← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الثالثة تُقْبَلُ شهادتهم، قال في حاشية الخرشي في قبول شهادة الأعمى: لا خصوصية للقول بل تجوز فيما عدا المرئيات من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات، قال عبد الوهاب: فيُقْبَل فيما يلمسه بيده أنه حارٌّ أو بارد أو لَيَّن أو خَشِ، وفيما يذوقه أنه حُلْوٌ أو حامض وفيما يشمُّه اهـ. انظر الحطاب. وأمَّا الأصمُّ فقال الموّاق نَقْلاً عن ابن شاس: تُقْبَل شهادة الأصمَّ في الأفعال. وفي الخرشي: وأمَّا العدل الأصمُّ غير الأعمى فتجوز شهادته في الأفعال. وأمَّا شهادته في الأقوال فلا يُقْبَلُ ما لم يكن سمعه قبل الصمم. اهـ بحذف ٥. وأمَّا الأخرس فقال الخرشي: ولم يتعرَّض لشهادة الأخرس وهي مقبولة كما قاله ابن شعبان. ويؤدّيها بالغشارة المفهمة والكتابة، وفي الموّاق: ولابن شعبان شهادة الأخرس جائزة إذا عُرِفَتْ إشارته. قال ابن عرفة: قبول شهادتهخ كصِحَة عَقْدِ نِكاحه وثبوته طلاقه وقَذْفه وكلاهما فيه اهـ. والحاصل أن هؤلاء الثلاثة تُقْبَل شهادتهم فيما ذكر، أي عىل الوجه الذي تقدَّم ذِكْرُه. وأمَّا الكلام في شهادة السماع في النسب والولاء والأحباس والموت والنكاح فقد ذكر ابن فرحون في تبصرته في الفروع فقال: وأمَّا شهادة السماع على النسب فصورتها أنهم يشهدون أنهم لم يزالوا يسمعون على قديم الايام ومرور الشهور والأعوام سماعًا فاشيًا منتشرًا من أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان قرشي من فَخِذِ كذا ويعرفونه وأباه من قَبْلِه قد حاز هذا النسب وبيَّناه في شهادتهما لا يعلمون أحدًا يطعن عليهما فيه إلى حين تاريخ إيقاع هذه الشهادة، فإذا شهدوا بذلك فَمَنْ نفاه عن ذلك النسب حدَّ له. وفي مفيد الحكام: أن شهادة لاسماع لا تفيد النسب إلاَّ أن يكون سماعًا فاشيًا ظاهرًا مستفيضًا يقع به العِلْم فيرتفع عن شهادة لسماع ويصير من باب الاستفاضة والضرورة، وهذا مثل الشهادة بأن نافعًا مولى ابن عمر وأن مالكًا بن أنس، وإن لم يعاين الشاهد بذلك أصله، وأمَّ إن قصر عن هذا الحدَّ فإنَّما يستحقُّ بالشهادة المال دون الولاء والنسب، وذلك ما لم يكن للمال وارث مستحق اهـ. ثم

стр. 1122

قال: وأمَّا شهادة السماع على الولاء فصِفَتُها أنهم لم يزالوا يسمعون سماعًا فاشيًا مستفيضًا على ألْسنة أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان مولى لفلان ابن فلان بولاء العتاقة، أو أن جدَّه فلان لأبيه قد أعْتَقَ جدًّ لمولى فلان لأبيه، ويحتاج المشهود له إذا توفَّيَ المشهود عليه بالولاء أن يثبت الموت والوراثات حتى يبلغ إلىموت المشهود عليه، إلاَّ أن يكون موت الأول وما بعده قد بعد فيسقط الإثبات لذلك، ويستحقُّ بهذه في رواية ابن القاسم المال مع يمينه، ولا يثبت الولاء ويستحقُّ في قول أشهب الولاء والمال اهـ. ثم قال: وأمَّا شهادة لاسماع في النكاح فإذا ادّعى أحد الزوجَيْن النكاح وأنكره الآخر فأتى المدَّعي ببيَّنة سماع فاشٍ من أهل العَدْل وغيرهم على النكاح واشتهاره بالدف والدخان ثبت النكاح بينهما هذا هو المشهور المعمول به. وقال أبو عمران: إنَّما تجوز شهادة السماع في النكاح إذا اتفق الزوجان على ذلك. وأمَّا إذا ادَّاعاه أحدهما وأنكره الآخر فلا اهـ. ثم قال: وأمَّا لاشهادة على السماع في الحُبُس فلا بدَّ أن يشهد الشهود أنّ ذلك كان يُحاز بِما تُحاز به الأحباس، ويحترم بحُرْمَتها، وأنها كانت مِلْكًا لِمَن بتل فيها الحُبُس لالمذكور، ويجاوزونها بالوقوف عليها وإن لمي شهدوا بأنها تُحاز بِما تُحاز به الأحباس، وتحترم بحُرْمَتها سقطت لشهادةز وقال بعد الأندلسيين: لو شهدوا على أصل المحبَّس بعينه لم يكن حُبُسًا حتى يشهدوا بالمِلْك للمحبَّس يوم حُبس اهـ. وأمَّا شهادة السماع في الموت فقد قال في الفرع الثاني من هذه الفروع: لا بُدَّ في شهادة لاسماع على الموت أن يقول الشهود: إنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العَدْل وغيرهم أن فلانًا ابن فلان الفلاني الذي يعرفونه بعينه واسمه توفِّي يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في وقت كذا ولا يُستغنى عن تاريخ اليوم الذي مات فيه من جهة من يوارثه ليعرف بذلك مَنْ مات قَبْلَه ومَنْ مات بَعْدَه اهـ. نَقَلَه من وثائق الجزيري. قال ابن

стр. 1123

جزي في القوانين: المسألة الخامسة: تجوز الشهادة بالسماع الفاشي في أبواب مخصوصة، وعدّها عشرين بابًا. قال الصاوي نَقْلاص عن شبراخيتي: قد أنهاها بعضهم إلى اثنتَيْن وثلاثين مسألة التي تجوز الحُكْمَ بشهادة السمع، وقد جمعت في أبيات ونصُّها: أيَا سَائلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... ويَثْبُتُ سَمْعًا دونّ عِلْم بِأصْلِهِ ففي العَزْلِ والتَّجْرِيح والكُفْرِ بَعْدَهُ ... وفِي سِفِهٍ أو ضِدَّ ذَلِكَ كُلَّهِ وَفِي البَيْع والأحباسُ وَالصَّدَقاتُ معْ ... رَضاع وخُلْع والنَّكَاح وَحِلِّهِ وَفِي قِسْمَةٍ أو نِسْبَةٍ وولاَيَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ والمُضِرَّ بِأَهْلِهِ وَمِنْهَا الهِباتُ والوصِيَّةُ فَاعْلَمن ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يَضَنُّ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلاداتٌ وَمِنهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا الإبَاقُ فَلْيُضَمَّ لِشِكْلِهِ وَقَدْ زِيدَ فيهًا الأسْرُ والفَقْدُ وَالمَلاُ ... وَلَوْثٌ وَعَتْقٌ فَاظْفِرْنَ بِنَقْلِهِ فَصَارَتْ لَدى عَد ثلاثينَ أُتْبِعَتْ ... بِثْنَتَيْنِ فَاطْلُبْ نَصَّهَا فِي مَحَلَّه اهـ. قال الدردير في أقرب المسلاك ما في خليل: وجازت أي الشهادة بسماع فشا عن ثثاتٍ وغيرهم بمِلْكٍ لِحائزٍ بلمْ نزل نسمع مِمَّن ذَكر أنّه له، وقُدَّمت ببيَّنةً البتَّ إلاَّ أن تشهد بيَّنة السّماع بنَقْلِ المِلْك من كأبي القائم وبموت غائبٍ بَعُد أو طال زمن سماعه، أو بوقف إنطال الزمن بلا ريبةٍ وشَهِد عدْلان وحلف كتَوْلِيةٍ وتعديل وإسلام ورشد ونِكاح وضدَّها وضررِ زوجٍ وهبةٍ ووصيةٍ ونحوها اهـ. انظر شراح النصوص في المذهب. قال رحمه الله تعالى: "والصَّبْيَانِ فِي الْجِرَاح بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بشرْطِ إِسْلاَمِهِمْ وحُرَّيَّتِهِمْ وَذُكُورِيَّتهمْ وَعَدمِ تَفَرُّقِهِمْ وَالْبَالِغ بَيْنَهُمْ وَتَضَمُّنِهَا الجِنَايَة عَلَيهِ" يعني كما في الرسالة: وتُقْبَلُ شهادة لصبيان في الجراح والقَتْل لبعضهم. وهذا مذهب مالك، وجَمْع من الصحابة منهم عليُّ بن أبي طالب ومعاوية. ومنعها الأئمة الثلاثة وابن عباس

стр. 1124

وجماعة، وإنَّما جازت للضرورة؛ لأن الغالب عدم حضور الكبار عندهم؛ ولأنهم يندبون إلى تعليم الرَّمْيِ والصراع وغيرهما ممَّا يدرَّبهم على الحرب من معرفة الكرّ والفرَ وحمل عدم السلاح؛ فلو لم تُقْبَل شهادة بعضهم على بعض لأدّى إلى إهدار دمائهم؛ لِما قدَّمنا من أن الغالب حضور الكبار عندهم. وشروط قبولها أن يؤدّوها قبل أن يتفرَّقوا، فإن تفرقوا لم تَصُحَّ شهلادتهم؛ لاتهامهم على تعليم الكبار لهم، إلاَّ أن تشهد العدول قبل تفرّقهم. ومن شروطها ألاَّ يحضرهم كبير، فإن حضر عندهم كبير زمن قتالهم لم تُقْبَل. قال خليل: والشاهد حرّ مميّز ذَكَرٌ تعدّد ليس بعدو ولا قريب، ولا خلاف بينهم ولا فرقة إلاَّ أن يشهد عليهم قبلها، ولم يحضر كبير أو يشهد له أو عليه وألاَّ يكون الشاهد منهم معروفصا بالكذب، وأن تشهد الدول على رؤية جسد القتيل أو المجروح. وفائدة العمل بشهادة الصباين في الجراح والقتل لزوم الدَّيَة بعد الثبوت؛ لأن عَمْدَ الصبيان كالخطأ اهـ. النفراوي. وقوله: والبالغ بينهم إلخ أي من شروط قبول شهادة الصبيان عدم وجود البالغ بينهم، فإن وُجِدَ وقته أو بَعْدَه لم تُقْبَل؛ لإمكان تعليمهم، إلاَّ إذا كان البالغ عَدْلاً ووافقهم، فإ، خالفهم لم تُقْبَل شهادتهم. قاله بعض الأفاضل في تقييده. أمَّا قوله ﵀: وتضمُّنها الجناية عليه، أيّ منش روط صِحّة قبول شهادة الصبيان عدم تضمُّنها الجناية عليه، فإ، تضمَّنت شهادتهم عليه أي على البالغ الذي هو لم تُقْبَل سواء كانت شهادتهم له أو عليه. قال الخرشي: ومنها ألاَّ يشهدوا على كبير ولا لكبير بل يشهد بعضهم لبعض على بعض كما مَرَّ، وفي الحطاب نَقْلاً عن الرجراجي: وإن كان مشهودًا علهي فلا تجوز شهادتهم عليه باتفاق. وفي حاشية الخرشي: واعلَم أن حاصل ما في الحطاب أنه إذا حضر الكبير وقت القتل أو الجرح وكان عدْلاً لا تصحُّ شهادتهم على المشهور أي للاستغناء به، وهذا إذا كان متعدَّدًا مطلَقًا أو واحدًا والشهادة في جرح أي فيَحْلِفُ معه وأمَّا إذا كانت الشهادة في قَتْلٍ فلا يضرُّ حضور ذلك الواحد في شهادتهم، وإن

стр. 1125

كان غير عَدْلٍ فقولان: جواز شهادتهم وهو المعتمد، كان واحدًا أو متعدّدًا. وأمَّا إذا حضر بعد المعركة وقبل الافتراض فتجوز شهادتهم إذا كان عدْلاً. وأمَّا إذا كان غير عَدْل فلأن فتمسَّك بهذا واتْرُكْ خِلافه اهـ. ومثله في حاشية الصاوي. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَامْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي الْمَالِ أَوْ فِي مَا يُؤَدَّي إِلَيْهِ كَالْوَكَالَةٍ وفِي الصُّلح خِلاَفٌ وَرَجُل أَوِ امْرَأَتَيْنِ مَعَ يَمينٍ أَوْ يَمِين الْمُدَّعِي أَوْ نُكُول المثدَّاعى عَلَيْهِ بَعْدً رَدَّهَا عَلَى المُدَّعِي" هذا شروع في ذكر مراتب الشهود والشهادات، يعني كما في القوانين: أن شهادة رجل وامرأتين تكون في الأموال خاصة، دون حقوق الأبدان والنكاح والعَتْقِ والدّماء والجراح وما يتصل بذلك كله، [٣/] ١٦٧] * * * واختُلِفَ في الوكالة على المال. قال في الرسالة: ويُقضى بشاهد ويمين في الأموال، ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حدَّ ولا في دم عَمْدٍ أو نفس إلاَّ مع القَسَامة في النفس. وقد قيل: يُقضى بذلك في الجراح. قال ابن جزي: فتلخَّص أن شهادة رجل وامرأتين أو رجل ويمين أو امرأتين ويمين مختصّة بالأموال. قال رحمه الله تعالى: "وَتَنْفَرِدَانِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّجَالُ مِنَ الْوِلاَدَةِ وَعَيْب الْفَرْج وَافْتِضَاض وَنَحْوِهِ لاَ وَاحِدَةٍ" قال ابن جزي: المرتبة الرابعة شهادة امرأتين دون رجل، وذلك فيما لا يطَّلع علهي الرّجال، كالحمل والولاة موالاستهلال وزوال البكارة وعيوب النساء. وقيل: إنَّما يثعمل بها بِشَرْطِ أن يفشو ما شهدتا به عند الجيران وينتشر اهـ. فراجع الفواكه إن شئت. قال رحمه الاَّه تعالى: "وَمَنْ لاَ يَعْرِفُ نَسَبَهُ فَلْيَشْهَدْ عضلَى عَيْنِهِ" يعني أن مَنْ لا يعرف الشاهد نَسَبَه فإنه يشهد على عينه. قال خليل: ولا على مَنْ لا يعرف إلاَّ على عينه. قال الشارح: يعني أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد على شخص لا يعرف نَسَبَه إلاَّ على عينه المعيَّنة بصفة شخصها؛ لاحتمال أن يضع الرجل اسم غيره على اسمه أو بالعكس.

