Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
محجور عنه فإنه يُقْطَع. قال خليل عاطِفًا على ما يُقْطَع به: أو زوج فيماحُجِرَ عنه. قال الشارح: وكذلك يُقْطَع أحد الزوجين إذا سرق من ماله صاحبه، بِشَرْط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله. أمَّا لو سرق من
مكان يدخله فإنه لا قطع عليه؛ لانه حينئذٍ خائن لا سارق، وأصله ما فيالموطأ من قول مالك: وكذلك الرجل يسرق من متاع امرأته أو المرأة تسرق من متاع زوجها ما يجب فيه القَطْعُ، إن كان الذي سرق كلُّ واحدٍ منهما من متاع صاحبه في بيت سِوَى البيت الذي يغلقان عليهما، وكان في حِرْز سوى البيت الذي هما فيه؛ فإنّ مَنْ سرق منهما من متاع صاحبه ما يجب فيه القَطْعُ فيه. وحُكْمُ أمَة الزوجة في السرقة من مال الزوج حُكْمُ عبد الزوج إذا سرق من مال الزوجة اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "والْجَمَاعَةُ الْمُتَعَاوِنُونَ كَالْوَاحِد خضرَجَ بِهَا أَوْ رَمَاهَا إِلَى خارِجِهِ ثُمَّ خَرَجَ أَوْ رَبَطَهَا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ أَلْقَاهَا عَلَى ماءٍ فَجَرى بها" يعني الجماعة المتعاونون في السرقة كالواحد يخرج النًّصاب من الحِرْز، أو رماه من داخل إلى خارج، أو ربط المسروق علىدابة فذهبت به، أو ألقاه في الماء الجاري فجرى به وأخذه في خارج الحِرْز فإنه يُقْطَع، كما تُقْطَع الجماعة بالتعاون على إخراجه من الحِرْز. قال في المدونة: إن دخلوا جميعًا للسرقة فحَمَلَه واحد منهم فخرج به وهم معه ولم يحملوه عليه ولم يحملوا شيئًا لم يُقْطَع إلاَّ مَنْ حَمَلَه وحدَه وإن دخلوا للسرقة جميعًا. قال: وإن خرجوا جميعًا وقد أخذ كلُ إنسان منهم شيئًا يحمله، وهم شركاء فيما أخرجوا، فَمَنَ خرج منهم بقيمة ثلاثة دراهم قثطِعَتْ يده، ومَنْ خرج منهم بقيمة أقل من ثلاثة دراهم لم يُقْطَع؛ لأن هؤلاَء لم يتعونوا على ما حَمَلَ كلُّ واحد منهم، إنَّما حَمَلَ كلُّ واحد منهم ما حَمَلَ وحده، ولم يحمل عليه صاحبه، ولم يحمل معه. وإنما مثل ذلك مثل القوم يدخلون جميعًا فيحملون السرقة على واحد منهم، فيخرج بها واحجد منهم يحملها، وهم الذين حملوها عليه، فيقطعون جميعًا، بمنزلة
стр. 1087
ما لو حملوا المتاع في حِرْزِه على دابة أو على بعير أو حمار فخرجوا به إلاَّ أنهم اجتمعوا في حمله على الدابة إنهم يقطعون جميعًا اهـ. ومثله في الموطَّأ. وعلى المسألة الأولى أشار خليل عاطِفًا على ما لا قطع فيه بشرطَيْن بقوله: أَوِ اشْتركا في حمل إن استقلّ كُلٌّ، ولم يَنُبْه نِصاب. قال شارحه: هذا عطف على ما لا قطع فيه. والمعنى أنه إذا دخل اثنان فيا لحِرْز فاشتركا في حَمْل نِصاب فأخرجاه فإنهلا قطع على واحد منهما، لكن بشرطَيْن: الأول: أن يكون كل واحد منهما يستقلُّ بإخراجه من الحِرْز دون صاحبه. الثاني: ألاَّ ينوبَ كل واحد منهما نِصابٌ. فإذا لم يستقلَّ أحدهما بإخراجه من الحِرْز فعليهما القَطْعُ ولو لم يَنُبْ كلَّ واحد منهما نصابٌ، أو ناب كلَّ واحد نِصاب ولو استقل بإخراجه من الحِرْز. ف الحاصل إن ناب كُلاً نِصاب فالقَطْعُ على كل حال، وإلاَّ فإن استقلَّ كل بإخراجه من الحِرْز فلا قَطْع، وإلاَّ فالقَطْعُ عليهما أيضًا. وكذلك القَطْعُ عليهما
إذا رفعوه على ظهر أحدهم في الحِرْز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلاَّ برفعهم معه ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فإنهم يُقْطَعون إذا تعاونوا على رَفْعِه عليها. ولو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حِملِه دونهم كالثوب قُطِعَ وحده. ولو خرج كلُّ واحد منهم حامِلاث لشيئ دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يُقْطَع منهم إلاَّ مَنْ أخرج ما فيه ثلاثة دراهم. ولو دخل اثنان الحِرْزَ فأخذ أحدهما دينارًا وقضاه للآخر في دَيْنٍ عليه أو أودعه إياه قطع الخارج به، قاله ابن الموّاز. ولو باع السارق ثوبًا في الحِرْز لآخر فخرج به المشتري ولم يَعْلَم أنه سارق فلا قطع على واحد منهما قاله الباجي أهـ. الخرشي. قال الحطاب نَقْلاً عن المقدَّمات: يجب القَطْعُ في النًّصاب بإخراجه من الحِرْز، سرقه واحد من واحد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة من واحد أو واحد من جماعة، إذا تعاونوا في إخراجه لحاجتهم إلى التعاون في ذلك اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وغذا سرق جماعة نِصابًا ولم يكن في نصيب أحدهم نِصاب قُطِعُوا خِلافًا لهما، إلاَّ أن يكون في نصيب كلَّ منهم نِصاب فيُقْطَعوا اتّفاقاً اهـ.
стр. 1088
قال رحمه الله تعالى: "أوِ ابتلعَ ما لا يَهلِكُ وإنْ أُخِذَ في الحِرْز بخِلاف أكلهِ الطعامَ فإنهُ يَغْرَمُه فقطْ" هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فالمعنى كما في الخرشي وكذلك يُقْطَعُ مَنِ ابتلع داخل الحِرْز درًّا أو دينارًا أو شبه ذلك ممَّا لا يفسد بالابتلاع حيث خرج السارق من الحِرْز، فإنه لا قطع عليه ولو خرج من الحِرْز، ولكن يضمنه لربَّه كما لو حرق أمتعة داخل الحِرْز ويؤدَّب. وعبارة الدردير على أقرب المسالك أنه قال: والمدار على إخراج النَّصاب ولو في جوفه إذا كان لا يفسد، كما لو ابتلع فيه كجوهر قدر نصاب ثم خرج فيُقْطَع، بخلاف ما لو ابتلع فيه نحو لحم وعنب يساوي نِصابًا فلا قطع، بل عليه الضمان، كما لو أتْلَفَ شيئًا في الحِرْز بحَرْقٍ أو كَسْر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " "فلَوْ تَنَاوَلَهَا الخَارجُ وَسْطَ الثَّقْبِ قُطعًا وَلَوْ قَرَّبَهَا الدَّاخل وأَخْرَجَهَ الخَارجُ قُطِعَ وَحْدَه" يعني كما في الدردير: وإن التقيا أي الداخل في الحِرْز والخارج عنه، بأن التقيا بأيديهماوسط الثَّقْب، فأخرج الخارج الشيئ بمناولة الداخل، أو ربطه الداخل بحبل ونحوه، فجذبه الخارج عن الحِرْز قُطعا معًا ف يالمسألتَيْن، أي مسألة الالتقاء وسط الثَّقْبِ ومسألة ربط الداخل مع جذب الخارج. وإنَّما قطعا معًا لاشتراكهما في الإخراج من الحِرْز. وأمَّا لو قرَّبها الداخل ومدَّ الخارج يده وتناولها من الداخل فالقَطْعُ على الخارج فقط. فلو مدَّ الداخل يده
بالشئ إلى خارج الحِرْز وتناوله غيره من خارج فالقَطْعُ على الداخل فقط اهـ.
قال رحمه لله تعالى: "والسَّاحَةُ المُخْتَصَّةُ حِرْزٌ بِخِلاَفِ المُشْتَرِكةِ فَإنَّهُ يُقْطَعُ بالإخْراج إلَيها" يعني أن الساحة المختصّة حِرْزٌ لمتاع صاحبها، بخلاف المشتركة فإنه يُقْطَعُ بالإخراج إلَيْها. قال خليل: أو ساحة دار لأجنبي إن حُجِرَ عليه. قال الموّاق نَقْلاً عن ابن يونس: الدار المُشترَكَة المأذون فيها لسكِنِها مَنْ سَرَقَ من السكان من بيت
стр. 1089
محجور عنه فإنه إذا أخرج المتاع من البيت إلى الساحة قُطِع، لأنه صيَّره إلى غير حِرْزِه، وإن سرق من الساحة لم يُقْطَعْ وإن خرج به من جميع الدار، لأنه موضع مأذون له فيه. وأمَّا إن كان السارق غير الساكن فإنه لا يقْطَع حتى يخرجه من جميع الدار، وساء سرق المتاع من البيت أو من لساحة. قاله سحنون. وقال ابن الموّاز عن مالك في هذا: إنه يُقْطَع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة، وإن سُرِقَ من الساحة لم يُقْطَع حتى يخرج به من الجميع اهـ. ومثله في الموطَّأ.
قال رحمه الله تعالى: "وَفَنَاءُ الحَانُوتِ والفُسْطاطِ وظَهْرِ الدَّابة والقِطَار ومَوْقِفِ الدَّابة بِبَابِ دَارِهِ حرْزٌ" يعني أن فناء الحانوت حِرْزٌ لبعض الأمتعة، لأن الحِرْزَ كما عرفوه: إنه ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا عَرْفًا، ويختلف باختلاف الأشياء، وما يجعل فيه أو يصونه عن التَّلَفِ فالحانوت حِرْزٌ لِما فيه، والخيمة حِرْزٌ لِما فيها، والمحمل حِرْزٌ لِما فيه، سواء كان علىظهر الدابة أم لأن كان سائرًا أو نازلأن والفسطاط وهو بيت شعر حِرْزٌ لِما فيه، ككل موضع اتخذ منزلاً فهو حِرْزٌ لِما فيه، والجرين حِرْزٌ لِما فيه من زرع وثمر وغيرهما، وكذلك القبر حِرْزٌ للكفن، والسفينة حِرْزٌ لِما فيها، والمسجد حِرْزٌ لفراشهوآلته، وكذلك موقف الدابة بباب الدار حِرْزٌ لها، والحمّام حِرْزٌ لِما يضع الناس فيه من الثياب وغيرها، والإنسان حِرْزٌ لِما معه في جيبه أو كمه أو وسطه، أو يحمل على رأسه أو على ظهره أو يسمك بيده، فَمَن أخذ نِصاباً في حِرْزِه في شيئ من تلك المذكورات وأخرجه عن حِرْزه بلا شُبهة له فيه فإنه تُقْطع يده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو عضبْدًا، مسلمًا أو كافرًا: للآية المتقدَّمة " والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ" الآية وللأحاديث المروية كحديث المخزومية الآتي المروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قال في الرسالة: ويُقْطَعُ في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد. قال شارحها: لا يُشْتَرَطْ في القَطْعِ ذكورة ولا حرَّية ولا إسلام، قال خليل: وشَرْطُه التكليف، فيُقْطَعُ الحر والعبد والمعاهد وإن لِمِثْلِهم. ونُبَّهَ لبعض
стр. 1090
ما تقدَّم بقوله رحمه الله تعالى: "كالْقَبْرِ لِلكَفَنِ وَالْمَسْجِدِ لِفِراشِهِ وَآلتِهِ وَبَابِهِ وَالْحَمَّام" يعني كما تقدَّم أن القبر حِرْزٌ إلخ. قال في الرسالة: وكذلك الكفن من القبر، أي إذا خرج به من القبر وكان الكفن نِصابًا ولم
يَزِدْ على الكفن الشرعي فغنه يُقْطَع به. وأمَّ مَنْ سرق ما زاد على الشرعي فلا قطع به على المعتمد كما مشىي عليه في المجموع اهـ. نَقَلَه الصاوي. قال لمالك: والأمر عندنا فيمن يَنبِشُ القبور أنه إذا بلغ ما أخرج من القبور ما يجب فيه القَطْعُ فعَلَيه فيهالقَطْع. قال: وذلك أنّ القبر حِرْزٌ لِما فيه كما أنّ البيوت حِرْزٌ لِما فيها. قال: ولا يجبُ عليه القَطْعُ حتى يخرج به من القبر اهـ. الموطَّأ. وكذلك المسجد حِرزٌ لنحو حصره وبسطه حيث كانت تترك فيه. فإن كانت تفرض نهارًا فقط فَتُرِكَتْ ليلةً فَسُرِقَ منها فلا قَطْع، كما أنه لا قطع على مضنْ سرق متاعًا نَسِيَه ربّه بالمسجد. وأمَّا مَنْ سرق بسطه أو قناديله أو غير ذلك من آلته فإنه يقطَعُ ولو لم يخرج به إذا أزاله عن محله إزالة بينة؛ لأنه لا يُشْتَرَطْ في قَطْع مَنْ سرق مِن المسجد أن يخرجه منه كما في الدردير. قال ابن جزي في القوانين: لا يُقْطَعُ مَنْ سرق قناديل المسجد خلافًا للسافعي أهـ. راجع الحطاب عند قول خليل عاطفًا على ما يوجب القَطْع: أَوْ أزال بابَ المسجد أو سقفه، أو أخرج قناديله أو حصرَهُ أو بُسُطَه إن تركت به أو حمّام إن دخل لسرقة إلى قوله: وصُدَّق مدَّعي الخطأ. قوله: الحمّام حاصل مسألة الحمّام كما في الخشري أنّ مَنْ دخل الحمام لأجْل السرقة وسرق منه فإنه يُقْطَع، وأمَّا إن أذن له في دخوله فدخله وسرق فلا قطع عليه، يُعْلَم ذلك من قرائن الأحوال. وكذلك يُقْطَع من نقب الحمّام أو تسوَّ ﴿عليه ونزل إليه وسرق ما قيمته ثلاثة دراهم إذا أخذ خارج الحمّام. وأمَّا مجرَّد النقب فلا قطع فيه، وكذلك يُقْطَع مَنْ أخذ من ثياب الحمّام من غير إذن الحارس له في تقليب الثياب، وأمَّا إن أذِن له في تقليب الثياب فأخذ غير ثيابه فإنه لا يُقْطَع عليه، وسواء دخل لسرقة أم لا؛ لأنه خائن. وحيث قُلْنا بالقَطْعِ محله ما لم يدَّعِ أنه أخطأ فإن ادَّعى ذلك صَدُقَ إن أشبه قوله اهـ.
