← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(وبيع ما لا يقبض): أن يبيع الرجل الشيء قبل أن يقبضه، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه، فهو ربح ما لم يضمن. (والبيع والسلف): أن يقول الرجل لصاحبه: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهماً، على أن تسلفني كذا وكذا، لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها، من أجل القرض. وقوله: (شرطان في بيع): أن يقول الرجل لصاحبه أبيعك هذه السلعة إلى شهر بدينار، وإلى شهرين بثلاثة دنانير وهو شبيه بيعتين في بيعة. وهذا غير جائز. فأما بيع وشرط.، ففيه خلاف. قال عبد الوارث بن سعيد: وردت مكة حاجاً فألفيت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة،

стр. 72

فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة. قال: فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط، فالبيع باطل، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشترى بريرة فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك. حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار، عن جابر قال: (بعث النبي ﷺ بعيرا، وشرط لي حملانه) إلى المدينة، فالبيع جائز، والشرط جائز ويروي ناقة. (وبيع الغرر): يقع في أشياء كثيرة، كبيع الجنين في بطن أمه، وبيع العبد في حين إباقة، وبيع عصير الكرم قبل أن يبدو صلاحه. وكذلك كل شيء لا يكون المبتاع منه على ثقة. (وبيع المواصفة): أن تبيع الشيء بالصفة من غير نظر إليه. (وبيع الكالئ بالكالئ): بيع الدين بالدين، كالرجل يسلم إلى رجل في طعام. فإذا حان وقت تقاضي الطعام، قال له المسلم

стр. 73

إليه: ليس عندي طعام أعطيكه. ولكن بعه مني. فإذا باعه منه قال: ليس عندي مال، ولكن أجلني بالثمن شهراً. وكان الأصمعي لا يهمز الكالئ ويحتج بقول الشاعر: وإذا تبا شرك الهمو ... م فإنها كال وناجز وأما أبو عبيدة معمر بن المثني، فإنه كان يهمزه، ويحتج يقول الراجز: وعينه كالكالئ المضمار والذي قاله أبو عبيدة هو الصحيح. والدليل على ذلك قولهم: تكلأت كلأة: إذا أخذت نسيئة. وكلأ الشيء: إذا بلغ منتهاه وغايته. قال الشاعر: تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعدما كلأ العمر وأما البيت الذي أنشده الأصمعي فلا حجة فيه، لأنه جاء على تخفيف الهمزة كما قال الآخر. وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالقهر واج أراد: واجئ. وقوله: (وعن تلقى الركبان): كانوا يخرجون إلى الركبان قبل

стр. 74

قبل وصولها إلى المصر، فيبتاعون السلع بأقل من أثمانها، ويخدعون الأعراب. ثم يأتون بتلك السلع إلى المصر فيبيعونها ويلغون في أثمانها: ولو ورد الأعراب بها لاشتريت منهم بأقل من ذلك، فنهوا عن ذلك. وقال رسول الله ﷺ : ((دعوا عباد الله يصيب بعضهم من بعض)). وقوله: (ليدخلها في تضاعيف سطوره): يريد بين سطوره، وفي أثنائها. وعيون الحديث: خياره. وعين كل شيء: أفضله. قال الشاعر: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين حرفان في ألف طومار مسودة ... وربما لم تجد في الألف حرفين وقوله: (ويصل بها كلامه إذا حاور) المحاورة: مراجعة الكلام. يقال: حاورته محاورة وحوار، قال عنترة: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو يدري الكلام مكلمي وقال النابغة: بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد

стр. 75

وقوله: (ومدار الأمر على القطب وهو العقل): أصل القطب ما تدور عليه الرحى، وما تدور عليه البكرة. وفيه أربع لغات: قطب على وزن خرج، وقطب على وزن فلس، وقطب على وزن عدل، وقطب على وزن عنق. وجعل عقل الإنسان قطبا له، لأن مدار أموره عليه، كما أن مدار الرحى على قطبها. وقوله: (وجودة القريحة): أصل القريحة: أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقريح السحابة: ماؤها حين ينزل. والاقتراح: ابتداع الشيء، فكأن معنى قريحة الإنسان ذهنه، وما يستخرجه به مع المعاني. وقوله: (ونحن نستحب لمن قبل غنا وأتم بكتبنا): يريد: أن المتأدب أحوج إلى تأديب أخلاقه، منه إلى تأديب لسانه. وذلك أنك تجد من العامة الذين لم ينظروا في شيء من الأدب، من هو حسن اللقاء، جميل المعاملة، حلو الشمائل، مكرم لجليسه. وتجد في ذوي الأدب، من أفنى دهره في القراءة والنظر، وهو مع ذلك قبيح اللقاء، سيئ المعاملة، جافى الشمائل، غليظ الطبع. ولذلك قيل: الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة. وقال الشاعر: يا سائلي عن أدب الخبرة ... أحسن منه أدب العشرة كم من فتى تكثر آدابه ... أخلاقه من علمه صفره والخطل من القول: الكثير في فساد. يقال: رجل أخطل: إذا كان بذئ اللسان. وبه سمى الأخطل في بعض الأقوال، وذلك أن كعب بن جعيل، كان شاعر تغلب في زمانه، وكان لا ينزل بقوم منهم إلا أكرموه، فنزل برهط الأخطل، فجمعوا له غنماً وحظروا عليها في حظيرة، فجاء

стр. 76

الأخطل- وإسمه: غويث بن غياث- وهو يومئذ صبي، فأخرج الغنم من الحظيرة، فخرج كعب إليه فشتمه، ودعا قوماً، فأعانوه على ردها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، فأخرجها من الزريبة، فقال كعب: يا بني مالك، كفوا عني غلامكم. فقال الأخطل: إن هجوتنا هجوناك. فقال: ومن يهجوني؟ قال: أنا فقال كعب: ويل لذاك الوجه غب الحمة. أراد غبا الحمة فحذف التنوين لالتقاء الساكنين والحمة: السواد: فقال الأخطل ... ... فقال كعب بن جعيل،: إن غلامكم هذا لأخطل، ولج بينهما الهجاء، فقال الأخطل: وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل ففزع كعب وقال: والله لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين وعلمت أني سأهجى به. وقد قيل: إنه سمى الأخطل، لأن ابني جعيل وأمهما تحاكموا إليه، فقال: لعمرك إنني وابني جعيل ... وأمهما لإستار لئيم فقالوا له: إنك الأخطل. والإستار: أربعة من العدد ورفث المزح ما كان فيه ذكر النكاح والإسوة والأسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة .. والدعابة: الفكاهة. والمزاح: [مصدر، مازح]، ويقال: مزح ومزاح، ومزاحة وممازحة، بمعنى واحد.

