فما دام قادرًا على القيام وإن كان بمشقة فالقيام واجب، وهذا القول أضعفها؛ لأن من قام في الصلاة، وهو يتوجع من القيام، ويذهله الألم عن إقامة حق الصلاة من خشوع وتدبر فهو لم يستطع شرعًا، والله أعلم.
* * *
стр. 457
المبحث الخامس سقوط القيام بالخوف
المدخل إلى المسألة:
• قال الشافعي: ليس لمصلي المكتوبة أن يصلي راكبًا إلا في خوف (١).
• تأخير الصلاة يوم الخندق نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وهو من نسخ السنة بالقرآن.
• حذف المتعلق في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص، والسباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.
• الخوف عجز شرعي رخصة من الشارع في إسقاط بعض الأركان، بمنزلة العجز الحسي.
• الخوف لا يعتبر عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن إسقاطها إلا أن تتعذر معه الصلاة.
• العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلاً عن القيام، والإيماء بدلاً عن الركوع والسجود، وإن لم يكن له بدل سقط.
• لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
• ما سقط من الأركان فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-٤٩٥] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخوف عذر يسقط به القيام في الصلاة، فإذا خاف على نفسه، أو على ماله من عدو، أو قصده سبع، أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فهرب منه فإنه يصلي بالإيماء ماشيًا أو راكبًا، أو قاعدًا،
стр. 458
واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت بناء على ما قعدوه في المذهب، وسبق مناقشتهم (١).
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الهارب من العدو ماشيًا، والراكب الذي يقاتل لا يصلي، فإن كان الراكب لا يقاتل ولم يتمكن من النزول صلى على دابته.
وقال أبو يوسف: يصلون بالإيماء تشبهًا ثم يعيدون (٢).
وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته، وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول (٣).
وسبق بحث الصلاة حال المسايفة عند الكلام على استقبال القبلة.
وقد ذكر الماوردي أن الخوف يسقط به من فروض الصلاة ثلاثة أشياء:
أحدها: القيام في الصلاة إذا لم يقدر عليه.
الثاني: التوجه إلى القبلة إذا عجز عنه.
الثالث: استيفاء الركوع والسجود، ويعدل عنه إلى الإيماء إذا لم يمكنه، فلو قدر على بعضها، وعجز عن بعضها لزمه ما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه (٤).
стр. 459
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أي: إن خفتم فصلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم.
(أو ركبانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات؛ لأن فرض الأرض يسقط بالخوف، فيصلي إيماء ماشيًا أو راكبًا.
وحذف المتعلق ليعم، فيشمل الخوف من العدو حال القتال، والخوف من اللصوص وقطاع الطرق، والخوف من السباع، أو من سيل يغرقه، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح لما تضمنته هذه الآية كالخوف من فوات ما يتضرر بفواته أو تفويته (١).
واختلف العلماء في إعادة الصلاة بعد ذهاب الخوف، وقد تكلمت على المسألة حين الكلام على شرط استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 460
المبحث السادس في سقوط القيام من أجل المحافظة على الطهارة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة ليست أولى بالمراعاة من العبادة نفسها.
• العبادة تتكون من مجموعة أركانها، فالعبادة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة إليها، والغايات مقدمة على الوسائل.
• المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.
• الطهارة إذا فعلت لا تبطل بالسلس كالمستحاضة؛ لبقاء حكمها.
• الجلوس يفعله المصلي باختياره مع قدرته على القيام فيؤاخذ بذلك، والريح يخرج من المصلي مغلوبًا، فليس من كسبه، فلا يُؤَاخَذُ به.
[م-٤٩٦] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى قائمًا لم يتحكم بالريح، فتنتقض طهارته، وإنْ صلى جالسًا أمكن مقعدته، فحافظ على شرط الطهارة، أيراعي الركن فيصلي قائمًا، أم يراعي شرط الطهارة، فيصلي جالسًا؟
للعلماء فيها قولان، هما قولان في مذهب المالكية.
فقيل: يصلي قاعدًا، اختاره ابن عبد الحكم، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١).
وجهه: أن المحافظة على الشرط أولى لأن الشرط يستمر من أول العبادة إلى آخرها، بخلاف الركن فهو جزء من العبادة في الجملة.
стр. 461
وقد يستدل له أيضًا: أن الركن له بدل، وهو القعود، فينتقل إليه، بخلاف الطهارة في السلس فإنها تسقط إلى غير بدل فالمحافظة عليها أولى.
وقيل: يصلي قائمًا، اختاره سند من المالكية (١).
وجهه: أن القيام لا يسقط إلا بالخوف لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أو بالعجز لحديث عمران (صَلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، رواه البخاري وسبق تخريجه، فإذا كان القيام مقدورًا بلا خوف فهو باقٍ على وجوبه، والطهارة إذا فعلها لا تبطل بالسلس؛ لبقاء حكمها.
ويمكن أن يستدل له أيضًا: أن الركن من ذات العبادة، والشرط خارج عنها، والمحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.
ولأن الركن غاية؛ لكونه جزءًا من حقيقة الصلاة، والشرط وسيلة إليها، والغاية أولى بالمراعاة.
وقد يقال: إن الاختيار بينهما ليس على سبيل الوجوب، فللمصلي أن يفعل منهما ما شاء، فكل واحد من الفعلين له ما يُسَوِّغُه، وإنما البحث في أيهما أفضل في المراعاة؛ لأن كل واحد منهما آكد من الآخر من وجه، فله أن يتخير بينهما، كما قال ذلك بعض الفقهاء في صلاة العريان إن جلس ستر نفسه، وإن قام حافظ على ركن العبادة، فقالوا: يتخير بينهما، والله أعلم.