стр. 1126

فالمراد بالعَيْن: الحلية بحيث يبقى المعوَّل عليه إنَّما هو مَنْ وُجِدَتْ فيه تلك الأوصاف. اهـ. الخرشي. وعبارة الدرسوقي: أي لا يجوز للشاهد أن يتحمَّل شهادة على أن لِزَيْد على عمرو عشرة، أو يؤدّي الشهادة كذلك والحال أنه إنَّما يعرف نسب عمرو، أو يعرف نسبه وتعدَّد وأراد الشهادة على واحد من المتعدّد، فال يشهد إلاَّ على عينه أي شخصه، كَمَنْ له بنتان فاطمة وزينب، وأراد الشاهد أن يشهد على فاطمة مثلاً والحال أنه إنَّما يعرف أن لفلان بنتَين فاطمة وزينب، ولا يَعْلَم عين هذه من هذه فلا يشهد إلاَّ على عينها، ما لم يحصل له العِلْم بها وإن بامراة. وأمَّا إن لم يكن للمعين إلاَّ بنت واحدة، ولا يُعْرَف له غيرها وكان الشاهد يَعْلَم أن هذه بنت فلان، فهذه من معرفة النسب؛ لأن الحصر ظاهر. والحاصل: أنه لا يجوز تحمُّل الشهادة ولا أداؤها على مَنْ لا يعرف نَسَبَه، إلاَّ على شخصه وأوصافه المميَّزة له، بحيث يقول: أشهد أن لزيد دينارًا على الرجل أو على المرأة التي صفتها كذا أو أشهد أن المرأة التي صفتها كذا تزوَّجها أو طلَّقها فلان اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَالْمَذْهبُ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى خطَّ الْمُقِرَّ الْمَيَّت أو الْغَائِبِ غَيْبَةً بَعِيدَةٍ بِشَرْطِ عَدَم لاشْتِبَاه. والأَحْوَطُ انْضَمامُ يَمِينِ المُدّعِي إلَيْهَا والأَدَاءُ فَرْضُ عَيْنٍ إلاَّ أنَ ... يثْبُتَ الْحَقُّ بِغَيْرِه" يعني أن المذهب جواز شهادة الشاهد على خطَّ المُقِرّ، سواء كان المُقِرُّ بِما في الخط ميتًا أو غائبًا غيبة بعيدة. قال خليل: وجازت على خطَّ مُقِرَّ بلا يمين، وخطَّ شاهدٍ مات أو غاب ببُعدٍ وإن بغير مال فيهما إن عرفَتْه كالمعين، وأنه كان يعرف مشهده وتحمَّلها عَدْلاً. أي جازت شهادته إن جهل مكانه كبُعْدِه. قال الدردير: والمراد بالبُعْد ما ينال الشاهد الغائب فيه مشقة، فلا تجوز على خط شاهد قريب لا تنااله مشقّة في إحضاره، والمرأة كالرجل يُشْتَرَط فيها بعد الغيبة أو موتها قال اللخمي: الشهادة على خطَّ الشاهد لغيبته أو موته صحيحة على الصحيح من القولَيْن؛ فأنها ضرورة. وقال ابن رشد: أمَّ الشهادة على خطَّ الشاهد الميت أو الغائب فلم يختلف

стр. 1127

في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها. قال المصنَّف: بِشَرْطِ عدم الاشتباه، والأحواط انضمام يمين المدّعي إليها. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في الشهادة على الخطّ، وقد اختُلِفَ فيها، ولكن جرى العمل بجوازها، وهي على ثلاثة أنواع: شهادة الشاهد على خطَّ غيره بِما أقرَّ به، ثم قال: المسألة الرابعة: لا يجوز للإنسان أن يشهد إلاَّ بما عليه يقينًا لا يشك فيه، إمّا برؤية أو سماع، إلاَّ أنه تجوز الشهادة على شهادة شاهد آخر؛ ونَقَلَها عنه للقاضي إذا تعذَّر أداء الشاهد الأوَّل لمرضه أو غيبته أو موته أو غير ذلك، وذلك في جميع الحقوق. ومَنَعَها الشافعي في حقوق اللَّه وأبو حنيفة في القِصاص اهـ. فراجِع الباب الرابع والثلاثين في القضاء بالشهادة على الخطّ، في تبصرة ابن فرحون وغيرها من شراح خليل كالحطاب، وهناك ترى اختلافًا في أقوال أئمّة المذهب. وأمَّ قوله: ولاأداء فَرْضُ عَيْنٍ إلخ تقدَّم الكلام على ذلك في أوّل هذا الفصل فراجِعْه إن شئت. قال رحمه اللَّه تعالى: "ولاَ يَجُوزُ اسْتِنَادُهُ إِلى خَطَّهِ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِلشَّهَادَةِ" هذه المسألة قد اختلف فيها أئمّتنا في المذهب اختلافاً كثيرًا، وهي استناد الشاهد على خطَّ نفسه، فمَنَعَه الاكثرون وأجازه لاآخرون، قال خليل: لا على خطَّ نفسه حتى يذكرها وأدَّى بِلا نَفْع اهـ. قال الدردير: يعني لا يشهد الشاهد على خطَّ نفسه بقضية سبقت حتى يتذَكرها فيشهد حينئذٍ بِما عَلِمَ لا على خط نفسه، وإذا لم يتذكَّر أدَّى الشهادة على أن هذا خطّي، ولكن لم أذْكُرِ القضية فيؤدّيها بِلا نَفْعٍ للطالب، وفائدة الأجاء احتمال أن يكون الحاكم يرى نَفْعَها، هذا قول مالك في المدوَّنة، وهو الذي رجع إليه. قال ابن رشد: وكان مالك يقول أولاص: إن عرف خطّه ولم يذكر الشهادة ولا شيئصا منها وليس في الكتاب مَحْوٌ ولا ريبة فليشهد. وبه أخذ عامة أصحابه، منهم مطرف وعبد الملك

стр. 1128

والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب وسحنون وابن حبيب. قال في التوضيح: صوب جماعة أن يشهد إن لم يكن مَحْو ولا ريبة؛ فإنه لا بدَّ للناس من ذلك، وكثرة نسيان الشاهد المنتصب؛ ولأنه لو لم يكن يشهد حتى يذكرها لم يكن لوضع خطَّه فائدة، ولذلك نقلَ عن العدوي: أنه كان يقول: متى وَجَدْتُ خطّي شَهَدْتُ عليه؛ لأني لا أكتب إلاَّ على يقين من نفسي اهـ. مع طرف من الصاوي. قال رحمه الله تعالى: "وَتَجوزُ عَلَى الشَّهَادَةِ يَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَ كلَّ مِنَ الأَصْلَيْنِ إِذا أَشءهَدَهُمَا عَلَيْهِ لاَ بِسَمَاعِهِ يَيْهَدُ أَوْ إِقْرَارِهِ بِخِلافِ شَاهِدِ الأَصْل يَسْمَعُ مَنْ يُقِرُّ بِحَقًّ وَإِنْ لضمْ يُشْهَدْهُ عَلَيْهِ فإِنَّهُ يَشْهَدُ إِذَا سُئِلَ وزَعَلَيْهِ إعْلاَمُهُ إِنْ جَهِلَهُ لاَ وَاحِدْ عَلَى كُلَّ وَاحِدس:؛ يعني أنه يجوز نضقل الشهادة على شهادة العدلين، ينقل كل اثنين عن أصل عَدْلن إن قال كل: أشهد على شهادتي، أو سمعه يؤدّيها عند الحاكم وغاب الاصل وهو رجل بمكان لا يلزم الأداء منه، أو مات أو مرض ولم يطرأ على الأصل فِسْقٌ أو عداوة للمشهود عليه حتى أدّى الشهادة ولم يكذبه أصله قبل الحكم قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز نَقْلُها إن قال: أشهد على شهادتي، أو سمعه يؤدّيها عند الحاكم، وغاب الأصل وهو رجل بمكان لا يلزم الأداء منه، أو مات أو مرض ولم يطرأ على الأصل فِسْقٌ أو عداوة بخلاف جنون ولم يكذبه أصله قبل الحُكْم، وإلاَّ مضى ولا غُرْمَ ونُقِلَ عن كل اثنان ليس أحدهما أصلاً اهـ. قال ابن فرحون في التبصرة: ويكفي فس صِحّة نَقْلِ الشهادة فيما عدا الزَّنا أن يكون الناقلان اثنَيْن، بِشَرْط ألاَّ يكون أحدهما أحد شاهدي الأصل (أي بأن أدّى أحد الأصلَيْن شهادته فلا نَقْلَ عنه) أمَّا إذا كان أحد الناقلَيْن أصلاً صار الحقُّ إنَّشما ثبت بشاهد واحد فلا يكفي؛ لان الناقل المنفرد كالعدم اهـ. بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: "وضفِي الزَّنا أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلًّ مِنَ الأرْبَعَةِ وَلاَ حْكْمَ لِفَرعْعٍ مَعَ وُجُودِ الأصْلِ" يعني كما قال خليل: وفي الزَّنا أربعة أو على كل اثْنَيْن اثنان. قال في

стр. 1129

المدوَّنة: قال ابن القاسم: تجوز الشهادة على الشهادة في الزَّنا، مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنَيْن، واثنان آخران على شهادة اثنَيْن آخرين، حتى يتمَّ أربعة من كل الناحيَتْين اهـ. تنبيه: يُشْتَرَطْ في صِحّة شهادة النَّقْل في الزَّنا أن يقول شهود الزَّنا لِمَن ينقل عنهم: اشهدوا عنا أننا رأينا فلانًا يزني وهو كالمردود في المكحلة، ولا يجب الاجتماع وقت تحمُّل النقل، ولا تفريق الناقلّيْن وقت شهادتهم عند الحاكم، بخلاف الأصول اهـ. الدسوقي. ومثله في الخرشي. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَ ... كْفِي القَاضِي بِعِلْمِهِ بِعَدَالَةٍ أَوْ فِسْقٍ وَمَنْ جَهلَهُ عَدَّله عَنْدَهُ يَشْهَدُ عَدْلانِ أَنَّنهُ عَدْلٌ لا يَكْفِي أَحدُ الْوَصْفَيْنِ" يعين أن القاضي يضحْكُمُ بعِلْمِه في العدالة والجراحة لا في غيرهماز قال خليل: ولا يستند لعِلْمِهِ إلاَّ في التعديل والتجريح. قال أبو عمر: أجمعوا أن له أن يعدل أو يجرح بِعلْمِه، وأنه إن عَلِمَ أن ما شهد به الشهود على غير ما شهدوا أنه ينفذ عِلْمَه ويَرُدُّ شهادتهم بعِلْمِه. قال سحنون: ولو شهد عندي عدْلان مشهوران بالعدالة وأنا أعلَم خلاف ما شهدوا به لم يَجْزْ أن أحْكُمَ بهشادتهما ولا أن أردهما لعدالتهما، ولكن أربع ذلك إلى الأمير الذي فوقي، وأشهد بما علمت وغير بما علم، ولو شاهد شاهدان ليسا بعدلين على ما أعلم أنه حخقّ لم يقض بشهادتهما اهـ. نَقَلَه الموّاق. وفي الصاوي على حاشية الدردير: حاصل التجريح في هذه المسألة: أن القاضي إذا عَلِمَ عدالة شاهد تَبَعَ عِلْمَه، ولا يحتاج لطلب تزكيته ما لم يجرحه أحد وإلاَّ فلا يعتمد على عِلْمِه؛ لأن غيره عَلِمَ ما لم يَعْلَمْه، وإذا عَلِمَ جرحة شاهد فلا يَقْبَله ولو عدَّله غيره، ولو كان المعدول له كل الناس؛ لأنه عَمِمض ما لم يضعْلَمْه غيره، اللهمَّ إلاَّ أن يطول ما بين عِلْمِه بجرحته وبين الشهادة بتعديله، وإلاَّ قدَّم المعدَّ له على ما يضعْلضمُه القاضي، هذا هو الصواب

стр. 1130

كما في البناني اهـ. فظهر أن للقاضي أن يعدَّل أو يجرح بعِلْمِه كما تقدَّم، وإن جَهِلَ حال الشاهد فَلَهُ تعديله أو تجريحه على اجتهاده، فإن عدَّله يشهد عنده عدلان، ويشهدان أنه عَدْلُ رِضا: لأنها لا تقْبَل إلاَّ مَنْ يقول: عَدْلٌ رضًا، ولا يُقْبَل ي ذلك، ولا في التجريح واحد. وكذلك لا يكفي أحد الوصفَيْن في الشاهد بل لابدَّ من أن يكون عَدْلاً رضاً. قال رحمه الله تعالى: "وَفِي تَعَرُضِهِمَا تُقَدمُ الْجَارِحَةُ وَقِيلَ: "أَعْدَلُهمضا" يعني إذا تعارضت بيَّنتان بيَّة التعديل وبيَّنة التجريح على الشاهد أو المزكّي فإنه تقدَم بيَّنة التجريح على بيَّنة التعديلن وقيل: نظر الحاكم في أعْدَلِهما. قال خليل: وهو مقدَّم أي على التعديل، وعن مطرف وابن وهب: التعديل أوْلَى من التجريح، والقول بأن شهادة المجرَحِين أعمل هو أظهر وأوْلى بالصواب، ابن سهل تقديم الجرح على التعديل أصحُّ في النظر وقائلوه أكثر وعليه العمل، المتّيطي: الذي مضى به العمل أن التجريح أتُّم شهادة؛ لأنهم عَلِموا من الباطن ما لم يعرفه المعدلون اهـ. الإكليل. وفي القوانين: ويجب أن ينصَّ المجروح على الجرحة ما هي وعلى تاريخها، إذ يمكن أن يكون قد تاب منها، ولاي كفي في التجريح. والتعديل أقلُّ من شاهدَيْن إلاَّ أن يسأل القاضي رجلاً فيخبره، فيكفي واحد لأنه من باب الخير اهـ. قال ابن فرحون: وفي تنبيه الحكّام: لو عدَّل شاهدان رجلاً وجرَّحه آخران ففي ذلك قولان: قيل: يقضي بأعدلهما لاستحالة الجمع بينهما، وقيل: يقضي بشهود الجرح؛ لأنهم زادوا على شهود التعديل؛ إذ الجرح ممَّا يبطن فلا يطَّلع عليه كل الناس، بخلاف العدالة. وللخمي تفصيل قال: إن كان اختلاف البيَّنتين في فعل شيئ في مجلس واحد كدعوى البيَّنتين أنه فعل كذا في وقت كذا، وقالت البيَّنة الاخرى: لم يكن ذلك فإنه يقضي بأعدلهما، وإن كان ذلك في مجلسَيْن متقتاربَيْن قضى بشهادة الجرح؛ لأنهازادت عِلْمًا في الباطن، وإن تباعد ما بين المجلسَيْن قضى بآخرهما تاريخًا، ويحمل على أنه

