والعشاء، وحكمه الجواز. قال مالك في المدونة: لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر إلا أن يجد به السير فإذا جد به السير جمع الظهر والعصر، ويؤخر الظهر حتى يكون في آخر وقتها ثم يصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى تكون في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصليها في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصلي العشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق اهـ. ومثله في الرسالة، ونصها: وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ اهـ. قال العدوي: قوله فيجمع في إلخ. . هذا جمع صوري لا حقيقي؛ هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا صليت فيه كل صلاة في وقتها اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب تعجيل الإياب إلى أهله ودخوله صدر النهار لا طروقهم ليلا " أي يندب للمسافر أن يعجل الرجوع إلى وطنه بعد قضاء أوطاره ومهمته، ويستحب له أن يدخل ضحى، وأن لا يطرق عليهم ليلا. وكان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين قبل دخول المنزل، ويستحب للمسافر أيضا أن يصحب معه هدية يقسمها بين الأقارب والأحباب لإدخال السرور عليهم سواء كان رجوعه من سفر التجارة أو الحج والزيارة. قال ابن عاشر رحمه الله تعالى:
وادخل ضحى واصحب هدية السرور ... إلى الأقارب ومن بك يدور
قال بعض الشراح لهذا البيت: وإذا رجعت من سفرك هذا أو غيره من الأسفار فالحكم عام ووصلت بلدك فلا تطرق أهلك ليلا إلا إذا كان عندهم علم بقدومكم فلا بأس، وإذا لم يكن عندهم علم فادخل عليهم ضحى بعد دخولكم لمسجد بلدك والصلاة فيه لتقدم حق بيت الرب على بيتك. وقبل رجوعك من سفرك اصحب هدية بقدر حالك
стр. 317
ينشأ عنها السرور للأقارب ومن يدور بك من الأحباب. وقد تم سرورك بنيل غرضك ورجوعك سالما، ولسرورهم بك وبهديتك وهي نعمة عظيمة من الله عليك فقابلها بالشكر والثناء، ولا تقابلها بكفران النعم بأن تجعل عند قدومك آلات اللهو والطرب والرقص بالعود والمزمار ونحو ذلك من المغنيات والمحرمات مما لا ينبغي أن يذكر في الكتب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان. اللهم وفقنا وإخواننا المسلمين للعمل بشريعة سيد الأنبياء والمرسلين آمين اهـ.
ومما أحدثه بعض الحجاج الجهال عدم دخول المنزل حين وصولهم بلدانهم، بل يبيتون خارج المنزل ثلاثة أيام أو سبعا لزوما وهي من البدعة المحرمة التي هي خلاف السنة. وتقدم أنه ﵊ كان إذا رجع من السفر يبدأ بالمسجد يصلي فيه ركعتين ويسلم عليه والناس، ولا يبيت إلا في منزله. وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الحديث. والسلام على من اتبع الهدى.
ولما أنهى الكلام على صلاة السفر انتقل يتكلم على صلاة الخوف، وتسمى صلاة المسايفة فقال المصنف رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في حكم صلاة الخوف
وحكمها الرخصة. واقتصر عليه الشيخ خليل في المختصر. وقيل واجبة، وهو الذي مشى عليه صاحب الرسالة في باب الجمل. وقيل سنة، ومشى عليه العلامة الدردير
стр. 318
في أقرب المسالك. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. وفي الموطأ عن مالك بإسناده: " أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوى قائما ثبت وتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون وينصرفون، والإمام قائم فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام، فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون اهـ. ومثله في الرسالة مع زيادة البيان، ونصها: وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة ويدع طائفة مواجهة العدو فيصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما، ويصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون، فيقفون مكان أصحابهم، ثم أصحابهم فيحرمون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يتشهد ويسلم، ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون. هكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين، ولكل صلاة أذان وإقامة. وإذا اشتد
الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة أو ركبانا، ماشين أو ساعين مستقبل القبلة وغير مستقبلها اهـ.
وأشار المصنف إلى جميع ذلك بقوله: " يقسم الإمام من معه فرقتين فرقة تحرس " أي تحفظ المصلين وتتوجه العدو " وفرقة تصلى معه " أي مع الإمام مستقبلة القبلة في آخر المختار على المشهور. وقيل في الضروري.
стр. 319
قال رحمه الله تعالى: " ففي الثنائية يصلي بكل طائفة ركعة، فإذا فرغ منها أشار قائما إليهم فأتموا وانصرفوا يحرسون " أي فإذا صلوا ركعة واحدة مع الإمام أشار لهم بإتمام الركعة الثانية لأنفسهم ليرجعوا إلى مكان الطائفة التي لم تصل.
قال: " وتأتي الأخرى فيصلي بهم الأخرى " أي يصلي بهم الركعة الأخرى التي هي ثانية الإمام. قال رحمه الله تعالى: " وهل يسلم " الإمام بعد تمام ثانيته مع الطائفة الثانية " أو ينتظر إتمامهم ليسلم بهم قولان " المشهور أن الإمام يسلم بمجرد إتمام صلاته ولا ينتظر شيئا بعد الإتمام كما هو معلوم بالنصوص في المذهب. وقيل ينتظرهم حتى يتموا وهو مذهب الشافعي ذكره ابن جزي في القوانين الفقهية.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي غيرها " أي غير الثنائية وهي الرباعية والثلاثية " يصلي بالأولى ركعتين فإذا تشهد أشار إليهم جالسا فأتموا وانصرفوا يحرسون " يعني إذا كانت الصلاة غير الثنائية بأن كانت ظهرا أو عصرا أو مغربا أو عشاء فإن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين فيجلس ويتشهد ثم يشير لمأموميه الذين صلوا معه بأن يتموا لأنفسهم الركعتين الباقيتين وهو جالس، فإذا أتموا وسلموا رجعوا إلى مكان أصحابهم الذين لم يصلوا. قال ﵀: " ثم تأتي الأخرى " أي ثم تأتي الطائفة الثانية التي لم تصل فتحرم خلف الإمام. ولذا قال ﵀: " فيصلي بهم ما بقي " وهو ركعتان أخيرتان بالنسبة للإمام.
قال ﵀: " وفي تسليمه وانتظارهم قولان " فالمشهور كما تقدم: في الطائفة الأولى من أن الإمام لا ينتظر إتمامهم على المشهور. فإذا سلموا قضوا ما فاتهم، فتقضي الطائفة الأولى ركعة في الثنائية أو ركعتين في الرباعية، أو ركعة كذلك في الثلاثية مطلقا بفاتحة وسورة، جهرا وسرا في السرية. فإذا سها الإمام مع الأولى سجدت الأولى بعد إكمالها صلاتها القبلي قبل سلامها والبعدي بعده، وسجدت الطائفة الثانية السجود القبلي مع الإمام
стр. 320
فإذا سلم قامت لقضاء ما عليها، وسجدت البعدي بعد القضاء هكذا يفعل الإمام والمأموم في صلاة الخوف إن أمكن تقسيم الجيش. وأما إن لم يمكن ذلك فبقدر الإمكان. وإليه أشار ﵀ بقوله: " وإن اشتد البأس " بأن لا يمكن تقسيم الجيش ولا ترك القتال
لبعض القوم " صلوا بحسب الإمكان مشاتا أو ركبانا، أو إيماء طاردين، أو مسابقين، أو مسايفين حيثما توجهوا ولا يلزمهم طرح ما تلطخ بالدم " فالمعنى أنهم يلزمهم أداء الصلاة بقدر الإمكان، سواء ماشين أو ساعين، راجلين أو راكبين، بل ولو في حالة المضاربة والمسايفة، متوجهين إلى القبلة أو غير متوجهين إليها. قال العلامة خليل في المختصر: وإن لم يمكن أخروا لآخر الاختياري وصلوا إيماء، كأن دهمهم عدو بها أي هجم عليهم. وحل للضرورة مشي وركض وطعن وعدم توجه، وكلام وإمساك ملطخ اهـ. وقول خليل وحل إلخ وكذلك حل رمي بنبل وغيرها، وكلام لغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج إليه فيما يتعلق بهم، كتحذير غيره ممن يريده أو أمره بقتله، وكتشجيع وافتخار عند الرمي، ورجز إن ترتب على ذلك توهين العدو اهـ قاله العدوي على أبي الحسن.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أمنوا في أثنائها أتموها صلاة أمن " أي إذا حصل الأمن وزال عنهم الخوف في الصلاة أتموها كصلاة أمن بركوع وسجود تامتين.
ولما أنهى الكلام على صلاة الخوف وما يتعلق بها انتقل يتكلم على أحكام صلاة الجمعة، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في صلاة الجمعة
أي في بيان ما يتعلق بصلاة الجمعة وشروطها، وآدابها، ومكروهاتها، وموانعها، وبعض
стр. 321
فضائلها. وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] إلخ السورة. وأما السنة فما أخرجه ابن ماجه في حديث طويل عنه ﵊ أنه قال: " واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فريضة مكتوبة﴾ الحديث. وقال ﷺ : " من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه " رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن. وقد انعقد الإجماع سلفا وخلفا على فرضية صلاة الجمعة. وهي فرض عين عند الجمهور كما في القوانين لابن جزي. وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله " تلزم الجمعة كل مسلم حر ذكر مكلف متوطن " يعني أن الجمعة تلزم كل مسلم حر ذكر مكلف مستوطن. قد ذكر ﵀ لوجوب الجمعة أربعة شروط كغيره. قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: الجمعة فرض عين على الذكر الحر غير المعذور المقيم ببلدها أو بقرية
نائية عنها بكفرسخ من المنار، وإن غير مستوطن، أي بأن كان مقيما ببلدها المجاورة أو تجارة أو غير ذلك إقامة تقطع حكم السفر، وإن لم تنعقد به، فلا تجب على مسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح. فعلم أن شروط وجوبها أربعة: الإسلام، والذكورية، والحرية، والسلام من الأعذار المسقطة لها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان يجهر فيهما " يعني أن صلاة الجمعة ركعتان يجهر الإمام فيهما بالقراءة. قال في الرسالة: ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية ونحوها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " يخطب قبلهما خطبتين قائما متوكئا " يعني يجب على الإمام أن يخطب خطبتين قبل الصلاة بأن يجلس قليلا ثم يقوم متوكئا على شيء كالسيف. قال في الرسالة:
стр. 322
والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة، ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا، ويجلس في أولها وفي وسطها وتقام الصلاة عند فراغها اهـ.