* * *
стр. 462
المبحث السابع في المراوحة بين القدمين في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في القدمين أن تكونا على طبيعتهما حال القيام في الصلاة، بلا تفريج ولا إلصاق.
• المراوحة بين القدمين في الصلاة لا ينافي القيام الواجب؛ لأن الاعتماد فيها على القدم، وليس على أمر خارج.
• ما جاز فيه الاعتماد على كلتا القدمين جاز فيه الاعتماد على إحداهما؛ فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة.
• المراوحة اليسيرة الأصل فيها الإباحة؛ لأنه ليس من عادة الناس في الصلاة إذا قاموا في الصلاة ألا يتحرك منهم شيء.
• المراوحة تأخذ حكم الحركة في الصلاة، فتنزل عليها أحكامها.
• المراوحة إذا أعانت على مشروع كانت مشروعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
• المراوحة الكثيرة تستحب مع الحاجة وتكره بلا حاجة؛ لما فيها من الحركة، والتفريج بين القدمين، وإظهار الكسل، وعدم ترويض النفس على العبادة.
• المراوحة في النفل مع طول القيام مستحبة ما لم يلحقه تعب لا يدفع بالمراوحة؛ لقوله ﷺ : لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه. رواه مسلم.
تفسير المراوحة:
جاء في تفسير المراوحة قولان:
أحدهما: أن يعتمد على إحدى قدميه مرة، وعلى الأخرى مرة؛ مع وضع القدمين على الأرض دون رفع إحداهما، وهذا تعريف الحنفية، والشافعية
стр. 463
والحنابلة، وأحد التفسيرين في مذهب المالكية (١).
القول الثاني: قال خليل في التوضيح: ترويح الرجلين: أن يرفع واحدة، ويعتمد على الأخرى (٢).
وبعض المالكية جمع بين القولين، فعرَّف المراوحة: بأن يعتمد على واحدة، ويقدم الأخرى غير معتمد عليها، أو يرفعها، ويضعها على ساقه (٣).
وإذا تأملت وجدت أن كلا الفعلين يَصْدُق عليه أن فيه مراوحة بين قدميه؛ لكون الاعتماد يقوم على إحدى قدميه ويُرِيح الأخرى، سواء أكان ذلك برفعها، أم بتخفيف الاعتماد عليها، وإن لم يرفعها، وإن كانت المراوحة في الصورة الأولى أخف من الصورة الثانية؛ لأن الصورة الأولى كلتا قدميه على الأرض، فهو أقرب إلى القيام المعتدل.
[م-٤٩٧] وقد اختلف الفقهاء في المراوحة:
فقيل: المراوحة أفضل، وهو مذهب الحنفية، وقطع بعض الحنابلة باستحبابه مطلقًا (٤).
وقال أحمد في رواية حرب، «وقد سأله، الرجل يصف بين قدميه أحب إليك، أم يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة؟ قال: يراوح بين قدميه أحب إليَّّّّّّ، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة» (٥).
«وقال الأثر: «رأيت أبا عبد الله يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما» (٦).
стр. 464
وقيل: تباح مطلقًا، وبه قال مالك والشافعي، وابن حزم (١).
قال خليل في التوضيح: «ظاهر المدونة جوازه مطلقًا» (٢).
وقال ابن المنذر في الإشراف: «كان مالك وأحمد، وإسحاق لا يرون بأسًا أن يراوح الرجل بين قدميه، وبه نقول» (٣).
وقيل: يكره إلا لطول قيام، اختاره ابن عبد السلام وابن فرحون من المالكية (٤).
ومفهومه أن مع طول القيام تكون المراوحة مباحة.
وقيل: تستحب المراوحة مع الحاجة كما لو طال القيام، وتكره كثرتها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
ومفهومه: أن المراوحة اليسيرة بلا حاجة مباحة؛ لأنهم لم يكرهوا إلا الكثيرة.
فصارت المراوحة إما مستحبة مطلقًا كالحنفية أو مع طول القيام كما هو المعتمد عند الحنابلة.
وإما تباح مطلقًا كما هو مذهب المالكية والشافعية، أو تباح مع طول القيام كما هو اختيار بعض المالكية.
• دليل من قال: المراوحة سنة مطلقًا:
(ح-١٢١٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان،
стр. 465
عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، قال:
خرج عبد الله من داره إلى المسجد، وإذا رجل يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال عبد الله: أما هذا فقد أخطأ السنة، ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ (١).
[رجاله ثقات، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٢).
стр. 466
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن قوله: (فقد أخطأ السنة) إطلاق السنة المقصود به سنة النبي ﷺ ، إلا أن هذا القدر المرفوع من الحديث متجه إلى إلصاق القدمين بعضهما ببعض، ولا شك أن هذا مخالف للسنة.
(ث-٢٨٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، قال:
كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال: ألزق إحداهما بالأخرى! لقد رأيت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب النبي ﷺ ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط (١).
[حسن].
وما يقابل صف القدمين ليس المراوحة، وإنما الوقوف الطبيعي على قدميه
стр. 467
بلا تفريج ولا ضَمٍّ؛ لأن الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف.
(ث-٢٨٣) وقد ذكر ابن القيم في البدائع، قال: روى حرب، قال: حدثنا أبو حفص، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن نافع،
عن ابن عمر قال: لا تقارب، ولا تباعد (١).
[صحيح] (٢).
ولو كانت المراوحة هي السنة لنقلت إلينا من فعله ﷺ ، وكان الصحابة حريصين على نقل سنته وما يفعله في الصلاة.
ولذلك نقلت لنا أم قيس بنت محصن؛ أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحملَ اللحمَ، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٣).
