← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فَصْلٌ في الولاء أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الولاء بفتح الواو والمد من الولاية بفتح الواو، وهو من النسب والعَتْق، وأصله من الولي وهو القرب، والمراد هناولاية الإنعام والعَتْق، وسببه زوال المِلْك بالحريَّة، فمَنْ زال مِلْكه بالحرّية عن رقيق فهو مواله، وهي ولاية العَتْق، وحُكْمُها العصوبة وهي تفيد الميراتث للمُعْتَق لِمَن عَتَقَ لا تُباع ولا توهب؛ لان النبي صلى لله عليه وسلم نهى عن بَيْع الولاء وهِبَتِه، لأنه لحمة كلحمة النسب، ولذا قال رحمه الله تعالى: "وَالْوضلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْ عَتَقَ عَنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَصحُّ نَقْلُهُ" يعني أن الولاء لِمَن أعْتَق أو أعْتَقَ عنه. قال مالكف يالعبد يبتاع نفسه من سيَّده على أن يوالي مَنْ شاء: إن ذلك لا يجوز وإنَّما الولاء لَمَن أعتق، ولو أن رجلاً أذِن لمواله أن يوالي من شاء ما جاز ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لِمَن أعْتَق"، ونهى رسول اللَّه ﷺ بَيْع الولاء وعن هِبَتِهِ، فإذا جاز لسيَّده يشترط ذلك له وأن يأذَن له أن يوالي مَنْ شَاء فتلك الهِبَة اهـ. ومَنْ أعْتَقَ عَبْدًا عن رجل فالولاء للرجل أي الذي أعْتَقَ عنه ولو بغير إذْنه؛ لأن التسرع يقدر دخوله في مِلك مَنْ أعْتَقَ عنه، وشرط كونه للمُعْتَق عنه كونه حرًّا مسلِمًا، أمّا إن كان رقيقًا فإن ولاء أعْتَقَ عنه لسيَّده، وإن كان كافرًا يكون ولاء الذي أعْتَقَ عنه مسلِماً للمسلمين، لأن الكافر لا ولاء له على مسلِم. اهـ. الرسالة بطرف من النفراوي. ثم قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلَيْسَ لِنَّسَاءِ مِنْهُ إِلاَّ مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعتَقْنَ أَوْ جَرَّه إليهن" يعني أنالنساء لا يَرِثْن ولاء موروثهن لكن يَرِثْنَ ولاء ما أعتقن وولاء من يجرُّ مَنْ أعْتَقَ قال في الرسالة: وولاءُ ما أعتقت المراة لها، وولاء من يجرُّ من ولدٍ أو عبدٍ أعتقته، ولا تَرِثُ خما أعتق غيرها من أبٍ أو ابن أو زوج أو غيره اهـ. قال خليل: ولا تَرُث

стр. 1157

أُنثى إن لم تباشره بعَتْقٍ أو جرّه ولاء بولادة أو عتق. وقال فيها أي المدوَّنة: ولا يَرثُ النساء من الولاء إلاّ ما أعْتَقْنَ أو أعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ أو ولد من أعْتَقْنَ من ولد الذكور ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا شيئ لهن في ولد البنت ذكراً كان أو أنثى فافْهَم ذلك اهـ. وفي القوانين: لا ينجز ميراث الولاء إلى المرأة، وإنَّما تَرِثُ بالولاء مَنْ أعْتَقَتْه أو مَنْ أعْتَقَتْ مَنْ أعْتَقَه إن عدم مَنْ أعْتَقَه أو ذرية مَنْ أعْتَقَه أو مَنْ أعْتَقَه مَنْ أعتَقَتْه لا مَنْ أعْتَقَه موروثها اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَالإرْثُ بِهِ لِلْعَصبَةِ فَيُقَدَّمُ الابْنُ عَلَى الأَبِ والأخِ وابْنُهُ عَلَى الْجَدَّ وَالْجَدُّ عَلَى الْعَمَّ ثُمَّ الأقْوَى فَالأقْوَى" يعني أن الإرث في الولاء للعصبة، وقد عقد العلاّمة ابن جزي في قوانينه فصْلاص في بيان ترتيب الموالي في الإرْث بالولاء فقال: المولى الأعلىهو مُعتِقُ العبد بأيَّ نوع من أنواع العَتْقِ أعْتَقَه أو مُعْتِقُ أبيه أو جدّه أو أمه وهو وارث المولى الأسفل العتيق ووارث أولاده وأحفاده ووارث كل من أعتقه العتيق أو مَنْ أعْتَقَه عتيق العتيق على الترتيب الذي نذكره، وذلك أنه إذامات عَبْدٌ بعد أن عُتِقَ فإن كان له عصبة ورثته عصبته دون مولاه، فإن لم تكن له عصبة ورثه مولاه، وهو المعتِقُ أو معتق المعتق في عدم المعتق فإذا انفرد أخذ المال كلَّه، وإن كان مع ذوي سهام أخذ ما يفصل عنهم فإن كان المتوفّى حرًّا في الأصل غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ أباه، فغ، كان أبوه حرًّا غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ جدّه، وهكذا ما ارتفعوعلا، فإن لم يكن في آبائه عتيق لم يَرِثْه موالي أُمه إلاَّ إن كان منقطع لنسب كولد الزَّنا والمنفي باللَّعان أو كان آباؤه كفارًا فحينئذٍ يرثه موالي أُمه إن كانت مُعْتَقَة، فإن كانت حرّةً غير مُعْتَقَة كانالولاء لموالي أبيها، فإن لم يكن أبوها عتيقًا لم يَرِثْه موالي أُمها إلاَّ إن كانت هي منقطعة النسب. وهكذا ترتيب الموالي أبدًا فيما علا من الآباء والأُمّهات اهـ. قال النفراوي في الفواكه: والحاصل أنَّ أوْلَى الناس بميراث الولاء عند عدم القرابة المُعْتِق ثم أولاده

стр. 1158

الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المُعْتِق فأبوه، فإن عدم أبوه فإخوته الأشقاء ثم الذين للأب ثم بنو الإخوة الأشقاء ثم بنو الإخوة للأب ثم بنوهم وإن نزلوا، فإن استَوَتِ الدرجة فالشقيق أوْلَى، فإ، عدمت إخوة المُعتِق وبنوهم فجدّ المُعْتِق، فإن لم يكن جدّ فالأعمام، وهم في الترتيب كالإخوة، ثم بعد انقراض أقارب المُعتِق مُعْتِقُ المُعْتِق، فإن لم يوجد مُعْتِقُه انتقل الحُكْمُ لعصبة مُعْتِقه إن كان له استحقاق وإلاَّ كان للمسلمين، مثاله: لو أعتقت امرأةٌ عبدًا ولها ابن من زوج غير قريب لها فإذا ماتت المرأة كان ولاء مَنْ أعتقته لابنها، فإذا مات ابنها لم يَرِثْ ابنه ما أعْتَقَتْه أُمّه بالولاء عند الأئمة الأربعة، ويكون ميراثه للمسلمين وهو من جملتهم، وخبر: مَنْ مات عن حقّ فلوارثه، غير معروف، والمراد بالعاصب الذي يُرِثُ الولاء: العاصب بالنفس لا بغيره ولا مع غيره، فلا تَرِثُ الأمّ مع الأبِ ولا الأخت مع الأخ ولا الأبُ مع الابن ولا البنت مع الابن اهـ. فتأمّل. قال رحمه الله تعالى: "وَوَلاءُ السَّائِبَةِ وَالمَنْبُوذِ والْمُعْتَقِ فِي الزكّاةِ لِلْمُسْلِمِينَ" وفي نسخة: السابية بدل السائبة، والأصحُّ ما قرَّرْناه، يعني أن ولاء السائبة وما عطفت عليه لجماعة المسلمين لا يختصُ به أحد عن أحدٍ؛ قال مالك في الموطَّأ: إن أحسن ما سُمِع في السائبة أنه لا يوالي أحدًا، وأنّ ميراثه للمسلمين وعقله عليهم. ومعنى السائبة: هو الذي قال له سيَّده: أنت سائبة أو سيبتك قاصدًا بذلك العَتْق، وكذلك لَفْظُ أنت حُرٌّ عن المسلمين يكون ميراثه لهم، وكما يرثنه يعقلون عنه ويلون عقد نكاحه إن كان أنثى ويحضنونه. اهـ. النفراوي بتصرف واختصار. قال رحمه الله تعالى: "وَيَرْجِعُ وَلاَءُ الكَافِرِ يُسْلِمُ لِمَوْلاَه كالْمُكاتَبِ يَعْتِقُ ثُمَّ يَعْتِقُ بِأَدَاءٍ" يعني كما في الخرشي: أن الكافر إذا أعتق عبده ثم أسلمَ العبد فإنَّ ولاءه ينتقل للمسلمين من عصبة سيَّده النصراني، فإن أسلمّ سيَّدُه الذي

стр. 1159

أعتقه بعد ذلك فإنّ الولاء يعود إليه. والمراد بعود الولاءِ هنا إنَّما هو الميراث فقط، وإلاَّ فالولاء ثابت لا ينتقل؛ لأن الولاء كالنسب فكما لا تزول عنه الأبوّة إن أسلَم ولده فكذلك الولاء اهـ. ومثله في المدوَّنة انظر الموّاق. قوله: كالمكاتب تشبيه في رجوع الولاء لِمَن أعْتَقَ، يعني أنّ المكاتب إذا أعْتَقَ عَبْدَه قبل أداء ما عليه من الكتابة ثبت العَتْق، فإذا أدّى ما عليه من الكتابة وصار بذلك حُرًا رجع إليه ولاء الكتابة الذي عُتِقَ؛ لأن الولاء لَمَن أعْتَقَ بشرط الإسلام، ولذا نبَّه رحمه اللذَه تعالى فقال: "بِخِلاف الذَّمَّيَّ يَعْتِقُ مُسْلِمًا ثمَّ يُسْلِمُ وَالْعَبْدُ يُعْتَقُ ثُمَّ يَعْتِقُ والْمُوَالاةُ بَاطِلَةٌ" يعني أن الذَّمّي إذا أعْتَقَ مسلِمًا ثم أسلم الذَّمّي فلا يرجع الولاء إليه؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين، ولا ينتقل إلى الذي أعتقه وإن أسلَم. قال مالك في الموجطَّأ في اليهودي والنصراني يسلِم عبدُ أحدهما فيعتقه قبل أن يُباع عليه: إنّ ولاء العبد المُعْتَق للمسلمي، وإن أسلَم اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَق اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَقَ اليهودي أو النصراني عَبْدًا على دينهما ثم أسلَم المُعْتَقُ قبل أن يُسلِم اليهودي أو النصراني الذي أعتقه ثم أسلَم الذي أعتقه رجع إليه الولاء؛ لأنه قد كان ثبت له الولاء يوم أعْتَقَه. قال مالك: وإن كان لليهودي أوالنصراني ولَدٌ مسلِمٌ وَرَثَ موالي أبيه اليهودي أوالنصراني إذا أسلَم المَوْلى المُعْتَقُ قبل أن يُسلِمَ الذي أعْتَقَه، وإن كان المُعْتَقُ حين أعْتَقَ مسلِمًا لم يكن لولد النصرانيَّ أو اليهوديَّ المسلمين منولاء العبد المسلِم شيئٌ، لأنه ليس للهوديَّ ولا للنصراني ولاءٌ فولاءُ العبد المُسِلم لجماعة المسلمين اهـ.". قال رحمه اللذَه تعالى: "وَلاَ يَجُرُّ الْوَلاءَ إِلاَّ أَبٌ أَوْ جَدٌّ كَمُعْتَقٍ وَلَدُهُ عَبْدٌ فَوَلاءُ أَوْلاَدِهِ لِمُعْتِقِ أبِيهِ فَإذَا أَعْتَقَ جَرَّهُ إِلَى مَوَالِيهِ كالْعَبْد يَتَزَوَّجُ عَتِيقَة فَوَلاَءُ أَوْلاَدِهَا لِمَوَالِيهَا فَإِذّا عَتَقَ أَبُوهُمْ جَرَّه لِمَوَاليه" هذه الجملة تقدَّم الكلام في معناها في إرث العصبة عند قول المصنَّف: والإرث به للعصبة وإلى ذلك أشار الإمام في الموطَّأ

