بعمرة ثم أحرم بعمرة أخرى، فإن الحجة الثانية والعمرة الثانية لغو، يريد ويكره له ذلك اهـ. وقال المواق فيها: كره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة ولا يلزمه شيء مما أردف، ولا قضاء ولا دم قران اهـ. وفي الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون. من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعده بعمرة فليس له ذلك: قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فمريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " يعني أن مريد الإحرام إذا وصل إلى الميقات المكاني، وأراد أن يحرم بحج أو عمرة يندب له أن يقلد هديه إن كان معه، وأن يشعره هناك. قال في توضيح المناسك: يسن له أن يقلد هديه إن كان من الإبل أو البقر، ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان لها أسنمة أم لا، أو من البقر إن كان لها أسنمة، ولا تقلد ولا تشعر. والتقليد: شيء في عنق
الهدي.
والأفضل أن يكون شيئا مما تنتبه الأرض ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي. والإشعار: أن يشق في الجانب الأيسر من السنام بادئا من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك قائلا على جهة الاستحباب باسم الله والله أكبر ويستحب أن يكون مستقبل القبلة هو وهديه عند إشعاره، وأن يجعل الهدي عن يمينه، وأن يمسك خطامه بيساره، وأن يقدم التقليد على الإشعار. ويستحب أن يجلل الهدي إن كان من الإبل بأن يجعل من الثياب بقدر طاقته اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " واغتسل وصلى ركعتين نافلة استحبابا، ويتجرد عن محيط في إزار ورداء ونعلين، ثم ينوي ما يريد عقده ملبيا ومتوجها " قوله: عن محيط بضم الميم وبالحاء المهملة، وفي نسخة مخيط بالخاء المعجمة كما في الرسالة، وهما روايتان صحيحتان. والمعنى ثم بعد تمام التقليد والإشعار وما يتعلق بذلك يسن الغسل للإحرام، وهذا الغسل سنة من سنن الإحرام، ثم يتجرد عن المحيط والمخيط، يلبس
стр. 457
إزارا ونعلين، ويندب أن يكون الإزار والرداء
أبيضين نظيفين. قال في توضيح المناسك: ويسن له بعد فعل ما تقدم أن يركع للإحرام ركعتين فأكثر إن كان متوضئا، وإلا بأن لم يجد ماء وكان مسافرا، أو كان مقيما ووجد ماء ولكن خاف باستعماله مرضا أو زيادته تيمم وركعها، ويستحب له أن يقرأ في الأولى ﴿قل يأيها الكافرون﴾، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾، فإن كان الوقت وقت نهي انتظر وقت الجواز، إلا أن يخاف فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام، والأفضل تخصيصه بركعتين، ويدعو الله عقب تنقله بأن يسأل الله العون على إتمام نسكه، ثم يركب راحلته وينوي ما أراد من حج أو عمرة ملبيا متوجها كما قال المصنف. والركوب في الحج والعمرة لمن قدر عليه أفضل من المشي للاقتداء به ﵊. ثم بعد نية الدخول في الإحرام يلبي.
قال رحمه الله تعالى: " ولفظها " أي التلبية التي ينبغي الاقتصار عليها هي " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنغمة لك والملك، لا شريك لك " فهذه هي تلبية رسول الله ﷺ . ويستحب للملبي الاقتصار عليها، ففي البخاري عن ابن عمر " إن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك " إلخ. ومثله عن عائشة أنها قالت: " إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يعاودها في كل صعود وهبوط وتلقي الرفاق ودبر الصلوات، ويلزم الدم بتركها جملة " يعني كما تقدم أن مريد أحد النسكين بعد أن يحرم يلبي حين توجهه إلى مكة. قال في الرسالة: ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك. فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة
стр. 458
ويروح إلى مصلاها اهـ. انظره في الفواكه الدواني. وما كره من لزوم الدم بترك التلبية جملة هو كذلك. قال في إيضاح المناسك: فمن تركها من أول الإحرام إلى آخره لزمه هدي وكذا من فصل بينها وبين الإحرام بنصف يوم اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " ثم إن كان الوقت واسعا أتى مكة لطواف القدوم " يعني إن كان بين إحرامه بالحج وبين الوقوف بعرفة وقت واسع وجب عليه أن يأتي مكة لطواف القدوم؛ ومفهوم الشرط أنه إن ضاق الوقت ولم يسع الطواف والسعي بعده وخاف بفعلهما فوات الحج فإنه يترك طواف القدوم ويتوجه إلى عرفة لإدراك الوقوف ولا يلزمه الهدي في ترك القدوم لأنه مراهق، ويكون السعي بعد الإفاضة.
قال رحمه الله تعالى: " فيدخلها من التثنية العليا " قوله: فيدخلها الضمير عائد إلى مكة، يعني أن المحرم يدخل مكة من الثنية العليا، وهي التي يهبط منها على المقبرة المسماة بالمعلى التي بها أم المؤمنين خديجة، رضي الله تعالى عنها.
قال في الرسالة: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدا، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " حتى يأتي المسجد فيدخل من باب بني شيبة " يعني كما في توضيح المناسك يستحب له أن يدخل المسجد من باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام، ويدور إليه إن لم يكن على طريقه كما هو ظاهر إطلاقهم. ويستحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وهذا مستحب كلما دخل المسجد الحرام أو غيره من المساجد.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا رأى البيت قطع التلبية " قال العلامة الشيخ محمد علي رحمه مولاه في إيضاح المناسك: وانتهاء التلبية بيوت مكة لمن أحرم بالعمرة أو الحج
стр. 459
أو القران من الحل، وحدود الحرم لمن أحرم بالعمرة من الميقات ولم يفته الحج فهل يقطعها عند بيوت مكة، أو إذا ابتدأ الطواف؟ قولان مشهوران.
وانتهاؤها لمن بمكة إذا أحرم بالحج مفردا أو قارنا قبل زوال يوم التاسع الأقصى من الرواح للمصلى والزوال، وكذا من عاودها بعد سعي الحج الواقع بعد القدوم.
وانتهاؤها لمن أحرم بعرفة بعد الزوال جمرة العقبة اهـ. ويستحب عند رؤية البيت أن يستحضر ما أمكنه من الخشوع، وأن يدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة. وأهمها سؤال المغفرة، والموت على الإسلام، وكفاية هول الموقف، ورضوان الله تعالى، والنظر إلى وجهه من غير سابقة عذاب. وقال ابن حبيب: يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. وقال رحمه الله تعالى أي عند رؤية البيت: " وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما " قال ابن الحاج في مناسكه: ويكبر عند رؤية البيت قبل أن يقول هذا ثلاث تكبيرات. والحاصل أن التكبير والدعاء عند رؤية البيت مستحب، لأن الدعاء عند رؤية البيت مستجاب فيها الدعاء كما في الحديث.
قال رحمه الله تعالى: " فيأتي الحجر الأسود فيقبله " يعني فإذا دخل المسجد
لا يركع تحية المسجد فإن تحيته حينئذ الطواف، بل يقصد الحجر الأسود ويقبله بفيه إن قدر، وإلا فبيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، وإن تعذر ذلك كبر بلا رفع يد على المشهور في المذهب. قال رحمه الله تعالى: " ويقول " أي عند شروعه في الطواف: " اللهم إيمانا بك، ووفاء بعهدك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك " سيدنا محمد ﷺ .
قال رحمه الله تعالى: " ويبتدئ الطواف منه " أي من الحجر الأسود لأن الابتداء
стр. 460
منه واجب بل الأولى الاحتياط بالوقوف قبله بقليل، فمن بدأ من غيره وأتم لمحل بدئه أجزأه الطواف وبعث بهدي إذا خرج من مكة، وإلا ابتدأه، انظره في إيضاح المناسك.
قال رحمه الله تعالى: " فيطوف سبعة أشواط من وراء الحجر (١) جاعلا البيت عن يساره " يعني أنه يطوف سبعة أشواط، وإكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف، فيعيده من بمكة إذا ترك شوطا أو بعض شوط منه مطلقا، ورجع على إحرامه واستأنفه إن خرج من مكة حيث كان الطواف ركنا، وبعث بهدي حيث كان واجبا ولا شيء عليه حيث كان نفلا. ويبني الشاك غير المستنكح على الأقل ويأتي بما شك فيه كالصلاة، فإن لم يبن كان كمن ترك شوطا أو بعضه، ويعمل بخبر من كان معه في الطواف ولو واحدا وقوله: من وراء الحجر بالكسر أي من وراء حجر إسماعيل، وأصله من البيت، فلو طاف الإنسان ماسحا بيده على جدار الحجر لم يصح طوافه إلا أنه إذا بعد عن مكة ينبغي أن لا يلزم بالرجوع بل يبعث بهدي مراعاة لمن يقول إن الحجر ليس من البيت. وقوله: جاعلا البيت إلخ، وأيضا كون البيت عن يسار الطائف شرط في صحة الطواف، فمن طاف والبيت عن يمينه أو وجهه أو ظهره للبيت لم يجزه. قال خليل: وجعل البيت عن يساره. قال الخرشي: يعني أن الطائف يجب عليه في طوافه أن يجعل البيت في دورانه عن يساره فكأنه لم يطف ورجع إليه ولو من بلده إن كان ذلك الطواف ركنا، وهذا هو المشهور لطوافه ﵊ هكذا، وقوله: " خذوا عني مناسككم " وفي الصاوي على أقرب المسالك: المراد عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه، فلو جعله عن يساره إلا أنه رجع القهقرى من الأسود إلى اليماني لم يجزه. قال الحطاب: حكمة جعل البيت
стр. 461
عن يساره ليكون قلبه إلى جهة البيت ووجهه إلى وجه
البيت؛ إذ باب البيت هو وجهه، فلو جعل الطائف البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأمثال اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " الثلاثة الأول خببا، كلما مر بالحجر قبله وبالركن اليماني لمسه بيده " يعني أنه يطوف بالبيت سبعة أشواط ثلاثة خببا وأربعة مشيا كما في الحديث، ويسن استلام الحجر الأسود في أول شوط، ويندب في كل شوط، وكذلك اليماني لكنه باليد فقط. وعبر ﵀ بالخبب وعبر غيره بالرمل وهما لفظان متقاربان في المعنى وكلاهما واردان. وفي الحديث الصحيح " كان ﵇ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثة ومشى أربعة، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة " اهـ أخرجه الشيخان عن ابن عمر. وفي الموطأ عن نافع " أن عبد الله بن عمر يرمل من الحجر الأسود ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة أطواف " اهـ وفيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف " قال مالك " وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا اهـ. وفي الرسالة: سبعة أطواف ثلاثة خببا وأربعة مشيا. وقال خليل عاطفا على المندوبات: ورمل رجل في الثلاثة الأول ولو مريضا وصبيا حملا اهـ. وما ذكرناه من الخبب والرمل من أنهما لفظان متقاربان في المعنى هو كذلك؛ لأن الخبب فوق الرمل ودون الجري. والرمل فوق المشي مع هز المنكبين. قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: والرمل الإسراع في المشي دون الخبب اهـ. وأما قوله: كلما مر بالحجر قبله إلخ قد روينا عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي ﷺ قال: " حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثة ومشى أربعة، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ورجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا ". وفي الحديث: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا " اهـ. أخرجه النسائي.