فلوكان من سنته الفعلية الاعتماد على إحدى رجليه وإراحة الأخرى لنقل إلينا.
وقوله: (ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ) هذا موقوف، وهل هو أحب إليه مطلقًا، وهذا يعني أنه أحب إليه حتى من الوقوف الطبيعي بلا تفريج ولا إلصاق أم أحب إليه من إلزاق القدمين بعضهما ببعض؟
هذا محتمل؛ وإن كنت أميل إلى أنه أراد أحب إليَّ من إلزاق القدمين؛ لأنه لا يمكن أن يفضل المراوحة على الوقوف الطبيعي ثم لا تحفظ المراوحة من فعله ﷺ ، فالظاهر أنه أحب إليه من إلزاق القدمين؛ لأن ضم القدمين فيه تكلف، بخلاف
стр. 468
المراوحة، ولأن المراوحة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة عند الحاجة لمصلحة العبادة، ولطلب راحة المصلي.
الوجه الثاني:
أن القدر المرفوع منه قد اختلف فيه على المنهال بن عمرو:
فرواه الأعمش عنه، موقوفًا.
ورواه ميسرة بن حبيب عن المنهال فذكر بعضه مرفوعًا، وبعضه موقوفًا.
والأعمش مقدم على ميسرة، وقد أوضحت لك ذلك من خلال تخريج الحديث، وإذا اختلف في الرفع والوقف، فالأصل عدم الرفع، مع أن القدر المرفوع هو في إلصاق القدم، وليس في المراوحة.
الدليل الثاني:
أن في المراوحة راحة للمصلي، فإذا ارتاح عاد ذلك بالمصلحة على الصلاة، من خشوع وتدبر، وإطالة للقيام، وهذه المصالح محل رعاية وعناية من الشارع، ولذلك كان الرسول ﷺ يرفع المشقة عن المصلي بالإبراد في الصلاة في شدة الحر، وينهى عن الصلاة بحضرة الطعام، ومدافعة الأخبثين.
• وجه من قال: تباح المراوحة:
القيام المطلوب في الصلاة أن يقوم معتمدًا على قدميه غير مستند إلى أمر خارج، فما جاز فيه الاعتماد على كلتا قدميه جاز الاعتماد فيه على إحداهما، فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة، غاية ما هنالك أنه اتَّكَأَ على إحدى قدميه أكثر من الأخرى، ومثل هذا لا يخرجه عن الإباحة.
• وجه من قال: تستحب مع الحاجة وتكره كثرتها:
أن المراوحة اليسيرة داخلة في الإباحة؛ لأنه ليس من عادة المصلي إذا كان قائمًا في الصلاة ألا يتحرك منه شيء.
وأما كثرة المراوحة، فإن كانت لحاجة لكبرٍ، أو لمرضٍ أو لِضَعْفٍ، أو لطول قيامٍ كما في النافلة فهي مستحبة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وما أعان على أمر مشروع فهو مشروع إلا أن ينهى عنه لذاته.
стр. 469
وأما كثرة المراوحة فإنها مكروهة، لأنه لا يحتاج إليها في الفرائض لكون القيام فيها لا إطالة فيه، والإمام مأمور فيها بالتخفيف، وأن يقتدي بأضعف المصلين معه، وأكثر ما يقرأ فيه هو من طوال المفصل، وهذا لا يشق على الشاب الصحيح.
وأما في النفل فإن المصلي مأمور بأن يصلي نشاطه، فكثرة المراوحة مؤشر على إرهاق وتعب لحق المصلي لا يندفع بالمراوحة، فيستحسن أن يجلس أو يستريح.
(ح-١٢١٣) لما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب.
عن أنس، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه؛ لِيُصَلِّّّّّّّّّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد.
وفي رواية له: فليقعد (١).
ولأن كثرة المراوحة تجعل المصلي يكثر من التمايل في صلاته، قال الحنابلة: وفي ذلك تشبه باليهود.
وهذا بعيد؛ لأنه لو كان فيها تشبه باليهود لنهي عنها، ولأن اليهود يكتفون بهز الرأس بلا انقطاع دون الجسد كما يفعل بعض الصوفية وبعض القراء عند قراءة القرآن، فلا شبه بين فعلهم وبين المراوحة المتقطعة.
ولأنها داخلة في حكم الحركة الكثيرة، لا تبطل الصلاة لتفرقها، ولكنها تكره فيها، والله أعلم.
• الراجح:
أن المراوحة اليسيرة مباحة، والكثير منها إن كان لحاجة فهو دائر بين الاستحباب والإباحة، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، والله أعلم.
* * *
стр. 470
المبحث الثامن في الصاق إحدى القدمين بالأخرى حال القيام
المدخل إلى المسألة:
• لم يرد في التفريق والضم سنة مرفوعة، ولو كانت من سنة الصلاة لجاءت بها السنة الواضحة.
• ثبت عن الصحابة تفريق القدمين وضمهما، فدل على أن الأمر واسع.
• الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف.
• ضم القدمين فيه مشقة وتكلف كالمبالغة في تفريجهما.
[م-٤٩٨] كره الحنفية والشافعية إلصاق إحدى القدمين بالأخرى إذا قام في صلاته، واستحب الحنابلة التفريق بينهما (١).
قال الحنفية: ينبغي أن يكون بينهما مقدار أربع أصابع اليد، وبه قال بعض الشافعية (٢).
وقال أكثر الشافعية: يسن أن يفرق بين قدميه بشبر خلافًا لقول الأنوار: بأربع
стр. 471
أصابع (١).
وكره المتقدمون من المالكية إقران القدمين معًا في القيام، واقتصر عليه خليل في مختصره (٢).