стр. 1091
قال رحمه الله تعالى: "والصَّبيُّ لِمَا علَيْهِ إنْ كَانَ مَعَه حَافِظٌ والْرّضجُلُ لِمَا في جَيْبِهِ أوْ كُمَّه أوْ وَسَطِهِ" يعني أن الصبي لا يكون حِرْزًا لِما عليه من حلي وثياب إلا إذا كان معه حافظ، وإن يكن معه حافظ فلا قطع على مَنْ اخذ منه النصاب إن لم يكن بدار أهله. ومثل الصبي المجنون، والرجل كذلك حِرْزٌ لِما معه في جيبه أو كمَّه أو وسطه، فَمَنْ سرق منه النَّصاب قُطِع. قال في الرسالة: ومَنْ سرق من الكم قُطِع، ومَن سرق من الهَدْي وبيت المال والمغنم فلْيُقْطَع كما تقدَّم.
قال رحمه الله تعالى: "والقَطْعُ فِ كُلَّ مَا يُتمَوَّلُ حَتَّى المُصُحَفِ وَالْعَبْد الصَّغيرِ والكَبِيرِ الأَعْجَمِيَّ لاَ الْفَصِيحِ وَالْكَثرِ والثَّمَرِ المُعَلَّقِ" يعني أن تُقْطَعُ
يد السارق في كل متموَّل يساوي النصاب، سواء كان نفوذًا أو حيوانًا أو عروضًا، حتى المِصْحَف والعبد الصغير غير المميّز أو الكبير الأعجمي أو المجحنون. وأمَّا الفصيح فلا قطع على مَنْ سرقه، ولا على مَنْ سرق الكثير وهو الجمار. قال في الرسالة: ولا قطع في ثمر معلَّق، ولافي الجمار في النخل، ولا في الغنم الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك لا قطع على المختلس، واختُلِفَ فيمَن سرق من الثياب المعلَّقة في حب ل الغسال كما قال ابن جزي. ثم شرع يتكلم في حكم الشفاعة فيمن ترتب عليه حد بقوله رحمه الله تعالى: "ولا تجوز الشفاعة في حد ولا للحاكم أن يضعفُو" يعني أن الشفاعة في السرقة لا تجوز بعد البلوغ إلى الإمام، وتقدَّم ما فَي الموطَّأ مَنْ ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، كما في قصة صفوان بن أمية وقصة المخزومية المروية عن عائشة أنها قالت: إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: مَنْ يكلَّم فيها رسول الَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومَنْ يجترئ عليه إلاَّ أسامة، فكلَّمه أسامة فقال ﷺ "أتشفع في حدَّ منحدود الله؟!؟ ثم قام فاختطب فقال: "إنَّما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم
стр. 1092
الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعْتُ يدها" اهـ. رواه الستة إلاَّ مالكًا. وفي الرسالة: ولا يشفع لمن بلغ الغمام في السرقة والزّّنا، واختُلِفَ في ذلك في القَذْف. قال شارحها: أي لا يجوز لأحد أن يشفع لِمَن بلغ أمْرُه الإمام في عدم حدَّه في الصسرقة والزَّنا، بل يجب إقامة الحدَّ عليهما ولو تابا وحسنت توبتهما؛ لأن الحدَّ بعد بلوغ الإمام يصير حقًّا لله تعالى، فلا يجوز لأحد الشفاعة في إسقاطه، ولا يجوز للإمام تَرْكُه؛ لِما رَوَى الإمام في موطَّئه أن صفوان بن أمية نام في المسجد وتوسَّد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ﷺ فأمَرَ به رسول الله ﷺ أن تُقْطَعَ يده فقال صفوان: إني لم أرِدْ هذا يا رسول الله، هو عليه صَدَقة فقال له رسول الله ﷺ : فَهَلاَّ قبل أن تأتيني به. وفيه أيضًا أن الزبير بن العوام لَقِيَ رجلاً قد أخذ سارقًا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال: لأن حتى أبلغ به السلطان فقال الزبير: إذا بلغت به إلى السلطان فَلَعَن اللَّه الشافع والمشفع. ووَرَدَ أيضًا: تشفَّعوا فيما بينكم في الحدود فإذا بلغ الإمام فلَعَنَ الله الشفيع والمشفوع له اهـ. النفراوي باختصار.
ولمَّا أنه الكلام على ما تعلَّق بأحكام السرقة وحُكْم السارق والسارقة انتقل يتكلم على ما تسقط به الحدود وما ليس فيه حخدّ وفيما ينبَغي للإمام أن يجتهد فيه من التعزير فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الحد
أي في بيان ما يتعلَّق بِما يسقط به الحدّ من الشبهة وما لا يلزم على الشخص شيئ وما ينبغي للحاكم ألاَّ يُعاب فيه يوعفو عنه وما لا ينبغي له تَرْكُه بل يحذرُ ويزجر فيه ويعزر عنه من المعاصي رُبما يكون ذلك واجبًا عليه في بعض المسائل بقدر اجتهاده واللَّه وليُّ التوفيق والهداية.
стр. 1093
قال رحمه الله تعالى: "وَتَسْقُطْ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ" يعني كما تقدَّم أن الحدود جمع حدًّ يسقط بوقوع الشبهة بالإفراد والجمع الشبهت بضمتين. قال المناوي في فيض القدير: وهي كما في القاموس: الإلباس وقال الزمخشري: تشابهت الأمور واشتبهت: التبست لاشتباه بعضها ببعض وشبه علهي الأمر قال بعضهم: وسميت شبهة لأنها تشبه الحق. ودفع الحد بها لجواز وقوعها في ذلك الأمر؛ قال ﵊: "ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرامَ عثراتهم إلاَّ في حدًّ من حدود الله تعالى". وفي رواية ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله؛ فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئَ في العقوبة كما تقدَّم، ونقله الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير فراجعه إن شئت. ومع ذلك لا ينبغي للحاكم أن يترك إقامة الحدّ بعد ثبوته عنده لخبر (ادرؤوا الحدود ولا ينبغي للإمام تَعطِيل الحدود) أي ترك إقامة شيئ منها بعد ثبوته على وجه لا مجال للشبهة فيه، فالمراد: لا تفحصوا عنها إذا لم تثبت عندكم، وبعد الثبوت فإن كان ثَمَّ شبهة فادرؤوا بها وإلاَّ فأقيموها وجوبًا ولا تعطلوها؛ فغن تعطيلها يجر إلى اقتحام القبائح وارتكاب الفضائح والتجاهر بالمعاصي وخلع ربقة احكام الشريعة اهـ. قال المناوي في شرحه على الجامع الصغير.
ثم قال رحمه اللهَّ تعالى: "وَمَا لَيْسَ فِيهِ حَد مِنَ الْمَعَاصِي فَفِيهِ التَّعْزِيرُ بِالاجْتِهضادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" يعني أنه ختم كتاب الحدود بما ليس فيه حد معلوم من قبل الشارع إشارة إلى جواز الاجتهاد لمن تأهل عليه؛ لأن ذلك أمانة اللَّ على عباده كما وضع الله تعالى أمانته في التعزير على الإمام الأعظم فيما دون الحد ليجتهد - فيما أراه الله - في المسائل والنوازل واللَّه أعلَم فافهم. هذا، وأريد أن أختم كتاب الحدود بمسائل التعزير التي نقلها بعض شيوخنا من كتب شتى؛ لما فيها من الفوائد لمن اعتبر واقتصر على الحدود والله ولي التوفيق فقلت مستعينًا باللهَّ:
стр. 1094
خاتمة: ختمنا اللَّه بالخير في مسائل التعزير وهو زجر عن المعاصي من الإمام أو من له قدرة في ذلك. قال خليل: وعزر الإمام لمعصية اللَّه أو لحق آدمي حبسًا ولمصا وبالإقامة ونزع العمامة وضرب بسوط أو غيره وإن زاد على الحد أو
أتى على النفس وضمن ما سرى اهـ. قال ابن جزي في القوانين. يجوز في المذهب التعزيز بمثل الحدود، وأقل وأكثر على حَسَبِ الاجتهاد. وقال ابن وهب: لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط؛ للحديث الصحيح. وقال الشافعي: لا يبلغ به عشرين سوطًا. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ به أربعين اهـ. قال القرافي: إقامة الحدود واجبة على الأئمة. واختلفوا ي التعزير، فقال الإمام مالك وأبو حنيفة رحمهما اللهَّ تعالى: إن كان الحق للَّه وجب كالحدود، إلاَّ أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب من الملامة الكلام مصلحة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه اهـ. قال ابن سهل في الأحكام: وتلزم العقوبة على من حمى الظلمة وذبَّ عنهم، ومن دفع على شخص وجب عليه حق، ومن يحمي قاطع الطريق أو سارقًاونحو ذلك؛ فإن من يحميه ويمنعه عاصٍ للَّه، وتجب عقوبته حتى يحضره إن كان عنده وينزجر عن ذلك، إلاَّ أن يكون إحضاره إلى من يظلمه ويأخذ ماله أو يتجاوز فيه ما أمر به شرعًا، فهذا لا يحضره ولكن يتخلى عنه ويرتدع عن حمايته والدفع عنه اهـ. انظر شراح خليل كالخرشي في كيفية التعزير على مراتب الناس واختلاف أحوالهم وجرائمهم، وما لزم على كل واحد باجتهاد الحاكم في كل جريمة وفي أي شخص. قال ابن ناجي في شرح المدوَّنة: الأدب يتغلَّظ بالزمان والمكان: فمن عصى اللَّه في الكعبة أخصُّ ممن عصاه في الحرم، ومنعصاه في الحرم أخصذُ ممن عصاه في مكة ومن عصاه في مكة أخصُّ ممن عصاه خارجها اهـ. قال العلاّمة الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي مفتي السادة المالكية بمكة سابقًا في فتاويه المسمّى بقرة العين نقلاً عن العتبية:
стр. 1095
مسألة: لو قال رجل لرجل: يا سارق ضرب خمسة وعشرين سوطًا أو نحوها. وقال ابن رشد: والتحديد في هذا ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنَّما فهي الاجتهاد بحَسَبِ القائل والمقول له اهـ. ثم قال:
مسألة: يلزم التعزير من سرق شيئًا لا قطعَ فيه ويلزم على من اختلى بأجنبية، ومن وطئ مكاتبته، ومن استمنى بيده أو أتى البهيمة أو حلف يمينًا غموسًا أو غش في الأسواق أو عمل بالربا أو شهد زورًا ومن فعل التحليل أو شهد على نكاح السر، وكذا يؤدب الزوجان والولي إلاَّ أن يعذروا بجهل اهـ. ثم قال:
مسألة: من قال لرجل: يا شارب الخمر أو يا آكل الربا أو يا خائن أو ثور أو حمار أو يا ابن الحمار أو يا يهودي أو يا نصراني أو يا مجوسي فإنه يعزر، نقله عن ابن رشد في جامع الأصول. ومن قال لرجل: يا يهودي يضرب عشرين اهـ. قال
ابن رشد في البيان: لو قال رجل لرجل: يا مرائي عوقب بقدر ما يرى الغمام على قدر حال القائل والمقول له اهـ. ونقل مسائل عن مفيد الحكام لابن هشام، منها مسألة سلَّ السكين. ومن سلَّ سكينًا في جماعة على وجه المزاح ضرب عشرة أسواطن ومن سلَّ سيفًا على وجه القتال ضرب أربعين وكان السيف فيئًا. ويل: يقتل إذا سلَّه على وجه الحرابة. ومنها مسألة التهاون بدعوة الحاكم أو القاضي ولم يجب ضرب عشرة أسواط. ومنها من قال لرجل: يا مجرم ضرب خمسة وعشرين. وكذا إذا قال له: يا ظالم ولم يكن كذلك يضرب أربعين. ولو قال له: يا سارق ضرب خمسة عشر إلى عشرين. وتقدَّم أنه يضرب خمسة وعشرين ونحوها. ومنها مسألة ارتفاع الكلام في مجلس القاضي. وإذا ارتفع الكلام بين الخصمين في مجلس القاضي ضرب كل واحد منهما عشرة أسواط. ومنهامن تكلم في عالم بما لا يجب فيه حدّ ضرب أربعين سوطًا. ومنها من تغامر مع أجنبية أو تضاحك معها ضربًا عشرين عشرين، فإن قبَّلها طائعة ضربًا خمسين خمسين. وكذلك من حبس
стр. 1096
امرأة ضرب أربعين. فإن طاوعته ضربت مثله. ومنها من قال لرجل: يا فاسق ضرب ثمانين سوطًا. ومنها إذاية مسلم، وكل من آذى مسلمًا بلسانه يضرُّ به وتقصد به أذاه فعليه الأدب البالغ الرادع له ولمثله، بقمع رأسه بالسوط، أو بضرب رأسه بالدرّة، أو ظهره، بها، وذلك على قدر القائل وسفاهته وعلى قدر المقول فيه اهـ.
