← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المعقولة، التي لا تقع تحت الحواس، وليست بأجرام لا توصف بالوقوع تحت الزمان، وإنما توصف بأنها واقعة تحت الدهر، وأما البارئ تعالى فليس بواقع تحت دهر ولا تحت زمان. فهذا هو (الآن) على الحقيقة. وأما (الآن) الذي يستعمل على المجاز، فهو الذي يستعمله الجمهور، وهو المستعمل في صناعة النحو. فإنهم يجعلون كل ما قرب من الآن الذي هو كالنقطة من الماضي والمستقبل آناً. فلذلك يقولون: هو خارج الآن. وأنا أقوم الآن. لأن الآن الذي بهذه الصفة، هو الذي يمكن أن تقع فيه الأفعال والحركات على الكمال. فهذان المعنيان هما المراد بالآن عند المتقدمين. فأما أهل صناعة النحو العربي، فلهم في اشتقاقه والسبب الموجب لبنائه على الفتح كلام طويل. فأما اشتقاقه ففيه قولان: أحدهما أن يكون مشتقاً من آن الشيء يئين: إذا حان، فالألف فيه على هذا منقلبه عن واو، كالألف التي في باب ودار، لأن آن يثين، الذي بمعنى حان، من ذوات الواو عندنا. وقد قيل: إنه من ذوات الياء. وسنتكلم عليه إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء الله تعالى. والثاني: أن أصله (أوان). واختلفوا في تعليله، فقال بعضهم: حذفت الألف منه، وقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقال بعضهم: بل قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. فاجتمعت ألفان ساكنتان، فحذفت الثانية منهما لالتقاء الساكنين. وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة.

стр. 37

وأما العلة الموجبة لبنائه، فاختلفوا فيها أيضا. فقال سيبويه وأصحابه: إنما بنى (الآن) وفيه الألف واللام، لأنه ضارع المبهم المشار إليه، وذلك أن سبيل الألف أن تدخلا لتعريف العهد، كقولك: جاءني الرجل أو لتعريف الجنس، كقولك: قد كثر الدرهم والدينار. فلست تقصد إلى درهم بعينه، ولا دينار بعينه، وإنما تريد الجنس كله. أو لتعريف الأسماء التي غلبت على شيء، فعرف بها، كالحارث والعباس والدبران والسماك فلو دخلت الألف واللام (الآن) على غير هذه السبيل- لأن الآن، إنما هو إشارة إلى الوقت الحاضر- خالف نظائره فبنى. وقال قوم: إنما بنى لأنه وقع من أهله معرفة بالألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام أن يكون نكرة، ثم يعرف بهما. فلما خرج عن نظائره بنى.

стр. 38

وكان الفارسي يقول: إنه معرفة بلام مقدرة فيه غير اللام الظاهرة، وأنه بنى لتضمنه معنى اللام، كما بنى أمس. وكان الفراء يزعم أنه في الأصل فعل ماض من قولك: آن الشيء يثين، أدخلت عليه الألف واللام، وترك على فتحه محكياً، كما روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن قيل وقال. فأدخل حرف الجر على الفعلين الماضيين وحكاهما. وقرأت في بعض ما يحكى عن الفارسي، ولم أقف على صحته، أنه قال: الصواب: (والآن حد الزمانين) بالرفع. واعتل لذلك بأن العلة التي أوجبت بناءه، إنما عرضت له وهو مشار به إلى الزمان الحاضر. فإذا قال: (والآن حد الزمانين) فليس يشير به إلى زمان، إنما يخبر عنه. فوجب أن يعرب، إذ قد فارق حاله التي استحق فيها البناء. وهذا وإن كان كما قال، فليس يمتنع أن يترك مفتوحاً، كما كان على وجه الحكاية. كما تقول: (من): حرف خفض. وقام: فعل ماض، فتتركهما مبنيين على حالهما، وإن كانا قد فارقا باب الحروف والأفعال وخرجا إلى باب الأسماء. وكذلك ذهب الأخفش في قوله تعالى ﴿لَقْد تَقطَّع بيْنكُمْ﴾ إلى أنه في موضع رفع بتقطع. ولكنه لما جرى منصوباً في الكلام تركه على حاله

стр. 39

وكذلك قوله: (ومِنَّا دُونَّ ذَلِك). وكذلك رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه، بفتح النون. وقوله (والخبر ينقسم على تسعة آلاف، وكذا وكذا مئةٍ من الوجوه) هذا الفصل قد جمع خطأ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خفض مئة، وحكمها أن تنصب، لأن أسماء الإشارة لا تضاف، ولأن كذا وكذا، كناية عن الأعداد المعطوف بعضه على بعض، من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين. والمميز بعد هذه الأعداد، حكمه أن ينصب. والوجه الثاني: أن قوله: كذا وكذا مئة، أقل ما يمكن أن يقع عليه أحد وعشرون، فكأنه قال: على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مئة، وإحدى وعشرون مئة: ألفان ومئة. فكان ينبغي أن يقول: إن الخبر ينقسم إلى أحد عشر ألفاً ومائة. ولا يحتاج إلى تكلف هذا العي. والوجه الثالث من الخطأ: أنه نسب إلى القوم ما لم يقولوه. فإنا لا نعلم أحداً منهم قال: إن الخبر ينقسم على ما ذكره.

стр. 40

والذي دعا ابن قتيبة إلى الغلط في خفض المئة فيما أحسب، أنه رأى النحويين قد قالوا: إذا قال الرجل: له عندي كذا وكذا درهماً، بحرف العطف، فهي كناية عن الأعداد من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين. وإذا قال: له عندي كذا كذا درهماً، بغير واو، فهي كناية عن الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر. وهذا اتفاق من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصة: إذا قال له عندي (كذا أثواب)، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى الجمع، من ثلاثة إلى عشرة، وإذا قال: له عندي كذا درهم، بالإفراد، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى المفرد من مئة إلى تسع مئة. ولا يجيز البصريون إضافة (ذا) إلى ما بعده، لأن المبهم لا يضف. فرأى ابن قتيبة أن الكوفيين يجيزون الخفض، ولم يفرق بين ما أجازوا فيه الخفض وما لم يجيزوا، لأنه كان ضعيفاً في صناعة النحو. وفي كتابة هذا أشياء كثيرة تدل على ذلك. ألا تراه قد قال في كتابة. هذا باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز وأدخل في الباب: (رقأت في الدرجة) و (ناوأت الرجل) و (روأت في الأمر)، وهذه الأفعال كلها مهموزة اللام. وأدخل في الباب أيضاً: (تأممتك XXX)، وهذا مهموز الفاء. وليس في الباب شيء مهموز العين، إلا (ذأى العود يذأي). وفي باب (فعل يقعل ويفعل)، بفتح العين في المستقبل وضمها: شم يشم ويشم. وشم الذي تفتح الشين من مضارعه، إنما هو (فعل) بكسر العين لا (فعل). وشم الذي يضم الشين في مضارعه فعل مفتوح العين. ولو كان