واختلف المتأخرون في حقيقته:
فقيل: ضم القدمين معًا سواء أَعْتَمَدَ عليهما معًا، أم راوح بينهما، فإذا فرق بينهما فلا كراهة، وهذا التفسير موافق لقول الجمهور.
وقيل: المكروه التزام الاعتماد على القدمين معًا بصفة دائمة، سواء أكان ذلك مع تفريق القدمين أم كان ذلك مع ضمهما، بحيث يرى أن ذلك من سنة الصلاة، فإن فعل أحدهما (التفريق أو الضم) ولم يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة، أو لم يعتمد عليهما دائمًا، بأن كان متى شاء رَوَّح واحدة، وأقام على الأخرى فهذا جائز بلا كراهة، سواء أَفَرَّقَ بينهما أم ضمهما، فالأمر واسع، يفعل من ذلك ما يسهل عليه، وهذا القول تفرد به المالكية (٣).
قال اللخمي في التبصرة: «إلصاق القدم بالقدم في الصلاة، والتفريق بينهما في الصلاة واسع على قدر ما تيسر» (٤).
يقصد بذلك أنه لا يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة التي ينبغي عليه التزامها.
стр. 472
• دليل من قال: يكره إلصاق القدمين:
الدليل الأول:
(ث-٢٨٤) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، قال:
كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال: ألزق إحداهما بالأخرى! لقد رأيت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب النبي ﷺ ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط (١).
[حسن].
وهذا الدليل وإن كان عدميًّا فإنه يصلح دليلًا في العبادات على عدم المشروعية؛ لأن الأصل في العبادة المنع، فلو كانت هذا الفعل من صفات الصلاة لفعلها صحابة رسول الله ﷺ .
الدليل الثاني:
(ح-١٢١٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ميسرة عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، قال:
خرج عبد الله من داره إلى المسجد، وإذا رجل يصلي صافًّا بين قدميه، فقال عبد الله: أما هذا فقد أخطأ السنة، ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ (٢).
[رجاله ثقات، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٣).
ومن خالف السنة في العبادة فأقل ما يقال عن فعله: إنه مكروه؛ لأنه هو المتيقن، وقد يقع في الحرام، ولكن لا قائل بتحريم ضم القدمين.
الدليل الثالث:
(ث-٢٨٥) روى حرب، قال: حدثنا أبو حفص، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن نافع،
стр. 473
عن ابن عمر قال: لا تقارب، ولا تباعد (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الرابع:
أن الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فتكون المسافة بين القدمين كالمسافة بين المنكبين، فضم القدمين فيه مشقة وتكلف كالمبالغة في تفريجهما.
ولقد كان الصحابي يلزق منكبه بمنكب أخيه، وكعبه بكعبه، وهذه الصفة لا تجتمع مع ضم القدمين.
(ح-١٢١٥) فقد روى البخاري من طريق زهير، عن حميد،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (٣).
• دليل من قال: ذلك واسع يفعل ما سهل عليه:
الدليل الأول:
لم يرد في التفريق والضم سنة مرفوعة، ولو كانت من سنة الصلاة لجاءت بها السنة الواضحة. ثبت عن الصحابة تفريق القدمين وضمهما، فدل على أن الأمر واسع.
الدليل الثاني:
أن الآثار الواردة عن الصحابة يدل على أن الأمر واسع، فهذا ابن عمر صح عنه أنه قال: لا تقارب، ولا تباعد (٤).
وسبق تخريجه في المسألة السابقة.
(ث-٢٨٦) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: رأيت ابن عمر يصلي صافًّا بين قدميه (٥).
стр. 474
[صحيح] (١).
(ث-٢٨٧) وروى أحمد كما في كتاب العلل لابنه، قال: قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا حسن بن صالح عن موسى بن أبي عائشة قال: رأيت بن الزبير قائمًا في الصلاة قد صف قدميه (٢).
[صحيح، وروي عن ابن الزبير مرفوعًا، ولا يصح] (٣).
•ونوقش هذا:
بأن التفريق صريح الدلالة من جهتين بخلاف الصف.
стр. 475
الجهة الأولى:
أن التفريق أثر قولي، والصف أثر فعلي، والقول أقوى من الفعل؛ لأن القول له ولغيره من الأمة، والفعل يحتمل أنه فعل ذلك ساهيًا، ويحتمل أنه يؤيد أن يبين أن الأمر واسع، ويحتمل غير ذلك.
الجهة الثانية: أن دلالة القول على التفريق نصية، حيث قال: لا تقارب ولا تباعد. فهذا اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
وأما صف القدم فليست دلالته نصية، فيحتمل أنه أراد إلصاق القدمين، ويحتمل أنه أراد مقاربة القدمين بلا إلصاق، ويحتمل أن معنى قوله: (صافًّا بين قدميه) أي مساويًا لهما، لم يقدم إحداهما على الأخرى أي بلا مراوحة.
والمحتمل يُرَدُّ إلى الصريح، ولا يقدم الظاهر على النص، هذا مقتضى القواعد الفقهية، والله أعلم.
* * *
стр. 476
الفصل السابع في موضع النظر أثناء الصلاة
المبحث الأول في النظر إلى السماء أثناء الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• النظر إلى السماء للتفكر والاعتبار خارج الصلاة مطلوب شرعًا، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، والآيات في الباب كثيرة.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى: كان كثيرًا ما يرفع بصره إلى السماء (١).
• رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة جائز في أصح قولي أهل العلم، وبه قال أكثرهم.
• رفع البصر إلى السماء في الصلاة منهي عنه مطلقًا للدعاء وغيره؛ لعموم النهي الوارد، (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء ... ).