стр. 1131

كان عَدْلاص فَفَسَقَ أو فاسقَ فَتَزَكَّ، إلاَّ أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة فبيَّنة الجرح مقدَّمة لانهازادت. اهـ التبصرة. ففيها فصول وفروع لهذا المقام فراجِعُها إن شئت. ثم انتقل ﵀ يتكلم على رجوع البيَّنة قبل أداء الشهادة أو بعد الأداء فقال: "وَرُجُوعُ البَيَّنَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ يَمْنَعُهُ وَبَعْدَهُ يَغْرَمَانِ مَا أتْلَفَاهُ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ كَذِبًا أَوْ غَلَطً. وَقِيلَ: يَلْزَمُ بِالْكَذب: الْقَوَدُ وَبالْعتْقِ: القِيمَةُ وَبالنَّكَاح وَالطَّلاَقِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلنَّكاح مَا لَزِمَ مِنَ الصّدَاقِ وَيُغَرَّمُ القَاضِيَ الْقَاضِي بِتَبَيُّن كُفْرِ البَيَّنَةِ أوْ رِقَّهَا لا فِسْقِهَا" هذا شروع في رجوع الشاهد عن شهادته، يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: فإن رجع قبل الحْكْم بِها لم يَحْكُمْ ولم يلزمه شيئ، وإن رجع بعد الحْكْمِ لم يُنْقَض الحُكْمُ باتفاق الأئمّة الأربعة، ويلزم الشاهد ما أتلف بشهادته إذا أقرَّ أنه تعَمَّد الزور، ثم إن شهادته التي رجع عنها بعد الحُكْمِ إن كانت في ماله لزمه غُرْمُه، وإن كانت في دم لزمه غُرْمُ الدَّيَة في الخطأ والعَمْد. وقال أشهب: يُقْتَصُّ منه ف يالعَمْد وفاقًا للشافعي، وإن كانت في حدَّ كَذْفٍ فإن رجع قبل الحْكْم حُدَّ وإن رجع بعده حُدَّ أيضًا، فإن كان الحدُّ رَعْمًا فاختُلِف: هل تؤخذ منه الدَّيَة أو يُقْتَل؟ وإن كانت في عَتْقٍ لزمه قيمة العبد لسيَّده، وإن كانت في طلاق قبل الدخول لزم الشاهدَيْن نِسْفُ الصّداق، بخلاف بعد الدخول فلا يلزمهما شيئ، وإذا ادَّعى الشاهد الغلط فاختُلِفَ: هل يلزمه ما يلزم المتعمّد للكذب أم لا؟ والصحيح أنه يلزمه في الأموال؛ لأنها تضْمَن في الخطأ. ثم قال: "فرع" إذا حَكَمَ حاكم بشهادة شاهدَيْن ثم قامت بعد الحْكْم بيَّنة بفِسْقِهِمكا لم يضْمَن ما أتلف بشهادتهما، ولو قامت بيَّنة بكفرهما أو رِقَّهما ضَمَنَ اهـ. كلام ابن جزي بحذف. قال أبو محمد في الرسالة: وإذا رجع الشاهد بعد الحْكْمِ أغْرِمَ ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزورن قال أصحاب مالك رضي اللَّه عن الجميع. قال شارحها: وفُهِمَ

стр. 1132

من قوله: أغْرِمَ أنه لا يُنْقَضُ الحُكْم؛ لاحتمال كذبه في رجوعه، وإنَّما أغرِمَ لاعترافه بالجناية على المشهود عليه. واحترز بقوله: رجع بعد الحُكْم عن الرجوع بعد أداء الشهادة وقبل الحُكْم، فإنه لا يَغْرَمُ شيئًا لأنه لم يُتْلِفْ شيئًا؛ لأَن القاضي لايجوز له الحُكْمُ بالشهادة بعد الرجوع عنهاز قال خليل مشيرًا إلى تلك المسألة: وغَرِما مالاً ودِيَة ولو تعمُّدًا، وإذا رجع أحدهما غَرِمَ نِصْفَ الحقّ، وإذا كان رجوعهما عن شهادة بقتل فإن قالا: غلطنا فالدَّيَة على عاقلتهما، وأمَّا لو قالا: تعمَّدنا فالدَّيَة في أموالهما. وفُهِمَ من قوله: ما أتلف أن الشاهد لو لم يُتْلِفْ شيئًا كما لو رجع عن طلاق مدخول بها أو عن عَتْق أمَّ ولد أو عَفْوٍ عن قِصاص فلا غُرْم؛ لانه لم يفوت على الزوج أو سيَّد أمَّ الولد إلاَّ الاستماعوالقِصاص وكلٌّ منهما لا قيمة له. اهـ النفراوي باختصار. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الشهادة انتقل يتكلم على أحكام التنازع بين الاثنين سواء في النكاح أو الأموال أو غيرهما فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في التنازع أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام التنازع بين الاثنين في شيئ واحد بيديهما أو يد غيرهماوكُلّ منهما يدَّعيه. واعلَم أن هذا الفصل مشتمل على اثنتي عشرة مسألة من مسائل القضاء، وكلٌّ منها مشهورة في باب القضاء، يبغي للحاكم مراجعتها عند الحاجة، أشار رحمه الله تعالى إلى الأولى بقوله: "إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ شَيْئًا وَلاَ بَيَّنَةَ أَوْ تَساوَتْ بَيَّنَتُهُمَا حَلَفَا وَاقْتَسَمَاهُ فَإِنْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِما حُكشمَ لَه فَإِنْ نَكَلَ حَلَفلَ الآخَرُ وَانْتَزَعَه كَانْفِرَادِهِ بِاْبَيَّنَةِ" يعني كما في الرسالة قال: وإذا اختلف المدَّعيان في شيئ بأيديهماوحَلَفا قُسَّمَ بينهما، وإن أقاما بيَّنَتيْن قضى بأعدلهما، فإن استويا حلفا وكان بينهما، قال شارحها: قوله: وإذا اختلف المدَّعيان أي في شيئ واحد يشبه أن يكون

стр. 1133

مملوكًا لكلٌّ منهما وادّعاه كلٌّ لنفسه والحال أنه محبوس بأيديهماأو لا يَدَ ولاحدٍ منهما عليه، أو كان في يَدِ ثالث لم يدَّعِه لنفسه ولم يقرَّ به لواحد منهما ولم يخرجه عنهما فالحْكْمُ في ذلك أن يضحْلِفا ويقسَّماه بينهما؛ لأنه لم يترجَّع جانب واحد منهما، وإن حلف أحدهما دون الآخر اختصَّ الحالِف به، ومفهوم بأيديهما أنه لو كان بيد ثالث فإنه لِمَن يُقِرُّ له الحائز ولو كان من غير المدَّعيَيْن، فإن لم يُقِرَّ به لأحد وادّعاه لنفسه يَحْلِف ويأخذه، وأمَّا إن لم يضدَّعِه فتقدَّم أنه يُقَسَّم بينهما، وإذا أقام بيَّنة وهوب يد ثالث لم يَدَّعه، فإنه يكون لَمَن يُقِرُّ الحائز له لكن بيمينه وقوله: قُسَّمَ بينهما بشعر بقسمته نصَفَيْن وهو واضح حيث كان كلٌّ يدَّعي جميعه لنفسه. قال ابن فرحون في التبصرة: وإذا ادّعى رجلان شيئًا فإن كانت الدعوى متساوية مثل أن يدّعي كلُّ واحد جميعه فإن لم يكن في أيديهما وكان في يَدِ مَنْ لا يدَّعيه لنفسه لم يُحْكَمْ به لأحدهما إلاَّ ببيَّنة، فإن أقام أحدهما بيَّنة به حُكِمَ له به، فإن أقام الآخر بيَّنة نظر إلى أعدل البيَّنتين فحُكِمَ بها، فإن تساويا في العدالة عرضت اليمين عليهما، فإن نَكَلَ أحدهما حُكِمَ به للحالف، فإن حَلَفا قُسَّمَ بينهما، وإن نكلا تُرِكَا على ما كانا عليه، وإن كان ذلك الشيئ ف ي أيديهما فالحُكْمُ فيه مثل ما لو لم يكن في أيديهما سواء، ثم حيث ثُلْنا يُقَسَّم، فإن كان في يد غيرهما فإن يُقَسَّمُ على قدر الدعاوي، فإن كان بأيديهما فقيل: يُقَسَّم على قدر الدعاوى، وقيل: يُقَسَّم بينهما نِصْفَيْن، لتساويهما في الحيازة، إلاَّ أن يسلَّم أحدهما لصاحبه بعض حيازته اهـ. ثم أشار ﵀ إلى المسألة الثانية فهي فرع من الأولى فقال: "فإن اختلف الدعاوى ككل ونِصْف وثُلُث فمذهب مالك رحمه اللّضه أنها تُقَسَّمُ على العَوْل من أحد عشر وقال ابن القاسم: من ستة وثلاثين" يعني كما قال ابن فرحون: وإذا فرعنا على القول بالقسمة على قدر الدعاوى فقد اختُلِفَ في كيفية ذلك: فرَوَى

стр. 1134

ابن حبيب عن مالك أن جميعه يُقَسَّم على قدر الدعاوى وإن اختلفت الحِصَص المدَّعى بها كعَوْل الفرائض، وبه قال مطرف وابن كنانة وابن وهب وأشهب وصبغ. وقال ابن القاسم وابن الماجشون: إن اختلفت الدعاوى، فإنَّما يُقَسَّمُ ما اشتركوا فيه في الدعوى، فيُقَسَّم بينهم على السواء، أمَّا ما اختصّ به أحدهم فلا يقاسمه فيه الآخر، فلو ادّعيا في دار مثلاً فادّعى أحدهما جميعها وادّعى الآخرَ نِصْفَها فعلى قول مالك ومضنْ تابعه: تُقَسَّم بينهما أثلاثًا، لِمُدّعي الكُلّ سهما، ولمُدَّعي النَّصْفَ سهم. وعلى قول ابن القاسم وابن الماجشون: تُقَسَّمُ أربعاًا، لمُدَّعي الكل ثلاثة أسهم، ولمُدَّعي النَّصْفَ سهم اهـ. نَقَلَه عن ابن رشد. وعبارة النفراوي في هذه المسألة أنه قال: أمّا لو ادَّعى شخص جميعه والآخر بعضه فإنه يقسم كالعَوْل، فإذا ادَّعى أحدهما الكلّ والآخر النَّصْف فإنه يقَسَّمخ على الثُّلُ والثُّلثَيْ، أي لمدّعي الكلّ ثُلُثان، ولمدَّعي النَّصْف الثُّلُث، وإذا ادّعى واحد الكل وواحد النصف وثالث الثُّلث فإنه يحصل أقلّ عدد يشتمل على تلك المخارج وهو ستة، فإنّ لها النَّصْف والثُّلُث فتجعل لمدَّعي الكلّ ويُزاد عليها مثل نِصْفِهاوثُلُثها، وبعد ذلك يُعطى لمدّعي الكل ستة، ولمدّعي النَّصْف ثلاثة، ولمدَّعي الُّلُث اثنا، وهكذا. قال خليل: وقُسَّمَ عىل الدعوى إن لمي كن بيد أحدهما اهـ. النفراوي. قال ابن جزي في بيان تقدَّم: وإذا قلنا: يُقَسَّمُ بينهما فإن استويا في مقدار الدعوى استويا في القِسْمة، مثل أن يدَّعي كل واحد منهما جميعه فيُقَسَّمُ بينهما نِصْفَيْن، وإن اختلفا في مقدار الدعوى في القلة والكثرة: فمذهب مالك أنه يُقَسَّم بنيهما على قدر الدعاوى، وتعول عَوْل الفرائض. ومذهب ابن القاسم أنه يُقَسَّم بينهما على قدر الدعاوى، ويختصُّ صاحب الأكثر بالزيادة التي وقع تسليم الىخر له فيها بدعوى الأقلّ. مالك ذلك: إذا ادَّعى أحدهماجميعه والآخر نصفه فعلى مذهب مالك: تعول بنصف، لأن أحدهما ادّعى نصفين والآخر نِصْفًا، فيُقَسَّمُ

стр. 1135

على ثلاثة، يكون لمدَّعي الجميع اثنان، ولمدّضعي النَّصْفَ واحد. وعلى مذهب ابن القاسم: يكون لمدّعي الجميع ثلاثة أرباع، ولمدّعي النَّصْفَ رُبْع، لأن مدَّعي لنَّصْف قد سلَّم في النَّصْف الآخر لمدّعي الجميع، فيختصُّ به ويُقَسَّمُ بينهما النَّصْفُ المتنازع بيه، ويتبع هذا الحساب كثرة الدعاوى والمدَّعِين اهـ. باختصار. قوله رحمه اللَّه تعالى: ولوْ أضافَ كلّ الباقي إلى أجْنَبيًّ فهُوَ بينهُمْ ولا شيئ للأجنبيَّ" يعني أن المدعين لشيئ لو أضاف كل واحد منهم باقي السهام لأجنبي بعد تمام الدعوى وأخْذهم حِصَصهم فلا يُعطى للأجنبي منه شيئ، بل الباقي للمدَّعين فيقَسَّم بينهم، لأن الأجنبي لم يكن مدَّعيصا ولا يستحقُّ منه شيئًا، ويرجع ما بقي من ذلك لِمَن ثبتت حقوقهم بالدعوى، هذا مفهوم قول المصنَّف واللَّه أعلم. ثم أشار إلى المسألة الثالثة بقوله رحمه اللَّه تعالى: ومَنش ادَّعى صَحَّةَ عَقْدٍ سُمِعَ ولَمْ يَلْزَمْهُ بَيَانُ شُرُوطِهضشا" قال ابن فرحون في التبصرة: ممَّا اختلف فيه فُقَهَاء الأمصار في المدَّعي أمرًا ملعومًا هل يلزمه بيان شورطه صحته أم لا" قال المازري ﵀: وعندنا أنّ ذلك لاي لزمه، بل إن ادّعى رجل على رجل أنه أنكحه ابنته أو باع منه داره فإنه لا يَشْتَرِطُ في سماع هذه الدعوى ذِكْرَ شروط صِحّة النكاح وصِحَة البيع، ولا يلزم القاضي استفسار المدَّعى لذلك، خِلافًا للشافعي ﵀ في النكاح خاصة، فقد نصَّ على أنه لا تُسمع الدعوى حتى يذكر المدَّعي شروط الصحةن فيقول: عقدت النكاح بوَلِيَّ وصَدَاق وشاهدَيْن بناء على أصله في أ، تَرْكَ الشهادة في النكاح يفسده. قال: وهذا معترض بأنه يلزمه عليه استقصاء شروط الصحة كلها في النكاح، ككونه لم يقع في عدة ولا في إحرام إلى غير ذلك ولم يَقْلْ به. ووافقنا في دعوى الأعيان أو الديون أنه يلزم الاستفسار فيها، قال: وقد اتفق على أنه لا يلزم الاستفسار عن عرو العقد ممَّا يفسده فلا يجب أن يذكر في دعوى النكاح أنه لم يقع في عدّة ولا في إحرام، ولا غير ذلك ممَّا