стр. 462
ثم قال رحمه الله تعالى: " واستيفاء العدد شرط كالطهارة " يعني كما تقدم أن إكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف فراجعه إن شئت عند قول المصنف فيطوف سبعة أشواط إلخ. وكما أن استيفاء العدد شرط في صحة الطواف كذلك الطهارة شرط في صحته. قال في إيضاح المناسك: الثاني: أي من شروط صحة الطواف طهارة الحدث الأكبر والأصغر في ابتداء الطواف ودوامه على الذاكر القادر وغيره، فلا يصح طواف المحدث ولو غلبة أو سهوا أو نسيانا. ولا يجوز له البناء على ما مضى بعد تطهره ولو بالقرب. وكذا يشترط في صحة الطواف طهارة الخبث على الذاكر القادر في ابتداء الطواف فقط، فلا إعادة على من لم يعلم بها إلا بعد فراغه. ولا يبطل طواف
من علم بها في أثنائه، بل يبني على ما فعله بعد طرحها أو غسلها كمن رعف في أثنائه بشرط أن لا يمشي على نجاسة، وأن لا يبعد المكان جدا، وأن لا يتعدى موضعا قريبا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ صلى ركعتين، والأفضل وراء المقام " يعني فإذا انقضى الطواف بأن تم سبعة أشواط صلى ركعتين في أي موضع تيسر له ذلك من المسجد، لكن الأفضل أن يصليها خلف مقام إبراهيم امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قال في توضيح المناسك. ثم يصلي ركعتي الطواف، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قل يأيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، وإن اقتصر على الفاتحة أجزأه، ويستحب أن يركعهما بالمسجد وأن يكون خلف المقام إن لم يؤد إلى مروره بين يدي المصلين أو مرروهم بين يديه. وأما صحتهما ففي أي مكان حتى لو طاف بعد العصر أو بعد الصبح وأخر الركعتين فإنه يصليهما حيث كان ولو في الحل، ما لم ينتقص وضوؤه، وإلا فراجع حكم موالاة الطواف وركعتيه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج إلى الصفا فيرقى حتى يرى البيت فيتوجهه
стр. 463
ويكبر ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين " هذا الدعاء من الواردات. والمعنى أنه يفعل كما فعل رسول الله ﷺ في حجة الوداع؛ لأنه ﵊ استلم الحجر الأسود بعد ركعتي الطواف، ثم خرج إلى السعي من باب الصفا. قال بعضهم في منسكه: فلما دنا ﷺ من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به " وفي رواية " ابدأوا " ثم رقي عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا، وقال هذا ثلاث مرات يدعو بين ذلك، ثم ينزل إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى. هذا الذي صح عنه ﷺ قبل وجود الميلين الأخضرين. وكان ﷺ لما وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما على الصفا حتى ختم السابع على المروة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيسعى حتى يجاوز الميلين الأخضرين، ثم
يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها كالصفا، وذلك شوط، ثم يأتي بتمام سبعة أشواط كذلك " وما ذكره ﵀ مثله في الرسالة، ونصها: فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة اهـ قال ابن عاشر في المرشد المعين:
стр. 464
واخرج إلى الصفا فقف مستقبلا ... عليه ثم كبرن وهلا
واسع لمروة فقف مثل الصفا ... وخب في بطن المسيل ذا اقتفا
أربع وقفات بكل منهما ... تقف والأشواط سبعا تمما
وادع بما شئت بسعي وطواف ... وبالصفا ومروة مع اعتراف
وقول الناظم وادع بما شئت بسعي وطواف، إشارة إلى أن ليس في السعي والطواف دعاء مخصوص، بل يندب أن يدعو الطائف والساعي بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. وكان عبد الله بن عمر، ﵁، يدعو وهو على الصفا يقول. اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم اهـ. رواه مالك في الموطأ. ومما يقال في الطواف " اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق " اهـ. أخرجه البزار. ولابن ماجه عن النبي ﷺ قال: " وكل بالركن اليماني سبعون ملكا، فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين " وعنه أيضا " من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات " اهـ. ويستحب القيام على الصفا والمروة للدعاء، وأن يطيل الوقوف.
وكذلك يستحب أن يكثر قول لا إله إلا الله مع الصلاة على النبي في السعي بين الصفا والمروة وغير ذلك من أنواع الذكر بلا تخصيص بدعاء معين على ما اتفق عليه الأئمة؛ لأن الطواف والسعي ليس لهما دعاء مخصوص كما تقدم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهذا السعي هو الركن " أي هو ركن من أركان الحج
стр. 465
كما أنه ركن من أركان العمرة. وتقدم أن أركان الحج أربعة. الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، فراجعه في أول الفصل إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن لم يأت بطواف القدوم، أو أخره عنه سعى مع
طواف الإفاضة " يعني أن المحرم بالحج إن لم يطف طواف القدوم، بأن كان مرهقا وأخر السعي إلى بعد النزول من عرفة، فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة هذا إن كان تأخيره السعي لعذر كما وصفنا، وإلا فعليه الهدي لوجوب تقديم السعي على الوقوف. وأما لو أحرم بحج من مكة كالتمتع، أو كان من أهلها فإنه يجب عليه إعادته بعد الإفاضة ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى سافر إلى بلده وجب عليه أن يرسل بهدي لإيقاعه السعي بعد طواف التطوع؛ لأن طوافه قبل الوقوف تطوعا، ولا يلزم عليه الرجوع، بخلاف من لم يسع أصلا فإنه يرجع له وجوبا ولو وصل إلى أقصى المشرق أو المغرب؛ لأن السعي ركن على المشهور، خلافا لأبي حنيفة القائل إنه واجب ينجبر بالدم. وروى ابن قصار عن الإمام أن السعي واجب يجبر بدم وليس بركن، فحينئذ إن رجع إلى بلده يرسل بهدي فقط، لكن المشهور الذي عليه الجمهور الأول، فتنبه.
قال رحمه الله تعالى: " وشرطه أن يكون عقيب طواف " يعني أن شرط صحة السعي أن يكون بعد تقديم طواف صحيح مطلقا. قال في توضيح المناسك: وشرط صحته في الحج والعمرة أن يتقدمه طواف تام صحيح سواء كان فرضا أو واجبا أو تطوعا، فلو سعى من غير طواف لم يجزه، فإن كان محرما بعمرة وجب أن يكون إثر طواف العمرة وإن كان محرما بحج أو بقران من الحل وجب عليه تقديم من ترك طواف القدوم. وتركهما معا كترك أحدهما أحدهما من حيث لزوم الدم، فإن أحرم بالحج من مكة، أو أردف الحج بالحرم فلا
стр. 466
يطوف ولا يسعى حتى يرجع من عرفة، وكذا يرخص للمراهق في تأخيره وهو من قدم في اليوم الثامن ومعه أهل أو في التاسع وإن لم يكن معه أهل، فإن أوقعه مطلقا سواء كان من حج أو عمرة بعد طواف تطوع أعاده ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى بعد عن مكة لزمه الهدي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج في اليوم الثامن إلى منى ويعاود التلبية " يعني كما في الرسالة: ثم يخرج يوم التروية أي يوم الثامن من ذي الحجة متوجها إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها اهـ. وتقدم لنا عند قول المصنف ويعاودها في كل صعود وهبوط فراجعه إن شئت. قال في توضيح المناسك: ويكره التقديم إلى منى بقصد النسك قبل اليوم الثامن ولو بتقديم الأثقال. وإلى عرفات بقصد النسك قبل التاسع والتراخي
في مكة إلى آخر النهار من ذلك اليوم من غير عذر، فإذا وصل إلى منى نزل بها حيثما تيسر له النزول.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب المبيت بها فإذا صلى الصبح دفع إلى عرفة فينزل بها " يعني كما في توضيح المناسك، ويسن المبيت بها وأن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كل صلاة في وقتها قصرا إلا المغرب، وهذه الليلة يطلب إحياؤها، فليكثر فيها من الصلاة والدعاء والذكر، والسنة أن لا يخرج من منى حتى تطلع الشمس على ثبير، وإنما كان القصر سنة مع قصر المسافة لأجل السنة، والقصر لجميع الحجاج سواء المكي وغيره سنة في ذهابه للحج وفي رجوعه لبلده أيضا، حيث بقي عليه عمل من النسك بغيرها، وإلا أتم حال رجوعه، كمنوي راجع من مكة بعد الإضافة لمنى، فإنه لا يقصر في رجوعه لأنه وإن كان رجوعه لوطنه إلا أن عليه النزول بالمحصب وهو بغير وطنه اهـ.