• رفع البصر في الصلاة ينافي خشوع البصر، وإن كان قد لا ينافي خشوع القلب، بل ربما كان هو الباعث عليه، والمطلوب مع خشوع القلب خشوع الجوارح.
• قد يخشع البصر دون الجسد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ الآية [المعارج: ٤٣، ٤٤]، فوصَفَ الأجسادَ بالحركة السريعة، والأبصارَ بالخشوع.
• قد يخشع القلب دون الجسد كخشوع الطائف وقت الرَّمَلِ، ووقت السعي بين العلمين فيجتمع للعبد الابتهال بالدعاء والسعي والرمل بالطواف.
стр. 477
[م-٤٩٩] اتفق الأئمة الأربعة على كراهة النظر إلى السماء في أثناء الصلاة (١).
(ح-١٢١٦) لما رواه البخاري من طريق ابن أبي عَروبة، قال: حدثنا قتادة،
أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي ﷺ : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم (٢).
ورواه مسلم من مسند أبي هريرة بالنهي عن رفع البصر عند الدعاء في الصلاة (٣).
فحديث أنس نهى عن رفع البصر في الصلاة، وأطلق النهي، فشمل حال الدعاء، وحال القراءة، كما شمل حال القيام وحال الركوع، وفي كل حال من أحوال الصلاة.
وحديث أبي هريرة: (نهى عن رفع البصر عند الدعاء في الصلاة)، خص النهي بحال الدعاء، ومثله لا يقتضي تخصيصًا؛ لأنه فرد من أفراد العام أو المطلق بحكم يوافق العام أو المطلق، والتخصيص إنما هو في إخراج أحد أفراد العام أو المطلق بحكم يخالف العام، وإذا نهي عنه عند الدعاء، فغيره أولى بالنهي.
قال ابن بطال: «العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث، وعلى كراهية النظر إلى السماء في الصلاة» (٤).
وقال ابن الملقن: «والإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يكره
стр. 478
رفع بصره إلى السماء» (١).
وحكى الإجماع على الكراهة النووي والعيني والقسطلاني وغيرهم (٢).
وقال ابن رجب: «وفي الحديث دليل على كراهة رفع بصره إلى السماء في صلاته» (٣).
وقال ابن مفلح: «ويكره رفع بصره (و)» (٤).
ورَمْزُ الواو يعني به وفاقًا للأئمة الأربعة، ولو كانت عنده من مسائل الإجماع لرمز لها بحرف (ع)، ومع ذلك فلم يذكر مع الكراهة قولًا آخر.
ولولا حكاية الإجماع لقيل: ظاهر الوعيد بالحديث يدل على أكثر من التحريم، لأن التهديد بالعقوبة مشعر بأنه من كبائر الذنوب.
وقال ابن تيمية في شرح العمدة: «يكره كراهة شديدة» (٥).
ولم يتجرأ على القول بالتحريم.
وقال النووي: «فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك» (٦).
وعَبَّر بتأكيد النهي والوعيد الشديد، ولم يقترب إلى التصريح بالتحريم، وهذا سبيل أهل العلم في الحرص على الوقوف عند فهم السلف.
ولعل السبب في ذلك: أن النهي عن النظر إلى السماء إن كان من أجل أن فيه نوعًا من الالتفات في الصلاة، فالالتفات بجزء من البدن لا يحرم في الصلاة إجماعًا، ويجوز للحاجة.
وإن كان النهي عنه من أجل منافاته للخشوع: فإن خشوع القلب مستحب في الصلاة، وفواته لا يبطل الصلاة في قول أكثر أهل العلم، وحكي إجماعًا.
стр. 479
وهناك مسائل مشابهة يرد الأمر بالوعيد، أو بنوع من العقوبة، ولم يتجاوز به العلماء المتقدمون الكراهة، كالأمر بتسوية الصفوف، فقد ورد الإخلال به وعيد شديد، قال ﷺ -كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحينِ- لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم (١).
وكالالتفات بالصلاة فإنه ذكر أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، رواه البخاري، ومع ذلك فالالتفات يجوز مع الحاجة، ويكره بلا حاجة.
وينبني على القول بالكراهة أن النظر إلى السماء إن كان لحاجة فلا كراهة (٢). واستدلوا له بما رواه البخاري من طريق الثوري،
وقال البخاري: قال محمود، حدثنا أبو أسامة.
(ث-٢٨٨) ورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ثلاثتهم عن هشام، عن فاطمة،
عن أسماء، قالت: دخلت على عائشة ﵂، وهي تصلي قائمة والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم (٣).
ورواه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن هشام به، وفيه: ... وأومأت برأسها إلى السماء (٤).
стр. 480
وقد رواه البخاري من طريق مالك.
وابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة،
والطبراني في الكبير من طريق الليث بن سعد، ثلاثتهم عن هشام، وفيه: ... فأشارت بيدها إلى السماء (١).
قال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري: «إنما يكره رفع البصر إلى السماء عبثًا، فأما لحاجة فيجوز، وقد أشارت عائشة لأختها أسماء إلى السماء في صلاة الكسوف، وقد نص أحمد على أن من تجشأ في صلاته، فإنه يرفع رأسه إلى السماء؛ لئلا يتأذى من إلى جانبه برائحة جشائه، وقد سبق عن عمر وابن سابط رفع الوجه إلى السماء عند تكبيرة الإحرام، وزاد ابن سابط: وإذا رفع رأسه» (٢).
• وذهب الأذرعي من الشافعية، وجماعة من المتأخرين كالصنعاني واللجنة الدائمة للإفتاء، إلى القول بتحريم النظر إلى السماء مع صحة الصلاة، وبه قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ (٣).
قال الأذرعي: «والوجه تحريمه على العامد العالم بالنهي المستحضر له» (٤).
