفظ (أكبر) لا يغير المقصود من أفعل التفضيل (أكبر)، ولا تحيل المعنى، فكانت الصلاة قد انعقدت بكلمة (أكبر) والحرفان المزيدان
стр. 376
كأنه لم يَأْتِ بهما، فالإتيان بهما بمثابة زيادة المد، لا يغير المقصود، فهو كما لو قال: الله أكبر كبيرًا، فالصلاة قد انعقدت بلفظ (الله أكبر) وتكون زيادة (كبيرًا) ذكرًا لا يمنع من الانعقاد بعد أن اشتمل اللفظ على الوارد المنصوص، وإن كانت الزيادة لا تستحب، بخلاف الله الكبير؛ لفوات أفعل التفضيل، أو الرحمن أكبر؛ لانطوائها على تبديل للمنصوص.
• ونوقش هذا القول من وجهين:
الوجه الأول:
أن جميع الأذكار المقيدة توقيفية، مبنية على التعبد المحض، لا يجوز إحداث زيادة فيها، لا قبلها، ولا بعدها، ولا بينها، طويلة كانت الزيادة أم قصيرة، كما لا يجوز تبديلها بأفضل منها، بصرف النظر عن المعنى، وسيأتي التدليل على ذلك من السنة عند مناقشة الحنفية.
الوجه الثاني:
لا نسلم أنه لا فرق بين لفظ (الله أكبر) ولفظ (الله الأكبر) من حيث المعنى.
يقول ابن القيم: «وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين؛ فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ، ونقص في المعنى.
وبيانه: أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرَّف.
فإذا قيل: الله أكبر: كان معناه من كل شيء.
وأما إذا قيل الله الأكبر، فإنه يتقيد معناه، ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين، كما إذا قيل: من أفضل أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل، هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال.
فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع (من)، وأما دون (من) فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام» (١).
стр. 377
• دليل من قال: لا يصح إلا بألفاظ التكبير الأربعة أكبر الأكبر كبير الكبير:
أما وجوب التكبير فلقوله ﷺ : (وتحريمها التكبير) فعلم أنه لا تحريم بغيره.
ولأن التكبير مشتق من الكبرياء، والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم، يقال: هذا أكبر القوم: أي أعظمهم منزلة، وأشرفهم قدرًا، فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه؛ لانعدام المساواة في المعنى.
وأما جواز التكبير بتلك الألفاظ الأربعة: فلأن صيغة أفعل تقتضي الزيادة بعد مشاركة غيره إياه في الصفة، وفي صفات الله لا يمكن، فكان أفعل في حق الله بمعنى فعيل؛ إذ لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء في كلامهم أفعل بمعنى فعيل، قال الشاعر:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول.
أي عزيز طويل.
وقال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]: أي الشقي.
وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧]: أي التقي.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]: أي هيِّن؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء، بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد، ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (١).
• ونوقش:
الاستدلال بحديث: (تحريمها التكبير) على جواز مشتقات التكبير لا يصح، لأن التكبير إن كان مجملًا فالسنة بينته، وإن كانت (أل) للعهد فالمعهود من فعله الذي لم يخل به ولا مرة واحدة: (الله أكبر).
وأما الجواب عن قولهم: (أكبر) في حق الله بمعنى (الكبير) فالصحيح أن أفعل التفضيل على بابه، وأن المقصود أكبر من كل شيء، فإذا فات أفعل التفضيل فات معنى التعظيم المطلق، ويجوز المفاضلة بين الخير المطلق والشر المطلق، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
ويقول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) ولا خير في النوم وقت الصلاة.
стр. 378
ولو سلمنا أن أفعل التفضيل ليس على بابه، فنحن متعبدون باللفظ، لا يغني عنه غيره، حتى ولو ادُّعِيَ أنه أكمل منه؛ لأن ألفاظ الأذكار المقيدة توقيفيه، لا يجوز تبديلها إلى غيرها، ولا الزيادة عليها، فالتبديل تحريف، والزيادة استدراك على الشارع، وكلاهما لا يجوزان شرعًا، والله أعلم، وسوف أسوق الدليل عند مناقشة ذلك.
• دليل من قال: تنعقد بكل الأسماء والصفات المقصود منها تعظيم الله:
الدليل الأول:
الأصل في نصوص الشارع أنها معللة، معقولة المعنى، والتقييد بالتكبير يلغي العلة، فالتكبير صح لأن فيه تعظيمًا لله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي عظمنه.