стр. 467
قال رحمه الله تعالى: " فإذا زالت الشمس قطع التلبية وجمع بين الصلاتين ثم وقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، فإذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب دفع إلى المزدلفة " والمعنى كما ذكرنا في الرسالة المختصرة في صفة الحج، فإذا زالت الشمس من يوم التاسع وأنت بعرفة فاغتسل بإمرار اليد من غير إزالة الوسخ وصل الظهر والعصر مجموعتين جمع تقديم، ولا تصل النفل بينهما، ثم تذهب إلى موقف عرفة، وعرفة كلها موقف ما عدا بطن عرنة، ويستحب لك أن تقف موقف رسول الله ﷺ تحت جبل الرحمة، وأن تستقبل القبلة وأنت متوضئ مشتغلا بالدعاء والذكر والصلاة على النبي ﷺ والتضرع وسؤال العافية في الدنيا والآخرة وطلب المغفرة لنفسك ولوالديك ولمن أوصالك بالدعاء ولجميع المسلمين والمسلمات، ولا تزال مشتغلا مجتهدا بذلك إلى غروب الشمس، وبعد الغروب تقف قليلا وتنوي الوقوف الركن ولو بقدر سبحان الله، لأن الوقوف نهارا واجب ينجبر بدم، والوقوف الركن لا يكون إلا عند تحقق الغروب عند المالكية، ولذا أشار ﵀ بقوله: " ومن خرج من عرفة قبل تواريها بطل حجه إلا أن يعود جزءا من الليل، ومن تركه نهارا متمكنا فعليه دم " قال مالك: إن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج اهـ. قال في الموطأ: وتقرر لنا في دماء الحج أن نية الخروج من عرفة قبل الغروب من موجبات الهدي، فمن نوى الخروج من عرفة قبل الغروب ولم يخرج إلا بعد
الغروب وجب عليه الهدي فإن خرج فعلا والحال أنه لم تغرب الشمس فقد فاته الحج إن لم يرجع قبل طلوع الفجر، وندب له التحلل بفعل عمرة، ووجب عليه القضاء والهدي في العام القابل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتى المزدلفة جمع بين العشاءين فإن لم ينزلها
стр. 468
لزمه الدم، والأفضل المبيت ويلتقط منها حصى الجمار، فإذا طلع الفجر أتى المشعر الحرام فصلى الصبح ووقف ذاكرا " يعني كما في صفة الحج إذا تحقق غروب الشمس من يوم عرفة تدفع بوقار وسكينة قبل صلاة المغرب حتى تصل إلى مزدلفة فتجمع بها المغرب والعشاء وتقصرها دون المغرب، ويسمى هذا الجمع جمع التأخير بأذان واحد وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما. وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما. وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين لكل من الظهر والعصر على المشهور، ويسمى جمع التقديم.
والنزول بالمزدلفة واجب، ويلزم في تركه الدم كما قال المصنف، ويستحب المبيت بها وأن يصلى الصبح في أول وقتها، وأن تقف عند المشعر الحرام مستقبل القبلة، وأن تكثير من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ إلى الإسفار، وأن تلتقط القبلة، وأن تكثر من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ إلى الإسفار، وأن تلتقط سبع حصيات لرمي جمرة العقبة. ومما ينبغي إحياء تلك الليلة بكثرة العبادة من الذكر والصلاة وغيرها، لما رواه الطبراني في التكبير عن عبادة بن الصامت مرفوعا " من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قبله يوم تموت القلوب " اهـ. قال ابن جزي: إذا غربت الشمس يوم عرفة دفع الإمام والناس معه إلى المزدلفة، وهي ما بين منى وعرفة، وينصرفون على طريق المأزمين فيجمعون بالمزدلفة بين المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق، ويبيتون بها تلك الليلة، ومن صلى قبلها من غير على أعاد إذا أتاها، ولا ينزل ببعض المياه لعشاء أو استراحة، فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس ثم نهضوا إلى المشعر الحرام وهو آخر أرض المزدلفة فيقفون للتضرع والدعاء إلى الإسفار، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى ويخب في وادي محسر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يدفع قبل الطلوع إلى منى فيرمي بها جمرة العقبة بعد الطلوع بسبع حصيات " قال في توضيح المناسك: يستحب له إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله إلى هيئته ماشيا أو راكبا إلا أن يكون في إتيانه كذلك أذى للناس، فيحط رحله ويأتي إليها ماشيا. وأصل رميها واجب، ويندب المشي في غيرها،
стр. 469
ويدخل وقتها بطلوع الفجر أي في يوم النحر، ويمتد وقت أدائها إلى الغروب، وأفضله من طلوع الشمس إلى الزوال، والليل وقت قضاء لها، فإن أخر إليه لزمه دم، ويستحب أن يستقبلها حالة الرمي ومنى عن يمينه
وطريق مكة عن يساره ثم يرميها بسبع حصيات متفرقا، فإن رماها من فوقها من الطريق العليا في أصل المرمى من تلك الجهة أجزأه ويستغفر الله. ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيحلق أو يقصر وينحر هديه " يعني إذا تم رمي جمرة العقبة بسبع حصيات فإنه يبادر إلى الحلق أو التقصير، وينحر هديه إن كان معه هدي، لكن يستحب تقديم النحر على الحلق وأن يفعلهما قبل الزوال بلا عذر مكروه؛ لأن الذبح بعده مكروه؛ لأن الذبح مقدم على الحلق لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦] وأول ما يفعل في يوم النحر الرمي ويجب تأخير الحلق والطواف، فتقديم الطواف قبل الرمي يوجب هديا، وتقديم الحلق يوجب فدية، وتقديمهما معا يوجب هديا وفدية. وأما تأخير الذبح عن الرمي وتأخير الحلق عن الذبح فمستحب كتأخيري الإفاضة عن الذبح.
وحاصل ما يطلب في يوم النحر أربعة أشياء وهي: الرمي، والذبح، ثم الحلق، ثم الطواف، وإليها أشار بعضهم بقوله: " رنحط " الراء للرمي، والنون للنحر، والحاء للحلق، والطاء لطواف الإفاضة اهـ. ويجب استيعاب جميع الرأس بالحلق أو التقصير، والحلق أفضل، وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي ولو قربت. وفي المدونة: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل، فإن حلق بمكة أيام التشريق أة بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه اهـ.
قال الحطاب: لعله مقيد بأنه رحل ولم يرجع لبلده ليوافق ما في المدونة وهو قولها: وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي، ولو قربت كما تقدم اهـ. فتقرر أن تأخير
стр. 470
الحلق إلى بلده يوجب الهدي، وكذلك الطول، كبعد خمسة أيام بعد أيام التشريق.
ويكره الجمع بين الحلق والتقصير لغير ضرورة. ويتعين الحلق في الشعر القصير جدا، وفي عديم الشعر كالأقرع فيجر الموسى على رأسه، ويستحب استقبال القبلة حالة الحلق أو التقصير والبدء بالأيمن، وأن يذكر الله ويدعوه لأن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، وكذلك يستحب إيقاع الحلاق بمنى من غير إيجاب، وأن يكون عند جمرة العقبة. ويتعين التقصير في حق الأنثى ولو بنت تسع، ويحرم عليها الحلق، لأنه مثله في حقها، والحرمة في حق الصغيرة متعلقة بوليها، وأما بنت أقل من تسع فيخير فيها بين الحلق والتقصير. والتقصير أن تأخذ المرأة قدر أنملة أو أقل أو أكثر، ويأخذ الرجل في تقصيره من قرب أصله استحبابا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة وهذا هو
الركن " يعني إذا رمى جمرة العقبة وفعل ما ذكر بعدها من النحر والحلق فإنه يستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة ليتحصل له التحلل الأكبر، لأن التحلل الأصغر قد حصل برمي جمرة العقبة كما يحصل بخروج وقت أدائها ولو لم يرمها، وبرميها يحل لك كل شيء إلا الجماع ومقدماته، وعقد النكاح، والصيد فحرمتها باقية حتى يطوف طواف الإفاضة. ويكره الطيب، فلا فدية، وطواف الإفاضة به يحصل التحلل الأكبر وهو الركن الرابع من أركان الحج في حق من قدم السعي إثر طواف القدوم. وهو آخر أركانه. قال النفراوي في الفواكه: اعلم أنه قد تقرر أن للحج تحللين أصغر وأكبر، فالأكبر طواف الإفاضة لأنه يحل به كل ما كان محرما على المحرم، والأصغر رمي جمرة العقبة لأنه إنما يحل به غير النساء والصيد، ويكره معه مس الطيب، ومثل رميها بالفعل فوات وقت أدائها وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لأن الليل قضاء اهـ. وفي توضيح المناسك: ويستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة إثر الحلق في يوم النحر، وأن يدخلها طاهرا ليبادر بفعله،
стр. 471
وأن يطوف في ثوبي إحرامه، ثم يصلي ركعتي الطواف وجوبا، ثم يسعى سبعة أشواط إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم كما تقدم. ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر ويستحب الرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه للرجال فقط. ولا رمل في طواف لا سعي بعده اهـ، وفي صفة الحج: ثم تتوجه إلى مكة فتطوف بالبيت سبعة أشواط طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج، وتسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك إن لم تقدم السعي بعد طواف القدوم، ثم ترجع إلى منى من يومك لأجل المبيت والرمي بعد زوال كل يوم ثلاث جمرات، كل جمرة بسبع حصيات، تبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، ثم الكبرى، تفعل ذلك ثلاثة أيام إن لم تتعجل، أو يومين إن تعجلت ثم تدفع إلى مكة اهـ. ومثله في الرسالة، ونصها: فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق. ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع، ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام، فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة بمثل ذلك تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف، فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصراف اهـ.