стр. 77

ويقال: توفى الرجل: إذا مات وتوفى: إذا نام. لأن حال النوم حال تضارع الموت، كما أن حال اليقظة، تضارع حال الحياة. ولذلك قال الشاعر: نموت ونحيا كل يوم وليلة ... ولابد يوماً أن تموت ولا نحيا وقال المعري: وبين الردى والنوم قربى ونسبة ... وشتان برء للنفوس وإعلال والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين، اسمه هشام بن حسان، غاب عن مجلس ابن سيرين فقال له رجل:- أحسبه غالباً التمار-، فلماذا أرى هشاماً قد غاب اليوم عن مجلسنا؟ فقال ابن سيرين أما علمت أنه توفى البارحة؟ اقتضى ذكر الشيء الملفف في البجاد وذكر السخينة في هذه الممازحة، أن معاوية كان قرشياً، وكانت قريش تعير بأكل السخينة، وكان السبب في ذلك أن النبي ﷺ ، لما بعث فيهم، وكفروا به، دعا الله تعالى عليهم، وقال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) فأجدبوا سبع سنين، فكانوا يأكلون الوبر بالدم، ويسمونه العلهز. وكان أكثر قريش إذ ذاك يأكلون السخينة، فكانت قريش تلقب (سخينة). ولذلك يقول حسان بن ثابت: زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب

стр. 78

وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن قريشاً كانت تلقب سخينة، لأكلهم السخن، وأنه لقب لزمهم قبل مبعث النبي ﷺ . ويدل على صحة ما ذكره قول خداش بن زهير، ولم يدرك الإسلام: ياشدة ما شددنا يوم ذاك على ... ذوى سخينة لولا الليل والحرم وأما الأحنف بن قيس فإنه كان تميماً. وكانت تميم تعير بحب الطعام وشدة الشرة إليه. وكان السبب الذي جر دلك، أن أسعد بن المنذر أخا عمرو ابن هند، كان مسترضعاً في بني دارم في حجر حاجب بن زرارة بن عدس. وقيل في حجر زرارة، فخرج يوماً يتصيد، فلم يصب شيئاً، فمر بإبل سويد بن ربيعة الدرامي، فنحر منها بكره فقتله سويد. فقال عمرو بن ملقط الطائي يحرض عمرو بن هند: من مبلغ عمرا بأن ... المرء لم يخلق صباره ونوائب الأيام لا ... تبقى عليهم الحجارة ها إن عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أواره تسفى الرياح خلال كش ... حية وقد سلبوا إزاره فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره

стр. 79

فغزاهم عمرو بن هند يوم القصيبة، ويوم أواراة ثم أقسم ليحرقن منهم مائة رجل، فبذلك سمى محرقاً. فأخذ لهم منه تسعة وتسعون رجلاً، فقذفهم في النار. وأراد أن يبر قسمه بعجوز منهم، ليكمل العدة التي أقسم عليها. فلما أمر بها قالت: ألا من فتى يفدى هذه العجوز بنفسه!! ثم قالت: (هيهات صارت الفتيان حمما)!، وأدركه النهم والشره، فأقبل حتى وقف على الملك فقال: من أنت؟ فقال: وافد البراجم. فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم فذهبت مثلاً، ثم أمر به فقذف في النار. ففي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق: أين الذين بنار عمرو حرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع وقال أيضاً: وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم ... وأدرك عماراً شقي البراجم

стр. 80

وقال الطرماح ودارم قد قذفنا منهم مائة ... في جاحم النار إذ ينزون بالجدد ينزون بالمستوى منها ويوقدها ... عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام لطمع البرجمي في الأكل. فقال يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي: ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما وقال أبو المهوش الأسدي: إذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد تراه يطوف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد قوله: (إذا ما مات ميت من تميم): فيه رد علي أبي حاتم السجستاني ومن ذهب مذهبه، لأن أبا حاتم كان يقول: قول العامة مات الميت: خطأ والصواب: مات الحي. وهذا الذي أنكره غير منكر، لأن الحي قد يجوز أن يسمى ميتاً، لأن أمره يئول إلى الميت. كما يقال للزرع قصيل، لأنه يقصل أي يقطع. وتقول العرب: بئس الرمية الأرنب، فيسمونها رمية، لأنها مما يرمي. ويقال للكبش الذي يراد ذبحه: ذبيحة، وهو لم يذبح،

стр. 81

وأضحية ولم يضح بها. وقال الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإنما يعصر العنب وهذا النوع في كلام العرب كثير. والعجب من إنكار أبي حاتم إياه مع كثرته. وقد فرق قوم بين الميت بالتشديد، والميت بالتخفيف. فقالوا: الميت بالتشديد: ما سيموت، والميت بالتخفيف: ما قد مات. وهذا خطأ في القياس، ومخالف للسماع. أما القياس، فإن ميت المخفف إنما أصله ميت فخفف. وتخفيفه لم يحدث فيه معنى مخالفاً لمعناه في حال التشديد، كما يقال: هين وهين، ولين ولين، فكما أن التخفيف في هين ولين لم يحل معناهما، فكذلك تخفيف ميت. وأما السماع فإنا وجدنا العرب لم تجعل بينهما فرقاً في الاستعمال، ومن أبين ما جاء في ذلك قول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وقال ابن قنعاس الأسدي: ألا يا ليتني والمرء ميت ... وما يغني عن الحدثان ليت

стр. 82

ففي البيت الأول سوى بينهما. وفي البيت الثاني جعل الميت المخفف: الحي الذي لم يمت، ألا ترى أن معناه والمرء سيموت، فجرى مجرى قوله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وقال آخر: إذا شئت آذاني صروم مشيع ... معي وعقام تتقي الفحل مقلت يطوف بها من جانبيها ويتقي ... بها الشمس حتى في الأكارع ميت يريد الظل: فجعل الميت (بالتشديد): ما قد مات. وقوله: (بخبز أو بتمر أو بسمن) بدل من قوله: بزاد. أعاد معه حرف الجر، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ﴾ والملفف في البجاد: وطب اللبن، يلف فيه، ويترك حتى يروب. والوطب: زق اللبن خاصة. والبجاد: الكساء فيه خطوط. وقوله: (حرصا) ينتصب على وجهين: أحدهما: أن يكون مصدراً سد مسد الحال، كما يقال: جئته ركضا، وخرجت عدواً، يريد: راكضاً، وعادياً، وحريصاً. والوجه الثاني: أن يكون مفعولاً من أجله. وإنما ذكر لقمان بن عاد لجلالته وعظمته. يريد أنه لشدة نهمه وشرهه إذا ظفر بأكلة، فكأنه قد ظفر برأس لقمان، لسروره بما نال، وإعجابه بما وصل إليه. وهذا كما يقال لمن يزهي بما فعل، ويفخر بما أدركه، كأنه قد جاء برأس خاقان.