стр. 41

شم يشم المفتوح الشين (فعل يفعل) على ما توهم لكان شاذاً. وكان يجب أن يدخله في الأفعال التي جاءت على (فعل) بفتح العين في الماضي والمستقبل. وليس فيها حرف حلقي ولا عيناً ولا لاماً، نحو أبي يأبى، وركن يركن ولم يفعل ذلك. وقوله: (كانت وبالاً على لفظه وعياً في المحافل): الوبال: الثقل. والمحافل: المجالس والمواضع التي يجتمع فيها الناس، واحدها محفل بكسر الفاء. والكن: كل ما ستر الإنسان من بيت ونحوه، وجمعه: أكنان. وقوله: (فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر عمله بدء تفكره): كذا الرواية عنه، وهي عبارة فاسدة، لأنه لم يزد على أن عكس الكلام والثاني هو الأول بعينه. وإنما كان يجب أن يقول: فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر تفكره ابتداء عمله، ونحو هذا حتى يصبح الكلام. ومرادهم بهذا الكلام أن كل محاول لأمر من الأمور، فإنما يقدم أولاً في فكره. الغاية التي يريدها، ثم يفحص عن الأسباب التي توصله إلى تلك الغاية وذلك الغرض، فيقدمها في العمل أولاً فأولاً على مراتبها، حتى يصل في ما سبق إليه أول فكره. وقوله: (فصل الخطاب): أي بيانه. وأصل الفصل: الفرق بين الشيئين، حتى يمتاز كل واحد منهما من صاحبه. ويسمى كل قول فرق بين الحق والباطل: فصلاً. ومنه قيل للعضو الذي يمتاز من غيره: مفصل وفصل. وقول الخطيب في خطبته، والكاتب في رسالته: (أما بعد)، يسمى

стр. 42

فصل الخطاب، لأن من شأن الخطيب والكاتب أن يبدأ أولاً بحمد الله تعالى، والصلاة على رسوله، ثم يقول: (أما بعد)، ويبدأ باقتصاص ما قصد نحوه فيكون قوله: أما بعد فصلاً بين التحميد الذي صدر به، وبين الأمر الذي قصده وحاوله: وقوله: (فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة) يعني عبيد الله بن يحيي بن خاقان، وكان وزير المتوكل، فعمل له ابن قتيبة هذا الكتاب، وتوسل به إليه، فأحسن عبيد الله صلته، واصطنعه وعنى به عند المتوكل، حتى صرفه في بعض أعماله. والرذيلة: ضد الفضيلة. وحباه: خصه والخيم: الطبع. (والسنن): الطريق. ويقال: تنح عن سسن الطريق، بفتح السين والنون. وعن سنن الطريق، بضم السين وفتح النون وعن سنن الطريق بضم السين والنون، وعن سنة الطريق: يراد بذلك محجته. وقوله: معتلقة: محبة. وقوله: (وأيديهم فيه إلى الله مظان القبول ممتدة): يريد بالمظان: الأوقات التي يظنون أن الدعاء فيها متقبل، وهي جمع مظنة. قال النابغة: (فإن مظنة الجهل الشباب) يريد الوقت الذي يظن فيه الجهل. ومظان: منصوبة على الظرف. والعامل فيه قوله: ممتدة. تقدير الكلام: وأيديهم فيه إلى الله ممتدة مظان القبول. وقوله: (يهجع): ينام. وقوله: (ويلبسه لباس الضمير) أي يظهر عليه حسن معتقده. أخذه من قوله ﷺ : ((من أسر سريرة ألبسه الله رداءها)).

стр. 43

وقوله: (يصور): يميل ويصرف. يقال: صاره يصوره ويصيره: إذا أماله. وقرئ (فصرهن إليك) وصرهن، أي يجمع القلوب المختلفة على محبته. وقوله: (ويسعده بلسان الصدق في الآخرين): يريد الثناء الحسن. قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾: أي ذكراً جميلاً. وحقيقته: أن اللسان هو الخبر. والكلام سمى لسانا، لأنه باللسان يكون، على مذهبهم في تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان منه بسبب. والمراد بإضافته إلى الصدق، أن يجعل له ثناء حسنا، تصدقه أفعاله، حتى يكون المثنى عليه غير كاذب فيما ينسبه إليه، لأن الإنسان لا يكون فاضلاً إذا أثنى عليه بالكذب. وقوله: (وأعفوا أنفسهم من كد النظر): أي أراحوها من ذلك. والعفو: ما جاء سهلا بلا كلفه ولا مشقة. والخزي: الفضيحة. يقال: خزي يخزى خزيا: إذا افتضح. وخزي يخزى خزاية: إذا استحيا. وقوله: (من موقف رجل من الكتاب) قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل. وهذا غلط، لأن محمد بن الفضل، إنما وزر للمتوكل وكان شاعراً كاتباً حلو الشمائل، عالماً بالغناء، وولى الوزارة أيضاً في أيام المستعين. والخليفة المذكور هاهنا إنما هو المعتصم.

стр. 44

وقال أبو علي البغدادي: هذا الكتاب هو أحمد بن عمار. وكذا قال الصولي. وقد قيل: هو الفضل بن مروان. والمشهور أنه أحمد بن عمار، وكان وزير المعتصم. وكان الفضل بن مروان هو الذي عنى به، حتى استوزره المعتصم. وكان الفضل بن مروان وأحمد بن عمار، لا يحسنان شيئاً من الأدب. وكان عمار طحاناً من أهل المذار، ولذلك قال فيه بعض الشعراء: لا يعمر الرحمن ملك امرئ ... يقيمه رأي ابن عمار ما يفرق الطحان من جهله ... ما بين إيراد وإصدار وقال رجل من الشعراء يقال له أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي يهجوه ويهجو الفضل بن مروان، لاصطناعه إياه، وسعايته له حتى صار وزيراً: ماذا احتملناه للفضل بن مروان ... أباده الله من ظلم وعدوان

стр. 45

حتى مضت ظلماً أيام دولته ... لم يتضح بدجاها ضوء إنسان أبقى دليلاً عليه في عماوته ... كما استدل على أصل بأغصان مثلان في العي لم ينهضها أدب ... مستحوذان على جهل شبيهان لولا الإمام أبو إسحاق إن له ... عناية بالقصي الدار والداني لأصبح الناس فوضى لا نظام لهم ... ولم يدل على حق ببرهان فيقال: إن المعتصم لما قرأ هذا الشعر ضحك، وعزل أحمد بن عمار. ويروى أن المعتصم، وهو محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق كان قليل البضاعة من الأدب. ويزعمون أن أباه كان عنى بتأديبه في أول أمره، فمرت به جنازة لبعض الخدم فقال: ليتني كنت هذه الجنازة، لأتخلص من هم المكتب، فأخبر بذلك أبوه، فقال: والله لاعذبته بشيء يختار الموت من أجله، وأقسم ألا يقرأ طول حياته. فلما صارت إليه الخلافة، واتخذ أحمد بن عمار وزيراً، ورد عليه كتاب عامل الجبل. يذكر فيه خصب السنة، وكثرة الغلات، وأنهم مطروا مطراً كثر عنه الكلأ. فقال لابن عمار: ما الكلأ؟ فتردد في الجواب، وتعثر لسانه، ثم قال: لا أدري. فقال المعتصم: (إن لله وإنا إليه راجعون)! أخليفة أمي، وكاتب أمي؟ ثم قال: أدخلوا على من يقرب منا من الكتاب