стр. 1136

يفسد العقد لو ثبت، فلا يزلم عندنا ذكر شروط الصَّحّة، ولا ذِكْرُ اجتناب شروط الفساد؛ لأن العقود أصلها الصَّحّة حتى يثبت الفساد اهـ. من تبصرة الحكّام. ثم أشار ﵀ إلى المسألة الرابعة بقوله: "وَفِي تَنَزُعِ الزَّوْجَيْنِ الْجَهَازَ لِكُلَّ مَا يَيْهَدُ بهِ الْعُرْفُ مَعَ يَمِينِهِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا قِيلَ: لِلرَّجُل مَعَ يَمِيِنِهِ وضقِيلَ: يَحْلِفَانِ وَيَقْتَسِمَانِ" يعني كمافي تحفة الحكّام لابن عاصم المغربي الغرناطي في أرجوزته المشهورة: أنه عقد فيها فصلاً في اختلاف الزوجَيْن في متاع البيت فقال رحمه الله تعالى وأدم نَفْعَنا بعلومه في الدارَيْن آمين: وإن مَتَاعَ البَيْتِ فِيهِ اخْتَلَفَا ... وَلَمْ تَقُمْ بَيَّنَة فَتُقْتَفَى وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوُجِ مَعْ يَمِينمْ ... فِيمَا بِهِ يَليقُ كالسَّكَّينْ وما يلِيقُ بِالنَّسَاءِ كالْحلِي ... فَهْوَ لِزَوْجَةٍ إذا مَشا تَأْتَلِي وإن يَكُنْ لاَقْ بِكلَّ مِنْهُمَا ... مِثْلُ الرَّقيقِ حَلَفا واقْتَسَمَا ومَلِكٌ بِذَاكَ لِلزَّوْج قَضَى ... مَعَ اليَمِين وَبِقَوْلِهِ القَضَا وَهْوَ لِمَنْ يَحْلِفُ مَعْ نُكُولِ ... صَاحِبِهِ مِنْ غَيرِ مَا تَفْصِيل اهـ. قال شارحه العلاّمة محمد ابن أحمد بن محمد المشهور بميّاره. يعني أنه إذا اختلف الزوجان في متاع البيت وأثاثه وادّضعاه كلُّ واحد منهما لنسه فإن يفصل في ذلك، فماكان منه يليق بالرجل كالسكين والرمح والقَوْس والفرس والكتاب فيُحْكَمُ به للرجل مع يمينه، ما لم تَقْمْ له بيَّنة فلا يمين عليه، وما يليق بالمرأة كالحلي وما لا يلبسه الرجال، فيُحْكَمُ به للمرأة مع يمينها، ما لم تَقْمْ لها أيضًا بيَّنة فلاي مين عليها، وعلىكون هذ الحءكْمِ إذا لم تَقُمْ بيَّنة نبّه بقوله: ولم تَقْمْ بيَّنة فتقتفي، وما يليق بكلَّ منهما كالرقيق والثياب التي يلبسها الرجال والنساء ففيه قولان: أحدهما: أنهما يتحالفان ويُقَسَّمُ بينهما أنصافًا، والثاني: وهو المشهور يُكْكَمُ به للزوج أيضًا بعد يمينه، وبهذ القول الحُكْمُ والقضاء، وإلى هذين

стр. 1137

القولَيْن أشار بالبيت الرابع والخامس، وشار بالبيت السادس إلى أن مَنِ ادَّعى من الزوجَيْن ما يليق به ولا بيَّنة له، وثُلنا القول قوله مع يمينه فَنَكَل عن اليمين وحَلَفَ الآخر فإن ذلك يكون للحالِف؛ لان نكول المدَّعي كالشاهد عليه، فيَحْلِفُ المدَّعى عليه ويستحقُّ، ولا فرقّ في ذلك بين الرجل والمرأة، وعلى ذلك نبَّه بقوله من غير ما تفصيل: واليمين من لزوجَيْن على بيَّت ومن ورثة الزوجَيْن على العِلْم اهـ. نَقَلَه الشارح المذكور في سياق كلام النوادر عن الواضحة. ثم أشار رحمه الله تعالى إلى المسألة الخامسة بقوله: "وَإِنْ تَنَازَعَا الزَّوْجِيَّةَ فَلاَ يَمِينَ عَلَى المُنْكِرِ وَلاَ تُرَدُّ فَإِنْ أَتَى الْمُدَّعي بِشَاهِدٍ فَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ بَرئَ وَإِلاَّ فَرِوَيَتَانِ بِالْحُكْم عَلَيْهِ وَبِحَبْسِهِ لِيَحْلِفَ" وفي نسخة: ويحبسه ليَحْلِفَ بالياء، والأولى أصحُّ، فَالمعنى كما تقرَّرر نا هذا الحكم في باب الزوجَيْن في فصل التنازع بين الزوجَيْن وثُلْنا هناك: اعلَم أنه إذا تنازعا ف يالزوجية بأ، ادَّعاها أحدهما وأنكرها الىخر فهذ النكاح يثبت ببيَّنة لمدَّعيه منهما، سواء كان المدَّعي شاهًا يشهد له إلاَّ بعدلَيْن، فلا يمين بمجرَّدها على المنكر، ولو أقام المدَّعي شاهدًا يشهد له إلاَّ [ أن يكون المنكر قد مات بعد قيام الدعوى وقبل الحُكْمِ فيَحْلِفُ المدَّعي مع شاهده لِيَرثَ المال؛ لأن دعوى الزوجية حينئذ آلت إلى مَال، ولا صداق لها إن كان المدَّعي هو وأنكرت هي ثم ماتت بعد ذلك، وإليه أشار بعضهم بقوله:

стр. 1138

وَإنْ نِزَاعٌ كَانَ فِي التَزْوِيج ... مِنْ زَوْجَةٍ تَأْبَاهُ أوْ مِنْ زَوْجِ فَمُدَّعِيه كَلَّفُوهُ البَيَّنَة ... وَلَوْ سَمَاعًا فَاشِيًا قَدْ أعلَنَه وَلاَ يَمِينَ فِي نُكُولِ الْجَاحِدِ ... وَلَوْ تَاهَ الْمُدَّعِي بالشَّاهِدِ هذا حُكْمُ التي خلت عن العصمة، أمَّا لو ادَعى الرجل على ذت زوج أنها امرأته وتزوَّجها قبل هذا وأقام شاهدًا واحدًا شهد بالقطع على الزوجية السابقة لهذا الرجل وزعم أن له شاهدًا ثانيصا انتظره الحاكم لإقامة شاهد ثانٍ، ثم يأمر الحاكم الزوج الذي كنت المرأة عنده باعتزالها فلا يقربها بِوَطْء ولا بمقدَّماته حتى يأتي المدَّعي بشاهد ثانٍ بشرط قرب مسافة الإتيان به بحيث لا ضَرَرَ على الزوج في اعتزالها لمجيئة ونفقتها مدّة الاعتزال على مَنْ يُقضى له بها، فإن أتى بشاهد ثانٍ عمل بشهادته ويُفْسَخُ نِكاح الثاني وتُرَدُّ إلى عصمة المدّعي ولا يقربها إلاَّ بعد استبرائها من الثاني إن كان قد وَطِئها، وأمَّا إن لم يأتِ به أو كان بعيدًا عجَّزَه الحاكم بعد الانتظار، ثم إن عجَّزَه لم تسمع بيَّنته بعد أن أعجَّزَه الحاكم وأمَرَها بأن تتزوَّج إن شاء، اهـ. الدردير بتصرف. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى لمسألة السادسة بقوله: "وَمَنِ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيَّتٍ فَاعْتَرَفَ أَحَدُ ابْنَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ حَلَفَ مَعَهُ وَانْتُزعَ مِنَ التَّرِكَةِ وَإلاَّ دَفَعَ نِصْفَهُ وَإنِ اسْتَوْعَبَ حِصَّتَهُ فَلَوْ كانَ لِلْمَيَّتِ دَيْنٌ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ الوَرُثَةُ مَعَه وَاقْتَسَمُوا الْفَضْل فَإِنْ أَبَوْاه حَلَفَ الغَرِيمُ وَأَخّذَ حَقَّهُ فَلَوْ أَرَادُوا بَعْدَ ذلِكَ أَنْ يَحْلِفُوا لِيأخُذُوا الْفَضْلَ لَمْ يَكُنْ لَهْمْ إلاَّ أَنْ يَمْتَنِعُوا لِعذْرٍ أَوْ جَهِلُوا أَنَّ فيهِ فَضْلاً" يعين إذا ادّعى شخص أن له على ميتٍ دَيْنًا ثابتًا بالبيَّنة أو بإقرار الميت واعترف به أحد ابنَي الميت وهو من أهل الشهادة فإن حقَّ الغريم يثبت إذا حَلَفَ مع شاهده الذي هو أحد الورثة، وأخَذَ الغريم حقَّه منالتركة، وهذا لا خِلاف فيه؛ لأنه لا إرْثَ إلاَّ بعد الدَّيْن كالوصية كما سيأتي، وإن لم يأخذ الغريم حَقَّه من التركة بعد حِلْفِه، كأن ادّعى

стр. 1139

بعد اقتسامها التركة؛ فإن الغريم يأخذ نِصْفَ حقَّه من يد المعترف له بالدَّيْن وإن استوعب حِصَّته. ولذا قال ﵀: وإلاَّ دفع نِصْفَه ومن المعلوم أنه إن أهلك الورثة الكبار التركة فإنهم يضمنونها للغريم الطارئ، وإن كانوا متعدَّين فأقرَّ بعضهم بالدَّيْن الطارئ وأنكر بعضٌ فالضمان في نصيب المُقِرّ. قال مالك فيمن هلك وله دَيْن وعليه دين له فيه شاهد واحد فيأبى ورثته أن يَحْلِفوا على حقوقهم مع شاهدهم قال: فإن الغرماء يضحْلِفون ويأخذون حقوقهم، فإن فضلَ فضلٌ لم يكن للورثة منه شيئٌ؛ وذلك أن الأيمانَ عُرِضت عليهم قبل فتركوها إلاَّ أن يقولوا: لم نعلم لصاحبنا فضلاً ويُعلم أنهم إنَّما تركوا الأيمان من أجلْ ذلك فإني أرى أن يَحْلِفوا ويأخذوا ما بقي بعد دَيْنِهز اهـ قاله في الموطَّأ. وعبارته في المدوَّنة فيما رواه سحنون عن ابن القاسم أنه قال: أرأيتَ إن شهد وارثان بِدَيْن على الميت شهد وارث واحد أيجوز في قول مالك؟ قال: نعم، وإن كان إنَّما شهد له شاهد واحد مع شاهده أي مع يمينه واستحقَّ حقَّه إذا كان عضدْلاً، وإن نكل وأبى أن يضحْلِف معه أخذ من شاهِدِه قدر الذي يصيبه من الدَّيْن، فإ، كان سفيهًا لم تَجُزْ شهادته ولم يرجع عليه في حظَّه بقليل ولا كثير اهـ. وتقدَّم معنى قول المصنَّف: فل كان للميت دَيْنٌ بشاهد واحد إلخ؛ قال أبو الوليد الباجي في شرحه على الميراث، فإن فضل شيئ كا لهم بالميراث، فإن نكَلَ الورثة حَلَفَ الغرماء، وهذا الظاهر من المذهب أن الورثة يبدؤون باليمين على الإطلاق، وبهذا قال مالك وأكثر أصحابه. قال سحنون: إنّضما كان للورثة أن يَحْلِفوا أولّلاً في مسألة الأصل لأن الغرماء لو نكلوا عناليمين أنهم لم يقبضوا دَيْنَهم كان للورثة اليمين مع الشاهد أوّلاً إذا لم يَقمِ الغرماء؛ فإن قاموا وثبتت حقوقهم وطلبوا أن يَحْلِفوا فَهُمُ البادئون بها لأنهم أوْلَىَ بِتَركَتِه اهـ. انظر المنتقى إن شئت.