قال ﵀ مشيرا لجميع ذلك: " يفصل بينهما بجلسة خفيفة " أي مقدار الجلوس بين السجدتين. وقيل قدر ما يقرأ قل هو الله أحد. قال العلامة الشيخ الزروق في شرح الرسالة: يعني أنه يجلس بين الخطبة الأولى والثانية وقيل للقيام للخطبة للسنة. وقال أبو الحسن: والأصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الأمصار والأعصار منذ زمانه ﷺ إلى هلم (١). وأخذ من قوله اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " يختم الأولى بآيات من القرآن، والثانية باذكروا الله يذكركم أو غير ذلك " يعني أنه يستحب ختم الخطبة الأولى بالآيات، كذلك يستحب بدؤها بالحمد لله وختمها بالاستغفار، وكذلك تخفيفها لحديث مسلم " طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه " والثانية أقصر. وقال بعضهم: ويكفي في الخطبة أن يقول الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فأوصيكم بتقوى الله، وأحذركم من عصيانه ومخالفته اهـ قال النفراوي: وتصح من محض قرآن مشتمل على تحذير وتبشير وبعض مواعظ كسورة ق اهـ. وفي الخرشي: وأول من قرأ في الخطبة إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية عمر بن عبد العزيز. وأول من قرأ في الخطبة إن الله وملائكته يصلون على النبي المهدي العباسي اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وأقلها ثناء على الله، وصلاة على رسوله، وتحذير وتبشير " قال الحطاب: جزم ابن العربي أن أقلها حمد الله والصلاة على
نبيه ﷺ وتحذير وتبشير، ويقرأ شيئا من القرآن اهـ. قال الدسوقي عند قول خليل مما تسميه العرب خطبة. قال بعض المحققين: الخطبة عند العرب تطلق على ما يقال في المحافل من الكلام المنبه به على أمر مهم لديهم، والمرشد لمصلحة تعود عليهم حالية أو مآلية، وإن لم يكن فيه موعظة أصلا عن تحذير أو تبشير أو قرآن يتلى. وقول ابن العربي أقل الخطبة
стр. 323
حمد الله والصلاة والسلام على نبيه ﷺ وتحذير وتبشير وقرآن، مقابل للمشهور كما في ابن الحاجب وعلى المشهور فكل من الحمد والصلاة على النبي والقرآن مستحب اهـ البناني. زاد العلامة صالح عبد السميع وقال: ولا يشترط كونها سجعا فلو نظمها أو نثرها صحت نعم تندب إعادتها إن لم يصل فإن صلى فلا تعاد. والدعاء فيها للسلطان بدعة مكروهة اهـ. انظر جواب ابن عرفة في الحطاب.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يشترط الطهارة قولان " قال العلامة العدوي على كفاية الطالب: قوله قولان مشهوران، المشهور منهما أنه لا يشترط فيهما الطهارة، غايته أنه يكره أن يخطب غير متطهر اهـ. قال عبد الباري العشماوي: ويستحب فيهما الطهارة، قال شارحه: فلو خطب محدثا أجزأه. وفي حاشية الصفتي عليه: ويكره تركها لأن الطهارة ليست من شروط الخطبة، وإن كان يحرم عليه في الكبرى من حيث المكث بالجنابة في المسجد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجب الإنصات لها والبعيد يتحرى وقتها وينصت " يعني أن الإنصات وقت الخطبة واجب كما قرره العلماء بالأدلة. قال أبو الحسن في كفاية الطالب عند قول صاحب الرسالة: وينصت للإمام في خطبته أي الأولى والثانية، وفي الجلوس بينهما مطلقا سمع الخطبة أو لم يسمعها، سب الإمام من لا يجوز سبه أو مدح من لا يجوز مدحه. وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الإمام بما لا يجوز، وصوبه اللخمي، واقتصر عليه صاحب المختصر. ولا يشمت عاطسا، وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه، ولا يسلم، ولا يرد سلاما، ولا يحصب من تكلم ولا يشرب الماء. والأصل فيما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] على أحد التفاسير أنها نزلت في الخطبة. وقوله ﷺ في الصحيحين: " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " سمي
стр. 324
الأمر بالمعروف لغوا فغيره أولى. واللغو: الكلام الذي لا خير فيه. وظاهر كلام الشيخ أن الكلام بعد الفراغ من الخطبة بين النزول من المنبر والصلاة جائز، وهو مذهب المدونة. ويجوز الكلام حال الخطبة في مسائل منها الذكر القليل عند سببه، والتأمين عند سماع الخطيب لمغفرة أو نجاة من النار،
والتعوذ عند سماع ذكر النار والشياطين، والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، كل ذلك سرا على الصحيح اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والداخل والإمام يخطب لا يحيي المسجد ولا يسلم " يعني أن الداخل في المسجد حال الخطبة لا يصلي تحية المسجد على المشهور في المذهب، خلافا للسيوري القائل بجواز النافلة للداخل حال الخطبة، وهو من أهل المذهب (١)، وما ذهب إليه السيوري لم يصحبه عمل، فهو منسوخ كما في الإكليل. قال ابن جزي: ولا يصلي التحية إذا خرج الإمام، خلافا للسيوري والشافعي وابن حنبل. وقال في التوضيح: وهو مذهب الشافعي لحديث سليك الغطفاني، وفيه " أنه ﵊ قال له لما جلس إذا جاء أحدكم للجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس " وتأوله ابن العربي على أن سليكا كان صعلوكا ودخل ليطلب شيئا، فأمره النبي ﷺ بأن يصلي لأجل أن يتفطن له فيتصدقوا عليه. اهـ الدسوقي نقلا عن البناني، وقول المصنف: ولا يسلم أي يحرم على الداخل السلام والإمام يخطب. قال في حاشية الخرشي: أي لا يجوز لمن كان يسمع الخطبة أن يسلم أو يرد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وليؤم الخاطب، فإن أم غيره فالمشهور بطلانها "
стр. 325
قال العلامة عبد الباري العشماوي: ويشترط أن يكون المصلي بالجماعة هو الخاطب إلا لعذر يمنعه من ذلك من مرض أو جنون أو نحو ذلك، ويجب انتظاره للعذر القريب على الأصح اهـ. وقال أبو الحسن: والمطلوب أن يكون الذي خطب هو الإمام، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا، وإن قرب فكذلك عند مالك، وحيث يستخلف ففي المدونة يستخلف من حضر الخطبة، وإذا ذكر منسية بعدما خطب صلاها ثم صلى الجمعة ولا شيء عليه اهـ. وقال مالك في المدونة في الإمام يحدث يوم الجمعة، فيخرج ولم يستخلف، فيتقدم رجل من عند نفسه بالقوم ولم يقدموه هم ولا إمامهم: إن ذلك مجزئ عنهم، وهو بمنزلة من قدمه الإمام أو من خلفه. والجمعة في هذا وغيرها سواء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب لها الطيب والتجمل والغسل متصلا بالغدو، والمشي والتهجير به " يعني أن الشخص يستحب له التطيب (١) والتجمل
بالثياب في يوم الجمعة. وفي الرسالة: وليتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه. وقال قبل ذلك: والغسل لها واجب، أي وجوب السنن، والتهجير حسن وليس ذلك في أول النهار اهـ بتصرف. قال مالك في الموطأ: ومن اغتسل يوم الجمعة معجلا أو مؤخرا وهو ينوي بذلك الجمعة فأصابه ما ينقص وضوءه فليس عليه إلا الوضوء وغسله ذلك ومجزئ عنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتلزم من منزله على دون ثلاثة أميال لوقت يدركها، والأعمى يمكنه إتيانها ولو بقائد " يعني أن من كان منزله قريبا من الجامع على ثلاثة أميال أو دونها لزمه السعي إلى الجمعة. وفي ابن حمدون على الميارة عند قول الناظم قريب بكفرسخ. قال: قرره مياره على أن الكاف استقصائية، وقرره بعضهم على أنها غير استقصائية،
стр. 326
فيدخل ربع الميل أو ثلثه، وهما قولان مبنيان على التحديد أو التقريب. وظاهر الرسالة الأول، فلا تجب على من زاد عليه ولو قلت الزيادة، وهو رواية أشهب، ومذهب ابن القاسم أنه تقريب فتجب في الزيادة اليسيرة. ومثل من كان على كفرسخ من كان مسكنه خارجه وأخذه الوقت داخل الفرسخ إن كان مقيما، وأما إن كان مجتازا فلا يجب عليه السعي كما ذكره الجزولي وغيره. وعلى هذا فالمراعي شخصه لا مسكنه اهـ. والتحديد المذكور إنما هو في حق الخارج عن بلد الجمعة. وأما من هو فيها فتجب عليه ولو كان من المسجد على ستة أميال. وأما قوله ﵀: والأعمى إلخ أي تلزم الجمعة الأعمى إن كان يمكنه الإتيان إليها ولو بقائد. وقال العلامة عبد الباري في الأعذار المانعة للجمعة: ومن ذلك الأعمى الذي لا قائد له، أما لو كان له قائد، أو كان ممن يهتدي للجامع بلا قائد فلا يجوز له التخلف عنها اهـ.