стр. 1160

بقوله: الأمر المجتمع علهي عندنا في ولد العبد من امرأةٍ حرّة وأبو العبد حرٌّ أنّ الجدّ أبا العبد يجرُّ ولاءَ ولد أبنائه الأحرار مِن امرأةٍ حُرَّةٍ يرثهم ما دام أبوهم عَبْدَا، فإن عتَقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبدٌ كان الميراثُ والولاءُ للجدّ، وإن كانالعبد له ابنان حرّان فمات أحدهما وأبوه عبدٌ جَرَّ الجدّ أبو الأبِ الولاء والميراث اهـ. فراجِعْه في إرْثِ العصبة إن شئت. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الولاء ومامعه من المسائل انتقل يتكلم على الكتابة وممّا يتعلَّق باحكامها فقال رحمه اللَّه تعالى: فَصْلٌ في الكتابة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الكتابة وهي مشتقة من الكتاب بمعنى الأجَل؛ قال تعالى: كِتَابًا مُّؤَجَّلاً [آل عمران: ١٤٥] أي مضروبًا، وقوله: إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ [الحجر: ٤] أي أجَل مقدَّر، أو من الكَتب بمعنى الإلزام؛ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذينَ مِن قَبلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] وكَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نلَفسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ١٢]. ويقال في المصدر: كتاب وكتابة وكتبة ومكاتبة، قال تعالى: والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور: ٣٣]، والأمر فيها للندب أو الجواز، وعرَّفها ابن عرفة بقوله: هي عَتْقٌ على مالٍ مؤجلَّل من العبد موقوفٌ على أدائه. اهـ. الخرشي. ومثله في حاشية الصاوي على الدردير. وقد دلَّ على مشروعيتها الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى في تنزيله: فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وأمَّا السنّة فقوله ﷺ : "المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" وفي رواية: "ما بقي عليه شيئ". وأمَّا الإجماع فقد انعقدت الأمّة على جوازها بل على ندبها. قال خليل: ندب مكاتبة أهل التبرُّع وحط جزءٍ آخر ولم يُجْبَر العبد عليها اهـ. وفي الرسالة: والكتابة جائزة على ما رَضِيَه العبد

стр. 1161

والسيَّد من المال منجَّمًا، قلَّت النجوم أو كرَت، فإن عجز رجع رقيقًا وحلَّ له ما أُخِذَ منه، ولا يعجَّزه إلاَّ السلطان بعد التلوُّم إذا امتنع من التعجيز اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "الْكِتَابَةُ بَيْعُ السَّيِّد عَبْدَهُ مِن نَفْسِهِ بِمَالٍ مُنجَّم يُؤَدِيهِ عَلَى نَجْمِه فَإِنْ عَجَّلَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَيُرَقُّ بِعَجْزِهِ وَلَوْ بَقِيَ دِرْهَمٌ: يعني أن الكتابةً بَيْعٌ بعِوَضٍ مؤَجّل إلى أجِلِه فإن عجَّله العبد لزم على السَّيد قبوله، وإن عجز عن الأداء ولو درهمًا واحدًا عجَّزه الحاكم بعد التلوّم؛ وذلم لِما ثبت ف يالصحيح أن رسول الله ﷺ قال:"المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جدّه مرفوعًا. ورواه مالك في الموطَّأ عن نافع عن عبد الله بن عمر بلفظ: المكاتب عَبْدٌ ما بقي من كتابته شيئٌ. وأركانها أربعة، قال ابن جزي: وهي المكاتَب بالفتح والمكاتِب بالكسر والعِوَض والصيغة؛ وذلك أنّ معنى الكتابةش راء العبد نفسه من سيَّده بمالٍ يكسبه العبد، فالسيَّد كالبائع والعبد كالمشتري ورقبته كالثمن والمال الثمن، فأمَّا السيَّد فهو كل مالك صحيح غير محجور اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُجْبَرُ السَّيَّدُ عَلَيْهَا:" يعني أن السَّيد لا يُجْبَرُ على أن يكاتب عبده؛ لأن الكتابة ليست بواجبة على المشهور، والغاية أنها مندوبة أو جائزة، ولا يُجْبَر أحد على فِعْلِ واحدة منهما. قال مالكٌ: الأمر عندنا أنه ليس على سيَّد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أن أحدًا من الأئمة أَكْرَهَ رجلاً على أن يكاتب عَبْدَه، وقد سمعتُ بعض أهل العِلْم إذا سُئل عن ذلك فقيل له: إنّ اللَّه ﵎ يقول: فكاتِبُوهم إن عَلِمْتم فيهم خيرًا، يتلوهاتين الآيتَيْن: وإذا حللتم فاصطادوا. فإذا قَضِيَتِ الصلاةُ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. قال مالكٌ: وإنَّما ذلك أمرٌ أذِن اللَّه فيه للناس، وليس بواجب عليهم اهـ. الموطَّأ.

стр. 1162

قال رحمه اللَّه تعالى: "وَهَلْ لَهُ إِجْبَارُ عَبْدِه فيهِ خِلاَفٌ" يعني أختلف أئمّتنا هل للسيَّد جَبْرُ عَبْدِه على الكتابة؟ قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة: ظاهر كلام الشيخ أن السيَّد لا يُجْبِر عَبْدَه على الكتابة، وهو كذلك على لمشهور. قال النفراوي: وقول المصنَلّف على ما رَضِيَه العبد والسيَّد إشارة إلى أن العبد لا يُدْبَر على الكتابة هو مشهور المذهب، وصدر به خليل حيث قال: ولم يُجْبَر العبد عليها. قال الخرشي: المشهور من المذهب أنّ العبد لا يُجْبِرُه سيَّده على الكتابة، نُصَّ عليه في الجلاب، وأخَذَ الجَبْرَ عليها من المدوَّنة، وإليه أشار بقوله: والمأخوذ منها الجَبْر، قال زروق: ولو طلب السيَّد جَبْرَ عَبْده على الكتابة فقال إسماعيل القاضي: له جَبْرُه وهو الآتي على ما في المدوَّنة، قال ابن رشد: اختلف في ذلك قول ابن القاسم: وعلى الدَبْرَ فترجع المراضاة للمقدار. ونصُّ ما رُوِي عن مالك ممَّا يدلُّ على الجَبْرَ قولها: ومن كاتب عَبْدَه على نفسه وعلى عَبْدٍ له غائب لزم العبد الغائب وإن كُرِه؛ لأن هذا يؤّدَّ عنه. قال النفراوي: وسبب الخلاف كون الكتابة من باب البيع فلا يُجْبَرُ عليها العبد أو من باب العَتْقِ فيُجْبَر اهـ. واللَّه أعلَم. قال رحمه الله تعالى: "وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ أَمَةِ لاَ كَسْبَ لَهَا" يعني واختلف ائمّتنا في المذهب في كراهة كتابة الأمَة التي لا مال لها ولا كَسْبَ ومثلهاالصغير. وفي المدوَّنة: تجوز كتابة الصغير ومَنْ لا حِرْفة له وإن كان يسأل. وقال غيره. لا تجوز كتابة الصبي إلاَّ أن تفوت بالأداء أو يكون بيده ما يؤدّي منه فيأخذه منه ولا يُتْرَك له، وكَرِهَ مالك كتابة أمَة لا كَسْبَ لها؛ لأنها تضيع نفسها أو يؤدّي ذلك لأمر آخر اهـ. نَقَله زروق في شرحه على الرسالة. وفي القوانين: واختُلِفَ في الصغير الضعيف عن الأداء هل يكاتب أم لا؟ وكذلك الأمَة التي لا صنعة لها اهـ. قال النفراوي: وأمّا الصغير الذي لا ماله له ولا قدرة له على الأداء ففيه خلاف بين ابن القاسم وأشهب: فعند ابن لاقاسم: لا بأس بكتابته، وعند أشهب: تمنع كتابته وتُفْسَخ إلاَّ أن تفوت بالأداء. والمعتمد الأوّل

стр. 1163

كما قدّمنا وإليه ذهب خليل عاطفًا على الجواز بقوله: ومكاتبة أمَةٍ وصغير وإن بلا مَالٍ وكَسبٍ اهـ. ومثله في الدردير. قال رحمه الله تعالى: "وَلِلْمكاتِبِ كَسْبُهُ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ انْتِزَاعُ مَاله ولا يعجزه ولا يطأ مكاتبة، فإن حملت خيرت بين بقائها مكاتبة وفسخها، وتصير أم ولد)، يعني كما في القوانين: والمكاتب في تصرفه كالحر، إلا فيما تبرع، فلا ينفذ عتقه ولا هبته، ولا يتزوج بغير إذن سيده، وله التسري بغير إذنه. اهـ. وفي الرسالة: وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق، ولا يتزوج ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده. قال شارحها: ومفهوم العتق وما معه أنه لا يمنع من التصرفات المالية، ولذا قال العلامة خليل: وللمكاتب بلا إذن بيع وشراء ومشاركة ومقارضة ومكاتبة واستخلاف عاقد لأمته وإسلامها أو فداؤها إن جنت بالنظر، وسفر لا يحل فيه نجم وإقرار في ذمته وإسقاط شفعته لا عتق وإن قريبًا، وهبة وصدقة وتزوج وإقرار بجناية خطأ أو سفر بعد إلا بإذن، وإنما نص خليل على تلك الجزئيات جوازًا ومنعًا رفقًا بالمفتي. والضباط في ذلك: أن تقول: وللمكاتب التصرف بغير تبرع، ولذا قال ابن الحاجب: وتصرف المكاتب كالحر إلا في التبرع؛ لأنه مظنة لعجزه. اهـ. النفراوي. هذا معنى قوله: وللمكاتب كسب هذا وهو ظاهر؛ لأنه أحرز نفسه وماله، وليس للسيد انتزاع ماله كما تقدم، ولا تعجيزه ولا وطؤها إن كانت مكاتبة. وفي الرسالة: وليس له وطء مكاتبته. قال: سواء قلنا: إن الكتابة بيع أو عتق؛ لأنها حررت نفسها ومالها، فإن تعدى ووطئ أدب ولا حد عليه للشبهة، وإنما يؤدب إذا كان عالمًا بحرمة الوطء لا إن كان جاهلاً أو غالطًا. قال خليل: وأدب إن وطئ بلا مهر وعليه نقص المكرهة، وذلك فيما إذا كانت بكرًا لا إن كانت ثيبًا، وإن حملت خيرت في البقاء وأمومة الولد إلا لضعفاء معها أو أقوياء لم يرضوا، وحط حصتها إن اختارت الأمومة، وإن اختارت البقاء على كتابتها فهي

стр. 1164

مستولدة ومكاتبة، ونفقة حملها على سيدها كالمبتوتة، ثم إن أدت النجوم عتقت وإلا عتقت بموت سيدها من رأس المال. اهـ. النفراوي. قال مالك في رجل وطئ مكاتبة له: إنها إن حملت فهي بالخيار إن شاءت كانت أم ولد وإن شاءت أقرت على كتابتها، فإن لم تحمل فهي على كتابتها. اهـ. الموطأ. قال رحمه الله تعالى: (وله بيع الكتابة من أجنبي والنقد بعوض وبعكسه معجلاً ومن المكاتب كيف شاء، وهو أحق بها لا بيع نجم، وفي الجزء خلاف)، يعني كما في القوانين قال في المسألة الرابعة: لا يصح بيع رقبة المكاتب ولا انتزاع ماله، ويجوز بيع كتابته، خلافًا للشافعي، وعلى المذهب يبقى مكاتبًا، فإن وفى عتق وولاؤه لبائعها لا لمشتريها، وإن عجز أرقه مشتريها، ويشترط في ثمنها التعجيل؛ لئلا يكون بيع دين بدين. والمخالفة لجنس ما عقدت الكتابة به لئلا يكون ربًا. اهـ. أما لو وقع شراء الكتابة من المكاتب نفسه لجاز ذلك كيف شاء، وهو أحق بشرائها من الأجنبي. قال خليل عاطفًا على الجائزات: وبيع كتابة أو جزء لا نجم، فإن وفى فالولاء للأول وإلا رق للمشتري. انظر الخرشي. قال رحمه الله تعالى: (فإذا أدى إلى مبتاعها عتق وولاؤه لسيده وإلا رق لمبتاعها كالموهوب والموصى له بها)، يعني فإذا أدى المكاتب ما عليه من النجوم لمشتريها عتق وولاؤه لبائعه وإلا رجع رقيقًا لمشتريها. قال في المدونة: لا بأس ببيع كتابة المكاتب، إن كانت عينًا فبعرض نقدًا، وإن كانت نقدًا فبعرض مخالف أو بعين نقدًا، وما تأخر كان دينًا بدين. قال عبد الوهاب: هذا إن باعها من غير العبد، وأما إن باعها منه فذلك جائز على كل حال، فإن باعها من غير العبد فإن وفى العبد فولاؤه لبائع الكتابة، وإن عجز رق لمشتريها. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (ويستحب أن يضع عنه شيئًا من آخرها، فإذا أعتق