стр. 83

وهذا الكلام الذي درى بين معاوية والأحنف يسمى التعريض، لأن كل واحد منهما عرض لصاحبه بما تسب به قبيلته، من غير تصريح. ونظيره ما يحكى أن رجلاً من بني نمير زار رجلاً من بني فقعس، فقال له الفقعسي: مالك لا تزورنا؟ فقال له النميري: والله إني لآتيك زائراً مراراً كثيرة. ولكني أجد على بابك شيئاً قذرا، فأنصرف ولا أدخل. فقال له الفقعسي: اطرح عليه شيئاً من تراب وادخل. عرض له النميري بقول الشاعر: ينام الفقعسي ولا يصلي ... ويحدث فوق قارعة الطريق وعرض له الفقعسي بقول جرير في هجائه بني نمير: ولو وطئت نساء بني نمير ... على التوراب أخبثن الترابا ويشبه ذلك أيضاً ما يروي من أن شريك بن عبد الله النميري، ساير عمر بن هبيرة الفزاري يوماً فبدرت بغلة شريك، فقال له ابن هبيرة: غض من لجام بغلتك فقال شريك: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير: فضحك ابن هبيرة وقال: لم أرد ما ذهبت إليه وتوهمته. عرض له ابن هبيرة بقول الشاعر: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا وعرض له شريك بن عبد الله بقول سالم بن دارة:

стр. 84

تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصيك واكتبها بأسيار وكان بنو فزارة ينسبون إلى غشيان الإبل. وقوله: (وأراد الأحنف أن قريشاً كانت تعير بأكل السخينة) هكذا رويناه عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. وهذا يخالف ابن قتيبة في هذا الكتاب، لأنه قال: وتقول: عيرتني كذا، ولا تقول: عيرتني بكذا. وأنشد للنابغة. وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار وقد تأملته في عدة من النسخ المضبوطة الصحاح، فوجدته بالباء. والصحيح في هذا أنهما لغتان، وإسقاط الباء أفصح وأكثر والحساء والحسو: لغتان. والعجف: الضعف والهزال. وأراد بالمال هاهنا: الحيوان. وكذا تستعمله العرب في أكثر كلامها. وقد يجعلون المال اسماً لكل ما يملكه الإنسان: من ناطق وصامت. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ وقال ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمال في هاتين الآيتين عام لكل ما يملك، لا يخص به شيء دون شيء. وكلب الزمان! شدته. وأصل الكلب: سعار يصيب الكلاب، فضرب بذلك مثلاً للزمان الذي يذهب بالأموال، ويتعرق الأجسام، كما سموا السنة الشديدة ضبعاً، تشبيها له بالضبع.

стр. 85

وقالوا: أكله الدهر، وتعرقة الزمان. قال العباسي بن مرداس السلمي أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع وقوله: (ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتعقيب) قال أبو علي: التقعير: أن يتكلم بأقصى قعر فمه. يقال: قعر في كلامه تقعيراً. وهو مأخوذ من قولهم: قعرت البئر وأقعرتها: إذا عظمت قعرها. وإناء قعران، إذا كان عظيم القعر، فكأن المقعر: الذي يتوسع في الكلام ويتشدق. ويجوز أن يكون من قولهم: قعرت النخلة فانقعرت: إذا قلعتها من أصلها، فلم تبق منها شيئاً. فيكون معنى المقعر من الرجال الذي لا يبقى من الفصاحة والتشدق إلا أتى عليها. والتقعيب: أن يصير فمه عند التكلم كالقعب، وهو القدح الصغير وقد يكون الكبير. وقوله: (أن سألتك ثمن شكرها وشبرك) أنشأت تطلها وتضهلها): الشكر: الفرج. والشبر: النكاح. يقال: شبر الفحل الناقة: إذا علاها. وفي الحديث أنه نهى عن شبر الفحل، والمعنى عن ثمن شبر الفحل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقوله: (أنشأت): أقبلت وابتدأت. ومنه يقال: أنشأ الشاعر يقول كذا. ومنه قول الراجز:

стр. 86

يا ليت أم الغمر كانت صاحبي ... مكان من أنشأ على الركائب ومعنى تطلها: تسعى في بطلان حقها من قولهم: طل دمه وأطل: ذهب هدراً ويجوز أنه يريد يقلل لها العطاء، فيكون مأخوذاً من الطل، وهو أضعف المطر. يقال: طلت الروضة: إذا أصابها الطل فهي مطلولة. قال الشاعر: لها مقلتا أدماء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها وهذا بيت مشكل الإعراب لأن فيه تقديماً وتأخيراً. وتقديره: لها مقلتا أدماء من الوحش، ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. فانتصب الخميلة بترعى وارتفع العرار بطل. وقوله: (وتضهلها): أي تعطيها حقها شيئاً بعد شيء، من قولهم: بئر ضهول: إذا كان ماؤها يخرج من جرابها، وهو ناحيتها، وإنما يكثر ماؤها إذا خرج من قعرها. وقوله: (وكقول عيسى بن عمر ويوسف بن هبيرة يضربه بالسياط) كذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. ولم يكن ابن هبيرة

стр. 87

الضارب لعيسى ابن عمر، إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته العراق، بعد خالد بن عبد الله القسري. ووجدت في بعض النسخ عن أبي علي البغدادي: (ويوسف بن عمر بن هبيرة بضربه بالسياط)، فإن كان هذا صحيحاً، فكلام ابن قتيبة لا اعتراض فيه. ووقع في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي على ما ذكره ابن قتيبة. وكان عيسى ابن عمر هذا شديد التقعير في كلامه. ومما يحكى من تشدقه أنه قال: أتيت الحسن البصري مجرمزاً حتى اقعنبيت بين يديه، فقلت له: يا أبا سعيد: أرأيت قول الله تعالى ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فقال: هو الطبيع في كفراه. ولعمري إن الآية لأبين من تفسيره. والطلع: أول ما يطلع في النخلة من حملها قبل أن ينشق عنه غشاؤه الذي يستره، فإذا انشق عنه غشاؤه، قيل له: الضحك، لأنه أبيض يشبه انشقاقه وبروزه بظهور الأسنان عند الضحك. والطبيع بكسر الطاء والباء وتشديدهما: الطلع بعينه. ويقال له: الطبيع أيضاً بفتح الطاء، وتخفيف الباء، والكفرى بضم الفاء وفتحها: الغشاء الذي يكون فيه الطلع. ويقال له أيضاً: الكمام والكم. قال الله تعالى ﴿ومَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ والمجرمز: المسرع. ومعنى اقعنبيت: جلست جلسة مستوفز.