وقال سبحانه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]: أي عظم، ولأنه ذكر فيه تعظيم فأجزأ كالتكبير ولأنه ذكر فلم يختص بلفظ كالخطبة.
• ونوقش:
كون التكبير في اللغة هو التعظيم، هذا صحيح، ولكن لا نسلم أنه يجوز تغيير المنصوص عليه إلى غيره، فالأذكار على نوعين:
مطلق: والأصل فيه الإباحة.
ومقيد: والأصل فيه المنع، والاقتصار فيه على ما ورد.
(ح-١١٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (١).
стр. 379
فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي.
قال ابن رشد في معرض رده على أبي حنيفة: «أما أبو حنيفة فساوى في الإحرام بين التكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، ومعانيها مفترقة؛ ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال: «من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.
فلو كانت معانيها متفقة، لقال من سبح دبر كل صلاة، أو كبر، أو هلل، أو حمد، مائة، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» (١).
فإذا سلم ذلك، فإن جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفية، وزمنًا، وسببًا.
فالموافقة في الجنس: بحيث لا يجوز الدخول بالصلاة بأي ذكر من الأذكار سوى قول الله أكبر.
والموافقة في القدر: بحيث لا يزاد في التحريمة ولا ينقص منها.
والموافقة في الكيفية: بحيث لا يقدم بعض جمله على بعض، فإذا قدم أو أخر وإن كان موافقًا في القدر فقد خالف في الكيفية.
والموافقة في الزمن: وهذا معلوم فالتكبير إيذان بالشروع في الصلاة.
والموافقة في السبب: فالأذكار المقيدة مرتبطة بأسبابها فسبب التحريمة الشروع بالصلاة، فلا تكبير لسجود التلاوة ولا لسجود الشكر، لأن السجود وحده ليس بصلاة على الصحيح، وهكذا سائر الأذكار المقيدة فإنها مرتبطة بأسبابها، فالأذان ذكر مقيد يختص بالصلوات الخمس ومنها الجمعة، فلا يجوز الأذان لغير الصلوات الخمس، فلا يؤذن لصلاة التراويح، أو العيد، أو غيرهما من الصلوات، وقل مثل ذلك في سائر الأذكار المقيدة.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].
стр. 380
وجه الاستدلال:
قال الجصاص: الفاء للتعقيب، وليس ذكر يكون عقيبه الصلاة بلا فصل إلا ذكر الافتتاح، فقد تضمنت الآية جواز الافتتاح بجميع ما كان ذكرًا لله تعالى» (١).
ولأن قوله: ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ نكرة مضافة إلى معرفة فتعم جميع الأسماء، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] (فنعمة) نكرة مضافة إلى معرفة، فعمت بقوله تعالى: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾.
ولا يجوز تقييد العام بلفظ (الله أكبر) لسببين:
الأول: أن قوله: (الله أكبر) لفظ موافق للعام في الحكم، وقد قال أهل الأصول: ذكر فرد من أفراد العام بالذكر يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا، فتخصيص الخاص بالذكر لا يمنع شمول العام لغيره، والتخصيص إنما يكون لو جاءت التحريمة بلفظ يخالف العام فيقتضي إخراجه من حكم العام خلافًا لأبي ثور حيث قال: تخصيصه بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه؛ إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك (٢).
ورد عليه بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فذكر الصلاة الوسطى ليس تخصيصًا لها بالمحافظة، وهذا بَيِّنٌ.
السبب الثاني: أنه لا يجوز تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء؛ لأنها أخبار آحاد، فلا يقيد بها عموم القرآن (٣).
• ونوقش:
بأن الآية عطفت الصلاة على الذكر، فدل أن الذكر في الآية قبل الصلاة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالمقصود من الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فهذا الذكر لاسم الله تعالى هو القصد إليه بالنية في أدائها .
ورد الحنفية: بأن تكبيرة الإحرام عندنا ليست من الصلاة.
• وأجيب على ردهم:
بأن الصحيح أن تكبيرة الافتتاح جزء من الصلاة وركن من أركانها كما سبق
стр. 381
بيانه في المسألة السابقة، ولأنه يشترط لصحة تكبيرة الإحرام في الفرض ما يشترط للصلاة من الإتيان بها على طهارة، واستقبال القبلة، وأن يكون ساترًا للعورة، وأن يكون قائمًا فلو أتى بها قاعدًا لم تنعقد فرضًا، فكل ذلك يدل على أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة؛ لأنها أخذت جميع أحكام الصلاة.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
فظهر أنه لا فرق بين قولك: الله أكبر، أو قولك الرحمن أكبر.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
• ونوقش:
بأن الآيتين في الدعاء، والحنفية لا يجيزون افتتاح الصلاة بألفاظ الدعاء، ولو تضمنت التعظيم، فيكف يصح القياس على ما لا يصح افتتاح الصلاة به عندهم.