стр. 1165

تبعه ماله وولده الحادث أو المشترط فيها وأمته الحامل دون جنينها)، يعني أنه يستحب لمن كاتب عبده أن يضع عنه شيئًا منها، وأن يكون الوضع في آخر النجم منها على الاستحباب. قال المواق من المدونة والموطأ: قال مالك في قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي أتاكم﴾ [النور: ٣٣]: هو أن يضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئًا. وقال أبو عمر: وهذا على الندب ولا يُقضى به، وقوله: فإذا أعتق تبعه ماله ... إلخ تقدم الكلام فيه عند قوله: ويتبع المعتق ماله، فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: (فإذا مات وترك وفاء عجل وعتق أو ورثوه، فإن لم يف وهم أقوياء سعوا وأدوا وعنقوا وإلا رقوا)، يعني كما في القوانين قال في المسألة الثالثة: تنفسخ الكتابة بموت العبد وإن خلف وفاء، إلا أن يكون له ولد يقوم بها فيؤديها حالة، ثم له ما بقي ميراثًا دون سائر ولده، وقال الدردير كما في المختصر: وفسخت إن مات وإن عن مال إلا لولد أو غيره دخل معه بشرط أو غيره، فتؤدي حالة ويرثه من معه فقط إن عتق عليه كفرعه أو أصله، فإن لم يترك وفاء وقوي من معه على السعي سعى وترك للولد متروكه إن أمن وقوي وإلا فلأم ولده كذلك. اهـ. وفي الرسالة: وإذا مات وله ولد قام مقامه وأدى من ماله ما بقي عليه حالاً، وورث من معه من ولده ما بقي، وإن لم يكن في المال وفاء، فإن أولاده يسعون فيه ويؤدون نجومًا إن كانوا كبارًا، وإن كانوا صغارًا، وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا، وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده. اهـ. انظر النفراوي. قال رحمه الله تعالى: (ولا يعجز نفسه ولا يتبرع ولا يحابي ولا يعتق ولا ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده)، يعني أنه لا يجوز للمكاتب أن يعجز نفسه، ولا يفعل شيئًا مما يؤدي إلى تعجيزه من التبرع والعتق والنكاح وغيرها إلا بإذن السيد. قال ابن جزي في القوانين: يحصل العتق بأداء جميع العوض، فإن بقي منه شيء لم يعتق، وإن

стр. 1166

عجز عن أداء النجوم أو عن أداء نجم منها رُق، وفسخت الكتابة بعد أن يتلوم له الأيام بعد الأجل، فلو امتنع من الأداء مع القدرة لم تفسخ وأخذ من ماله، وليس له تعجيز نفسه إن كان له ماله ظاهر، خلافًا لابن كنانة، فإن لم يكن له مال ظاهر كان له تعجيز نفسه. وقال سحنون: لا يعجزه إلا السلطان. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وله مقاطعته إلى شيء معجل)، يعني كما قال الخرشي ونصه: والقطاعة بسكر القاف أفصح، وهي اسم مصدر لقاطع، والمصدر: المقاطعة، ولها صورتان: إحداهما: أن يكاتبه على مال حال. والثانية: أن يفسخ ما عليه في شيء يأخذه منه وإن لم يكن حالاً. اهـ. وفي الحطاب: والكتابة الحالة تسمى بالقطاعة. قاله ابن رشد في اللباب ونصه: قال الأستاذ أبو بكر: وظاهر قول مالك أن التأجيل شرط في الكتابة. قال علماؤنا: النظارة يجيزون الكتابة الحالة ويسمونها القطاعة. وتطلق القطاعة أيضًا على ما يفسخ السيد في كتابة العبد. قال في التنبيهات: والقطاعة بفتح القاف وكسرها أيضًا هي مقاطعة السيد عبده المكاتب على مال بتعجله من ذلك، وأخذ العوض منه معجلاً أو مؤجلاً، وكأنه ما انقطع طلبه عنه بما أعطاه وانقطع له بتمام حريته بذلك، أو قطع بعض ما كان له عنده من جملته، وهذا جائز عند مالك وابن القاسم بكل ما كان، وبما لا يجوز بين رب المال وغريمه، عجل العتق لقبض جميعه أو أخره لتأخير بعضه، عجل قبض ما قاطع عليه أو أخره، وسحنون لا يجيزها إلا بما يجوز بين الأجنبي وغريمه. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وإذا أسلم مكاتب الذمي، فإن نجزه وإلا بيعت عليه من مسلم)، يعني إذا أسلم مكاتب الذمي فإن نجز عتقه فذلك وإلا بيعت عليه الكتابة لمسلم. قال خليل: ومضت كتابة الكافر لمسلم وبيعت كأن أسلم. قال في التهذيب: إذا كاتب النصراني عبدًا له مسلمًا ابتاعه أو كان عبده أو أسلم مكاتب له فإن كتابته تباع من مسلم، ثم قال: وإذا أسلم أحد مكاتبي الذمي في كتابة واحدة بيعت كتابتهما جميعًا ولا تفرق.

стр. 1167

انظر التهذيب فالمسألة فيه مبسوطة ومبينة. اهـ. كما في المواق. قال رحمه الله تعالى: (ومن أوصى له بكتابته جعل في الثلث الأقل من قيمته أو قيمتها وأحكامه كالعبد)، يعني كما قال مالك في الموطأ في رجل كاتب عبده عند موته: إنه يقوم عبدًا، فإن كان في ثلثه سعة لثمن العبد جاز ذلك. قال: وتفسير ذلك أن تكون قيمة العبد ألف دينار فيكاتبه سيده على مائتي دينار عند موته فيكون ثلث مال سيده ألف دينار فذلك جائز له، وإنما هي وصية أوصى له بها في ثلثه، فإن كان السيد قد أوصى لقوم بوصايا وليس في الثلث فضل عن قيمة المكاتب بدئ بالمكاتب؛ لأن الكتابة عتاقة، والعتاقة تقدم على الوصايا، ثم تجعل تلك الوصايا في كتابة المكاتب يتبعونه بها، ويخير ورثة الموصي، فإن أحبوا أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم كاملة وتكون كتابة المكاتب لهم فذلك لهم، وإن أبوا وأسلموا المكاتب وما عليه إلى أهل الوصايا فذلك لهم؛ لأن الثلث صار في المكاتب، ولأن كل وصية أوصى بها أحد فقال الورثة: الذي أوصى به صاحبنا أكثر من ثلثه وقد أخذ ما ليس له، فقال: فإن ورثته يخيرون فيقال لهم: قد أوصى صاحبكم بما قد علمتم، فإن أحببتم أن تنفذوا ذلك لأهله على ما أوصى به الميت، وإلا فأسلموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت كله. قال: فإن أسلم الورثة المكاتب إلى أهل الوصايا كان لأهل الوصايا ما عليه من الكتابة، فإن أدى المكاتب ما عليه من الكتابة أخذوا ذلك في وصاياهم على قدر حصصهم، وإن عجز المكاتب كان عبدًا لأهل الوصايا لا يرجع إلى أهل الميراث؛ لأنهم تركوه حين خيروا؛ لأن أهل الوصايا حين أسلم إليهم ضمنوه، فلو مات لم يكن لهم على الورثة شيء، وإن مات المكاتب قبل أن يؤدي كتابته وترك مالاً هو أكثر مما عليه فماله لأهل الوصايا، وإن أدى المكاتب ما عليه عتق ورجع ولاؤه إلى عصبة الذي عقد كتابته. اهـ. الموطأ. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالكتابة وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلق بمسائل التدبير والمدبر فقال رحمه الله تعالى:

стр. 1168

فَصْلٌ في التدبير والمدبر أي في بيان ما يتعلق بأحكام التدبير والمدبر، والتدبير لغة: النظر في عاقبة الأمر والتفكير فيه، وعرفًا: تعليق السيد المكلف الرشيد عتق رقيقه على موته، كأن يقول لعبده: إذا أقبلت على الله وأدبرت عن الدنيا فأنت حر، وحكمه أنه مستحب، دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] ونحوه، وأما السنة فقوله ﷺ : ((لا يباع المدبر ولا يوهب وهو حر من الثلث))، وأما الإجماع فقد انعقد إجماع الأمة على أنه قربة، فقال رحمه الله تعالى: (من قال لعبده: أنت مدبر أو دبرتك أو أنت حر عن دبر مني عتق بموته من ثلثه أو محمله)، يعني أي مكلف رشيد مالك وإن زوجة قال لعبده أو لأمته: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني أو دبرتك فإنه يعتق بمجرد موته من ثلث ماله أو ما حمله الثلث، فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق قدر ما حمله ورق الباقي. قال الدردير: لأن التدبير إنما يخرج من الثلث، فإذا كانت قيمته خمسة وترك سيده خمسة ولا دين على سيده فثلث التركة ثلاثة وثلث هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه. اهـ. قال في الرسالة: والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني، ثم لا يجوز له بيعه، وله خدمته وله انتزاع ماله ما لم يمرض، وله وطؤها إن كانت أمة. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (فإن لم يترك غيره عتق ثلثه)، يعني أن السيد إذا دبر عبده وليس له مال غيره، فإذا مات عتق ثلث العبد، قال مالك في رجل دبر غلامًا له فهلك السيد ولا مال له إلا العبد المدبر وللعبد مال قال: يعتق ثلث المدبر، ويوقف ماله بيديه. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (فلو بعضه سرى في جميعه)، يعني لو دبر بعض العبد فإن

стр. 1169

التدبير يسري في جميعه. قال في الرسالة: ومن أعتق بعض عبده استتم عليه، أي لأن العتق يسري في جميع العبد المعتوق كما يسري في المدبر وغيره. قال شارحها: يعني أن من أعتق جزءًا ولو يدًا أو رجلاً من عبده الذي يملك جميعه، فإن الباقي يعتق عليه بالحكم. ويشمل القن المحض والمدبر والمعتق إلى أجل وأم الولد والمكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم كما تقدم، وإنما يلزم ذلك إذا كان المعتق مسلمًا مكلفًا رشيدًا لا دين عليه يرد العبد أو بعضه. وأما لو أعتق الكافر عبده الكافر فله الرجوع فيه إلا أن يسلم أحدهما أو يبين العبد عن سيده. اهـ. النفراوي بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: (ولو كان مشتركًا خير الشريك بين التقويم والمقاومة، فإن صار له رق وإن صار للمدبر سرى)، يعني كما قال مالك في الموطأ والمدونة في العبد يكون بين الرجلين فيدبر أحدهما حصته: إنهما يتقاومانه فإن اشتراه الذي دبره كان مدبرًا كله، وإن لم يشتره انتقض تدبيره، إلا أن يشاء الذي بقي له فيه الرق أن يعطيه شريكه الذي دبره بقيمته، فإن أعطاه إياه بقيمته لزمه ذلك وكان مدبرًا كله. اهـ. راجع شرح الباجي عليه. قال رحمه الله تعالى: (وليس له نقضه إلا أن يستغرقه أو بعضه دين فيباع منه ما يقابله)، يعني ليس للسيد نقض التدبر إذا دبر عبده، إلا أن يستغرق الدين قيمة المدبر فيباع له. قال في القوانين: وليس للسيد الرجوع في التدبير، بخلاف الوصية بالعتق فله الرجوع فيها. ثم قال في آخر الباب: ويبطل التدبير بقتل المدبر لسيده عمدًا أو باستغراق الدين له وللتركة. اهـ. ومثله في أقرب المسالك تبعًا لما في المختصر، وقال شارحه الخرشي: يعني أن المدبر إذا قتل سيده عمدًا عدوانًا لا في باغية فإن تدبيره يبطل إن استحياه الورثة، أما لو قتل سيده خطأ، فإن تدبيره لا يبطل، ويعتق في مال سيده الذي تركه، ولم يعتق في الدية وهي دين عليه ليس على العاقلة منها شيء؛ لأنه إنما صنع ذلك وهو مملوك ولا تحمل على عاقلته. وكذلك يبطل التدبير أيضًا

