← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المدعى عليهم بالقتل عمدًا جماعة مجهولي العدالة ولم يثبت عليهم جميعًا مباشرة قتله ولا التمالؤ على قتله فإن الأولياء يعينون واحدًا باختيارهم ويقسمون على عينة ويقولون في القسامة لمات من ضربه لا من ضربهم؛ ففي الموطأ لم تعلم قسامة إلا على واحد وذلك لضعفها؛ ولأنه لا يعلم هل قتله الكل أو البعض فالمحقق واحد، والذي يترك من هؤلاء الجماعة يضرب مائة ويحبس سنة. هذا هو المشهور من المذهب كما تقدم قاله النفراوي اهـ. وفي الرسالة: ولو ادعى القتل على جماعة خَلَفَ كلُّ واحد خمسين يمينًا ويخلِف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلاً خمسين يمينًا، وإن كانوا أقلَّ قُسِمَتْ عليهم الأيمان، ولا تحلف امرأة في العمد اهـ. وفي الخطاب قال ابن رشد في نوازله: إذا كان للوث شهود غير عدول أو تعرف جرحتهم أو تتوهم فيهم الجرحة فلا اختلاف في أنه لا يجب على المشهود عليهم بشهادتهم ضرب مائة سوط وسجدن عام. وإنما يجب عليهم بشهادتهم السجن الطويل رجاء أن توجد عليه بينة عادلة، وأما إن كانوا مجهولين لا يعرفون بجرحة ولا عدالة فيجب عليه الضرب والسجن إن عفى عنه قبل القسامة أو بعدها، على القول بوجوب القسامة في ذلك، ولا يجب عليه ضرب مائة وسجن عام، على القول بسقوط القسامة مع ذلك، وقد اختلف في ذلك قول مالك. انظره في الحطاب عند قول خليل: أو نكول المدعي على ذي اللوث وحلفه. قال رحمه الله تعالى: "لا النساء وأثبتها ابن القاسم" يعني أ، شهادة النساء لا يثبت بها اللوث ولا توجب القسامة، وأثبتها ابن القاسم. قال الموّاق نقلاً عن ابن يونس: روى ابن وهب عن مالك: شهادة النساء لَوْث. وفي الفواكه للنفراوي: ومثل شهادة العضدْل شهادة المرأتين في كل ما يكفي فيه شهادة العدل. قال ابن جزي: شهادة العدل شهادة المرأتين في كل ما يكفي فيه شهادة العدل. قال ابن جزي: شهادة الشاهد العدل على القتل لوث. واختلف في شهادة غير العدل وفي شهادة الجماعة إذا لم يكونوا عدولاً وشهادة النساء والعبيد اهـ. وهذا كل يقتضي تأييد ما ذهب إليه ابن

стр. 1052

القاسم من أن اللوث يثبت بشهادة النساء ويوجب بها القسامة، خلافًا لجمهور أهل المذهب. قال في الرسالة: ولا تحلف امرأة في العمد. قال شارحها: أي لا تحلف امراة في إثبات قتل العمد؛ لعدم صحة شهادة النساء فيه وإن انفردن. قال خليل: ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة وإلا فموالٍ، فإن لم يوجد للمقتول إلا عاصب فيلزمه الاستعانة بعاصبه الأجنبي من المقتول، كما إذا ثُتِلَتْ أُمّه فإن له الاستعانة بعمه فإن لم يستعن أو لم يجد من يستعين به فالأيمان تُرَدُّ على الجاني، فإن حَلَفَ بَرِئ وإ، نَكَلَ حُبِس، ولا يطلق ولو طال حَبْسُه، وعند انفراد النساء يصير المقتول بمنزلة مَنْ لا وارث له، فتُرَدُّ الأيمان على المدّعى عليه. والأصل في ذلك قوله تعالى: وَمَن قُتِلَ مَظلوُمَا فقَد جَعَلنا لِوَلِيِهِ سُلطَنًا" [الإسراء: ٣٣] والوليّ رجل؛ لقوله علهي الصلاة والسلام: "لا نكاح إلا بولي" ولأنه ﵊ خاطب الرجال بقوله: "أتحلف لكم يهود" في حديث حويصة ومحيصة المتقدم، ولم يسأل النساء. وأما الخطأ فيحلف فيه كل مَنْ يَرِثُ ولو امرأة، ولذا قال: وتحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أوامرأة. قال خليل: ويحلفها في الخطأ من يرث وإن واحدًا أو امرأة. * * * وتحلف الأيمان كلها ولا تأخذ إلا فرضها، ومثلها الأخر للأم. وهذه الأدلة تقتضي عدم إثبات اللوث بشهادة النساء. قال مالك في الموطأ: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفوَّ اهـ. وهذا نص في المسألة ومثله في المدونة، والقلب أميل إليه، والله أعلم بالصواب. قال رحمه الله تعالى: "فيقسم الأولياء بعد ثبوت اللوث خمسين يمينًا رجلان فصاعدًا من العصبة تفض الأيمان في العمد على عددهم ويجبر الكسر على جميعهم فإن كانوا أكثر فقيل يحلف خمسون وقيل جميعهم" هذا ظاهر من أن أولياء

стр. 1053

الدم لا يقسمون إلا بعد ثبوت اللوث وأنهم يقسمون بعد ثبوته خمسين يمينًا تمامًا، ولا يجزئ أقل من رجلين من العصبة في قتل العمد، وإذا كانوا خمسين رجلاً يحلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل من ذلك فإنها تفض بينهم ما كانوا ولو رجلين. فإن كانوا أكثر من خمسين رجلاً يكتفي بأقل العدد المجزئ وهو اثنان، فيحلف كل واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، فإن كانوا خمسة حلف كل واحد عشر أيمان فهكذا، وإن حصل انكسار أي انكسرت الأيمان عليهم فإنه يجب تكميل الكسور، بأن يحلفها أكثرهم نصيبًا كابن وبنت، فالمسألة من ثلاثة؛ لأن الذكر برأسين فيخُّصه من الخمسين ثلاث وثلاثون وثُلُث يمين، ويخص البنت ستُّ عشرة وثُلُثًا يمين، فتحلفها البنت؛ لأن الكسر من طرفها أكثر. قال خليل: وجُبِرَتِ اليمين على أكبر كَسَرها، وإلاَّ فعلى الجميع. ولا يأخذ أحد إلاَّ بعدها اهـ النفراوي بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: "فإن نكلوا إلا اثنين حلفا واستحقا نصيبهما من الدية وقيل بر ترد الأيمان كالواحد فيحلف المدعى عليه خمسين" يعني إذا حضر الأولياء في القسامة ونكلوا عن اليمين إلاَّ رجلَيْن فإنهما يحلفان خمسين يمينًا ويستحقا نصيبهما من الدَّيَة. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثانية في الحالف وهم أولياء المقتول، فإن كان في قَتْلِ العَمْد فلا يَحْلِفُ النساء ولا الصبيان ولا رجل واحد، وإنَّما يَحْلِفُ رجلان فأكثر، تُقْسَمُ الأيمان بينهم على عددهم فيستحقون القصاص، فإن نكلوا عن الأيمان رُدَّت الأيمان على المدّعى عليه، فيَحْلِفُ خمسين يمينًا أنه ما قَتَل، فإن نَكَلَ بعض الأولياء ففيها قولان، قيل: يَحْلِفُ مَنْ بقي منهم ويأخذ نصيبه من الدَّية؛ لأن القَوَد قد سقط بالنكول. وقيل: تُرَدُّ اليمين على المدَّعى عليه، فغ، نكل حُبِسَ حتى يَحْلِفَ، فإ، طال حَبْسُه تُرِكَ وعلهي جلد مائة وحَبْسُ عام اهـ. قوله: وقيل: بل تُرَدُّ الأيمان إلخ قال في الرسالة: وإذا نكل مدعو الدم الحلف المدّعى عليهم خمسين يمينًا.

стр. 1054

فإن لم يجد مَنْ يحلف من ولاته منه غير المُدعى عليه وحده حَلَفَ الخمسين: وقال شارحها: إذا حَلَفَ خمسين يمينًا برئ من القتل، وإن نكل حُبِسَ حتى يَحْلِفَ، ولا يُطْلَق ولو طال حَبْسُه كما تقدَّم. قال رحمه الله تعالى: "ويُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةٍ كَمَا لَوْ عُفِيَ عَنْهُ فِي العَمْدِ فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتّى يَحْلِفَ: يعني إذا ردّت الأيمان في القسامة بنكول أولياء الدم فَحَلَفَ المدَّعى علهي خمسين يمينًا برئ من القتل وأنه يُضْرَبُ مائة سوٍ ثم يُحبَسُ سنةّ كما لو عُفِيَ عنه في قَتْلِ العَمْد. وفي نسخة: كما لو عُفِيَ عنه في الحمل، والصواب ما أثبتناه، فإن نكل حُبِسَ حتى يَحْلِفَ أو يموت في الحُبْس. قال الدردير: ومن نكل على المدّعى عليه بالقتل حُبِسَ حتى يَحْلِفَ خمسين يمينًا أو يموت في السجن حيث كان متمرّدًا، وإلاَّ فبعد سنة يُضْرَب مائة ويُطْلَق كما في عّبْ البقاي، ولكن الذي ي التوضيح لا يُطْلَق حتى يحْلِفَ أو يموت مطلقًا ورجَّحَه الأشياخ اهـ. قال خليل: وعلهي مطلقاً جلدًا مائة ثم حبس سنة وإن بقتل مجسوسي أو عَبْده أو نكول المدّعي على ذي اللوث وحِلفِه. قال الشارح: يعني أ، الشخص الباغل رجلاص أو امرأة حرًّا كان أو عَبْدًا مسلِمًا كان أو ذميًا إذا قتل غيره عَمْدًا ولو مجوسيًّ أو عَبْدًا لغيره أو له يوجب عليه جَلْدُ مائة وحَبْسُ عام من غير تغريب أي يحث عُفِيَ عنه أو قتل مَنْ لا يكافئه، وكذلك يلزم المدَّعى عليه المقام عليه لَوْث بالقتل جَلْدُ مائة وحَبْسُ سنة إذا حَلَفَ خمسين يمينًا بعد نكون المدّعى رعيًا للوث اهـ الخرشي. قال النفراوي في الفواكه: قال خليل: وعليه أي القاتل مطلَقًا جلد مائة ثم حَبْسُ سنة وإن بقتل مجوسي أو عضبْد. ويستفاد من كلام اللاّمة خليل أن الضرب مقدَّم على الحَبْس، ولا فرقَ بين كون القاتل ذكرًا أو أنثى حرًّا أو عَبْدًا، وإنَّما يُشْتَرَط في تأديبه تكليفه؛ فإن عمل الصاحباة ﵃، مضى على ذلك. وقد خرج الدارقطني أن رجلاً قَتَلَ عَبْدَه فجَلَدَه النبي ﷺ مائة جلدة ونَفاه سنة ومحا سهمه

стр. 1055

من المسلمين. وصحَّح هذا الحديث ابن القطان، فينبغي للمالكي التعويل عليه؛ لأنه حجة للمذهب في قاتل العَبْد العدوان إذا سقط عنه القتل بعفو أو عدم مكافأة، ولعلَّ قول بعض شراح خليل وبعض شراح هذا من غير تغريب وإنَّما يُحْبَسُ في بلده مبني على عدم التعويل على هذا الحديث وعدم الوقوف عليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولا يقتل بالقسامة إلا واحد يُعينُهُ الأولياء ويقسمون عليه ويجلد كل من الباقين ويحبس كما تقدم" يعني أنه تقدَّم الكلام فيما لو ادعى القتل على جماعة حَلَفَ كلُّ واحد خمسين يمينًا، وتقدَّم أيضًا كما فيالرسالة أنه لا يُقْتَل بالقَسَامة أكثر من رجل واحد. قال الدردير في أقرب المسلاك: ولا يُقْسَم [٣/ ١١٦/] فيه إلاَّ على واحد يعيَّن لها أي للقَسَامة يقولون في الأيمان لَمَنْ ضربه مات لا من ضربهم، ولا يقتل بها أكثر من واحد، فإن استَوَوْا في القتل العَمْد كحَمْل صخرة ورَمْيها عليه فمات فيقسمون على الجميع ويختارون واحدًا للقتل بحيث رُفِعَ حيًا وأكل ثم مات، فلو مات مكانه أو أنفذ مقاتله قُتِلَ الجميع بدون قَسَامة اهـ. مع طرف من الصاوي عليه. وما ذكرناه من أ، هم يختارون واحدًا للقتل بعد القَسَامة على الجميع وهو قول الأشهب. والمشهور أ، هم يختارون واحدًا يحْلِفون عليه ويعيَّنونه للقتل في العَمْد، ولا شئ على غيره سوى ضرب مائة وحبس سنة كما تقدم. "فلو قال بعضهم عمدًا وبعضهم خطأ حلفواولزمت الدية ولو قال بعضهم لا نعلم قتله وقال بعضهم خطأ حلفوا وأخذوا أنصباءهم" يعني إذا اختلف أولياء الدَّم بأن قال بعضهم: عَمْدًا وقال الآخرون: خطأ أو قال بعضهم: لا نعلم قتله هل كان عمدًا أو خطأ فالأولان يحلفان، أي لزمتهم جميع الأيمانن فيحلِف كلواحد من الفرقتين علىطبق دعواه، فإذا حلفوا خمسين يمينًا استحقوا الدية جميعًا. وأمَّا الفرقة الثالثة التي قال بعضها لا نعلم قتله وقال بعض خطأ فالتي قالت خطأ تحلف وتستحق نصيبها من الدية والتي قالت لا نعلم قتله لأنها لم تتحق في العمد فتستحق القود ولا في الخطأ فتستحق