стр. 88

ويروى أن رجلاً من المتقعرين مرضت أمه، فأمرته أن يصير إلى المسجد، ويسأل الناس الدعاء لها، فكتب في حيطان المسجد صين وأعين رجل دعا لامرأة مقسئنة عليلة، بليت بأكل هذا الطرموق الخبيث، أن يمن الله عليها بالاطرغشاش والابرغشاش. فما قرأ أحد الكتاب إلا لعنه وأمه. يريد بقوله: صين وأعين: صانه الله وأعانه، على معنى الدعاء. والمقسئنة: المتناهية في الهرم والشنج. يقال اقسأن العود إذا اشتد وصلب وذهبت عنه الرطوبة واللين والطرموق: الطفل فإذا قلت الطمروق، بتقديم الميم على الراء: هو الخفاش. ويقال: اطرغش الرجل من من مرضه وابرغش، وتقشقش: إذا أفاق وبرأ. وكان يقال ﴿قُلْ هُو اللهُ أَحَد﴾ و ﴿قٌلْ يَا أَيُّها الكَافِرُون﴾ المقشقشتان. يراد أنهما تبرئان حافظهما من النفاق والكفر، قال الشاعر: أعيذك بالمقشقشتين مما ... أحاذره ومن شر العيون وكان أبو علقمة النحوي ممن ينحو نحو عيسى بن عمر في التقعر. وكان يعتريه هيجان مراراً في بعض الأوقات. فهاج به في بعض الطريق فسقط إلى الأرض مغشياً عليه. فاجتمع الناس حوله، وظنوه مجنوناً. فجعلوا يقرءون في أذنه، ويعضون على إبهامه. فلما ذهب ما كان به، فتح عينيه، فنظر إلى

стр. 89

الناس يزدحمون عليه فقال: ما لكم تتكأكئون على كأنما تتكأكئون على ذي جنة. افرنقعوا عني. فقال رجل منهم: فإنه شيطانه يتكلم بالهندية. يقال: تكأكأ الرجل عن الشيء: إذا انحنى وتقاصر دونه. ومنه قيل للقصير: متكأكئ. وتكأكأ القوم: إذا تضايقوا وازدحموا. فإذا قيل: تكأكأ عن الشيء، فمعناه: ارتدع ونكص على عقبه. وإلا فرنقاع: الزوال عن الشيء. ومن طريف أخبار المتقعرين ما روى من أن الجرجرائي كان له كاتب يتقعر في كلامه، فدخل الحمام في السحر، فوجده خالياً. فقال لبعض الخدم: ناولني الحديدة التي تمتلخ بها الطؤطؤة من الإخفيق. فلم يفهم قوله. وعلم بهيئة الحال أنه يطلب ما يزيل به الشعر عن عانته، فأخذ كستبان النورة، فصبه عليه. فخرج وشكا به إلى صاحب المدينة، فأمر بالخادم إلى السجن. فوصل الأمر بالجرجرائي فضحك، واستطرف ما جرى. وأمر بالخادم فأطلق، وألحقه بجملة أتباعه. أراد بقوله: تمتلخ: تنزع وتزال، من قولهم: أمتلخت غصناً من من الشجر: إذا قطعته. وملخت اللجام عن رأس الفرس: إذا نزعته.

стр. 90

والطؤطؤة: شعر العانة. ويقال له: الشعرة أيضاً. والإخفيق: الشق يكون في الأرض. ويقال: استحد الرجل واستعان: إذا حلق عانته. حكاه أبو عمر المطرز. ويقال من النورة: انتار الرجل انتياراً، وانتور انتوراً، وتنور تنوراً وكان أبو العباس أحمد بن يحيي ثعلب ينكر تنور، ويزعم أنه لا يقال: تنور إلا إذا نظر إلى النار، كما قال امرؤ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وقد أنشد أبو تمام في الحماسة ما يدل على خلاف ما قال ثعلب، وهو لعبيد بن قرط الأسدي، وكان دخل الحضرة مع صاحبين له، فأحب صاحباه دخول الحمام، فنهاهما عن ذلك، فأبيا إلا دخوله، ورأيا رجلاً يتنور فسألا عنه فأخبرا بخبر النورة، فأحبا استعمالها فلم يحسنا وأحرقتهما النورة وأضرت بهما فقال عبيد: لعمري لقد حذرت قرطاً وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ماءه يتسعر فما منهما إلا أتاني موقعاً ... به أثر من مسها يتعشر

стр. 91

أجدكما لم تعلما أن جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنور ولم تعلما حمامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء بالجذل يخطر وقوله: (وينافسون في العلم) المنافسة: أن تشتد رغبة الرجل في الشيء، حتى يحسد غيره عليه أو يغبطه. وهي مشتقة من النفس، يراد ميل النفس إلى الأمر، وحرصها عليه. قوله: (ويرونه تلو المقدار) التلو: التابع. فإذا قلت: (تلو) بفتح التاء، فهو المصدر من تلوته أتلوه .. والمقدار هاهنا: بمعنى القدر الذي يراد به القضاء السابق. ومعنى كون العلم تبعا للمقدار، أن الله تعالى قدر في سابق علمه، أن يكون العلم عزا لصاحبه وشرفا. والجهل ذلاً ومهانة، فيه النجاة، وبعدمه الهلاك. وإنما أخذ هذا من قوله ﷺ : ((من استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب)). وقد ألم أبو الطيب المتنبي بنحو هذا لمعنى في قوله: كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدوداً ويجوز أن يريد بالمقدار، قيمة الإنسان. كما يقال: ما لفلان عندي قدر ولا قدر، ولا مقدار، أي قيمة. فيكون مثل قول علي ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسن. فإن قال قائل: كان ينبغي على هذا التأويل الثاني أن يقول: ويرون المقدار تلو العلم لأن قيمة الرجل هي التابعة لعلمه. فالجواب أن هذا التأويل يصح على وجهين: أحدهما: أن يزيد مقدار الإنسان