مسألة: إذا شتم أحد الخصمين صاحبه في مجلس الحاكم زجره الحاكم. وقال ابن الماجشون ومطرف: إذا أسرع إليه بغير حجة مثل يا ظالم يا فاجر زجره عنه، ويضرب في مثل هذا ما لم تكن فلتة من ذي مروءة فيتجافى عنه. وغذا قال الرجل لصاحبه: اللَّه أكبر عليك فإنه يعزر القائل إلاَّ أن يعفو عنه خصمه.
مسألة: قال الباجي في شرح الموطَّأ: من شتم أحدًا من الصحابة: أبا بكر أوعمر أو عثمان أو عليًا أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: إنهم كانوا ضلال وكفر فإنه يقتل، ولو شتمهم بغير ذلك نكل نكالاً شديدًا. ومن شتم غير هؤلاء من الصحابة فعليه النكال الشديد. ومن سبَّ عائشة قُتِل اهـ. وتقدَّم في الردة أن من سبَّ أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أو أزواجه أو أهل بيته فلا قَتْلَ عليه، ولكن يؤدب بالضرب الوجيع، ويكرَّر ضربه ويُطال سجنه اهـ. قال ابن جزي. وقد عقد العلاّمة القاضي ابن فرحون فصلاً في تبصرة الحكام في التعزير والزواجر والعقوبة الشرعية ثم قال: والتعزير تأديب استصلاح وزجر على ذنوب لم تشرع فيها حدود ولا كفارات. والأصل في التعزير ما ثبت في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ : لا يجلد فوق عشرة أسواط إلاَّ في حدَّ من حدود اللَّه تعالى اهـ. قال ابن قيم
الجوزية: اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حدٌّ بحَسَبِ الجناية في العظم والصغر وبِحَسَبِ الجاني في الشر وعدمه. فراجع لفصل الحادي عشر في القسم الثالث من تبصرة الحكام لابن فرحون ففيها غنيمة في جميع المرام إن شاء الله تعالى.
стр. 1097
تتمة: تقدَّم الكلام في الشفاعة أنها لا تجوز في الحدود فهل تجوز في التعزير أم لا؟ فالجواب أنها جائزة في التعزير؛ قال النفراوي في الفواكه.
تنبيه: سكت المصنَّف عن العفو عن الذي يوجب تعزيره والشفاعة فيه والحكم: الجواز، ولو بعد بولغ الإمام، قاله الحطاب. قال بعض الفضلاء عقب كلامه: وظاهره ولو كان التعزير لمحض حق الله تعالى اهـ. قاله الحطاب نَقْلاص عن لقرافي فيما نَقَله في المسائل الملقوطة.
مسألة: ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه إذ كان الحق لآدمي، فإ تجرَّد عن حقَّ الآدمي وانفرد به حقُّ السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيه. وقال القاضي عياض في الإكمال في شرح قوله: لتشفعوا ولتؤجروا: والشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان وغيره مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث وشهادة كتاب الله بقوله: مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً [النساء: ٨٥] الآية، على أحد التأولين، وفيه أن معونة المسلم في كل حال لفعل أو قول فيها أجْر، وفي عمومه الشفاعة للمذنبين، وهي جائزة فيما لا حدّ فيه من عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه، والعفو إذا راى ذلك، كما له العفو عنه ابتداء، وهذا فيمن كانت منه الفلتة والزلة، وفي أهل الستر والعفاف أو من طمع بوقوعه عند السلطان. والعفو عنه من العقوبة أن تكون له توبة، وأمَّا المصرّون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ لينزجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم. وقد جاء الوعيد في الشفاعة في الحدود. اهـ. الحطاب. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل التعزير والعفو عنه انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بما هو أهم وأعم وهو القضاء والدعاوى وأوصاف القاضي وسيرته ونوابه وكتابه وكيفية القضاء وغير ذلك ممَّا لزم عليه وعليهم فيما تعلق بحقوق اللَّه تعالى وحقوق العباد ممَّا لهم وعليهم فقال رحمه الله تعالى:
стр. 1098
كتاب الأقضية وما يتعلَّق بها
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام القضاء بين الخصام، والجمع الأقضية والقضايا، ومعنى القضاء ف ياللغة الحكم والإلزامي، وبمعنى الفصل نحو قضى القاضي بين الخصمين أي فصل بينهما، وله معانٍ كثيرة. وأمَّا معناه شرعًا فهو حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده كدَيْنٍ وحُبْسٍ وقَتْلٍ وجَرْحٍ وضَرْبٍ وسَبًّ وتَرْكِ صلاة ونحوها وقذف وشرب وزناً وسرقة وغصب وعدالة وضدها وذكورة وأنوثة وموت وحياة وجنون وعقل وشفه ورشد وصغر وكبر ونكاح وإطلاق ونحو ذلك ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه على حضسَبِ ما تقتضيه الحال من الرفع له اهـ. الدردير بحذف. وأمّّا القاضي فهو الحاكم المنفذ أحكام الشريعة، ولا يستحق هذا المنصب شرعًا إلاَّ من توافرت فيه شروط أربعة على الاختصار: وهو كونه ذكرًا عادلاً فطنًا فقيهًا بأصول الفقه وبما يحكم به ولو بالتقليد. قال خليل: أهل القضاء عَدءلٌ ذَكَرٌ فَطِنٌ مجتهد إن وجد وإلاَّ فأمثل مقلَّد اهـ. قال ابن رشد: القضاء خصال مشترطة في صحة الولاية وهي: أن يكون ذكرًا حرًا مسلمًا بالغًا عاقلاً واحدًا فهذه ستُّ خِصال لا يصحُّ أن يولّى القضاء إلاَّ من اجتمعت فيه، لكن قال مالك: لا أرى الخصال تجتمع اليوم في أحد، فإن اجتمع فيه خصلتان العلم والورع رأيت أن يولَى. قال ابن حبيب: إن لم يكن ورعًا عالمًا فورع عاقل؛ فبالعقل يسْأل وبالورع يقف اهـ. وأمَّا حكم ولاية القضاء فهي فَرْضُ كفاية، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ فَلاَ يَجُوزُ الامْتِنَاعُ" يعني كماف ي القوانين: القضاء هو فَرْضُ كفاية، ويجب على الإمام أن ينصب للناس قاضيًا، ومن أبى عن الولاية أجبره عليها، ولا ينبغي لأحد أن يطلب القضاء، وإن دعى إليه فالأولى له الامتناع؛ لأن القضاء بلية يعسر الخلاص منها إلاَّ إذا تعيَّ علهي فيجب عليه الدخول
стр. 1099
فيه، وذلك إذا لم يكن في جهته من يصلح للقضاء غيره اهـ. قال ابن فرحون في تبصرة الحكام: واعلم: أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد فإنَّما هي في حق قضاة الجور العلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم، ففي هذين الصنفين جاء الوعيد. وأمَّا قوله ﷺ : "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"، فقد أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء.
وقلا بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة من قضى بالحقّ؛ إذ جعله ذبيح الحقّ امتحانًا لتعظم له المثوبة امتنانصا؛ فالقاضي لما استسلم لحكم الله، وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتها، فلم تأخذه في اللَّه تعالى لومة لائم حتى قادهم إلى مر الحقّ وكلمة العدل، وكفّهم عن دواعي الهوى والعِناد جعل ذبيح الحق للَّه، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة. وقد ولّى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ومعقل بن يسار رضي اللهعنهم القضاء فنِعْم الذابح ونِعْم المذبوح. فالتحذير الوارد من الشرع إنَّما هو عن الظلم لا القضاء؛ فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر؛ قال اللَّه تعالى: وأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]. وقال صلى اللهعليه وسلم: "إن أعتى الناس على اللَّه وأبغض الناس إلى الله وأبعد النسا من اللَّه رجل ولاه اللَّه من أمر أمة محمد شيئًا لم يعدل بينهم". وأمَّا قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة" قاض عمل بالحقّ في قضائه فهو في الجنة، وقاض علم الحقّ فخان متعمدًا فذلك في النار، وقاضٍ قضى بغير عِلْم واستحيا أن يقول: إني لا أعلَم فهو في النار. وفي رواية عند النسائي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ "القضاة ثلاثة: اثنان ف يالنار وواحد في الجنة" رجل عرف الحق فقضى به في الجنة، ورجل عرف الحقّ فلم يقضِ به وجار في الحكم فهو في النارن ورجل لم يعرف الحقّ فقضى للناس
стр. 1100
على جهل فهو في النار اهـ. فصحَّ أن ذلك كله في الجائر العالم والجاهل الذي لم يؤذن له في الدخول في القضاء، وأمَّا من اجتهد في الحقّ على علم فأخطأ فقد قال ﵊: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فلَهُ أجران، وإن أخطأ فلَهُ أجْر".
قال رحمه الله تعالى: "وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرَّا ذَكَرًا مُكَلَّفًا سَمِيعًا بَصيرًا كَتِبًا فَطِنًا مُتَيَقظًا وَرِعًا عَدْلاً مُجْتَهِدًا فإن عُدِم جَازَ الْمُقَلَّدُ" يعني أنه عد شروط القضاء اثنا عشر الأول: أن يكون القاضي مسلمًا، فلا يصحُّ كونه كافرًا، ولو طرأ عليه الكفر انعزل فوراً. الثاني: أن يكون حرًّا على المشهور. قال القرطبي في شرح مسلم في كتاب الإمارة وقد نصّ أصحاب مالك على أن القاضي لابدّ أن يكون حرًّا وأمير الجيش والحرب في معناه؛ فإنها مناصب دينية يتعلَّ بها تنفيذ أحكام شرعية فلا يصح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرَّق محجور عليه لا يستقل بنفسه أحكام شرعية فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرَّق محجور عليه لا يستقل بنفسه ومسلوب أهلية الشهادة والتنفيذ ولا يصلح للقضاء ولا للإمارة، وأظن جمهور علماء المسلمين على ذلك. انتهى كلام القرطبي. الثالث: من شروط القاضي أن يكون ذكرًا، فال يصحُّ أن يكون امرأة. الرابع: أن يكون مكلَّفًا، فلا يصحُّ أن يكون صبيًا ولا مجنونًا. الخامس والسادس: أن يكون سميعًا بصيرًا، قال الدردير: ويجب ان يكون الحاكم سميعًا بصيرًا متكلمًا، وجب عزل أعمى أو أصم أو أبكم ولو طرأ عليه بعد توليته. السابع: أن يكون كاتبًا، قال النفراوي: والذي لا يكتب كالأعمى لا تجوز توليته ولو كان عالمًا وتجوز توليته للفتوى. والثامن والتاسع: أن يكون فطنًا يوجب الإقرار أو الإنكار وتناقض الكلام؛ فالفطنة جودة الذهن وقوة إدراكه لمعاني الكلام، والمتيقظ هو غير المتغفل بمعنى المتنبه. العاشر: أن يكون ورعًا، فغير الورع لا ينبغي أن يكون أهلاً للقضاء. الحادي عشر: أن يكون عادلأن قال الدردير: شرط القضاء عدالة أي كونه عدلاً أي عدل شهادة ولو عتيقًا عند الجمهور،
стр. 1101
والعدالة تستلزم الإسلام والبلوغ والعقل والحرية وعدم الفسق، فلا يصحُّ أن يكون ضد هذه المستلزمات؛ لأن كل واحد منها مشروطة في أوصاف القاضي كما هو معلوم. اهـ. بتوضيح. الثاني عشر: أن يكون مجتهدًا ولو مجتهد المذهب وهو الذي يقدر على إقامة الأدلة في مذهب إمامه، أو مجتهد الفتوى وهو الذي يقدر على الترجيح، وقال بعضهم: إن العدالة والاجتهاد ليسا بشرط الصحة في القضاء بل قالوا: فقط. قلت: والأصحُّ أنهماواجبان شرطًا في صحة الحكم كما في النفراوي وغيره؛ لأنه قسم شروط القضاء على ثلاثة أقسام: قسم واجب على جهة الشرطية وقسم واجب لا على جهة لشرطية، وقسم مستحبّ، قال: فالواجب على جهة الشرطية كونه عدلاً ذكرًا فطنًا مجتهدًا إن وجد وإلاَّ ف أمثل مقلد، ويبج عليه العمل بمشهور مذهب إمامه، فراجعه إن شئت. قد عقد ابن جزي في قوانينه بابًا في صفات لقاضي وأدابه فجعل فيه نوعين: واجبة ومستحبة، فالواجبة عشر والمستحبة خمس عشرة، وجعل أيضًا عشرين أدبًا مخصوصة له بحالة القضاء، وبيَّن جميع ذلك على التفصيل فراجعه إن شئت. وذكر بعض ذلك العلاّمة المدقق ابن العاصم الأندلسي في أرجوزته المسمّاة بتحفة الحكام بقوله:
مُنْفَّفٌ بالشَّرع للأحْكَامِ ... لَهُ نِيَبَةٌ عَنِ الإمَام
واستُحْسِنَتْ فِي حَقَّهِ الجَزَالَهَ ... وشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالْعَدالَهَ
وأن يكون ذَكَرًا حُرًّا سلِمْ ... مِنْ فَقد رُؤْيَةٍ وسَمْع وكَلِمْ
ويُسْتَحَبُّ العِلْمُ فيهِ الوَرَعْ ... مَعْ كَوْنِهِ الأصُولَ لِلفِقْهِ جَمَعْ
وَحَيْثُ لاقٍ للقَضَاءِ يَقْعُدُ ... وَفِي البِلاَد يُسْتَحَبُّ المَسْجِدُ اهـ.