ثم ذكر الأعذار التي تسقط بها الجمعة فقال رحمه الله تعالى: " وتسقط عن المريض والممرض، وبالمطر، وكثرة الوحل، وخوف ظالم أو لص، ولا خوف حبس في حق وهو معلي به، ولا بشهود العيد " قوله لا خوف حبس إلخ لقوله ﵇: " مطل الغنى ظلم " والظالم لا رخصة له في التخلف عنها. وقوله ولا بشهود العيد، قال في المدونة: ما قول مالك إذا اجتمع الأضحى والجمعة أو الفطر والجمعة فصلى رجل من أهل الحضر العيد مع الإمام، ثم أراد أن لا يشهد الجمعة هل يضع ذلك عند شهوده صلاة العيد ما وجب عليه من إتيان الجمعة؟ قال لا: وكان مالك يقول: لا يضع ذلك عنه ما وجب عليه من إتيان الجمعة اهـ وقال صاحب العزية: ويسقط فرض الجمعة بمرض يتعذر معه الإتيان، أو لا يقدر إلا بمشقة شديدة، وبتمريض قريب، وبخوف ظالم يؤذيه في ماله أو نفسه، أو خوف
نار أو سارق أو حبس الغرماء له وهو معسر، وبالوحل الكثير، والمطر الشديد، وأكل الثوم، والعري أي ليس عنده ما يستر به عورته اهـ.
стр. 327
ثم ذكر شروط صحة الجمعة بقوله رحمه الله تعالى: " وشروط صحتها إمام، ومسجد وخطبة، وموضع الاستيطان، وجماعة يمكنهم المثوى به من غير عدد محصور " يعني أن الجمعة لها شروط صحة ويعبر عنها بشروط الأداء كما أن لها شروط وجوب، وتقدم أن شروط وجوبها أربعة وهي الإسلام، والحرية، والذكورية، والاستيطان ببلدها أو قريبا منها بكفرسخ، وأما شروط صحتها فأربعة أيضا الإمام، والمسجد، والخطبة، وحضور الجماعة التي تنعقد بهم. وقال صاحب العزية: ولأدائها أربعة شروط الأول الإمام المقيم، فلا تصح أفذاذا، ولا بإمام مسافر، الثاني الجماعة وهي غير محدودة بعدد مخصوص، ولكن لا تجزئ منها الثلاثة ولا الأربعة وما في معنى ذلك، بل لا بد أن يكونوا عددا تتقرى بهم قرية مستغنين عن غيرهم آمنين على أنفسهم. وهذا العدد شرط في الابتداء لا في الدوام، فإن انفضوا من خلف الإمام وبقي منهم اثنا عشر لسلامه صحت وإلا فلا.
الثالث الجامع، وهو شرط لها، فلا تصح في غيره، ولا على سطحه، ولا في بيت قناديله، وتصح في صحن المسجد ورحابه والطرق المتصلة به، إلا في حق الإمام فلا تصح له إلا في المسجد ولو ضاق، فإن وقع ونزل بأن صلى الإمام على السطح أو في بيت قناديل أو في رحاب المسجد أو الطريق ولو اتصلت الصفوف به بطلت عليه وعليهم. الرابع الخطبة قبل الصلاة، ولا تصح الخطبة إلا بحضور الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة اهـ مع إيضاح. وقد تقدم الكلام على الخطبة فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولها أذانان الأول على المنارة، والآخر بين يدي الإمام إذا جلس على المنبر فإذا فرغوا أخذ في الخطبة " قال أبو محمد في الرسالة: والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون، ويحرم حينئذ البيع، وكل ما يشغل عن السعي إليها، وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية اهـ. وقوله بنو أمية يعني عثمان بن عفان ﵁، وهو أول أمراء بني أمية اهـ. قال النفراوي: قال ابن حبيب كان النبي
стр. 328
صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون، وكانوا يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي ﷺ يخطب وكذا في زمن أبي بكر وعمر، ثم لما كثرت الناس أمر عثمان بإحاث أذان سابق على الذي كان يفعل على المنار وأمرهم بفعله بالزوراء عند الزوال، وهو موضع بالسوق ليجتمع الناس، ويرتفعوا من السوق، فإذا خرج
وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار. ثم إن هشام بن عبد الملك في زمن إمارته على المدينة أمر بنقل الأذان الذي كان على المنار بأن يفعل بين يديه عند جلوسه على المنبر، فصار الأمر إذا خرج هشام وجلس على المنبر أذن المؤذنون كلهم بين يديه، فإذا فرغوا خطب، ولهذا قال الجلاب: ولها أذانان، أحدهما عند الزوال والآخر عند جلوس الإمام على المنبر، والثاني منهما آكد من الأول، وعنده يحرم البيع والشراء. هذا هو الصحيح الذي عليه مالك وابن القاسم وابن حبيب وعبد البر وغيرهم من الأئمة المحققين. انظر الفواكه وفيه مقابل الصحيح وتأمل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن أدرك منها ركعة فقد أدركها، فإن أدرك دونها صلى ظهرا، وهل يبني على إحرامه قولان " المشهور من القولين أنه لا يبني على إحرامه بل يقطع ويصلي ظهرا بإحرام جديد. قال خليل في من رعف مع الإمام وإن لم يتم ركعة في الجمعة ابتدأ ظهرا بإحرام جديد. قال الدردير عليه: ولا يبني على إحرامه الأول. الدسوقي قوله ولا يبني على إحرامه: أي بناء على عدم إجزاء نية الجمعة عن الظهر. وقال ابن القاسم: يبني على إحرامه ويصلي أربعا بناء على إجزاء نية الجمعة عن الظهر. والقول بعدم البناء على إحرامه وهو المشهور، وعليه فلو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قاله الحطاب اهـ، قال العلامة ابن جزي في القوانين: إذا لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة فدخل في السجود أو الجلوس فقد فاتته الصلاة
стр. 329
كلها، فيقوم فيصليها كاملة، فإن جرى له ذلك في الجمعة صلاها ظهرا أربعا وقال أبو حنيفة ركعتين جهرا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن صلى الظهر لوقت يدرك منها ركعة فهي باطلة " هذه الجملة ساقطة في بعض النسخ، والصواب إثباتها. قال خليل في المختصر: وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا لركعة لم يجزه. وعبارة صاحب أقرب المسالك: وغير المعذور إن صلاة مدركا لركعة لو سعى لم يجزه كمعذور زال عذره أو صبي بلغ اهـ. قال الخرشي: يعني أن غير المعذور ممن تلزمه الجمعة إذا أحرم بالظهر وكان بحيث لو سعى إلى الجمعة لأدرك منها ركعة فإن الظهر لا تجزئه على الأصح (١) وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك لأن الواجب عليه جمعة ولم يأت بها ويعيد ظهرا إن لم يمكنه جمعة، وسواء أحرم بالظهر مجمعا على أنه لا يصلي الجمعة أم لا، عمدا أو سهوا، وإن لم يكن وقت
إحرامه مدركا بركعة من الجمعة لو سعى إليها أجزأته ظهره. وظاهر قوله لم تجزه سواء كانت تجب عليه وتنعقد به، أو تجب عليه ولا تنعقد به كالمسافر الذي أقام في محل الجمعة إقامة تقطع حكم السفر. وأما من لا تجب عليه أصلا فإنه من المعذورين أو غير مكلف فتجزئه صلاة الظهر ولو كان يدرك صلاة الجمعة اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن لا تلزمه تنوب عن ظهره " يعني أن من لا تلزمه الجمعة كالعبد والمسافر إذا حضرها وصلاها تجزئه عن الظهر ولا يطالب بها وفي الحديث " الجمعة على كل مسلم إلا على أربعة العبد والمرأة والصبي والمريض إذا كان لا يقدر على السعي " اهـ وفي الرسالة: ولا تجب على مسافر، ولا على أهل منى، ولا على عبد، ولا امرأة، ولا صبي، وإن حضرها عبد أو امرأة فليصليها وتكون النساء
стр. 330
خلف صفوف الرجال، ولا تخرج إليها الشابة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتاركها لغير عذر لا يصلي الظهر جماعة " يعني أن من ترك الحضور إلى الجمعة بغير عذر لا يصلي الظهر جماعة. قال خليل: ولا يجمع الظهر إلا ذو عذر اهـ قال الخرشي: يعني لا يصلي الظهر جماعة من غير كراهة من فاتته الجمعة إلا ذو عذر لا يمكن معه حضورها من سفر ومرض وسجن فليطلب منه الجمع اهـ.