وإلى جميع ذلك أشار رحمه الله تعالى فقال: " ثم يعود إلى منى فيبيت بها
ليالي التشريق لرمي الجمار، فيرمي الأيام الثلاثة كل يوم بعد الزوال، ولا يجزئ قبله ولا ليلا، يبدأ بالجمرة السفلى فيرميها بسبع حصيات رميا لا وضعا، ويكبر مع كل حصاة، ويتقدم أمامها فيتوجه العقبة ويبتهل بالدعاء، ثم يأتي الوسطى فيفعل كذلك، ثم يأتي العليا وهي العقبة فيرميها " يعني إذا تم طواف
стр. 472
الإفاضة وجب عليه الرجوع إلى منى للمبيت والرمي، فالمبيت بمنى أيام التشريق واجب وتركه يوجب الهدي، إلا من رخص لهم وهو رعاة الإبل ومن ولي السقاية بمكة. قال في توضيح المناسك: يسقط المبيت عن الرعاة، فإذا رموا جمرة العقبة يوم النحر فلهم أن يذهبوا ويرخص لهم في تأخير رمي جمار اليوم الثاني، فيأتوا في الثالث فيرموا لليوم الثاني ثم للثالث ولا دم عليهم. قال ويسقط المبيت أيضا عمن ولي السقاية بمكة، فيرمي الجمار نهارا في كل يوم ثم يعود لمكة لأجل المبيت، ومن ترك المبيت بمنى ليلة كاملة أو جلها أو جميع الليالي لزمه الدم، ويشترط في المبيت بها أن يكون فوق جمرة العقبة وجمرة العقبة من منى كما في المجموع. فمن بات دونها جهة مكة لم يبيت بمنى اهـ.
وأما الرمي فله شروط الصحة وشرط الكمال، فشروط صحته عشرة، الأول أن يكون في اليوم الأول من أيام النحر بعد الفجر وفي اليوم الثاني والثالث والرابع بعد الزوال. الثاني أن يكون بحجر. الثالث أن يكون رميا. الرابع أن يكون بيده.
الخامس أن يكون على الجمرة وهي البناء وما تحته من موضع الحصا المجتمع أو السائل فيه. السادس الترتيب بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام النحر. السابع أن تكون الحصاة قدر حصى الخذف، واستحب مالك أن يكون أكبر منه قليلا. الثامن أن يكون الرمي لكل جمرة سبعا من المرات يقينا ولو بحصاة واحدة. التاسع أن لا ينوي بواحدة من المرات السبع نفسه وغيره وإلا لم تجز عن واحد منهما. العاشر عدم صرف الرمي بالنية لغير النسك اهـ وأما شروط الكمال وتسمى آداب الرمي فكثيرة، منها أن يكون بالأصابع لا بالقبضة، وباليد اليمنى لا باليسرى إلا إذا كان أعسر. ومنها تطهير الحصى إن كان متنجسا، وأن يلقطه بنفسه، وأن يكون غير مرمى به، ولو في عام مضى. ومنها أن يرمي الأولى والوسطى من جهة مسجد الخيف حال كونه مستقبلا طريق مكة، , وأن يستقبل جمرة العقبة حال رميها ومنى عن يمينه وطريق مكة عن يساره، وأن ينصرف بعد رميها من ورائها. ومنها أن يكبر
стр. 473
مع كل حصاة في جميع الجمار، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق به ولو قبل وصولها لمحلها.
ومنها أن يوالي بين رمي الحصيات في جميع الجمار، وأن يوالي بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع. ومنها أن يتقدم بعد رمي الجمرة الأولى
والوسطى في الثاني والثالث والرابع أمام الجمرة فيقف مستقبل القبلة ثم يدعو قدر قراءة سورة البقرة بإسراع، ولا يقف للدعاء عند جمرة العقبة لضيق موضعها.
ومنها أن يذهب إذا تحقق زوال الشمس من اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع لرمي الجمار الثلاث قبل صلاة الظهر ماشيا متوضئا , وأن يذهب في يوم النحر لرمي جمرة العقبة حين وصوله من المزدلفة إلي منى بعد طلوع الشمس على هيئته ماشيا أو راكبا ما لم يؤذ أحدا وإلا حط رحله وأتى إليها ماشيا , قاله في الإيضاح اهـ.
وأشار ﵀ لبعض ما تقدم من شروط صحة الرمي بقوله: " والترتيب شرط فإن نكس أعاد ما نكس " يعنى أن ترتيب الجمار الثلاث شرط في صحة الرمي , فلا يصح رمي الجمرة الثانية حتى يكمل ومي الجمرة الأولى , ولا يصح رمى الثالثة حتى يكمل رمى الثانية , فلزم الابتداء بالجمرة الأولى التي تلي مسجد مني , ثم يرمي الوسطى , ثم يرمى جمرة العقبة , وإن نكس أعاد ما نكس بأن ابتدأ بالعقبة أو الوسطي في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع. قال الدردير: وصحته بترتيبهن لا إن نكس بأن قدم العقبة أو الوسطى أو ترك بعضا ولو سهوا. قال خليل في المختصر: وبترتبهن وأعاد ما حضر بعد المنسية وما بعدها في يومها فقط , وندب تتابعه. قال في توضيح المناسك: مثال ذلك لو نسي الجمرة الأولى من ثاني النحر، ثم رمى ثالث النحر بتمامه، ثم رمى رابع النحر بتمامه، ثم ذكر فإنه يرمي الجمرة المنسية وما بعدها وجوبا، وهي الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة لأنه رمى باطلا لعدم الترتيب، ثم يرمي اليوم الرابع بتمامه استحبابا وهو مراده بقوله: ما حضر وقته وإنما أعاد الرابع لأجل استدراك فضيلة الترتيب؛ لأن الترتيب بين المنسي وما حضر وقته واجب
стр. 474
مع الذكر لا مع النسيان فلذا استحب إعادته، بخلاف ترتيب المنسيات في اليوم الواحد فإنه واجب ولو مع النسيان. وأما اليوم الثالث فإن رميه صحيح وقد خرج وقته. ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر فإنه يصلي الصبح والمغرب والعشاء لبقاء وقتهما ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يرمي بما قد رمي به، ومن ترك المبيت ولو ليلة أو الرمي ولو حصاة لزمه الدم " قد تقدم البيان لهذا في جملة ما ذكرناه ولا حاجة في تكراره. قال رحمه الله تعالى: " ولو فضل في يده حصاة لا يدري من أيهن، يرمي في كل جمرة حصاة على الترتيب " (١) يعني كما قال خليل: وإن لم يدر
موضع حصاة اعتد بست من الأولى. وقال الصاوي: حاصله أنه إذا رمى الجمار الثلاث ثم تيقن أنه ترك حصاة واحدة منها ولم يدر من أيها تركها، أو شك في ترك حصاة ولم يدر من أيها فإنه يعتد بست من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمي الثانية والثالثة بسبع سبع، ولا دم عليه إن كمل الأولى وفعل الثانية والثالثة في يومه، فإن رمى الجمار الثلاث في يومين وحصل الشك في ترك حصاة ولم يدر من أي الجمار، وهل هي من اليوم الأول أو الثاني فإنه يعتد بست من الأولى في كلا اليومين ويكمل عليها ويعيد ما بعدها، ويلزمه دم التأخير رمي اليوم الأول لوقت القضاء اهـ وفي جواهر الإكليل فإن تحقق إتمام سبع الأولى وشك في الثانية منها ورماها بحصاة ورمى الثالثة بسبع وإن شك في الثالثة رماها بحصاة فقط اهـ.
стр. 475
قال رحمه الله تعالى: " ثم يدفع إلى مكة لطواف الوداع وهو آخر المناسك " يعني إذا تم أيام التشريق وتسمى الأيام المعدودات فإنه يتوجه إلى مكة لطواف الوداع الذي هو آخر أعمال الحج وهو مندوب. قال في الرسالة: فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه، إلى أن قال: فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف اهـ.