الدليل الرابع:
(ح-١١٨٩) ما رواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، فجعل الإتيان بالشهادتين غاية المقاتلة، فلو قال: لا إله إلا الرحمن، أو العزيز كان مسلمًا، فإذا جاز ذلك في الإيمان ففي فروعه أولى.
• ونوقش:
بأن هذا قياس في مقابل النص، فهو فاسد الاعتبار.
وبأن المراد من الشهادتين الإخبار عن اعتقاده، وذلك يحصل بكل لسان، وأما
стр. 382
التكبير فتعبد الشرع بلفظ، فوجب اتباعه مع القدرة (١).
• الراجح:
الراجح الذي لا ينبغي غيره هو أن الصلاة لا تنعقد بغير (الله أكبر) وأن الزيادة عليها قبلها أو في أثنائها يبطلها، وأما الزيادة عليها بعدها وإن أجازه الشافعية وكرهه الحنابلة فإن الصحيح أنه لا يجوز، وإن انعقدت به الصلاة، باعتبار الزائد ملغى، كما لو قال: الله أكبر كبيرًا، فاستبدال تكبيرة الإحرام بغيرها يدخل في تحريف المشروع، والزيادة عليها استدراك على الشارع، ومثله لا يجوز، والله أعلم.
* * *
стр. 383
مبحث في تنكيس التكبير
المدخل إلى المسألة:
• جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا.
• لا يجوز الدخول بالصلاة بأي ذكر من الأذكار سوى قول الله أكبر.
• لا يجوز الزيادة في التحريمة ولا النقص منها، ولا استبدالها، ولا تقديم بعض جملها على بعض.
• من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
• قال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي.
[م-٤٨٠] اختلف العلماء في تنكيس التكبير
فقيل: يجب الترتيب، فإن نكسه لم يصح التكبير، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والأصح في مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال إمام الحرمين: «في المسألة وجهان: أصحهما المنع، فإنه وإن أتى بالتكبير،
стр. 384
فهو في التقديم والتأخير خالف الاتباع مخالفة واضحة» (١).
وقال ابن قدامة: «ولا يصح التكبير إلا مرتبًا، فإن نكسه لم يصح؛ لأنه لا يكون تكبيرًا» (٢).
• وجه هذا القول:
أن التكبير عبادة وردت على صفة معينة فلا يجوز تغييرها، لحديث: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
وقال الماوردي: «لو قال: أكبر الله لم يجزه؛ لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا» (٣).
وقيل: لا يضر، وهو وجه في مذهبي الشافعية والحنابلة (٤).
• وجه القول بالجواز:
أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز، كذا ذكره الخطيب في مغني المحتاج، والرملي في نهاية المحتاج (٥).
والراجح القول الأول.
* * *
стр. 385
الشرط الرابع أن يكون التكبير متواليًا
المدخل إلى المسألة:
• السكوت الطويل إذا فصل بين المبتدأ والخبر قطع ارتباط بعضهما ببعض.
• إذا قطع الخبر عن المبتدأ لم يكن الكلام مفيدًا.
• الفاصل اليسير لا يضر؛ لأن الاتصال ما زال باقيًا حكمًا.
• السكوت اليسير لا ينفك عنه المصلي لعارض من تنفسٍ وسعالٍ، فلا يشعر بقطع الكلام.
• تقدير اليسير والطويل بالعرف.
[م-٤٨١] في الشرط السابق بينت حكم الترتيب بين الله وأكبر، وفي هذا الشرط أبين صفة أخرى وهو حكم الموالاة بينهما.
فقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في التكبير أن يكون متواليًا من غير فصل طويل بين الله وأكبر (١).
قال العدوي في حاشيته: «عدم وقفة طويلة بين كلمتيه، فلا تضر يسيرة» (٢).
وقال في منتهى الإرادات: «ويكون التكبير مرتبًا متواليًا» (٣).
стр. 386
والعبرة في الطول والقصر بالعرف (١).
وقال المتولي الشافعي: «والشرط ألا يزيد الفصل بينهما على القدر الذي يتنفس فيه» (٢).