стр. 1140

فرع: وإذا امتنع الورثة من الميين أوّلاً فَحَلَفَ الغرماء بوقي من الدَّين الذي حَلَفَ عليه الغرماء فهل للورثة أن يَحْلِفوا ويأخذوه؟ وقد قدّم من رواية ابن وهب أن لهم ذلك على الإطلاق، وفي المجموعة من قول مالك: ليس للورثة معاودة اليمين، لنكولهم عنها أولاً، إلاَّ أن يقولوا: لم نضعْلَمْ أن في دَيْنِ الميت فضلاً عن الديون التي عليه، ونَعْلَمُ ذلك الآن فيَحْلِفون ويأخذون الفضل وهو معنى ما في الموطَّأ اهـ. المنتقى باختصار. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى المسألة السابقةبقنوله: "وَمَنِ ادَّعَى وَصِيَّةً لَهُ حَلَفَ مَعَ شضاهِدِهِ وَإلاَّ حَلَفَ الْوَرَثَةُ وَسَقَطَتْ فَإِنْ حَلَفَ الغَريمُ أَوْ أَحَدُ المُوصَى لَهُمْ ثَبَتَ حَقُّهُ خَاصّةً وَلِنَّاكِلِ تَحْلِيفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ" يعني أ، مَنْ أوصى له شخص بشيئ من المال وله شاهد واحد بذلك وبعد موت الموصي قام الموصى له بطلب وصيَّته عند الورثة فإنه يَحْلِف مع شاهده ويستحقُّ الوصية، وإن أبى أن يضحْلِف حَلَفَ الورثة على رَدَّ دعواه، فإن حَلَفَ الورثة واحد مِمَّن لهم الوصية فإنه يأخذ نصيبه خاصةً من الوصية، وللناكل منهم تحليف المدَّعَى عليه، فإن حَلَفَ سقط نصيب الناكل وإلاَّ لم يسقط. انظره في المقدَّمات لابن رشد؛ فقد قَسَّمَ أحكام الوصية على قِسْمَيْن وفصَّلها تفصيلاً كما ذكر ذلك في التبصرة ابنُ فرحون. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى المسلة الثامنة بقوله: "وَمَنْ يَرَى رَجُلاً يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ مُدّضةً طَويلَةً وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُهُ انِزَاعُهُ وَلاَ يَرْهَبُهُ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَمْ يُسْمَعْ وَلاَ بَيَّنَتُهُ" يعني أن مَنِ يرى أحدًا يتصرَّف بِمِلْكه تصرُّف المِلْكية وهو ساكت حتى طال الزمان ثم قام يدَّعي فلا تُسْمَع دعواه ولا تُقْبَل بيَّنته إلاَّ أن يمنعه عن الكلام شيئ نحو القرابة أو خوف الضّرَر على نفسه من المتصرف فَلَهُ القيام بذلك بعد زوال العُذْر. قال في

стр. 1141

الرسالة: ومَنْ حاز داراً عن حاضرٍ عشر سنين تُنْسَبُ إليه وصاحبها حاضرٌ عالمٌ لا يدَّعِي شيئًا فلا قيام له ولا يحازة بين الأقارب والأصهار في مثل هذه المدة اهـ. قال خليل: وإن حاز أجنبي غير شريكٍ وتصرَّف ثم ادّعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين لم تُسْمَع ولا بيَّنة إلاَّ بإسكان ونحوه. والأصل في ذلك قوله ﷺ : "مَنْ حاز شيئًا عشر سنين فهو له" فالحيازة تَنْقُل المِلْك، قاله بهرام وتَبِعه جماعة، وخالفهم ابن رشد لِما نَقَلَه من سماع ابن القاسم في كتاب الاستحقاق أنه قال: الحيازة لا تَنْقُل المِلْك عن المحاز عنه للحائز اتفاقًا اهـ النفراوي. وإليه أشار ابن فرحون فقال: فرع: ولو شهدت إحداهما بالمِلْك وشهدت الأخرى بالحَوْز قدَّمت بيَّنة المِلْك؛ لأن المِلْك أقوى والحَوْز قد يكون لغير مِلْكٍ فيُقْضَى ببيَّنة المِلْك وإن كان تاريخ الحضوْز متقدَّمًا اهـ. قاله فيتبصرته. وأمَّا عبارة ابن جزي في القوانين فقال: وأمَّا إن كان بيد واحد منهما فلا يخلو الذي حازه أن يكون بيده مدّة الحَوْز أو أقلّ، فإن بقي مدّة الحَوْز فأكثر وهي عشرة أعوام بين الأجانب وخمسون بين الأقارب وقيل: أربعون مع حضور خصمه وعِلْمِه وسكوته لم تُسْمَع دعواه، ولم تُقْبَل بيَّنته إلاَّ إن أثبت أنه بيد الحائز على وَجْه الكِراء، أو المساقاة أو الاعتماد أو شبه ذلك، وإن كان له أقلّ من مدّة الحَوْز طولِبَ المدَّعي بإثباته ببيَّنة، فإن أثبته استحقَّه بعد أن يَحْلِفَ أنه ما باعه ولا فوَّته ولا خرج عن مِلْكه، وإن لم يثبته قضى به لحائزه بعد أن يضحْلِفَ أنه ما باعه ولا فوَّته ولا خرج عن مِلْكه، وإن لم يثبته قضى به لحائزه بعد أن يَحْلِفَ أنه ما باعه ولا فوَّته ولا خرج عن مِلْكه، فغ، نكل حَلَفَ المُدّعِي وحُكِمَ له فإن نَكَلَ المدّعي بقي بيد الحائز ثم قال: الشهادة على إثبات الشيئ المدّعَى فيه تكون على عينه، فيحضر به حين أداء الشهادة وتؤدّى على عينه، وإن كان عقارًا وَقَفَ القاضي إليه مع الشهود، أو وجه شهود الحيازة على المشهود، فيقولون لهم: هذا هو الذي شهدنا به عند القاضي، فإن أقامالطالب شاهدًا واحدًا مُنِعَ الذي هو بيده من إحداث شيئ فيه، فإن أقام شاهدًا ثانيًا أخرج من يده،

стр. 1142

ومُنِعَ من التصرف فيه، وأغْلِقَ إن كان دارًا حتى ينفذ الحُكْمُ فيه. وإن كان المدَّعى فيه عرضًا أو حيوانًا أمَرَ القاضي بإيقافه حتى يَحْكُمَ فيه، ونفقة العبد والدابة في مدّة الإيقاف على مَنْ ثبت له اهـ. بتقديم. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى المسألة التاسعة بقوله: "وَالبَيَّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيضمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ وَلَهُ رَدُّهَا وَافْتِدَاؤُهَا وَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَظلُومًا فَتَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ: هذا الحديث أخرجه الترمذي مرفوعاً عن ابن عمرو بن العاص بلفظ: البيَّنة على المدَّعى ولايمين على المدَّعَى عليه، وفي رواية عن ابن عباس مرفوعًا: لو يُعطى الناس بدعاويهم لادَّعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه، وفي أخرى: لو يُعطى النسا بدعواهم لذهب دماؤهم وأ/والهم. والحديث له طرق، رواه ستة إلاَّ مالكًا، وتقدَّم كلام مالك في معنى الحديث مفسَّرًا له بقوله ﵁: مَنِ ادَّعى على رجل بدعوَى نُظِرَ: فغن كان بينهما مخالطة أو ملابَسةٌ أُحلِفَ المدَّعَى عليه، فإن حَلَفَ بَطَلَ ذلك الحقُّ عنه، وإن أبى أن يضحْلِفَ ورَدَّ اليمينَ على المدَّعى فحلف طالبُ الحقَّ أخذ حقَّهُ. هذا، وبه حكم عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا اهـ. وتقدَّم جميع ذلك عند قول المصنَّف: فلا يضحْلِفُ حتى تثبت بينهما الخضلْطة، فراجعه إن شئت. قوله: وله ردُّها وافتداؤها، أي ردُّ اليمين على المدَّعى كما ذكره مالك. أمَّا افتداء اليمين فقد ثبت ذلك عند المحققين؛ قال خليل: وعلى الافتداءِ من يمينٍ. وفي أقرب المسلاك: وجاز الصُّلْح بشيئ على الافتداء من يمين توجَّهت على المدَّعى عليه المنكر ولو عَلِمَ براءة نفسه. قال الخرشي: يعني أن اليمين إذا توجَّهت على المدَّعَى عليه فإنه يجوز له أن يفتدي منها بالمال ولو عَلِمَ براءة نفسه على ظاهر المدوَّنة وهو قولها: ومَنْ لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك، وفي حاشية الخرشي: ليس المراد ظاهر المصنَّف من أن الجواز يتلَّق بالصُّلْح بل المراد أنه يجوز الافتداء عن يمين بمال،

стр. 1143

ويعدُّ ذلك الافتداء صُلْحًا اهـ. قال الحطاب: والأصل في هذا أن الصحابة ﵃: منهم مَنِ افتدى، ومنهم مَنْ حَلَف أهـ. وأمَّ قوله: ويه على نيّة المستحلف، وعبارة ابن جزي: [١٨١] ويعتبر في ذلك نيّة الحالف إِلاّ في الدعاوي فتعتبر نيّة المستحلف في المشهور. قال الدردير: وإنَّما تعتبر إذا لم يستحلف في حقًّ وإلاَّ فالعبرة بنيّة المُحَلَّفِ. وقوله: إلاَّ أن يكون الحالف مظلومًا فتنفعه التَّوْرِية؛ قال في المصباح: فالتَّوْرِية أن تُطْلِقَ لَفْظًا ظاهراً في معنّى وتريد به معنّى آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره، مثل أن يقول: جوزتي طالق يريد جوزة حَلْقِهِ ليس فيها لُقْمَة. قاله محشى الخرشي. قال خليل: ألاَّ أن يترك التَّوْرِية مع معرفته لها. وفي الإكليل والمذهب: لا يَحْنَثُ ولو تَرَكَهاز قال الدردير في اقرب المسالك: ولو ترك التَّوْرِية مع معرفتها لم يلزمه شيئ، بل لو قيل له: طلَّقها فقال: هي طالِق بالثلاث لم يلزمه شيئ؛ لأن المُكْرَه لا يملِكُ نفسه حال الإكراه كالمجنون. وفي الموّاق نَقْلاً عن ابن شاس: لا يقع طلاق المُكْرَه إلاَّ أن يترك التَّورِية مع العِلْم بها والاعتراف بأنه لم يدهش بالإكراه عنها اهـ. والحاصل أنَّ التَّوْرِية تنفع الحالف المظلوم، وأنه لو تركها مع علم بها لا يلزمه شيئ كما صرَّح به الدردير اهـ. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى المسألة العاشرة بقوله: "وَهِيَ بِاللَّه الَّذِي لاَ إله إلا هُوَ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِهِ عَلَ البَتَّ وَعَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْعِلْمِ وَتُغَلَّظُ بِالْمْكَانِ وَالزَّمَانِ لاَ بِزِيَادَةِ الأَلفَاظِ وَلاَ يَحْلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَ أَقَلَّ مِنْ رُبْع دِينَارٍ ويُرْسِلُ إلى ذَاتِ الْخِدْرِ مَن] يُحْلِفُهَا وَلاَ مَنعَ لِخَصْمِهَا وَتَحْضَرُ الْبَرِزَة مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَيُسْتَحلَفُ الْخَصْمُ لِلْوَارِثِ الصَّغير فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ" يعني أنه ذكرلا ﵀ في هذه المسألة صيغة اليمين وكيفيَّتها وما يتعلَّق بها، قال في الرسالة: واليمين بالله الذي لا إله إله إلاَّ هو وهي اليمين الشرعية التي يوجَّهها إلاَّ حاكم أو مُحَكَّم ولو كان الحالف

стр. 1144

كتابيًا على المشهور، ولا يكون بذلك مؤمنًا. وهذه الصيغة يُحْلَفُ بها في كلَّ حقَّ سوى اللَّعان والقَسَامة، وأمَّا اللَّعان فيقول: أشهد باللَّ فقط كما تقدَّم في باب اللغان. وأمَّا القَسَامة فقيل: يقول: أُقْسِمُ باللَّه لِمَن ضربه مات وقيل: يَحْلِفُ باللَّه الذي لا إله إلاَّ هو، وهو ظاهر كلام المصنَّف كخليل؛ فإنه قال: واليمين في كل حقًّ باللَّ الذي لا إله إلاَّ هو، وهو المنقول عن مالك ما في المدوَّنة. قوله: لا بزيادة الألفاظ، أمَّا الألفاظ المذكورة عن زيادتها فهي كما في القوانين. وقيل: يُزاد في القَسَامة واللَّعان (عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم" وقيل: يزيد اليهودي (الذي أنزل التوراة على موسى) وقيل: يزيد النصراني (الذي أنزل الإنجيل على عيسى) قال ابن فرحون نَقْلاص عن مختصر الواضحة: إنَّما يَحْلِفُ الحالف باللَّه الذي لا إله إلاَّ هو، لا يؤمر بأكثر من ذلك في الحقوق والدماء واللعَّان، وكلّما كان فيه اليمين على المسلمين والنصارى واليهود والمجوس غير أن كلَّ هؤلاء غير المسلمين إنَّما يحلفون حيث يعظمون من كنائسهم ومواضع عباداتهم ويرسل القاضي في ذلك رسولاً يَحلأَّفُهم باللَّه. قال ابن حبيب: وأخبرني ابن عبد الحكم وأصبغ عن ابن وهب وأشهب عن مالك مثل ذلك كلَّه. قال القاضي أبو الوليد: وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم، ورواه عن مالك في المدوَّنة. قال ابن القاسم: ولا يُزاد على أهعل الكتاب الذي أنزل التوراة والإنجيل اهـ. التبصرة. واعلَم أن اليمين تتوجَّه في كلَّ مال ولو قليلاً، وأمَّا تغليظها فإنَّما يكون في المال العظيم، وهو ربع دينار فأكثر، ولذا قال ﵀: ولا يثحْلَفْ عند منبر رسول اللَّه ﷺ على أقلَّ من رُبْع دينار كما في الرسالة، ومثل رُبْع دينار ما يقوم مقامه من غرض أو ثلاثة دراهم، أمَّا أقلُّ من ذلك فلا تغليظ فيه لا بالمكان ولا بالزمان، والتغليظ: في المال العظيم، فيضحْلِفُ فيه الذكر والأنثى، ولا يَحْلِفُ إلاَّ البالغ العاقل. واختُلِفَ في التغليظ بالزمان: ففي كتاب ابن سحنون من رواية ابن كنانة: يتحرّى بالأيمان في المال العظيم، وفي الدماء واللَّعان الساعات التي يحضرالناس فيها

стр. 1145

بالمساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحقَّ ففي كل حين. انظره في التبصرة لابن فرحون فيها زيادة إيضاح اهـ. ومن التغليظ الاستحلاف قائمًا، وعند منبره ﵊ إذا كان التحليف بمدينة المصطفى ﷺ . ولا تغليظ بمنبر غير منبر النبي ﷺ ؛ لأن مالِكًا لا يعرف اليمين عند لمنابر إلاَّ عند منبر النبي ﷺ كما في المدوَّنة. قال في الرسالة: في غير المدينة يُحْلَفُ في ذلك في الجامع وموضع يعظم منه، ويضحْلِفُ كالمسلم في كنيسة إن كان من أهلها، وفي بيع إن ك ان من أهلها، أو بيت النار إن كان مجوسيًا، كما في كفاية الطالب، ومثله في القوانين اهـ. قوله: ويرسل إلى ذات الخِدْر مَنْ يُحَلَّفُها إلخ. قال ابن جزي: وتَحْلِفُ المخدرة وهي المرأة التي لا تخرج في المسجد بالليل على ما بال، وتَحْلِفُ في بيتها على أقلَّ من ثلاثة دراهم أو ربع دينار شرعي، أو يرسل القاضي مَنْ يُحَلَّفُها في موضعها ومَنْ كانت تخرج نهارًا فإنها تحضر مجلس الحُكْم. اهـ. بتوضيح. قال ابن فرحون: فرع: وفي المتّيطية: واختُلِفَ في إخراج المرأة من بيتها عند وجوب اليمين عليها فقال في المدوَّنة: تخرج المرأة فيما له بال، فتَحْلِفُ في المسجد، فإ، كانت ممن لا تخرج نهارًا فلتخرج ليلاً، وتَحْلِفُ في بيتها إن لم تكن ممَّن تخرج اهـ. تبصرة الحكام، انظر الخرشي. وإذا وَجَبَتِ اليمين على مريض فإن شاء خصمه أحْلَفَه في موضعه أو أخَّره إلى أن يبرأ، قاله ابن جزي اهـ. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى المسألة الحادية عشرة بقوله"وَمَنْ تَرَكَ القِيَامَ بِبَيَّنَةٍ مَعَ القُدْرَةِ وَاسْتَحْلَفَ خَصْمَهُ فَلاَ قِيَامَ لَهُ بِهَا بِخِلاف الَّتِي لا يَعْلَمُهَا" عليه فلا قيام له، ولا تُسمد دعواه ولا بيَّنته، إلاّّ إذا لم يَعْلَمْ بها أو نَسِيَها. قال ابن جزي في القوانين.