وانفرد بالقول بالتحريم من الشافعية شهاب الدين أحمد بن حمدان الأذرعي، وهو متأخر عاش في القرن الثامن الهجري، وتوفي سنة ٧٨٣ هـ ولم ينقله عنه إلا الخطيب في مغني المحتاج، وكل من كتب من الشافعية في الروايات والأوجه قبل الأذرعي كإمام الحرمين والغزالي والنووي والرافعي لم يشيروا إلى هذا القول.
وقال الصنعاني: «فيه وعيد شديد على رفع البصر إلى السماء؛ لأنه ينافي الخشوع، فدل على تحريم رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، ويأثم» (٥).
واحتجوا لقولهم: بأن الأصل في النهي التحريم.
وقد اقترن بالنهي وعيد شديد لمن يفعله، وهذا يؤكد أن النهي للتحريم، وليس للكراهة.
يقول شيخنا في تعليقه على الكافي لابن قدامة: «ومن غرائب الاستدلال أن
стр. 481
يحكم على هذا الفعل بأنه مكروه، ثم يستدل عليه بما يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قال (ما بال أقوام)؟ وهذا الاستفهام للإنكار (يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)، هل يمكن أن يرد مثل هذا الوعيد، وهذا الإنكار على شيء مكروه؟ لا يمكن، ولهذا؛ الصحيح أن رفع البصر إلى السماء والإنسان يصلي حرام، بل من كبائر الذنوب؛ لماذا؛ لأن النبي ﷺ توعد عليه» (١).
والقول بالكراهة هو مذهب الأئمة الأربعة، وحكاه إجماعًا طائفة من العلماء، فإن صح الإجماع المنقول فإنه يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعل العلماء حملوه على الكراهة اجتهادًا؛ لأنهم يرون النهي في الحديث معللًا، وأن علة النهي تدور عندهم: إما على الالتفات في الصلاة، أو على منافاته للخشوع، ولا تنافي بين العلتين فالالتفات بلا حاجة منافٍ لكمال الخشوع، وكلاهما لا يقتضي التحريم، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما أعلم إن العلة تعبدية، وسوف أتكلم عن علة النهي إن شاء الله تعالى بعد قليل.
وقال ابن حزم: تبطل الصلاة بالنظر إلى السماء (٢).
وحكاه العبد لياني الحنبلي في الحاوي بصيغة التمريض، ونقله عنه المرداوي في الإنصاف.
قال في الحاوي: «ويكره التفاته اليسير لغير حاجة، ورفع بصره إلى السماء، وقيل: تبطل به وحده» (٣).
وبنى حكمه على قاعدة: أن الأصل في النهي التحريم والفساد.
ولأنه قد نهي عنه في الصلاة بخصوصها، وفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ومع أن شيخنا ابن عثيمين ﵀ يذهب إلى القول
стр. 482
بمقتضى هذه القاعدة، إلا أنه لم يقل بموجبها في هذه المسألة، فقال بالتحريم، وحكم بصحة الصلاة.
• واختلفوا في علة النهي عن النظر إلى السماء:
فقيل: لخروجه عن سمت القبلة (١).
قال القاضي عياض: «وفي رفع البصر إلى السماء إعراض عن القبلة، وخروج عن هيئة الصلاة» (٢).
وهذا بعيد؛ لأنه إذا كان لا يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى موضع سجوده، فَلِمَ يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى السماء؟ بل إن الالتفات بجزء من البدن لا يخرجه عن حكم التوجه للقبلة حتى يلتفت بكل بدنه.
وقيل: لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة، قاله ابن بطال من المالكية، وابن تيمية من الحنابلة (٣).
فمن خشوع البصر: أن لا ينظر العبد إلى جهة العلو تذللًا لله، فلله العلو المطلق علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، ومن كمال التعظيم عند مناجاة المعظم ألا ترفع بصرك إليه عند الوقوف بين يديه.
ولم يذكر العلماء علةً للنهي غير هاتين، الالتفات ومنافاة الخشوع، ولعل ذلك ما جعل الأئمة الأربعة لم يذهبوا إلى القول بتحريم رفع البصر إلى السماء؛ لأن النظر إلى السماء إن كان ينافي خشوع القلب، فالخشوع مستحبٌّ في قول أكثر العلماء، وحكي إجماعًا، وإن كان المقصود به خشوع الجوارح، ومنه البصر، فإن النظر في السماء إن عُدَّ ذلك من الحركة في الصلاة فإنه يدخل في الحركة اليسيرة التي لا تبلغ التحريم، مع أن احتساب ذلك من الحركة بعيد؛ لأن تنكيس الرأس إلى موضع السجود لا يعد من الحركة في صلاته، إلا أن يقال: لم يعد باعتباره مطلوبًا في صلاته في أحد قولي أهل العلم، وسوف يأتي بحث الخشوع إن شاء الله تعالى
стр. 483
في مبحث مستقل، بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه.
وعلل بعض العلماء بأن ذلك فيه سوء أدب مع الله، وبه قال شيخنا ابن عثيمين (١).
يقول شيخنا: «لأن فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن المصلي بين يدي الله، فينبغي أن يتأدب معه، وأن لا يرفع رأسه، بل يكون خاضعًا» (٢).
ويشكل عليه أن سوء الأدب مع الله محرم داخل الصلاة وخارجها، ورفع البصر إلى السماء حال الدعاء خارج الصلاة جائز في قول أكثر أهل العلم.
قال ابن تيمية: «ولا يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء لفعله، وهو قول مالك والشافعي، ولا يستحب» (٣).