стр. 46

فعرف مكانة محمد بن عبد الملك الزيات، من الأدب، وكان يتولى قهرمة الدار، ويشرف على المطبخ، ويقف في الدار وعليه دراعة سوداء، فأمر بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ؟ فقال: النبات كله رطبه ويابسة، والرطب منه خاصة، يقال له: خلا. واليابس منه: يقال له حشبش، ثم اندفع يصف له النبات من حين ابتدائه إلى حين اكتهاله إلى حين هيجه، فاستحسن المعتصم ما رأى منه، وقال: ليتقلد هذا الفتى العرض على، فكان ذلك سبب ترقيه إلى الوزارة. وكان لمحمد بن عبد الملك حظ. وافر من الأدب والنظم والنثر، وكان أبوه إذا رأى جده في القراءة، لأمه على ذلك، وقال له: ما الذي يجدى عليك الأدب؟ ولو تحرفت في بعض الصناعات، لكان أجدى عليك، إلى أن امتدح الحسن بن سهل، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال له أبوه: والله لا ألومك أبداً. ولما وصله الحسن قال لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا

стр. 47

وقوله: (ومن مقام آخر في مثل حاله): هذا الكاتب الثاني: هو شجاع بن القاسم، كاتب أوتامش التركي، وكان يتولى عرض الكتب على المستعين: أحمد بن محمد المعتصم، وكان جاهلاً لا يحسن القراءة، إلا أنه كان ذكياً، تقرأ عليه عشرة كتب، فيحفظ معانيها، ويدخل إلى المستعين يسامره فيها، ولا يغلط في شيء منها. وكان يصور له الحرف فيكتب مثاله فقرأ على المستعين كتاباً كلفه قراءته، وكان فيه: (حاضر طي)، وطي قبيلة من قبائل اليمن، وحاضرهم من حضر منهم، فصحفه وقال: (جاء ضرطي) والضرط: لغة في الظرط فضحك المستعين. ويروى أنه دخل على المستعين وذيل قبائه قد تخرق، فقال له المستعين: ما هذا يا شجاع!! وكان يستظرف ما يأبى به. فقال: يا أمير المؤمنين، داس الكلب ذنبي فخرقته قباءه. يريد دست ذنب الكلب فخرق قبائى. ومدحه بعض الشعراء، فقال: في مدحه: أبو حسن يزيد الملك حسنا ... ويصدق في المواعد والفعال جبان عن مذلة ملية ... شجاع في العطية والسؤال فقال له: وما يدريك- ويلك- أني جبان. فقال: إنما قلت- أعزك الله- إنك جبان عن البخل، لا جبان عن الأعداء. وهذا من أحسن المدح، واستشهد

стр. 48

بملء حضر، فشهدوا له فقال، إنما تزينون ما أتى به، فأنا أعطيه لمكانكم ورعايتكم، لا لشعره، لأنه قد هجانى، وأمر له بصلة. ومدحه بعض الشطار بشعر يقول فيه: شجاع لجاع كاتب لاتب معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل خميص لميص مستمر مقدم ... كثير أثير ذو شمال مهذب فطين لطين آمر لك زاجر ... حصيف لطيف حين يخبر يعلم بليغ لبيغ كلما شئت قلته ... لديه وإن تسكت عن القول يسكت أديب لبيب فيه عقل وحكمة ... عليم بشعري حين أنشد يشهد كريم حليم قابض متباسط ... إذا جئته يوماً إلى البذل يسمح وأعطي هذا الشعر لرجل طالبي، فلقي به شجاعاً وهو على قارعة الطريق، ووله الناس فاستوقفه وأنشده إياه، فضحك وشكره، ودخل إلى المستعين فرغب غليه في أمره، فأعطاه عشرة آلاف درهم صلة، وأجرى له ألف دينار راتباً في الشهر. وقوله: (ومن قول آخر في وصف برذون أهداه، وقد بعثت إليك

стр. 49

أبيض الظهر والشفتين. فقيل له: لو قلت أرثم ألمظ). هذا الكاتب الثالث- لا أعلم من هو والأرثم من الخيل: الذي في شفته العليا بياض. والألمظ: الذي في شفته السفلى بياض. وإذا كان أبيض الظهر، قيل له: أرحل وأجلس. وقد ذكر ابن قتيبة في باب شيات الخيل الأرثم والألمظ. والأرحل، ولم يذكر الأحلس. وقوله: (ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب) ... إلى آخر الفصل: الفئ: كل ما يعود إلى السلطان من جباية أو مغنم. والتحلب والحلب سواء، وهما ما ليس بوظيفة معلومة المقدار. ولكن إذا أراد السلطان شيئاً، كلف الرعية إحضاره. شبه بتحلب الناقة والشاة في كل وقت. والنخاس هاهنا: بائع الرقيق. وهو اسم يقع على بائع الحيوان خاصة. والشغا: تراكب الأسنان بعضها على بعض. يقال: امرأة شغواء، ورجل أشغى. وتسمى العقاب: شغواء، لزيادة منقارها الأعلى على منقارها الأسفل. والأسنان إذا كملت عدتها ولم ينقص منها شيء اثنتان وثلاثون سنا: أربع ثنايا، وأربع رباعيات وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ وهي أقصاها وآخرها نباتا. ومن الناس من لا يخرج له شيء من النواجذ فتكون

стр. 50

أسنانه ثمانياً وعشرين. ومنها من تخرج له اثنتان فتكون أسنانه ثلاثين فيزعمون أن من خرجت له النواجذ كلها، كان وافر اللحية عظيمها، ومن لم يخرج له شيء منها، كان كوسجا. ومما ينجو نحو هذه القصة، ما روي من أن عتبة بن أبي سفيان، استعمل رجلاً من آله على الطائف، فظلم رجلاً من أزدشنوءة، فأبي الأزدي عتبة، فمثل بين يديه وقال: أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم ثم ذكر ظلامته بعنجهية وحفاء، فقال له عتبة: إني أراك أعرابياً جافياً، وما أحسبك تدري كم ركعة تصلي بين يوم وليلة، فقال: أرأيتك إن أنبأتك بذلك أتجعل لي عليك مسألة؟ فقال عتبة: نعم. فقال الأعرابي: إن الصلاة أربعٌ وأربع، ثم ثلاث بعدهن أربع ... ثم صلاة الفجر لا تضيع فقال عتبة: صدقت. فما مسألتك؟ قال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدري. قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة: أخرجوه عني وردوا عليه غنيمته.

стр. 51

قال ابن الأعرابي في نوادره: للإنسان سبع عشرة فقرة. وأقل فقر البعير ثماني عشرة فقرة، وأكثرها إحدى وعشرون. وذكر جالينوس، أن جميع خرز الظهر من لدن منبت النخاع من الدماغ إلى عظم العجز أربع وعشرون خرزة، سبع منها في العنق، وسبع عشرة فيما عداها، منها اثنتا عشرة في الصلب وخمس في القطن، وهو القطن. والأضلاع: أربع ((وعشرون، اثنتا عشرة في كل جانب، وأن جملة العظام التي في جسم الإنسان: مائتان وثمانية وأربعون عظماً، حاشا العظم الذي في القلب والعظام الصغار التي حشي بها خلل المفاصل، وتسمى السمسمية، شبهت بالسمسم، وهو الجلجلان، لصغرها. وجميع الثقب التي في بدن الإنسان اثنتا عشرة، العينان، والأذنان، والمنخران، والفم، والثديان، والفرجان، والسرة، حاشا الثقب الصغار التي تسمى المسام، وهي التي يخرج منها العرق، وينبت منها الشعر. فإنها لا تكاد تنحصر. وقوله: (فما رأيت أحداً منهم يعرف فرق ما بين الوكع والكوع) ...