انظر شراح هذه الأبيات الخمسة للعلامة علي بن عبد السلام التسولي وشرح العلاّمة محمد التاودي وشرح العلاّمة محمد محمد بن أحمد بن محمد المشهور بمياره
الفاسي وكذا شرحها العلامة ابن رحال المعداني وغيرهم من شراح هذه الأرجوزة المباركة المشهورة، وفي تلك الشروح ما تقرُّ به العيون؛ لأنهم
стр. 1102
قد وضحوا وبيَّنوا غاية البيان في تلك المسائل، فجزاهم الله عن المسلمين خير جزاء.
قال رحمه الله تعالى: "وَلْيَكُنْ شَدِيدًا فِي دِينِهِ ذَا أَنَاة في حُكْمِهِ يَسْتَشِيرُ الْعُلَمَاءَ وَيَسْتَبْطِنُ مِنْ أَهْلِ الدَّينِ وَالأَمَانَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَحْوالَ الشّثهُودِ وَاْخُصُوم وَمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنَ أَحْوَالِ النَّاسِ وَلاَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إِلاَّ فِي الْعَدْلِ وَالْجَرحِ وَهُوَ فيمَا عَدَاهُمَا شَاهِدٌ" يعني يندب أن يكون القاضي متمسكًا بأمر دينه، مشددصا فيه غير متساهل به، قوي الهمم والنهوض، وأن يكون ذا أناةٍ أي ذا تأخير وتأنَّ في إجراء الأمور غير متعجل في حكمه، وأن يكون مستشيرًا لأهل العلم، ويأخذ بقولهم فيما أراد تنفيذه من الأحكام إذا رأى في ذلك صوابًا. قال خليل: وأحضر العلماءَ أو شاورهم. وأن تكون بطانته ثقة مأمونة من أهل الدَّين والأمانة، وكونهم يعرفون أحوال الشهود والخصوم ليأتوه بخبر ما لا يطَّلع علهي من أحوال الناس، ولا يحكم بِعلْمِه إلاَّ ما عَلِمَه منالعدالة أو الجرحة فقط وهو فيما عداهما شاهد. قال مالك في المدوَّنة: ومن الناس من لا يسأل عنهم وما تطلب منهم التزكية لعدالتهم عند القاضي. قال خليل: ولا يستند لعلمه إلاَّ في التعديل والجرح كالشهرة بذلك أو إقرار الخصم بالعدالة اهـ. فاعلَم أنه إذا علم القاضي بعدالة شاهد أو جرحه بفتح الجيم فإنه يستند لِعِلْمِه، وكذا الشهرة بذلك إلاَّ أن يعلم القاضي منه خلاف ما اشتهر. شهد المزني عند القاضي بكار فقال له: من أنت؟ فقال المزني: صاحب الشافعي فقال القضاي: الاسم اسم عدل ومن يشهد أنك المزني؟ فقال الحاضرون: هو المزني فحكم بشهادته، فقال المزني: سترني القاضي ستره اللَّه تعالى.
قال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا نَسِيَ حُكْمًا فَقَامَتْ بِهِ بَيَّنَةُ عِلْمِهِ أَوْ وَجَدَهُ في قِمَطْرِهِ بِخَطهِ أَنْفَذَهُ" قوله: أو وجده في قِمَطْره، القِمَطْر: هو ما يُصان فيه الكتب، والجمع قماطر كما في المصباح. فالمعنى كما قال خليل: وإن شهدا بحكم نسيه أو أنكره أمضه. قال الخرشي: يعني أن القاضي إذا حكم ثم ادَّعى نسيانه أو أنكره من أصله
стр. 1103
وقال: ما حكمت به ثم شهد به عليه شاهدان فإنه يجب عليه إمضاؤه عند مالك، وهو الأصح عند ابن الحاجب سواء كان القاضي عزل ثم ولي أم لا اهـ. بتوضيح من حاشية الخرشي ومن إكليل.
قال رحمه الله تعالى: "وَلْيَجْلِسْ بِمَوْضِع يَصِلُ إِلَيْهِ الدَّنئُ وَالشرِيفُ وَالْقَوِيُّ وَالضَّعيفُ وَالْحَائِضُ" يعني أن القاضي ينبغي أن يكون موضع جلوسه بحيث يصل
إليه كل مدَّع سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا. قال ابن العاصم:
وَحَيْثُ لاَقٍ للْقَضَاءِ يُقْعدُ ... ولَفِي الْبِلاَدِ يُسْتَحَبُّ الْمَسْجِدُ اهـ.
قال شارح هذا البيت: القعود بالمسجد هو المروي عن مالك في المدوَّنة، ونصّه القضاء ف يالمسجد من الحقَّ وهو من الأمر القديم؛ لانه قد يرضى فيه بالدون من المسجد وتصل إليه المرة والضعيف. وروى ابن حبيب: يجلس برحابه وهو أحسن؛ لقوله ﷺ : "جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم". قال ابن جزي في القوانين: وجلوسه في المسجد من الأمر القديم. واستحبَّ بعض العلماء أن يجلس خارج المسجد ليصل إليه الحائض والنفساء واليهود والنصارى والجُنُب اهـ. انظره في البهجة وغيرها. قال ابن مرزوق: ومنع الشافعي وابن المسَّيب وعمر بن عبد العزيز القضاء في المسجد، وكرهه آخرون، وإليه مال أهل المذهب من الأندلسيين. قيل: والأقرب ما مال إليه الآخرون. قُلْتُ: ولهذا كانوا يبنون محلات القضاء والمحاكم والمدارس في وسط البلدان أو قرب المساجد خارجًا عنها؛ ليحصل المقصود لكل مدَّع وطالب واللَّه أعلَم بالصواب.
قال رحمه الله تعالى: "وَلا يَحْكُمُ حَتَّى يَسْمَعَ تَمَامَ الدَّعْوَى وَالْبَيَّنَةِ وَيَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ لَكَ مَدْفَعٌ" يعني لا يحكم القاضي على أحد من الخصام حتى يسمع
стр. 1104
تمام الدعوى من المدَّعى، وإذا فرغ سأل القاضي المدَّعى عليه فيما ادَّعى فيه خصمه من الحق، فإن أقرَّ به كما ادَّعى عليه فلا إشكال، المدَّعى عليه فيما ادَّعى فيه خصمه من الحق، فإن أقرَّ به كما ادَّعى عليه فلا إشكال، وإن أنكر فعلى الطالب البيَّنة لإثبت حقّه. قال النفراوي في الفواكه: وبعد فراغ الدعوى يأمر القاضي المدَّعى عليه بالجواب، فإن أقرَّ بما ادَّعى به علهي يأمر القاضي الشهود الحاضرين عنده بالشهادة عليه، وكتابة الإقرار خوف جحده، وإن أنكر أمر القاضي المدَّعى بإقامة البيَّنة عليه، فإن أقامها سمعها وأعذر للمدَّعى عليه فيها بأن يقول له: هل عندك من يجرح تلك البيَّنة؟ فإن أقام بيَّنة تشهد بجرحتها أمره بغيرها، وإن عجز عن إقامة اليَّنة فإن طلب تحليف المدعى عليه فله تحليفه بعد إثبات الخلطة، وإن لم يجب لا بالإقرار ولا بإنكار بل سكت أو قال: لا أخصامه فإن الحاكم يحبسه ويؤدبه على عدم جوابه. قال خليل: وإن لم يجب حُبِسَ وأدَّب أي بالضرب بما يراه الحاكم حتى يقرَّ أو ينكر ثم يحكم عليه بعد ذلك بلا يمين من المدَّعي؛ لأن اليمين فرع الجواب وهذا لم يجب. قال ابن الموّاز: ويعد هذا إقراراً منه بالحقّ اهـ.
وقال رحمه اللَّه تعالى: "لاَ فِي حَالَةٍ يّذْهَلُ فِيهَا كالْغضَب" يعني أ، القاضي لا ينبغي أن يقضي في حالة الذهول. قال ابن فرحوم فيما يتعلَّق بمجلس القاضي
ممَّا ينبيغي أن يتوقّاه من الأمور: منهما ألاَّ يجلس للحكم على حال توشيش من جوع أو شبع أو غضب أو همّ؛ لأن الغضب يسرع مع الجوع والفهم ينطفئ مع الشبع والقلب يشتغل مع الهمّ، فمهما عرض له ذلك لم يجلس للقضاء، وإن عرض له ي المجلس انصرف اهـ. قال خليل: ولا يَحْكُمن ما يُدهشُ عن الفكر ومضى. قال الخرشي: إن القاضي لا يَحْكُم مع ما يدهش عن تمام فِكْرِه، أي يُكْرَه له ذلك لا عن أصل الفكر وإلاَّ حَرُم عليه الحُكْم، وبعبارة: أي يُكْرَه للقاضي أن يحْكُمَ مع ما يدهش عن تمام فِكْرِه كالحزن والحقن والغضب واللقس وهو ضيق النفس، وإذا وقع ونزل مضى، والمفتي
стр. 1105
مثله اهـ. ونَقَلَ الموّاق عن ابن عرفة: لا يجلس للقضاء وهو على صفة يُخاف بها ألاَّ يأتي بالقضية صوابًا، وإن نزل به في قضائه ترك كالغضب والضجر والهمّ والجوع والعطش والحقن، وإن أخذ من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، وأصل ذلك قوله ﷺ : "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلَهُ الاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُ النَّظَرَ فِي الأَحْبَاس وَالْوَصَايَا وَأْمْوَالِ الأَيْتَامِ" يعني للقاضي أن يستعين بثقة ممَّن يخفَّف عنه القيام بالنظر في الأمور كالأحبَاس والوصايا وأموال الأيتام وكالعقود الأنكحة وغير ذلك. قال العلاّمة ابن فرحون في تبصرته: وأمَّا الولاية الجزئية المستفادة من القضاء كمتولي العقود والفسوخ في الأنكحة فقط والمتولي للنظر فيما يتعلَّق بالأيتام فيفوّض إليه في ذلك النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع الشرعية، فهذه الولاية شعبة من ولاية القضاء، فينفذ حكمه فيما فوَّض إليه، ولا ينفذ له حكم فيما عدا ذلك. وفيها أيضًا: مسألة: قال ابن رشد: ويجوز للقاضي أن يستخلف نائبًا على النظر في المناكح وما يضاف إليها من فرض النفقات وعلى الحِبسة النظر في الأحباس، ولا يحتاج في شيئ من ذلك إلى إذْن الخليفة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَيُسَوَّوي بَيْنَ الْخُصُومِ وَيُقَدَّمُ الأَسْبَقَ فَإِنِ استَوَوْا فَبِالْقُرْعَةش" يعني أنّ القاضي يبج لعيه أن يسوّي بين الخصمَيْن أو الخصوم وأن يقدَّم الأسبق، وذلك في الجلوس والقيام والكلام ورفع الصوت عليهماولو كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا، ويجعل نظره وفِكْرَه لهما على حدصّ سواء. قال خليل: وليسوَّ بين الخصمَيْن وإن مسلمًا وكافرًا، وقدّم المسافر وما يُخْشى فواته ثم السابق، قال: وإن بحقَّيْن بلا طول ثم أقرع. قال شارحه: يعني إذا تداعى عند القاضي المسافرون وغيرهم وتزاحموا على التقدُّم فإن المسافر يقدَّم على غيره وجوبًا، يريد: ولو كان غيره سابقًا عليه
стр. 1106
ما لم يحصل للمقيم ضَرَرٌ بسبب تقديم المسافر عليه، فإن حصل الضرر فإنه يُصار إلى القُرْعة، وكذلك يقدّم الذي يُخشى [١٥٣]
* * *
فواته إذا قُدَّم غيره عليه، فإن لم يعلم السابق منهما بل استويا في السبقية بأن حضرا معًا أو مرتبَيْن إلاَّ أن الأول لم يَعْلَم فإنه يُصار إلى القُرْعة، وصِفَتُها أن تُكْتَبَ أسماؤهم في رِقاع وتُخْلط فَمَن خرج اسمه قُدَّم على غيره اهـ. بحذف.
قال رحمه الله تعالى: "فَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُما أَوْ قَالَ مَا يُكْرَهُ فَالأَدبُ أَمْثَلُ مِنَ العَفْوِ وَلاَ يَغْضَبُ لِقَوْلِهِ اتَّق اللَّهَ: يعني كما قال خليل: وتأديب مَنْ أساء عليه إلاَّ في مث لاتق اللَّه في أمري فليُرْفَقْ به. قال ابن الحاجب: ويجب عليه أن يؤدَّ أحد الخصمَيْن إذا اساء على الآخر، وينبغي ذلك أيضًا إذا أساء على الحاكم. وأمَّا إن قال له: اتقِ اللَّه فلا ينبغي أن يغضب. قال ابن عبد الحكم: إن قال للقاضي: اتق الله فلا ينبغي أن يضيق لذلك، ولا يكترث عليه وليثبت، ويجيبه جوابًا ليّنًا يقول له: رزقني اللَّه تقواه وما أمرتَ إلاَّ بخير ومِنْ تقوى اللَّهِ أن نأخذ منك الحقّ إذا بان، ولا يظهر بذلك غضبًا اهـ. قال في المدوَّنة: ومَنْ آذى مسلمًا أُدَّب. قال ابن ناجي: ظاهره وإن لم يحضر المؤذَى؛ فإن القاضي يؤدَيه إذا كان ذلك بحضرته وهو كذلك، وكون القاضي لا يحكم بعِلْمِه فيما كان بمجلسه إنَّما هو في الأموال وأمَّا هذا فيحكم اهـ. وتقدَّم في التعزيزات أنه إذا شتم أحد الخصمَيْن صاحبه زجره الحاكم. وقال خليل أيضًا عاطفًا على ما يوجب التعزيز: ومَنْ أساء على خصمه أو مُفتٍ أو شاهد لا بشهدتَ بباطل كلخصمه كذِبْتَ. قال شارحه، يعني أن القاضي يجب عليه أن يؤدَّب مَنْ أساء على مَنْ ذكر إن وقعت الإساءة بين يديه من أحد الخصمَيْن على الآخر كيا ظالم يا فاجر أو على المفتي أو الشهود كتفترون عليّ وتشهدون عليّ لا أدري أكلَّم مَنْ، فإنه يعزره لأن وظيفة القاضي أنه مرصد لخلاص الأعراض، كما أنه مرصد لخلاص الأموال، ولا يحتاج فيما ذكر لبيَّنة بل يستند إلى عِلْمِه لتوقير مجلس الشرع، والحقُّ حينئذٍ للَّه لا يَحِلُّ القاضي تَرْكَه اهـ. باختصار.