стр. 92

عند الله تعالى أي أن الله تعالى يهب له من العلم بحسب مكانته عنده. وهذا نحو مما ذكرناه من قوله ﷺ : ما استرذل الله عبداً! إلا حظر عليه العلم والأدب. فيكون راجعاً إلى المعنى الأول. والوجه الثاني: أن يريد مقداره عند الناس، فيكون على هذا الوجه قد أجرى الاسم الذي هو (التلو) مجرى المصدر، الذي هو التلو. كما أجرى القطامي العطاء مجرى الإعطاء في قوله: وبعد عطائك المائة الرتاعا ويكون قد جعل المصدر: بمعنى المفعول، كما قالوا: درهم ضرب الأمير. أي مضروبه. فكأنه قال: ويرونه متلو المقدار، أي يرونه الشيء الذي يتلوه المقدار. ولقائل أن يقول: إن قيمة الإنسان لما كانت مرتبطة بعلمه، صار علمه أيضاً مرتبطاً بقيمته، كالشيئين المتلازمين، اللذين يوجد كل واحد منهما بوجود الآخر، فصار كل واحد منهما تبعاً للآخر من هذه الجهة، وإن لم يكونا كذلك من جهة أخرى. وقوله: وقد قال رسول الله ﷺ : (إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون المتشدقون).

стр. 93

هذه الألفاظ كلها: يراد بها المتنطعون في الكلام، المكثرون. فاشتقاق الثرثارين من قولهم: عين ثرثارة: إذا كانت كثيرة الماء، وضرع ثرثار: إذا كان غزير اللبن. قال الراجز يصف ناقة: لشخبها في الصحن للاعشار ... بريزة كصخب الممارى واشتقاق المتفيهقين من قولهم: فهق الغدير يفهق: إذا امتلأ ماء، فلم يكن فيه موضع مزيد. قال الأعشي: نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق واشتقاق المتشدقين، من الشدقين، يراد به الذين يفحتون أشداقهم بالقول. يقال: رجل أشدق: إذا كان واسع الشدقين، جهير المنطق، متنطعاً في الكلام. وبه سمى عمرو بن سعيد، الأشدق. وفيه يقول القائل: تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبالك أشدق وقد جاء في بعض الحديث، قيل يا رسول الله، وما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. هذا غير خارج عما قاله أهل اللغة، لأن المتكبر المعجب بنفسه، يدعوه إعجابه بنفسه وتكبره، إلى التنطع في كلامه. وقوله: (ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب): يقول: لا ينبغي للمتأدب أن يستعمل في كلامه مع عوام

стр. 94

الناس الإعراب، على حسب ما تستحقه الألفاظ في صناعة النحو. فإنه إن فعل ذلك، استخف به، وصار هزأة لمن يسمعه. وخرج إلى التقعر الذي تقدم ذكره. وإنما ينبغي للمتأدب أن يقصد الألفاظ. السهلة، والإعراب السهل، ويكون على كلامه ديباجة وطلاوة، تدل على أنه متأدب ويجعل لكلامه مرتبة بين الألفاظ السوقية، والألفاظ الوحشية فقد قال ﷺ : ((خير الأمور أوساطها.)) ومن هذه الجهة أتى المتقعرون. فإنهم حسبوا أن مكانتهم من الأدب لا تعرف حتى يستعملوا الألفاظ الحوشية، فصاروا ضحكة للناس. كما يحكى من أن رجلاً من المتأدبين، أراد شراء أضحية، فقال لبعض البائعين للأضاحي: بكم هذا الكبش (بكسر الكاف)، فضحك كل من سمعه. فلامه بعض أصحابه، وقال له: لم لم تقل كبش (بفتح الكاف) كما يقول الناس؟ فقال: كذا كنت أقول قبل أن أقرأ الأدب. فما الذي أفادتني القراءة إذن. وقوله: (فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للشغة.) ... إلى آخر الفصل. معنى سام نفسه للثغة: كلفها ذلك. واللثغ في اللسان: أن يتعذر عليه النطق بالحرف على وجهه، حتى يقلبه حرفاً آخر. وليس يكون ذلك في كل حرف. إنما يكون في القاف، والكاف، والسين، واللام، والراء، وقد يوجد في الشين المعجمة. فاللثغة في السين، تكون بأن تبدل ثاء، فيقال في ((بسم الله)): بثم الله. واللثغة في القاف تكون بأن تبدل طاء. فيقال في قال لي:

стр. 95

طال لي. وتكون أيضاً بأن تبذل كافاً. فيقال في قال لي: كال لي. واللثغة في الكاف تكون بأن تبدل همزة فيقال في كان كذا: آن إذا. واللثغة في اللام بأن تبدل ياء فيقال في جمل: جمى. وقد تكون بأن تبدل كافاً، فيقال في جمل: جمك كما حكى الجاحظ عن عمر أخي هلال: أنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا قال، ما اكعكة في هذا. وأما اللثغة التي تعرض في الراء، فذكر الجاحظ أنها تكون في ستة أحرف: العين، والغين، والدال، والياء، واللام، والظاء المعجمة. وذكر أبو حاتم السجستاني أنها تكون أيضاً في الهمزة. وكان واصل بن عطاء فصيح اللسان، حسن المنطق بالحروف كلها إلا الراء، فإنه كان يتعذر عليه إخراجها من مخرجها، فأسقطها من كلامه. فكان يناظر الخصوم ويجادلهم، ويخطب على المنبر، فلا يسمع في منطقة راء. فكان أمره إحدى الأعاجيب. ومما يحكى عنه من تجنبه الراء، قوله وقد ذكر بشاراً بن برد: أما لهذا الأعمى المشنف المكني يأبى معاذ، إنسان يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق في أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجه. ثم لا يكون إلا عقيلياً أو سدوسياً. فقال الأعمى، ولم يقل الضرير، ولا بشار بن برد. وقال: المشنف، ولم يقل المرعث،