قال خليل عاطفا على المندوب: وطواف الوداع إن خرج لكالجحفة لا كالتنعيم وإن صغيرا إلخ. قال النفراوي وغيره: ولا ينصرف من المسجد بعد الركعتين حتى يقبل الحجر، ولا يرجع القهقرى، وإذا فعل الطواف وأقام بمكة ولو بعض يوم أعاده إلا لشغل خف. والدليل على ندب طواف الوداع قوله ﷺ : " لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف ". قال مالك: ولو أن رجلا جهل أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت حتى صدر لم أر عليه شيئا إلا أن يكون قريبا فيرجع فيطوف بالبيت ثم ينصرف إذا كان قد أفاض اهـ. وفي الرسالة وغيرها: ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده اهـ. وقد تقدم أن طواف الوداع هو آخر أعمال الحج، وبعده لم يبق إلا الارتحال. قال أبو الحسن الشاذلي صاحب العزية في آخر باب الحج: خاتمة، إذا خرج الإنسان من مكة فلتكن نيته وعزمته زيارة النبي ﷺ ، إذ زيارته ﷺ سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها إلى آخر كلامه، ﵁. وسنذكرها في الخاتمة إن شاء الله وقد نظم بعض الصالحين قصيدة في المناسك ونقلنا منها أبياتا لما تضمنت من الفوائد العظيمة وهي هذه كما ترى قال رحمه مولاه:
وما زال وفد الله يقصد مكة ... إلى أن بدا البيت العتيق وركناه
стр. 476
فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا ... وكبرت الحجاج حين رأيناه
وقد كادت الأرواح تزهق فرحة ... لما نحن من عظم السرور وجدناه
فطفنا به سبعا رملنا ثلاثة ... وأربعة مشيا كما قد أمرناه
كذلك طاف الهاشمي محمد ... طواف قدوم مثل ما طاف طفناه
وسالت دموع من غمام جفوننا ... على ما مضى من عظم ذنب كسبناه
ونحن ضيوف الله جئنا لبيته ... نريد القرى نبغي من الله حسناه
فنادى بنا أهلا ضيوفي تباشروا ... وقروا عيونا فالحجيج قبلناه
فيا مرحبا بالقادمين لبيتنا ... إلي حججتم لا لبيت بنيناه
علي الجزا مني المثوبة والرضى ... ثوابكم يوم الجزا أتولاه
فطيبوا سرورا وافرحوا وتباشروا ... وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه
ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم ... وما كان من عيب عليكم سترناه
ومن بعد ما طفنا دخلناه دخلة ... كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه
ونلنا أمانة الله عند دخوله ... كذا أخبر القرآن فيما قرأناه
فهذا الذي نلنا بيوم قدومن ... وأول ضيق للصدور شرحناه
وصلى بأركان المقام حجيجنا ... وفي زمزم ماء طهورا وردناه
وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا ... لما نحن ننويه إذا ما شربناه
وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى ... فإن تمام الحج تكميل مسعاه
فسبعا سعاها سيد الرسل قبلنا ... ونحن تبعناه فسبعا سعيناه
نهرول في أثنائها كل مرة ... فهاذاك من فعل الرسول فعلناه
كذلك ما زلنا نحاول سيرنا ... نهارا وليلا عيسنا ما أرحناه
إلى أن بدا إحدى المعالم من منى ... وهب نسيم بالوصال نشقناه
стр. 477
ونادى بنا حادي البشارة والهنا ... فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه
وبتنا بأقطر الثبير ملبيا ... فيا طيب ليل من منى قد أبتناه
وفي صبحنا سرنا إلى الجبل الذي ... من البعد جئناه لحج وصلناه
فلا حج إلا أن نكون بأرضه ... وقوفا وهذا في الصحيح رويناه
إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا ... فلولاه ما كنا لحج سلكناه
وسرنا إليه قاصدين وقوفنا ... عليه ومن كل الجهات أتيناه
وبعد زوال الشمس كان وقوفنا ... إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه
فكم خاضع كم خاشع متذلل ... وكم سائل مدت إلى الله كفاه
وكم حامد كم ذاكر ومسبح ... وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه
ورب دعانا ناظر لخضوعنا ... خبير عليم بالذي قد أردناه
ولما رأى تلك الدموع التي جرت ... وطول خشوع في خضوع خضعناه
تجلى علينا بالمتاب وبالرضى ... وباهى بنا الأملاك حين وقفناه
وقال انظروا شعثا وغبرا جسومهم ... وقد وفدوا والكل يطلب مولاه
وقد هجروا أموالهم وديارهم ... وأولادهم والكل يرفع شكواه
ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ... ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه
فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ... ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه
على عرفات قد وقفنا بموقف ... به الذنب مغفور وفيه محوناه
وقد أقبل الباري علينا بوجهه ... وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه
وقد كان جمع الظهر والعصر سنة ... لدى عرفات ذاك جمع فعلناه
وظل إلى وقت الغروب وقوفنا ... وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه
أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم ... إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه
стр. 478
وسيروا إليه واذكروا الله عنده ... فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه
وفيه جمعنا مغربا وعشاءها ... ترى عائدا جمعا لجمع جمعناه
وبتنا به حتى لقطنا حصاتنا ... هناك شكرنا ربنا ودعوناه
ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا ... أفاضوا وغفران الإله طلبناه
ونحو منى ملنا لنشهد نفعنا ... ونلنا بها ما القلب كان تمناه
وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها ... حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه
ولما حلقنا حل لبس مخيطنا ... فيا حلقة منها المخيط لبسناه
ومن بعدها يومان للرمي عاجلا ... ففيها رمينا والإله دعوناه
وإياه أرضينا برمي جمارنا ... وشيطاننا المرجوم ثم رجمناه
وردت إلى البيت الحرام وفودنا ... نحن له كالطير حن لمأواه
وطفنا طوافا للإفاضة حوله ... وفزنا به بعد الجمار وزرناه
نطوف به والله يخصي ... ليسقط عنا ما نسيناه وأحصاه
وبالحجر الميمون عجنا فإنه ... يمين لرب الخلق في الأرض صفحناه
نقبله من حبنا لإلهنا ... وكم لثمة طي الطواف لثمناه
وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا ... دعونا به والقصد فيه نويناه
وبعد تمام الحج والنسك كلها ... حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه
فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا ... فقد تم حج للإله حججناه
ولما قضيناه للإله مناسكا ... ذكرناه والمطلوب منه سألناه
فمن طالب حظا بدنيا فما له ... خلاق بأخراه إذا الله لاقاه
ومن طالب حسنا بدنيا لدينه ... وحسنا بأخراه وذاك يوفاه
وآخر لا يبغي من الله حاجة ... سوى نظرة في وجهه يوم عقباه
стр. 479
نطوف وداعا للرحيل بلادنا ... وأعيننا كالسيل إذ سال مجراه
تداعت رفاقا بالرحيل فما ترى ... سوى دمع عين بالدماء مزجناه
وودعت الحجاج بيت إلهها ... وكلهم تجري من الفرح عيناه
لفرقة بيت الله والحجر الذي ... نقبله لله نطلب رحماه
وبات حجيج الله بالبيت محدقا ... ورحمة رب العرش ثمة تغشاه
ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا ... رحلنا لمعى المصطفى ومصلاه
وكم يا أخي في الحج من حكمة بدت ... فدونك منها بعض ما قد بسطناه
ولنمسك العنان عن هذا الميدان. انتهى ما أردنا نقله من تلك القصيدة الميمونة مع تقديم وتأخير وتصحيح بعض المعنى، لله در ناظمها رحمه مولاه آمين.