стр. 1170

باستغراق الدين للمدبر وللتركة، كما لو ترك السيد عشرة مثلاً وقيمة المدبر خمسة وعليه دين خمسة عشر فقط استغرق الدين للمدبر وللتركة؛ لأن الدين مقدم على ما يخرج من الثلث، وظاهره سواء كان الدين سابقًا على التدبير أو لاحقًا له، وهو واضح إذا قام الغرماء بعد موته السيد، وأما إن قاموا في حياته فإن كان الدين سابقًا على التدبير فإنه يباع للغرماء، وإلا فلا كما في المدونة. وكذلك يبطل بعض التدبير بسبب مجاوزته لثلث السيد، كما لو ترك السيد عشرة وقيمة المدبر عشرة فثلث التركة ستة وثلثان هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وله مقاطعته ومكاتبته، فإن أدى تعجل عتقه وإلا بقي مدبرًا. وله استخدامه وانتزاع ماله ما لم يمرض مرض الموت ويتبع الحامل ولدها)، يعني للسيد أن يقاطع المدبر بشيء معلوم يتعجل أداءه حالاً أو يتأخر به، فإن عجله عتق وإلا بقي كما هو مدبرًا. وأيضًا للسيد أن يكاتب المدبر إن علم فيه خيرًا وقدر على أداء النجوم كما تقدم، وله استخدامه. قال ابن جزي: ويجوز له وطء مدبرته عند الجمهور، بخلاف المكاتبة، وله أن يستخدم المدبر والمكاتب ويؤاجرهما. وقال أي ابن جزي في مال المدبر: أما في حياة سيده فهو لسيده وله انتزاعه منه ما لم تحضر الوفاة أو يفلس، وليس لغرمائه أخذ ماله، وأما بعد وفاة السيد فيقوم ماله معه كأنه جزء منه، ويسمى مجموع قيمته وما له من الثلث حسبما تقدم، فيأخذ منه ماله مقدار ما يعتق من رقبته حسبما ذكرنا. اهـ. القوانين. قال رحمه الله تعالى: (ويؤجر مدبر الذمي يسلم من مسلم وقيل يباع)، يعني كما قال مالك في الموطأ في رجل نصراني دبر عبدًا له نصرانيًا فأسلم العبد قال مالك: يحال بينه وبين العبد ويخارج على سيده النصراني ولا يباع عليه حتى يتبين أمره فإن هلك النصراني وعليه دين قضى دينه من ثمن المدبر إلا أن يكون في ماله ما يحمل الدين

стр. 1171

فيعتق المدبر. اهـ. قال الشارح: وهذا على ما قال: إن النصراني إذا دبر عبده النصراني ثم أسلم العبد فإنه انتهى إلى حكم بين مسلم ونصراني ينظر فيه على حكم الإسلام، ولا يجوز بيع المدبر فيلزم نماؤه على حكم التدبير لكنه تزال يد السيد عنه ويخارج له؛ لأن الذي بقي له فيه منافعه، فيمنع من مباشرة استيفائها ويباع من غيره من المسلمين فيستوفيها ويدفع إليه ثمنها، فإن مات النصراني عن دين يستغرق ماله بيع المدبر وقضي منه دينه، وإن لم يكن عليه دين أعتق في ثلثه أو ما حمل منه ثلثه على حسب ما يفعل لو كان السيد مسلمًا لا فرق بينهما إلا في إزالة يده عنه ومنعه من استخدامه. والله أعلم وأحكم. اهـ. انظر المنتقى للباجي. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل التدبير والمدبر انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام أم الولد فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في أم الولد أي في بيان ما يتعلق بأحكام الأمة التي استولدها سيدها وتسمى أم ولد لإتيانها به من سيدها. قال العلامة الدردير: أم الولد هي الحرة حملها من وطء مالكها. وقال الصاوي في حاشيته عليه: وأم الولد في اللغة: عبارة عن كل من لها ولد وهي في استعمال الفقهاء: خاصة بالأمة التي ولدت من سيدها الحر. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (تعتق المستولدة بالموت من رأس المال وإن كان مدينًا ولم يترك غيرها أو استولدها بعد استدانته أو وضعت غير مخلق)، يعني كما قال في أقرب المسالك: وتعتق من رأس ماله إن أقر بوطئها ووجد الولد أو ثبت إلقاء علقة ففوق ولو بامرأتين. وفي الرسالة: وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد. قال في القوانين: فمن وطئ أمته فحملت صارت له أم ولد، سواء وضعته كاملاً أو مضغة أو

стр. 1172

علقة أو دمًا إذا علم أنه حمل. وقال أشهب: لا تكون أم ولد بالدم المجتمع، ويرد قول أشهب أن يقال: بأن المراد بالدم المجتمع هو الذي يسمى علقة إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب بل يزيد تجمدًا، وهذا معنى قوله: أو وضعت غير مخلق كما سبق آنفًا، وهو معنى قول الرسالة: وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد فتأمل. اهـ بمعناه. قال رحمه الله تعالى: (ولا يجوز له إخراجها عن ملكه بغير العتق وله الاستمتاع بها والاستخدام الخفيف)، يعني أنه لا يجوز للسيد أن يبيع أم ولده، ولا أن يهبها ولا أن يفعل بها شيئًا مما يؤدي إلى خروجها عن ملكه إلا العتق، وفي الرسالة: فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته، ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة، وله ذلك في ولدها من غيره، وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها. اهـ. وحاصل ما نقل عن عياض، ﵁، أنه قال: لأم الولد حكم الحرائر في ستة أوجه، وحكم العبيد في أربعة أوجه. فأما الستة فلا خلاف عندنا أنهن لا يبعن في دين ولا غيره ولا يرهن ولا يوهبن ولا يؤجرن (١) ولا يسلمن في جناية ولا يستسعين، وأما الأربعة: فانتزاع أموالهن ما لم يمرض السيد، وإجبارهن على النكاح على قول، واستخدامهن لكن في خفيف الخدمة فيما لا يلزم الحرة، والاستمتاع بهن وله أرش الجناية عليهن. وزيد على ذلك: عدم شهادتهن، وحدهن نصف حد الحرة وعدم إرثهن وعدم القيم لهن في المبيت اهـ. نقله النفراوي. قال رحمه الله تعالى: (ولو اشترى زوجته بعد وضعها لم تكن به أم ولد)، يعني أن الزوج لو اشترى زوجته بعد وضعها من حملها منه لا تكون بذلك الوضع أم ولد له؛ لأنه قبل الشراء، أما لو اشتراها وهي حامل منه لكانت به أم ولد. قال

стр. 1173

خليل: مشبه بها كاشتراء زوجته حاملاً لا بولد سبق. قال ابن شرد: اختلف قول مالك فيمن تزوج أمة ثم اشتراها وهي حامل، فمرة قال: إنها تكون أم ولد؛ لأنه عتق عليه وهو في بطنها، وهو مذهب ابن القاسم، وأكثر أصحاب مالك، وبه العمل كما في أقرب المسالك، وأما لو وضعت قبل الشراء فلا تكون به أم ولد، وإليه أشار خليل بقوله: لا بولد سبق. وفي المدونة: إن اشترى زوجته وقد كانت ولدت منه قبل الشراء لم تكن به أم ولد، إلا أن يشتريها حاملاً منه اهـ. نقله المواق. انظر الخرشي. قال رحمه الله تعالى: (وفي أمة المكاتب والمدبر روايتان)، فالمشهور صيرورتهما أم ولد بوطء سيد المكاتب والمدبر إن حملتا. قال الدردير: أو حمل من وطء شبهة إلا أمة مكاتبه فتكون له أم ولد، أي من وطئ أمة عبده المكاتب فحملت منه فإنها تكون أم ولد للواطئ ولا حد عليه للشبهة، ويغرم قيمتها لمكاتبه، وتعتبر قيمتها يوم الحمل، فإن لم تحمل فلا يملكها ولا يغرم لها قيمة. اهـ. بطرف من الصاوي. قال رحمه الله تعالى: (وفي إسلام مستولدة الذمي يعرض عليه الإسلام فإن أبى فهل تعتق أم تباع عليه؟ روايتان)، والصحيح أنها تعتق ولا تباع، ويكون ولاؤها لجميع المسلمين، إلا أن يسلم سيدها بعد ذلك فيرجع إليه ولاؤها. قال مالك في المدونة في مكاتب الذمي إذا أسلم فأدى كتابته: إن ولاء للمسلمين، فإن أسلم سيده بعد ذلك رجع إليه ولاؤه؛ لأنه عقد كتابته وهو على دينه، فكذلك أم الولد. اهـ. قال الباجي في شرحه على الموطأ: مسألة: ولو أسلم عبد لنصراني فدبره النصراني ففي المزنية من رواية عبد الرحمن بن دينار، عن أبي حازم: يباع عليه ولا ينفعه تدبيره؛ لأنه لا يجوز ملكه حين أسلم. وروى عيسى، عن ابن القاسم: لا يباع عليه ويحال بينه وبينه ويخارج عليه، وإخراجه من يده يقوم مقام بيعه عليه، وإبقاؤه على حكم العتق أفضل من بيعه؛ لأن ذلك رد له

стр. 1174

إلى الرق، فإن مات النصراني وخرج من ثلثه عتق عليه، وإن ترك دينًا يغترقه بيع وقضي منه بثمنه، وكان بيعه الآن كبيعه يوم دبره، والله أعلم وأحكم. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وأحكامها أحكام الأرقاء مدة حياة السيد، والله أعلم)، يعني كما في القوانين لابن جزي لأنه عقد فيه فصلاً شاملاً في الكلام على أم الولد وأحكامها في حياة سيدها، بعد مماته على مشهور المذهب وبعض ما ذهب إليه الأئمة، فقال: أما في حياة السيد فأحكامها أحكام المملوك في منع الميراث وفي الحد في الزنا وغير ذلك، ولسيدها وطؤها إجماعًا، ولا يجوز له استخدامها إلا في الشيء الخفيف، ولا مؤاجرتها خلافًا للشافعي، ولا يجوز له بيعها عند الجمهور وفاقًا لعمر وعثمان، ﵄، وأجازه الظاهرية وفاقًا لأبي بكر وعلي، ﵄، وإن جنت جناية لم يسلمها كما يسلم الأمة بل يفكها بالأقل من أرش الجناية أو قيمة رقبتها، وأما إذا مات السيد عتقت أم ولده من رأس ماله، وإن لم يترك مالاً غيرها، ولحقت بالأحرار في الميراث والحد والجناية وغير ذلك. اهـ. والله أعلم. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بأحكام أم الولد انتقل يتكلم على أحكام الوصايا وما يتعلق بمسائلها، فقال رحمه الله تعالى:

стр. 1175

كتاب الوصايا أي في بيان ما يتعلق بأحكام الوصية، والوصايا جمع وصية، بفتح الياء المشددة، وفي لغة: الوصل، وعرفًا عقد يوجب حقًا في ثلث مال عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده. وعرفها ابن عرفة بقوله: هي في عرف الفقهاء لا الفُراض: عقد يوجب حقًا في لثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده، فما يوجب حقًا في رأس ماله مما عقده في صحته لا يسمى وصية، كما خرج ما يلزم بدون الموت كالتزام من لا حجر عليه بشيء من ماله لشخص، وزاد قوله: أو نيابة، عطفًا على حقًا ليدخل الإيصاء بالنيابة عن الميت، وأما الوصية عند الفراض فهي: عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده فقط، فالوصية عند الفقهاء أعم من الوصية عند الفرائض؛ لأن الوصية عند الفراض مقصورة على الإيصاء بما فيه حق، وأما عند الفقهاء فتنوع إلى وصية نيابة عن الموصي، كالإيصاء على الأطفال وعلى قبض الديون وتفرقة التركة. والنوع الثاني: أن يوصي بثلث ماله للفقراء أو بعتق عبده أو قضاء دينه، وتعريف ابن عرفة مشتمل على النوعين. اهـ. النفراوي. قال في أقرب المسالك: الوصية مندوبة أي ولو لصحيح؛ لأن الموت ينزل فجأة، ويعرض لها بقية الأحكام لما فيها من زيادة الزاد للميت. اهـ. انظر حاشية الصاوي عليه، وأركانها أربعة: فهي الموصي بالكسر، والموصى به، والموصى له بفتحتين، والصيغة. وعدها ابن جزي ثلاثة بقوله في القوانين: أركان الوصية ثلاثة، وأسقط الصيغة. قال: الأول: الموصي وهو كل مالك حر مميز، فلا تصح من العبد ولا المجنون إلا حال إفاقته، ولا من الصبي غير المميز، وتصح من الصبي المميز إذا عقل القربة، ومن السفيه ومن الكافر، إلا أن يوصي بخمر أو خنزير لمسلم. الركن الثاني: الموصى له، وهو كل من يتصور له الملك من كبير أو صغير حر أو عبد، سواء كان موجودًا أو منتظر الوجود كالحمل، إلا الوارث، فلا تجوز له اتفاقًا، فإن أجازها سائر الورثة جازت عند الأربعة، وإذا مات الموصى له

стр. 1176

قبل الموصي بطلت الوصية، ويشترط قبول الموصى له إذا كان فيه أهلية للقبول كالهبة. الركن الثالث: الموصى به وهو خمسة أقسام: الأول: يجب على الورثة تنفيذه وهو الوصية بقربة واجبة كالزكاة والكفارات، أو مندوبة كالصدقة والعتق، وأفضلها الوصية للأقارب. والثاني: اختلف هل يجب تنفيذه أم لا؟ وهو الوصية بما لا قربة فيه كالوصية ببيع شيء أو شرائه. الثالث: إن شاء الورثة أنفذوه أو ردوه وهو نوعان: الوصية لوارث، والوصية بأكثر من الثلث. الرابع: لا يجوز تنفيذه وهو الوصية بما لا يجوز كالنياحة وغيرها. الخامس: يكره تنفيذه وهو الوصية بمكروه. اهـ. ابن جزي. ثم نرجع إلى ما نحن بصدده. قال رحمه الله تعالى: (وتثبت الوصية بالموت من الثلث)، يعني أن الوصية تثبت بموت الموصي، ولا تصح إلا من الثلث. قال في الرسالة وغيرها: والوصايا خارجة من الثلث (١)، ويرد ما زاد عليه إلا أن يجيزه الورثة فتجوز إذا كانوا بالغين رشداء فتكون الإجازة ابتداء عطية منهم؛ لأن الحق انتقل لهم، وإن أجاز البعض دون البعض مضت حصة المجيز وردت حصة الممتنع له. اهـ. النفراوي. قال ابن جزي: إذا أجاز الورثة الوصية بالثلث لوارث أو بأكثر من الثلث بعد موت الموصي لزمهم، فإن أجازوها في صحته لم تلزمهم، فإن أجازوها في مرضه لزمت من لم يكن من عياله دون من كان تحت نفقته. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وله الرجوع)، يعني أن للموصي الرجوع عن وصيته إذا أراد أن يرجع عنها، سواء كان رجوعه في الصحة أو في المرض. قال ابن جزي في الفروع: للموصي أن يرجع عن وصيته في صحته ومرضه إلا عن التدبير. اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفًا في مبطلات الوصية: وبرجوع فيها وإن بمرض بقول أو عتق

стр. 1177

وإيلاد وتخليص حب زرع ونسج غزل وصوغ معدن وذبح حيوان وتفصيل شقة كأن قال: إن مت من مرضي أو سفري هذا ولم يمت إلا أن يكتبها وأخرجه ولم يسترده فإن رده بطلت. اهـ. قال مالك: فالأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه يغير من ذلك ما شاء غير التدبير. اهـ. الموطأ. قال رحمه الله تعالى: (وشراء ولده بجميعه ليعتق ويرثه) معطوف على الرجوع، فالمعنى: وله شراء أي وللموصي بالكسر شراء ولده بجميع ما يوصي به وهو الثلث، وإذا اشتراه بالثلث فإنه يعتق بالشراء ويرثه. قال خليل: وللمريض اشتراء من يعتق عليه بثلثه ويرث. قال الحطاب: احترز بقوله: بثلثه، مما إذا اشترى بأكثر من الثلث. قال ابن عرفة: وفيها، أي المدونة: من اشترى ابنه في مرضه جاز إن حمله الثلث، نقله الصقلي عن محمد بن المواز، وإن اشترى بأكثر من ثلثه وعتق وورث باقي المال إن انفرد وحصته مع غيره، وإن عتق مع ذلك عبده بدأ بالابن وورثه إن حمله الثلث. ونقل عنه أيضًا: إن اشتراه بأكثر من ثلثه عتق منه محمل الثلث ولم يرثه. وفي سماع ابن القاسم مثله، وفيه إن لم يحمله الثلث عتق منه محمله ورق ما بقي للورثة، فإن كان الورثة ممن يعتق عليهم عتق ما بقي عليهم. اهـ. انظر الحطاب. قال رحمه الله تعالى: (ويوقف الزائد على إجازة الورثة ولوارث يوقف الجميع)، يعني أنه إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله يرد ما زاد على الثلث إلى الورثة إلا أن يجيزوا تلك الزيادة، وكذلك يوقف جميع ما يوصى به، سواء كان ثلثًا أو أكثر أو أقل إذا كانت الوصية لوارث حتى يجيزها الورثة أو يردوها؛ لأنه لا وصية لوارث. والأصل في ذلك قوله ﷺ : ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))، رواه الأربعة إلا النسائي، وهو حديث حسن. وفي رواية عن ابن عباس بزيادة: إلا أن يشاء الورثة. ورواه أحمد أيضًا بإسناد حسن. والحاصل: أن الورثة

стр. 1178

مخيرون في تنفيذ الوصية أو ردها، وذلك في موضعين هما: الوصية لوارث، والوصية بأكثر من ثلث مال الموصي، والورثة مخيرون في هاتين الصورتين، فإن أجازوا فعطية منهم وإلا فجميع المال لجميع الورثة على فريضة الله تعالى التي فرض لكل وارث في كتابه العزيز، هذا حاصل كلام المصنف في هذه المسألة، والله أعلم. ثم قال رحمه الله تعالى عاطفًا على ما يلزم من الثلث بقوله: (والحج والزكاة كغيرهما إلا زكاة عامه يموت قبل التمكن فتلزم من رأس ماله)، يعني أنه قد أشار رحمه الله تعالى ببعض ما يلزم إخراجه من الثلث في الوصايا، كما يلزم تقديم بعضها على بعض عند ضيق الثلث، وأشار العلامة خليل لذلك مبينًا مرتبًا بقوله: وقدم لضيق الثلث: فك الأسير الذي أوصى بفدائه، ثم مدبر الصحة، ثم صداق المريض، ثم زكاة أوصى بها إلا أن يعترف بحلولها ويوصي فمن رأس المال كالحرث والماشية وإن لم يوص ثم زكاة الفطر، ثم عتق ظهار وقتل وأقرع بينهما إن لم يسعهما ثم كفارة يمين، ثم كفارة فطر رمضان، ثم كفارة التفريط في قضائه، ثم النذر، ثم العتق المبتل في المرض والمدبر فيه، ثم الموصى بعتقه معينًا عنده أو يشترى أو لكشهر أو بمال فعجله ثم الموصى بكتابته والمعتق بمال والمعتق لأجل بعد ثم المعتق لسنة ثم المعتق لأكثر منها ثم عتق لم يعين ثم حج إلا لصرورة فيتحاصان، أي عتق غير المعين وحج الصرورة، وشبه في التحاصص فقال: كعتق لم يعين ومعين غيره وجزئه أي جزء من مال الموصي كثلثه، فهذه الثلاثة في مرتبة واحدة فتتحاصص في الثلث إذا ضاق عنها، ولا يقدم أحدهم على الآخر. اهـ. النفراوي مع طرف من الإكليل. فإن أردت أن تقنع بمسألة الجزء فراجع القوانين، فإن مصنفه قد عقد فيه فصلاً مستقلاً تضمن بيان وصية بجزء وفيه كفاية بذلك إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: (فلو ضاق عن الوصايا قسم بالحصاص)، يعني كما في الرسالة وهو قولها: وإذا ضاق الثلث تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها. قال شارحها:

стр. 1179

والوصايا التي لا تبدئة هي التي لم يرتبها الموصي ولا الشارع، كأن يوصي لشخص بنصف ماله مثلاً وللآخر بثلثه، وإن أجاز الورثة الوصيين فلا إشكال في أخذ أحدهما نصفه والآخر ثلثه؛ لأن مقام النصف من اثنين والثلث من الثلاثة وهما متباينان، فيضرب أحدهما في الآخر بستة. هذا حاصل مخرج الوصيتين، لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث اثنان والباقي واحد للورثة، وإن لم تجز الورثة الزائد اقتسما الثلث على النصف والثلث وهما متباينان، ومقامهما من ستة، لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث اثنان وذلك خمسة: وهي المحاصة فاجعلها ثلث المال يكون المال خمسة عشر: خمسة للموصى لهم: للموصى له بالنصف ثلاثة، والموصى له بالثلث اثنان، وتبقى عشرة لأهل الفريضة، وكأن يوصي لرجل بنصف ماله ولآخر بربعه، فإنك تأخذ مقام النصف ومقام الربع تنظر بينهما فتجدهما متداخلين فتكتفي بالأربعة فتأخذ نصفها وربعها فيكون المجموع ثلاثة تقسم بينهما على ثلاثة أسهم، لصاحب الربع سهم وللآخر سهمان. وإن أوصى لشخص بثلث ماله ولآخر بربعه فالثلث بينهما على سبعة أسهم: لصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة على هذا القياس: ومما يقع فيه التحاصص: النذر ومبتل المريض إذا ضاق الثلث عن حملها، بخلاف ما إذا ضاق الثلث عن كفارة الظهار والقتل فإنهما لا ترتيب بينهما ولا يتحاصان وإنما يقرع بينهما، بخلاف غيرهما من متحدي الرتبة؛ لأن تقديم أحدهما على غيره ترجيح بلا مرجح، وعدم التحاصص لأن الكفارة لا تتبعض بخلاف ما سبق اهـ. النفراوي. قال رحمه الله تعالى: (وبمؤيد معها كمصباح في المسجد يضرب له بالثلث)، والضمير في معها عائد على الوصايا، يعني كما قال ابن عرفة نقلاً عن المدونة: ونصها من أوصى بشيء يخرج كل يوم إلى غير أمد من إضاءة مسجد وسقاء ماء أو خبز كل يوم بكذا أبدًا وأوصى مع ذلك بوصايا فإنه يحاصص لهذا المجهول بالثلث وتوقف له حصة، وأكثرهم لم يحك فيه خلافًا. وقال المواق نقلاً عن ابن الحاجب: إن كان في الوصية