стр. 96

وبذلك كان يلقب. وقال: إنسان ولم يقل رجل. وقال: الغيلة، ولم يقل الغدر، وهم سواء. وقال: الغالية، ولم يقل المنصورية، ولا المغيرية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت. وقال من يبهج بطنه ولم يقل يبقر. وقال على مضجعه، ولم يقل على فراشه. وقال الجاحظ عن قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل بن عطاء. ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر وقال: سألت عثمان البري: فكيف كان واصل يصنع في العدد في عشرة، وعشرين، وأربعين؟ وكيف كان يصنع بالقمر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان؟ وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، ورجب، فقال: مالي فيه قول إلا ما قال صفوان: ملقن ملهم فيما يجادله ... جم خواطره جواب آفاق

стр. 97

وهذه الألفاظ كلها يمكن أن تبدل بألفاظ آخر، لا راء فيها. ولا يتعذر على من كان له بصر باللغة فإنك لا تكاد تجد لفظة فيها راء، إلا وتجد لفظة أخرى في معناها لا راء فيها، لأن العرب توسعت في لغتها، ما لم تتوسع أمة من الأمم، حتى إنك تجدهم قد جعلوا للشيء الواحد عشرة أسماء، وعشرين، وأكثر من ذلك. فقد قيل: إن الأسدله مائة اسم، وكذلك الحمار. وأن للداهية أربعمائة اسم. ولذلك قال علي بن حمزة: من الدواهي كثرة أسماء الدواهي. فكما قالوا الشعر والفرع، فكذلك قالوا: الهلب. وقالوا لما كثر منه: الدبب، ولما صغر: الزغب. والدبب: بالدال غير معجمة. قال الراجز: قشر النساء دبب العروس وكما قالوا: الشعرة والوفرة، فكذلك قالوا: اللمة والجمة. وكما قالوا: الغدائر والضفائر، فكذلك قالوا: النواصي والذوائب، والعقاص والعقائص، والقصائب، والمسائح، والغسن والخصل. وللقمر عشرة أسماء منها ما فيه راء، ومنها ما لا راء فيه. فمن أسمائه التي فيها راء القمر، والباهر، والبدر، والزبرقان والسنمار. ومن أسمائه التي لا راء فيها الطوس، والجلم والغاسق والمتسق، والوباص.

стр. 98

وفي حديث عائشة ﵂، أنها قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، وأشار إلى القمر، وقال: استعيذي بالله، من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب. وأما ما ذكره من أسماء العدد والشهور، فقد كان يمكنه أن يقول مكان عشرة (نواتان)، لأن النواة خمسة دراهم. ويقال لعشرين نش، ولأربعين: أوقية. ويمكنه أن يقول لعشرة: نصف نش، ولأربعين: نشان، قال الراجز: إن التي زوجها المخش ... من نسوة مهورهن النش ويقال لأربعة من العدد: وخزة. ويقال لربيع الأول: خوان. ولربيع الآخر: وبصان، وبصان. ولرجب: منصل الأسنة، ومنصل الأل. قال الأعشي: تداركه في منصل الأل بعدما ... مضى غير دأ داء وقد كاد يعطب وقد كان يمكنه إذا أراد أن يقول المحرم وصفر، أن يقول: مفتتح عامكم والتالي له،. أو أول سنتكم، ونحو ذلك. ويقول مكان جمادي

стр. 99

الأخرى جمادي الثانية ويقول مكان شهر رمضان: أوان صيامكم وإذا أراد أن يقول يوم الأربعاء، قال: اليوم الذي أهلكت فيه عاد، أو يقول: يوم النحس، لأن المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ إنه كان يوم الأربعاء. وقوله: (حتى انقاد له طباعه): قال أبو حاتم: الطباع: واحد مذكر، بمعنى الطبع ومن أنثه ذهب إلى معنى الطبيعة. وقد يجوز أن يكون الطباع جمع طبع بمنزلة كلب وكلاب. وقوله: (وحشي الغريب): يريد ما لم تجر العادة باستعماله، أو كان قليل الاستعمال، شبه بالوحش من الحيوان وهو ما يفر من الإنسان ولا يأنس به. وقوله: (وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلى جيشاً لجباً عرمرما): لا أعلم من الكاتب القائل لهذا الكلام. والجيش: العسكر، سمى بذلك، لما فيه من الحركة والاضطراب. واشتق من قولهم: جاشت القدر تجيش: إذا همت بالخروج، قال ابن الإطنابة: وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكنك تحمدي أو تستريحي واللجب: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم في قول الأصمعي: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم: الكثير العدد. وفي قول أبي عبيدة: الشديد البأس، مأخوذ من العرامة. وقول أبي عبيدة أشبه بالاشتقاق. وإن كان قول الأصمعي راجعاً إلى نحو ذلك المعنى.

стр. 100

وقوله: (وكقول آخر في كتابه: عضب عارض ألم ألم، فأنهيته عذراً): لا أعلم هذا الكتاب لمن هو. ورأيت في بعض الحواشي المعلقة، أنه أحمد بن شريح الكاتب، ولا أعلم من أحمد بن شريح هذا. ومعنى عضب: قطع. والألم: المرض. وعارضه: ما يعرض للمريض منه. وألم: نزل. وقوله: (فأنهيته عذرا): أي جعلته النهاية في العذر. والمخاطب بهذا رجل كان كلفه أمراً فضمن له السعي فيه، فقطع به عن ذلك مرض أصابه، فكتب إليه يعتذر من تأخر سعيه بالمرض الذي عاقه عنه. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الكلام في آلة الكتاب، وغير ذلك من كتبه، فلم يسم قائله من هو. والبسطة: السعة والانبساط في العلم وغيره. وقوله: (طغيان في القلم) كذا وقع في النسخ. وكان أبو علي البغدادي يقول: حفظني طغيان القلم. والعرب تختلف في تصريف الفعل من الطغيان. فمنهم من يقول: طغيت يا رجل. ومنهم من يقول طغوت بالواو. ولم يختلفوا في الطغيان أنه بالياء. ومنهم من يكسر الطاء فيقول: الطغيان حكى ذلك الفراء. وقوله: (ونستحب له أن ينزل ألفاظه في كتبه): تنزيل الكلام. ترتيبه، ووضع كل شيء منه في مرتبته اللائقة به. وذكره في الوقت الذي ينبغي أن يذكر فيه. قال الله تعالى ﴿وَنَزَلْناهُ تَنْزِيلا﴾.