стр. 52

إلى آخر الفصل. الوكع في الرجل: أن تميل إبهامها على الأصابع، حتى يرى أصلها خارجاً. والكوع في الكف: أن تعوج من قبل الكوع. والكوع: رأس الزند، الذي يلي الإبهام. والكرسوغ: رأس الزند الذي يلي الخنصر. والحنف: أن تقبل كل واحدة من إبهامي الرجل على الأخرى. وقيل الحنف: أن يمشي الرجل على ظهر قدمه، وهو قول ابن الأعرابي. والفدع في الكف زيغ بينها وبين عظم الساعد، وفي القدم: زيغ بينها وبين عظم الساق. واللمي مثلثة اللام: سمرة في الشفتين تخالطها حمرة، وذلك مما يمدح به. واللطع: بين الشفتين، وذلك مما يذم به. وقوله: (وفي تقويم اللسان واليد): يريد بتقويم اللسان: استقامته في الكلام حتى لا تلحن، وبتقويم اليد: استقامتها في الكتابة، لأن فساد الهجاء لحن في الخط، كما أن فساد الإعراب لحن في القول. وقوله: (إن فاءت به همته) كذلك الرواية: فاءت بالفاء. وكان أبو علي البغدادي يقول: الصواب (ناءت به همته) بالنون أي نهضت، من قولهم: ناء بالحمل ينوء: إذا نهض به متثاقلاً. قال الله : (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة). والذي أنكره أبو علي على غير منكر. ومعناه، إن رجعت به همته إلى النظر الذي أغفله، والفئ: الرجوع. فالهاء في (به) فيمن قال: (ناءت) بالنون، تعود على الكتاب كما تقول: ناء بالحمل: إذا استقل به وأطاقه. ويجوز أن تعود على مغفل التأديب أي إن نهضت به همته إلى النظر. ومن روى: (فاءت

стр. 53

بالفاء، فالهاء في به تعود على مغفل التأديب. أي إن رجعت به همته إلى النظر بعد إعراضه عنه. وقوله: (أو استظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فعل النظر): الوطر: الحاجة. والإدالة: مصدر أديل العامل من عمله إذا صرف عنه وعزل. يقول: يكون كتابي هذا معداً مذخوراً لمغفل التأدب الذي شغله جاهه، وما أدرك من المنزلة عند الملوك، عن القراءة والنظر، فإذا عزل عن عمله قرأه، واستدرك ما كان ضيعه. وإن ظهر إليه فضل النظر وهو في جاهه وحرمته، قضى منه وطرة. وقوله: (وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة با لمرهفين، وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق): هذه أمثال ضربها لقارئ كتابه. والمرهف: السيف الحديد. والكلال والكليل: الذي لا يقطع، فضرب ذلك مثلاً للبلادة والذكاء. وكذلك يبس الطينة: مثل مضروب لنبو الذهن عن قبول التعلم وأصل ذلك أن الطين إذا كان رطبا ثم طبع فيه قبل نقش الطابع، وإذا كان يابساً لم يقبل النقش. والكودن: البغل. والمضمار: الموضع الذي تدرى فيه الخيل وذكر ابن قتيبة في باب المصادر من هذا، الكلال إنما يستعمل في الإعياء، وأن السيف إنا يقال فيه كل بكل يكل كلة. وخالف في كلامه هاهنا ما قاله هناك فاستعمل الكلال في السيف، وهو غير معروف. وقوله: (فعرف الصدر والمصدر) ... إلى آخر الفصل الصدر: الفعل والمصدر: الحدث فكلاهما اسم الفعل. وسمى حدثا لأن الشخص

стр. 54

الفاعل يحدثه، وسمى مصدراً، لأن الفعل اشتق منه، فصدر عنه، كما يصدر الصادر عن المكان. وهذا أحد ما استدل به البصريون على أن المصدر أصل للفعل، ولو لم يكن أصلاً له، لم يسم مصدراً. فأما الكوفيون فزعموا أن الفعل هو الأصل للمصدر، وأن المصدر مشتق منه. وبين الفريقين في هذه المسألة شغب يطول ليس هذا موضع ذكره. وكان أبو علي البغدادي يقول: أرد ابن قتيبة بالصدر: الأفعال المشتقة من المصدر، الصادرة عنه. وكان يرى أن الصدر: جمع صادر كما يقال: راكب وركب، وصاحب وصحب. وأما الحال فهي هيئة الفاعل في حين إيقاعه للفعل، وهيئة المفعول في حين وقوع الفعل به. أما هيئة الفاعل فكقولك: جاء زيد راكباً، فالركوب هيئته في وقت مجيئه. وأما هيئة المفعول، فكقولك: ضرب زيد جالساً. فالجلوس هيئة زيد في حين وقوع الضرب به. ولها سبعة شروط: الأول منها: أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق. والثاني: أن تكون منتقلة، أو في حكم المنتقل. والثالث: أن تكون نكرة أو في حكم النكرة. والرابع: أن تكون بعد كلام تام، أو في حكم التام. والخامس: أن تكون بعد اسم معرفة، أوفي حكم المعرفة.

стр. 55

والسادس: أن تكون مقدرة بفي. والسابع: أن تكون منصوبة. ولها أقسام كثيرة. فمنها الحال المستصحبة كقولك هذا زيد قائماً. ومنها الحال المحكية كقولك: رأيت زيداً أمس ضاحكاً. ومنها الحال المقدرة، كقولك: سيخرج زيد مسافراً غداً. ومنها الحال السادة مسد الأخبار كقولك: ضربي زيداً قائماً. ومنها الحال المؤكدة كقوله تعالى: ﴿وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ ومنها الحال الموطئة كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾. فمن النحويين من يرى أن (لساناً) هو الحال، وعربياً هو التوطئة. ومعنى التوطئة، أن الاسم الجامد لما وصف بما يجوز أن يكون حالاً، صلح أن يقع حالاً. ومن النحويين من يرى أن عربياً هو الحال، ولسانا هو التوطئة. ومعنى التوطئة عندهم، أن الحال لما كانت صفة معنوية، شبيهة بالصفة اللفظية، وكان حكم الصفة اللفظية، أن يكون لها موصوف تجرى عليه فعل، مثل ذلك بالصفة المعنوية في بعض المواضع، فقام لها موصوف أيضاً تجزى عليه. وقد يكون معنى التوطئة في الحال: أن يتأول في الاسم الجامد تأويل يخرجه إلى حكم الاسم المشتق، كقوله ﷺ وقد سئل: كيف بأتيك الوحي فقال: أحياناً يتمثل لي الملك رجلاً. فالتوطئة هنا على وجهين: أحدهما: أن تجعل رجلاً في تأويل قوله: قريباً أو محسوساً، وهما اسمان جاريان على الفعل. والثاني: أن تريد مثل رجل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهذا معنى قولنا: إن سبيلها أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق.