ولنرجع إلى ما نحن بصدده. ولما تم المناسك وكيفية الحج انتقل يتكلم في محرمات الإحرام مما يوجب الجزاء وغيره فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الفدية وما يتعلق بها من الأحكام
أي في بيان الفدية، وما يترتب فيها، وما يجزئ منها، وما لا يجزئ وكيفيتها، وأنواعها وما يجوز لبسه للمحرم، وما لا يجوز. وسيأتي تفصيله في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " يلزم المحرم الفدية بلبس المخيط لبسا معتادا ولو بإدخال كتفيه القباء " يعني أن المحرم ممنوع من لبس المخيط سواء كان محيطا
بالجسد كالقميص , أو بالعوض كالخاتم. قال خليل عاطفا في تحريم لبس المخيط: وعلى الرجل محيط بعضو وإن بنسج أو أرز أو عقد كخاتم وقباء وإن لم يدخل كما. قال الخرشي: يعني وكذلك يحرم على الرجل بسبب الإحرام أن يلبس المخيط , فلو ارتدى بثوب مخيط , أو بثوب مرقع برقاع أو بازار كذلك فلا شيء عليه وهو جائز لأنه لم يلبسه. ولا فرق في
стр. 480
حرمة لبس المخيط بين أن يكون محيطا بكل البدن أو ببعضه, ولا فرق بين ما أحاط بنسج أو زر يقفله عليه أو عقد يربطه أو يخلله بعود. والمراد بالرجل الذكر حرا كان أو عبدا بالغا كان أو غير بالغ , وعلى وليه أن يجنبه المخيط مخيطا أو غيرة اهـ. قال المواق نقلا عن الكافي: لا يلبس المحرم قميصا , ولا مخيطا , ولا عمامة , ولا سراويل , ولا خفين , ولا بأس، أن يأتزر , كما له أن يرتدى إلا أنه يكره له أن يستتر بالمئزر عند ركوبه , ولا يشد فوق مئزره تكة ولا مخيطا , ولا بأس بلبس الهميان على البشرة , ونحوه المنطقة والحزام اهـ بتصرف. وقال في توضيح المناسك: والمحرم ضربان رجل وأنثى , فأما الرجل فإحرامه في وجهه ورأسه فيحرم عليه سترهما بما يعد ساترا من عمامة وقلنسوة وخرقة وعصابة وطين , ومثله من جعل على وجه دقيقا ونحوه كجير لأنه جسم ويعد ساترا عرفا. وأما بقيه بدنه فلا يحرم سترة بالإزار والرداء ونحوهما , وإنما يحرم سترة بالملبوس المعمول على قدر البدن أو عضو منه إذا لبسه باعتبار ما خيط له , وذلك كالقميص والسراويل والجبة والقبا ـ أي القفطان ـ سواء أخرج يديه من كمي الجبة أو القفطان أم لا , لأن ذلك في معنى الملبوس , فلو نكس القفطان مثلا بأن جعل أسفلة على منكبيه فلا فدية علية إذا لم يدخل رجليه في كميه وإلا افتدى. وفى معنى الخياطة التزرير , والنسيج , والتلبيد , والتخليل , والملصقة بعضه على بعض , ودرع الحديد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولبس الخف إلا أن يعطيه أسفل من الكعب " يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب لبس الخف إلا أن يقطع الخف أسفل من الكعب , لما في الموطأ من عبد الله بن عمر " أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ " لا تلبسوا القمص , ولا العمائم , ولا السراويلات , ولا البرانس , ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما
стр. 481
أسفل من الكعبين , ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو الورس " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والترفه بحلق شعر وتقليم ظفر وإزالة شعث وتطيب " قوله والترفه معطوف على المخيط , يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب الترفه أي التنعم بحلق الشعر , وتقليم الظفر , وإزالة الشعث , أي الوسخ والتطيب , ومنه
التدهن بدهن مطيب أو غيره كما يأتي مفصلا إن شاء الله. وهذا كله يستوي فيه الرجل والمرأة أي في تحريم ما ذكر ولزوم الفدية بذلك. قوله بحلق شعر يعني ترفه بحلق شعره بأن حلقه بعد الإحرام , أو أزال أكثر من عشر شعرات في موضع الحجامة أو غيرها ولو لضرورة فتلزم الفدية بذلك. قال في الإيضاح: ففي الشعر تلزم الفدية بإبانة أكثر من اثني عشر ولو لغير إماطة الأذى , وبإبانة اثنتي عشرة فأقل إن كان لإماطة الأذى , وإلا فحفنة من الطعام لمسكين , والحفنة هنا ملء يد واحدة متوسط اهـ. ومن الترفه قلم الأظفار. ومن قلم ظفرا واحدا أو أظافر لإماطة الأذى وجبت علية الفدية. قال في الإيضاح: وفي قلم الأظفار تلزم الفدية , وفي قلم ظفرين مطلقا إن لم يخرج للأول ما يترتب علية. وفي قلم ظفر واحد لإماطة الأذى كأن يقلقه طوله أو يريد مداواة جرح تحته , لا إن انكسر فقط فقطع المكسور بمقدار ما يزول به الألم فإنه يجوز ولا فديه , وفي قلم الظفر الواحد لا لإماطة أذى ولا لكسر أو لكسر بلا ألم حفنه تطعم لمسكين اهـ. ومن الترفه إزالة الوسخ بأن يغسل بدنه بقصد إزالة شعثه فتلزم عليه الفدية , وأما يغسل يديه بالأشنان والصابون ونحوهما وإنقاء ما تحت الأظفار من الوسخ فجائز اهـ. قاله في الإيضاح ومن الترفه مس الطيب كالمسك والعنبر وسائر العطريات ففيه الفدية إذا مسه , ومنه الحناء فمن اختضب بالحناء وكانت كالدرهم البغلي لزمه الفديه وإلا فلا , كجعل الحناء في فم جرح أو شربها أو حشو شقوق الرجلين بها كثرت أو قلت اهـ. ومن الترفه التدهن بدهن مطيب. قال في توضيح المناسك: يحرم على المحرم الرجل والمرأة دهن: اللحية والرأس , ودهن
стр. 482
الجسد أو بعضه لغير الضرورة أما لضرورة فيجوز الإدهان. وأما الفدية ففيها تفصيل. وحاصلة أنه إذا ادهن بدهن مطيب ففيه الفدية في أربع صور , وهي ما إذا ادهن لعلة أو لغير علة , وفي كل إما أن يكون دهن الجسد كله أو باطن كف يده ورجله فهذه أربع صور , فإذا ادهن بغير مطيب لغير علة ففيه الفدية أيضا مطلقا سواء دهن الجسد كله أو باطن الكف والرجل وهاتان صورتان , وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في باطن الكف والرجل كشقوق فلا فدية عليه ولا حرمة اتفاقا , وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في بقية الجسد ولو ظاهر يده ورجله ففي الفدية قولان , فالصور ثمان ويجوز له أكل السمن والزيت وسائر الأدهان التي لا طيب فيها وتقطيرها في الأذن اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتغطية الرجل رأسه أو وجهة " يعني من الترفه تغطية الرجل رأسه أو وجهه بما يعد ساترا قال في العزبة: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه فيحرم سترهما بما يعد ساترا كالعمامة والخرقة وكل ما ينتفع به من الحر والبرد ويحرم عليه لبس الخاتم اهـ قال فى توضيح المناسك: خاتمة تجب
الفدية في جميع ما تقدم من اللباس الممنوع في حق الرجل والمرأة بشرط حصول الانتفاع من حر أو برد أو طول كاليوم , وما قارب اليوم كاليوم , وإلا فلا فدية عليه , وذلك كما لو لبس قميصا ونحوه لقياس ونحوه دون اليوم ولم ينتفع به ثم نزعه فلا فدية , وأما ما لا يقع إلا منتفعا به كحلق الشعر وما عطف عليه فالفدية فيه من غير تفصيل اهـ بتوضيح. ثم اعلم أن التجرد من المخيط واجب , فمن تركه لزمه الفدية ولو مع ضرورة , وإن كان لغير ضرورة فعليه الفدية والإثم معا.
ثم ذكر رحمه الله تعالى إحرام المرأة فقال " والمرأة وجهها وكفيها " يعني كما قال الدردير: يحرم على الأنثى بالإحرام لبس مخيط بكف أو إصبع إلا الخاتم وستر وجهها , أي يحرم سترها إلا لفتنه بلا غرز وربط , وإلا ففدية اهـ. ومثله في المختصر , ونصه:
стр. 483
حرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز وستر وجهه إلا لستر بلا غرز وربط , وإلا ففدية اهـ.
قال رحمه الله تعالى " واكتحالها لغير ضرورة " يعني مما يوجب الفدية اكتحال المحرم للزينة ولو مع الضرورة. قال في توضيح المناسك: خاتمة في الكحل والحناء وإن اكتحل المحرم بمطيب وكان لضرورة جاز وفيه الفدية على الرجل والمرأة , وإن كان بغير مطيب فإن كان لضرورة الحر أو برد فالمندوب جوازه لهما ولا تجب عليهما الفدية على ما في المجموع وغيره. وقيل تجب عليهما , وقيل تجب على المرأة دون الرجل , وإن كان لغير ضرورة بأن كان للزينة فلا يجوز وفيه الفدية , وإن اكتحل بغير مطيب لقصد الدواء والزينة فقال ابن القاسم: عليه الفدية تغلبا لقصد الزينة اهـ. ومثله في إيضاح المناسك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولها لبس المخيط والخف وسدل ثوب على وجهها غير مربوط خوف فتنتها " يعني أن المرأة لها أن تلبس المحيط بالجسد كالقميص , أو بالعضو كالخف والخاتم , ولا فدية عليهما , ولا يجوز لها أن تلبس القفاز , كما يحرم عليها تغطية وجهها لكن أن تسدل الثوب على وجهها من غير ربط ولا غرز وإلا افتدت. قال في توضيح المناسك: وأما المرأة فإحرامها في وجهها وكفيها , فيحرم عليها ستر وجهها بنقاب وهو ما يصل للعيون , أو لثام على الفم أو برقع إلا أن تكون مخشية الفتنة فيجب عليها ستره بلا غرز وربط , بل تسدل شيئا عليه , فإن سترته غير مخشية الفتنة افتدت ولو لم تغرزه أو تربطه. وفي البناني: لها أن تسدل علي وجهها شيئا ولو لم تكن وخشية الفتنة ولا فدية عليها , ولو لصق بوجهها حيث قصدت الستر عن أعين الناس إذا كان بلا غرز ولا ربط , وإلا افتدت قطعاً اهـ
قال رحمه الله تعالى: (وَبِلَفِّ خِرقَة عَلَى ذَكَرِهِ، وَشَدِّ تَعْوِيذٍ عَلَى عَضُدِهِ وَتِكَّةٍ أَوْ خَيْطٍ فَوْقَ إِزَارِهِ) يعنى من موجبات الفدية على المحرم الرجل فقط لبسُ المُحيط ببعض الأعضاء كلفّ الخرقة على ذكره، أو شد التعويذ على عضده، أو ربط تكة أو حبل
стр. 484
أو خيط أو غيرها على وسطه، فإذا لبس ذلك فوق الإزار لغير ضرورة عليه الإِثم والفدية، وإن كان لضرورة عليه الفدية فقط كما تقدم. ثم ذكر الأشياء التي لا توجب الفدية بفعلها فقال رحمه الله تعالى: (لا بِحَمْلِ مَتَاعِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَشَدِّ نَفَقَتِهِ تَحْتَ إِزَارِهِ، وَتَسَاقُطِ شَعْرٍ بِحِكَّة أَوْ رِكَابٍ أَوْ تَخْلِيلِ وُضُوءٍ) يعني كما في توضيح المناسك قال: ويجوز له أن يحمل متاعه على رأسه إن كان محتاجاً بأن لا يجد ما يحمل خرجه لا بأجرة ولا بغيرها، وهذا لا فدية عليه. وكذا إذا كان فقيراً كأن يحمل حزمة حطب أو غيره ليتعيش بثمنها، أو يحمل شيئاً لغيره بأجرة كذلك فلا بأس بذلك. وأمّا لو كان غَنِيّاً وحمل بخلاً بالأجرة فلا يجوز ذلك وعليه الفدية، وإن حمل لكسر نفسه ففي عبد الباقي ينبغي المنع، وكلام أبي الحسن يفيد أنه لا شيء عليه كما في حاشية الخرشي اهـ. وقوله وشد نفقته إلخ قال في التوضيح أيضاً: وله أن يشد نفقته في وسطه على لحمه بأن يضعها في كمر أو نوار أو غير ذلك، سواء كان من جلد أو قماش ويدخل خيوط ما ذكر في الأثقاب، أو الكلاب، أو الإبريم مثلاً. وأمّا لو عقدها على جلده فإنه يفتدى. وله أن يضيف نفقة غيره إلى نفقته، فإذا ذهبت نفقة نفسه وأمكنه رد نفقة غيره وجب الرد، وإلا افتدى. وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم أبقاها معه ولا شيء عليه اهـ. وقوله وتساقط شعر إلخ قال في التوضيح أيضاً: تنبيه لا شيء عليه فيما تساقط من شعر رأسه ولحيته عند وضوئه وغسله ولو كان للتبرد، ولا شيء عليه أيضاً إذا جريده على لحيته أو حمل متاعه على رأسه لحاجة أو فقر فتساقط شعر، ولا شيء عليه إذا أدخل أصبعه في أنفه لمخاطة ينزعها فتساقط شعر، وكذلك إذا تساقط بالركاب أو السرج، وله أن يحك جسده ولو يدميه إن تحقق عدم الهوامّ في محل الحكّ، وأن يحلق للحلال إن تحقق نفي القمل اهـ بإيضاح.