стр. 1056

الدية. قال خليل: ولا إن قال بعض عمْدًا وبعض لا نَعْلَم أو نكلوا، بخلاف ذي الخطأ ف له الحلف وأخذ نصيبه. قال الموّاق من المدونة: إن قال بعضهم خطأ وقال الباقون لا علم لنا أو نكلوا عن اليمين حلف مدعو الخطأ وأخذوا حظهم من الدية ولا شيئ للآخرين. وفي الجلاب: لا يستحق مدعو الخطأ حظهم حتى يحلفوا خمسين يمينًا اهـ. قال خليل: وإن اختلفوا فيهماواستووا حلف كل، وللجميع دية الخطأ وبطل حق ذي العمد بنكول غيرهم. قوله: واستووا أي في الدرجة. قال الصاوي: وإن اختلفوا في العَمْد والخطأ واستَوَتْ درجتهم ولم يكن للجميع التكلُّم كبنات مع بنين فالعبرة بكلام البنين، كما أنه لا عبرة بكلام الأعمام مع البنين. أما لو اختلفوا في ذلك واختلفت مرتبتهم قُربًا وبُعدًا وكان الجميع له التكلم كبنات وأعمام فإن قالت العصبة عمدًا والبنات خطأ كان الدم هدرًا لا قسامة فيه ولا دية ولا قود، وإن قالت العصبة خطأ والبنات عمدًا حَلَفَتِ العصبة خمسين يمينًا وكان لهم نصيبهم من الدَّيَة. ولا عبرة بقول البنات؛ لأنه لا يحْلفُ في العَمْد أقلُّ من رجلَيْن عصبة، قال الدردير: فلو قال بعضهم خطأً وبعضهم عمدًا فإن استووا في الدرجة كالبنين أو الإخوة فيحلف الجميع على كل طبق دعواه على قدر إرثه ويقضي للجميع بدية الخطأ، فلو نكل مدعي الخطأ عن الحلف فلا شيئ للجميع، وإن نكل بعض مدعي الخطأ فللمدعي * * * العمد الدخول في حِصة مَنْ حَلَف اهـ. قال في المدونة: وإن قال بعضهم عَمْدًا وبعضهم خطأ فإن حَلَفوا كلّهم استحقوا دِيَة الخطأ وبُطِلَ القتل، وإن نكل مدَّعو الخطأ فليس لمدَّعي العمد أن يقسموا ولا دَمَ لهم ولا دِيَة. وقال أشهب: إن حَلَفَ جميعهم فلِمَنْ أقْسَمَ على الخطأ حظُّه على العاقلة ولمن أقْسَمَ على العَمْد حظُّه من مال القاتل قال اللخمي: وهذا أحسن أهـ. نَقَلَه الموّاق. قال رحمه الله تعالى: "ويحلف في الخطأ الوارث ما كان ويأخذ الدية تفض على

стр. 1057

قدر مواريثهم ويجبر الكسر على أكثرهم نصيبًا فإن نكل بعضهم حلف الباقون وأخذوا أنصباءهم" يعني أن الورثة ما كانوا يحلفون في قتل الخطأ ويأخذون أنصباءهم من الدية وتفض الأيمان على قدر مواريثهم كما تقدم، فإن نَكَلَ واحد منهم حَلَفَ الباقون وأخذوا نصيبهم. قال خليل: وهي خمسون يمينًا متوالية بتًا، وإن أعمى أو غائبًا يحلفها في الخطأ من يرث المقتول، وإن واحدًا أو امرأة وجُبِرَت اليمين على أكثر كَسَرَها، وإلا فعلى الجميع ولا يأخذ أحد إلاَّ بعدها ثم حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصّته اهـ. ومثله في أقرب المسالك وفي الرسالة: وتحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة، وإن انكسرت يمين عليهم حَلَفَها أكثرهم نصيبًا منها، وإذا حضر بعض ورثة دية الخطأ لم يكن له بدٌّ أن يَحْلِفَ جميع الأيمان، ثم يضحْلِفَ من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وإن كانت القَسَامةف ي الخطأ أو حيث لا يقتصُّ في العَمْد مثل أن يكون القاتل صغيرًا أو المقتول غير مكافئ للقاتل فيُقْسِمُ فيها الرجال والنساء، ويجزئ الرجل الواحد وتُقْسضم الأيمان بينهم على قدر مواريثهم، فإذا حَلَفوا استحقّوا الدَّيَة، وإ، نكلوا رُدَّ اليمين على عاقلة القاتل، وإن نكل واحد من الأولياء حَلَفَ باقيهم وأخذوا نصيبهم من الدَّيَة اهـ. قال مالك رحمه الله تعالى: القَسَامة في قَتْلِ الخطأ يُقْسِمُ الذين يدَّعون الدَّم ويستحقونه بقَسَامتهم، وَيَحْلِفون خمسين يمينًا تكون على قِسْم أي قدر مواريثهم من الدَّيَة، فغ، كان في الأيمان كسور إذا قُسِمَتْ بينهم نظر إلى الذي يكون عليه أكثر تلك الأيمان إذا قُسِمَتْ فتُجْبَر عليه تلك اليمين. فإن لم يكن للمقتول ورثةٌ إلاَّ النساء فإنّهن يَحْلِفْنَ ويأخُذُنَ الدَّيَة؛ فإ، لم يكن له وارث إلاَّ رجل واحد حلفَ خمسين يمينًا وأخذ الدَّيَة. وإنَّما يكون ذلك في قَتْلِ الخطأ ولا يكون في قَتْلِ العَمْد. قال العلامة أبو الوليد الحافظ الباجي في شرحه على الموطأ: وهذا على ما قال إنّ حُكْمَ القَسَامة في قَتْلِ الخطأ غير حُكْمِها في قَتْلِ العَمْد؛ لأنها لمَّا ختصّت القَسَامة

стр. 1058

في الخطأ بالمال كان ذلك للورثة رجالاً كانوا أو نساء قلَّ عددهم أو كَثُر. ولا يَحْلِفُ في ذلك إلاَّ وارث، وا/اقتل العمد فإن مقتضاه القصاص، وإنما يقول به العصبة من الرجال، فلذلك تعلقت الأيمان بهم دون النساء اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولا قَسَامَةَ فِي جِرَاح" يعني ,غنما لم تشرع القَسَامة في الجرح لأنه ﷺ إنما حَكَمَ بها فيالنفس. وإذا قُلْنا بنَفْي القَسَامة في الجرح فتارة يكون عَمْدًا وتارة يكون خطأ، وفي كل إما إن يثبت بشاهدَيْن أو يوجد شاهد فقط، فإن ثبت بشاهدين فالديَة في الخطأ أو القصاص في العَمْد. وإن لم يشهد به إلاَّ واحد فإنه يَحْلِفُ مع الشاهد يمينًا واحدة ويأخذه الدَّيَة ي الخطأ ويقتصُّ منه في العَمْد، وهي إحد مستحسنات الإمام مالك ﵁. وإن تجرَّدت الدعوى عن الشاهد فقيل: يَحْلِفُ المدَّعَى عليه وقيل: لا يَحْلِفُ، وأنت خبير فيما ذكرناه من القصاص في العَمْد شارح للرسالة وقال فيها: ولا قَسَامة في جرح ولا في عَبْدٍ ولا بين أهل الكتاب ولا في قتيل بين الصفَّيْن أوْ وُجِدَ في محلة قوم اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "والقتيل بين فئتين من إحداهما ديته على الأخرى وإلا فعليهما إلا أن يثبت اللوث" يعني أنه أخبر بما إذا وُجدَ القتيل بين الفئتين ولم يُعْلَمْ قاتله فلزم دِيَتُه على إحدى الفئتَيْن أو عليهما معًا، إلا إذا حصل اللوث فتثبتُ على مَنِ ادُّعيَ عليه. قال زروق في شرحه على الرسالة: وأما القتيل بين الصفَّيْن فحكى الجلاب فيه روايتَيْن: إحداهما أنه لا قَوَد فيه، ودِيَتُه على الفئة التي نازعت إن كان من الفئة الأخرى، وإن كان من غيرها فدِيَتُه عليهما معًا. والرواية الأخرى إن وجد بينهما معًا فهو لَوْثٌ يوجب القَسَامة لِوُلاته، فيقسمون على من ادُّعِيَ عليه ويقتلونه. لكن هذه الرواية تخالف ما في الرسالة من قولها: ولا في قتيل بين الصفين أو وُجِدَ في محلة قوم، أي

стр. 1059

لا قَسَامة في قتيل وُجِدَ بني الصفين أي من المسلمين الباغي كل منهما على الآخرن ويكون دَمُه هَدْرًا. ولو قال ذلك المقتول: دَمِي عند فلان. وهذا هو المعتمد من أقوال ثلاثة أشار إليهاخليل بقوله: وإن انفصلت بغاة عن قتلى ولم يُعْلَم القاتل فهل لا قَسَامة ولا قَودَ مطلقًا وإن تجرَّد عن تدمية وشاهد أو عن الشاهد فقطَ تأويلات اهـ. نَقَلَه النفراوي. انظر شرح خليل. ثم قال رحمه الله تعالى: "وَيُجْلَبُ فِي القَسَامَةِ إِلَى المَسِاجِدِ المعَظَّمَةِ مَنْ قَارَبَها وَاللَّه أَعْلَمُ" يعني كما في الرسالة وعبارتها ويحلفون في القَسَامة قِيامًا، ويُجْلَبُ إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعماله للقسامة، ولا يُجْلَبُ في غيرها إلاّ من الأميال اليسيرة اهـ. قال النفراوي: وحاصل المعنى أنّ مَنْ توجَّهت عليه القَسَامة وهو من غير أهل أعمال الأماكن الثلاثة لا يُجْلَبُ من محلّه إِلى حلْفِها في مسجد أو غيره، إلاَّ إِذا كان لمسجد قريبًا من بلده، بأن كان بينه وبينه الأميال اليسيرة كلاثلاثة فيُجْلَبُ منها لذلك. والفرق بين تلك الأماكن وغيرها قوله ﷺ : "لا تعمل المطيّ إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: مكة والمدينة وإيلياء" اهـ. قال زروق في شرحه على الرسالة: تُغَلَّظ اليمين في القَسَامة بالزمان والمكان والكيفية: والزمانُ كونه بعد العصر ويوم الجمعة، والمكان بأن يكون في الأمكان المعظَّمة، والهيئة أن يَحْلِفَ قائمًا لكونهاأردع للحالف وأهول، أي أخْوَف في حقَّه لعلّه يرجع للحقَّ إنكان مبطلاً اهـ. واللَّه أعْلَم. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام القَسَامة وشروطها انتقل يتكلم على مسائل الحدود وما يتعلَّ بها من الأحكام باقتراف الأجرام ممَّا سيأتي ذِكْرُه إن شاء الله تعالى فقال رحمه الله تعالى:

стр. 1060

كتاب الحدود أي في بيان ما يتعلًّق باحكام الحدود على المحظورات التي حظر الشارع ارتكابه كالحرابة والسحر والزَّنا والقذف والسرقو وشُرْبِ الخمر وغيرها ممَّا هو ممنوع شرعًا، وكل واحد من تلك المحظورات لها حد معلوم من قِبَل الشارع كما ستقف علهي إن شاء الله تعالى في مواضِعِهز والحدود جمع حَد وهو لغة: المَنْع، وشرعًا: ما وُضِعَ لِمَنْع الجانةي من عَوْده لِمِثْل فِعْلِه وزَجْرِ غيره. وفي معنى الحدود التعازير جمع تعزير، وهو اسم لنوع من العذاب موكول قدره لاجتهاد الإمام، بخلاف الحدود فإن تعدادها محدود من الشارع اهـ. النفراوي. وابتدأ بما هو أكثر ضَرَرًا للناس من تلك المحطورات اعتناء بأمن الناس وصَوْنًا للنفوس والأموال فقال رحمه الله تعالى: "يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي مُخِيفِ السَّبِيلِ مَا لَمْ يَتَعَلَّق بِهِ حَقٌّ" يعني يجب أن يجتهد الإمام في إزالة مفسدة النسا، ومنْ أَضَرَّها مفسدة مخيف السبيل ويُسَمَّى المحارب، وهو قاطع الطريقد لمجرَّد مَنْع السلوك، أو آخذ مال مسلِم أو غيره من أهل الذمة علىوَجْهٍ يتعذَّر معه الغَوْث، أو الذي يغيب عَقْلَ غيره ليأخذ معه، أو المخاد لنحو الصبيّ حتى يدخله موضعًا ويقتله ويأخذ ما معه، أو الداخل في زقاق ليلاً أو نهارًا ليأخذ المال على وَجْهِ التغلب والقهر. قاله النفراوي اهـ. قوله: ما لم يتعلق بح قُّ مفهومه: فإن تعلَّق به حقٌّ من حقوق الناس كالعَبْد المرهون وغيره ممَّا هو حقٌّ للآدمي فلابدّ من تخليص ذلك منه قبل حقوق الله تعالى كما يأتي: قال رحمه الله تعالى: "بَيْنَ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ ثمَّ قَتْلِهِ وَقَطْعِهِ مِنْ خِلاَفٍ وَنَفْيِهِ بحَسَب مَا يَرَاهُ رَادعًا فإنْ قَتَلَ تَحَتَّم قَتْلُه وَلَوْ بِعَبْد أَوْ كافِرٍ لاَ يَجُوزُ العَفْوُ فَإِنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أُخِذَ بِحُقُوق الآدَمييَّنَ" قوله: بين قَتْلِهِ متعلّق بيجتهد الإمام،