وقد اعتبر شيخنا النظر في السماء في أثناء الصلاة منهيًّا عنه في الصلاة بخصوصها، وهذا يعني جوازه خارج الصلاة، مع أن شيخنا ﵀ يرى تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة مع القول بصحتها، وهذا مخالف لقواعده ﵀ من أن فعل المحرم داخل العبادة على وجه يختص النهي بها، فإن فعله يبطلها، فتأمل (٤).
•الراجح:
إن صح الإجماع على الكراهة، فيجب أن يكون مكروهًا كراهة شديدة، وإن لم يصح الإجماع فالقول بالتحريم قول قوي جدًّا، والله أعلم.
* * *
стр. 484
المبحث الثاني في موضوع نظر المصلي في اثناء الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الخشوع: هو السكون في الصلاة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فجعل الخشوع في مقابل حركتها بالاهتزاز.
• الخشوع يكون في القلب، وفي البصر بترك رفعه إلى السماء، وفي الجوارح بترك الحركة والالتفات من غير حاجة، والأول غاية والباقي علامات ووسائل لتحصيله.
• نهى الشارع عن رفع البصر إلى السماء وسكت عن الباقي، وما كان ربك نسيًّا.
• الأصل عدم المشروعية
• مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنها إلا بتوقيف.
• لم يحفظ في النظر إلى موضع السجود دليل تقوم به الحجة، أيأتي ذكر آداب الدخول للخلاء وآداب الأكل والشرب والنوم، في أحاديث صحيحة، ثم لا يأتي في النظر إلى موضع السجود إلا حديث فرد مرسل؟
• ضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل على ضعف الحكم نفسه، بخلاف الحكم الخاص والنادر.
• قال ﷺ : ائتموا بي ولْيَأْتَمَّ بكم من بعدكم، واقتداء الصف الثاني بالأول اقتداء بالأفعال، لا بسماع التكبير، ويلزم منه النظر إلى الصف لا إلى موضع السجود.
• نظر المصلي إلى قبلته لا ينافي كمال الخشوع، كما أن نظره إلى إمامه، ونظر الصف الثاني إلى الأول لا ينافيه.
• ما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل.
стр. 485
[م-٥٠٠] اختلف الفقهاء في الموضع الذي ينظر إليه المصلي إذا كان قائمًا:
فقيل: ينظر المصلي إلى موضع سجوده، وبه قال الجمهور، قال الشافعية: وإن كان أعمى أو في ظلمة (١).
وقال مالك: يكون بصره إلى قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء، أو ينكس بصره، ويكره أن يضع بصره موضع سجوده فقط، وهو من مفردات مذهب الإمام مالك ﵀ (٢).
وقال البخاري في صحيحه: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (٣).
ومقصود البخاري مد البصر إلى الإمام (٤).
وقال في البويطي: وينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا (٥).
وقيل: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، حكاه ابن كثير في تفسيره، ولم يُسَمِّ من قال به (٦).
واستحب الماوردي والروياني وبعض الحنابلة النظر إلى الكعبة إذا صلى في المسجد الحرام، وحكاه المحب الطبري وجهًا، وضعفه البلقيني والإسنوي وغيرهما، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره (٧).
стр. 486
وقال بعض الشافعية: من صلى على جنازة، فالمستحب أن ينظر إليها (١).
• دليل الجمهور على استحباب النظر إلى موضع السجود:
الدليل الأول:
(ح-١٢١٧) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه (٢).
[الصحيح أنه مرسل] (٣).
• ونوقش:
الأول: أن الحديث مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح كما هو مذهب
стр. 489
الشافعية، ورواية عن أحمد، فإذا خالف المرسل ظاهر الأحاديث الموصولة كان طرحه متعينًا حتى عند من يحتج بالمرسل من الأئمة.
الثاني: رفع البصر إلى السماء منهي عنه في حديث لا خلاف في صحته، ورفعه ينافي خشوع البصر، ولا يتوقف خشوع البصر على طأطأة الرأس، ولهذا روى عبد الرزاق مقرونًا بهذا الأثر، عن معمر، سمعت الزهري يقول في قوله: (خاشعون): قال: السكون في الصلاة، وقاله الثوري، عن منصور، عن مجاهد مثله (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٢١٨) روى ابن ماجه، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، قال: حدثني مصعب بن عبد الله،
عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة، فتلفَّت الناس يمينًّا وشمالًا.
[ضعيف جدًّا] (٢).
ولو صح الحديث لكان فيه دليل على مشروعية النظر إلى القدمين حال القيام،
стр. 490
وليس إلى موضع السجود، ولا أعلم أحدًا قال به إلا في حال الركوع.
الدليل الثالث:
(ح-١٢١٩) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق صدقة بن عبد الله، عن سليمان بن داود الخولاني قال: سمعت أبا قلابة الجرمي يقول:
حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه، وركوعه، وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين، يعني عمر بن عبد العزيز ﵁ قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده. قال البيهقي: ... وذكر باقي الحديث وليس بالقوي (١).
[ضعيف إن لم يكن ضعيفًا جدًّا] (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٢٢٠) روى ابن عدي في الكامل من طريق بقية بن الوليد، قال: حدثني علي بن أبي علي القرشي، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 491
الدليل الخامس:
(ح-١٢٢١) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن زيد بن عبد الجبار بن مالك اللخمي التِّنِّيسِيُّ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا زهير بن محمد المكي، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله،
أن عائشة، كانت تقول: عجبًا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قِبَلَ السقف، يدع ذلك إجلالًا لله وإعظامًا، دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حتى خرج منها (١).
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف (٢).
الوجه الثاني: لو صح الحديث فهو في دخول الكعبة وليس في الوقوف بالصلاة، ولعل ذلك كان في فتح مكة فكانت هذه الصفة عارضة شكرًا للرب وتواضعًا منه ﷺ للخلق كما فعل حين دخل مكة فاتحًا، ولم يكن ذلك سنة في كل دخول مكة.