стр. 1107
قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإنْ لَمْ يَعْرِفُ لُغَتَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُتَرْجِمُ لَهُ عَدْلاَنِ وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَوَّاز إِجْزَاءَ الْوَاحِدِ" يعني ,عن لم يعرف القاضي لغة أحد الخصمَ ... يْن أو كِليهما فإنه يترجم له عدلان. والترجمان بالنون مثلَّث التاء: هو الذي يخبر الحاكم بمعنى لغة الخصم ويخبر الخصم بمعنى كلام القاضي عند اختلاف اللغة، ويكفي الواحد إن رتَّبه القاضي، وأمَّا غير المرتَّب بأن أتى به أحد الخصمَيْن أو طلبه القاضي للتبليغ فلا بدّ فيه من التعدُّد؛ لأنه صار كالشاهد. وقيل: لابُدَّ من تعدُّده ولو رُتَّب، وكذا المحلَّف الذي يحَلَّف الخصم عند توجُّه اليمين عليه يكفي فيه الواحد. قال خليل: والمترجم كالمحلَّلأن أي فيكفي الواحد فيهما ولابُدَّ من العدالة فيهما اهـ. الدرديري انظر الموّاق.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاض يَحْلِفُ حَتَّى تَثْبُتَ بَيْنَهُمَا الْخُلْطَةُ إلاَّ أَنْ يَكُنَا غَرِيبَينِ" يعني كما في الموطَّأ عن مالك بغسناده أنّ عمر بن عبد العزيز إذا جاءه الرجل يدّعِي على الرجل حقًا نظر: فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحْلِفَ الذي ادُّعِيَ عليه، وإن لم يكن شيئ من ذلك لم يُحَلَّفهُ. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا: أنّه مَنِ ادَّعَى على رجل بدَعْوى نظر، فغ، كانت بينهمامخالطة أو ملابسة أُحلِفَ المدَّعى عليه، فإن حَلَفَ بَطَلَ ذلك الحُّ عنه، وإن أبى أن يضحْلِفَ وردّ اليمين على المدّعِي فحَلَفَ طالب الحَّ أخذ حقَّهُ اهـ. قال في الرسالة: والبيَّنة على المدَّعى وليمين على مَنْ أنكر، ولا يعين حتى تثبت الخُلْطة أو الظَّنَّة، كذلك قضى حكّام أهل المدينة. وقوله: إلاَّ أن يكونا غريبَيْن إشارة إلى أنّ دعوى الغريبين لا تشْتَرطُ إثبات الخُلْطة. انظر نظائر هذه المسألة في النفراوي عند قوله مصنَّفه: أو الظنة.
قال رحمه الله تعالى: وَلَيْسَ لَلُ وَلاَ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمٍ إلاَّ أَنْ يُخَاِفَ قَاطِعًا أَوْ يَكُونَ جَوْرًا وَلاَ يَحْكُمُ وَعِنْدَه شَكٌّ أَوْ تَرَدُّدٌ" يعني أن القاضي ليس له ولا
стр. 1108
لغيره أن ينقض الحُكْم، سواء كان حُكْمَه أو حُكْمَ غيره، إلاَّ أن يخالف نَصًّا قاطعًا أو يكون جورًا صريحًا فيجب عليه نَقْضُه هو أو غيره مِمَّن وُلَّيَ بعده. قال ابن جزي في القوانين: الفصل الرابع في نَقْضِ القضاء: إذا أصاب الحكم لم يُنْقَضْ حُكْمُه أصلأن وإن أخطأ فذلك على أربعة أوجه: الأول: أن يَحْكُمَ بِما يخالف الكتاب أو السنّة أو الإجماع، فينقض هو حُكْمَ نفسه بذلك، وينقضه القاضي الوالي بعهد، ويلحق بذلك الحُكْم بالقول الشاذ، الثاني: أن يَحْكُمَ بالظنّ والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد فينقضه أيضًا هو ومَنْ يلي بعده. الثالث: أن يَحْكُمَ بعد الاجتهاد ثم يتبيَّن له الصواب ف خِلاف ما حَكَمَ به فلا ينقضه مَنْ وُلَّيَ بعده، واختُلِفَ هل ينقضه هو أم لا؟ الرابع: أن يقصد الحكم بمذهب فيذهل ويَحْكُمَ بغيره من المذاهب فيفسخه هو ولا يفسخه غيره. اهـ. القوانين. فراجع تبصرة الحكّام لابن فرحون في ما يلحق بالركن الثاني من بيان ما يُنْقَضُ فيه قضاء القاضي وثلاثة فصول بعده تفقف فيها على جميع أقوال أئمّة المذهب المتعلَّقة بهذا الباب إن شاء اللَّه واللَّه الموفَّق للصواب.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَاتَّفَقَ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ عَلَى أنَّ قَضَاء الْفُسُوخ وَنضقْلَ الأَمْلاَكِ حُكْمٌ فَلَوْ رلُفِعَ إِلَيْهِ أمْرٌ مُخْتَلَفٌ فيهِ كَنِكَاح عُقِدَ بِغَيْر وَلِيَّ مَثَلاً فَأَقَرَّهُ قَال ابْنُ الْقَاسِمخ: هُوَ كالْحُكْم وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ بِحُكْم وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلاَّ مَجَرَّدُ قَوْلِهِ لا أُجِيزُهُ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فُسِخَ فَلَيْسً بِحُكْمٍ" وفي نسخة: من غير قَصدِ فَسْخ وهي الاصح. فالمعنى: أنه اتفق علماء المذهبّ على أن قضاء الفسوخ من العقود والبيع ونَقْل الأملاك وما شابَهَ ذلك حُكْمٌ، قال خليل عاطفًا على ما هو حُكْمٌ ممَّا
دلذَ على الإلزام الذي يرفع به الخلاف: ونضقْلُ مِلكٍ وفَسخُ عَقدٍ وتَقَرُّرُ نكاح بلا وَلِي حُكْمٌ لا لا أُجِيزُهُ أو أُفتي. قال الموّاق وابن شاس: ما قضى به الحاكم من نَقْل الأملاك وفَسْخِ العقود ونحو ذلك فلا شكَّ في كونه حُكْمًا، فأمَّا إن لم يكن تأثير القاضي
стр. 1109
في الحوادث أكثر من إقرارها لَما رُفِعَتْ إليه، مثل أن يُرْفَعَ إليه نِكاح امرأة زوجَّت نفسها بغير وَلِيًّ فأقرَّه وأجازه ثم عُزِلَ وجاء غيره فهذا ممَّا اختُلِفَ فيه. فقال ابن القاسم: طريقه طريق الحُكْم، وإمضاؤه والإقرار عليه كالحْكْم بإجازته، ولا سبيل إلى نقضه واختاره ابن محرز. قال في تبصرة ابن فرحون: اعلَم أنّ القاضي إذا حَكَمَ بفسخ نِكاح أو بَيْعٍ أو إجارة وشبه ذلك لموجب من موجبات الفسخ فذلك في مسألة مختَلَفٌ فيها ومثار الخلاف فيها اجتهادي، أي ليس فيهانصٌ جليٌّ يمْنَعُ من الاجتهاد؛ فإنّ حُكْمَ الحاكم لا يتعدّى ذلك الفسخ. وأمَّا ما يتبع ذلك منالأحكام والعوارض فذلك القاضي بالنسبة إليه كالمفتي، وكذلك لو حدثت قضية أخرى مثل القضية التي حُكِمَ فيها بالفسخ في ولاية ذلك القاضي ولم تُرْفَع إليه رُفِعَتْ إليه ولم ينظر فيها حتى عزل أو مات فإنها تحتاج إلى إنشاء نظر آخر من القاضي الأوّل أو من القاضي الثاني، ولايكون حْكْم القاضي الأوّل متناولاً إلاَّ لما باشره بالحْكْم؛ وسبب ذلك أن حْكْمَ القاضي لا يتعلَّ إلا بالجزئيات دون الكليات؛ لأن معظم ما ينظر القاضي فيه يحتاج إلى بيَّنة، والبيَّنة إنَّما تشهد بِما رأته أو شافهته وذلك أمْرٌ جزئي. هذا هو غالب ما تشهد به البيَّنةويَحْكُمُ القضة به.
فرع: إذا ثبت ما قرَّرْناه فإن القاضي إذا فَسَخَ نِكاحًا بين زوجَيْن بسبب أن أحدهما رضع أُمّ الآخر وهو كبير فالفسخ ثابت لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوَّجها بعد ذلك فَرُفِعَ أمرُهما إلى غيره مِمَّن وَلِيَ بعده لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها له، إن أدّاه اجتهاده إلى أنّ رضاع الكبير لا ينسر الحُرْمة، وكذا لو رفع إليه نفسهوتغير اجتهاده فَلَهُ أن يبيحها له.
فرع: وكذا مَنْ تزوّضج امرأة في عدَّتها ورُفِعَ ذلك إلى قاض مالكي، فإنه يرى مع الفسخ تأبيد التحريم، ومع هذا فإن حْكْمَه لا يتعدّى الفسخ، فإذا تزوَّجها بعد ذلك
стр. 1110
ورُفِعَ أمْرُهما إلى قاض آخر لا يرى تأبيد التحريم لم يكن القضاء الأول مانعًا من أن يبيحها له ويكون الحُكْمُ في حَّ المرأتَيْن في هذا الفرع والذي قبله حُكْمَ امرأتَيْن لم يتقدَّم عليهما حُكْم.
فرع: وكذلك لو جمع رجل في عَقْدٍ واحد بين النكاح والبيع أو بني النكاح والإجارة، ورُفِعَ ذلك إلى قاضٍ مالكي فحَكَمَ بالفسخ على مشهور المذهب لرأي
رىه أو لتقليده ابن القاسم في ذلك، ثم تزوّضج ذلك الرجل تلك المرأة بعينها على ذلك الوجه الفاسد الذي حَكَمَ القاضي بفَسْخِهِ بينهما فرُفِعَ أمْرُهما إلى القاضي الأو أو إلى قاضٍ غيره فن حْكْمَ القاضي الأول لا يتناولفس اد هذا الفعل الثاني بل إذا أدّى نظر القاضي نظر الثاني إلى خلاف ما أدّى إيه اجتهاد الأول إمّا من إمضاء النكاح أوالبيع مطلَقًا أو بِرَرْطِ أن يبقى للبَضْع ربع دينار مضاه. انتها ما نَقَلَه ابن فرحون من كلام القرافي في فصل بعد هذا؛ لأنه عقد فيه المواضع التي تصرُّفات الحكّام فيها ليست بحكم ولغيرهم من الحكام تغييرها والنظر فيها وهي أنواع كبيرة، وجعل فيها عشرين نوعًا فارغَبْ في مطالعة تلك الأنواع.
ثم قال رحمه اللَّه تعالى: "وضلاَ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْوَالِي بِخِلاَفِ الْقَاضِي يَسْتَنِيبُ فَإنَّهُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ وَطُرُوَّ فِسْقِقِ وَقَالَ أصْبَغُ: لاَ يَنْعَزِلُ بَلْ يَجِبُ عَزْلُه: يعني لا ينعزل القاضي بموت الوالي. وأمَّا نائب القاضي فغنه ينعزل بموت القاضي أو عَزْلِهِ، قال خليل: وانعزل بموته لا هو بموت الأمير ولو الخليفة، قال ابن عبدالسلام: وعندي أن ما قالوه من انعزال نائب القاضي بموت القاضي صحيح، إن كان القاضي استنابه بمقتضى الولاية، على القول بأن له ذلك وأمَّا إن استناب رجلاً معيَّنًا بإذن الإمام الأمير أو الخليفة فينبغي ألاَّ ينعزل ذلك النائب بموت القاضي، ولو أذِن له في النيابة إذْناًا مطلَقًا فاختار القاضي رجلاً ففي انعزاله بموت القاضي نظر. اهـ. نَقَلَه الحطاب. وفي تبصرة ابن فرحون: أمَّا
стр. 1111
إذا مات الخليفة أو الأمير فلا ينعزل مَنْ قدّضماه للقضاء، لأن ذلك كان منهما نظرًا للمسلمين ليس لهما فيه حظ، ولا يعزله إلاَّ الخليةف الثاني أو الأمير الثاني اهـ. قال الدردير: ثم إن الخليفة إذا ولي مستوفيًا للشروط لا يجوز عزله إذا تغيَّر وَصْفُه، كأن طرأ عليه الفِسق وُلم الناس، بخلاف غيره من قاضٍ ووالٍ، وكذا الوصيّ بعد موت الموصي، ولا يجوز تعدُّد الخليفة إلاَّ إذا اتسعتوبَعْدَتِ الأقطار، ثم قال بعد كلام طويل: والحاصل أن الخليفة أو غيره إذا استخلف قاضيًا أو غيره لم ينعزل المولى بموت مَن ولاّه، إلاَّ خليفة القاضي إذا ولاّه القاضي بجهة بَعْدَت، لاتساع عَمَلِه فإنه ينعزل بموت القاضي الذي ولاه. هذا حاصل كلامهم فتأمَّله. وأمَّ إذا عزله مَنْ ولاّه فإنه ينعزل قَطْعًا، إلاَّ الخليفة فلا يُعْزَل إن أزيل وَصْفُه إذا ولي مستجمعًا لشروطها، ومحل ما لم يكفر وإلاَّ وَجَبَ عَزْلُه كما تقدَّم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا اشْتَكاهُ النَّاسُ نَظرَ الوَالي فَإِنْ كَانَ صًالِحًا ظَاهِرَ العَدَالَةِ أَقَرَّه وَإلِلاَّ عَزلَهُ إِلاّ ألَلاّ يَجِدَ غَيْرَهُ" يعني إذا كثر الناس باشتكاء القاضي نظر
الحاكم الذي ولاّه للقضاء فإن كان على الحقَّ ولاصواب أقرّه، وإن كان على الجور والباطل عَزَلَ، كما في ضياء الحكّام نَقْلاً عن تبصرة ابن فرحون. قال: وإذا شُكِيَ للإمام جورُ القضاة أو قاضي الجماعةجور نوابه، فعلى كلًّ أن يسأل الثقاب عنهم إذا لم تُعْرَف أحوالهم، فإن ظهر أهم على طريق الاستقامة أبقاهم وإلاَّ عَزَلَهم. واختُلِفَ فيمَن اشتهر بالعدالة هل يُعْزَل بالشكوى، قاله أصبغ أولأن قاله مطرف. ومَنْ خرج من العدالة عُزِلَ مطلَقًا، ومَنْ شُكَّ فيه عَزَلَه إن وَجَدَ له، وإلاَّ كشف عن حاله، بأن يبعث إلى رجال يوثق بهم من أهل بلده يسألهمعنه سرًّا، فإن صدقوا ما قيل عَزَله ونظر في أقضيته فمَا وافق الحقَّ أمضاه، وما خالفه فَسَخَه، وإن قالوا: لا نعلم إلاَّ خيرًا أبقاه ونظر في أقضيته كما تقدَّم اهـ.