стр. 1180

مجهول كوقود مصباح على الدوام أو تفرقة خبز ونحوه ضرب له بالثلث ووقف حصته ثم ذكر نص المدونة كما تقدم اهـ. قاله عند قول خليل: وضرب لمجهول فأكثر بالثلث وهل يقسم على الحصص؟ قولان اهـ. قال رحمه الله تعالى: (ولزيد بنفقة عمره يعمر تمام سبعين ويعد له نفقته فينفق عليه فإن مات قبل استكمالها ففي ضيق الثلث عن الوصايا يعاد الباقي عليهم بالحصاص وإلا عاد ميراثًا)، هذه الجملة معطوفة على قسم بالحصاص، فالمعنى لو ضاق الثلث لأهل الوصايا وقد أوصى موص بنفقة زيد عمره فإنه يضرب له نفقة ما يعمر مثله من ثلث مال الموصي يقدر له نفقة تمام سبعين سنة من يوم موت الموصي إلى تمام عمر الموصى له، وإن مات قبل استكمال ما وقف له ففي ضيق الثلث يعاد الباقي إلى أهل الوصايا يقسمونه بالحصاص وإلا عاد ميراثًا اهـ. بمعناه. قال رحمه الله تعالى: (وبمثل نصيب ابنه بالكل أو أحد ابنيه بالنصف وقيل: يجعل كابن زائد وبمثل نصيب أحد ورثته وهم مختلفون يقسم على عدد رؤوسهم فيعطى سهمًا)، يعني كما في الدردير ونصه: وإن أوصى لشخص بنصيب ابنه بأن قال: أوصيت لزيد بنصيب ابني أو بمثله بأن قال: أوصيت لزيد بمثل نصيب ابني فإن لم يكن له إلا ابن فيأخذ الموصى له جميع تركة الميت الموصي إن أجاز الابن الوصية، وإلا فللموصى له ثلث التركة فقط، فإن قال ذلك ومعه ابنان فيأخذ نصف التركة إن أجازا وإلا فالثلث ولا كلام لهما، وإن زادوا فله قدر نصيب واحد ولا كلام لهم، فإن كان مع الابن ذو فرض فللموصى له جميع التركة بعد ذوي الفروض إن أجاز. قال الصاوي في حاشيته عليه: وحاصله أنه إن مات الموصي لزيد بنصيب ابنه وترك صاحب فرض كزوجة مثلاً فإن كان معه ابن وأجاز كانت السبعة الأثمان للموصى له، وإن لم يجز أخذ ثلث التركة، وإن كان معه ابنان كان له نصف ما بقي بعد الفرض إن أجاز وإلا فله ثلث التركة،

стр. 1181

فإن زادوا كان له مثل نصيب أحدهم أجازوا أو لا. ولذا قيل: وقدر زائدًا في اجعلوه وارثًا معه وألحقوه أو نزلوه منزله أو من عداد ولدي فإن الموصى له يقدر زائدًا على ذريته، فتكون التركة نصفين إن كان له ابن واحد وأجاز، وإلا فالثلث للموصى له، فإن كان للموصي ابنان فللموصى له الثلث أجازا أم لا، ولو كانوا ثلاثة فهو كرابع وهكذا، فلو كان مع الذكور إناث فهو كذكر، فلو كانت الوصية لأنثى لكان لها مثل أنثى من بناته اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وبسهم أو جزء مجهول أو نصيب، فقيل: الثمن، وقيل: السدس، وقيل: سهم من تصحيحها ولا يتجاوز الثلث)، يعني كما في الموافق نقلاً عن سماع عيسى بن القاسم: من مات وقد قال: لفلان جزء من مالي أو سهم منه أعطي من أصل فريضتهم سهمًا إن كانت من ستة فسهم منها، وإن كانت من أربعة وعشرين فسهم منها، وإنا كان ورثته ولده فإن ترك ذكرًا وأنثى فله الثلث، وإن ترك ذكرًا وأنثيين فله الربع، وإن لم يكن له وارث فسهم من ستة. وقال أشهب: سهم من ثمانية ابن رشد وقول أشهب أظهر ابن يونس، وإن لم يترك إلا ابنة أو من لا يحوز الميراث فإن له سهمًا من ثمانية؛ لأنه أقل سهم سماه الله تعالى لأهل الفرائض. اهـ. انظر الحطاب. قال رحمه الله تعالى: (وبألف فتلف المال سواها له ثلثها وبجزء مسمى له مسماه من الباقي)، يعني إذا أوصى شخص بشيء معين كألف درهم أو غيره لفلان فتلف المال كله بطلت الوصية، فإن بقي منها ألف فقط فللموصى له ثلثها، وإن سمى جزءًا كالربع مثلاً فتلف المال فللموصى له مسماه من الباقي. قال خليل: وإن لم يبق إلا ما سماه فهو له إن حمله الثلث. قال رحمه الله تعالى: (وبمعين ما بقي منه وبثيابه ما مات عنها)، يعني أن الوصية بالشيء المعين تؤخذ من الباقي إن بقي منها قدر ما يوصى به كما تقدم آنفًا، فإذا أوصى له بثيابه فالعبرة بالثياب التي مات عنها.

стр. 1182

قال رحمه الله تعالى: (وبثلثه وله مال لا يعلمه له ثلث المعلوم)، يعني كما في القوانين: من أوصى بوصية وله مال يعلم به ومال لا يعلم به فالوصية فيما علم به دون ما لم يعلم به، إلا المدبر في الصحة فهو علم وفيما لم يعلم. اهـ. ومثله في النفراوي. قال رحمه الله تعالى: (وبأحد عبيده أو ماشيته نسبته إلى نوعه بالقيمة)، يعني إن أوصى لشخص بأحد عبيده أو بواحدة من ماشيته فإنه ينظر إلى نوع العبيد أو الماشية فيقوم ذلك ويعطى الموصى له من القيمة، أو يشارك الورثة في ذلك إن لم تمت موصى بها، وإن ماتت بطلت الوصية. قال خليل: وبشاة أو بعدد من ماله شارك بالجزء، إن لم يبق إلا ما سمى فهو له إن حمله الثلث لا ثلث غنمي فتموت، وإن لم يكن له غنم فله شاة وسط، وإن قال: من غنمي ولا غنم له بطلت كعتق عبد من عبيده فماتوا أو لا عبيد له بطلت اهـ. قال في المدونة: من أوصى بعتق عشرة من عبيده ولم يعينهم وعبيده خمسون فمات منهم عشرون قبل التقويم عتق ممن بقي منهم عشرة أجزاء من ثلاثين جزءًا بالسهم خرج عدد ذلك أقل من عشرة أو أكثر، ولو هلكوا إلا عشرة عتقوا إن حملهم الثلث، وكذا من أوصى لرجل بعدد من رقيقه أو بعشرة من إبله. اهـ. نقله المواق وغيره. قال رحمه الله تعالى: (وبمعين لزيد ثم به لعمرو فهو بينهما ما لم تدل أمارة على رجوعه عن زيد)، يعني إن أوصى بشيء معين لرجل معين كزيد ثم أوصى به لعمرو فإنهما يقسمانه ما لم تدل أمارة على رجوعه عن زيد، فإن دلت الأمارة على رجوعه فيكون لعمرو خاصة. وفي القوانين: من أوصى بشيء معين لإنسان ثم أوصى به لآخر قسم بينهما، وقيل: يكون للأول، وقيل: للثاني؛ لأنه نسخ. اهـ. (ولميت يعلمه يصرف في ديونه فإن لم يكن فلورثته)، يعني كما في القوانين ونصه: من أوصى لميت وهو يظنه حيًا بطلت الوصية اتفاقًا، فإن أوصى له بعد علمه بموته صحت وكانت لورثته خلافًا لهما. اهـ. قال خليل: ولميت علم بموته ففي دينه

стр. 1183

أو وارثه. قال الخرشي: يعني وكذلك تصح الوصية للميت إن علم الموصي بموته، ويصرف المال الموصى به في دينه إن كان على الميت دين وإلا فهو لوارثه، فإن لم يعلم بموته فإنها لا تصح، إذ الميت لا يصح تملكه إلى أن قال: وبيت المال وارث شرعي فيدفع له حيث لم يكن له وارث ولا عليه دين، قلت: هذا خلاف ما في الدردير فإنه قال: فإن لم يكن عليه دين ولا وارث له بطلت، راجع حاشية الخرشي للعلامة العدوي. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وبحبس ونحوه في مصالحه)، يعني وتصح الوصية بحبس وتصرفها في مصالح أهل الأحباس كما تقدم في الوقف، ونحو الحبس الرباط، وتصرفها لأهلها كالمجاهدين، ومثله القنطرة والمساجد، وتصرف في حصره وقناديله ورمه وغير ذلك، وما زاد فيعطى لخدمته من إمام ومؤذن ونحوهما احتاجوا أم لا. اهـ. الدرير. وعبارة خليل: ولمسجد وصرف في مصلحته. قال المواق نقلاً عن الحاجب: تصح الوصية للمسجد والقنطرة وشبهها؛ لأنه بمعنى الصرف في مصالحهما. قال ابن رشد: الواجب أن يقدم بنيان المسجد ورمه على أجر أئمته وخدمته. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وتصح لقاتله والعفو عن العمد لا الخطأ إلا أن يحمل الثلث الدية أو يجيزها الورثة)، يعني تصح الوصية لقاتله قتل عمد بعد إنفاذ المقتل وقبل زهوق روحه؛ لأنه لا كلام للولي في شأن تلك الحالة ولا لذي دين عليه بخلاف قتل الخطأ فلهما الكلام، فإن أوصى لقاتله خطأ فتكون الوصية في ثلث الدية. قال في الرسالة: وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة وعفوه عن الخطأ في ثلثه. قال الشارح: فإن حملها نفذت قهرًا على الورثة، مثل أن يكون عنده ألفان من الدنانير وديته ألفًا فإن الدية تسقط عن عاقلة القاتل، وإن لم يكن عنده مال سقط عن القاتل مع عاقلته ثلث الدية إلا أن تجيز الورثة الزائد كسائر الوصايا بالمال. اهـ. النفراوي. وإليه أشار خليل عاطفًا فيمن يصح إيصاؤه بقوله: وقاتل علم الموصي بالسبب وإلا فتأويلان. قال المواق

стр. 1184

من المدونة: إن أوصى له بعد ضربه وعلم به فإن كانت الضربة خطأ جازت الوصية في المال والدية، وأما في العمد فتجوز في ماله دون الدية؛ لأن قبول الدية كما لم يعلم به. اهـ. ومثله في الإكليل. قال رحمع الله تعالى: (ولقرابته يؤثر الأقرب لا أولاد بناته ولأهله عصابته قال القاضي أبو محمد: الصحيح أن اسم الأهل والقرابة لكل من مسه به رحم)، يعني كما قال خليل: وفي الأقارب والأرحام والأهل أقاربه لأمه إن لم يكن أقارب لأب، والوارث كغيره بخلاف أقاربه هو أي في الدخول، فلو أوصى لأقارب زيد أجنبي أو لأهله أو لذي رحمه فيدخلون كلهم مدخلاً واحدًا، ويستوى في ذلك الوارث وغير الوارث، فيدخل العم للأم والأم؛ لأن الموصي ليس هو المورث، وذلك بخلاف إيصائه لأقاربه هو أي الموصي أو لذي رحمه أو أهله، فلا يدخل وارثه فيهم؛ لأن الشرع حكم بمنع الوصية للوارث، فإذا كان له ولد مثلاً وأعمامه دخل الأعمام وبنوهم ولا يدخل الولد. وإن أوصى للأقارب أو للأرحام أو لأهل له أو لغيره أوثر المحتاج الأبعد في القرابة من غيره، لشدة فقره أو كثرة عياله بالزيادة على غيره لا بالجميع، فالمحتاج الأقرب علم إيثاره بالأولى في كل حال إلا لبيان من الموصي كقوله: أعطوا الأقرب فالأقرب، أو أعطوا فلانًا ثم فلانًا، فيفضل، ويقدم من قدمه الموصي امتثالاً لأمره، وإن لم يكن المقدم أحوج لا يختص بالجميع. قال خليل: وإذا قال: الأقرب فالأقرب يقدم الأخ وابنه على الجد ولا يخص اهـ. الإكليل بتوضيح. وعبارة الخرشي: يعني أنه إذا أوصى لأقارب فلان الأجنبي أو لأرحامه أو لأهله أو أوصى لأقاربه هو أو لأرحامه أو لأهله فإن الأحوج يؤثر ولو كان أجنبيًا. ومعنى الإيثار: أن يزاد له، ولا يختص بالجميع إلا أن يقول: أعطوا فلانًا فإنه يعمل على قوله. ويقدم من قدمه ولو كان غيره أحوج منه، أو يقول: أعطوا الأقرب فالأقرب، فيقدم الأخ وابنه على الجد؛ لأنهما يدليان بالبنوة والجد يدلي بالأبوة وجهة