стр. 1061

وحاصل المعنى في ذلك كما في الرسالة: والمحارب لا عَفْوَ فيه إذا ظفر به، فإن قَتَلَ أحدًا فلابدَّ من قَتْلِه، وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جُرْمه وكثرة مقامه في فساده، فإمّا قَتَلَه أو صَلَبَه ثم قَتَلَه أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن به حتى يتوب فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبًا وضع عنه كل حق للَّه من ذلك، وأخَذَ بحقوق الناس من مال أو دَمٍ. ومثله حقوق الله سوى عقوبة الحرابة كأن شرب خمر أو زنى وهو محارب فإنه يستوفى منه؛ لأن التوبة إنما أسقطت حد الحرابة فقط. قال لخليل: وسقط حدها بإتيان الإمام طائعاً أو ترك ما هو عليه؛ لقوله تعالى: إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: ٣٤]. قال الخرشي: إن المحارب إذا جاء تائبًا للإمام قبل أن يقدر عليه أو ترك ما هو عليه من الحرابة كما مرَّ اهـ. وإلى ذلك أشار المصنَّف بقوله: فإن تاب قبل القدرة عليه أخذ بحقوق الآدميين. وفي الرسالة: وكلُّ واحد من اللصوص ضامنٌ لجميع ما سلبوه من الأموال، سواء أخذ في حال تلصُّصِه أو جاء تائبًا، وسواء أخذ المال هو أو أخذه غيره وهو حاضر؛ لأن المُعِين شريك واللصوص بعضهم لبعض حملاء، فكلُّ من أخذ منهم غَرِمَ الجميع ويرجع على أصحابه اهـ. أبو الحسن ومثله في النفراوي. وحاصل ما تقدَّم: أنّ الإمام إن قدر على المحارب يفعل به ما يراه رادعًا ولغيره، لكن يكون اجتهاده لمصلحة الناس فيما ظهر له، ولا يجاوز في ذلك ما حدده الله تعالى له في حْكْمِهِ على المحارب كما تقدَّ في الآية الكريمة. قال العلاّمة الصاوي في حاشيته على الدردير نَقْلاص عن الدسوقي ما حاصله: أن الحدود الأربعة واجبة لا يخرج الإمام مخيَّرة لا يتعيَّ واحد منها، إلاَّ أنه يندب للإمام أن ينظر ما هو الأصلح واللائق بحال المحارب فإن ظهر له ما هو اللائق ندب له فِعْلُه، فإن خالف وفعل غير ما ظهر له أصلحيته أجزأ مع الكراهة اهـ. والله أعلم

стр. 1062

بالصواب. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلّق بالحرابة انتقل يتكلم حُكْم حدّ الساحر والزنديق وغيرهما. فقال رحمه الله تعالى: "وَيقْتَلُ السَّاحِرُ وَالزَّنْدِيقُ" يعني أن السحر حرام يُقْتَلُ صاحبه إذا ظفر به ولا يقبل توبته. قال النفراوي في الفواكه: يجب قَتْلُ المسلِم الساحر ولا تُقْبَل توبته، وهو الذي يصنع السحر بغيره، فأن يفرَّق بين المرأة وزوجها، أو يُذْهِب عَقْلَ غيره أو يفعل فِعْلاً يغيَّر به صورة غيره كتغيُّر صورة إنسان بصورة حمار أو كلب إلى أن قال: والدليل على قَتْلِ الساحر ما خرّجه الترمذي من قوله ﷺ : "حدّ الساحر ضربه بالسيف". واختُلِفَ هل يجوز لشخص أن يستأجر غيره لإبطال السَّحْر أم لأن فيه خلاف مَنَعَهُ الحسن قائلاً لأنه لا يُبْطِلُه إلاَّ ساحر. وقال ابن المسَّيب: يجوز لأنه من التعالجن واقتصر على الجواز صاحب الإرشاد يعني مصنَّفًا، ويظهر لي أنه المعتمد. وأمَّا الذي يدخل السكاكين في جوفه فإن كان سحرًا فإنه يُقْتَلُ به وإلاَّ عُوقِب بغير القتل. وأمَّ الساحر الذَّمَّي فإنه لا يُقْتَلُ به وإنَّما يؤدّب إلاَّ أن يدخل بسحره ضَرَرًا على المسلم فإنه يكون ناقضًا لعهده فيُقْتَل إلاَّ أن يسلم اهـ. بحذف وتضويح. ومثله لأب يالحسن وغيره، وأمَّا الزندقة فهي محرَّمة أيضًا بقتل صاحبها إذا ظفر به ولا تُقَبَل توبته. قال في الرسالة: ويُقْتَل الزنديق ولا تُقْبَل توبته، وهو الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام. وقال خليل: وقتل المستسرّ بلا استتابة إلاَّ أ، يجيئ تائبًا ومالُهُ لوارثه أي إنّ الزنديق إذا جاء تائبًا قبل الاطلاع علهي سَقَطَ عنه القتل، وتُقْبَل توبته كما صرَّح عليه صاحب الغكليل ولوح به العدوي في حاشيته على الخرشي. وأمَّا لو كانت توبته بعد الاطّلاع عليه فإنها لا تُقْبَل، لكنَّ مالَهُ لوارثه؛ لأن القتل حدًّا. أمَّا إن لم يَتُبْ بأن استمرّ على الزندقة بعد إثباتها باعترافه أو بالبينة فإنه يُقْتَل وال يَرِثُه وارِثُه، ويكون مالُهُ لبيت المال كمَالِ المرتدّ، ولا يكون قتله حدًّا بل كفرًا، وسواء كان الكفر الذي سَتَرَه

стр. 1063

بارتداد أو زندقة أو سحر أو بغير ذلك. والدليل على وجوب قَتْلِ الزنديق ما في صحيح البخاري أنَّ عليًّا، ﵁، أتَى بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لِنَهْي رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلهم لقول رسول الله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه". ثم قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ سَبَّ اللَّه أضوْ نَبِيًّا قُتِلَ دُونَ اسْتِتابَة" يعني أن من سَبَّ اللَّه تعالى أو سَبَّ نبيًّا من الأنبياء ممن أجمع على نبوته قُتِلَ، وال تُقْبَل توبته. قال في الرسالة: ومَنْ سَبَّ رسول اله ﷺ قُتشل، ولا تقبل توبته. ومَنْ سَبّه من أهل الذمة بغير ما به كفر، أو سَبَّ الله بغير ما به كفر، قُتِل إلاَّ أن يسلِم اهـ. قال العلاّمة ابن جزي في القوانين: وأما من سضبَّ اللَّه تعالى أو النبي ﷺ أو أحدًا من الملائكة أو الأنبياء فإن كان مسلمًا قُتِلَ اتفاقًا، واختُلِفَ هل يُستتاب أم لا فَعَلَى القول بالاستتابة تسقط عنه العقوبة إذا تاب، وفاقًا لهما. وعلى عدم الاستتابة - وهو المشهور- لا تسقط عنه بالتوبة كالحدود. وأمَّا ميراثه إذا قُتِلَ فإن كان يظهر السَّبَّ فلا يَرِثُه ورثته، وميراثه للمسلمين. وإذا كان منكرًا للشهادة عليه فمالُهُ لورثته، وإن كان كافرًا فإن سّبَّ بغير ما به كفر فعَلَيْه القتل، وإلاَّ فلا قَتْلَ عليه. وإذا وَجَبَ عليه القتل فأسلَم فاختُلِفَ هل يُقْبَل منه أم لا. ومَنْ سَتَّ أحدًا مِمَّن اختُلِفَ في نبوته كذي القرنين أو في كونه من الملائكة لم يُقْتَل، وأدَّبَ أدبًا وجيعًا، وأمَّا مَنْ سَبَّ أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أو أزواجه أو أهل بيته فلا قَتْلَ عليه، ولكن يؤدَّب بالضَّرْب الوجيع ويكرَّر ضربه ويُطال سجنه. واعلم: أن الألفاظ في هذا الباب تختلف أحكامها باختلاف معانيها والمقصاد بها وقرائن الأحوال: فمنها ما هو كُفْر، ومنها ما هو دون الكفر، ومنها ما يجب فيه القتل، ومنها ما يجب فيه الأدب، ومنها ما لا يجب فيه شيئ، فيجب الاجتهاد في كل قضية بعينها. وقد استوفى القاضي أبو

стр. 1064

الفضل عياض في كتاب الشفاء أحكام هذا الباب، وبين أصوله وفصوله رضي الله تعالى عنه. اهـ كلام ابن جزير بحروفه. ثم ذكر مسائل المرتد وما يلزمه من العقوبة" بقوله رحمه الله تعالى: "والمرتد يحطب عمله وتبين زوجته المسلمة ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل ولو امرأة وماله فيئ" والمرتد ينبغي تعريفه قبل ما يبج عليه من الأحكام فنقول: المرتد هو الخارج عن دين الإسلام بعد بلوغه. قال ابن جزي ي القوانين: وأمَّا المرتد فهو المكلَّف الذي يرجع عن الإسلام طوعًا: إمَّا بالتصريح بالكفر، وإمَّا بلَفْظٍ يقتضيه أو بفعل يتضمنه. ويجب أن يستتاب ويمهل ثلاثة أيام. وعبارة الدردير في أقرب المسالك: الرَّدة كُفْرُ مسلِم بصريح أو قولٍ يقتضيه أو فعل يتضمنه، كإلقاء مصحف بقذر وشد زنارٍ مع دخول كنيسةٍ وسحر وقول بقِدَم العالم أو بقائه أو شك فيه أو بتناسخ الأرواح أو أنكر مُجْمَعًا عليه ممَّا عُلِمَ بكتاب أو سنّة أو جوَّز اكتساب النبوّة أو سَبَ نبيصا أو عرض أو ألحق به نَقصًا وإن ببدنه أو وفور عِلْمِه أو زُهْده، وفصلت الشهادة فيه: يُستتاب ثلاثة أيام من يوم الحُكْمِ بلا جوع وعطش ومعاقبة، فإن تاب وإلاَّ قتل، ومالُهُ فَيْئ، إلاَّ الرقيق فلسيدَّده، وَأخَّر المرضع لوجود مرضع وذات زوج أو سيد لحيضة اهـ. انظر شراح خليل. قال في الرسالة: ويُقْتَلُ مَنِ ارتدَّ إلاَّ أن يتوب، ويؤخَّر للتوبة ثلاثًا وكذلك المرأة. قال شارحها: وإنَّما نصَّ على المرأة للردّ على من يقول بعدم قَتْلِ النساء لِنَهْيِهِ ﵊ عن قَتْلِهِنّ؛ لأن محلَّه عند مالك على نساء أهل الحرب على المرتدة. ويطعم المرتدُّ من مالِهِ زمن الرَّدّة، وأمَّا ولده وعياله فلا ينفقون منه؛ لأنه صار بسبب الرَّدة بمنزلة من لا مال عنده. اهـ النفراوي. وأمَّا الأحكام التي تتعلَّق بالمرتدّ فكثيرة، منها إحباط عمله الذي عمل سابقًا قبل ارتداده فلا اعتداد به، بمعنى لا يحسب به؛ لأنه أبطله بالرَّدة. ولا يطالب بقضاء كالصلاة والصيام وغيرهما ممّا فاته قبل الرَّدّة، ولا ثواب في التي فَعَلَها بل يستأنف غيرها بعد التوبة

стр. 1065

كالكافر الأصلي. قال خليل: وأسقطت صلاة وصيامًا وزكاة وحجَّا تقدَّم. انظر شراحه. ومنها بينونة زوجته المسلشمة دون الذّمَّيّة. ومنها قَتْلُهُ كفرًا بعد الاستتابة ما لم يَتُبْ ولو امرأة. ومنها عدم إرْث وارثه، إلاَّ السيَّد بل ماله فَيْئ لبيت مال المسلمين. ومنها عدم الصلاة عليه إن قُتِلَ كفرًا، لا إن قُتِلَ حدًّا، فيصلّي عليه غير أهل الفضل كما قد عِلِمْت. ولمَّا أنها الكلام على ما تعلَّق بالرَّدّة وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام الزاني والزانية فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الزاني والزانية أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الزاني والزانية، أي ما يلزم عليهما من الحدود والقوبة بعد الاعتراف أو الإثبات بالبيَّنة بشروطها الآتية. الزَّنا من أقبح الفواحش؛ قال الله سبحانه: ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء: ٣٢] وقال : الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ [النور: ٢] وفي الصحيحَيْن عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه خطب فقال: "إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووَعَيْناها وعقلناها فَرَجَمَ رسول الله ﷺ ورَجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرَّجْمَ حقّ في كتاب اللَّه تعالى على مَنْ زنا إذا أحصن من الرجل والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف" وبعضه في الموطأ.

стр. 1066

قال رحمه الله تعالى: "يُجْلَدُ الْبِكْرُ لِلزَّنَا مِائَةً مُتَوَاليَةً يُتَّقى مَقَاتِلُهُ فَيُنْزَعُ لِلْمرْأَةِ مَا يَقيهَا الألمَ وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ مَسْتُورًا وَيُغَربُ سَنَةً" قدم المصنَّف ﵀ حُكْمَ البِكر في الزَّنا قبل التعريف بحقيقته، اكتفاء بشهرة الاسم، وابتدأ غيره بتعريفه كما في المختصر لخيل. والدردير قال: الزنا إيلاج مسلم مكلَّف حَشَفَة في فَرْجِ آدمي مطيق عَمْدًا بِلا شبهة وإن دبرًا أو ميتًا غير زوج أو مستأجرة لوَطْء أو مملوكةَ تُعْتَقُ عليه أو مرهونة أو ذات مغنم أو حربية أو مبتوتة وإن بعدّة أو خامسة أو مَحْرَمة صهر بنِكاح أو مطلقة قبل البناء أو مُعْتَقَة أو مكَّنت مملوكة فعَلَيْه حدٌّ بِلا عَقْد، لا إن عقد أو وَطئ معتدّة فعَلَيْه أدب منه أو من غيره وهي مملوكته أو زوجته أو مشتركة أو مَحرَمة لعارض أو غير مطيقة أو حليلة أو مملوكة لا تُعْتَق أو بنتًا بعَقْد أو أختًا على أختها أو بهيمة وأُدَّ أي في جميع الذي لا حدّ فيه كما يؤدَّب ف يالمساحقة وأمَة محلَّلة وقومت عليه وإن أبيا بخلاف المكرهة أي فلا تؤدَّب اهـ. انظر شراح خليل. وأمَّا قوله: فينزع للمرأة إلخ هذه صفة الحدّ. قال في الرسالة: ويجرَّد المحدود ولا تجرَّد المرأة إلاَّ ممَّا يَقيها الضرب، ويجلدان قاعدّيْن. قال خليل: والحدود بسوط وضَرْب معتدِلَيْن قاعدًا بلا رَبْطٍ ولا شدّ يد بظهره وكتفَيْه. قال في المدوَّنة: صفة الضرب في الزَّنا والشرب والفرية والتعزيز ضرب واحد، ضرب بين ضربَيْن، ليس بالمبرح ولا بالخفيف. ولم يحد مالك ضم الضارب يده إلى جنبه، ولا يجزئ في الضرب في الحدود قضيبوشراك ولا درّة، ولكن السوط؛ وإنَّما كانت درّة عمر للأدب. قال الجزولي: وصفة السوط أن يكون من جلد واحد، ولايكون له رأسان، وأن يكون رأسه لينًا، ويقبض عليه بالخنصر والبنصر والوسطى، ولا يقبض عليه بالسبابة والإبهام، ويعقد عليه التسعين ويقدَّم رجْلَه اليُمْنى ويؤخَّر اليسرى. وصفة عقد التسعين أن يعطف السبابة حتى تَلْقَى الكف ويضمُّ الإبهام إليها، ويكون المضروب قاعدًا، فلا يمدُّ لا يربط ولا تشدُّ يده، إلاَّ أن يكون يضطرب بحيث لا يقع الضرب