ثم أراد ﵀ بيان حقيقة الفدية وأنواعها قال: (وَهِيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ، أَوْ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نُسْكُ شَاةٍ فَمَا فَوْقَهَا غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِمكَانٍ)
стр. 485
ولا بزمان. يعني أن أنواع الفدية ثلاثة: إمّا إطعام ستة مساكين مدين مدين، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى أو ذبح شاة تجزئ أضحية وهي على التخيير، أي ولك أن تختار واحداً من أنواعها الثلاثة، ولا تختص الفدية بسائر أنواعها بمكان أو زمان إلا أن ينوي بالذبح الهدي فمحله حينئذ مكة أو منى بشروطها. قال العلامة الدسوقي: فيجوز الصوم في أي زمان , كما يجوز في أي مكان , وكذا يجوز الإطعام في أي زمان وفي أي مكان , وكذا يجوز له ذبح الشاة وإعطاؤها للفقراء في أي زمان وفي أي مكان اهـ. وهل الأفضل طيب اللحم كالضحايا أو كثرته كالهدايا؟ الراجح الثاني. ولا يجوز أكل الفدية , وإن أكل فعليه بدلها , ولو نوى بها الهدى على المشهور. قال العلامة الشيخ خليل في منسكة: تنبيه: إذا فعل ما يوجب الفدية فإن كان لضرورة فالفدية واجبة ولا إثم , وإن كان لغير ضرورة فالفدية والإثم , وربما ارتكب بعض العامة شيئا من المحرم وقال أنا أفتدي , متوهما أنه بالفدية يتخلص من الإثم , وذلك خطأ صريح وجهل قبيح وهو كمن قال أشرب الخمر والحد يطهرني اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتعددت بتعدد موجبها لا يفعلها في فور أو مرض واحد " وفي نسخة بإسقاط أو مرض , والمعنى أن الفدية تتعدد بتعدد موجبها إلا أن يفعل موجبها في فور واحد أو في مرض واحد. قال خليل: واتحدت إن ظن الإباحة أو تعدد موجبها بفور , أو نوى التكرار , أو قدم الثوب على السراويل اهـ. ومثله في أقرب المسالك. وفي توضيح المناسك: فإن فعل موجبات الفدية بأن لبس وتطيب وحلق وقلم وأزال الوسخ وقتل القمل , فإن كان ذلك في وقت واحد أو متقارب ففدية واحدة , وإن كان ذلك في أوقات متباعدة تعددت الفدية. ويقال مثل ذلك في الحفنة. وكذلك تتحدد الفدية وإن تراخى الثاني عن الأول إن ظن الإباحة كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته ناسيا ثم يسعى , ثم بعد أن تحلل من عمرته تبين فساد طوافه فاعتقد أنه خرج
стр. 486
من إحرامه ففعل سائر الممنوعات التي توجب الفدية فلا يلزمه إلا فدية واحدة , وأما إن يظن الإباحة جهلا محضا فإن الفدية تتعدد , وكذا يلزمه فدية واحدة إن أعتقد أن الإحرام يرتفض ويباح له فعل الممنوعات فرفضه , وفعل جميع ما يوجب الفدية , ومنه من أفسد إحرامه بالوطء , ثم فعل موجبات الفدية متأولا أن الإحرام تسقط حرمته بالفساد وكذا تتحد الفدية إذا كانت نيته أن يفعل جميع ما يحتاج اليه من موجبات الفدية ولم يخرج للأول قبل فعل الثاني وألا تعددت , وكذا تتحد الفدية إذا نوى التكرار وهو أن يلبس لعذر مثلا ثم يزول فيخلع ما لبسه وينوي عند خلعه أنه إن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس أو يتداوى بدواء فيه طيب ينوى أنه كلما احتاج إلى الدواء فعله , ومحل النية من حين لبسه لأجل العذر إلى حين نزعه. وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره , أو نزع ثوبه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال سند هذا فعل واحد متصل في العرف ولا تضره تفرقته في الحس اهـ. ثم انتقل يتكلم في تحريم الصيد فقال رحمه الله تعالى
فَصْلٌ
في الصيد وما يترتب فيه من الجزاء وعدمه
أي في بيان أحكام صيد المحرم، ومن في الحرم ولو لم يكن محرما، وما يتعلق بذلك من تحريم أكل ذبحه، ووجوب جزائه إن قتله. قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية دالة على منع الصيد مطلقا للمحرم ومن بالحرم، ثم خصصت الآية الثانية تحريم صيد البر دون البحر كما يأتي عن قريب.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " يحرم على المحرم اصطياد جميع البري طائرا كان أو غيره " والبري بفتح الباء نسبة للبر ضد البحر، ويحل صيد البحر. قال ﵎ في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
стр. 487
وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] يعني يجوز صيد البحري للمحرم وغيره ولو في الحرم ويحرم صيد البري في الحرم ولو للحلال. وأما إذا خرج الحلال المقيم بالحرم إلى الحل وأتى بصيد نفسه أو للحلال فإنه يجوز له وللمحرم أكله. وحاصل ما في المقام: أن الحلال إذا خرج للحل وأتى بصيد منه وأدخله الحرم فيجوز له تملكه وذبحه , فإن كان من أهل الأفاق وجب عليه إرساله ولو أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر , فإنه ذبحه حرم عليه سواء ذبحه وهو بمكة أو خرج به عن الحرم , وإن كان أكله ولو بعد خروجه من الحرم دفع جزاءه سواء كان محرما أو حلالا. أما الحرم فواضح , وأما الحلال فلأنه لما أدخله الحرم صار من صيد الحرم. وإن كان من أهل مكة جاز له ذبحه وأكله ولو اشتراه من آفاقي صاده في الحل. وفي حاشية الخرشي: أنه يجوز للحلال المقيم بالحرم ذبحه في الحرم , ويباح أكله ولو كان الصائد له محرما قد تعدى ووهبه للحل في الحرم. وأما ما صيد بالحرم فلا يجوز ذبحه لساكن الحرم ولو كان الصائد حلالا اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وقتله وأكله " معطوف على يحرم , يعني يحرم على المحرم ومن بالحرم قتل الصيد البري , وبقتله يلزمه جزاؤه , ولا يجوز أكله لأنه ميتة. وحاصل المسألة أن من قتل حيوان البري لزمه الجزاء مثل ما قتل من النعم مطلقا باشر قتله بنفسه أو أمر غلامه بقتله , سواء قتله عمدا أو خطأ أو نسيانا , كان الصيد طائرا أو غيره مأكولا أو غير مأكول , وحشيا أو متأنسا , مملوكا لغيره أو مباحا , قتله المحرم في الحل أو في الحرم , وهو ميته لا يحل لأحد أكله اهـ وفي أقرب المسالك: وما صاده محرم أو صيد له , أو ذبحه أو أمر بذبحه , أو عليه فميتة كبيضه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا ما صاده حلال لغير محرم " فيجوز أكله كما تقدم. قال الدردير وجاز أكل ما صاده حل لحل كإدخاله الحرم وذبحه به إن كان من ساكنيه , أي أنه
стр. 488
يجوز لسكان الحرم أن يخرجوا للحل فيصطادوا ويدخلوا بالصيد الحرم فيذبحوه به وهو يجوز أكله لكل أحد , بخلاف غيرهم إذا اصطادوا بالحل صيدا وخلوا به الحرم فيجب عليهم إرساله , فإن ذبحوه به فميتة اهـ ومثله في الخرشي. وسئل مالك عما يوجد في لحوم الصيد على الطريق هل يبتاعه المحرم؟ فقال: أما ما كان من ذلك يعترض به الحاج ومن أجلهم صيد فإني أكرهه وأنهي عنه فأما أن يكون عند رجل لم يرد به المحرمين فوجده محرم فابتاعه فلا بأس به اهـ. وفي الحديث عن البهزي " أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم , حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير , فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال " دعوه فإنه يوشك أن يأتى صاحبه " فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي ﷺ
فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار , فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق " الحديث رواه مالك في الموطأ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن صاده أو أحرم وهو معه لزمه إرساله "يعني فإن صاد مريد الإحرام صيدا وأحرم بأحد النسكين , أو أحرم والصيد معه لزمه إرساله والمشهور أن ملكه يزول عنه بنفس الإحرام , وأنه يجب عليه إرساله فلو أرسله صاحبه فأخذه غيره قبل لحوقه بالوحش ولم يزل بيده حتى حل صاحبه ليس له أخذه ممن أخذة , وهو لا خذه , فلو لم يرسله صاحبه بل أبقاء بيده حتى حل لوجب عليه أن يرسله , فلو لم يرفع صاحبه يده عنه حتى مات فإنه يلزمه جزاؤه , وكذلك يلزمه جزاؤه إذا أبقاه بيده حتى حل ثم ذبحه قاله الخرشي اهـ. وقال الدردير: وزال به ـ أي بالإحرام ـ ملكه عنه فيرسله إن كان معه لا ببيته ولو أحرم منه أى من بيته , فلا يلزمه إرساله بإحرامه من بيته على المعتمد. قال الصاوي: والفرق بين البيت والقفص أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله , والبيت مرتحل عنه وغير مصاحب له اهـ. ومثله في الخرشي.