стр. 1112
قال رحمه الله تعالى: "وَحُكْمُهُ لاّ يُغَيَّرُ الْبَائِنَ فَلاَ يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرَّمُ حَلاَلاً" يعني أن حُكْمَ القاضي لا يَحِلُّ حرامًا ولا يحرَّم حلالاً. قال خليل، ورفع الخلاف لا أحلَّ حرامًا. قال الدردير: وحاصله: أن حُكْمَه صحيح في ظاهر الحال إلاَّ أنه يلزم عليه في الباطن فِعْلُ الحرام. فحُكْمُه المذكور لا يَحِلُّ ذلك الحرام، كما لو ادَّعى إنسان على رجل بَدَيْن دعوى باطلة وأقام عليها بيَّنة زور فطلب الحاكم من المدَّعى عليه تجريحها فلم يقدر على تجريحها فَحَكَمَ له به فالحُكْمُ صحيح في الظاهر، ولكن لا يَحِلُّ للمدَّعى أخْذُ ذلك الدَّيْن ف يالواقع، وكذا إذا لم يَقُمْ ببيَّنة فطلب الحاكم من المدَّعى عليه اليمين فردَّها على المدَّعى فَحَلف، وكذا لو ادَّعى على امرأة بأنها زوجته وهو يَعْلَم بأنها ليست بزوجة له ,اقام على ذلك بيَّنة زور، فطلب الحاكم منها تجريحها فعجزت فَحَكَمَ له بها فلا يجوز له وَطْؤها؛ لِعِلْمِه بأنها ليست بزوجته وإن كان كُكْمُه صحيحًا في ظاهر الحال. وقال الحنفية: يجوز له وطْؤها، وكذا إذا طلَّ رجل زوجته طلاقًا بائنًا فرفعته للحاكم وعجزت عن إقامة البيَّنة الشرعية فَحَكَمَ له بالزوجية وعدم الطلاق لم يَحِلَّ له وَطْؤها في الباطن؛ لعِلْمِه بأنه طلَّقها، وكذا لو كان لرجل على آخر دَيْن ثم وفاه إيّاه بدون بيَّنة فطلبه عند القاضي فقال: وَفَيْتُه لك فطلب منه القاضي البيَّنة على الوفاء فعجز وحَلَفَ المدَّعي أنه لم يوفِهِ فحَكَمَ الحاكم له بالدَّيْن فلا يَحِلُّ للمدَّعى أخْذُه ثانية في نفس الأمر. فالمراد بقوله: لا أحلَّ حرامًا، بالنسبة للمحكوم له. والحاصل: أن ماباطنه مخالف لظاهره بحيث لو اطلع الحاكم على باطنه لم يَحْكُمْ فحُكْمُ الحاكم في هذا يرفع الخلاف ولا يَحِلُّ الحرام. اهـ. بحذف وطرفه من حاشية الصاوي. وقال ابن جزي: حُكْمُ القاضي في الظاهر لا يَحِلُّ حرامًا في نفس الأمر ولا يحرَّم حلالأن خلافًا لأبي حنيفة في عَقْدِ النكاح وحِلَّه. وأجمعوا في الأموال اهـ. وقول خليل:
ورَفْعُ الخلاف، إلخ، أي حُكْمُ الحاكم العَدْل يرفع الخلاف الواقع بين العلماء في المسألة، وكذا غير
стр. 1113
العَدْل إن كان عالِمًا وحَكَمَ صوابًا فإنه يرفع الخلاف ولا ينقض، وكذا المحكم، والمراد بأنه يرفع الخلاف أي في خصوص ما حَكَمَ به، كما إذا حَكَمَ المالكي بفَسْخِ النكاح فليس للحنفي تصحيحه، أو حَكَم الحنفي بصِحَّته فليس للمالكي نَقْضُه، مثال ذلك: كما إذا عَقَدَ رجل على امرأة مبتوتة ونيَّته التحليل لِمَن أبانها ورَفَعَ للقاضي المالكي وحَكَمَ بفَسْخِ النكاح فليس للقاضي الحنفي تصحيحه إذا عَمِمَ بحْكْم القاضي المالكي بفَسْخِه، وكذلك عكسه، أي كما إذا ثبت صِحّة هذا العد وحَكَمَ به القاضي الحنفي، أي حَكَمَ بصِحّة عقد مَنْ نيّضته التحليل فحُكْمُه رافع للخلاف، فليس للقاضي المالكي نَقْضُه بعد عِلْمِه بصِحّة الحُكْم فيه عند الحنفي. هذا معنى كلامه: ورفع الخلاف لا أحَلَّ حرامًا، وإليه أشار الدردير بقوله: والمراد أنه يرفع الخلاف في خصوص ما حَكَمَ به، فإذا حَكَمَ بفَسْخِ عقد أو صِحّته لكونه يرى ذلك لم يججُزْ لقاضٍ غيره يرى خلافه، ولا له نَقْضه، ولا يجوز لمفتٍ عَلِمَ بحُكْمِه أن يفتي بخلافه، وإذا حَكَم حاكم بصحة عقد لكونه يراه وحَكَمَ آخر بفساد مثله لكونه يراه صار كلٌّ منهما كالمجمع عليه في خصوص ما وقع الحُكْمُ به، ولا يجوز لأحد نَقْضُه ولا له، قال عمر ﵁ في الحمارية: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي ولم ينقض حُكْمُه الأوّل. اهـ. باختصار. فراجِعْه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: "وَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ وَيَلْزَمُ مَا حُكِمَ بِهِ وَإِنْ خَالَفَ قَاضي الْبَلَد" يعني أنه يجوز للخصمَيْن أن يتفقا ويرفعا أمْرَهما إلى رجل فقيه يجعلانه حَكَمًا إذا رضيا بِما يَحْكُمُ عليهما في أمور مخصوصة بشروط مذكورة في كُتُب المذهب. قال في المدوَّنة وغيرها: لو أن رجلَيْن حَكَّما بينهما رجلاً فحَكَمَ بينهما أمضاه القاضي ولا يردُّه إلاَّ ألا أن يكون جورًا بيَّنًا اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز تحكيم عدْلٍ غير خصم وجاهل ي مالٍ وجُرح لا حَدًّ وقتل ولعانٍ وولاءِ ونسبٍ وطلاقٍ وفسخ وعتقٍ ورُشدٍ وسفهٍ وأمر
стр. 1114
غائب وحبسٍ وعقد. ثم قال: فلا يجوز للمحكَّم أن يَحْكُمَ في هذه الأمور، إنَّما يَحْكُمْ فيها القضاة لتعلُّ الحقوق فيها إمّا للَّه تعالى وإمّا للآدمي. قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز للخصمَيْن أن يتفقا على أن يُحَكَّما شخصًا ليس مولى من قِبَل القاضي غير خصم لأحدهما ليَحْكُمَ بينهما في الأموال والجراح العمد ولو عظمَ كقَطْعِ يد لا في غيرهما كحدًّ كما يأتي، فلو حَكَّما خصمًا فإن ذلك لا يجوز، ولا ينفذ حُكْمُه، كما إذا حَكَّما جاهِلاص أو كافرًا أو غير مميّز. والمراد بالخصم هنا من ثبت بينه وبين أحد المدعِيَيْن خصومة دنيوية وإن لم تَصِل إلى العداوة كما يأتي نظيره في الشاهد. ولو شاور الجاهل العلم فيما حَكَمَ فيه وعَمِمَ الحُكْمَ فيه لم يكن حُكْمَ جاهل، ولو حَكَم الجاهلُ أو الخصم أو الكافر كان الحُكْمُ مردودًا اهـ. باختصار.
ثم انتقل يتكلم على أحكام الغائب فيما عليه من الحقَّ فقال رحمه اللَّه تعالى:
فَصْلٌ
في الغائب
أي في بيان ما يتعلَّق بالغائب وهو الذي غاب عن بلد المدّعي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "مَنْ أَثْبِتَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ حُكِمَ لَهُ بَعْدَ إِحْلاَفِهِ عَلَى عَدَم الاقْتِضَاءِ وَالإِبْرَاءِ لَه وَالإِحَالَة: يعني أن مَنْ أثبت حقًّا له كالَّيْن عند القاضي على غائب عن بلد المدَّعى فللقاضي أن يسمع دعواه بطلب الشهود فيما ادّعى بإثبات الحقَّ وعدم القضاء والإبراء والإحالة، ثم يَحْلِفُ يمين القضاء، وتسمّى يمين الاستبراء، ويسجَّل القاضي جميع ذلك في كتابٍ مخصوص بالقضايا. وفي تبصرة ابن فرحون: مسأةل: قال القاضي أبو الوليد بن رشد: الحُكمُ على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين ولاثلاثة، فهذا يُكْتَبُ إليه ويُعْذَر إليه في كل حق، فإمّا وكَّل وإمّا قَدِم، فإن لم يفعل حكمَ عليه في الدَّيْن وبِيعَ عليه
стр. 1115
مالُه من الأصل وغيره وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء من الطلاق والعَتْق وغير ذلك، ولم تُرْجَ له حجّة في شيئ من ذلك لأنه لا عُذْرَ له.
والثاني: غائب بعيد الغيبة على مسيرة عشرة أيام وشِبْهها، فهذا يحْكمُ عليه فيما عدا الاستحقاق في الرَّباع والاصول من الديون والحيوان والعروض، وتُرْجى له الحجة في ذلك. والثالث: غائب منقطعالغيبة مثل مكة من إفريقية والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحْكمُ عليه في كلَّ شيئٍ من الدُّيونِ والحيوان والعروض والرَّباع والأصول، وتُرْجَى له الحجة في ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حُكِمَ بِسْتِيفَاءٍ حَقَّهِ مِنْهُ وَإلاَّ انْتَهَى الْحَكِمُ إِلَى مَوْضِع خَصْمِهِ بِكِتعَابٍ مَخْتُوم يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ حَقَّ المَحْكُوم بِهِ يَشْهَدُ عَدْلاَنِ أَنَّه كَتَبَهُ وَخَتَمَهُ وَمَضْمُنُهُ ثَابِت عِنْدَهُ وَتَجَلَّى فِيه الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِمَا يُمَيَّزُهُ عَنْ غَيْرهٍ" يعين إن كان للغائب مال حاضر في بلد الحُكْم حَكَمَ الحاكم باستيفاء الحقَّ وإلاّض أرسل إلى الخصم بكتاب. قال ابن جزي في القوانين: وإن كان في بلد غير ولايته كَتَبَ إلى قاضي ذلك البلد بالنظر في قضيَّته، وإن كان له مِلْكٌ في البد وَجَبَتْ توفية الحقوق منه بعد أن يؤمر الطالب له بإثبات حقَّه، ويمين القضاء بعد الثبوت وإثبات غيبته، وتُرْجى له الحجة، فإن كان له عقار يُباع فيدَيْنِه أمَرَه
القاضي بإثبت تملُّكِه له واتصاله ثم وجَّه شهود الحيارة يشهدون على مَنْ شهد به ثم أمَرَ بتقويمه وتسويقه ثم قَدِمَ مَنْ يبيعه بِما قوَّم به أو أزْيَد من ذلك إن بلغ في التسويق ثم يقبض الثمن ويدفع إلى صاحب الحقَّ اهـ. قال ابن سهل: وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه أصل معمول به عند الحكام والقضاة، ولا ينبغي العدول عنه ولا الحُكْمُ بغيره إذ هو كالإجماع في المذهب اهـ. نَقَلَه ابن فرحون.