стр. 1067

موقعه فيجوز شدُّ، ويكون الضرب في ظهره وكتفَيْه كما تقدَّم عن خليل. ويكون الضرب متواليًا ومتولي الضرب شخصًا متوسطًا لا في غاية القوة أوالضعف اهـ. النفراوي. ثم قال رحمه الله تعالى: "وَيُرْجَمُ المُحْصَنُ حَتّى يَمُوتَ وَلْيَشْهَدْ عَذَبهما طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنينَ" يعني أن المحصن الحرَّ المسلِم إذا زَنى يرجم حتى يموت، وذلك بحجارة معتدلة بقدر ما يطيق الرامي من غير تكليف. قال في القاوانين: الرجم بحجارة متوسطة قدر ما يرفع الرامي، لا بصخرة كبير تُقْتِلُ مرّة ولا بحصيات. ومحلُّ الرجم الظهر والبطن، ولا تحفر للمرجوم حفرة يُرْجَم يها خلافًا للشاعفي. ويستحبُّ أن يحضر حدَّ الزاني طائفة من المؤمني أقلُّهم أربعة؛ لأن حضورها حين الرَّجم زاجر عن ارتكاب مثل ما فعل المرجوم، ثُرجم بتلك الحجارة حتى يموت كما تقدَّم، ثم يُغْسَل ويصلَّى عليه ويكفَّن ويُدْفَن في مقابر المسلمين؛ لأن القتل للحدَّ. ثم ذكر صفة اإحصان بقوله رحمه الله تعالى: "فالمُحْصَنُ المُسْلِمُ الْحُرُّ المُكَلَّف يَطأُ وَطْئًا مُبَاحًا فِي نِكَاح صَحِيح وَلَوْ مَرَّة فَلأَمَةُ تُحَصَّنُ الحُرَّ والكِتَابِيَّةُ المُسْلِمَ وضالصَّغِيرَةُ البَالِغَ وَالمَجْنُونَةُ العَاقِل" يعني كما في الموطَّأ عن مالك عن ابن شها عن سعيد بن المسيَّب أنه قال: المحصنات من النساء هنّ أولات الأزواج، ويرجع ذلك إلى الله حرَّم الزَّنا. وعنه عن ابن شهاب وبلغه عن القاسم بن محمد أنهما كانا يقولان: إذا نكح الحرُّ الأمَة فَمَسَّها فقد أحْصَنَتْه. قال مالك: وكلُّ مَنْ أدركت كان يقول ذلك: تحصَّن الأمَة الحرَّ إذا نكحها فَمَسَّها فقد أحْصَنَتْه. قال مالك: يُحصَّن العبد الحرّة إذا مَسَّها بنكاح. ولا تُحَصَّن الحرّة العبد إلاَّ أن يُعْتَقَ وهو زوجها فيمسها بعد عَتْقِهن فإ، فارقها قبل أن يثعْتَقَ فليس بمحصن حتى يتزوَّج بعد عَتْقِه ويَمسَّ امرأته. قال مالك: والأمَة إذا كانت تُنْكَح بعد عَتْقِها ويصيبها زوجها فذلك إحصانها. والأمَة إذا كانت تحت الحرَّ فتُعْتَقُ وهي تحته قبل أن يفارقها، فإنه يحصنها إذا عُتِقَتْ وهي عنده إذا

стр. 1068

هو أصابها بعد أن تُعْتَق. وقال مالك: والحرّة النصرانية واليهودية والأمَة المسلِمة يحصّن الحرُّ المسلم إذا نكح إحداهن فأصابها اهـ الموطأ. قال ابن جزي في القوانين: الإحصان المشترط في الزواج له خمسة شروط: العقل والبلوغ والحرَّيَّة والإسلام. وتقدم الوَطْء بنكاح صحيح، وهو أن يتقدَّم للزاني والزانية وَطْء مباح في الفَرْج بتزويج صحيح. فلا يحصن زِنا متقدم، ولا وَطْء في صيام أو اعتكاف أو إحرام، ولا وَطْء نكاح في الشَّرْك، ولا عَقْدُ نكاح دون وَطْء. ويقع الإحصان بمغيب الحَشَفَة وإن لم ينزل. وإذا أقرَّ أحد الزوجين بالوَطء وأنكر الآخر لم يكن واحد منهما مُحْصنًا. وقال ابن القاسم: المقر بالوَطْء مُحْصَن دون المنكر. إذا اختلف أحكام الزاني والزانية فيكون أحدهما حرَّا والآخر مملوكًا غير مُحْصَن فيُحْكَم لكلضّ واحد منهما في الحدَّ بحُكْم نفسه اهـ. وفي الرسالة: ومن زَنى من حر مُحْصَن رُجِمَ حتىي موت. والإحصان: أن يتزوج امرأة نكاحًا صحيحًا ويطؤها وَطْئًا صحيحًا، فإن لم يُحْصنْ جُلِدَ مائة جلدة وغرَّبه الإمام إلى بلد آخر وحُبِسَ فيه عامًا كما تقدَّم. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يُجْمَعُ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ" يعني أنه لا يجمع الجَلْد والرجم على الزاني؛ لأن الجرم على المُحصَن والمُحْصَنة والجَلْد على البِكر، وهما حُكْمان لا يجتمعان على مذهب الجمهور، خلافًا لابن حنبل وإصحاب وداود كما في القوانين في فصل مقدار الحدّ، لكن قد رأيت في بعض تعليقات لبعض شيوخنا على حديث: "والثيب بالثيب جَلْدُ مائة والرَّدجْم" قال: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الجَلْدَ ساقط عن الثيَّب وإنَّما عليه الرجم اهـ. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي ومسلم واللفظ له كما في بلوغ المرام. وذكر الشعراني هذه المسألة في مسائل الاختلاف فراجِعْه إن شئت في الميزان. قال رحمه الله تعالى: "وَحَدُّ الرَّقِيقِ خَمْسُونَ دُونَ تَغْرِيبٍ" يعني أن حدَّ الرقيق

стр. 1069

في الزَّنا خمسون جَلْدة نِصْفُ حدَّ الحرّ. قال في الرسالة: وعلى العبد في الزَّنا خمسون جَلْدة وكذلك الأمَة وإن كانا متزوَّجَيْن، ولا تغريب عليهما ولا على امرأة اهـ. وفي الحديث عن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله ﷺ أن على العبد نِصْفَ حدَّ الحرَّ في الحدَّ الذي يتبعّض كزِنًا البِكر والقَذْف وشُرْب الخمر اهـ لرزين. قال الله تعالى:: فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ [النساء: ٢٥] ويقيم الرجل على عَبْدِهِ وأمَتِه حدَّ الزَّنا إذا ظهر حَمْلٌ أو قامت بيَّنة غيره أربعة شهداء أو كان إقرار، ولكن إن كان للأمَة زوج حرٌّ أو عَبْدٌ لغيره فلا يقيم الحدَّ عليها إلاَّ السلطان. قاله في الرسالة. قال رحمه الله تعالى: وَلاَ يُجْمَعُ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ" يعني أنه لا يجمع الجَلْد والرجم على الزاني؛ لأن الرجم على المُحْصَن والمُحْصَنة والجَلْد على البِكرن وهما حُكْمان لا يجتمعان على مذهب الجمهورن خِلافاً لابن حنبل وإسحاق وداود كما في الوقانين في فصل مقدار الحدّ، لكن قد رايت في بعض تليقات لبعض شيوخنا على حديث: "والثيَّب بالثيَّب جَلْدُ مائة والرَّجْم" قال: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الجَلْدَ ساقط عن الثيَّ وإنَّما عليه الرجم اهـ. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي ومسلم واللفظ له كما في بلوغ المرام. وذكر الشعراني هذه المسألة في مسائل الاختلاف فراجِعْه إن شئت في الميزان. قال رحمه الله تعالى: "وَحَدُّ الرَّقِيقِ خَمْسُونَ دُونَ تَغْرِيب" يعني أحد حدَّ الرقيق في الزَّنا خمسون جَلْدة نِصْفُ حدَّ الحرّ. قال في الرسالة: وعلى العبد في الزنا خمسون جَلدة وكذلك الأمَة وإن كانا متزوَّجَيْن، ولا تغريب عليهما ولا على امرأة اهـ. وفي الحديث عن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله ﷺ أن على العبد نِصْفَ حدَّ الحرَّ في الحَّد الذي يتبعَض كزِنَا البِكر والقَذْف وشُرْب الخمر اهـ لزرين. قال الله تعالى: فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ [النساء: ٢٥] ويقيم الرجل على عضبْدِهِ وأمَتهِ حدَّ الزَّنا إذا ظهر حَمْلٌ أو قامت بيَّنة غيره أربعة شهداء أو كان إقرار، ولكن إن كان للأمَة زوج حرٌّ أو عَبْدٌ لغيره فلا يقيم الحدَّ عليها إلاَّ السلطان. قاله في الرسالة. قال رحمه الله تعالى: وَحَدُّ اللاَّئِطِ الرَّجْمُ وَإِنْ كَانَ بِكْرًا وَيُعَاقَبُ الصّغيرُ عُقُوبَةً زَاجِرَةً: يعني أن من عمل عمل قوم لوط بذكر بالغ اطاعه رجمَا أحْصِنا أو لم يُحصنا، كانا حرَّيْن أو رقيقتين، مسلمين أو كافرين، ولو كان المفعول به مملوكًا للفاعل. وأمَّا لو كانا غير مكلَّفَيْن فإنها يؤدّبان فقط، وأمَّا لو كان أحدهما مكلَّفًا دون الآخر فإن كان المكلَّف هو الفاعل رُجِمَ وحده، حيث كان المفعول به مطيقًا، وأمَّا عكسه وهوبلوغ المفول به دون الفاعل فلا يُرْجَمز وإنَّما يؤّدّب الصغير ويعزّر البالغ التعزيز الشديد الذي لا ينقص عدده عن مائة. تنبيه شرط الرَّجْم باللواط كَشَرْطِ حدّ الزَّنا من مغيب جميع الحشفة أو قدرها، والثبوت إمّا بالاعتراف المستمرّ أو شهادة أربعة من العدول على نحو ما مرّ. انظر هل يسقط حدّ اللواط بالرجوع أو لأن كما هو مقتضى الأشدية اهـ النراوي. والدليل على رَجْم اللائط والمملوط به حديث: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به. رواه الترمذي وأبو داود عن ابن عباس مرفوعًا، وعمل قوم لوط إتيان الذكور في أدبارهم، فاللواط أقبح من الزنا بالأنثى؛ لأنه لا يستباح بوجه من الوجوه، فقد قال تعالى في حقَّ قوم لوط: مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠] اهـ.

стр. 1070

قال رحمه الله تعالى مشبهًا بعقوبة اللائط الصغير وهي عقوبة زاجرة: "كَفِعْلِ أَشْرَارِ النَّسَاءِ وَوَاطئ الْبَهيمَةِ وُقِيلَ يُحَدُّ وَلاَ يُقْتَلْ وَلاَ يَحْرَمُ أَكْلُهَ: فالمعنى أن يُعاقب أشرار النساء بفعلهنَّن المساحقة كما يُعاقب الصغير اللائط عقوبة زاجرة في كل. ومثلهما في الأدب والتعزير واطئ البهيمة، وقيل: يحدّ مائة جَلْدة ولا يُرجم وإن مُحْصَناً، ولا يحرُم أكْلُ لحم تلك البهيمة، خلافًا للشافعي. قال ابن جزي: وإذا تساحقت امراة مع أُخرى فقال ابن القاسم: تؤّبان على حَسَب اجتهاد الإمام. وقال أصبغ: تُجلدان مِائة مِائةز ولو فعل بالانثى في دُبُرها فإنه لا يكون لواطًا، ثم إن كانت أجنبيةّ حدّ للزَّنا وإن كانت زوجًا أدَّب كما تؤدَّب المرأة في مساحقتها الأخرى وكما يؤدّب الذَّكَر في إتيانه البهيمة اهـ بطرف من النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَالأَمَةُ الْمُشْترَكَةُ إِنُ حمَلَتْ قُوَّمَتْ عَلَيهِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَإِلاَّ ففي تقويمها قولان: يعني كما قال مالك: إن أحسن ما سثمِعَ في الأمة يقع بها الرجل وله فيها شِركٌ أنه لا يقام عليه الحدُّ، وأنه يُلْحَقُ به الولد، وتقوّم عليه الجارية حين حَمَلَتْ، فيعطَى شركاؤُه حِصَصَهم من الثمن، وتكون الجارية له، وعلى هذا الأمر عندنا اهـ. قال الباجي في شرحه على الموطَّأ: ولا تخلو الجارية إذا وطئها من ألاَّ تَحْمل أو تَحْمل، فإن لم تَحْمل ففي الموازية أن الشريك مُخَيَّر في قول مالك وأصحابه، يريد بين تقويم حِصّته على الواطِئ وبين استمساكه بها وبقائها على الشركة اهـ. راجع المسنتقى إن شئت. وفي الرسالة: ويؤدَّبُ الشريك في الأمَة يطؤها، ويضمن قيمتها إن كان له مالّ، فإ، لم تَحمِل فالشريكُ بالخيار بين أن يتماسَكَ أو تقوّم عليه. وإلى هذه المسألة أشار خليل بقوله: وإن وَطِئ جارية للشركة بإذنه وبغيره وحَمَلَتْ قُوَّمَتُ، وإلاَّ فللآخر إبقاؤها أو مفاداتها. ومحصل كلامهم أن الشريك إن أذِن لشريكه في الوَطءء ووطئ فإنها تُقَوَّم عليه