стр. 56

وأما الحال التي في حكم المنتقل، فنحو قوله تعالى ﴿وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، فالحق لا يفارقه التصديق. ولكن لما كان قد يذكر الحق ليصدق به حقاً آخر، وقد يذكره لنفسه، أشبهت الحال المنتقلة حين كان لها معنيان تنتقل من أحدهما إلى الآخر. وأما الظروف فهي أسماء الأزمنة، وأسماء الأمكنة، إذا جعلت محلاً لأمور تقع فيها، كقولك: أعجبني الخروج اليوم. فاليوم محل للخروج الذي أسندت الحديث إليه. فإذا قلت: أعجبني اليوم. أو قلت: اليوم مبارك، لحق بالأسماء، ولم يسم ظرفاً، لأنك إنما تحدث عنه لا عن شيء وقع فيه. فمن خاصة الظرف ألا يكون محدثاً عنه، وأن يصلح فيه تقدير (في). فإذا فارقه هذا الشرط لم يكن ظرفاً. والكلام في هذه الأشياء يطول. وإنما نذكر من كل نوع منها نكتا ترغب القارئ في قراءة ذلك النوع، وطلبه في مواضعه من الكتب الموضوعة فيه. وقوله: (وشيئاً من التصاريف والأبنية): هذا العلم من أجل علوم العربية لأنه [يهدى إلي] معرفة الأصلي من الزائد، والصحيح من المعتل، والتام من الناقص، والمظهر من المدغم. وأكثر المتعاطين العربية لا يحسنونه [وهو ينقسم ثلاثة أقسام: تصريف لفظ فقط، وتصريف معنى فقط، وتصريف لفظ ومعنى معاً. فأما تصريف اللفظ فنوعان: أحدهما: تعاقب الحركات والحروف على اللفظ الواحد، كقولك، زيد وزيداً. وأخوك وأخاك وأخيك. والثاني: تغيير الصور مع اتفاق المعاني، كقولهم: رجل ضروب،

стр. 57

وضراب، ومضراب، وضرب، وضريب. فالألفاظ مختلفة، والمعنى الواحد. وأما تصريف المعنى وحده، فهو اختلاف المعاني مع اتفاق الألفاظ، كالهلال يتصرف في كلام العرب على عشرين معنى. والقمر يتصرف على ستة معان، والكوكب على خمسة، والنجم على ستة، ونحو ذلك. وأما تصريف اللفظ والمعنى، فهو أن يختلف اللفظ، ويختلف المعنى باختلافه، كقولك: ضارب لفاعل الضرب، ومضروب للذي وقع عليه الضرب. ومضرب بفتح الراء: للمصدر، ومضرب بكسر الراء: للمكان الذي وقع فيه الضرب، أو للزمان. ومضراب للعود الذي يضرب به. وانقلاب الياء عن الواو يكون في كل موضع تسكن فيه الواو وقبلها كسرة نحو ميزان، أصله: موزان، لأنه من الوزن، وانقلاب الواو عن الياء يكون في كل موضع تسكن فيه الياء وقبلها ضمة، نحو أيقن فهو موقن. وانقلاب الألف عن الواو وعن الياء، يكون في كل موضع تتحرك فيه الواو والياء، وقبلها فتحة، نحو: قال، أصله قال، وباع أصله: بيع وانقلاب الياء عن الألف في نحو سربال وسرابيل. وانقلاب الياء عن الواو في نحو عنقود وعناقيد. وقوله: (ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في (الأشكال لمساحة الأرضين) إلى آخر الفصل. المساحة: مصدر مسحت الأرض: إذا ذرعتها. والمثلث على الإطلاق: هو أول السطوح التي تحيط بها خطوط مستقيمة، وهي كثيرة غير متناهية الكثرة، فمبدؤها من الثلاثة وتترقى صاعدة، فيكون

стр. 58

أولها: المثلث، وهو الذي تحيط به ثلاثة خطوط، ثم المربع: وهو الذي تحيط به أربعة خطوط، ثم المخمس ثم المسدس، ويتزايد هكذا أبداً. وإنما صار المثلث أولها، لأن خطين مستقيمين لا يحيطان بسطح، وما كان من هذه السطوح يحيط به أكثر من أربعة خطوط، فإنما يسمى الكثير الزوايا، ومبدؤها: المخمس. وأنواع المثلث الذي تحيط به خطوط مستقيمة ثلاثة: مثلث قائم الزاوية ومثلث حاد الزاوية، ومثلث منفرج الزاوية. ذكر ابن قتيبة منها الاثنين، ولم يذكر الثالث. والمثلث القائم الزاوية نوعان: متساوي الساقين، وهو الذي له ضلعان من أضلاعه متساويتان، ومختلف الأضلاع، وهو الذي أضلاعه كلها مختلفة والمثلث الحاد الزوايا: ثلاثة أنواع: المتساوي الأضلاع، والمتساوي الساقين، والمختلف الأضلاع. والمثلث المنفرج الزاوية نوعان: متساوي الساقين، ومختلف الأضلاع. وأما قوله: ومساقط الأحجار، فإن مسقط الحجر: هو الخط الذي يخرج من زاوية المثلث إلى الضلع المقابلة لها، وتسمى العمود أيضاً. ويقال للضلع التي يقع عليها مسقطة الحجر: القاعدة. وهذا هو أحد العمودين اللذين ذكرهما. والعمود الآخر كل خط قام على خط آخر قياماً معتدلاً، فإن الخط الأسفل يقال له القاعدة، والقائم، يقال له: العمود. وتسمى الزاويتان اللتان في جنس العمود قائمتين، فإن مال العمود إلى إحدى الناحيتين، قبل للزاوية التي من ناحية الميل: حادة وللثانية: منفرجة. وأما قوله: (والمربعات المختلفات) فإن أنواع المربعات على ما ذكره

стр. 59

إقليدس خمسة: مربع قائم الزوايا، متساوي الأضلاع، وسماه المربع الصحيح. ومربع قائم الزوايا متساوي كل ضلعين متقابلتين، وسماه مربعاً مستطيلاً. ومربع متساوي الأضلاع، غير قائم الزوايا متساوي كل زاويتين متقابلتين، وسماه المعين ومربع متساوي كل ضلعين متقابلتين فقط، وكل زاويتين متقابلتين فقط، وسماه الشبيه بالمعين وما خرج عن هذه الحدود، سماه منحرفاً. وذكر غير إقليدس، المربعات سبعة، ولكنا تركنا ذكرها اقتصاراً على ما قال إقليدس، إذ كان المقدم في هذه الصناعة. وقوله: (والقسي والمدورات) فالقسي: جمع قوس والقوس نوع من أنواع الخطوط وذلك أن الخطوط ثلاثة أنواع: مستقيم، ومقوس ومنحن. والخطوط المستقيمة كثيرة، ولها أسماء مختلفة كقولنا: عمود، وقاعدة وساق، وضلع، ووتر، وسهم، وقطر، ومسقط الحجر، ومحور، وجيب مستو، وجيب منكوس، ونحو ذلك. والخطوط المقوسة أربعة أنواع: دائرة، ونصف دائرة، وأكثر من نصف دائرة. وأقل من نصف دائرة. وأما الخط المنحني فقلما يستعمل في هذه الصناعة، فلذلك لم نذكره. وأما الدائرة: فإنها أول أنواع السطوح، التي تحيط بها خطوط قوسية، وذلك أن دائرة أن أنواع السطوح بها خطوط قوسية ثلاثة، فمنها ما يحيط به خط واحد مقوس. ومنها ما يحيط به خطان مقوسان، ومنها ما يحيط به أكثر من خطين مقوسين. فالذي تحيط به قوس واحدة: يسمى