تنبيه: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع وأما أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع فالأولى لهم الجمع. ويندب صبرهم إلى فراغ صلاة الجمعة وإخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن الجمعة. واحترزنا بكثرة الوقوع عن نادرة الوقوع كخوف بيعة الأمير الظالم، فإنه يكره للخائف الجمع، وإذا جمعوا لم يعيدوا على الأظهر خلافا لمن قال بإعادتهم إذا جمعوا. وقد وقعت هذه المسألة بالإسكندرية، فتخلف ابن وهب وابن القاسم عن الجمعة فلم يجمع ابن القاسم، ورأى أن ذلك نادر، وجمع ابن وهب بالقوم وقاسها على المسافر، ثم قدما على مالك فسألاه فقال: لا تجمعوا ولا يجمع إلا أهل السجن والمرض والمسافر اهـ الصاوي على أقرب المسالك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وقدوم المسافر والعتق والبلوغ والإفاقة لوقت يدركها يوجب إتيانها " يعني أن قدوم المسافر والعتق والبلوغ والإفاقة لوقت يدركها يوجب إتيانها " يعني أن قدوم المسافر لبلده أو المحل الذي نوى فيه الإقامة تقطع حكم السفر بحيث لو سعى إلى الجمعة يدرك منها ركعة يوجب عليه إتيانها.
قال خليل: أو صلى الظهر ثم قدم اهـ. قال الخرشي: عطف على أدرك، يريد أن المسافر إذا صلى الظهر قبل قدومه من السفر في جماعة أو فذا أو صلاها مع
العصر كذلك ثم قدم وطنه أو غيره ناويا إقامة تقطع السفر فيجد الناس لم يصلوا الجمعة فإنه يلزمه أن يصليها معهم عند مالك لتبين استعجاله اهـ.
ونقل عن أبي محمد: إن صلى صبي ثم احتلم قبل الغروب بخمس ركعات أعاد ظهرا، وفي من سقطت عنه جمعة قولان. وعن ابن رشد إن برأ مريض
стр. 331
أو عتق عبد لإدراكه ركعة منها بعد أن صلاها ظهرا ففي لزومها قولان. قال ابن شاس: وتلزم من أدركها لزوال عذره ولو صلى كالبلوغ. فتحصل من تلك النصوص أن من زال عذره من مرض أو سجن أو قدوم من السفر، أو بلغ الصبي أو عتق العبد، أو أفاق المجنون، أو انتبه النائم، أو تذكر الساهي لمقدار ما يدرك أحدهم ركعة من الجمعة لزمه إتيانها ولو صلاها ظهرا مطلقا صلاها فذا أو جماعة، حضرا أو سفرا. وقيل يعيد الظهر استحبابا إن صلاها قبل زوال العذر اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن زالت عليه الشمس وهو يريد سفرا لزمته " يعني أن من أراد أن يسافر في يوم الجمعة ولم يخرج حتى زالت عليه الشمس لزمته صلاة الجمعة، إلا أن يعلم ويتحقق أنه يدركها في البلد الذي أراد أن يسافر إليه.
قال ابن جزي في القوانين: الفرع الثالث يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، وقيل يكره وفاقا للشافعي وابن حنبل، ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقا اهـ.
قال عبد الباري: ويحرم السفر عند الزوال من يوم الجمعة على من تجب عليه الجمعة اهـ، يعني لا يجوز السفر بعد الزوال لتعلق الخطاب به. ومحل الحرمة ما لم يحصل له ضرر بعدم السفر عند الزوال من ذهاب ماله ونحوه، كذهاب رفقة فإنه يباح له السفر حينئذ. ومحل الحرمة أيضا ما لم يتحقق إدراك الجمعة، أما إن تحقق إدراكها بقرية جمعة أخرى قبل إقامتها فيها فيجوز سواء كان قصده مجرد المرور بتلك القرية أو الإقامة فيها ولو لم ينو إقامة أربعة أيام، أفاده الصفتي نقلا عن العدوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يقام في مصر جمعتان " هذا هو المشهور كما نص عليه المتقدمون. قال خليل في المختصر: وبجامع مبني متحد، والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء اهـ. قال المواق نقلا عن الجلاب: لا تصلى الجمعة في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا فالصلاة صلاة أهل المسجد العتيق.
وقال أبو محمد: إن كان في البلد جامعان فالجمعة
стр. 332
لمن صلى في الأقدم، صلى فيه الإمام أو في الأحدث اهـ. وقال النفراوي في الفواكه: وإن تعدد فالجمعة للعتيق إلا أن يكون البلد كبيرا بحيث يعسر اجتماعهم في محل، ولا
طريق بجواره تمكن الصلاة فيها فيجوز حينئذ تعدده بحسب الحاجة، كما ارتضاه بعض شيوخ المذهب. ثم قال: ينبغي أن يلحق بذلك وجود العداوة المانعة من اجتماع الجميع في محل واحد، بل لو قيل إن هذا أولى لجواز التعدد لما بعد اهـ. وفي بعض تقييدات هذا المحل لبعض الأفاضل أنه قال: ورجح المتأخرون جواز تعدد الجمعة وعليه العمل عندنا بالمغرب، وهو الصواب إلى آخر ما قال اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ووقتها كالظهر " يعني أن وقت صلاة الجمعة كوقت صلاة الظهر، أوله زوال الشمس عن كبد السماء ممتدا للغروب على المشهور. وقيل إلى الاصفرار. وقيل إلى القامة. وقال الخرشي: وهذا إذا أخرها الإمام والناس لعذر. وفي المدونة: قال ابن القاسم: إن أخر الإمام صلاة الجمعة حتى دخل وقت العصر فيصلي الجمعة بهم ما لم تغب الشمس وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب اهـ. وإذ ذهبنا على المشهور من أن وقت الجمعة ممتد للغروب فهل هو مقيد بأن يخطب ويصلي ويبقى من الوقت ما يدرك ركعة من العصر قبل الغروب، أو لا يعتبر بقاء ما يدرك فيه ركعة من العصر فيصلي الجمعة ولو علم أنه لا يدرك العصر إلا بعد الغروب قولان اهـ انظر الحطاب.
стр. 333
صلاة العيدين
ولما أنهى الكلام على الجمعة انتقل يتكلم على بيان صلاة العيدين فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في صلاة العيدين
أي في بيان أحكام صلاة العيدين، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى. قال رحمه الله تعالى: " صلاة العيدين سنة " أي مؤكد تلي الوتر في التأكيد، وليس أحدهما أوكد من الأخر. قاله الدردير. وفي الرسالة: وصلاة العيدين سنة واجبة أي مؤكدة على الأعيان. قال النفراوي: والدليل على سنيتها مواظبته ﷺ عليها إلى أن فارق الدنيا اهـ. وقال زروق على الرسالة: يعني تجب إقامتها لأنها من السنن المؤكدة المظهرة لشعائر الإسلام. قال ابن دقيق العيد: لا خلاف أنها من الشعائر المطلوبة شرعا. وقد تواتر بها النقل الذي يقطع العذر ويغني عن أخبار الآحاد. والمشهور ما ذكر الشيخ من السنية فيهما اهـ.
ثم ذكر كيفيتها بقوله رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان بغير أذان " وفي الرسالة: ليس فيها أذان ولا إقامة، فيصلي بهم ركعتين. وعن جابر: " صليت مع
النبي ﷺ العيد بلا أذان ولا إقامة " قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يفتتح الأولى بسبع تكبيرات مع الإحرام، والثانية بست مع القيام " يعني أن المصلي صلاة العيدين يفتتحهما بتكبيرات، يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات ولاء إلا قدر تكبير المؤتم، يعد منها تكبيرة الإحرام، وفي
стр. 334
الثانية يكبر ستا مع تكبيرة القيام. وعبارة خليل: وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام، ثم بخمس غير القيام اهـ وفي العدوي على الخرشي: ولا يتبع الإمام إن زاد على السبع أو الخمس لأنه غير صواب، والخطأ لا يتبع فيه، سواء زاد عمدا أو سهوا. ولا يتبع أيضا في نقص، بل يكمل المأموم، هذا إذا كان الإمام مالكيا، وأما لو كان ممن يرى الزيادة على السبع ففي شرح الشبرخيتي: الظاهر أنه يزيد، وليس كتكبير الجنازة لأن تكبيرة الجنازة انعقد عليه الإجماع اهـ مع إيضاح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " يخطب بعدها خطبتين، يفتتح كلا بتسع تكبيرات نسقا، وفي أثنائها، ويكبر الناس بتكبيره " وقوله بتسع تكبيرات، هذا ولم يحدد مالك التكبير في أول الخطبتين ولا خلالهما لعدم وروده. قال خليل في المختصر: واستفتاح بتكبير وتخللهما به بلا حد اهـ. قال الخرشي: أي وندب استفتاح الخطبتين وتخليلهما بالتكبير بلا حد في الاستفتاح بسبع، والتخليل بثلاث، بخلاف خطبة الجمعة فإن افتتاحها وتخليلها بالتحميد. وسيأتي أن خطبة الاستسقاء تكون باستغفار اهـ. وقال النفراوي: ثم بعد السلام يرقى المنبر ويخطب ندبا خطبتين كخطبتي الجمعة، في كونهما باللفظ العربي وجهرا، لكن خطبة العيد يفتتحها بالتكبير وخطبة الجمعة بالحمد والصلاة على النبي ﷺ . وينبغي أن تكون الخطبة الثانية مشتملة على بيان ما يتعلق بصدقة الفطر في عيد الفطر مع بيان من يطلب بإخراجها، والقدر المخرج والنوع المخرج منه، وزمن إخراجها، وفي عيد النحر على بيان ما يتعلق بالضحية، ومن يؤمر بها، وما تكون منه، والسن المجزي منها وزمن تذكيتها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومستحباتها كالجمعة " منها الزينة بالثياب الجديدة للقادر عليه ولو أسود، ومنها الغسل والنظافة، ومس الطيب، وقص الشارب، وتقليم
стр. 335
الأظفار، والسواك، وإحياء ليلته بالعبادة. فلو اتفق أن يوم الجمعة يوم عيد تزين في كل وقت بما يناسبه. ومن المستحب ما أشار به رحمه
الله بقوله: " ويستحب الأكل يوم الفطر قبل الخروج، ويوم الأضحى بعد الرجوع " وذلك لخبر الدارقطني " أنه ﷺ لم يكن يفطر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته " اهـ. وورد أيضا أن أول ما يأكل أهل الجنة عند دخولها كبد الحوت الذي عليه الأرض اهـ. قال خليل في المندوبات: وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر اهـ. قال الحطاب: وفي مختصر الوقار: يستحب للمرء أن يطعم يوم الفطر بعد صلاة الصبح شيئا من الحلو إن أمكن قبل صعوده المصلى اهـ قال في التوضيح: قال الباجي: ويستحب أن يكون فطره على تمرات، لما رواه الترمذي وحسنه " كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات " زاد البغوي فيه " ويأكلهن وترا " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال " قال مالك في المدونة: وأحب للإمام في الأضحى والفطر أن يخرج بقدر ما إذا بلغ إلى المصلى حلت الصلاة اهـ وفي الرسالة: يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة، أي حلت اهـ. وقال خليل: من حل النافلة للزوال: يعني أن وقت صلاة العيدين من حل النافلة إلى زوال الشمس، فإن لم يظهر الأمر ولم يتحقق بأن اليوم يوم العيد إلا بعد الزوال لا يصلون العيد في بقية اليوم ولا في غيره، هذا في قول مالك. وفي الحديث أنهم يفطرون ويخرجون من الغد، وبه أخذ اللخمي اهـ المواق.