стр. 101

وقوله (إلى الأكفاء والأستاذين): الأكفاء: النظراء، واحدهم: كفء، بضم الكاف وتسكين الفاء، وكفء وكفء بفتح الكاف وكسرها مع سكون الفاء. وكنمو بضم الكاف، وكفى على مثال نبئ وكفاء، على مثال رواء. والأستاذ: لفظة فارسية عربتها العرب. والفرس يرفعونها على العالم بالشيء، الماهر فيه، الذي يبصر غيره ويسدده. ومثلها من كلام العرب الرباني: وهو العالم المعلم. قال الله تعالى ﴿ولَكِنْ كونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. وقوله (وليس يفرقون بين ما يكتب إليه: أنا فعلت وبين من يكتب إليه: ونحن فعلنا ذلك) كذا الرواية عن ابن قتيبة. وقال أبو علي البغدادي: والصواب بين من يكتب عن نفسه: (أنا فعلت)، وبين من يكتب عن نفسه: (ونحن فعلنا) لأن هذا أمر يخص الكاتب دون المكتوب إليه. والذي قاله أبو علي: هو الصحيح الذي لا مدفع فيه، وإن كان قول ابن قتيبة قد يمكن أن يوجه له وجه يصح به، إذا حمل عليه. وذلك أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن نفسه، نحن فعلنا ذلك، إلا إلى من هو كفء له في المنزلة، أو من هو دونه في المرتبة، ولا يجوز أن يكتب بذلك إلى من يعظمه ويوقره، إنما ينبغي له أن يصعر نفسه، ويضع منها. فإذا حمل التأويل على هذا، صح قول ابن قتيبة. وإنما جاز للرئيس وللعالم أن يقولا عن أنفسهما: نحن نقول كذا، ونحن نفعل كذا، لأن الرئيس يطاع أمره، وله أتباع على مذهبه ورأيه.

стр. 102

فكأنه يخبر عن نفسه، وعن كل من يتبعه ويرى رأيه، وكذلك العالم. وفيه وجه آخر، وذلك أن الرجل الجليل القدر، النبيه الذكر، ينوب وحده مناب جماعة، وينزل منزلة عدد كثير، في علمه أو في فضله ورأيه. ونحو من هذا ما يروى من أن أبا سفيان بن حرب، استأذن علي رسول الله ﷺ ، فحجبه، ولم يأذن له. فلما خرج الناس من عنده أذن له، فدخل وهو غضبان. فقال: يا رسول الله، ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين. فقال: يا أبا سفيان. أنت كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا)، أي أنك وحدك تنوب مناب جماعة. والفرا: الحمار الوحشي يمد ويقصر، والأشهر فيه القصر. ومعنى قولهم: (كل الصيد في جوف الفرا): أن الحمار الوحشي أجل ما يصيده الصائد. فإذا صاده، فكأنه قد صاد جميع الصيد. وقوله: حتى تأذن لحجارة الجلهمتين: أي ما كدت أدخل إليك حتى تدخل الحجارة. وأهل الحديث يروون الجلهمتين، بالميم وضم الهاء والجيم، وذلك غير معروف، وإنما المعروف عند أهل اللغة الجلهتان، بفتح الجيم والهاء دون ميم، وهما ناحيتا الوادي. قال لبيد. فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها ولا يستنكر أن يكونوا زادوا الميم، كما قالوا للجذع: جذعم

стр. 103

وللناقة الدرداء: دردم، وللأستة من الرجال: ستهم: ويروي أن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستمدونهم على تغلب. فبعثوا إليهم الفند الزماني، وحده، وكتبوا إليهم، قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس. فلما ورد عليهم، نظروا إليه وكان شيخنا مسناً، وقالوا: وما يغني هذه العشبة عنا. فقال: أما ترضون أن أكون لكم فندا. فلذلك لقب الفند. والفند: القطعة العظيمة من الجبل. والعشبة والعشمة (بالباء، والميم): الشيخ المسن. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. قال أبو نواس: وليس على الله بمتنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقال البحتري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد فأخذه أبو الطيب المتنبي فقال: مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد وقوله (وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب): يريد أن الرجل يخاطب على حسب ما يخبر به عن نفسه، فإذا كان يقول: أنا فعلت. قيل له في المخاطبة: أنت فعلت. وإذا كان يخبر عن نفسه بأن يقول: نحن فعلنا. قيل له في المخاطبة: أنتم فعلتم.

стр. 104

ولما كان الله يخبر عن نفسه بإخبار الجماعة فيقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ و ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ خاطبه الكافر مخاطبة الجماعة فقال: ﴿رَبِّ ارْجِعُون﴾، ولم يقل رب ارجعن. وقوله (وقال أبرواز لكاتبه في تنزيل الكلام): أي في ترتيبه، ووضع كل شيء منه في منزلته التي تليق به. ويقال: أبرواز وأبرويز بفتح الواو، وأبرويز بكسرها. ويقال: إن إبرويز هذا، هو كسرى الأخير. وهو الذي قال فيه ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. وهو الذي كتب إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام. فلما ورد ليه كتابة غضب ومزق الكتاب، فقال ﷺ : اللهم مزق ملكه كل ممزق. ثم كتب كسرى إلى فيروز، اذهب إلى (مكة) فجئني بهذا العبد الذي دعاني إلى غير ديني، وقدم اسمه في الخطاب على اسمي. فجاء فيروز إلى رسول الله ﷺ فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال رسول الله ﷺ : إن ربي قد أخبرني أنه قتل ربك البارحة. فأقم حتى تعلم. فإن كان ما قلت حقاً، وإلا كنت من وراء أمرك. ففزع فيروز، وهاب أن يقدم عليه. ثم وردت الأخبار من كل ناحية بأن كسرى قد ثار عليه ابنه شيرويه، فقتله تلك الليلة بعينها، فأسلم فيروز، وحسن إسلامه. وقوله (فهذه دعائم المقالات): أي أصولها التي تعتمد عليها.