(ح-١٢٢٢) فقد روى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن أبي بكر
стр. 492
المقدمي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت،
عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ دخل مكة، وذقنه على رحله متخشعًا (١).
[ضعيف] (٢).
الوجه الثالث: أن هذا الاستدلال من باب قياس الصلاة على دخول الكعبة، فكيف يقاس الكثير المتكرر العام على النادر، فلو كان في المسألة دليل ما اضطر المستدل إلى مثل هذا القياس الغريب في الاستدلال.•• دليل المالكية على استحباب النظر إلى قبلته:
الدليل الأول:
لم يَأْتِ دليل صحيح يمكن الاعتماد عليه في استحباب النظر إلى موضع السجود، والأصل عدم المشروعية، فلو كان النظر إلى موضع السجود مشروعًا في الصلاة لجاءت الأدلة الصحيحة الواضحة خاصة أن مثل هذه العبادة تتكرر في اليوم عشرات المرات، ويحتاج إلى هذه الصفة عموم المصلين، فضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل على ضعف الحكم نفسه، أيأتي ذكر آداب الدخول للخلاء في الصحيحين، وكذا آداب الأكل والشرب والنوم، ثم لا يأتي في النظر في موضع السجود في الصلاة إلا حديث فرد مرسل؟ (٣).
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
فأمر الله المصلي أن يستقبل جهة الكعبة بجملته، ونص على الوجه لكونه أشرف الأعضاء، والبصر من جملة وجهه، فمن نظر إلى السماء فقد التفت بوجهه
стр. 493
إلى السماء عن القبلة، وكذلك من نكس رأسه إلى الأرض يكون قد التفت بوجهه عن القبلة إلى الأرض، مثله كما لو التفت بوجهه يمنة أو يسرة، لا يبطل الصلاة، ولكنه خلاف المشروع، فالمستحب أن يستقبل بوجهه وجسده الكعبة، فإن أقام رأسه وتكلف النظر ببعض بصره إلى الأرض ففي ذلك مشقة وحرج.
ويناقش:
بأن النظر إلى موضع السجود ليس فيه التفات عن القبلة، بدليل الركوع والسجود، فإن وجه المصلي لا يكون إلى القبلة، ولم يخرجه ذلك عن التوجه إليها، فكذلك لو صح النظر إلى موضع السجود لم يخرجه ذلك أن يكون متوجهًا إلى القبلة، وإنما العمدة فيه أنه لم يرد في النظر إلى موضع السجود شيء يمكن الاعتماد عليه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٢٢٣) ما رواه البخاري من طريق فليح، قال: حدثنا هلال بن علي،
عن أنس بن مالك، قال: صلى لنا النبي ﷺ ، ثم رقي المنبر، فأشار بيديه قِبَلَ قِبْلَةِ المسجد، ثم قال: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار مُمَثَّلَتَيْنِ في قِبْلَةِ هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر ثلاثًا (١).
فدل الحديث على أن نظر النبي ﷺ في صلاته كان إلى قبلة هذا الجدار، وما صح من الإمام صح من المنفرد والمأموم، ولو كان النظر إلى قبلة الجدار ينافي الخشوع أو كماله لم ينظر إليه رسول الله ﷺ في صلاته، أو لَمُثِّل له ذلك في موضع سجوده بدلًا من أن يمثل له ذلك في قبلة الجدار.
الدليل الرابع:
(ح-١٢٢٤) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ... الحديث (٢).
стр. 494
وجه الاستدلال:
فقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي بأفعاله، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه، ويلزم منه أن يكون النظر إلى غير موضع السجود.
الدليل الخامس:
(ح-١٢٢٥) ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق الزهري، عن عروة، قال:
قالت عائشة: خسفت الشمس ... فذكرت صلاة النبي ﷺ ثم قالت قال النبي ﷺ : إنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، حتى يفرج عنكم، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، حين رأيتموني تأخرت ... الحديث (١).
ورواه مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بنحوه، وفيه: ... ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت، مخافة أن يصيبني من لفحها .... ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ... الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على أن الصحابة كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ، وهو يصلي بهم، ويلزم منه أنهم لم ينظروا إلى موضع سجودهم، وإذا كان ذلك لا ينافي كمال الخشوع في حق المأموم فكذلك في حق غيره، وما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل،، والله أعلم.
الدليل السادس:
(ح-١٢٢٦) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن
стр. 495
عمير، عن أبي معمر، قال:
قلت لخباب بن الأَرَتِّ: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته (١).
فدل الحديث على أن المأموم ينظر إلى إمامه، ولم يحفظ في الشرع التفريق بين نظر المأموم في صلاته، وبين نظر المنفرد والإمام، فالأصل أن ما ثبت لواحد منهما ثبت للباقي إلا بدليل.
الدليل السابع:
(ح-١٢٢٧) روى البخاري ومسلم من طريق أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد، قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، فقال لها: مُرِي غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طَرْفَاءِ الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي، واللفظ للبخاري (٢).
وفي رواية للبخاري: كبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه (٣).
ولفظ مسلم: فكبر، وكبر الناس وراءه (٤).
فصلى رسول الله ﷺ على المنبر، وصلى الناس معه، ثم بين الحكمة من فعله، فقال: لتأتموا بي، فلو كان الناس يضعون أبصارهم موضع سجودهم، أكانوا ينظرون إليه، وهو أعلى منهم؟
• مناقشة هذه الأدلة:
حديث أنس في البخاري، وحديث أبي سعيد في مسلم، وحديث عائشة في