قال رحمه الله تعالى: " وفعلها في المصلي أفضل " يعني ينبغي أن يكون إيقاع صلاة العيدين في المصلى، إلا من كان بمكة فإيقاعها في المسجد الحرام أفضل. قال خليل: وإيقاعها به - أي المصلى - إلا بمكة فيندب في مسجدها. وقال الخرشي: أي يستحب إيقاع العيد بالمصلى ولو بالمدينة. والمراد بالمصلى الفضاء والصحراء. وصلاتها
стр. 336
بالمسجد من غير ضرورة داعية بدعة لم يفعله ﵇ ولا الخلفاء بعده، هذا في غير مكة. وأما من في مكة فالأفضل أن توقع في المسجد، لا للقطع بالقبلة، بل لمشاهدة الكعبة، وهي عبادة مفقودة في غيرها، ولخبر " ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين " اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يتنفل قبلها ولا بعدها " بل ينصرف من غير تنفل. قال النفراوي: لأنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها إذا فعلها في
الصحراء. قال خليل: وكره لمصلي العيد تنفل بمصلى قبلها وبعدها، لا بمسجد فيهما، لما في الصحيحين " أن رسول الله ﷺ خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما " وأما إن أوقعهما في المسجد فلا يكره لإمام ولا مأموم تنفل قبلها ولا بعدها؛ لأن الحديث إنما كان في الصحراء اهـ انظره في شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " يخرجون مكبرين بطريق ويرجعون بغيرها " يعني أنهم يخرجون مكبرين في ذهابهم إلى المصلى، ويرجعون من طريق غير الأولى. وفي المدونة عن مالك " عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخرج إلى العيدين من طريق ويرجع من طريق أخرى " اهـ. وفي الرسالة: ويستحب أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك، إلى قوله: وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى، الإمام والناس كذلك، فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك اهـ.
وفي المدونة عن ابن عمر أنه كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره اهـ. وقال مالك: والتكبير إذا خرج لصلاة العيدين يكبر حتى يخرج إلى المصلى، وذلك عند طلوع الشمس، فيكبر
стр. 337
في الطريق تكبيرا يسمع نفسه ومن يليه، وفي المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويستحب التكبير أيام النحر عقب خمس عشرة صلاة أولاهن ظهر العيد " قال في المدونة: يبدأ بالتكبير في أيام الحج دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق اهـ. وفي الرسالة: فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى، يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع. والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وقد روي عن مالك هذا والأول، والكل واسع اهـ. وقد أشار المصنف لما تقدم بقوله رحمه الله تعالى: " ولفظه: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد " هذا ظاهر كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أراد أن يصليها وحده صلاها على
صفتها " يعني أن من فاتته صلاة العيدين مع الإمام فله أن يصليها وحده، لا جماعة على الراجح كما في الإكليل. وحاصل ما في الحطاب أنه قال: يستحب له أن يصليها، وهل في جماعة أو أفذاذا قولان، والأصح أنه لا يجوز لهم جمعها اهـ.
صلاة الاستسقاء
ولما أنهى الكلام على صلاة العيدين وما يتعلق بها انتقل يتكلم على بيان أحكام صلاة الاستسقاء فقال رحمه الله تعالى:
стр. 338
فَصْلٌ
في صلاة الاستسقاء
أي في بيان الاستسقاء، وهو طلب السقي من الله تعالى عند القحط على وجه مخصوص. والاستسقاء بالدعاء مشروع مأمور به في كل الأحوال إن احتيج إليه. ولا خلاف بين الأمة في جوازه، قاله ابن بشير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " تسن الصلاة لطلب الغيث " يعني يسن لمن أصابهم القحط أن يصلوا لطلب المطر لزرع أو شرب أو غيره. وحكمها السنة المؤكدة إلا أن العيد أوكد منها.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تقدمها بصيام وصدقة ونحو ذلك " يعني يندب قبل الخروج إلى المصلى أن يصوموا ثلاثة أيام، ويتصدقوا. وفي أقرب المسالك: وصيام ثلاثة أيام قبلها، وصدقة، وأمر الإمام بهما، كالتوبة ورد التبعات اهـ. وأما قول خليل: ولا يأمر بهما الإمام ضعيف، كما في البناني والإكليل.
ثم ذكر كيفيتها بقوله رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان بالمصلى يخرجون ضحوة متبذلين متخاشعين يظهرون الندم والتوبة " وفي نسخة يخرجون ضحى متذللين متخشعين. وفي الرسالة: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويصلي بهم قبل الخطبة، ويكثرون الاستغفار حال الخطبة، والأفضل أن يخطب بالأرض " يعني لا بد أن تكون الصلاة قبل الخطبة. وقوله يكثرون الاستغفار يعني ينبغي أن يكثر الإمام والناس الاستغفار في حال الخطبة
стр. 339
بدل التكبير في العيدين قال خليل وبدل التكبير بالاستغفار
اهـ. قال الخرشي: يعني أنه يخطب خطبتين كخطبتي العيد، ويبدل التكبير هناك بالاستغفار هنا والناس معه، لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] فجعل المطر جزاء الاستغفار اهـ.
ومفهوم قوله أن يخطب بالأرض أنه لا يرقى منبرا ولا غيره، بل الأفضل للإمام أنه لم يكن للنبي ﷺ منبر يخرج به إلى صلاة العيدين، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، وأول من أحدث له في العيدين منبر من طين عثمان بن عفان. أحدثه له كثير بن الصلت اهـ قال خليل: وندب خطبة بالأرض، وصيام ثلاثة أيام قبله وصدقة. وتقدم بيان ذلك.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ استقبل القبلة وحول رداءه وحولوا أرديتهم ما على اليمين على اليسار ويسألون الله تعالى " يعني إذا سلم الإمام توجه إلى الناس بوجهه. وفي الرسالة: ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه، يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود اهـ.
قلت هذا نحو ما قاله مالك في المدونة في صلاة الاستسقاء أنه قال: يخرج الإمام، فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يقرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحو ذلك، ويجهر بالقراءة، ثم يسلم، ثم يستقبل الناس ويخطب عليهم خطبتين، يفصل بينهما بجلسة، فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة مكانه، وحول رداءه قائما، يجعل الذي على يمينه على شماله، والذي على شماله على يمينه مكانه حين يستقبل القبلة، ولا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى والأعلى والأسفل، ويحول الناس
стр. 340
أرديتهم كما يحول الإمام فيجعلون الذي على أيمانهم على أيسارهم والذي على أيسارهم على أيمانهم، ثم يدعو الإمام قائما ويدعون وهو قعود، فإذا فرغ من الدعاء انصرف وانصرفوا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمستحب " الذي ينبغي أن يدعو به في الاستسقاء من الأدعية دعاؤه ﵊ وهو: " اللهم اسقنا من بركات السماء ما تنبت لنا به الزرع، وتدبر لنا به الضرع، وتدفع عنا به الجهد، ولا تجعلنا من القوم القانطين. اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأخي بلدك الميت " روى بعضه أبو داود. وفي زاد المعاد للعلامة ابن القيم. قال روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا " أنه كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا
عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ".
قال الشافعي، ﵁: وأحب أن يدعو الإمام بهذا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أجيبوا وإلا عادوا ولو مرارا " يعني فإن أجاب الله لهم فلله الحمد والشكر، وإلا فلا بأس بتكررها مرة بعد أخرى حتى يستجاب لهم.
وفي أقرب المسالك: وكررت إن تأخر، أي يجوز تكرارها إن تأخر السقي بأن لم يحصل، أو حصل دون الكفاية اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: ابن شاس ولا بأس بتكررها إذا تأخرت الإجابة. ابن حبيب: ولا بأس بأيام متوالية، ويستسقي في إبطاء
стр. 341
النيل. أصبغ: فعل بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية على سنة الاستسقاء.