стр. 105

وقد قدمنا في صدر كتابنا هذا اختلاف المتقدمين من العلماء والمتأخرين في أقسام المعاني كم هي؟. وقوله (فأسجح): أي أرفق وسهل. ومنه قول عقيبة الأسدي: معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقوله (وإذا سألت فأوضح) أي بين سؤالك. وقوله (وإذا أمرت فأحكم): كذا رويناه (مقطوع الهمزة، مكسورة الكاف)، وفي بعض النسخ فاحكم (موصول الألف، مضموم الكاف)، وكلاهما صحيح، لأنه يقال: حكمت الرجل وأحكمته: إذا أدبته وعلمته الحكمة. واشتقاق ذلك من قولهم: حكمت الدابة وأحكمتها: إذا جعلت لها حكمة، لأن الحكمة تمنع متعلمها من القبيح، كما تمنع الحكمة الدابة من الاضطراب والنزق، ومنه قيل: أحكمت الشيء: إذا أتقنته. وحكم الرجل يحكم: إذا صار حكيماً. قال النمر بن تولب: وأحبب حبيبك حباً رويداً ... فليس يعولك أن تضرما وأبغض بغيضك بغضاً رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما وعلى هذا تأويل قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد

стр. 106

وقوله (وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم): التحضيض والحض: الإغراء بالشيء، والترغيب فيه. والحمالة: الكفالة. ويقال: تحملت بالشيء كقولك: تكفلت به. وفلان حميل به: كقولك: كفيل به. ووقع في بعض النسخ: أو حمالة لدم باللام، ولا أعرف ذلك مروياً عن أبي علي، وليس بممتنع، تجعله من قولك: حملت الشيء عن الرجل، وهو راجع إلى المعنى الأول. وينبغي أن تكون هذه اللام، هي التي تزاد في المفعول تأكيداً للعامل، وأكثر ما تدخل على المفعول إذا تقدم على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقد تدخل عليه وهو متأخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾. وعلى هذا: أعجبني الضرب لزيد ومنه قول كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل والعشائر: القبائل. واحدها عشيرة. واشتقاقها من المعاشرة، وهي المصاحبة. يقال: فلان عشيري وشعيري: أي مصاحبي. وعشيرة المرأة: زوجها. وقوله: (ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية، كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان) يزيد هذا هو يزيد بن الوليد ابن عبد الملك، ويكني أبا خالد، وكانت أمه أعجمية وهي شاهفريد بنت فيروز بن يزدجرد، وهي أول سرية ولدت ملكاً في الإسلام، وهو القائل:

стр. 107

أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدى وجدى خاقان ومعنى شاهفريد بالفارسية: سيدة البنات. وكان يزيد هذا يدعى (الناقص). واختلف في المعنى الذي من أجله لقب بذلك. فقال قوم: لقب الناقص لأنه نقص الجند أعطياتهم عند ولايته. وقيل: لقبه بذلك مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي كتب إليه يزيد بما حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: لقب الناقص لفرط. كما له، كما يقال للحبشي: أبو البيضاء، وللأعمى: بصير وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت خلافته خمسة أشهر وليلتين. ومروان هو آخر خلفاء بني أمي بالمشرق، وكان يكني أبا عبد الله وأمه: (لوعة)، سرية من الكرد،. وقيل: بل أمه ريا: جارية كانت لإبراهيم بن الأشقر النخعي. فصارت إلى محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم، وكانت حاملاً من إبراهيم فولدت على فراش محمد بن مروان. وقتل مروان ببوصير من صعيد مصر، بعد ظهور الدولة العباسية. فكانت خلافته نحواً من ست سنين. والتلكوء: الإبطاء والتأخر. وقوله (وسكون الطائر): يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون مثلاً للوقار والرزانة، يريد أنه لشدة وقاره، لو نزل على رأسه طائر لم يطر. وهو الذي أراده ابن قتيبة هاهنا. والثاني: أن يكون مثلاً مضروباً للمذلة والخضوع. يراد أنه لذله لا يتحرك، وهذا المعنى الذي أراد الشاعر بقوله: إذا نزلت بنو تيم عكاظا ... رأيت على رؤوسهم الغرابا

стр. 108

وقال آخر في الهيبة والخضوع: كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال وقال ذو الرمة: من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى أسود الغاب منه تفاديا وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا وأما قول الضبي: كأن خروء الطير فوق رءوسهم ... إذا اجتمعت قيس معاً وتميم ففيه قولان: وقال النميري يصف قوماً قرعاً: فإن بياض قرعهم ... كخرء الطير وهو أبيض قال غيره: يريد الذل والخضوع، كما قال الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب

стр. 109

وقوله: (وخفض الجناح) هذا مثل مضروب للين الجانب، وتعطف الإنسان على من أوى إليه، وإشفاقه على من رآه بحال شدة وبؤس. وأصل ذلك أن الطائر يضع جناحيه على فراخه، ويلحفها إياهما، فضرب مثلاً التعطف، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ولهذا قالوا: فلان موطأ الأكناف. وقد يضرب الجناح أيضاً مثلاً في العون على الأمور. كما قال مسكين الدرامي: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح وقوله (العالي في ذروة المجد) المجد: الشرف. وذروته: أعلاه. وكذلك ذروة كل شيء وذروته، بالكسر والضم، والجمع ذرا، بضم الذال في اللغتين جميعاً. وقوله (الحاوي قصب السبق): هذا مثل مضروب للتقدم والتبريز على الأكفاء في كل شيء. وأصله أنهم كانوا إذا تسابقوا إلى غاية من الغايات، وخاطروا على ذلك، وضعوا الخطر على رأس قصبة وركزوها في الغاية التي يتحارون إليها، فمن سبق إليها أخذها، فصار ذلك مثلاً لكل من غولب فغلب. والسبق بسكون الباء: المصدر. والسبق بفتح الباء: الخطر بعينه. قال رؤبة: لوحها من بعد بدن وسنق ... تضميرك السابق يطوى للسبق

стр. 110

ويريد بالدارين: الدنيا والآخرة. هذا آخر ما حضرنا من القول في هذه الخطبة. ولما كان أبو محمد بن قتيبة- رحمه الله تعالى- قد شرط على الكاتب شروطاً في هذه الخطبة، ألزمه معرفتها وكان الكتاب مختلفي الطبقات، منهم من تلزمه معرفة تلك الأشياء، ومنهم من يختص ببعضها دون بعض. فإن علم غير ما هو مضطر إلى معرفته في صناعته، كان زائداً في نبله، وإن جهله، لم يكن معنفاً على جهله، رأينا أن نذكر أصناف الكتاب، وما يحتاج إليه كل صنف منهم، مما يخص مرتبته، ما لا يسع واحداً منهم أن يحتمله. ثم نذكر بعد ذلك آلة الكتاب التي يحتاجون إلى معرفتها، كالدواة والقلم ونحوهما. ونجري في ذلك كله إلى الاختصار، ليكون متمماً لفائد هذه الخطبة وبالله التوفيق.
следующие страницы →