стр. 1116
قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإِنِ الْتَبَسَ عَن الْمَنْقُولِ إِليْهِ لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَيَشْهَدَ عَدْلاَنِ عِنْدَهُ بِذلِكَ كَانَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ" يعني فإن التَبَسَ للقاضي أمْرُ القضاء فلا يجوز له تنفيذه حتى يثبت وَجْهَ القضاء فيه ويتحقَّق أنه هو الحُكْمُ الشرعي والمحكوم عليه هو المراد بإيقاع الحُكْم عليه بدون شك ولا تردُّد، سواء كان غائبًا أو حاضرًا. قال المصنَّف: ولا يَحْكُم حتى يسمع تمام الدعوى والبيَّنة. وقال في محل آخر: ولا يَحْكُمُ وعنده شكٌّ أو تردُّد. قلتُ: فإن فعل ذلك مع شكًّ أو تردُّد فللمحكوم عليه القيام بطلب فسْخ الحُكْم. انظره في فصل قيام المحكوم عليه في تبصرة ابن فرحون. وينبغي أنَ يقيَّد القاضي أسماء الشهود للمراجعة عند الحاجة. قال ابن فرحون: ولسحنون في المجموع أن تسمِيَتَهم لا تلزم في الحْكْم على الغائب. وسَوَّى أصبغ في هذا بين الحُكمِ على الغائب والحاضر، وبه جرى العمل فهو في الحاضر مستحبٌّ وفي الغائب واجبٌ لإرجاء الحجة له اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الغائب انتقل يتكلم على الشهادة وأحكامها فقال رحمه اللَّه تعالى:
فَصْلٌ
في الشهادة
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الشهادة وشروطها، وهي لغة: الإعلام، وعُرْفًا: إخبار عَدْل حاكمًا بِما عَمِمَ ولو بأمر عام ليَحْكُمَ بمقتضاه، وحُكْمُهما أنها فَرْضُ كفاية، ولذا قال رحمه اللَّه تعالى: "تَحَمُّل الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلاَّ أَنْ يَخَافَ فَوَات الْحقَّ فَيَتَعَيَّنُ" يعني أن أصل الشهاد فَرْضُ كفاية ويعرض عليها الوجوب فتتعيَّن بخوف فوات الحقّ. قال ابن جزي في القوانين في الباب التاسع في أوّله المسألة: تحمُّل الشهادة وأداؤها وكلاهما فَرْضُ كفاية إلاَّ إن تُعَيَّن، أمَّا التحمُّل فلا يجب على الشاهد أ، يتحمَّل إلاَّ أن يُفتقر إليه ويُخشى تَلَفُ الحقوق لعَدَمِه. وأمَّا أداء الشهادة فيجب على مَنْ تحمَّلها إذا كان
стр. 1117
متعيَّنًا، وذلك إذا لم يشهد غيره، أو تعذَر أداء سائر الشهود ودُعِيَ لأدائها من مسافة قريبة كالبريد والبريدين، ولا يجوز أخْذُ الأجْرة على الأداء لأنه واجب اهـ. قال الدردير: وإن انتفع مَنْ تعيَّن عليه الأداء بأن امتنع من الأداء إلاَّ بمقابلة شيئ من الدراهم أو غيرها ينتفع به فجرح أي قادح [٣/ ١٦/١٦٢/ ٣] في الشهادة لأن الانتفاع رشوة في نظير ماوجب عليه مسقط لشهادته. قال تعالى: ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣] وهذا قد كتمها حتى يأخذ رشوة، ثم قال: إلاَّ ركوبه لدابة لمجلس الحُكْم لعُسْرِ مشْيِهِ ولا دابة له فيجوز وليس بجرح. وأمّا الانتفاع على التحمُّل إذا لم يتعيَّن فيجوز، فإ، تعيَّن لم يَجُزْ، وقيل بالجواز إن كان يكتبها في وثيقة مِمَّن انتصب لذلك، وكذا إذا لم ينتصب في نظير كتابته وكذا المفتي. اهـ. فراجِعْه إن شئت.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَشَرْطُهُ الإِسْلاَمُ وَالْحُرَّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْعَدَالَةُ وَمَعْرِفَةُ تَحَمُّلِهَا وأأدَائِهَا وَتَيَقُّظُهُ وَحِفْظُ مُرُوءَتِهِ وَائتمَانُهُ في غَضَبِهِ لاَ يُتَّهَمُ بِمَحَبَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ عَدَاوَةِ المَشْهُدِ عَلَيْهِ" يعين كما في الدردير قال في أقرب المسالك: وشروط الشهادة العدالة. والعدل: الحُرّ المسلم البالغ العاقل بلا فِسْقٍ وحَجْرٍ وبدعة كقدريَّ ذو المروءة بترك غير لائق من لعب بكحمام وشطرنج ومساع غِناءٍ وسفاهةٍ وصغير خِّةٍ وإن أعمى في القول أو أصَمَّ في الفعل. وشَرْطُه أي شَرْطُ قبول شهادته أن يكون فَطِنًا جازمًا بما أدّى غير متّهَم فيها بوجهٍ، فلا شهادة لمغفَّلٍ إلاَّ فيما لا يُلْبَسُ، ولا المتأكَّد القرب كَوالدٍ وإن علا وولدٍ وإن سفلَ وزوجهما، بخلاف أخ وملّى وملاطف إن برَز ولم يكن الشاهد في عِياله أي في عِيال المشهود له فتجوز كأجير وشريك في غيرها أي في غير مال الشركة وزائدٍ أي في شهادة ومُنَقِّصٍ وذاكرٍ بعد شكًّ أو نسيانٍ فتجوز، وبخلافها لأحد أبوَيْه أو ولدَيْه (أي فتقبل إن برّز) ولم يظهر مَيلٌ لِمَن يشهد له منهما اهـ.
стр. 1118
قال رحمه الله تعالى: "وَالأَقاَرِبُ كَلأَجَانبِ فِي القَبُول إلاَّ الْوَالِدَ وَإنْ عَلاَ وَالْوَلَدَ وَإِنْ نَزَلَ وَكُلا مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ وَالسَّيَّدَ لأِرِقَّائهِهِ وَصَاحِبَ دَيْن لِمِدْيَانِهِ المُفَلَّ وَوَصِيًّا لِيَتيمِهِ وَالسُّؤَّالَ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ يَدْفَعُ مَعَرَّةً عَنْ نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِه وَبَدَويًّا لِقُرَوِيصّ إلاّ فِي قَتْل أَوْ جِرَاح وَوَلَدِ الزَّنَا فِيهِ وَقَذِفًا بَعْدَ حَدَّه وَشَاهِد زُور إلاَّ أَنْ يَتُوبَ وَيَظْهَرَ صَلاَحُهُمَا" يعني أن الاقارب كالأجانب في أداء الشهادة إلاَّ إذا تأكدت القرابة كالأصول والفروع فيمتنع للتهمة، فلا تُقْبضلأ شهادة الولد لوالديه، ولا لأجداده وجدّاتهن ولا شهادة واحد منهم له، ولا شهادة زوج لزوجته، ولا شهادتها له، ولا السيَّد لعبيده، ولا هم له؛ لأنهم ليسوا من أهل الشهادة ولو في غير سيَّدهم، خلافًا للظاهرية وابن المنذر، قاله ابن جزي. ولا شهادة لجار لنفسه منفعة أو دافع عنها مضرّة. وفي القوانين: مثل مَنْ شهد على موروثه المُححْصَن بالزَّنا فيُرْجَم لِيَرِثه أو مَنْ له دَيْن على مفلّس فيشهد للمفلّس أن له دَيْنًا على آخر ليتوصل إلى دَيْنِه أو مَنْ شهد بحقًّ له ولغير اهـ. وسيأتي تمام هذه المسألة عند قوله: فإن تضمَّنت حقًّا له أو لِمَن يتهم عليه وأجنبي رُدَّت. ولا شهادة أي لا تُقْبَل شهادة وصيَّ لمحجوره ولاش هادة السؤال الذين يتكففون النسا لعدم الثقة بهمز وكذلك لا شهادة لِمَن كان في عيال المشهود له، ولا لبدوي لقروي إلاَّ في قَتْلٍ أو جراح فتجوز، ولاش هادة لولد الزَّنا فيه، وكذلك قاذف بعد حدَّه، ولا شهادة لشاهد زور ولا تُقْبَل شهادته أبدًا؛ لأنه لا تُعْرَف توبته. قاله ابن العربي. وقيل: تُقْبَل إن صَلُحَ حالُه وسحَّت توبته كما للمصنَّ وهو المشهورز وأمَّا عبارة الرسالة فقا فيها: ولا تجوز شهادة النساء إلاَّ في الأموال، ومائة امرأة كامرأتَيْن، وذلك كرجل واحد يقضي بذلك مع رجل أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وشهادة امرَتَيْن فقط فيما لا يطَلع عليه الرجال من الولادة والاستهلاك وشُبهة جائزة، ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين، ولا يُقْبَل إلاَّ العدول، ولا تجوز شهادة المحدود، ولا شهادة عَبْدٍ ولا صبيًّ
стр. 1119
ولا كافر. وإذا تاب المحدود في الزَّنا قُبِلَتْ شهادته إلاَّ في الزَّنا. ولا تجوز شهادة الابن للأبوين ولا هما له، ولا الزوج للزوجة ولا هي له، وتجوز شهادة الأخ العَدْل لأخيه، ولا تجوز شهادة مجرَّب في كذب، أو مظهر لكبيرة ولا جارٍ لنسه ولا دافِع عنها ولا وصي ليتيمه، وتجوز شهادته عليه، ولا يجوز تعديل النساء ولا تجريحهن، وال يُقْبَلُ في التزكية إلاَّ مَنْ يقول عَدْل رضًا، ولا يُقْبَلُ في ذلك ولا في التجريح واحد، وتُقْبَلُ شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ رُدَّ فِي شَيئٍ لِنَقْصِه يُقْبَلُ بَعْدَ كَمَالِهِ فِي غَيْرِهِ" يعني كما في النفراوي عند قول الرسالة: ولا تجوز شهادة المحدود ولا شهادة عَبْدٍ ولا صبيًّ ولا كافر. قال: لمنافاة الصبا والكفر العدالة، ومحلُّ عدم جواز الشهادة مَنْ ذُكِر إذا أدّوها في تلك الأحوال، وأمَّا لو تحمَّلوها على تلك الأوصاف وتأخَّر
الأداء حتى اتَّصفوا بالعدالة لصَحَّتْ شهادتهم، حيث لم يكن صضدَرَ منهم أداء في تلك الحالة ثم رُدَّتْ شهادتهم وإلاَّ لم تُقبَل فيما رُدَّتْ فيه؛ لقول خليل: ولا إن حرص على إزالة نَقْصٍ فيما رُدَّ فيه لفِسْقٍ أو
стр. 1120
صباً أو رِقّ؛ لأنهم يتهمون على إزالة النقص الذي ردَّت شهادتهم لأجله. والمراد بالنقص المعرة اللاحقة بسبب رد شهادتهم اهـ. ومثله في الوقانين بزيادة التوضيح هناك.
قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإِن تَمَمَّنَتْ حَقًّ لَهُ أَوْ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَأَجْنَبِصّ رُدَّتْ وَقِيلَ بَلْ يُقْبَلُ لِلأَجْنَبِي كَوَصِيَّةٍ لَهُ بَعْضُهَا إلاَّ أَنْ يُتَّهَمَ عَلَى مِثْلِهِ" يعني أن الشاهد إذا شهد بحق له أو لَمَن يتَّهم عليه وأجنب يفإن شهادته لا تقْبَل لتهمة. وقيل: تُقْبَل للأجنبي فقط كوصية له بعضها فتقبَل، إلاَّ أن يتَّهم على مثله فَتُرَدّ، لذلك قال الدردير: ولا إن شهد لنفسه بكثير وشهد لغيره بقليل أو كثير أي في وصية كأن يقول: أشهد أنه أوصى لي بخمسين دينارًا ولِزَيْد أو للفقراء بمثل ذلك أو أقلَّ أو أكثر فلا تصحُّ له ولا لغيره؛ لتهمة جرَّ النفْعِ لنفسه وإلاَّ بأن شهد لنفسه بقليل أي تافِه ولغيره بقليل أو كثير قبل ما شهد به لهما معًا أي لنفسه ولغيره، فإ، لم يوجد إلاَّ هذا الشاهد حَلَفَ الغير معه واستحقّ وصيته ولا يمين على الشاهد؛ لأنه يستحقُّ ما أوصى له به تبعًا للحالِف، فإن نكل الغير فلا شيئ لواحد منهما، وهذا إذا كَتَبَ الوصية بكتاب واحد بغير خط الشاهد، فإن كَتَبَ بخط الشاهد أو لم تُكْتَبْ أصلاً قُبِلَتْ شهادته لغيره لا لنفسه، وكذا إن كَتَب بكتابَيْن أحدهما للشاهد والثاني للآخر فلا تصحُّ له، وتصحُّ للآخر لعدم التبعية حينئٍّ. وأمَّا شهادته له ولغيره في غير وصية كدَيْن فلا تُقْبَل له ولا لغيره مطلقًا؛ لتهمة جَرَّ النفع لنفسه اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيُقْبَلُ مِنَ الأَعْمَى فِيمَا لاَ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مَنَ الأَقْوَالِ والأَصَمَّ فِي الْمَنْظُوراتِ والأَخْرَسِ المَفْهُومِ الإِشَارَةِ وَالسَّمَاع فِي النَّسَبِ والْوَلاءِ وَالأَحْبَاسٍ والْمَوْتِ وَفِي النَّكَاح خِلافٌ" يعني أنه تُقءبَلْ شهادة الأعمى في الأقوال، وتُقْبَلُ شهادة الأصم في المنظورات, وتُقْبَلُ شهادة الأخرس المفهوم الإشارة، فهؤلاء
стр. 1121
الثالثة تُقْبَلُ شهادتهم، قال في حاشية الخرشي في قبول شهادة الأعمى: لا خصوصية للقول بل تجوز فيما عدا المرئيات من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات، قال عبد الوهاب: فيُقْبَل فيما يلمسه بيده أنه حارٌّ أو بارد أو لَيَّن أو خَشِ، وفيما يذوقه أنه حُلْوٌ أو حامض وفيما يشمُّه اهـ. انظر الحطاب. وأمَّا الأصمُّ فقال الموّاق نَقْلاً عن ابن شاس: تُقْبَل شهادة الأصمَّ في الأفعال. وفي الخرشي: وأمَّا العدل الأصمُّ غير الأعمى فتجوز شهادته في الأفعال. وأمَّا شهادته في الأقوال فلا يُقْبَلُ ما لم يكن سمعه قبل الصمم. اهـ
بحذف ٥. وأمَّا الأخرس فقال الخرشي: ولم يتعرَّض لشهادة الأخرس وهي مقبولة كما قاله ابن شعبان. ويؤدّيها بالغشارة المفهمة والكتابة، وفي الموّاق: ولابن شعبان شهادة الأخرس جائزة إذا عُرِفَتْ إشارته. قال ابن عرفة: قبول شهادتهخ كصِحَة عَقْدِ نِكاحه وثبوته طلاقه وقَذْفه وكلاهما فيه اهـ. والحاصل أن هؤلاء الثلاثة تُقْبَل شهادتهم فيما ذكر، أي عىل الوجه الذي تقدَّم ذِكْرُه. وأمَّا الكلام في شهادة السماع في النسب والولاء والأحباس والموت والنكاح فقد ذكر ابن فرحون في تبصرته في الفروع فقال: وأمَّا شهادة السماع على النسب فصورتها أنهم يشهدون أنهم لم يزالوا يسمعون على قديم الايام ومرور الشهور والأعوام سماعًا فاشيًا منتشرًا من أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان قرشي من فَخِذِ كذا ويعرفونه وأباه من قَبْلِه قد حاز هذا النسب وبيَّناه في شهادتهما لا يعلمون أحدًا يطعن عليهما فيه إلى حين تاريخ إيقاع هذه الشهادة، فإذا شهدوا بذلك فَمَنْ نفاه عن ذلك النسب حدَّ له. وفي مفيد الحكام: أن شهادة لاسماع لا تفيد النسب إلاَّ أن يكون سماعًا فاشيًا ظاهرًا مستفيضًا يقع به العِلْم فيرتفع عن شهادة لسماع ويصير من باب الاستفاضة والضرورة، وهذا مثل الشهادة بأن نافعًا مولى ابن عمر وأن مالكًا بن أنس، وإن لم يعاين الشاهد بذلك أصله، وأمَّ إن قصر عن هذا الحدَّ فإنَّما يستحقُّ بالشهادة المال دون الولاء والنسب، وذلك ما لم يكن للمال وارث مستحق اهـ. ثم
стр. 1122
قال: وأمَّا شهادة السماع على الولاء فصِفَتُها أنهم لم يزالوا يسمعون سماعًا فاشيًا مستفيضًا على ألْسنة أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان مولى لفلان ابن فلان بولاء العتاقة، أو أن جدَّه فلان لأبيه قد أعْتَقَ جدًّ لمولى فلان لأبيه، ويحتاج المشهود له إذا توفَّيَ المشهود عليه بالولاء أن يثبت الموت والوراثات حتى يبلغ إلىموت المشهود عليه، إلاَّ أن يكون موت الأول وما بعده قد بعد فيسقط الإثبات لذلك، ويستحقُّ بهذه في رواية ابن القاسم المال مع يمينه، ولا يثبت الولاء ويستحقُّ في قول أشهب الولاء والمال اهـ.