وحضر ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم والقواعد وأهل الذمة منفردين عن المسلمين لا منفردين بيوم "، قوله ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم فيه خلاف، نقل الخرشي عن الجزولي في شرحه على الرسالة قال: الذين يخرجون للاستسقاء ثلاثة أقسام: قسم يخرجون باتفاق وهم الرجال والصبيان الذين يعقلون الصلاة والعبيد والمتجالات من النساء.
وقسم لا يخرجون باتفاق وهن النساء في حال حيضهن ونفاسهن، كذلك الشابة الناعمة لأن خروجها ينافي الخشوع، وقسم اختلف فيهم وهم البهائم، والصبي الذي لا يعقل، والشابة التي ليست بناعمة، وأهل الكتاب. انتهى. ابن شاس: والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم غير مشروع، وكذلك الشابة التي لا يخشى منها الفتنة. وعبارة النفراوي أنه قال: وقسم اختلف فيه وهو من لا يعقل القربة، والشابات غير المخشيات، والبهائم. والذي اقتصر عليه خليل عدم خروجهم، فإنه قال: لا من لا يعقل منهم، وبهيمة. وأما أهل الذمة فأباح في المدونة خروجهم مع الناس، ولكن يقفون على جهة ولا ينفردون بيوم آخر. قال خليل: ولا يمنع ذمي، وانفرد لا بيوم آخر اهـ. وإذا علمت ذلك تعرف أن إطلاق المصنف فيه تقييد وتفصيل فتأمل اهـ.
стр. 342
صلاة الكسوف
ولما أنهى الكلام على الاستسقاء وما يتعلق به انتقل يتكلم على بيان صلاة الكسوف فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في صلاة الكسوف
أي في بيان أحكام الكسوف وما يتعلق به. وفي شرح الرسالة زروق: الخسوف لغة التغيير، ولأهل اللغة كلام في الخسوف والكسوف يطول ذكره. ابن بشير: الخسوف عبارة عن ظلمة أحد النيرين الشمس والقمر أو بعضهما. وفي سبب ذلك ومادته ما يطول ذكره فانظره إن شئت اهـ. قال رحمه الله تعالى: " صلاة كسوف الشمس ركعتان " بدأ المصنف بكيفيتها ولم يذكر حكمها، وهي سنة مؤكدة يخاطب بها كل من يؤمر بالصلاة ولو ندبا، فتخاطب بها النساء، والعبيد، والصبيان الذين عقلوا القربة، والمسافر والحاضر في ذلك سواء. وتصليها المرأة في بيتها لأن الجماعة غير شرط فيها، بل مستحبة للرجال في المساجد. وهي مشروعة كتابا وسنة وإجماعا. وقد بدأ صاحب الرسالة بذكر حكمها بقوله: وصلاة الخسوف سنة واجبة، إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد فافتتح الصلاة بالناس من غير أذان ولا إقامة إلخ كما قال ﵀: " يجمع لها بالمسجد بغير أذان ولا خطبة " يعني أن تكون في المسجد لا الصحراء، لا أذان فيها ولا إقامة، وكذا لا خطبة فيها خلافا للشافعي. وفي الرسالة: وليس في أثر صلاة خسوف خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم كما سيأتي عن المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " في كل ركعة ركوعان وقراءتان، يطيل القراءة سرا
стр. 343
والركوع نحوها " أي يطيل القراءة سرا، ويكون الركوع نحو القراءة. قال رحمه الله تعالى: " ثم يرفع ويقرأ دون الأولى " أي دون قراءته الأولى. قال رحمه الله تعالى: " ويركع نحوها " يعني يركع ركوعا طويلا نحو قراءته الثانية. وفي المدونة عن مالك بإسناده إلى عبد الله بن عباس، ﵁، قال: " خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ والناس نعه، فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فسجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس " اهـ. ومثله في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يطيل السجود قولان " المشهور منهما التطويل نحو الركوع الثاني استحبابا. قال الدردير: والسجود كالركوع في الطول
ندبا، يسبح فيه ويدعو بما شاء. وأما الجلسة بين السجدتين فعلى العادة ولا تطويل فيها اتفاقا اهـ قال رحمه الله تعالى: " وهل يفتتح كل قراءة بالفاتحة، أو يختص بالأولى والثانية؟ قولان " المشهور منهما أنه يفتتح كل قراءة بالفاتحة. قال النفراوي في الفواكه: ظاهر كلام المصنف أن الفاتحة تكرر في كل قيام، وهو كذلك على مشهور المذهب اهـ. قال الشيخ زروق: ويستحب في الأولى بعد الفاتحة سورة البقرة، وثانيا بالفاتحة وآل عمران، وثالثا النساء ورابعا المائدة بعد الفاتحة. وأي سورة قرأ أجزأت. والمشهور إعادة الفاتحة في القيامين الزائدين خلافا لابن مسلمة. ويطيل نحو القراءة كالسجود على المشهور اهـ.
стр. 344
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإذا سلم أقبل على الناس فوعظهم وذكرهم " قال المواق: روى ابن عبد الحكم يستقبل الإمام الناس بعد سلامه فيذكرهم ويخوفهم ويأمرهم أن يدعوا الله ويكبروا ويتصدقوا. قال ابن يونس: ولا خطبة مرتبة فيها اهـ. وتقدم قول صاحب الرسالة: وليس في أثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم. قال خليل عاطفا على المندوب: ووعظ بعده، لأن الوعظ إذا ورد بعد الآيات يرجى تأثيره. وكما يستحب لإمام وعظ الناس يستحب له تحريضهم وحثهم على بذل الصدقات والعتق والصيام. والأصل في ذلك ما في الحديث: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله " وأما ما يفعله الناس من نقر النحاس عند الخسوف فهو بدعة من عمل فرعون اهـ النفراوي.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتدرك بركوعها الرابع ويقضي الركعة الأولى دون القيام الثالث " وفي المختصر: وتدرك بالركوع الثاني. قال الدسوقي: وحينئذ فمن أدرك مع الإمام الركوع الثاني من الأولى لم يقض شيئا، وإن أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية قضى الركعة الأولى بقيامها فقط ولا يقضي القيام الثالث اهـ قال الخرشي: وتدرك الركعة من كل من ركعتيها بالركوع الثاني من الركوعين لأنه الواجب. وقال العلامة العدوي في حاشيته عليه: قوله لأنه الواجب أي فلا يقضي من أدرك الركعة الأولى شيئا، ويقضي من أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية الركعة الأولى فقط بقيامها، ولا يقضي القيام الثالث اهـ. وقال أيضا في حاشيته على أبي الحسن: فتدرك ركعتها بالركوع الثاني من الركوعين فمن دخل مع الإمام في الركوع الثاني من الركعة الأخيرة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، ويقضي الأولى بركوعين وقيامين اهـ. وقال في حاشية الخرشي: ومثل فرضية الركوع الثاني القيام الذي قبله. والركوع الأول سنة كما في الشيخ
стр. 345
سالم، كالقيام الذي قبله. وظاهر أن
الفاتحة كذلك سنة في الأولى وفرض في الثانية، وظاهر المواق وابن ناجي فرضيتها قطعا في أول كل قيام من الركعتين انظره اهـ.
ثم شرع يتكلم على خسوف القمر فقال رحمه الله تعالى: " وصلاة خسوف القمر كالنوافل ولا يجمع لها " يعني صفتها كسائر النوافل ركعتين ركعتين، أي يسلم من كل اثنتين بدون تطويل، بركوع واحد وقيام واحد، والقراءة فيهما جهرا لأنها صلاة ليلية. ويكره أن يصليها جماعة. والأفضل كونها في البيوت. والله موفق للصواب.
وهنا تم ما احتواه كتاب السفر وما عطف عليه من الفصول الستة، وما يتعلق بجميع ذلك. ثم انتقل الآن يتكلم فيما يتعلق بالجنازة وأحكامها. فقال رحمه الله تعالى:
стр. 346
كتاب الجنائز
وينبغي للعاقل أن يتذكر ويتفكر، ولا يتغافل عن الموت وما بعده لأنه يأتي لا محالة. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت " رواه الترمذي والنسائي وابن حبان، وفي الرسالة: والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة، فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده، وقد أوضح المصنف في هذا الكتاب كيفية ما يفعل بالميت من إغماضه إذا قضى بنزع روحه، وغسله، وتكفينه، وتحنيطه، وحمله إلى قبره بعد الصلاة عليه، ودفنه هناك، وما يتعلق به من مؤن التجهيز فقال رحمه الله تعالى: " يوجه المختصر إلى القبلة " المحتضر من حضره الموت. قال النفراوي: لأن القبلة أفضل الجهات. وفيه التفاؤل بأنه من أهلها، ولما روي عن عمر، ﵁، أنه قال لابنه: إذا حضرتني الوفاة فاصرفني إلى القبلة. ومثله عن علي، ﵁. . والمستحب في صفة الاستقبال أن يجعل على جنبه الأيمن وصدره إلى القبلة، كما يستحب أن يوضع في قبره على جنبه الأيمن مستقبلا. وهذا بخلاف للغسل، فيستحب وضعه على جنبه الأيسر ليبدأ بغسل الجنب الأيمن.