стр. 1071

مطلقًا حَمَلَت أم لا غير، أنه إن كان موسرًا فليس لشريكه سوى قيمة حِصَّته، ولا قيمة للولد وتكون به أمّ ولد. وأمَّا إن كغان معسِرًا فلا تُباع إن حَمَلَتْ، ويتبع بقيمة حصّة شريكه منها. وإن لم تَحْمِل فتُباع عليه لأجل القيمة وأمَّا لو وطئ من غير إذن شريكه فإن حَمَلَتْ فليس لشريكه إلا قيمة حِصَّته إن أيسر الواطئُ؛ لأنها لا تُباع في هذا الغرض. ولا يجوز للشريك التماسك بحصَّته منها وتعتبر قيمتها يوم الوَطْء. وأمَّا إن أعدم الواطئ فالشريك بالخيار بين إبقائها للشركة أو ألزام الواطئ بقيمة نصيبه منها، فيتبعه بها في ذمته أو يجبره على بَيْع نصيبه منها، لكن بعد وضعها، وإن لم يوفِ ثمن نِصْفِها أُتْبعَش بباقي القيمة كما يتبع بقيمة حِصّته في الولد في قسمَيِ التخيير. وهذا ملخَّص كلام شراح خليل اهـ. نَقَلَه النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَعَلَى غَاصِبِ الحُرَّةِ مَعَ الْحَدَّ مهْرُ مِثْلِهَا وَالأَمَةُ مَا نَقَصَها" يعني أن مَنْ غصب الحرَّة بأن وَطِها قَهْرًا وثبت ذلك باعترافه أو ببينة عادلة لزم الحدث بحَسْبَما تقدَّم في الزاني. وذلك إن كان مُحْصِنًا يُرْجَم، وإن كان بِكرًا جُلِدَ مائة في الحرَّ مع تغريب عامًا، وفي العبد نِصْفها بلا تغريب مع دفع صَداق مِثْلِها في كليهما. هذا في الحرة، وأمَّا الأمَة فقد تقدَّم كلام المصنَّف فيها في مسائر الغصب عند قوله: وإن وطئ فهو زَانٍ فراجِعْه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "وَيَتَدَاخَلُ الْحَدُّ قَبْلَ إِقَامَتِهِ لاَ بَعْدَهُ" يعني أن الحدود يتداخل بعضها في بعض قبل إقامته على الجاني لا بعده. قال في الرسالة: ومَنْ لزمته حدود وقتل فالقتل يجزئ عن ذلك، إلاَّ في القذف فليحدّ قبل أن يُقْتَل يعني أن الحدود تتداخل بل تندرج في أقوى منها وهو القتل ولو كان القتل قَوَدًا، وإنَّما لا يندرج حدّ القذف في القتل لأنه لدفع المعرة التي لا تندفع شرعًا إلاَّ بإيقاعه غالبًا. وحكى ابن حارث في اندراج حدّ القذف في حدّ الزَّنا قولَيْن لعبد الملك وابن القاسم مع أشهب. وفي المدوَّنة:

стр. 1072

مَنْ قذف قومًا فلم يحدّ حتى حُدَّ في شُرْبِ الخمر فقد سقطت عنه كل فرية كانت قبله. قال ابن رشد: لأنهما من جنس واحد اهـ. نَقَلَه زروق في شرحه على الرسالة. قال العلاّمة ابن جزي في القوانين: مسألة تداخل الحدود وسقوطها وكل ما تكرَّرر من الحدود من جنس واحد فإنه يتداخل كالسرقة إذا تكرَّرت أو الزَّنا أو الشُّرب أو القَذْف. فمتى أقيم حدٌّ من هذه الحدود أجزأ عن كل ما تقدَّم من جنس تلك الجناية، فإن ارتكبها بعد الحدّ حُدَّ مرةً أخرى، وإذا اختلفت أسباب الحدود لم تتداخل، ويستوفي جميعها كالشُّرْب والزَّنا والقَذْف إلاَّ أنّ حدَّ الشُّرْب يدخل تحت حدَّ القذف؛ لأنه فرع عنه فيغني أحدهما عن الآخر. ولا تسقط الحدود بالتوبة ولا بصلاح الحال ولا بطول الزمان، بل إن ثبتت ولم يكن أقيم علهي فيها الحدُّ حُدَّ حيث ثبتت، وإن كان بعد حين. وكلُّ حدًّ اجتمع مع القتل فالقتل يغني عنه، إلاَّ حدَّ القذف فإنه يُحَدُّ وحينئذٍ يُقْتَل اهـ بحروفه. قال رحمه الله تعالى: "ويَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ" يعني أنّ الحدّ يسقط بالشبهة لخبر: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وسُمَّيَتِ الشبهوُ شبهةّ لأنها تشبه الحقَّ ولها أمثلة كثيرة: منها أن يطأ الرجل امرأة يظنها زوجةَ أو أمَةً له أو يطأ الأب أمَة ابنه أو أمَة بنته ولو عَمْدًا، فلا يلزمه إلاَّ القيمة. قال مالك في الموطَّأ في الرجل يقع على جاية ابنه أو ابنته: إنه يُدرَأُ عنه الحجدُّ وتُقامُ عليه الجارية حَمَلَتْ أو لم تَحْمل. وقال في الرجل يحلّ للرجل جاريته: إنّه إن أصابها ال ١ ي أُحِلّت له قُوَّمت عليه يوم أصابها حَملت أو لم تَحْمل، ودُرئ عنه الحدُّ بذلك، فإن حَمَلَتْ أُلْحِقَ به الولد. ولَفْظْ المدوَّنة: فإذا وطئها دُرئ عنه الحدُّ بالشبهة ولزمته القيمة فيها اهـ. الشبهة تدخل في جميع الأبواب وهي من جوامع الكلم. قال ابن يونس: رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ قال::ادرؤوا الحدود بالشبهات". ويقال: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فلأن يخطأ حاكم من الحكام في العفو خير من

стр. 1073

أن يخطأ في العقوبة، إذا رأيتم للمسلم مخرجًا فادرؤوا الحدود عند اهـ نَقَلَه الموّاق. قال رحمه الله تعالى: "وَيؤَخَّرُ لِلْحرَّ وَالْبَرد والْحَمْل كَمَا تَقَدَّمَ" يعني أنه يؤخَّر الحدُّ إذا كان في الوقت الحرَّ أو البرد المفرط، وكذلك يؤخر عن المرأة حتى تضع إن كانت حامِلاً كما تقدَّم جميع ذلك في القصاص عند قول المصنَّف: ويؤخَّر لشدّة الحرَّ والبرد والحامل للوضع، فإن وُجِدَ مَنْ يُرضعه وإلاَّ فإلى انفصال فراجِعْه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "ويثبت بالبينة أربعة أحرار مجتمعين على رؤية فرجه في فرجها فلو قالوا زنا يوجب الحد بغير وصف كانوا قذفة كشهادة ثلاثة وشك الرابع أو امتنتاعه ولو رجع قبل الحد فالكل قذفة وبعده وحده" يعني يثبت الحدّ في الزنا بالبينة أربعة أحرار متفقين كلهم على رؤية فرجه في فرجها ويؤدّون الشهادة على هذه الصفة في وقت واحد، ولا يكفي قولهم: إن هذا الرجل زَنا بهذه المرأة بدون وصفْ، بل ذلك ممَّا يوجب عليهم حدَّ القذف كما لو شهد ثلاثة وشكَّ الرابع، أو امتنع عن الشهادة، أو شهد ورجع عن شهادته قبل الحدَّ فإنهم [١٣٠/] يستحقون حدَّ القذف جميعًا. وأمَّا لو كان رجوعه بعد الحدَّ فيلزمه حدُّ القذف هو وحده. قال في الرسالة: ولا يحدُّ الزاني إلاَّ باعتراف أو بحَمْلٍ يظهر أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يَرَوْنُه كالمرود في المكحلة ويشهدون في وَقت واحدٍ، وإن لم يُتِمَّ أحدهم الصفة حُدَّ الثلاثة الذين أتموها. قال خليل: وللزَّنا واللواط أربعة بوقت ورؤية اتحدا. قال النفراوي: فجملة الشروط ستة: كون الشهود أربعة، وكونهم رجالأن وبلوغهم وعدالتهم، وقولهم: رأينا فَرْجَه في فَرْجِها كالمرود في المكحلة. فلا يكفي قولهم: نشهد أنّ فلانًا زنى بفلانة وأن تتفق شهادتهم في الزمان والمكان. فإذا وُجِدَت تلك الشروط حُدَّت المرأة ولو شهد أربع نسوة ببقاء عُذْرَتِها، بخلاف ما لو شهد على بقائها أربعة رجَال فإنه يسقط حدُّها، ولا يفسقون بتعمّد رؤيتها لأجْل الشهادة عليها بل يجوز لهم الإقدام على ذلك، كما يجوز

стр. 1074

ذلك لشهود الزَّناكما نُقِلَ عن ابن القاسم. وإن اختلفت شهادتهم في شيئ من ذلك بطلت، ولذا قال: فإن لم يتمّ أحدهم الصفة بأن قال: رأيت ذَكَرَه بين فَخِذَيْها ولا أدري هل دخل فَرْجَها أم لأن فإنه يعاقب باجتهاد الإمام. وأمَّا الثلاثة الذين أتمّوها فإنهم يحدّون للقذف؛ لأنهم قذقة في تلك المرأة، بخلاف من قال: رأيت ذَكَرَه على باب فَرْجِها فقط فإنه لم يشهد بزِناها، فلا حدَّ عليه بل تعزير باجتهاد الإمام اهـ باختصار. قال رحمه الله تعالى: "وبَاعْتِرَافٍ وَيَكْفِي مَرَّةً أَوْ ظُهُورِ حَمْلِ خَلْوَةٍ"

стр. 1075

يعين تقدَّم أن جملة شروط الحدَّ الاعتراف بمعنى الإقرار، وهو أوْلَى من الشهود. قال ابن جزي في القوانين: فأمَّا الاعتراف من العاقل البالغ فيوجب الحدَّ ولو مرّة واحدة، فإن رجع عن اعترافه إلى شبهة لم يحدّ، وإن رجع لغير شبهة فقولان، وإن رجع بعد ابتداء الحدَّ وقبل تمامه قُبِلَ منه في المشهور. وأمَّا الشهادة فأربعة رجال عدول يشهدون مجتمعين لا تراخ بين أوقات إقامتهم الشهادة على معاينة الزَّنا كالمرود في المكحلة، فإن كانوا أقلّ من أربعة لم يحدَّ المشهود عليه. وحدَّ الشهود حدَّ القذف، وإن رجع بعض الأربعة قبل الحُكْم أو شكَّ في شهادته بعد أدائها حُدّ الأربعة، وإن رجع أو شكَّ بعد الحُكْمِ حدَّ الراجع أو الشّاك وحده، وإن شهد ثلاثة وتوقَّف الرابع حُدّ الثلاثة دون الرابع، وإن شهدوا مفترقين في مجالس حدّوا، خلافًا لابن الماجشون. وأمَّا الحَمْل فإن ظهر بحرّة أو بأمضة ولا يثعْلَم لها زوج ولا أقرّ سيدها بوَطْئِها وتكون الحرّة مقيمة غير غريبة فتحدُّ، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما: لا حدَّ بالحَمْل اهـ. قال في المدوَّنة: إن ظهر بامرأة حمل ولم تَقُمْ بيَّنة بالنكاح حُدَّت. قال اللخمي: تُحَشدُّ إن لم تكن ذات زوج وسيد ولا [٣/ ١٣٠/] * * * شبهة ولم تكن طارئة. وفيها أيضًا في رجل وُجِدّ مع امراة في بيت فشهد أبوها ,اخوها أنّ الأب زوَّجها إيّاه فلا يُقْبَل ذلك ويُعاقبان، وإن ثبت الوَطءء حدّا اهـ. هذا لعدم صحة الخلوة الشرعية، وهو معنى قوله: أو ظهور حَمل خلوةٍ. قال خليل: ولم يُقْبَل دعواها الغصب بلا قرينة، وكذلك لا يُقْبَل دعواها أنّ هذا الحمل من مَنيًّ شربه فَرْجُها في حمام، ولا من وَطْء جنّي، وأمَّا دعواها الوَطْ بشبهة أو غلط وهي نائمة فتُقْبَل؛ لأنّ هذا يقع كثيرًا، وتُقْبَل دعواها أيضًا إذا تعلقت بالمدَّعى عليه واستغاثتها عند النازلة فلا تُحدُّ اهـ. الدردير. قال رحمه الله تعالىوَيُقِيمُهُ السَّيَدُ عَلَى أَرِقَائِهِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيَّنَةٍ أو اعْتِرَافٍ لاَ بِمُجَرَّد عِلْمِهِ أَوْ كَوْنِهَا زَوجْةَ حُر أَوْ مَمْلُوكَةَ غَيْرٍ" يعني كما في الرسالة: ويقيم الرَجل على عَبْدِهِ وأمَتِه حدَّ الزنا إذا ظهر حَمْلٌ، أو قامت بَيَّنَةٌ غيرهُ أربعة شهداء، أو كان إقرار، ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره فلا يقيم الحدَّ عليها إلاَّ شروط: وهي ظهور حَمْلٍ أو قامت البيَّنة عادلة أو اعتراف بالزنا على نفسيهما ولم يرجعا، فيجوز لسيَّدهما حينئذ إقامة الحدَّ عليهما. ومثل حدَّ الزَّنا حدُّ الشُّرْب والقذف، لكن يطلب أن يحضر السيد لجَلْدِه في الخمر والفرية رجلَيْن، وفي الزَّنا أربعة رجال عدول. وأمَّا حدُ السرقة فلا يجوز للسيد إقامته عليه، وإنَّما يقيمه الإمام أو نائبه، فإن تولاّه السيد وقَطَعَ يده مثلاً وكانت البيَّنة عادلة وأصاب وَجْهَ القطع أدَّبه الإمام؛ لتقدمِه عليه في ذلك. وما تقدم من أنه جوَّز له إقامة الحَّد للسيد مشروط بعدم الزوج للأمة لقوله: ولكن إن كان للأمَة زوج حرٌّ أو عَبْدٌ لغيره فلا يقيم الحدَّ عليها حينئذِ إلاَّ السلطان أو نائبه، لأن للزوج حقًا في الفراش، وما يحدث فيه من ولد فليس لسيد الأمة أن يفسده، ولا يدخل عليه فيه ضَرَرًا إلاَّ بِحُكْم، بخلاف العبد وذلك فيه جائز لعدم الضرورة. فالحاصل أن السيد إنَّما يقيم حدّ الزَّنا على عَبْدِه إذا كان خاليًا من زوج، أو كان متوجاً بمِلْك سيَّده. وما أحسن قول خليل: وإقامة الحاكم والسيد إن لم يتزوج بغير مِلْكه. والدليل عىل ذلك خبر: إذا زَنَتْ أمَة أحدكم فتبيَّن زِناها فلْيَحِدَّها وفي أبي داود عن عليَّ