стр. 1185

البنوة أقوى، وإذا قدم الأقرب فإنه يزاد له شيء من الوصية ولا يختص بجميعها اهـ. باختصار. (ولواحد بمقدارين متساويين من نوعين ولا قرينة على إثباتهما له أحدهما فإن تفاوتا قال ابن القاسم: الأكثر ومطرف: إن كانت الأولى أعطيهما وإلا أكثرهما)، يعنى كما في المواق قال: روى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن أوصى لرجل بدنانير ثم أوصى له بدنانير أقل عددًا أو أكثر فإن له أكثر الوصيتين. قال الباجي: ووجه هذا أن هاتين وصيتان من جنس واحد فكان له أكثرهما كما لو كانت الأولى أقل عددًا، وعلى حسب هذا تجري الوصيتان في الذهب والفضة والعروض التي تكال أو توزن أو الحيوان والدور والثياب وغير ذلك ما لم يكن في شيء معين. وروي عن ابن حبيب: أن له في العروض الوصيتين؛ لأن التماثل فيها معدوم. ووجه القول الأول: أنهما وصيتان متماثلتان كالمكيل والموزون، وإذا ثبت هذا فلا خلاف أن الدراهم من سكة واحدة متماثلة، وكذلك الأفراس والإبل والعبيد، وأما الدنانير والدراهم فقال مالك: إنهما متماثلان؛ لأنهما صنف واحد في الزكاة. وقال ابن القاسم: هما غير متماثلين؛ لأن التفاضل بينهما جائز، فإذا قلنا بقول مالك وأوصى له بدنانير ثم أوصى له بدراهم فإنه يعتبر الأقل والأكثر بالصرف. اهـ. المنتقى، ثم بقي النظر إذا أوصى له بدراهم ثم بسبائك أو بقمح ثم شعير، نقل عن محمد أن ذلك مثل ما إذا أوصى له بدراهم ثم بدنانير فله الوصيتان على قول ابن القاسم. وبقي النظر إذا أوصى له بعددين متساويين في العدد والجنس، مثل أن يوصي له بعشرة دنانير ثم يوصي له بعشرة دنانير فقال مالك وابن القاسم: له العددان جميعًا. قال الباجي: وإن كان ما أوصى به معينًا كعبد بعينه ثم أوصى له بعبد آخر بعينه فله الوصيتان. اهـ. وفي القوانين لابن جزي: وإن أوصى له بوصية بعد أخرى فالوصيتان، إلا من نوع وإحداهما أكثر فله الأكثر وإن تقدم. وإليه أشار خليل بقوله: وإن أوصى بوصية بعد أخرى فالوصيتان كنوعين ودراهم وسبائك وذهب وفضة وإلا فأكثرهما وإن تقدم. اهـ.

стр. 1186

ثم قال رحمه الله تعالى: (وبعبد معين وبعتقه يؤخذ بالأخيرة وأشهب بالعتق)، يعني إن أوصى الشخص بعبده المعين وأوصى أيضًا بعتقه فإنه يؤخذ بوصيته الأخيرة وهي الوصية بالعتق، وعليه أشهب. وفي المدونة: فإن قال: اعتقوا فلانًا لعبد له بعد موتي، وقال: اشتروا نسمة فاعتقوها عني، بأيهما يبدأ في قول مالك؟ قال: بالعبد الذي بعينه اهـ. وفيها أيضًا: إن كان عبدًا بعينه يملكه فهو حر مبدأ، وإن أوصى أن تشترى رقبة بعينها فهي أيضًا مبدأة، مثل ما يقول: اشتروا عبد فلان بعينه فاعتقوه اهـ. وإليه أشار في الرسالة بقوله: والعتق بعينه مبدأ عليها. قال شارحها: وهو يشمل ما كان عنده وأوصى بعتقه: كاعتقوا عبدي مرزوقًا، ويشمل ما أوصى بشرائه كاشتروا عبد فلان لمعين واعتقوه، ويشمل ما أوصى بعتقه ناجزًا أو إلى شهر بعد موته، ويشمل ما أوصى بعتقه مجانًا أو على مال وعجله أو بكتابته وعجلها اهـ. النفراوي. قال رحمه الله تعالى: (وبشيء معين وأمواله مختلفة يخير الورثة بين دفعه ومشاركته بالثلث)، يعني إن أوصى بشيء معين في ماله والحال أن له أموالاً مختلفة الأنواع كصاحب الحوائط والعبيد والحيوان والعروض والدكاكين وغير ذلك من الأموال المختلفة فإن الورثة مخيرون بين دفع الشيء المعين الموصى به لأهل الوصايا وبين أن يشاركوهم بالثلث في جميع مال الميت. قال في المدونة: أرأيت إن أوصى بثلث ماله وبربع ماله وأوصى بأشياء بأعيانها لقوم شتى؟ قال: ينظر إلى قيمة هذه الأشياء التي كانت بأعيانها وإلى ثلث جميع ماله وإلى ربع جميع ماله فيضربون في ثلث مال الميت، يضرب أصحاب الأعيان في الأعيان، كل واحد منهم في الذي جعل له الميت بمبلغ وصيته، ويضرب أصحاب الثلث والربع في بقية الثلث، يكونون شركاء مع الورثة بمبلغ وصاياهم. قال: فإن هلكت الأعيان التي أوصى بها كلها بطلت وصايا أصحاب الأعيان، وكان ثلث ما بقي من مال الميت بين أصحاب الثلث والربع، يتحاصون في ذلك على مال قاله مالك اهـ. بتوضيح.

стр. 1187

قال رحمه الله تعالى: (ولواحد بمائة وآخر بخمسين والثالث بمثل أحدهما سهمًا قيل: مثل نصفيهما وقيل: أكثرهما، وأشهب أقلهما)، يعني إن أوصى الميت لثلاثة أشخاص: الأول بمائة والثاني بخمسين والثالث بمثل أحد الأولين فإنه يعطى سهمًا واحدًا، وقيل: يعطى مثل نصفيهما، وقيل: يعطى أكثر مما أعطاهما. وقال أشهب: يعطى أقل مما أعطاهما، قلت: العلم بالنقل لا بالعقل ولولا ذلك لقلنا: يعطى الثلث مائة أو الخمسين ولكن الرجوع إلى ما قاله الأئمة أولى؛ لأنهم أدرى بذلك ولم أقف في المسألة على نص فتأمل: (وفي ضيق الثلث يبدأ بالآكد فيقدم مدبر الصحة على معتق المرض والمبتل فيه على الموصى بعتقه والمعين على المطلق والزكاة على الكفارة)، يعني قد بين ﵀ في هذه الجملة مراتب الوصايا، وتقدمت لنا هذه المسألة مما نقلناه من المختصر عند قول مصنفنا: والحج والزكاة كغيرهما، فراجعه إن شئت. ثم قال رحمه الله تعالى: (وتصح من الصحيح والمريض والسفيه المحجور عليه والمميز ولمجنون في حال إفاقته وإلى العبد والمرأة لا الفاسق وبماله إلى واحد وولده إلى آخر فإن شرط اجتماعهما لم تجز مخالفته والإطلاق يقتضيه)، يعني تصح الوصية من الصحيح والمريض والسفيه والصغير المميز المحجورين والمجنون في حال إفاقته. قال في المدونة: تجوز وصية ابن عشر سنين وأقل مما يقاربها. وروى ابن وهب أن أبان بن عثمان أجاز وصية جارية بنت ثماني سنين أو تسع. قال خليل: صح إيصاء حر مميز مالك، وإن سفيهًا أو صغيرًا كما تقدم في أول الكتاب. وتصح الوصية إلى العبد والمرأة وغلى رجل واحد وولد الموصي إلى رجل آخر ما لم يشترط اجتماعهما، فإن شرط ذلك وجب على الوصي اجتماعهما ولم تجز مخالفة الموصي في ذلك، كما أن إطلاق الموصي يقتضي ذلك على الوصي ولو لم يشترط ما لم يمنع. اهـ. بمعناه.

стр. 1188

قال رحمه الله تعالى: (وقوله: فلان وصيي تفويض فيملك أن يوصي إلا أن يمنع وقبوله بعد الموت يمنع الرجوع إلا لعجز أو عذر ظاهر)، يعني إذا قال المريض: فلان وصيي فيحتمل قوله ذلك أن فلانًا وصيه مفوض، فيملك جميع ما تناولته الوصية المفوضة، فيملك أن يوصي على غيره عند الحاجة، ولأن وصي الوصي كالوصي في تنفيذ ما أوصي به، إلا ما يمنعه الموصي أو اختص وصيته بشيء مخصوص فيقتصر على ما يوصي عليه فقط، كما إذا استثنى عليه بعض الأشياء كما يفهم ذلك في حالة الوصايا. وقبوله الوصية بعد موت الموصي يمنع الوصي الرجوع عن الوصية إلا لعجز عن ذلك أو عذر ظاهر كالمرض والهرم وغيرهما. قال رحمه الله تعالى: (وتبطل بالرجوع وموت الموصى له أو رده وتلف الموصى به والله أعلم)، يعني تبطل الوصية بالرجوع عنها وبموت الموصى له أو رده الوصية أو تلفها قبل الموصول إليه كالهبة. انظر قوله: وله الرجوع في أول الكتاب، فهناك بيان مبطلات الوصية، والله أعلم. فرع: قال الحطاب نقلاً عن التوضيح: وقبول الموصى له للوصية شرط في وجوبها له؛ لأنها أحد أنواع العطايا فاشترط فيها القبول كالهبة وغيرها. قال: وظاهره إذا مات الموصى له قبل قبول الوصية لم يكن لورثته قبولها، وهو خلاف مذهب المدونة. وقال في الجواهر: إن مات الموصى له بعد الموصي لا ينتقل حق القبول للوارث، قاله الشيخ أبو بكر الأبهري. وقال القاضي أبو محمد: ينتقل اهـ. وما قاله هو مذهب المدونة قال في الوصايا الأول. وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي فالوصية لورثة الموصى له علم بها أم لا، ولهم أن يقبلوها كشفعة له أو خيار في بيع ورثوه. اهـ. ونحوه في الوصايا الثاني، خلافًا لما قاله الأبهري، فراجع الحطاب إن شئت. ولنختم: كتاب الوصايا بوصية مشهورة وهي وصية صحابي جليل (الزبير بن العوام) التي أوصى بها ابنه عبد الله في قضاء دينه الذي عليه،

стр. 1189

ليعتبر بها المعتبرون في وفاء الوصايا وقضاء الديون عن الأموات ولا يجوز لوارث أن يرث مال مورثه إلا بعد قضاء دينه ووصيته، قال الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء: ١٢]. (قال عبد الله بن الزبير) ﵄: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال يا بني: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لأراني سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئًا، ثم قال: يا بني بع ما لنا واقض ديني، وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه يعني لبني عبد الله، فجعل يوصيني بدينه ويقول: إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي، فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله، فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض دينه فيقضيه، فقتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين، منها الغابة وإحدى عشرة دارًا بالمدينة وداران بالبصرة ودار بالكوفة ودار بمصر، وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: ل، ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجًا ولا شيئًا إلا أن يكون في غزو مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان، فحسبت ما كان عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، فلقيني حكيم بن حزام، فقال: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ فكتمته وقلت: مائة ألف، فقال: والله ما أرى أموالكم تسع هذا، فقلت: أرأيتك إن كان ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء فاستعينوا بي، وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألفي ألف وستمائة ألف، فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال: إن شئتم تركتها لكم، قال عبد الله: لا، قال: وإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا،