стр. 60

الدائرة. والذي يحيط به خطان مقوسان نوعان: أحدهما يسمى الشكل الهلالي، وهو أن تكون حدبة إحدى القوسين تلي أخمص القوس الأخرى. والآخر: يسمى الشكل البيضي، وهو أن يكون أخمصا القوسين متقابلين. وأما السطوح التي بها أكثر من خطين مقوسين فإنها غير متناهية، وأولها المثلث. وقوله: (وكانت العجم تقول: من لم يكن عالماً بإجراء المياه وحفر فرض المشارب) إلى آخر الفصل، من طريف أمر هذا الرجل رحمه الله تعالى أنه نهى قارئ كتابه أولاً عن النظر في شيء من العلوم القديمة، وسماها هذيانا ثم جعل بعد ذلك يرغبه فيها، وكأنه كره أن يكون هو الآمر بذلك، فيتناقض قوله، فنسب ذلك إلى العجم. والمشارب: جمع مسرب، وهو شاطئ النهر الذي يشرب منه الدواب، ويستقي منه الناس. والفرضة: المدخل إلى النهر. وقال الخليل: الفرضة: مشرب الماء من النهر. والفرضة: مرفأ السفينة. والمهاوي: جمع مهوى ومهواة، وهو ما بين أعلى الجبل وأسفله وكل مكان عميق يهوى فيه، فإنه مهوى ومهواة. وقوله: (ومجارى الأيام في الزيادة والنقصان). معرفة هذا الذي قال: لا تكون إلا بعد معرفة هيئة الفلك ونصبة العوالم، والعلة في ذلك على ما يذكرون تردد الشمس ما بين رأس الجدي، ورأس السرطان، مدبرة عنا تارة، ومقبلة إلينا تارة، وبترددها ما بين هذين الحدين، تعظم قسي النهار مرة، وتصغر مرة، فيكون ذلك سبباً لطول النهار وقصره. وذلك أن الشمس إذا

стр. 61

صارت في رأس الجدي، كانت في أبعد بعدها عنا، وكانت حينئذ قوس النهار أصغر ما يكون، وقوس الليل أعظم ما يكون، فيكون ذلك اليوم أقصر الأيام عندنا. ثم تأخذ في الإقبال إلى الشق الشمالي فتدنو كل يوم منا، وتبدأ قوس النهار التي نمر عليها الشمس تعظم، وقوس الليل تصغر، فيزيد في طول النهار بقدر ما يزيد في قوسه، وينقص من الليل بقدر ما ينقص من قوسه. فلا تزال كذلك إلى أن تنتهي إلى رأس الحمل، فتتوسط المسافة التي بين رأس الجدي ورأس السرطان، وتتساوى قوس النهار وقوس الليل في العظم، فيكون ذلك سبباً لتساوى الليل والنهار. ثم تجوز رأس الحمل مقبلة نحونا، والنهار أخذ في الزيادة لزيادة عظم قوسه، والليل آخذ في النقصان، لزيادة صغر قوسه، إلى أن تنتهي إلى رأس السرطان، فتنتهي قوس النهار إلى غايتها في العظم، فيكون ذلك اليوم أطول يوم عندنا. وتتناهى قوس الليل في الصغر، فتكون تلك الليلة أقصر ليلة عندنا. ثم تبدأ بالرجوع نحو الشق الجنوبي مدبرة، فتبدأ قوس النهار تصغر، وقوس الليل تعظم، فينقص من النهار بقدر ما ينقص من قوسه، ويزيد في الليل بقدر ما يزيد في قوسه. فإذا انتهت إلى رأس الميزان، وصارت متوسطة من المسافة التي بين

стр. 62

رأس السرطان ورأس الجدي. استوي الليل والنهار مرة ثانية. كاستوائهما عند مرورها على رأس الحمل لتساوي القوسين. فإذا جازت رأس الميزان موغلة في الجنوب اشتد بعدها عنا واشتد صغر قوس النهار، فاشتد قصره. واشتد عظم قوس الليل، فاشتد طوله حتى ينتهي إلى رأس الجدي. وذلك دأبهما أبداً. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُر العَزيز العَلِيْم﴾. ولها ما بين رأس الجدي ورأس السرطان مائة وثمانون مشرقاً. ومائة وثمانون مغرباً، تطلع من كل مشرق منها مرتين، مرة في إقبالها إلينا، ومرة في إدبارها عنا، وتغرب في كل مغرب منها مرتين على نحو ذلك. وقوله: (والدوالي والنواعير). الدوالي: جمع دالية، وهي التي يقال لها الخطارة. سميت بذلك لأنها يدلى بها الماء. يقال: أدليت الدلو: إذا أدخلتها في البئر لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. قال مسكين الدرامي: بأيديهم مغارف من حديد ... أشها مقيرة الدوالي وقوله: (ولابد له من النظر في جمل الفقه) ... إلى آخر الفصل. فالخراج والخرج سواء، وقرئ بهما جميعاً. وهو قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. وقرئ أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير. ومعنى قوله: الخراج بالضمان: أن من اشترى شيئاً فاستغله مدة، ثم وجد به عيباً يجب

стр. 63

له به رده على صاحبه، فإنه يرده، ولا يرد ما استغله منه، لأنه كان ضامناً له لو تلف عنده، قبل ظهور العيب به. وقوله: (وجرح العجماء جبار) العجماء: البهيمة، سميت عجماء لامتناعها من الكلام، والجبار: الهدر الذي لا دية فيه. ومعناه: أن كل حدث أحدثته الدابة، هدر، لا دية فيه، إذا لم يكن معها قائد ولا راكب، ولا سائق فإن كان معها واحد من هؤلاء، كان مأخوذاً بما أحدثته، إلا فيما لا يمكنه منعها منه، كالركض بالرجل. وقد جاء في الحديث: الرجل جبار. وقوله: (ولا يغلق الرهن) يقال: غلق الرهن، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يضيع عند المرتهن أو يمسكه عن صاحبه، ولا يصرفه عليه. وهذا المعنى هو المراد بالحديث. وذلك أن الرجل في الجاهلية، كان يبيع السلعة من الرجل فيرغب إليه المبتاع أن يؤخره بالثمن إلى أجل معلوم، فيأبى البائع من تأخيره إلا برهن يضعه عنده. فإذا رأي الرهن يساوي أكثر مما له عنده، أمسكه بما له قبله، ولم يصرفه عليه، فهذا أحد المعنيين. والآخر أن الرجل كان يرهن الرهن ثم لا يريد أن يفكه إذا رأى أن رهنه لا يساوي القيمة التي عليه. وهو عكس القول الأول. وكلاهما قد فسر به الحديث، وإن كان التفسير الأول أظهر

стр. 64

التفسيرين. ومن هذا المعنى الثاني ما روى في تفسير قولهم: أهون من قعيس على عمته. قالوا: أصله أن (قعيستا) رهنته عمته في جزرة بقل اشترتها، لم ثم لم تفكه وقال: غلق الرهن. وقوله: (والمنحة مردودة) المنحة، والمنيحة: الشاة أو الناقة يعيرها الرجل صاحبه، لينتفع بلبنها مدة ثم يردها. فأراد أن إعطاءه إياها ليس يخرجها عن ملك صاحبها، إلا أن يعطيها إياه على وجه الهبة، فليس له أن يرجع فيما وهب، لقوله ﷺ : ((الراجع في هبته كالراجع في قيئه)) وقوله: (والعارية مؤداة): يريد أن إعارته إياها لا يخرجها عن ملكه، كما لم يخرج المنحة عن ملكه منحه إياها. والعارية أعم من المنحة، لأنها لا تقع على كل ما أعطاه الإنسان إعطاء ينوي استرجاعه، إذا قضي المستعير منه حاجته، فكل منحة عارية، وليست كل عارية منحة. واشتقاق العارية من التعاور وهو تداول الرجلين الشيء يفعله هذا حيناً، ويفعله هذا حيناً، ويقال: عاورته الشيء، معاورة وعواراً، كما تقول: داولته الشيء مداولة ودوالا، قال ذو الرمة: وسقط كعين الديك عاورت صاحبي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا ووزن عارية على هذا (فعليه)، وأصلها عورية، انقلبت واوها ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها.