ومقدمات الموت إحداد بصره، وشخوصه إلى السماء. قال خليل عاطفا على المندوب: وتقبيله عند إحداده على أيمن ثم ظهر، ويكره أن يستقبل به القبلة قبل ظهور علامات الموت كما يفعله العوام، فإن ذلك يؤذي المريض اهـ قال رحمه الله تعالى: " ويلقن الشهادتين ويقرأ عنده يس " يعني يستحب أن يلقن المحتضر بأن يقول الجالس عنده: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال النفراوي ولو لم يقل أشهد، ولا بد من جمع محمد رسول الله مع لا إله إلا الله، إذ العبد لا يكون مسلما إلا بهما. والأصل في ذلك قوله
стр. 347
صلى الله عليه وسلم: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ليكون ذلك آخر كلامه " فإن قالها مرة ثم تكلم بغيرها أعيدت، فإن لم يتكلم ترك. قاله زروق اهـ قوله ويقرأ عنده يس، والأصل في ذلك قوله ﷺ : " اقرأوا على موتاكم يس " رواه أبو داود والنسائي. وفي الرسالة: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به. قلت والأفضل قراءتها للمحتضر عند رؤية علامة الموت، لخبر: " إذا قرئت عليه سورة يس بعث الله ملكا
لملك الموت أن هون على عبدي الموت " وحديث أبي الدراء: " أن النبي ﷺ قال: " ما من ميت تقرأ عنده سورة يس إلا هون الله عليه " اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإذا قضى أغمض وشد لحياه وسجي " يعني إذا مات يستحب إغلاق عينيه برفق، بأن يأخذ الماء ويمسح به على عيني الميت، ويستحب أن يتولى ذلك من هو أحب وأرفق به من أوليائه. ويستحب شد لحييه بعصابة ويربطهما من فوق رأسه لينطبق فاه؛ لأن عدم إغماضه وشد لحييه يقبح منظره اهـ. قال ابن جزي: فإذا قضى غمضت عيناه، ووجب له أربعة حقوق: أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن. قوله: وسجي أي غطي بثوب زيادة على ما عليه حال الموت، ويستحب تليين مفاصله برفق عقب الموت فيرد ذراعيه لعضديه وفخذيه لبطنه تسهيلا على الغاسل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يؤخذ في غسله فيرفع على سرير ويجرد الرجل وتستر عورته " يعني ثم يشرع في الغسل بأن يوضع على شيء مرتفع كسرير وتستر عورته وجوبا. قال خليل: وستر الغاسل من سرته لركبته عنه وعن غيره من الأجانب عند تجريده للغسل. ومحل الوجوب إذا كان الغاسل غير سيد وغير زوج وإلا ندب فقط. والأصل في ذلك قوله ﷺ : " لا ينظر لفخذ حي ولا ميت " وصفة سترها
стр. 348
أن يلف خرقه ويضعها على قبله، ثم يجعل ثوبا آخر بدبره. وأما غسل المرأة للمرأة فإنها تستر من سرتها إلى ركبتها. ولا يطلع على المغسول غير غاسله والمعين له، قاله النفراوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويوضأ ويغسل كالجنب، يكرر وترا إحداهن بالماء القراح، ويجعل في بعضهن سدر إن احتاج إلى ذلك، وفي الأخيرة كافور، ولا تباشر عورته إلا لضرورة ويعصر بطنه برفق، ولا يؤخذ له ظفر ولا شعر، ولا يحضره إلا من يساعد في غسله " يعني يستحب أن يوضأ الميت قبل الشروع في تغسيله. قال في الرسالة: وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن، وليس بواجب اهـ.
قوله كالجنب، أي كغسل الجنابة سواء، إلا أن هذا لا يحتاج إلى نية بخلاف الجنابة. قواه: يكرر وترا أي يستحب أن يغسل الميت وترا ثلاثا أو خمسا أو سبع غسلات. قال مالك: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف، وليس لذلك صفة معلومة، ولكن يغسل فيطهر. قاله في الموطأ. ومثله في الرسالة. ونصها: وليس في غسل الميت حد ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور كما ذكره المصنف. وقوله بالماء القراح: بفتح القاف الذي لا يشوبه شيء كما مر في الماء المطلق. والمراد بالغسل أن ينقى بالماء الطاهر ولو ماء زمزم فإنه
يجوز أن يغسل الميت به على المشهور، لما يرجى فيه من البركة للميت. والمشهور أن الغسل تعبدي. وقوله: ويعصر بطنه برفق إلخ وفي الرسالة: ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا إلى أن قال: ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " يتولى ذلك الغسل في الرجل الرجال وفي المرأة النساء. فإن لم يكن فالمحارم وراء ثوب؛ فإن لم يكن يممته أجنبية إلى المرفقين وييممها إلى الكوعين " يعني يتولى غسل الميت الرجال إن كان رجلا، ويتولى ذلك النساء إن
стр. 349
كانت امرأة. قال مالك في المدونة. في الرجل يموت في السفر وليس معه إلا نساء أمه أو أخته أو عمته أو خالته أو ذات رحم محرم منه فإنهن يغسلنه ويسترنه.
قال وكذلك المرأة تموت في السفر مع الرجال ومعها ذو رحم محرم منها يغسلها من فوق الثوب. وهذا إذا لم يكن نساء، وفي المسألة الأولى إذا لم يكن رجال , وقال مالك: إذا مات الرجل مع النساء وليس معهن رجل ولا منهن ذات محرم منه تغسله ييممنه بالصعيد، فيمسحن بوجهه ويديه إلى المرفقين، يضربن بأكفهن الأرض ثم يمسحن بأكفهن على وجه الميت، ثم يضربن بأكفهن الأرض، ثم يمسحن بأكفهن على يدي الميت إلى الرفقين. قال وكذلك المرأة تموت مع الرجال إلا أن الرجال لا ييممون المرأة إلا إلى الكوعين فقط ولا يبلغون بها المرفقين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإباحة الاستمتاع إلى حين الموت يبيح الغسل من الجانبين، فلو مات فوضعت جاز لها غسله، ولو أبانها فمات لامتنع. وفي الرجعية خلاف " يعني أن إباحية الاستمتاع إلى حين الموت تبيح الغسل لأحد الجانبين. قال الدردير: وقدم الزوجان بالقضاء إن صح النكاح ولو بالفوات. وإباحة الوطء برق تبيح الغسل بلا قضاء اهـ. وفي الرسالة: ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة. قال النفراوي: والمعنى أن الحي من أحد الزوجين يقدم في تغسيل صاحبه بالقضاء على أقارب الميتة وعلى من أوصته أيضا. ويندب له القيام بأخذ حقه. والدليل على ما ذكر أن أسماء بنت عميس غسلت زوجها أبا بكر وهو خليفة، وأن أبا موسى الأشعري غسلته زوجته. وأوصت فاطمة عليا أن يغسلها، فكان يصب الماء على أسماء المذكورة وهي تغسلها، وما هذا إلا لثبوت حق الحي في التغسيل.
قال في التوضيح: وفي حكم الزوجين السيد مع أمته وأم ولده. قال خليل: وإباحة الوطء للموت برق تبيح الغسل من الجانبين، بخلاف المكاتبة والمبعضة، والمعتقة لأجل والمشتركة، فلا يحل للحي منهما تغسيله لحرمة الاستمتاع بهن. وتقديم السيد على أولياء
стр. 350
الأمة بالقضاء، بخلاف الأمة فلا يقضي لها بالتقديم على أولياء سيدها
اهـ. قوله: ولو أبانها إلخ أما البائنة فلا يجوز للبائن تغسيلها ولا هي له كالرجعية، ولا تغسيل لواحد منهما على الآخر. قال الخرشي: وهو مذهب المدونة اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ نشف بخرقة وأدرج في أكفانه " والمعنى أنه يندب بعد الفراغ من الغسل تنشيف الميت بخرقة نظيفة قبل إدراجه في الكفن بدون تأخير كما سيأتي صفة تحنيطه وإدراجه على وجه الاستحباب. قال رحمه الله تعالى: " وكفنه ومؤنته واجبان في ماله وسطا بالمعروف مقدما على الديون والوصايا، فإن كان عديما ففي بيت المال، فإن لم يكن فعلى المسلمين " يعني قد بين مخرج الكفن بقوله: وكفنه ومؤنته إلى آخره. وفي المدونة: وكذلك تكفينه أيضا واجب، ويتعين في ماله من رأس المال إن كان له مال، ثم على من يلزمه ذلك من سيد إن كان عبدا باتفاق، أو زوج أو أب أو ابن على اختلاف، وهو مذكور مسطور في الأمهات. ثم على جميع المسلمين على الكفاية. والذي يتعين منه تعين الفرض ستر العورة. وما زاد على ذلك فهو سنة، فإن تشارح الأولياء فيما يكفنونه به قضى عليهم أن يكفنوه في نحو ما كان يلبسه في الجمع والأعياد، إلا أن يوصي بأقل من ذلك فتتبع وصيته، وإن أوصى أن يكفن بسرف فقيل إنه يبطل الزائد. وقيل إنه يكون في الثلث. وما يستحب في صفة الكفن وما يتقى منه مذكور في الأمهات فلا معنى لذكره اهـ المدونة. وفي أقرب المسالك: وهو من مال الميت كمؤن التجهيز تقدم على دين غير المرتهن، فعلى المنفق بقرابة أو رق لا زوجية، فمن بيت المال، فعلى المسلمين. والواجب ستر العورة والباقي سنة. ومثله في المختصر اهـ. وفي الرسالة آخر باب النفقة: وعليه أن ينفق على عبيده ويكفنهم إذا ماتوا. واختلف في كفن الزوجة فقال ابن القاسم في مالها. وقال عبد الملك في مال الزوج. وقال سحنون إن كانت مليئة ففي مالها، وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج اهـ.