стр. 1190

قال: فاقطعوا لي قطعة، فقال عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا، فباع عبد الله منها فقضى دينه وأوفاه، وبقي معه أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف، قال: كم بقي منها؟ قال أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمائة ألف فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف، قال: قد أخذت بخمسين ومائة ألف، وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، فقال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له عند الزبير دين فليأتنا فلنقضه، فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم ورفع الثلث، وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف. اهـ. رواه البخاري. قال الشارح: وبتمام هذه الوصية يتم الجزء الخامس من شرح ابن عسكر المسمى بأسهل المدارك على إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، الحمد لله على كل حال، ويليه الجزء السادس أوله (كتاب المواريث) وهو آخر الكتاب وأصغر جزء بالنسبة لما تقدم من الأجزاء، نسأل الله حسن عونه على إتمامه في أحسن حال، إنه سميع مجيب، وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: لما أنهى المصنف الكلام على ما تعلق بأحكام الوصايا انتقل يتكلم على ما يتعلق بالميراث ومسائله، فقال رحمه الله تعالى:

стр. 1191

كتاب المواريث أي في بيان ما يتعلق بأحكام الميراث، والمواريث جمع ميراث، ويطلق بمعنى الإرث وهو المقصود بالترجمة، وهو لغة: البقاء وانتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين، والانتقال إما حقيقة كانتقال المال، أو معنى كانتقال العلم، ومنه العلماء ورثة الأنبياء. وأما معناه شرعًا: فهو حق قابل للتجزي يثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك. اهـ. من حاشية البقري على الرحبية باختصار. واعلم أن هذا العلم كفاه فخرًا وشرفًا أن الله تعالى هو الواضع له، لما روي عنه ﵊ أنه قال: ((إن الله تعالى لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، ولكن تولى قسمتها بنفسه أبين قسمة، ولا وصية لوارث)) اهـ. فلله در القائل حيث قال: علم الفرائض علم لا نظير له ... يكفيك أن قد تولى قسمه الله وبين الحظ تبيانًا لوارثه ... فقال سبحانه ﴿يوصيكم الله﴾ وفي الكلالة فتيا الله منزلة ... فبان تشريف ما أفتى به الله اهـ أشار بقوله: يوصيكم الله، إلى ما في سورة النساء من قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] إلى آخر الآيتين، أما قوله في الكلالة، فهو إشارة إلى كلالتين: الأولى: في قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢]، والثانية في آخر السورة في قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] إلخ، فاحرص على الفرق بين كلالتين؛ لأن الأولى غير الثانية. وقد رغب رسول الله ﷺ في تعليم علم الفرائض حيث قال: تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما اهـ. رواه الإمام أحمد

стр. 1192

وغيره. والحقوق المتعلقة بالتركة خمسة باستقراء الفقهاء. قال أستاذنا في بعض مقدماته: الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة مرتبة: الأول: الحق المتعلق بعين التركة. الثاني: مؤمن التجهيز بالمعروف. الثالث: الديون المرسلة في الذمة. الرابع: الوصايا بالثلث فما دونه لأجنبي. الخامس: الإرث. اهـ. واعلم أن الإرث له أركان وأسباب وشروط وموانع. فأركانه ثلاثة: وارث ومورث وشيء موروث. وأسبابه أربعة: القرابة المخصوصة، والولاء، وجهة الإسلام في الصرف إلى بيت المال، والنكاح ولو مختلفًا فيه ولو لم يحصل دخول. وشروطه ثلاثة: تقدم موت المورث واستقرار حياة الوارث بعده والعلم بالجهة المقتضية للإرث اهـ النفراوي. وإلى جميع ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: (أسبابها نسب وولاء ونكاح)، يعني أن أسباب الإرث عندنا أربعة: القرابة وهي المعبرة بالنسب وهي البنوة والأبوة والإدلاء بأحدهما. ومن أسباب الإرث: الولاء، وتقدم الكلام فيها عند قول المصنف: والإرث به للعصبة، فيقدم الابن على الأب والأخ وابنه على الجد والجد على العم ثم الأقوى فالأقوى، فراجعه إن شئت في الولاء. وأما النكاح فهو من أسباب التوارث بين الزوجين، وتقدم أنه من أسباب الإرث ولو كان النكاح مختلفًا فيه أو قبل الدخول فإنه يثبت به التوارث. قال في القوانين: أسباب التوارث خمسة: نسب ونكاح وولاء عتق ورق عبودية وبيت المال اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وموانعها كفر ورق وقتل عمد وقاتل الخطأ عن الدية ولا عبرة بالتغير بعد الموت إلا لحوق النسب)، يعني كما قال أبو الحسن شارح الرسالة في العزية: يمنع الميراث اختلاف الدينين، فلا توارث بين مسلم وكافر ولا بين اليهودي والنصراني، والرق، فلا يرث الرقيق ولا يورث وما مات عنه فهو لمالكه. والقتل، فلا ميراث لمن قتل مورثه عمدًا. وانتفاء النسب باللعان، فينقطع التوارث بين الملاعن والولد فقط. واستبهام المتقدم والمتأخر في الموت، كما إذا مات أقارب تحت هدم

стр. 1193

مثلاً اهـ. قوله: إلا لحوق النسب يعني إذا قتل الأب ابنه المنفي عنه بلعان ثم لاحقه فإنه يعتبر إلحاقه؛ لأن استلحاقه يدفع المعرة عن أمه. وفي الكواكب الدرية في ولدي الملاعنة أنهما شقيقان، إذ لو رجع عن اللعان واستلحقهما لحقا، قلت: فلحوق ولد الملاعنة لأبيه بعد أن قتله معتبر فيه ينظر في صفة قتله بين أن تكون عمدًا فلا يرثه لا في المال ولا في الدية وبين أن تكون خطأ فيرث المال دون الدية ولا قصاص عليه فتأمل اهـ. بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: (وفي استبهام الموت يرث كلا أحياء ورثته لا بعضهم من بعض ويمنع من الجنين له إلا بأمارة تدل على حياته)، يعني أن الاستبهام يمنع الإرث وهو عدم العلم بالمتقدم في الموت، وإذا مات إخوان تحت هدم معًا أو غرقًا أو حرقًا معًا أو مترتبين وجهل السابق لا موارثة بينهما. قال الدردير: ولا من جهل تأخر موته فيفرض أن كل واحد لم يخلف صاحبه، وإنما خلف الأحياء فلا يرث من مات معه ولا يحجب وارثًا كما أن الجنين لا يرث ولا يورث إلا إذا استهل صارخًا وتحقق حياته أو دلت فيه أمارة الحياة ظاهرة فحينئذ يثبت له الإرث ويرثه ورثته الأحياء. ثم انتقل إلى ذكر عدد الوارثين من الرجال والنساء فقال رحمه الله تعالى: (والوارثون عشرة)، أي من الرجال عن طريق الاختصار هم: (الأب وأبوه وإن علا والابن وابنه وإن سفل والأخ وابن الأخ إلا من الأم والعم وابنه كذلك والزوج والمولى) (والوارثات سبع) أي من النساء على طريق الاختصار وهن: (الأم وأمها وأم الأب وإن علتا والبنت وابنة الابن وإن نزلت والأخت والزوجة والمولاة) هذا الطريق وهو طريق الاختصار هو الذي مشى عليه أكثر أئمة المذهب، ومشى غيرهم على طريق البسط، فعدتهم خمسة عشر وارثًا ومن النساء عشر وارثات، وبه أخذ بعض أئمتنا وهو مذهب الجمهور، وإليه أشار العلامة ابن جزي في القوانين بقوله: والوارثون عند أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت ومالك والشافعي هم الذين أجمع على

стр. 1194

توريثهم لا غير، فمن الرجال خمسة عشر: الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد وإن علا والأخ الشقيق والأخ للأب والأخ للأم وابن الأخ الشقيق وابن الأخ للأب والعم الشقيق والعم للأب وابن العم الشقيق وابن العم للأب والزوج والمولى. ومن النساء عشر: البنت وبنت الابن وإن سفل والأم والجدة للأم والجدة للأب والأخت الشقيقة والأخت للأب والأخت للأم والزوجة والمولاة اهـ. (مهمات عظيمات الفائدة) وهي ثمانية: إحداها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرث من الذكور لا يرث منهم إلا اثنان: الأب والابن، ووجهه أن الأب يحجب من كان من جهته كالجد والأعمام والإخوة، والابن يحجب كل من كان من جهته كابنه وإن نزل. وثانيتها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من النساء لا يرثه منهن إلا خمس: الأم والبنت وبنت الابن والزوجة والأخت الشقيقة، ومن عداهن محجوب بهن على التوزيع. وثالثتها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرث من الرجال والنساء فلا يرثه منهم إلا خمسة: الابن والأب والأم والزوجة والبنت. ورابعتها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور لم يرثها منهم إلا ثلاثة: الابن والأب والزوج. وخامستها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من النساء لا يرثها إلا أربع: البنت وبنت الابن والأخت لغير الأم والأم. وسادستها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور والإناث لا يرث منهم سوى خمسة: الأب والأم والابن والبنت والزوج. وسابعتها: إذا انفرد واحد من الذكور ورث جميع المال إلا الزوج والأخ للأم إلا أن يكون الزوج أو الأخ للأم ابن عم أو يكون مولى. وثامنتها: أن كل من انفرد من النساء لا يحوز جميع المال إلا المعتقة اهـ. أفاده النفراوي في الفواكه بحذف. ثم ذكر الفروض فقال رحمه الله تعالى: (والفروض ستة: النصف للبنت تنفرد وبنت الابن والشقيقة والتي للأب والزوج مع عدم الحاجب وله الربع مع

стр. 1195

وجوده وللزوجة فصاعدًا مع عدمه ولهن الثمن معه والثلثان للاثنتين فصاعدًا من ذوات النصف. والثلث للأم غير محجوبة وللاثنين فصاعدًا من ولدها بالسوية والسدس لواحدهم وللأم محجوبة وللجدة والجدتين ولا يرث أكثر من جدتين وبنت الابن فصاعدًا في درجة مع الصلبية والسفلى مع العليا وللأخت للأب فصاعدًا مع الشقيقة ويسقطن مع الشقيقتين إلا مع أخ يعصبهن) يعني أخبر رحمه الله تعالى أن الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: (النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس). أما (النصف) ففرض خمسة: البنت إذا انفردت وبنت الابن عند عدم بنت الصلب والأخت الشقيقة والتي للأب عند عدم الشقيقة والزوج عند عدم الحاجب كما يأتي بيان جميع ذلك عن قريب. الزوج يستحق النصف بشرط واحد وهو ألا يكون للزوجة فرع وارث، فإن كان لها فرع وارث انتقل الزوج عن النصف إلى الربع. وتستحق بنت الصلب النصف بشرطين: ألا يكون لها معصب، فإن كان لها معصب يكون المال لهما أو لهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا تكون لها مماثل أي بنت مثلها، فإن كان لها مماثل فلهما أو لهن الثلثان. وتستحق بنت الابن النصف بثلاثة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب، فإن وجد فإن كان ذكرًا أو أنثيين حجبت بنت الابن، وإن كانت أنثى واحدة فلبنت الابن السدس تكملة الثلثين، ومثل ولد الصلب ولد ابن أعلى منها درجة، وألا يكون لها معصب أي ابن ابن في درجتها ومثله أنزل منها إذا كانت لولاه لكانت محجوبة، وتكون معه للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا تكون لها مماثل أي بنت ابن مثلها واحدة فأكثر في درجتها، فإن وجدت كان لهما أو لهن الثلثان. وتستحق الأخت الشقيقة النصف بخمسة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب، فإذا وجد ولد صلب فإن كان ذكرًا حجبها، وإن كان أنثى ولو متعددة كانت الأخت عصبة معها،
следующие страницы →