• وجه القول باشتراط الموالاة:
أن تكبيرة الإحرام مكونة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ محكوم عليه، والخبر حكم على المبتدأ، فجزءا الجملة يكونان جملة مفيدة، والسكوت الطويل إذا فصل بين المبتدأ والخبر يقطع ارتباط بعضهما ببعض.
قال ابن مالك: والخبرُ الجزُء المتمُّ الفائدة ... كاللهُ بَرٌّ والأيادي شاهدة
فإذا قطع الخبر عن المبتدأ لم يكن الكلام مفيدًا، والفاصل اليسير لا يضر؛ لأن الاتصال ما زال باقيًا حكمًا، ولأن السكوت اليسير قد يكون لتنفس وسعال، فلا يشعر بقطع الكلام.
قال في مطالب أولي النهى: «ويتجه اشتراط التوالي بين هذين الاسمين الجليلين، ولو حكمًا» (٣).
فالتوالي قسمان: حقيقي، وهذا ظاهر.
وحكمي: هو التوالي مع الفاصل اليسير، والذي يصح أن يبنى الكلام بعضه على بعض، ويفهم منه السامع جملة مفيدة، والله أعلم.
جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه كما قيده الزركشي في شرح التنبيه، ومقتضاه: أن اليسيرة لا تضر، وبه صرح في الحاوي الصغير وأقره عليه ابن الملقن في شرحه» (٤).
وقيل: تضر السكتة بين كلمتي التكبير، ولو كانت يسيرة، اختاره بعض الشافعية.
جاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: «قوله: (ولا يضر وقفة يسيرة
стр. 387
إلخ) خلافًا لظاهر قول شيخنا: وتضر الوقفة الطويلة بينهما، وكذا اليسيرة على المعتمد. اهـ» (١).
وهو قول ضعيف جدًّا، ولا ينفك أحد من سكتة يسيرة بسبب تنفس أو سعال، أو نحوهما، والله أعلم.
* * *
стр. 388
الشرط الخامس في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب
المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.
• الواجب النطق، والإسماع قدر زائد على النطق.
• النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.
[م-٤٨٢] اتفق العلماء على أنه يشترط أن يحرك لسانه وشفتيه بالحروف، وينطق بها، فلو أجراها على قلبه من دون تحريك لسانه، لم تنعقد صلاته.
واختلفوا في اشتراط إسماع المصلي نفسه بتكبيرة الإحرام والأقوال والقراءة الواجبة:
فقيل: يشترط أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط ونحوه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 389
وقيل: لا يشترط، بل يكفيه أن يحرك لسانه بالحروف وإن لم يسمع نفسه، اختاره الكرخي من الحنفية، وظاهر قول محمد بن الحسن، والمذهب عند المالكية، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (١).
• دليل من قال: لا يشترط:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.
الدليل الثاني:
(ح-١١٩٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك .... وذكر الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (اقرأ بها في نفسك) أي في سرك، وليس المراد: اقرأ بها في قلبك؛ لأن هذا لا يجزئ بالإجماع، ولا يعتبر هذا قراءة؛ ولهذا اتفقوا على أن الجُنُبَ لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا للقرآن.
стр. 390
قال الباجي في المنتقى: «القراءة في النفس: هي بتحريك اللسان بالتكلم، وإن لم يسمع نفسه سرًّا» (١).
الدليل الثالث:
أن الواجب هو النطق بالتكبير والقراءة، وكذا كل قول واجب، والإسماع قدر زائد على النطق؛ لأن النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.
• دليل من قال: يشترط أن يسمع نفسه:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
قال الرازي: «﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: المراد منه: أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطًا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (٢).
فالمراد أن يكون الصوت فوق الإسرار ودون الجهر، وأقله إسماع النفس.
• ويناقش:
أما قوله: قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
فليست الآية في قراءة الصلاة، لأن الله أمر رسوله ﷺ بأن يذكره، في قلبه، وأن يذكره أيضًا في لسانه، وذكر القلب وإن كان مطلوبًا خارج الصلاة وذلك بأن يستحضر معاني أسماء الله وآياته وآلائه ليكمل للعبد خوف الله وخشيته والإنابة إليه إلا أنه في الصلاة لا يكفي، فلو ذكر المصلي ربه في صلاته في قلبه فقط، فقرأ القرآن في نفسه، وقال التكبيرات والأذكار الواجبة في نفسه ولم يحرك بها لسانه لم يسقط الواجب عنه بالإجماع، فتبين أن الآية ليست في الصلاة.