стр. 1146

فرع: إذا حَلَفَ المنكر ثم أقام المدَّعي بيَّنة فإن كانت غائبة أو كان لا يَعْلَمُ بها قضى له بها، وإن كان عالمصا بها وهي حاضرة لم يُقْضَ له بها، ولم تُسمع بعد اليمين في المشهور. قال خليل: فإن نَفَاها واستحلَفَه. فلا بيَّنةَ إِلاّ لعُذْرٍ كنسيان، وفي نسخة: وإن استَحْلَفَه عالِمًا ببيَّنةٍ تاركًا لها وهي حاضرة أو غائبة فلا حقَّ وإِن قدَّمت بيَّنة اهـ. قال الخرشي: يعين أن المدَّعى إذا كانت له بيَّنة حاضرة أو غائبة كالثمانية أيام ونحوها ذهابًا وإيابًا وهو عالِم بها وحَلَفَ المدَّعى عليه فإن لا تُقبل بيَّنته بعد ذلك إذا حضرت؛ لأنه ما استحلف خصمه إلاَّ على إسقاطها، فلذا سقطت بمجرَّد الحِلْف، وأمَّا إن لم يَعْلَمْ بها فَلَهُ القيام بهأن والقول قوله في نضفْيِ العِلْم مع يمينه اهـ. قاله سحنون. أمَّا لو أن لرجل على رجل مالاً فأنكره ولصاحب الحقَّ بيَّنة قد عَلِمَ بها فصالحه ببعض الحقَّ ثم حضرت البيَّنة فليس له أن يرجع علهي بشيئ، وكذلك لو صالح الطالب المطلوب على شيئٍ لبعد غيبة البيَّنة فلا قيام له بالبيَّنة إذا قُدَّمَتْ؛ لأنه قد رَضِيَ بما قد أخذ، أمَّا لو كان المدَّعي لا شاهد له وطلب يمين المدَّعى عليه فنكل عن اليمين فرجعت اليمين على المدَّعي فَحَلَفَ وأخذ ثم إن المدَّعى عليه وَجَدَ البيَّنة على براءة من ذلك الحَّ فإنه يبرَّأ ويرجع إلى ما أُخِذَ منه فيأخذه اهـ. قاله ابن فرحون. ثم أشار رحمه اللَّه تعالى إلى لمسألة الثانية عشرة بقوله: "وَأُجْرَةُ الْكاتِبِ عَلَى الرُّؤُسِ وَإِنِ اخْتَلَفَت الحُقُوقُ وَلْيُمِللِ الَّذي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَوِ الَّذي لَهُ بِرِضَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" يعني أن أجْرة الكاتب الوثيقة على عدد رؤوس الورثة. قال في القوانين: الفرع الثاني: أجْرة القِسام على عدد الرؤوس لا عليى مقدار السهام، وكذلك أجْرة كاتب الوثيقة، وكذلك أجْرة كنس مراحيض الديار اهـ. وتقدَّم الكلام للدردير في القِسْمَة أنه قال: وكُرِهَ أخْذُ الأجْرة، ومنع إن رزق عليه في بيت مال. فراجِعْه إن

стр. 1147

شئت. قوله: ولْيُمْلِل الذي عليه الحقُّ، هذا اقتباس من بعض الآية الكريمة في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. [البقرة: ٢٨٢] الآية، اقرأ إلى آخر الآية، وقد ختم هذه المسائل بذكر هذه الآية لِما فيها من الأحكام في الديون والآجال ومسائل البيوع وما شاكل البيوع، وهي أطول آية في القرآن والله أعلَم. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بالتنازع والمسائل المتقدّّمة انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام العَتْقِ والولاء والكتابة والتدبير والاستيلاء، وما يتعلَّق بجميع ذلك مفصّّلأاً ومبيَّنًا كلا في محله فقال رحمه الله تعالى:

стр. 1148

كتاب العتق والولاء والكتابة والتدبير والاستيلاء أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام العَتْق وما عطف عليه. العَتْق لغة: الخلوص؛ وعُرْفًا: خلوص الرقبة من الرَّق بصيغة، وهو مندوب إليه مرغب فيه؛ لقوله ﷺ مَنْ أعْتَقَ رقبة أعْتَقَ الَّه بكلَّ عُضْوٍ منها عُضْوًا من أعضائه من النار حتى الفَرْج بالفَرْج أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد أعْتَقَ ﷺ ثلاثًا وستين رَقَبة. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: هذا العدد لا مفهوم له وإلاَّ فقد ثبت في الصحيح أنه أعتق من هوزان ستة آلاف نسمة اهـ. قال رحمه الله تعالى: "يَصِحُّ العِتْقُ مِنْ كُلَّ مُكلَّفِ جَائِز التَّصَرُّفِ ابْتَدَأَهُ أَوِ اخْتَارَ سَبَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ" يعني يصحُّ لمالك الرقبة بإرْثٍ أو غيره عَتقَها ابتداءًا أو اختار سببه بشروطٍ وأركانٍ ثلاثة، قال ابن جزي ف يالأركان: الأول: المُعْتِق وهو مالك للعبد مالك أمْرَ نفسه ليس بمريض ولا أحاط الدَّيْن بمالِهِ، فأمَّا المريض فيصحُّ عَتْقُه، ويكون في الثُّلُث من ماله، فإن وَسِعَه الثُّلُث عُتِقَ جميعه وإلاَّ عُتِقَ ثُلُثه، وإن كان عليه دَيْنٌ مستغرق لمالِهِ لم يُعْتَقْ منه شيئ. الثاني: المُعْتَق وهو كل إنسان مملوك لم يتعلَّق بعينه حقُّ لازم. الثالث: الصيغة وهي نوعان: صريح وهو لفظ الإعتاق والتحرير وفكُّ الرقبة. وكناية كقوله: قد وهب لك نفسك، أو لا سبيل لي عليك، أو اذهب واعزب، فلا تعمل إلاَّ باقتران النيّة فينوي السيَّد فيما أراد. اهـ. باختصار. قال رحمه الله تعالى: "فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ سَرَى فِي جَمِيعِهِ" يعني كماف ي الرسالة: ومَنْ أعْتَقَ بعض عَبْدِهِ استتمَّ عليه. قال شارحها: أي بحُكْم حاكم، على المشهور الذي اقتصر عليه العلاّمة خليل حيث قال: وبالحُكْمِ جميعه إن أعْتَقَ جزءًا والباقي له. وعبارة

стр. 1149

ابن جزي في القوانين: وأمَّا تبعيض العَتْقِ فَمَن أعْتَقَ بعض عَبْدِه أو عضوًا منه عُتِقَ سائره عليه، وفي عَتْقِهِ بالسراية أو بالحُكْم روايتان اهـ. والمعنى: أن مَنْ أعتقَ جزءًا ولو يدًا أو رجلاً من عَبدِه الذي يملك جميعه فإن الباقي يُعْتَقُ عليه بالحُكْم، سواء كان موسِرًا أو معسِرًا. قوله: بعض عَبْدِ، يشمل القِن المحض والمدبر والمعتق إلى أجل وأُمّ الولد والمكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وإنَّما يلزم ذلك إذا كان المُعْتِق مسلِمًا مكلَّفًا رشيدًا لا دَيْنَ عليه يَرُدُّ العبد أو بعضه. وأمَّا لو أعتق الكافر عَبْدَه الكافر فَلَهُ الرجوع فيه إلاَّ أن يسلِم أحدهما أو يبِين العبد عن سيَّده اهـ. النفراوي. قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإنْ كانَ مُشْتَرِكًا وَهُوَ وسِرٌ قُوَّمَ عَلَيْهِ بَاقيهِ في رَأْس مَالِهِ صَحِيحًا وَفِي ثُلُثِهِ مَريضًا وَإِنْ أبِقَ العَبْدُ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ الشَّريكُ عِتْقَ نَسِيبِهِ مُنجّّزًا لاَ كِتَابَةً أَوْ تدْبِيرًا إلاَّ فِي إِعْسَارِ الأَوَّلِ إذْ لا تَقْويمَ كَمَوْتِهِ أَوْ يُسْرِهِ بَعْدَ الحُكْمِ بِعُسْرِهِ وَفِي يُسْرِهِ بِبَعْضِ قِيمَتِهِ يُقَوَّمُ عَلَيْه بِقَدْرِهِ لاَ بِإرْثِهِ" يعني كما في الرسالة قال: وإن كان لغيره معه فيه شركة قُوَّم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم يُقام عليه وعتق، فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقًا. وقال شارحها: والمعنى أن مَنْ أعْتَقَ نصيبه من عبدٍ مشتركٍ بينه وبين غيره فإنه تقوَّم عليه حصّة شريكه بشروط ستة: أحدها: أن يدفع القيمة بالفعل لشريكه يوم الحكم بالعَتْق. ثانيها: أن يكون المُعْتِق مسلِمًا أو العبد فلو كان العبد والشريكان كفرة فلا تقويم، وكذا لو كان المُعْتِق ذِمَّيًّا والعبد كذلك وغير المُعْتِق مسلِمًا. ثالثها: أن يعتق الشريك باختيراه لا إن ورث جزءًا من أبيه فلا تقوَّم عليه حِصّة شريكه. رابعها: أن يكون المُعْتِق هو الذي ابتدأ العتق لأنه الذي أبد الرقبة، وأما لو كان العبد حرًا لبعض قبل العتق فلا تقوم عليه حصة شريكه، كما لو كان العبد مشتركًا بين ثلاثة أملياء وأعتق أحدهم نصيبه ابتداءًا وتبعه الثاني بإعتقاء حِصَّته وامتنع الثال ثمن العَتْق فإن حِصَّته تقوَّم على الأوّل،

стр. 1150

إلاَّ أن يرضى الثاني بتقويمها عليه، فلو كان المبتدي العَتْق معسِرًا لم تُقَمْ حِصّة الثالث على الثاني إلاَّ برضاه، وأمَّا لو أعتقا معاً أو مترتبًا وجهل الأول قوَّمت حِصّة الثالث عليهما أن أيسرَا وإلاَّ فعلى الموسِر منهما. خامسها: أن يكون المعتِق موسِرًا بقيمة حِصّة الشريك، فإن أيسر ببعضها عَتَقَ منها بقدر ما هو موسر به، والمعسَر به لا تقوَّم عليه ولو رضي شريكه باتباع ذِمَّته. سادسها: أن تكون تلك القيمة التي يُشْتَرِطْ يُسْرُه بها أو ببعضها زائدة على ما يترك للمفلس. اهـ. النفراوي باختصار على ما تلخَّص من كلام خليل. وإليه أشار رحمه اللَّه تعالى بقوله: "فَلَوْ أَعْتَقَ اثْنَانِ قُوَّمَ نَصِيبُ الثَّالِثِ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهمَا ولَفِي تَعَاقُبِهِمَا يُقَوَّمُ عَلَى الأَوَّل كَإِعْسَارِ أَحَدِهِما وَالْحَمْلُ يَتبَعُ أُمَّمه: يعني أنه تقدَّم آنفًا قول النفراوي: إنه لو كان العبد مشتركًا بين ثلاثة أملياء وأعْتَقَ أحدهم نصيبه ابتداءً وتبعه الثاني بإعتاق حِصَّته وامتنع الثالث من العَتْق وهو ملئ قُوَّم نصيب الثالث على الأول وحده؛ لأنه الذي ابتدأ العَتْقَ في الرقبة، هذا إن كان إتاق الثاني بعد إعتاق الأول، وإلاَّ بأن كان إعتاقهما في وقت واحد قُوَّمت حِصَّة الثالث عليهما على قدر حِصَصِها لا على رؤوسهما، فإن كان لأحدهما نِصْفه وللثاني ثُلُثه وللثالث سُدْسه وأُعْتِق الأول والثاني دفعة فعلى الأول ثلاثة أخماس سُدْس قيمته، وعلى الثاني خُمْسَاه إن أيسرا وإلاَّ أي وإن لم يكونا موسَرَيْن بأن كانا معسَرَيْن فلا تقويم، وإن كان أحدهما موسِرًا ولاآخر معسِرًا فعلى الموسِر منهما اهـ. بتوضيح. قوله: والحمل يتبع أمّة هذا إذا كان حَمْلاً ظاهرًا. قال ابن جزي: فرع: يلزم عَتْقُ الجنين في بطن أمَّه إذا كان الحَمْل ظاهرًا، واختُلِفَ إذا كان غير ظاهر. وفي الرسالة: ومَنْ أعْتَقَ حامِلاً كان جنينهاحرًّا معها. قال شارحها: ولا يصحُّ استثناؤه لأن كل ولد حدث من غير مِلْك يمين فإنه تابع الأمَّة في الحريَّية والرَّقّية؛ لأنه لا يوجد في الأصول حرَّة حامِل برقيق إلاَّ على جهة الندور، وإنَّما توجد أمَة حامل