стр. 1076

كرَّم الله وجْهَه في جارية لآل رسول الله ﷺ فجرت فقال ﵊: "أقم عليها الحدَّ وأقيموا الحدود على ما ملكتْ أيمانكم" اهـ. نَقَلَه النفراوي. ولمَّا أنْهَى الكلام على ما تعلَّق بأحكام القذف ويسمّى فرية ورميًا فقال رحمه الله تعالى: فَصُلٌ في القذف أي في بيان ما يتعلق بأحكام حدّ القذف. قال الصاوي: أمَّا تسميته فرية فكأنه من الافتراء والكذب وأمَّا تسميته رميًا فلقوله تعالى: "وَالَذِينَ يَرمُونَ الْمُحصَنَتِ" [النور: ٤] الآية، والقذف لغةً الرمي بالحجارة وعُرْفًا رمي مكلَّف حرًّا مسلمًا بنَفْيِ نسب عن أب أو جدَّ، أو بزِنا لذي آلةٍ بِما يدلُّ على ذلك. وهو من الكبائر وموجب للحدَّ ولبيان ذلك. قال رحمه الله تعالى: "حَدُّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ لِلحُرَّ ولَلْعَبْدِ أَرْبَعُونَ" يعني أن مَنْ نفى شخصُا عن نسبه أو رماه بالزَّنا فعَلَيْه الحَدُّ ثمانون جلدة، وعلى العبد أربعون. قال ابن جزي في شروط الحَّد: وهي ثمانية: منها ستة في المقذوف، وهي الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعفاف عمّا رُمِيَ به من الزَّنا، وأن تكون معه آلة الزَّنا، فلا يكون حصورًا ولا مجبوبًا قد جُ قبل بلوغه. واثنان في القاذف وهما العقل والبلوغ، سواء كان حرَّا أو عَبْدًا، مسلمًا أو كافرًا اهـ. قال رحمه الله تعالى: "إِذَا رَمَى حُرَّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَفيفًا، وَيُشْتَرَطُ فِي المرْأةِ إِطَاقَةُ الْوَطءِ لا بُلُوغُ التَّكْلِيفِ" يعني كما في أقرب المسلاك: القذف رَمْيُ مُكلَف

стр. 1077

ولو كافِراً حرًّا مسلمًا بنَفْي نسب عن أبٍ أو جد، أو بِزِنًا إن كُلَّفَ وعَفَّ عنه ذا آلةٍ أو إطاقة الوط بما يدلُّ عُرفًا ولو تعريضًا، كأنا معروف النسب، أو لستُ بِزانِ، وأنا عفيفُ الفَرْج، وكقحبةٍ وصبيةٍ وعِلْق ومخنّثٍ بجلد ثمانين جَلْدة، والرقيقُ نِصْفُها، وإن كُرَّر لواحد أو جماعةٍ إلاَّ بعده، وإن قذف في أثنائه ابتدأَ لهما إلاَّ أن يبقى اليسير فيكمل الأوّل اهـ. قال رحمه الله تعالى: "صَرَّحَ بِهِ أَوْ عَرَّضَ كَقَوْلِهِ يَا مَنْبُوذُ أَوْ فِي الْمشَاتَمَةِ اَنَا لَسْتُ بِزَانٍ وَأُمضّي لَيْسَتْ بِزَانِيةٍ وَلاَ ابْنُ أَمَةٍ يَا ابْنَ زِنِيةٍ لاَ زَانيَةٍ". يعني إذا قذفه بالزَّنا فإنه يحدّ سواء صرَّح في قذفه بلفظ صريح كأن قال له: أنت زنيت أو يا زانٍ، أو قذف بالتعويض كما وصف المصنَّلإ. وعلى كل حال إنه يحدّ ثمانين جَلْدة. قال في الرسالة: وعلى القاذف الحرَّ الحدُّ ثمانين، وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزَّنا، والكافر يُحَدُّ في القذف ثمانين، ولا يُحَدُّ على قاذف عَبْدٍ أو كافر، ويُحَدُّ قاذف الصبية بالزَّنا إن كان مثلها يوطأ، ولا يحدُّ قاذف الصبي، ولا حدّ على مَنْ لم يبلغ في قذفٍ ولا وَطْءٍ. ومَنْ نفى رجلاً من نسبه فَلَيْه الحدّ، وفي التعريض الحدُّ، ومَنْ قال لرجل: يا لوطيُّ حُدّ اهـ. قال في أقرب المسالك: وليس له حدُّ والديْهِ، أي ليس للولد أن يحدَّ والديه في القذف على الراجح. قال الصاوي: وهو مذهب المدوَّنة، ومقابله يقول له حدهما في التصريح، وُحْكَم بفسْقِه، وذهب إلى هذا القول جماعة من أئمَة المذهب. قال ابن جزي في القوانين: ويحدُّ الوالد إذا قذف ولده على المشهور وتسقط عدالة الولد. وعبر الدردير قول الأول بالراجح. وعبر ابن جزي قول الثاني بالمشهور. والفرق بين الراجح والمشهور: أن الراجح ما قَوِيَ دليله، والمشهور ما كَثُرَ قائله كما تقدَّم فتأمَّل. قال رحمه اللهَّ تعالى: "وَلَوْ أَقَرَّ بِالزَّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَة فَإنْ صَدَّقَتْه حُدَّ لِلزَّنَا

стр. 1078

وَإلاَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ أَيْضًا" يعني مَنْ أقرَّ على نفسه بالزَّنا بامراة فصدَّقَتْه في ذلك لزمها الحدّ، وإن لم تصدَّقه فإنه يحدُّ للقذف، ويلزمه أيضًا حدّ الزَّنا لإقراره؛ لان المكلَّف يؤاخذ بإقراره. وفي القوانين: مَنْ قال لامراته زَنَيْتُ بك فعَلَيْه حدُّ الزَّنا وحدُّ القذف وعبارة الدرجير في أقرب المسالك: وإن قال لامْرأة: زَنَيْتِ فقالَتْ: بكَ حُدّت للقذف والزَّنا، وله القيام به وإن عَلِمَه من نفسه كَوضرِثِه اهـ. انظر خليل وشراحه. "وَيُحَدُّ لِلْجَمَاعَةِ حَدًّا وَاحِدًا لِمَنْ قَامَ بِهِ كَتَدَاخُلِهِ قَبْلَ إقَامَتِهِ" يعني إذ قذف قاذف على الجماعة وقام بهواحد منهم بطلب حقه وأقام الغمام على القاذف حدًا سقط القيام لباقي الجماعة، هذا بناء على أن حدَّ القذف حقٌ لله تعالى. وقال الشافعي: يحدّ القاذف لكلواحد منهم، وعلى المذهب يجزئ حد واحد، لتداخل الحدود في بعضها كما تقدم عند قوله: ويتداخل الحدّ قبل إقامته فراجِعْه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "وَالصَّحِيحُ أَنَّه حَقٌّ لِلْمَقْذوفِ فَيَقِفُ عَلَى طَلَبِهِ وَيَقومُ وَارِثُهُ مَقَامَه وَقِيلَ بَلْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى" يعني أنَّه اختلف قول مالكف ي حدَّ القذف، هل هو حقٌّ للمقذوف أو حقُّ الله تعالى؟ قال العلامة العدوي في حاشية الخرشي: الحاصل أنه قبل بلوغ الغمام حُّ مخلوق وبعده حقّ خالق، وهو أحد قولَيْ مالك. والقول الآخر حقٌّ للخالق فلا عَفْوض ولو قبل البلوغ اهـ .. قال العلاّمة عبد الوهاب الشعراني في الميزان فيما اختَلَفَ فيه الأئمّة: ومن ذلك قول أبي حنيفة: إنّ القذف حقٌّ لله تعالى، فليس للمقذوف أن يسقطه، ولا أن يبرأ منه، وإن مات لم يورث عنه مع قول الشافعي وأحمد في أظهر روايتَيْه أنه حقٌّ للمقذوف فلا يستوفى إلاَّ بمطالبته، وإن له إسقاطه، وأن يبرأ منه، وأنه يورث عنه وبه. قال مالكف ي المشهور عنه: إلا أنه قال: متى رفع إلى السلطان لم يملك المقذوف الإسقاط ثم قال: ووَجْهُ قول مالك في صورة الرفع إلى السلطان ما ورد في الصحيح من وجوب الحكم بإقامة الحدّ إذا رفع إليه، وتحريم قبول الشفاعة في إسقاطه اهـ.

стр. 1079

ولمَّا أنهى الكلام على ماتعلَّق بأحكام القذف انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام شارب الخمر فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الخمر وأحكامها أي في بيان ما يتعلَّق بالخمر وما يجبُ على شاربها من الحدّ وهي أمّ الخبائث. قال الشعراني في الميزان: أجمع الأئمة الأربعة على تحريم الخمر ونجاستها، وأنّ شرب الخمر قليلها وكثيرهاموجب للحدّ، وأن مَنِ استحل شُرْبَها حُكِمَ بكفره اهـ. وعن ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: "كل مُسْكِر خمرٌ وكل مُسْكِر حرام". أخرجه مسلم. وفي رواية أن رسول الله صلى الهعليه وسلم قال: "ما اسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه الموطَّأ عن جابر. قال مالك: والسنّة عندنا أنّ كُلَّ من شرب شرابًا مُسكرًا فسكرَ أو لم يسكَر فقد وَجَبَ علهي الحدُّ ولذا قال رحمه الله تعالى: "إِذَا شَرِبَ مُسْلِمٌ شَيْئًا مِنْ مُسْكِر وَإِنٌ قَلَّ وَإِنْ لم يُسْكِرْ حُدَّ كَالْقَذْفِ" يعني يحدُّ ثمانين جَلْدَة كحد القَذْف. قال في الرسالة: ومَنْ شرب خمرًا أو نبيذاً مسكراً حُدَّ ثماني، سَكرَ أو لم يسكر، ولا سجْنَ عليه، يريد إذا كان حرًا مسلمًا. قال ابن جزي في شروط الحدَّ: وهي ثمانية: الأول: أن يكون الشارب عاقلأن الثاني: أن يكون بالغًا، الثالث: أن يكون مسلِمًا، فلا حدّ على الكافر في شُرْبِ الخمر، ولا يُمْنَع منه؛ الرابع: أن يكون غير مُكْرَه، الخامس: ألاَّ يضطر إلى شُرْبِها لِغصّة، السادس: أن يَعْلَم أنه خمر، فإن شربه وهو يظنه شرابًا آخر فلا حدّ عليه، السابع: أن يكون قد عَلِمَ أن الخمر محرَّمة، فإن ادَّعى أنه لا يَعْلَم ذلك فاختُلِفَ هل يُقْبَل قوله أم لا؟ الثامن: أن يكون مذهبه تحريم ما شرب، فغ، شرب النبيذ مَنْ يرى أنه حلال فاختُلِف هل عليه حدٌّ أم لا؟ ثم قال في مقدار الحدّ: وهو ثمانون جَلْدة، وأربعون للعبد، خلافاً للشاعفي. والدليل على مذهب ما في الموطَّأ

стр. 1080

أن عمر بن الخطاب استشارَ في الخمر يشربها الرجل فقال له عَلِيُّ بن أبي طالب: نَرى أن تَجلِدَه ثمانين فإنه إذا شرِبَ سَكِرَ وإذا سكرَ هَذَى وإذا هذَى افتَرَى، أو كما قال فجَلَدَ عُمَرُ في الخمر ثماني. هذا في الحرّ، وأمّا فيالعبد فقد روى مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن حدّ العبد في الخمر فقال: بلغني أن عليه نِصْفَ حدَّ الحرَّ في الخمر، وأنّ عمر بن الخطاب وعثمانَ بنَ عفانَ وعبدَ الله بنَ عمرَ قد جَلَدُوا عبيدًا لهم نِصْفَ حدَّ الحرَّ في الخمر اهـ. قال رحمه الله تعالى: "إِذَا صَحَا" يعني أنه لا يُحَدُّ الشارب في حال سُكْرِه حتى يزول عنه سُكْرُه فحينئذ يُقام عليه الحَدُّ. قال الخرشي: لانعقاد إجماع الصحابة على ذلك بعد عثمان، فلو جَلَدَه الإمام قبل صَحْوِه فإن الحدَّ يُعاد عليه ثانيًا؛ لعدم فائدة الحدَّ وهو التألُّم والإحساس، وهو منتفٍ في حالة سُكْرِه اهـ. ثم ذكر ما يثبت به الحدُّ وهو ثلاثة أشياء: إمّا الإقرار وهو الاعتراف، وإمّا الشهادة، او وجود الرائحة. قال رحمه الله تعالى: "اعترف أو شهد عدلان بشربه أو استنكهاه فوجدا ريحه" يعني يجب الحدّ على مَنِ اعترف على نفسه أو شهد عليه عدلان بشربها، أو وجدّا ريحه عنده. قال ابن جزي في القوانين فيما يثبت به الحدُ: وهو الاعتراف، أو شهاد رجلَيْن على الشُّرْب، ويُلْحَق بذلك أن تُشَمَّ عليه رائحة الشراب خلافًا لهما، ويشهد بذلك مَنْ يعرفها، ويكفي في استنكاه الرائحة شاهد واحد؛ لأنه من باب الخبر اهـ. وكان عمر بن الخطاب وجد ريح مُسْكِر عند رجل فسأل عنه فقالوا: إنه مُسْكِر فجَلَدَهُ عمر الحدّ تامَّا اهـ. الموطَّأ بمعناه. قال رحمه الله تعالى: "فإن شرب وقذف تداخل ما لم يُحد لأحدهما" يعني فلو شرب وقذف فلا يتعدّد الحدُّ لذلك؛ لأن حدَّ أحدهما يندرج في آخر ما لم يحدَّ في أحدهما ثم فعل آخر فيحدّ ثانيًا كما تقدَّم. وفي الموطأ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن

стр. 1081

رسول الله ﷺ قال: "مَنْ شرب الخمر في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرة" اهـ. انظر شراحه. ولمَّا أنهى الكلام على ماتعلق بأحكام الخمر وما على شارهبا من الحدَّ انتقل يتكلم عن مسائل السرقة وحُكْمِ السارق فقال رحمه الله تعالى: فَصْلْ في السارق أي في بيان ما يتعلَّق بمسائل السرقة وحُكْم السارق والسارقة. قال اللَّه في سورة المائدة: والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨] وسيتي حديث المخزومية المروي عن عائشة في آخر الفصل. قال العلاّمة الدردير في تعريف السرقة: هي أخْذُ مكلَّف نِصابًا فأكثر من مال محترم لغيره بال شهبة قوية خفية بإخراجه من حِرْزٍ غير مأذونٍ فيه وإن لم يخرج هو بقصدٍ واحدٍ أو حرًّا لا يميّز لصغَر أو جنون فتُقْطَع يده اليمنى اهـ. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "يُقطَعُ الْمُكَلَّفُ لإخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزٍ مَمْنُوع عَنْهُ رُبْعَ دِينَار أَوْ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيه" يعني كما قال مالك: أحبُّ ما يجب فيه القَطْعُ إلى ثلاثة دراهم وإن ارتفع الصرف أو اتضع، وذلك أن رسول الله ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وأنعثمان بن عفان قطع في أُترجة قوَّمَتْ بثلاثة دراهم، وهذا أحبُّ ما سمعت في ذلك اهـ. الموطَّأ. وفي الرسالة: ومَنْ سرق ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض، أو وزن ثلاثة دراهم فضّة، قطع إذا سرق من حِرْزٍ. قال شارحها: والحاصل أن القَطْعَ لا بدّ فيه من شروط، بعضها فيالسارق وبعضها في المسروق، فَشَرْطُ السارق التكليف، وكونه غير رقيق للمسروق منه، وكونه غير أصل له كأبيه وأمَّه وجدَّته وإن علَوْا، وكونه غير مضطر إلى الشيئ

стр. 1082

المسروق، فلا قطع على صبي ولا عبد سرق مال سيَّده، وعلى على أصل سرق مال فرعه، ولا على مضطر سرق طعامًا لسدَّ جوعته، وشَرْطُ المسروق إن كان آدميًا أن يكون طفلاص حرًّا، أو عبدًا لا يعقل لصغر أو بَلَه أو كِبَر، وأني كون حين سرقته في حِرْزٍ أو مع حافظ، وإن كان مالاً فشَرْطُه أن يكون مملوكًا لغيره، ومحترمًا ولا شبهة له فيه، فلا قطع على مَنْ سرق رَهْنَه أو ودجيعته، ولا على مَنْ مَلِك النَّصاب قبل إخراجه من الحِرْز، والدليل على تحديد نِصاب السرقة بِما ذُكِرَ ما في الصحيحَيْن أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُقْطَعُ يد السارق إلاَّ في ربع دينار فصاعدًا". وفي الموطَّأ ويغره أن علهي الصلاة والسلام قطع يد سارق في مجن قيمته ثلاثة دراهم. والمجن الترس كما في القاموس، وذهب بعض العلماء إلى القَطْع في القليل والكثير تمسُّكًا بقوله ﷺ "لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"، وتأوَّله الجمهور على بيضة الحديد، وعلى حبل تساوي قيمته ثلاثة دراهم. واعتبر التقويم بالدراهم لأنه المشهور، وسواء ساوت الثلاثة درانم الربع دينار أو نقصت، ولذا لو ساوت قيمة المسروق الربع دينار ولم تساو الثلاثة دراهم لم يُقْطَع، وهذاكلُّه حيث وجدت الدراهم في بلد السرقة وإن لم يُتعامل بها، وأمَّا إن لم يكن في بلد السرقة إلاَّ الذهب فالتقويم بالذهب. راجع شراح خليل. اهـ. النفراوي. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيردُّهُ لِقيَامِه وَيَضْمَنُه لِفَوْتِه إلاَّ أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا" يعني أن الشيئ المسروق إذا كان قائمًا بعينه وجَبَ ردُّه لصاحبه، وإن فات فيضمن السارق مثله إن كان مِثْليًا أو قيمته، إلاَّ أن يكون عديمًا فيتبع به إلى ميسرة. قال في الرسالة: ومَنْ أقرَّ بسرقة قطع، وإن رجع أقيل وغُرِمَ السرقة إن كانت معه وإلاَّ أتبع بها. وقال أيضًا: ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في غِناه ولا يتبع في

стр. 1083

عَدَمِه، ويتبع في عَدَمِه بما لا يُقْطَع فيه من السرقة اهـ. قوله: ويضمنه لفَوْتِه وفي نسخة لفواته. قال خليل: وَجَبَ ردُّ المال إن لم يُقْطَع مطلَقًا أو قطع عن أيسر إلهي من الأخذ. قال الخرشي: يعني أن السارق إذا لم يُقْطضع إمّا لعدم كما لانَّصاب الشاهد عليه بالسرقة، أو لعدم النَّصاب المسروق من الحرز، أو كان نِصاباً إلاَّ أنه من غير حِرْزٍ وما أشبه ذلك، فإن المال المسروق يُرَدُّ لربَّه، سواء ذهب من السارق أم لأن كان السارق مليئاً أم لأن ويحاصص ربه غرماء السارق إن كان عليه دَيْن، فإن قطع السارق فإن كان مليئًا من حين السرقة إلى يوم القَطْع فإن المال يؤخذ منه؛ لأن اليسار المتصل كالمال القائم بعينه فلم يجتمع عليه عقوبتان. فلو وجد المال السمروق بعينه فلربَّه أخْذُه بإجماع، وليس للسارق أن يتمسّك به ويدفع لربَّه غيره، أمَّا لو كان السارق عديمًا حين أخذ المال أو أعْدِم في بعض هذه المدة لسقط عنه الغُرْم، لئلا يجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتبع ذِمَّته، بخلاف اليسار المتصل اهـ. قال رحمه الله تعالى: "فَتقْطَعُ يَدُه اليُمْنَى وَتُحْسَمُ" يعني إذا توافرت شروط الحدّ القَطْعُ، فتُقَطَع يد السارق اليمنى من الكوع لِما بيَّنه صلى الله علهي وسلم من عموم قول الله ﵎: والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا الآية، وإذا قُطِعَتْ يده وَجَبَ على الإمام أو نائبه الذي تولى ذلك أن يحسم العضو المقطوع، فأن يغلي زيتًا ويجعل العضو فيه لينقطع سيلان الدم. قال العدوي في حاشية الخرشي: فالوجوب متعلق بالإمام أو بِمَن يتولى القَطْعُ، كان الإمام أو نائبه. قال النفراوي: وإذا قطع فإنه يحسم بالنار، أي يُكوى موضع القَطْع؛ لِما جاء في الحديث من قوله ﷺ "اقطعوه ثم احسِموه". والحسم بالحاء المهملة والسين المهملة لمكسورة الكيّ، هكذا بيَّنت السنّة، وإنَّما حُسِمَتْ بالنار ليقْطَع جريان الدم بحَرْق أفواه العروق؛ لأن دوام جَرْيهِ يؤدّي إلىموت المقطوع. والحَسم من حقَّ المقطوع لا من تمام الحدّ، خِلافًا لبعض الشيوخ.

стр. 1084

والظاهر كما قال الحطاب: أن حُكْمَ الحَسِم الوجوب على كل من الحاكم والمقطوع، فيأثمان بِتَرْكِه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَالشَّلاَّاءُ وَالْمَقْطُوعَةُ الأَصَابع كَالْمَعْدُومةِ" يعني أ، السارق إذا شُلَّت يمناه أو قُطِعَ أكثر أصابعها سواء كان ذلك بسماوي أو خلقة فهي كالمعدومة، وينتقل الحُكْمُ إلى رِجْلِه اليسرى. قال النفراوي: وأمَّا مَنْ لا يمين له أو له يمين شلاء أو ناقصة أكثر الأصابع فرِجْلُه اليسرى هي التي تقطع أولاص، على المشهور من قولَيْ مالك، وأخذ به ابن القاسم. وإن كان مالك أمر بمَحْوِه وإثبات قطع اليد اليسرى؛ لأن أصحابه ضعَّفوا المثبت ورجَّحوا المَمْحو اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ثُمَّ إِنْ تَكَرَّرَ قُكِعَ مِنْ خِلاَفٍ فإِنْ عَادَ ضُرِبَ وَحُبِسَ" يعني كما في المدوّنة: مَنْ سرق مرّة بعد مرّة قُطِعَتْ يده اليمني، ثم إن سرق قُطِعَتْ رجله اليسرى، ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى اهـ. قال في الرسالة: ويُقْطَعُ في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد، ثم إن سرق أي مرّة ثانية قُطِعَتْ رِجْلُه من خِلاف، ثم إن سرق أي مرّة ثالثة فَيَدهُ اليسرى، ثم إن سرق أي مرّة رابعة فرِجْلُه اليمنى، ثم إن سرق أي مرَّة خامسة جُلِدَ وسُجِن، أي إلى أن تظهر توبته، ولا يُقْتَل على المشهور. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يَسْقُطُ بِتَمَلُّكِهِ إِيَّاهُ" يعني لا يسقط الحدُ عن السارق بتمَلُّك الشيئ المسروق للسارق، لكن هذا بعد البلوغ إلى الإمام، وأمَّا قبل الإمام فجائز كما تجوز الشفاعة قبله لا بعده؛ لِما في الموطَّأ أن سارقًا أخذ رداء صفوان وهو نائم في المسجد فتيقَّظ وأخذ السارقَ فجاء به رسول الله ﷺ فأمَرَ به رسول الله ﷺ تُقْطَعَ يده، فقال له صفوان: إني لم أرِدْ هذا يا رسول الله، هو عليه صَدَقة، فقال رسول الله ﷺ "فَهَلاَّ قبل أن تأتِيَني به" اهـ. وفي بعض الطرق: فغن الحدود إذا انتهت إلَيَّ فليس لها مترك، كما في حديث

стр. 1085

المخزومية. وفي أخرى: أن النبي ﷺ أمَرَ بقطع سارق رداء صفوان من المفصل أي مفصل الكوع اهـ. انظر شراح الحديث. قال رحمه اللَّه تعالى: "والأقاربُ كالأجانِب" يعني أ، حُكْمَ السرقة بين الأقارب في وجوب الحدَّ كحُكْمِه بين لأجانب سواء. إلاَّ ما استثنى بقوله: "إلاَّ الأبَوَينِ في مالِ الولد بِخِلافِ عكسِه والضَّيفَ" يعني أن الأب والأمَّ إذا سرقا من مال ولدهما فإن لا قطع عليهما، ومثلهما الجدّ ولو لأمَّ إذا سرق من مال ابن ابنه أو ابن ابنته، لقوّة الشُّبهة، لقوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك". أمَّا الابن إذا سرق من مال أبيه أو من مال جدّه فإنه يُقْطَع، لضعف شُبْهَتِه، كما أنه يحدُّ إذا وِطشئ جارية أبيه أو أمَّة، بخِلاف الأبِ إذا وَطئ جارية ابنه، لقوّة شُبْهَتِه، قاله الخرشي اهـ. وفيه. أيضًا نَقْلاً عن ابن رشد أنه قال: لا قطع على مَنْ سرق من موضع مأذون له في دخوله، كالشخص يضيف الضيف فيدخله داره، أو يبعث الشخص إلىداره ليأتِيَه من بعض بيوتها بشيئ، وما أشبه ذلك، فيسرق من موضع مغلق قد حُجِرَ علهي فيه وإن خرج من جميع الدار؛ لأنه خائن لا سارق اهـ. ومثله في الموّاق عند قول خليل: لا إذْنَ خاص كضيف ممَّا حَجَرَ عنه. فراجِعْه إن شئت. وكذلك أنه لا قطع على مضنْ سرق رَهْنَه من مرتَهَنِه، وأجْرته من المستأجرن ولا مَنْ سرق شيئًا له فيه نصيب، ولا على صاحب الدذَيْن إذا سرق من غريمه قدر دَيْنِه. واختُلِفَ في قَطْع مَنْ سرق من المغنم قبل القِسُم إذا كان له فيها نصيب، وقيل: إن سرق فوق حقَّه بثلاثة درانم قُطِعَ كشريك إن حجب عنه اهـ. ابن جزي بتوضيح ومثله في الخرشي. قال رحمه اللَّه تعالى: "وكُلٌّ منَ الزَّوجَينِ فيما حُرِزَ عنهُ وعبْد كُلَّ مِنْهُمَا في مالِ الآخرِ" يعني أن أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه في حِرْزٍ مخصوص