стр. 351
ثم قال رحمه الله تعالى: " وأقله ثوب يدرج فيه " قال النفراوي قال خليل: هل الواجب ثوب يستره، أو ستر العورة والباقي سنة؟ والراجح الأول، وهو ستر جميع الجسد. والخلاف في الذكر. وأما المرأة فيجب ستر جميع جسدها. وأما التكفين وهو إدراج الميت في الكفن فواجب اتفاقا، كمواراته في التراب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وأكمله للرجل خمسة: قميص، وإزار، وعمامة، ولفاقتان. وللمرأة سبعة: حقو، وقميص، وخمار، وأربع لفائف " قال النفراوي: واختلف العلماء في قول عائشة: كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب إلخ ليس فيها قميص ولا عمامة، فحمله الشافعي على أن ذلك ليس بموجود في الكفن. وقال:
فيسن للرجل ثلاثة أثواب خاصة ليس فيها قميص ولا عمامة. وحمله أبو حنيفة ومالك على أنه ليس بمعدود بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادة على القميص والعمامة، فنقل عنهما استحباب زيادة القميص والعمامة اهـ. قال في الرسالة: ويستحب أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب، أو خمسة، أو سبعة.
وما جعل له من أزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهو تابع للنفقة وفي الزوجة الموسرة قولان. قيل عليها وقيل عليه " وتقدم قول أئمة المذهب واختلافهم في هذه المسألة كما نقله صاحب الرسالة فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تجميره ويذر الحنوط على كل لفافة وعلى مفاصله ومساجده، ويلضق على منافذه قطن محنط، فإذا أدرج شد عند رأسه ووسطه ورجليه " قوله: تجميره بالجيم المعجمة أي تبخيره بالعود وغيره. قال في الرسالة: وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود اه ـ. النفراوي: وصفة اإدراج أن تبسط الوافية أولا ويجعل عليها الحنوط أي الطيب،
стр. 352
ثم تجعل التي تليها في القصر عليها ويجعل عليها الحنوط، ثم يوضع الميت عليها بعد تجفيفه بخرقة نظيفة، ثم يلف عليه الكفن ويربط من عند رأسه ورجليه ويحل عند الدفن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يحمل على نعشه إلى المصلى، والمشي أمامه أفضل " يعني ثم بعد إدراجه في أكفانه رشد ما ذكر فيحمل على السرير إلى موضع الصلاة الذي كانوا يصلون فيه على الجنازة عادة، كالمصلى كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وقال صاحب الرسالة: والمشي أمام الجنازة أفضل. قال الشارح لما روي من " أنه ﷺ كان يمشي أمام الجنازة والخلفاء بعده " ولأنه شافع وحق الشافع أن يتقدم، فالمشي أمامها محصل لفضيلتين المشي والتقدم , ويكره الركوب إلا لعذر أو بعد الدفن فلا بأس به حينئذ. وهذا في حق الرجال الماشين. وأما في حق النساء والراكبين فالمندوب في حقهم التأخر. قال خليل: ومشي مشيع، وإسراعه، وتقدمه، وتأخر راكب وامرأة. وإنما استحب اإسراع بالجنازة لخبر " أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خير تقدمونهم إليه أو شر تضعونه عن رقابكم ". ثم إذا وصلوا به المصلى وضعوه هناك وصلوا عليه.
قال رحمه الله تعالى: " فيصلى عليه، وهي فرض كفاية " أي على المشهور قال في الرسالة: والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها، وكذلك
مواراتهم بالدفن، وغسلهم سنة واجبة اهـ. وقال المواق: وأما الخلاف في الصلاة عليه فقال عياض: الصلاة على الجنائز من فروض الكفاية، وقيل سنة وروى الجلاب عن مالك هي فرض كفاية. وقال الخرشي: وكذلك اختلف هل الصلاة عليه واجبة وجوب الكفاية؟ وعليه الأكثر، وشهره الفاكهاني وغيره، أو سنة. وأما دفن الميت أي مواراته وكفنه كفاية من غير خلاف إلا ابن يونس فإنه حكى سنية كفنه، ولذا قدم المؤلف ذكر الدفن
стр. 353
على الكفن وإن كان متأخرا عنه في الوجود اهـ. وفي أقرب المسالك كما في المختصر: غسل الميت المسلم المستقر الحياة غير شهيد المعترك بمطلق كالجنابة، والصلاة عليه فرض كفاية، ككفنه ودفنه اهـ. وقال ابن رشد في المقدمات: وأما الصلاة عليه فقيل إنها فرض على الكفاية، كالجهاد يحمله من قام به، وهو قول ابن عبد الحكم إلى أن قال: قد اختلف في وجوب القول به. وقيل إنها سنة على الكفاية وهو قول أصبغ اهـ.
ثم ذكر ﵀ كيفية الصلاة عليه بقوله: " يكبر أربع تكبيرات ليس فيها قراءة، بل يثنى على الله تعالى عقيب الأولى، ويصلي على النبي ﷺ عقيب الثانية، ويدعو عقيب الثالثة " قال في الفقه على المذاهب الأربعة في صفة الصلاة على الميت في مذهب المالكية قالوا صفتها أن يقوم المصلي عند وسط الميت إن كان رجلا، وعند منكبيها إن كانت امرأة، ثم ينوي الصلاة على من حضر من أموات المسلمين، ثم يكبر تكبيرة الإحرام مع رفع يديه عندها كما في الصلاة، ثم يدعو أي يثني على الله كما تقدم، ثم يكبر تكبيرة ثانية بدون رفع يديه، ثم يدعو أيضا أي يصلي على النبي ﷺ ثم يكبر ثالثة بدون رفع يديه، ثم يدعو، ثم يكبر رابعة بدون رفع يديه ثم يدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة على يمينه يقصد بها الخروج من الصلاة كما تقدم في الصلاة. ولا يسلم غيرها ولو كان مأموما، ويندب الإسرار بكل أقوالها إلا الإمام فيجهر بالتسليم والتكبير ليسمع المأمومين كما تقدم. ويلاحظ في كل دعاء أن يكون مبدوءا بحمد الله تعالى وصلاة على نبيه ﵊ اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمستحب " أي المختار من الأدعية " اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان
стр. 354
محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وفي المرأة اللهم إنها أمتك. وفي الطفل اللهم اجعله سلفا وفرطا وذخرا وشفيعا لوالديه ولمن شيعه ومن صلى عليه والحقه بنبيه محمد ﷺ . ويسلم عقيب
الرابعة " هذا الدعاء من المستحسنات. والذي في الرسالة أشمل منه وأحسن وهو: الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى؛ له العظمة والكبرياء، والملك والقدرة والسناء، وهو على كل شيء قدير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، أنت خلقته ورزقته وأنت أمته زأنت تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئناك شفعاء له فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة، اللهم قه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به؛ فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند المسألة منطقة ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. تقول هذا بإثر كل تكبيرة. وتقول بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا، واجعل فيه راحتنا ومسرتنا. ثم تسلم. وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك، ثم تتمادى بذكرها على التأنيث اهـ.
قال النفراوي: وهذا الدعاء اختاره
стр. 355
المصنف، يعني صاحب الرسالة لما قيل من أن بعضه مروي عن النبي ﷺ ، وبعضه عن بعض الصحابة والتابعين، فلا ينافي أنه غير متعين، بل الأفضل دعاء أبي هريرة كما تقدمنا، وإن كان يكفي مطلق دعاء، بل لو قال المصلي على الجنازة: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه لكفى وإن صغيرا اهـ. قلت كما في الثمر الداني؛ لأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ والمروية عن أصحابه، رضي الله تعالى عنهم، في ذلك مختلفة، منها ما اختاره مالك في الموطأ وهي التي ذكرها المصنف هنا، لأنها حازت فضيلة الاختصار لمن اقتصر عليها، أنها سهلة على المصلي. وذلك كله واسع. نسأل الله حسن القبول.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يصلى على سقط لم يستهل صارخا " قال مالك في المدونة: لا يصلى على الصبي، ولا يرث ولا يورث، ولا يسمى، ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخا. وهو بمنزلة من خرج ميتا. وفيها أيضا عن ابن شهاب لا يصلى على السقط، ولا بأس أن يدفن مع أمه، وفي الرسالة ولا يصلى على من لم يستهل صارخا. قال النفراوي: بأن نزل من بطن أمه ميتا. وقال
خليل عاطفا على المكروه: ولا سقط لم يستهل، ولو تحرك، أو عطس، أو بال، أو رضع إلا أن تتحقق الحياة، وغسل دمه، ولف بخرقة وووري. وحكم غسل الدم الندب. وحكم المواراة واللف بخرقة الوجوب. ولا يسأل، ولا يبعث، ولا يشفع إن لم تنفخ فيه الروح. والنهي عن الصلاة فيه نهي الكراهة، وأما القتيل في سبيل الله فالنهي فيه نهي التحريم. وكذا الغسل. قال مالك في المدونة: الشهيد في المعترك لا يغسل، ولا يكفن، ولا يحنط، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه لقوله ﷺ : " زملوهم بكاومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك " ولذلك قال رحمه الله تعالى: عاطفا على سقط.
" ولا قتيل في سبيل الله ولا يغسل " قد تقدم الكلام فيه آنفا فراجعه