стр. 65

وزعم بعض العلماء أنها منسوبة إلى العار، لأن استعارتها عار على مستعيرها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ ، قد استعار أدراعا من صفوان بن أمية، ولو كان ذلك عاراً ما فعله. والثاني. أن العار عينه ياء، ويدل على ذلك قولهم عيرته، كذا قال النابغة: وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار وعين العارية واو. فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقاً من الآخر. والدليل على أن العين من عارية واو، قولهم: تعاورنا العواري بيننا. وما أنشدنا من بيت ذي الرمة المتقدم. وقوله: (والزعيم غارم). الزعيم: الضامن. يقال: زعمت بالشيء أزعم زعامة. كقولك: كفلت به أكفل كفالة، قال أمية بن أبي الصلت: وإني زعيم لكم أنه ... سينجز كم ربكم ما زعم وقوله: (ولا وصية لوارث) معناه، أن الرجل إذا مات وأوصى بثلث ماله للمساكين، فليس لمن يرثه من مساكين أهله حظ في ذلك الثلث، وإنما هو لمن لاحظ له في ميراثه. وقوله: (ولا قطع في ثمر ولا كثر)، الكثر: الجمار، واحده كثرة، ومعناه: أن السارق إذا سرق ثمراً من شجرة، أو كثراً من

стр. 66

نخلة، ولم يكن تحت ثقاف وحرز، لم يلزمه قطع يده. ولكن يؤدب بما يراه الإمام. فإذا كان ذلك تحت حرز وثقاف، وسرق منه قدر ربع دينار. لزمه قطع يده. وقوله (ولا قود إلا بحديدة) القود: القصاص. ومعناه أن القاتل إذا قتل رجلاً بأي أنواع القتل كان، فإنما يقتص منه بالسيف. ومن الفقهاء من يرى أن يفعل به مثل ما فعل. وقوله (والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية) أي تساويه في العقل. فإذا بلغ العقل ثلث الدية، أخذت نصف ما يأخذه الرجل. والدية مائة بعير، أو قيمتها من الذهب أو الدراهم. فإن قطع لها إصبع وللرجل إصبع، أخذ كل واحد منهما عشراً من الإبل، فإن قطع للمرأة إصبعان وللرجل إصبعان، أخذ كل منهما عشرين من الإبل، وكذلك يأخذ كل واحد منهما في ثلاث أصابع ثلاثين. فإن قطع كل واحد منهما أربع أصابع، أخذ الرجل أربعين من الإبل وأخذت المرأة عشرين، لأن الدية قد تجاوزت الثلث. وقوله (ولا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً) العاقلة: أهل الزوجة وقرابته الذين يغرمون عنه الدية، أي إنما يعقلون عنه، إذا قتل خطأ، فأما إذا قتل عمداً، فإن الدية، عليه في صميم ماله، إن رضى بذلك ولي المقتول. ومعنى العبد: أن يقتل الرجل عبداً لغيره، فتلزمه قيمته في صميم ماله. والصلح: أن يصالح أولياء المقتول على شيء يعطيهم

стр. 67

إياه. والاعتراف: أن يقر على نفسه بأنه قتل بأنه قتل خطأ، فتلزمه الدية في ماله أيضاً. وقوله: (ولا طلاق في إغلاق): الإغلاق: الإكراه. واشتقاقه من أغلقت الباب إغلاقاً، كأن المكره سدت عليه الأبواب والسبل، فلم يجد بداً من الطلاق. وزعم بعض الناس أن الإغلاق الغضب. والإغلاق وإن كان يوجد في اللغة بمعنى الغضب، فليس المراد هنا بالحديث. ولو كان هذا صحيحاً لم يلزم أحداً طلاق، لأن كل مطلق لا يطلق إلا وهو غضبان على، عرسه غير راض. وقوله: (والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا) يعني بالبيعين: البائع والمشتري، لأن البيع في كلام العرب من الأضداد. واختلف الفقهاء في صفة الافتراق، فمنهم من يرى أنه تباعد الأشخاص وتباينها. ومنهم من يرى أنه الافتراق بالعقد، وانقطاع الكلام، وإن لم يفترق الأشخاص. وقوله: (والجار أحق بصقبه) يريد بذلك الشفعة. وبهذا الحديث أوجب العراقيون الشفعة للجار. وأما الحجازيون من الفقهاء، فإنهم لا يرون الشفعة إلا للشريك. والصقب على وجهين: يكون القرب، ويكون الشيء القريب بعينه. وقوله: (والطلاق بالرجال، والعدة بالنساء). هذا مذهب عثمان بن عفان- ﵁ ومعناه: أن الحرة إذا كانت تحت مملوك بانت عنه

стр. 68

بطلقتين، واعتدت ثلاثة قروء، وهي الأطهار على مذهب الحجازيين، والحيض على مذهب العراقيين. وإذا كانت مملوكة تحت حر بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت قرءين، فينظر في الطلاق إلى الرجل، وفي العدة إلى المرأة. وأما علي بن أبي طالب ﵁ فقال: الطلاق بالنساء والعدة بالنساء، لا ينظر إلى الرجل في شيء من الطلاق. فإن كانت حرة تحت مملوك، بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت ثلاثة قروء. وإن كانت مملوكة تحت حر، بانت عنه بطلقتين، واعتدت قرءين. فأما الفقهاء الحجازيون فأخذوا بمذهب عثمان، فجرت عليه أحكامهم. وأما الفقهاء العراقيون فأخذوا بمذهب علي، فجرت عليه أحكامهم. وفي هذا قول ثالث، قاله عبد الله بن عمر ﵁، لم يجر به حكم، وهو أنه قال: يقع الطلاق بمن رق منهما. وقوله: (وكنهيه في البيوع عن المخابرة) والمخابرة: المزارعة على جزء مما يخرج من الأرض، كالثلث والربع ونحوهما. وفي اشتقاقها قولان: أحدهما أنها مشتقة من الخبرة وهو النصيب، والخبرة أيضاً أن يشتري قوم شاة فيقتسموها .. قال عروة بن الورد: إذا ما جعلت الشاة للقوم خبرة ... فشأنك أني ذاهب لشئوني والثاني: قول ابن الأعرابي، كان يزعم أنها مشتقة من خيبر، لأن النبي ﷺ ، أقرها بأيدي أصحابها حين افتتحها، على أن يأخذ منهم