стр. 1086

محجور عنه فإنه يُقْطَع. قال خليل عاطِفًا على ما يُقْطَع به: أو زوج فيماحُجِرَ عنه. قال الشارح: وكذلك يُقْطَع أحد الزوجين إذا سرق من ماله صاحبه، بِشَرْط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله. أمَّا لو سرق من مكان يدخله فإنه لا قطع عليه؛ لانه حينئذٍ خائن لا سارق، وأصله ما فيالموطأ من قول مالك: وكذلك الرجل يسرق من متاع امرأته أو المرأة تسرق من متاع زوجها ما يجب فيه القَطْعُ، إن كان الذي سرق كلُّ واحدٍ منهما من متاع صاحبه في بيت سِوَى البيت الذي يغلقان عليهما، وكان في حِرْز سوى البيت الذي هما فيه؛ فإنّ مَنْ سرق منهما من متاع صاحبه ما يجب فيه القَطْعُ فيه. وحُكْمُ أمَة الزوجة في السرقة من مال الزوج حُكْمُ عبد الزوج إذا سرق من مال الزوجة اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "والْجَمَاعَةُ الْمُتَعَاوِنُونَ كَالْوَاحِد خضرَجَ بِهَا أَوْ رَمَاهَا إِلَى خارِجِهِ ثُمَّ خَرَجَ أَوْ رَبَطَهَا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ أَلْقَاهَا عَلَى ماءٍ فَجَرى بها" يعني الجماعة المتعاونون في السرقة كالواحد يخرج النًّصاب من الحِرْز، أو رماه من داخل إلى خارج، أو ربط المسروق علىدابة فذهبت به، أو ألقاه في الماء الجاري فجرى به وأخذه في خارج الحِرْز فإنه يُقْطَع، كما تُقْطَع الجماعة بالتعاون على إخراجه من الحِرْز. قال في المدونة: إن دخلوا جميعًا للسرقة فحَمَلَه واحد منهم فخرج به وهم معه ولم يحملوه عليه ولم يحملوا شيئًا لم يُقْطَع إلاَّ مَنْ حَمَلَه وحدَه وإن دخلوا للسرقة جميعًا. قال: وإن خرجوا جميعًا وقد أخذ كلُ إنسان منهم شيئًا يحمله، وهم شركاء فيما أخرجوا، فَمَنَ خرج منهم بقيمة ثلاثة دراهم قثطِعَتْ يده، ومَنْ خرج منهم بقيمة أقل من ثلاثة دراهم لم يُقْطَع؛ لأن هؤلاَء لم يتعونوا على ما حَمَلَ كلُّ واحد منهم، إنَّما حَمَلَ كلُّ واحد منهم ما حَمَلَ وحده، ولم يحمل عليه صاحبه، ولم يحمل معه. وإنما مثل ذلك مثل القوم يدخلون جميعًا فيحملون السرقة على واحد منهم، فيخرج بها واحجد منهم يحملها، وهم الذين حملوها عليه، فيقطعون جميعًا، بمنزلة

стр. 1087

ما لو حملوا المتاع في حِرْزِه على دابة أو على بعير أو حمار فخرجوا به إلاَّ أنهم اجتمعوا في حمله على الدابة إنهم يقطعون جميعًا اهـ. ومثله في الموطَّأ. وعلى المسألة الأولى أشار خليل عاطِفًا على ما لا قطع فيه بشرطَيْن بقوله: أَوِ اشْتركا في حمل إن استقلّ كُلٌّ، ولم يَنُبْه نِصاب. قال شارحه: هذا عطف على ما لا قطع فيه. والمعنى أنه إذا دخل اثنان فيا لحِرْز فاشتركا في حَمْل نِصاب فأخرجاه فإنهلا قطع على واحد منهما، لكن بشرطَيْن: الأول: أن يكون كل واحد منهما يستقلُّ بإخراجه من الحِرْز دون صاحبه. الثاني: ألاَّ ينوبَ كل واحد منهما نِصابٌ. فإذا لم يستقلَّ أحدهما بإخراجه من الحِرْز فعليهما القَطْعُ ولو لم يَنُبْ كلَّ واحد منهما نصابٌ، أو ناب كلَّ واحد نِصاب ولو استقل بإخراجه من الحِرْز. ف الحاصل إن ناب كُلاً نِصاب فالقَطْعُ على كل حال، وإلاَّ فإن استقلَّ كل بإخراجه من الحِرْز فلا قَطْع، وإلاَّ فالقَطْعُ عليهما أيضًا. وكذلك القَطْعُ عليهما إذا رفعوه على ظهر أحدهم في الحِرْز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلاَّ برفعهم معه ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فإنهم يُقْطَعون إذا تعاونوا على رَفْعِه عليها. ولو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حِملِه دونهم كالثوب قُطِعَ وحده. ولو خرج كلُّ واحد منهم حامِلاث لشيئ دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يُقْطَع منهم إلاَّ مَنْ أخرج ما فيه ثلاثة دراهم. ولو دخل اثنان الحِرْزَ فأخذ أحدهما دينارًا وقضاه للآخر في دَيْنٍ عليه أو أودعه إياه قطع الخارج به، قاله ابن الموّاز. ولو باع السارق ثوبًا في الحِرْز لآخر فخرج به المشتري ولم يَعْلَم أنه سارق فلا قطع على واحد منهما قاله الباجي أهـ. الخرشي. قال الحطاب نَقْلاً عن المقدَّمات: يجب القَطْعُ في النًّصاب بإخراجه من الحِرْز، سرقه واحد من واحد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة من واحد أو واحد من جماعة، إذا تعاونوا في إخراجه لحاجتهم إلى التعاون في ذلك اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وغذا سرق جماعة نِصابًا ولم يكن في نصيب أحدهم نِصاب قُطِعُوا خِلافًا لهما، إلاَّ أن يكون في نصيب كلَّ منهم نِصاب فيُقْطَعوا اتّفاقاً اهـ.

стр. 1088

قال رحمه الله تعالى: "أوِ ابتلعَ ما لا يَهلِكُ وإنْ أُخِذَ في الحِرْز بخِلاف أكلهِ الطعامَ فإنهُ يَغْرَمُه فقطْ" هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فالمعنى كما في الخرشي وكذلك يُقْطَعُ مَنِ ابتلع داخل الحِرْز درًّا أو دينارًا أو شبه ذلك ممَّا لا يفسد بالابتلاع حيث خرج السارق من الحِرْز، فإنه لا قطع عليه ولو خرج من الحِرْز، ولكن يضمنه لربَّه كما لو حرق أمتعة داخل الحِرْز ويؤدَّب. وعبارة الدردير على أقرب المسالك أنه قال: والمدار على إخراج النَّصاب ولو في جوفه إذا كان لا يفسد، كما لو ابتلع فيه كجوهر قدر نصاب ثم خرج فيُقْطَع، بخلاف ما لو ابتلع فيه نحو لحم وعنب يساوي نِصابًا فلا قطع، بل عليه الضمان، كما لو أتْلَفَ شيئًا في الحِرْز بحَرْقٍ أو كَسْر اهـ. قال رحمه الله تعالى: " "فلَوْ تَنَاوَلَهَا الخَارجُ وَسْطَ الثَّقْبِ قُطعًا وَلَوْ قَرَّبَهَا الدَّاخل وأَخْرَجَهَ الخَارجُ قُطِعَ وَحْدَه" يعني كما في الدردير: وإن التقيا أي الداخل في الحِرْز والخارج عنه، بأن التقيا بأيديهماوسط الثَّقْب، فأخرج الخارج الشيئ بمناولة الداخل، أو ربطه الداخل بحبل ونحوه، فجذبه الخارج عن الحِرْز قُطعا معًا ف يالمسألتَيْن، أي مسألة الالتقاء وسط الثَّقْبِ ومسألة ربط الداخل مع جذب الخارج. وإنَّما قطعا معًا لاشتراكهما في الإخراج من الحِرْز. وأمَّا لو قرَّبها الداخل ومدَّ الخارج يده وتناولها من الداخل فالقَطْعُ على الخارج فقط. فلو مدَّ الداخل يده بالشئ إلى خارج الحِرْز وتناوله غيره من خارج فالقَطْعُ على الداخل فقط اهـ. قال رحمه لله تعالى: "والسَّاحَةُ المُخْتَصَّةُ حِرْزٌ بِخِلاَفِ المُشْتَرِكةِ فَإنَّهُ يُقْطَعُ بالإخْراج إلَيها" يعني أن الساحة المختصّة حِرْزٌ لمتاع صاحبها، بخلاف المشتركة فإنه يُقْطَعُ بالإخراج إلَيْها. قال خليل: أو ساحة دار لأجنبي إن حُجِرَ عليه. قال الموّاق نَقْلاً عن ابن يونس: الدار المُشترَكَة المأذون فيها لسكِنِها مَنْ سَرَقَ من السكان من بيت

стр. 1089

محجور عنه فإنه إذا أخرج المتاع من البيت إلى الساحة قُطِع، لأنه صيَّره إلى غير حِرْزِه، وإن سرق من الساحة لم يُقْطَعْ وإن خرج به من جميع الدار، لأنه موضع مأذون له فيه. وأمَّا إن كان السارق غير الساكن فإنه لا يقْطَع حتى يخرجه من جميع الدار، وساء سرق المتاع من البيت أو من لساحة. قاله سحنون. وقال ابن الموّاز عن مالك في هذا: إنه يُقْطَع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة، وإن سُرِقَ من الساحة لم يُقْطَع حتى يخرج به من الجميع اهـ. ومثله في الموطَّأ. قال رحمه الله تعالى: "وَفَنَاءُ الحَانُوتِ والفُسْطاطِ وظَهْرِ الدَّابة والقِطَار ومَوْقِفِ الدَّابة بِبَابِ دَارِهِ حرْزٌ" يعني أن فناء الحانوت حِرْزٌ لبعض الأمتعة، لأن الحِرْزَ كما عرفوه: إنه ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا عَرْفًا، ويختلف باختلاف الأشياء، وما يجعل فيه أو يصونه عن التَّلَفِ فالحانوت حِرْزٌ لِما فيه، والخيمة حِرْزٌ لِما فيها، والمحمل حِرْزٌ لِما فيه، سواء كان علىظهر الدابة أم لأن كان سائرًا أو نازلأن والفسطاط وهو بيت شعر حِرْزٌ لِما فيه، ككل موضع اتخذ منزلاً فهو حِرْزٌ لِما فيه، والجرين حِرْزٌ لِما فيه من زرع وثمر وغيرهما، وكذلك القبر حِرْزٌ للكفن، والسفينة حِرْزٌ لِما فيها، والمسجد حِرْزٌ لفراشهوآلته، وكذلك موقف الدابة بباب الدار حِرْزٌ لها، والحمّام حِرْزٌ لِما يضع الناس فيه من الثياب وغيرها، والإنسان حِرْزٌ لِما معه في جيبه أو كمه أو وسطه، أو يحمل على رأسه أو على ظهره أو يسمك بيده، فَمَن أخذ نِصاباً في حِرْزِه في شيئ من تلك المذكورات وأخرجه عن حِرْزه بلا شُبهة له فيه فإنه تُقْطع يده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو عضبْدًا، مسلمًا أو كافرًا: للآية المتقدَّمة " والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ" الآية وللأحاديث المروية كحديث المخزومية الآتي المروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قال في الرسالة: ويُقْطَعُ في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد. قال شارحها: لا يُشْتَرَطْ في القَطْعِ ذكورة ولا حرَّية ولا إسلام، قال خليل: وشَرْطُه التكليف، فيُقْطَعُ الحر والعبد والمعاهد وإن لِمِثْلِهم. ونُبَّهَ لبعض

стр. 1090

ما تقدَّم بقوله رحمه الله تعالى: "كالْقَبْرِ لِلكَفَنِ وَالْمَسْجِدِ لِفِراشِهِ وَآلتِهِ وَبَابِهِ وَالْحَمَّام" يعني كما تقدَّم أن القبر حِرْزٌ إلخ. قال في الرسالة: وكذلك الكفن من القبر، أي إذا خرج به من القبر وكان الكفن نِصابًا ولم يَزِدْ على الكفن الشرعي فغنه يُقْطَع به. وأمَّ مَنْ سرق ما زاد على الشرعي فلا قطع به على المعتمد كما مشىي عليه في المجموع اهـ. نَقَلَه الصاوي. قال لمالك: والأمر عندنا فيمن يَنبِشُ القبور أنه إذا بلغ ما أخرج من القبور ما يجب فيه القَطْعُ فعَلَيه فيهالقَطْع. قال: وذلك أنّ القبر حِرْزٌ لِما فيه كما أنّ البيوت حِرْزٌ لِما فيها. قال: ولا يجبُ عليه القَطْعُ حتى يخرج به من القبر اهـ. الموطَّأ. وكذلك المسجد حِرزٌ لنحو حصره وبسطه حيث كانت تترك فيه. فإن كانت تفرض نهارًا فقط فَتُرِكَتْ ليلةً فَسُرِقَ منها فلا قَطْع، كما أنه لا قطع على مضنْ سرق متاعًا نَسِيَه ربّه بالمسجد. وأمَّا مَنْ سرق بسطه أو قناديله أو غير ذلك من آلته فإنه يقطَعُ ولو لم يخرج به إذا أزاله عن محله إزالة بينة؛ لأنه لا يُشْتَرَطْ في قَطْع مَنْ سرق مِن المسجد أن يخرجه منه كما في الدردير. قال ابن جزي في القوانين: لا يُقْطَعُ مَنْ سرق قناديل المسجد خلافًا للسافعي أهـ. راجع الحطاب عند قول خليل عاطفًا على ما يوجب القَطْع: أَوْ أزال بابَ المسجد أو سقفه، أو أخرج قناديله أو حصرَهُ أو بُسُطَه إن تركت به أو حمّام إن دخل لسرقة إلى قوله: وصُدَّق مدَّعي الخطأ. قوله: الحمّام حاصل مسألة الحمّام كما في الخشري أنّ مَنْ دخل الحمام لأجْل السرقة وسرق منه فإنه يُقْطَع، وأمَّا إن أذن له في دخوله فدخله وسرق فلا قطع عليه، يُعْلَم ذلك من قرائن الأحوال. وكذلك يُقْطَع من نقب الحمّام أو تسوَّ ﴿عليه ونزل إليه وسرق ما قيمته ثلاثة دراهم إذا أخذ خارج الحمّام. وأمَّا مجرَّد النقب فلا قطع فيه، وكذلك يُقْطَع مَنْ أخذ من ثياب الحمّام من غير إذن الحارس له في تقليب الثياب، وأمَّا إن أذِن له في تقليب الثياب فأخذ غير ثيابه فإنه لا يُقْطَع عليه، وسواء دخل لسرقة أم لا؛ لأنه خائن. وحيث قُلْنا بالقَطْعِ محله ما لم يدَّعِ أنه أخطأ فإن ادَّعى ذلك صَدُقَ إن أشبه قوله اهـ.
следующие страницы →