стр. 1151

بحرَّ، ولأن الحرَّية مسّتْه وهو في بطنها وهو كعُضُوٍ من أعضاءها فوَجَبَ أن يُعْتَقَ بِعَتْقِها وسيأتي كلام المصنَّف ي قوله: ويتبع المُعْتِق مالُهُ إلى أن قال: وأَمَتُهُ الحامِلُ لا جنينها وأولادُهُ، أي فلا يُعْتَقون بعَتْقِهِ فتُرَقُّ به؛ لأن تلك المسألة كالمسْتثنى من قولهم: وكل ذات رَحِم فولدها بمنزلتها. قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَوْ قَالَ: ثُلُثُ عَبِيدِي أَحْرار عُدَّلُوا بِالْقيمَةِ وَأَعْتَقَ ثُلثُهم بِالْقُرْعَةِ خَرَجَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ" يعني كما قال عبيدًا له ستَّة عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثُلُث تلك العبيد قال مالك: وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مالٌ غيرهم اهـ. وعنه أيضًا أنّ رجلاً في إمارة أبان بن عثمان بتلك الرقيق فقَسَّمَتْ أثلاثًا ثم أسهم على أيَّهم يخرج سهم الميت فيُعْتَقون فوقع السهم على أحد الأثلاثِ فعَتَقَ الثُّلُث الذي وقع عليه السهم اهـ. ومثله ي المدوَّنة. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطْ مِلْكِهِ أَوْ أَجَلٍ يَبْلُغُهُ وَلِيْسَ لَهُ وَطْءُ المُعْتَقَةِ إِلى أَجَلٍ: يعني أنه يصحُّ تعليق العَتْقِ علىش رط مِلْك الرقبة في مستقبل، كأن يقول: إن ملكت رقبة فلان فهو حرّ، وبمجرَّد تملكه إيّاه صار فلان حُرًّا كتعليق الطلاق بالعقد، وكذلك يصحُّ العَتْقُ بِتَعْليقه إِلى أجل يبلغه فيؤخَّر إليه، بخلاف الطلاق فلا يؤخَّر بن ينجز عليه بمجرَّد النطق به. قال الخرشي: أي فلا يستوي باب العَتْق وباب الطلاق في هذه المسائل، منها إذا طلَّق زوجته إلى أجَل يشبه بلوغهما عادة فإنه ينجز عليه من الآن؛ لئلا يلزم على عدم التنجيز نِكاح المتعة، بخلاف ما إذا أعْتِقَ إلى أجَل معلوم فإنه لا يُعْتَق إلاّ إلى ذلك الأجل، ويمنع السيَّد من البيع والوَطْءِ إلى

стр. 1152

ذلك الأجَل، وله الخدمة إليه فقط اهـ. وفي الرسالة: ولا يطأ المُعْتَقَة إلى أجَل ولا يبيعُها وله أن يستخدمها وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجَل أي بكشهر فيحرُم عليه انتزاعه، وأمَّا ما كان من خراجها وكَسْبِها وأرْش جناية عليها فلَهُ انتزاعه وإن قرب الأجَل اهـ. بتوضيح من النفراوي. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَه مِنْ خِدْمَةِ نَفْسِهِ بِقِسْطِهَا وَلاَ يَنْتَزعُ مَالُهُ وَأَحْكَامُهُ كالْقِنَّ وَمِيرَاثُهُ لِمَالِكِ بَاقِيهِ: يعني أن من كان بعضه حرًّا وبعضه عبدًا فلَهُ خدمة نفسه في البعض الذي من جهة الحرية، ويخدم مالك الباقي من جهة الرَّقيّة، ولا ينتزع ماله، وأحكامه وميراثه كالقِنّ. قال في المدوَّنة: قلتُ: أي لابن القاسم: أرَايتَ عَبْدًا نِصْفه رقيق ونِصْفه حرّ، باع السيَذد المتمسَّك بالرَّق نصيبه منه، أيكونله أن يأخذ من مالِهِ شيئًا أم لا؟ في قول مالك قال: قال لي مالك: أيما عبد كان نِصْفه عبدًا ونِصْفه حرًّا فأراد سيَّده الذي له فيه الرَّق أن يبيع نصيبه منه فإن يبيعه على حاله، ويكون المال موقوفًا في يَدَي العبد، ويكون الذي ابتاع العبد في مال العبد بمنزلة سيَّده الذي باعه، وليس للذي اشتراه ولا للذي باعه أن يأخذ من مالِهِ شيئًا، ف إن عَتَقَ يومًا كان جميع مالِهِ له، أو يموت فيكون المال للذي له فيه الرَّق، ولاي كون للذي أعْتِقَ من ماله الذي مات عند العبد قليل ولا كثير؛ لأنه لا يورث بالحرَّية حتى تتمَّ فيه الحرَّية عند مالك: قلت: ولِمَ جعل مالك المال موقوفًا في يَدَي العبد ولم يجعل لمتمسَّك بالرَّق ألاَّ يأخذ من مالِهِ شيئًا؟ قال: لشركة العبد في نفسه وللعَتْقِ الذي دخله فماله موقوف إن عتق تبعه ماله وإن مات قبل أن تتم حخريته كان سبيله ما وصفت لك عند مالك اهـ. "وَيَتْبَعُ المُعْتَقَ مَالُهُ إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ سَيَّدُهُ وَأمَتُهُ الحامِلُ لاَ جَنِينُهَا وَأَوْلاَدُهُ" يعني أن مال المُعْتَق تابع له بعد العَتْق، إلاَّ أن يستثنيه السيَّد قبل عَقْدِ العَتْق. قال في الرسالة: ومالُ العبد له إلاَّ أن ينتزعه السيَّد فإن أعتقه

стр. 1153

أو كاتبه ولم يَستثن مالَهُ فليس له أن ينتزعه اهـ. وفي القوانين: فرع: للسيَّد أن ينتزع مال عبده ومال المُعْتِق إلى أجَل ما لم يقرب الأجَل، وليست السنّة قربًا، ومال أمَّ الولد والمدبر ما لم يمرض فإذا أُعْتِقَ العبد تبعه مالُه، إلاَّ أن يستثنيه سيَّده بِبَيَّنةٍ فإن لم تكن إلاَّ دعواه لم يصدق وكان القول قول العبد مع يمينه وله رد اليمين اهـ. وحاصل ما في المذهب كما في الموطَّأ عن مالك عن ابن شهاب أنه سمعه يقول: مضت السنّة أن العبد إذا أُعتق تبعه مالُهُ. قال مالك: ومما يُبَيَّنُ ذلك أن العبد إذا أُعتِق تبعه مالُهُ أن المكاتب إذا كوتب تبعه مالُهُ وإن لم يشترطه المكاتَبُ، وذلك أن عقد الكتابة هو عقد الولاءِ إذا تَم ذلك، وليس مالُ العبدِ والمكاتب بمنزلة ما كان لهما من ولد، إنَّما أولادُهما بمنزلة رقابهما ليسوا بمنزلةِ أموالهما؛ لان السنّة التي لا اختلاف فيها أن العبد إذا عُتِقَ تبعه مالُهُ ولم يتبعه ولدُهُ وأن المكاتب إذا كوتب تبعه مالُهُ ولم يتبعه ولده. قال مالكٌ: وممَّا يُبَيَّنُ ذلك أيضًا أن العبد والمكاتَب إذا أفلسا أخِذت أموالهما وأُمهات أولادهما ولم تؤْخذ أولادهُما؛ لأنهم ليسوا بأموال لهما. قال مالك: وممَّا يبيَّن ذلك أيضًا أن العبد إذا جرح أُخِذَ هو ومالُهُ ولم ي﴾ خذ ولده اهـ. وقول المصنَّ: وأمَتُه الحامل معطوفة على يتبع. فالمعنى: أنّ أمَة المعتوق إذا كانت حاملة تبعت ماله إذا لم يشترط السيَّد مال عبده المُعْتَق، ف إذا أعتَقَها سيَّها المُعْتَق صارت حرّةً دون جنينها، وكأنه ﵀ قال: ويتبع المُعْتَق مالُهُ وأَمتُهُ الحالم لا جنينها ولا أولاده، فغنهم أرقّاء للسّيَّد المعتِقِ لأبيهم، ولا غرابة أن تكون الحرّة حاملة برق في بطنها. قال خليل في توضيحه: قد وجدت حرّة حاملاً بعبد، وصورتها: أن يكون عبد وَطِئ جاريته فحَمَلَتْ منه وأعْتَقَها لوم يَعْلَمْ سيَّده بعَتْقِهِ حختى أعتقه ولم يستثن مالَه فعَتْقُ الأمَة ماضٍ ومقصود عليها وتصير حرّة والولد في بطنها رقيق لسيَّد أبيه اهـ. نَقَلَه النفراوي عنه، انظره إن شئت

стр. 1154

وفيه زيادة إيضاح. قال مالك في الأمَة تُعْتَقُ وهي حامل وزوجها مملوكُ ثم يثعْتَقُ زوجُها قبل أن تضع حَمْلَها أو بعدما تضع: إنّ ولاء ما كان في بطنها للذي أعْتَقَ أُمَّهُ، لأن ذلك الولد قد كان أصابه الرَّقُّ قبل أن تُعتق أُمُّهُ، وليس هو بمنزلة الذي تَحْمل به أُمُّهُ بعد العتاقة؛ لأن الذي تَحْمل به أمه بعد العتاقة إذا عُتِقَ أبوه جرَّ ولاءَهُ. قال مالك في العبد يستأذِنُ سَيَّدَهُ أن يعتق عَبْدًا له فيأْذَنَ له سيَّدُهُ: إنَّ ولاءَ العبد المعتق لسيَّ العبد لا يرجع ولاؤُه لسيَّده الذي أعتقه وإن عُتِق اهـ. قاله في جرَّ العبد الولاء. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَعْتِقُ بِالنَّسَبِ عَمُدَاهُ وَإِنْ بَعُدَ وَالإِخْوَةُ والأَخوَاتُ لاَ غَيْرُ" يعني كما في الرسالة قال: ومَنْ ملك أبوَيْه أو أحدًا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جدّه أو جدّته أو أخاه لأُمَّ أو لأبٍ أو لهماجميعًا عُتِقَ عليه. قال خليل: وعُتِقَ بنفس المِلْك الأبوان وإن علَوْا والولد وإن سفل والإخوة ولاأخوات ولو لأُمًّ. قال النفراوي: والمعنى أن الشخص إذاملك أصله وإن علا أو فرعه وإن سفل أو حاشيته القريبة فإِنه يُعْتَقُ عليه بمجرَّد المِلْك، ومحل العَتْق: حيث كان المالك والمملوك مسلمين، وكذا إن كان أحدهما مسلِمًا، ولابدَّ أن يكون المالك رشيدًا، ولا فرق ... في المِلْك بين أن يكون بالبيع الصحيح البتّ اللازم أو بالهبة أو الصّدَقة إن عَلِمَ المُعطِي بالكسر أو قبل المُعطَى بالفتح والولاءُ للمُعطَى بالفتح، ولا فرقَ مع عِلْم المُعطِى بالكسر بين أن يكون المُعطَى بالفتح دَيْنًا أم لا. والضابط أنه إن عُتِقَ لِعِلْم المُعَطي لعدم قبول المُعطَى بالفتح لا يُباع في دَيْنٍ ولا غيره، وأمَّا إن عُتِقَ لقبول الموهوب له فإن كان عليه دَيْنٌ فإنه يُباع فيه، وحيث لاَ قبول فلا يُباع ولو كان عَليه دَيْن، وأمَّا المملوك بالإرث أو الشراء فمحلّ عَتْقِهِ حيث لا دَيْن وإلاَّ بِيع فيه. قال خليل: لا بإرث أو شراء وعلهي دَيْن فيُباع. وقوله: ويُعْتَقُ بالنسب عموداه إلخ احتراز عن مالك أبوي الرَّضاع أو أولاد الرَّضاع أو الإخوة منه فلا عَتْقَ على المشهور. اهـ. باختصار.

стр. 1155

قال رحمه اللَّه تعالى: "وَمَنْ قَصَدَ الْمُثْلَةَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْفِعْل وُقِيلّ بِاْحُكْم" يعني أن مَنْ قصد أن يمثَّل بعبده مُثْلَة فإنه يَعْتِقُ عليه بالحْكْم إذا فعل، وقيل: بمجرَّد الفعل عَتَقَ عليه لا يتوقف إلى حُكْمِ حاكم، والأول أصحُّ. قال ابن جزي: ولا يُعْتَقُ بالمُثْلة إلاَّ بالحْكْم. وقال أشهب: بالمُثْلة يصير حرًّا. قال في الرسالة: ومَنْ مثَّلَ بعبده مُثْلَة بيَّنة مِن قطع جارحة ونحوه عَتَقَ عليه. وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: جاء سندر مستصرخًا إلى النبي ﷺ فقال: ويْحضك ما لك؟ فقال سندر: أبصر لسيَّده جارية فغار فجبَّ مذاكريه وقَطَعَ أنفه وأذنَيْه، فقال رسول اللَّه صلى لله عليه وسلم "عليّ بالرجل"،لآ فطلب فلم يقدر عليه، فقال رسول الله ﷺ : "اذهب فأنت حرُّ"، فقال: يا رسول اللذَه على من نصرتي؟ فقال: على كل مؤمن أو على كل مسلِم اهـ. وعبارة المدوَّنة لهذا الحديث قال: كان لزنباع عبد يسمّى سندرًا أو ابن سندر فوجده يقبَّل جارية له فأخذه فجَبَّه وجَدَعَ أذُنَيْه وأنْفَه، فأتى إلى رسول الله ﷺ فأرسل إلىزنباع فقال: لا تحمَّلوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم ممَّا تأكلون واكسوهم ممَّا تلبسون، وما كرهتم فبيعنوا، وما رضيتم فأمسكوا، ولا تعذَّبوا خَلْقَ اللَّه، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ مَثّل بعبده أو أحرق بالنار فهو حرٌّ وهو مولى الله ورسوله"، فأعتقه رسول الله صلى الله ﵊ قال: يارسول الله أوصِ بي فقال: أوصي بك كل مسلِم اهـ. وفيها أن زنباعًا كان يومئذ كافرًا. قال خليل: وبالحكم إن عَمَدَ لشين برقيقه أو رقيق رقيقه أو لود صغير. قال الخرشي: والمعنى أن المسلِم المكلَّف الحرَّ الرشيد إذا عَمَدَ العقوبة أي المثلة وهي المراد بالشين - ويدلُّ على قصدها القرائن - برقيقة أو رقيق رقيقة فإنه يَعْتِقُ عليه، أو لا بدّ من الحكم عليه بالعَتْقِ على لمشهور، ولا يتبعه مالُهُ، قال فيها: مَنْ مثَّل بعبده أو بأمَّ ولده وبمدبره أو بعبد لعبده أو لمدبره أو لأمَّ ولده عتقوا عليه اهـ. باختصار. ولمَّا أنهى الكلامعلى ما تلَّق بالعَتْقِ انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام الولاء فقال رحمه اللَّه تعالى:

стр. 1156

فَصْلٌ في الولاء أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الولاء بفتح الواو والمد من الولاية بفتح الواو، وهو من النسب والعَتْق، وأصله من الولي وهو القرب، والمراد هناولاية الإنعام والعَتْق، وسببه زوال المِلْك بالحريَّة، فمَنْ زال مِلْكه بالحرّية عن رقيق فهو مواله، وهي ولاية العَتْق، وحُكْمُها العصوبة وهي تفيد الميراتث للمُعْتَق لِمَن عَتَقَ لا تُباع ولا توهب؛ لان النبي صلى لله عليه وسلم نهى عن بَيْع الولاء وهِبَتِه، لأنه لحمة كلحمة النسب، ولذا قال رحمه الله تعالى: "وَالْوضلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْ عَتَقَ عَنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَصحُّ نَقْلُهُ" يعني أن الولاء لِمَن أعْتَق أو أعْتَقَ عنه. قال مالكف يالعبد يبتاع نفسه من سيَّده على أن يوالي مَنْ شاء: إن ذلك لا يجوز وإنَّما الولاء لَمَن أعتق، ولو أن رجلاً أذِن لمواله أن يوالي من شاء ما جاز ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لِمَن أعْتَق"، ونهى رسول اللَّه ﷺ بَيْع الولاء وعن هِبَتِهِ، فإذا جاز لسيَّده يشترط ذلك له وأن يأذَن له أن يوالي مَنْ شَاء فتلك الهِبَة اهـ. ومَنْ أعْتَقَ عَبْدًا عن رجل فالولاء للرجل أي الذي أعْتَقَ عنه ولو بغير إذْنه؛ لأن التسرع يقدر دخوله في مِلك مَنْ أعْتَقَ عنه، وشرط كونه للمُعْتَق عنه كونه حرًّا مسلِمًا، أمّا إن كان رقيقًا فإن ولاء أعْتَقَ عنه لسيَّده، وإن كان كافرًا يكون ولاء الذي أعْتَقَ عنه مسلِماً للمسلمين، لأن الكافر لا ولاء له على مسلِم. اهـ. الرسالة بطرف من النفراوي. ثم قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلَيْسَ لِنَّسَاءِ مِنْهُ إِلاَّ مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعتَقْنَ أَوْ جَرَّه إليهن" يعني أنالنساء لا يَرِثْن ولاء موروثهن لكن يَرِثْنَ ولاء ما أعتقن وولاء من يجرُّ مَنْ أعْتَقَ قال في الرسالة: وولاءُ ما أعتقت المراة لها، وولاء من يجرُّ من ولدٍ أو عبدٍ أعتقته، ولا تَرِثُ خما أعتق غيرها من أبٍ أو ابن أو زوج أو غيره اهـ. قال خليل: ولا تَرُث

стр. 1157

أُنثى إن لم تباشره بعَتْقٍ أو جرّه ولاء بولادة أو عتق. وقال فيها أي المدوَّنة: ولا يَرثُ النساء من الولاء إلاّ ما أعْتَقْنَ أو أعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ أو ولد من أعْتَقْنَ من ولد الذكور ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا شيئ لهن في ولد البنت ذكراً كان أو أنثى فافْهَم ذلك اهـ. وفي القوانين: لا ينجز ميراث الولاء إلى المرأة، وإنَّما تَرِثُ بالولاء مَنْ أعْتَقَتْه أو مَنْ أعْتَقَتْ مَنْ أعْتَقَه إن عدم مَنْ أعْتَقَه أو ذرية مَنْ أعْتَقَه أو مَنْ أعْتَقَه مَنْ أعتَقَتْه لا مَنْ أعْتَقَه موروثها اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَالإرْثُ بِهِ لِلْعَصبَةِ فَيُقَدَّمُ الابْنُ عَلَى الأَبِ والأخِ وابْنُهُ عَلَى الْجَدَّ وَالْجَدُّ عَلَى الْعَمَّ ثُمَّ الأقْوَى فَالأقْوَى" يعني أن الإرث في الولاء للعصبة، وقد عقد العلاّمة ابن جزي في قوانينه فصْلاص في بيان ترتيب الموالي في الإرْث بالولاء فقال: المولى الأعلىهو مُعتِقُ العبد بأيَّ نوع من أنواع العَتْقِ أعْتَقَه أو مُعْتِقُ أبيه أو جدّه أو أمه وهو وارث المولى الأسفل العتيق ووارث أولاده وأحفاده ووارث كل من أعتقه العتيق أو مَنْ أعْتَقَه عتيق العتيق على الترتيب الذي نذكره، وذلك أنه إذامات عَبْدٌ بعد أن عُتِقَ فإن كان له عصبة ورثته عصبته دون مولاه، فإن لم تكن له عصبة ورثه مولاه، وهو المعتِقُ أو معتق المعتق في عدم المعتق فإذا انفرد أخذ المال كلَّه، وإن كان مع ذوي سهام أخذ ما يفصل عنهم فإن كان المتوفّى حرًّا في الأصل غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ أباه، فغ، كان أبوه حرًّا غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ جدّه، وهكذا ما ارتفعوعلا، فإن لم يكن في آبائه عتيق لم يَرِثْه موالي أُمه إلاَّ إن كان منقطع لنسب كولد الزَّنا والمنفي باللَّعان أو كان آباؤه كفارًا فحينئذٍ يرثه موالي أُمه إن كانت مُعْتَقَة، فإن كانت حرّةً غير مُعْتَقَة كانالولاء لموالي أبيها، فإن لم يكن أبوها عتيقًا لم يَرِثْه موالي أُمها إلاَّ إن كانت هي منقطعة النسب. وهكذا ترتيب الموالي أبدًا فيما علا من الآباء والأُمّهات اهـ. قال النفراوي في الفواكه: والحاصل أنَّ أوْلَى الناس بميراث الولاء عند عدم القرابة المُعْتِق ثم أولاده

стр. 1158

الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المُعْتِق فأبوه، فإن عدم أبوه فإخوته الأشقاء ثم الذين للأب ثم بنو الإخوة الأشقاء ثم بنو الإخوة للأب ثم بنوهم وإن نزلوا، فإن استَوَتِ الدرجة فالشقيق أوْلَى، فإ، عدمت إخوة المُعتِق وبنوهم فجدّ المُعْتِق، فإن لم يكن جدّ فالأعمام، وهم في الترتيب كالإخوة، ثم بعد انقراض أقارب المُعتِق مُعْتِقُ المُعْتِق، فإن لم يوجد مُعْتِقُه انتقل الحُكْمُ لعصبة مُعْتِقه إن كان له استحقاق وإلاَّ كان للمسلمين، مثاله: لو أعتقت امرأةٌ عبدًا ولها ابن من زوج غير قريب لها فإذا ماتت المرأة كان ولاء مَنْ أعتقته لابنها، فإذا مات ابنها لم يَرِثْ ابنه ما أعْتَقَتْه أُمّه بالولاء عند الأئمة الأربعة، ويكون ميراثه للمسلمين وهو من جملتهم، وخبر: مَنْ مات عن حقّ فلوارثه، غير معروف، والمراد بالعاصب الذي يُرِثُ الولاء: العاصب بالنفس لا بغيره ولا مع غيره، فلا تَرِثُ الأمّ مع الأبِ ولا الأخت مع الأخ ولا الأبُ مع الابن ولا البنت مع الابن اهـ. فتأمّل. قال رحمه الله تعالى: "وَوَلاءُ السَّائِبَةِ وَالمَنْبُوذِ والْمُعْتَقِ فِي الزكّاةِ لِلْمُسْلِمِينَ" وفي نسخة: السابية بدل السائبة، والأصحُّ ما قرَّرْناه، يعني أن ولاء السائبة وما عطفت عليه لجماعة المسلمين لا يختصُ به أحد عن أحدٍ؛ قال مالك في الموطَّأ: إن أحسن ما سُمِع في السائبة أنه لا يوالي أحدًا، وأنّ ميراثه للمسلمين وعقله عليهم. ومعنى السائبة: هو الذي قال له سيَّده: أنت سائبة أو سيبتك قاصدًا بذلك العَتْق، وكذلك لَفْظُ أنت حُرٌّ عن المسلمين يكون ميراثه لهم، وكما يرثنه يعقلون عنه ويلون عقد نكاحه إن كان أنثى ويحضنونه. اهـ. النفراوي بتصرف واختصار. قال رحمه الله تعالى: "وَيَرْجِعُ وَلاَءُ الكَافِرِ يُسْلِمُ لِمَوْلاَه كالْمُكاتَبِ يَعْتِقُ ثُمَّ يَعْتِقُ بِأَدَاءٍ" يعني كما في الخرشي: أن الكافر إذا أعتق عبده ثم أسلمَ العبد فإنَّ ولاءه ينتقل للمسلمين من عصبة سيَّده النصراني، فإن أسلمّ سيَّدُه الذي

стр. 1159

أعتقه بعد ذلك فإنّ الولاء يعود إليه. والمراد بعود الولاءِ هنا إنَّما هو الميراث فقط، وإلاَّ فالولاء ثابت لا ينتقل؛ لأن الولاء كالنسب فكما لا تزول عنه الأبوّة إن أسلَم ولده فكذلك الولاء اهـ. ومثله في المدوَّنة انظر الموّاق. قوله: كالمكاتب تشبيه في رجوع الولاء لِمَن أعْتَقَ، يعني أنّ المكاتب إذا أعْتَقَ عَبْدَه قبل أداء ما عليه من الكتابة ثبت العَتْق، فإذا أدّى ما عليه من الكتابة وصار بذلك حُرًا رجع إليه ولاء الكتابة الذي عُتِقَ؛ لأن الولاء لَمَن أعْتَقَ بشرط الإسلام، ولذا نبَّه رحمه اللذَه تعالى فقال: "بِخِلاف الذَّمَّيَّ يَعْتِقُ مُسْلِمًا ثمَّ يُسْلِمُ وَالْعَبْدُ يُعْتَقُ ثُمَّ يَعْتِقُ والْمُوَالاةُ بَاطِلَةٌ" يعني أن الذَّمّي إذا أعْتَقَ مسلِمًا ثم أسلم الذَّمّي فلا يرجع الولاء إليه؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين، ولا ينتقل إلى الذي أعتقه وإن أسلَم. قال مالك في الموجطَّأ في اليهودي والنصراني يسلِم عبدُ أحدهما فيعتقه قبل أن يُباع عليه: إنّ ولاء العبد المُعْتَق للمسلمي، وإن أسلَم اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَق اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَقَ اليهودي أو النصراني عَبْدًا على دينهما ثم أسلَم المُعْتَقُ قبل أن يُسلِم اليهودي أو النصراني الذي أعتقه ثم أسلَم الذي أعتقه رجع إليه الولاء؛ لأنه قد كان ثبت له الولاء يوم أعْتَقَه. قال مالك: وإن كان لليهودي أوالنصراني ولَدٌ مسلِمٌ وَرَثَ موالي أبيه اليهودي أوالنصراني إذا أسلَم المَوْلى المُعْتَقُ قبل أن يُسلِمَ الذي أعْتَقَه، وإن كان المُعْتَقُ حين أعْتَقَ مسلِمًا لم يكن لولد النصرانيَّ أو اليهوديَّ المسلمين منولاء العبد المسلِم شيئٌ، لأنه ليس للهوديَّ ولا للنصراني ولاءٌ فولاءُ العبد المُسِلم لجماعة المسلمين اهـ.". قال رحمه اللذَه تعالى: "وَلاَ يَجُرُّ الْوَلاءَ إِلاَّ أَبٌ أَوْ جَدٌّ كَمُعْتَقٍ وَلَدُهُ عَبْدٌ فَوَلاءُ أَوْلاَدِهِ لِمُعْتِقِ أبِيهِ فَإذَا أَعْتَقَ جَرَّهُ إِلَى مَوَالِيهِ كالْعَبْد يَتَزَوَّجُ عَتِيقَة فَوَلاَءُ أَوْلاَدِهَا لِمَوَالِيهَا فَإِذّا عَتَقَ أَبُوهُمْ جَرَّه لِمَوَاليه" هذه الجملة تقدَّم الكلام في معناها في إرث العصبة عند قول المصنَّف: والإرث به للعصبة وإلى ذلك أشار الإمام في الموطَّأ

стр. 1160

بقوله: الأمر المجتمع علهي عندنا في ولد العبد من امرأةٍ حرّة وأبو العبد حرٌّ أنّ الجدّ أبا العبد يجرُّ ولاءَ ولد أبنائه الأحرار مِن امرأةٍ حُرَّةٍ يرثهم ما دام أبوهم عَبْدَا، فإن عتَقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبدٌ كان الميراثُ والولاءُ للجدّ، وإن كانالعبد له ابنان حرّان فمات أحدهما وأبوه عبدٌ جَرَّ الجدّ أبو الأبِ الولاء والميراث اهـ. فراجِعْه في إرْثِ العصبة إن شئت. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الولاء ومامعه من المسائل انتقل يتكلم على الكتابة وممّا يتعلَّق باحكامها فقال رحمه اللَّه تعالى: فَصْلٌ في الكتابة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الكتابة وهي مشتقة من الكتاب بمعنى الأجَل؛ قال تعالى: كِتَابًا مُّؤَجَّلاً [آل عمران: ١٤٥] أي مضروبًا، وقوله: إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ [الحجر: ٤] أي أجَل مقدَّر، أو من الكَتب بمعنى الإلزام؛ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذينَ مِن قَبلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] وكَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نلَفسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ١٢]. ويقال في المصدر: كتاب وكتابة وكتبة ومكاتبة، قال تعالى: والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور: ٣٣]، والأمر فيها للندب أو الجواز، وعرَّفها ابن عرفة بقوله: هي عَتْقٌ على مالٍ مؤجلَّل من العبد موقوفٌ على أدائه. اهـ. الخرشي. ومثله في حاشية الصاوي على الدردير. وقد دلَّ على مشروعيتها الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى في تنزيله: فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وأمَّا السنّة فقوله ﷺ : "المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" وفي رواية: "ما بقي عليه شيئ". وأمَّا الإجماع فقد انعقدت الأمّة على جوازها بل على ندبها. قال خليل: ندب مكاتبة أهل التبرُّع وحط جزءٍ آخر ولم يُجْبَر العبد عليها اهـ. وفي الرسالة: والكتابة جائزة على ما رَضِيَه العبد
следующие страницы →