стр. 69

نصف غلاتها. ثم تنازعوا، فنهى عن ذلك. ويقال للأكار: خبير. ويقال للمخابرة: خبر أيضاً، بكسر الخاء. (والمحاقلة): فيها ثلاثة أقوال: قال قوم: هي بيع الزرع في سنبله بالحنطة ونحوها. وقيل: هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الطعام. وقيل: هي مثل المخابرة. وهذا القول أشبه بها من طريق اللغة، لأنها مأخوذة من الحقل وهو القراح. ويقال له: المحقل أيضاً. وقال الراجز. يخطر بالمنجل وسط الحقل ... يوم الحصاد خطران الفحل (والمزابنة): بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، واشتقاقها من الزبن، وهو الدفع: يقال: زبنت الناقة الحالب إذا ضربته برجلها عند الحلب. وتزابن الرجلان: إذا تخاصما. ومنه قيل: حرب زبون، لأن الناس يفرون عنها، فكأنها تزبنهم. ويجوز أن يكون قيل لها زبون، لأن كل واحد من الفريقين يزبن صاحبه، فنسب الزبن إليها. والمراد: أهلها الذين يتزابنون، كما قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. وإنما الكذب والخطأ لصاحبها. قال أبو الغول الطهوي: فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون

стр. 70

فسميت هذه المبايعة مزابنة، لأن المشتري إذا بان له أنه مغبون، أراد فسخ البيع، وأراد البائع إمضاءه، فتزابنا، أي تدافعاً وتخاصما. وكان مالك ﵁ يجعل المزاينة في كل شيء، من الجزاف الذي لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، بيع شيء [غير] مسمى الكيل والوزن والعدد. (والمعاومة) فيها قولان: قال قوم: هي بيع عصير الكرم لعامين، وكذلك حمل النخل ونحوه من الشجر. وهذا دخل في بيع الغرر، لأنه لا يجوز بيع شيء منها حتى يبدو صلاحه. وقال قوم: هي مبايعة كانت في الجاهلية يبيع الرجل من صاحبه السلعة مؤجلاً عنه ثمنها إلى انقضاء عام، فإذا انقضى العام واقتضاه الثمن، قال: ليس عندي مال، ولكن أضعف على العدد، وأجلني به إلى انقضاء عام آخر. (والثنيا): بيع الغرر المجهول الكيل والوزن. والاستثناء منه، وذلك غير جائز، لأن المستثنى منه ربما أتى على جميعه. فمن الفقهاء من لا يجيزه لا فيما قل، ولا فيما كثر. ومنهم من يجيزه إن كان المستثنى الثلث فما دونه، ولا يجيزه إن كان أكثر منه.

стр. 71

(وبيع ما لا يقبض): أن يبيع الرجل الشيء قبل أن يقبضه، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه، فهو ربح ما لم يضمن. (والبيع والسلف): أن يقول الرجل لصاحبه: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهماً، على أن تسلفني كذا وكذا، لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها، من أجل القرض. وقوله: (شرطان في بيع): أن يقول الرجل لصاحبه أبيعك هذه السلعة إلى شهر بدينار، وإلى شهرين بثلاثة دنانير وهو شبيه بيعتين في بيعة. وهذا غير جائز. فأما بيع وشرط.، ففيه خلاف. قال عبد الوارث بن سعيد: وردت مكة حاجاً فألفيت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة،

стр. 72

فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة. قال: فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط، فالبيع باطل، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشترى بريرة فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك. حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار، عن جابر قال: (بعث النبي ﷺ بعيرا، وشرط لي حملانه) إلى المدينة، فالبيع جائز، والشرط جائز ويروي ناقة. (وبيع الغرر): يقع في أشياء كثيرة، كبيع الجنين في بطن أمه، وبيع العبد في حين إباقة، وبيع عصير الكرم قبل أن يبدو صلاحه. وكذلك كل شيء لا يكون المبتاع منه على ثقة. (وبيع المواصفة): أن تبيع الشيء بالصفة من غير نظر إليه. (وبيع الكالئ بالكالئ): بيع الدين بالدين، كالرجل يسلم إلى رجل في طعام. فإذا حان وقت تقاضي الطعام، قال له المسلم

стр. 73

إليه: ليس عندي طعام أعطيكه. ولكن بعه مني. فإذا باعه منه قال: ليس عندي مال، ولكن أجلني بالثمن شهراً. وكان الأصمعي لا يهمز الكالئ ويحتج بقول الشاعر: وإذا تبا شرك الهمو ... م فإنها كال وناجز وأما أبو عبيدة معمر بن المثني، فإنه كان يهمزه، ويحتج يقول الراجز: وعينه كالكالئ المضمار والذي قاله أبو عبيدة هو الصحيح. والدليل على ذلك قولهم: تكلأت كلأة: إذا أخذت نسيئة. وكلأ الشيء: إذا بلغ منتهاه وغايته. قال الشاعر: تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعدما كلأ العمر وأما البيت الذي أنشده الأصمعي فلا حجة فيه، لأنه جاء على تخفيف الهمزة كما قال الآخر. وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالقهر واج أراد: واجئ. وقوله: (وعن تلقى الركبان): كانوا يخرجون إلى الركبان قبل

стр. 74

قبل وصولها إلى المصر، فيبتاعون السلع بأقل من أثمانها، ويخدعون الأعراب. ثم يأتون بتلك السلع إلى المصر فيبيعونها ويلغون في أثمانها: ولو ورد الأعراب بها لاشتريت منهم بأقل من ذلك، فنهوا عن ذلك. وقال رسول الله ﷺ : ((دعوا عباد الله يصيب بعضهم من بعض)). وقوله: (ليدخلها في تضاعيف سطوره): يريد بين سطوره، وفي أثنائها. وعيون الحديث: خياره. وعين كل شيء: أفضله. قال الشاعر: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين حرفان في ألف طومار مسودة ... وربما لم تجد في الألف حرفين وقوله: (ويصل بها كلامه إذا حاور) المحاورة: مراجعة الكلام. يقال: حاورته محاورة وحوار، قال عنترة: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو يدري الكلام مكلمي وقال النابغة: بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد

стр. 75

وقوله: (ومدار الأمر على القطب وهو العقل): أصل القطب ما تدور عليه الرحى، وما تدور عليه البكرة. وفيه أربع لغات: قطب على وزن خرج، وقطب على وزن فلس، وقطب على وزن عدل، وقطب على وزن عنق. وجعل عقل الإنسان قطبا له، لأن مدار أموره عليه، كما أن مدار الرحى على قطبها. وقوله: (وجودة القريحة): أصل القريحة: أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقريح السحابة: ماؤها حين ينزل. والاقتراح: ابتداع الشيء، فكأن معنى قريحة الإنسان ذهنه، وما يستخرجه به مع المعاني. وقوله: (ونحن نستحب لمن قبل غنا وأتم بكتبنا): يريد: أن المتأدب أحوج إلى تأديب أخلاقه، منه إلى تأديب لسانه. وذلك أنك تجد من العامة الذين لم ينظروا في شيء من الأدب، من هو حسن اللقاء، جميل المعاملة، حلو الشمائل، مكرم لجليسه. وتجد في ذوي الأدب، من أفنى دهره في القراءة والنظر، وهو مع ذلك قبيح اللقاء، سيئ المعاملة، جافى الشمائل، غليظ الطبع. ولذلك قيل: الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة. وقال الشاعر: يا سائلي عن أدب الخبرة ... أحسن منه أدب العشرة كم من فتى تكثر آدابه ... أخلاقه من علمه صفره والخطل من القول: الكثير في فساد. يقال: رجل أخطل: إذا كان بذئ اللسان. وبه سمى الأخطل في بعض الأقوال، وذلك أن كعب بن جعيل، كان شاعر تغلب في زمانه، وكان لا ينزل بقوم منهم إلا أكرموه، فنزل برهط الأخطل، فجمعوا له غنماً وحظروا عليها في حظيرة، فجاء
следующие страницы →