ثم قال: وأمَّا شهادة لاسماع في النكاح فإذا ادّعى أحد الزوجَيْن النكاح وأنكره الآخر فأتى المدَّعي ببيَّنة سماع فاشٍ من أهل العَدْل وغيرهم على النكاح واشتهاره بالدف والدخان ثبت النكاح بينهما هذا هو المشهور المعمول به. وقال أبو عمران: إنَّما تجوز شهادة السماع في النكاح إذا اتفق الزوجان على ذلك. وأمَّا إذا ادَّاعاه أحدهما وأنكره الآخر فلا اهـ. ثم قال: وأمَّا لاشهادة على السماع في الحُبُس فلا بدَّ أن يشهد الشهود أنّ ذلك كان يُحاز بِما تُحاز به الأحباس، ويحترم بحُرْمَتها، وأنها كانت مِلْكًا لِمَن بتل فيها الحُبُس لالمذكور، ويجاوزونها بالوقوف
عليها وإن لمي شهدوا بأنها تُحاز بِما تُحاز به الأحباس، وتحترم بحُرْمَتها سقطت لشهادةز وقال بعد الأندلسيين: لو شهدوا على أصل المحبَّس بعينه لم يكن حُبُسًا حتى يشهدوا بالمِلْك للمحبَّس يوم حُبس اهـ. وأمَّا شهادة السماع في الموت فقد قال في الفرع الثاني من هذه الفروع: لا بُدَّ في شهادة لاسماع على الموت أن يقول الشهود: إنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان الفلاني الذي يعرفونه بعينه واسمه توفِّي يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في وقت كذا ولا يُستغنى عن تاريخ اليوم الذي مات فيه من جهة من يوارثه ليعرف بذلك مَنْ مات قَبْلَه ومَنْ مات بَعْدَه اهـ. نَقَلَه من وثائق الجزيري. قال ابن
стр. 1123
جزي في القوانين: المسألة الخامسة: تجوز الشهادة بالسماع الفاشي في أبواب مخصوصة، وعدّها عشرين بابًا. قال الصاوي نَقْلاص عن شبراخيتي: قد أنهاها بعضهم إلى اثنتَيْن وثلاثين مسألة التي تجوز الحُكْمَ بشهادة السمع، وقد جمعت في أبيات ونصُّها:
أيَا سَائلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... ويَثْبُتُ سَمْعًا دونّ عِلْم بِأصْلِهِ
ففي العَزْلِ والتَّجْرِيح والكُفْرِ بَعْدَهُ ... وفِي سِفِهٍ أو ضِدَّ ذَلِكَ كُلَّهِ
وَفِي البَيْع والأحباسُ وَالصَّدَقاتُ معْ ... رَضاع وخُلْع والنَّكَاح وَحِلِّهِ
وَفِي قِسْمَةٍ أو نِسْبَةٍ وولاَيَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ والمُضِرَّ بِأَهْلِهِ
وَمِنْهَا الهِباتُ والوصِيَّةُ فَاعْلَمن ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يَضَنُّ بِمِثْلِهِ
وَمِنْهَا وِلاداتٌ وَمِنهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا الإبَاقُ فَلْيُضَمَّ لِشِكْلِهِ
وَقَدْ زِيدَ فيهًا الأسْرُ والفَقْدُ وَالمَلاُ ... وَلَوْثٌ وَعَتْقٌ فَاظْفِرْنَ بِنَقْلِهِ
فَصَارَتْ لَدى عَد ثلاثينَ أُتْبِعَتْ ... بِثْنَتَيْنِ فَاطْلُبْ نَصَّهَا فِي مَحَلَّه اهـ.
قال الدردير في أقرب المسلاك ما في خليل: وجازت أي الشهادة بسماع فشا عن ثثاتٍ وغيرهم بمِلْكٍ لِحائزٍ بلمْ نزل نسمع مِمَّن ذَكر أنّه له، وقُدَّمت ببيَّنةً البتَّ إلاَّ أن تشهد بيَّنة السّماع بنَقْلِ المِلْك من كأبي القائم وبموت غائبٍ بَعُد أو طال زمن سماعه، أو بوقف إنطال الزمن بلا ريبةٍ وشَهِد عدْلان وحلف كتَوْلِيةٍ وتعديل وإسلام ورشد ونِكاح وضدَّها وضررِ زوجٍ وهبةٍ ووصيةٍ ونحوها اهـ. انظر شراح النصوص في المذهب.
قال رحمه الله تعالى: "والصَّبْيَانِ فِي الْجِرَاح بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بشرْطِ إِسْلاَمِهِمْ وحُرَّيَّتِهِمْ وَذُكُورِيَّتهمْ وَعَدمِ تَفَرُّقِهِمْ وَالْبَالِغ بَيْنَهُمْ وَتَضَمُّنِهَا الجِنَايَة عَلَيهِ" يعني كما في الرسالة: وتُقْبَلُ شهادة لصبيان في الجراح والقَتْل لبعضهم. وهذا مذهب مالك، وجَمْع من الصحابة منهم عليُّ بن أبي طالب ومعاوية. ومنعها الأئمة
الثلاثة وابن عباس
стр. 1124
وجماعة، وإنَّما جازت للضرورة؛ لأن الغالب عدم حضور الكبار عندهم؛ ولأنهم يندبون إلى تعليم الرَّمْيِ والصراع وغيرهما ممَّا يدرَّبهم على الحرب من معرفة الكرّ والفرَ وحمل عدم السلاح؛ فلو لم تُقْبَل شهادة بعضهم على بعض لأدّى إلى إهدار دمائهم؛ لِما قدَّمنا من أن الغالب حضور الكبار عندهم. وشروط قبولها أن يؤدّوها قبل أن يتفرَّقوا، فإن تفرقوا لم تَصُحَّ شهلادتهم؛ لاتهامهم على تعليم الكبار لهم، إلاَّ أن تشهد العدول قبل تفرّقهم. ومن شروطها ألاَّ يحضرهم كبير، فإن حضر عندهم كبير زمن قتالهم لم تُقْبَل. قال خليل: والشاهد حرّ مميّز ذَكَرٌ تعدّد ليس بعدو ولا قريب، ولا خلاف بينهم ولا فرقة إلاَّ أن يشهد عليهم قبلها، ولم يحضر كبير أو يشهد له أو عليه وألاَّ يكون الشاهد منهم معروفصا بالكذب، وأن تشهد الدول على رؤية جسد القتيل أو المجروح. وفائدة العمل بشهادة الصباين في الجراح والقتل لزوم الدَّيَة بعد الثبوت؛ لأن عَمْدَ الصبيان كالخطأ اهـ. النفراوي. وقوله: والبالغ بينهم إلخ أي من شروط قبول شهادة الصبيان عدم وجود البالغ بينهم، فإن وُجِدَ وقته أو بَعْدَه لم تُقْبَل؛ لإمكان تعليمهم، إلاَّ إذا كان البالغ عَدْلاً ووافقهم، فإ، خالفهم لم تُقْبَل شهادتهم. قاله بعض الأفاضل في تقييده. أمَّا قوله ﵀: وتضمُّنها الجناية عليه، أيّ منش روط صِحّة قبول شهادة الصبيان عدم تضمُّنها الجناية عليه، فإ، تضمَّنت شهادتهم عليه أي على البالغ الذي هو لم تُقْبَل سواء كانت شهادتهم له أو عليه. قال الخرشي: ومنها ألاَّ يشهدوا على كبير ولا لكبير بل يشهد بعضهم لبعض على بعض كما مَرَّ، وفي الحطاب نَقْلاً عن الرجراجي: وإن كان مشهودًا علهي فلا تجوز شهادتهم عليه باتفاق. وفي حاشية الخرشي: واعلَم أن حاصل ما في الحطاب أنه إذا حضر الكبير وقت القتل أو الجرح وكان عدْلاً لا تصحُّ شهادتهم على المشهور أي للاستغناء به، وهذا إذا كان متعدَّدًا مطلَقًا أو واحدًا والشهادة في جرح أي فيَحْلِفُ معه وأمَّا إذا كانت الشهادة في قَتْلٍ فلا يضرُّ حضور ذلك الواحد في شهادتهم، وإن
стр. 1125
كان غير عَدْلٍ فقولان: جواز شهادتهم وهو المعتمد، كان واحدًا أو متعدّدًا. وأمَّا إذا حضر بعد المعركة وقبل الافتراض فتجوز شهادتهم إذا كان عدْلاً. وأمَّا إذا كان غير عَدْل فلأن فتمسَّك بهذا واتْرُكْ خِلافه اهـ. ومثله في حاشية الصاوي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَامْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي الْمَالِ أَوْ فِي مَا يُؤَدَّي إِلَيْهِ كَالْوَكَالَةٍ وفِي الصُّلح خِلاَفٌ وَرَجُل أَوِ امْرَأَتَيْنِ مَعَ يَمينٍ أَوْ يَمِين الْمُدَّعِي أَوْ نُكُول المثدَّاعى عَلَيْهِ بَعْدً رَدَّهَا عَلَى المُدَّعِي" هذا شروع في ذكر مراتب الشهود والشهادات، يعني كما في القوانين: أن شهادة رجل وامرأتين تكون في الأموال خاصة، دون حقوق الأبدان والنكاح والعَتْقِ والدّماء والجراح وما يتصل بذلك كله، [٣/] ١٦٧]
* * *
واختُلِفَ في الوكالة على المال. قال في الرسالة: ويُقضى بشاهد ويمين في الأموال، ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حدَّ ولا في دم عَمْدٍ أو نفس إلاَّ مع القَسَامة في النفس. وقد قيل: يُقضى بذلك في الجراح. قال ابن جزي: فتلخَّص أن شهادة رجل وامرأتين أو رجل ويمين أو امرأتين ويمين مختصّة بالأموال.
قال رحمه الله تعالى: "وَتَنْفَرِدَانِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّجَالُ مِنَ الْوِلاَدَةِ وَعَيْب الْفَرْج وَافْتِضَاض وَنَحْوِهِ لاَ وَاحِدَةٍ" قال ابن جزي: المرتبة الرابعة شهادة امرأتين دون رجل، وذلك فيما لا يطَّلع علهي الرّجال، كالحمل والولاة موالاستهلال وزوال البكارة وعيوب النساء. وقيل: إنَّما يثعمل بها بِشَرْطِ أن يفشو ما شهدتا به عند الجيران وينتشر اهـ. فراجع الفواكه إن شئت.
قال رحمه الاَّه تعالى: "وَمَنْ لاَ يَعْرِفُ نَسَبَهُ فَلْيَشْهَدْ عضلَى عَيْنِهِ" يعني أن مَنْ لا يعرف الشاهد نَسَبَه فإنه يشهد على عينه. قال خليل: ولا على مَنْ لا يعرف إلاَّ على عينه. قال الشارح: يعني أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد على شخص لا يعرف نَسَبَه إلاَّ على عينه المعيَّنة بصفة شخصها؛ لاحتمال أن يضع الرجل اسم غيره على اسمه أو بالعكس.
следующие страницы →