قال رحمه الله تعالى " فأن عطب لزمه جزاؤه كما لو نفره , أو تعلق
стр. 489
بحبالته , أو سقط في بئر احتفرها لسبع ونحوه ذلك " يعني أنه إذا مات الصيد بأي سبب من الأسباب الذي تسبب المحرم في موته كمناولة سقوط , أو إشارة , أو أفزعه فوقع في حفرة وهلك , أو نصب له شركا ومات به , أو جرحه , أو نتف ريشه ولم يتحقق سلامته فعليه الحزاء في كل واحدة من ذلك فإن بري ناقصا فلا جزاء عليه على المشهور. وما ذكره من لزوم الجزاء بسبب هو المذهب. قال خليل: وبسبب ولو اتفق كفزعه فمات , أي فيلزم الجزاء بذلك عند ابن القاسم كما في الخرشي.
ونصه: المشهور ـ وهو قول ابن القاسم في المدونة ـ أن الجزاء يلزم المحرم بالتسبب الاتفاقي , ومعناه أن المحرم لم يقصد قتل الصيد بوجه , وإنما اتفق أن الصيد رآه ففزع منه فعطف فمات فإنه يلزمه جزاؤه , لأنه من رؤيته , وكذلك يلزمه الجزاء إذا ركز رمحا فعطف فيه صيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى " فإن أكله فجزاؤه واحدا " يعني إذا أكل المحرم أو من بالحرم شيئا مما حرم عليه أكله فلا يتكرر عليه الجزاء بأكله بل عليه جزاء واحدا , وغاية أمره أنه يستغفر الله بأكله الميتة إذ كان ذلك اختبارا , وإن كان لمخمصة فلا جناح عليه في ذلك. وفي المواق: وما صاده المحرم فكالميتة لا يأكله حلال ولا حرام , ولو وداه ثم أكل من لحمه فلا جزاء عليه لما أكل كأكله الميتة. وفيها: ما صاده المحرم فأذى جزاءه فلا يأكله , فإن أكل منه لم يكن عليه جزاء آخر لأنه لحم ميتة وما لا يحل اهـ. وإليه أشار خليل بقوله: لا في أكلها. قال الخرشي: والمعنى أن المحرم إذا أكل من لحم صيد صاده , أو صيد له فأخرج جزاؤه فإنه لا يلزمه جزاؤه ثانيا إذا أكل منه ثانيا لأنه ميتة ولا يلزمه شيء لأكل الميتة على المشهور اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو كسره وتركه مخوفا لزمه جزاؤه " وتقدم أنه إذا تسبب
стр. 490
في إيقاعه في المهالك بأي سبب كان ولم يتحقق سلامته لزم عليه الجزاء فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف فجزاءان لا إن برئ ولحق بالصيد " يعني إذا جرح المحرم الصيد , أو نتف ريشه , أو ضربه ضربا وجيعا مثلا وتركه مخوفا وشك في سلامته ودفع جزاؤه ثم تحقق موته فإنه يلزم عليه جزاء آخر إن تحقق تقدم الجزاء قبل موته وإلا فلا يتكرر , كما إن برئ ولحق بالوحش. قال خليل: وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته. وقال الخرشي: قد علمت أن الجزاء لا يجب إلا بعد تحقق موت الصيد , فإذا جرح الصيد وغاب عنه ولم يعلم هل مات أم لا فأخرج جزاؤه على شك من موته ثم تحقق أنه مات بعد الإخراج فإنه يلزم أن يخرج جزاؤه ثانيا ولو كانت الرمية أنفذت مقاتله لأنه أخرج قبل الوجوب اهـ.
ثم ذكر رحمه الله تعالى كيفية الجزاء وأنواعه فقال " ثم الجزاء مثل الصيد من الأنعام أو ما يقاربه خلقة " يعني أن جزاء الصيد أحد الثلاثة على التخيير: إما مثل ما قتل من النعم وهو الإبل والبقر والغنم , أو ما يقارب الصيد خلقه , أو قيمته طعاما , أو عدل ذلك صياما.
ثم فسر الجزاء بقوله رحمه الله تعالى: " ففي النعامة بدنه " أي ففي قتل النعامة تلزمه بدنه تجزئ في الأضحية وإن عن صغيرة أو مريضة. وكذلك إذا قتل
الزرافة تلزمه البدنة. قال رحمه الله تعالى: " وفي الظبي شاة كحمام الحرم " يعنى تلزم في قتل الظبي والضبع والثعلب شاه , كما تلزم شاة تجزئ في الأضحية بقتل حمام الحرم. قال الدردير: وفي الضبع والثعلب شاة كحمام مكة والحرم ويمامة بلا حكم اهـ. قوله بلا حكم راجع إلى ما بعد الكاف. وأما الظبي والثعلب فلا بد لهما من الحكم. وقد ورد في الموطأ أن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف , ﵄ , حكما على رجل أصاب ظبيا بعنز. وأما ما لا مثل له كضب وأرنب
стр. 491
ويربوع وحمام الحل ويمامه وسائر الطيور فحكومة بأن يحكمها على القاتل بإطعام أو صيام كما يأتي عن المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمام الحل حكومة " وتقدم أن حمام الحرم فيه شاة. وأما حمام الحل ويمامه ففيه حكومة. قال في إيضاح المناسك: وأما صيد الحمام واليمام بالحرم فلا تخيير في جزائه , بل يجب على الصائد في الواحدة شاة كالهدي بلا حكم فإن لم يجدها صام عشرة أيام. وإنما خرج حمام الحرم عن الحكومة التي هي الأصل في الجزاء لقضاء سيدنا عثمان فيه بالشاة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمار الوحش بقرة كالإبل " يعني وفي قتل حمار الوحش وبقره بقرة إنسية , وتقدم أن في قتل الزرافة بدنة. والزرافة هي إبل الوحش. وفي توضيح المناسك: فأما جزاء الصيد فهو على التخيير , وصفه التخيير أن يحكم القاتل حكمين عدلين فقيهن فيخيرانه بين أنواع الجزاء الثلاث: إما أن يخرج مثل ما قتل من الصيد أو ما قاربه , فمثل بقر الوحش وحماره بقرة , والنعامة بدنة , والفيل بدنة خراسانية ذات سنامين لقرب الفيل من خلقتها , والضبع والثعلب شاة. وأما ما صيد بمكة والحرم من الحمام واليمام وإن لم يتولد فيهما فإن قتل شيئا من ذلك والحال أنه بالحرم لزمه في كل واحدة شاة بلا حكم. فإن لم يجدها صام عشرة أيام. وأما إن كان بالحل فإنه يخير بين قيمته طعاما والصوم , كبقية الطير مطلقا سواء كان في الحل أو الحرم فإنه يخير بين الإطعام والصوم. ويخير أيضا بين الإطعام والصوم في الضب والأرنب واليربوع اهـ هذا كالتلخيص لما تقدم
ثم قال رحمه الله تعالى: " أو قيمه الصيد حيا طعاما يطعمه المساكين مدا مدا , والكسر مسكينا ولا يلزمه تكميله ـ بل يندب ـ أو يصوم عن كل مد أو كسره يوما يحكم به ذوا عدل " يعنى كما في توضيح المناسك: وإما أن يخرج قيمة الصيد طعاما وذلك بأن يقال كم يساوى هذا الصيد من الطعام بمحل تلفه , فيقال كذا وكذا كمائه
стр. 492
مد فتدفع لفقراء محل التلف , فإن لم يكن للصيد قيمة في محل تلفه قوم بأقرب مكان له قيمة فيه , وكذا إن لم يكن بمحل التلف فقراء فإن الطعام
المقوم به يدفع إلى فقراء أقرب مكان إلى موضع التلف، لكل مسكين مد بمده ﷺ ، ولا يجزئ التقويم ولا الإطعام بغير محل التلف أو القريب منه، ولا يجزئ زائد ولا ناقص عن مد لمسكين، وإما أن يصوم أياما بعدد الأمداد، وكمل لكسر المد يوما كاملا وجوبا لأن الصيام لا يتبعض. أما إذا اختار الإطعام فإنه يندب له تكميل المنكسر وبعد أن يخيره الحكمان بين هذه الأنواع الثلاثة، فإذا اختار أحدها حكما عليه به، ثم بعد ذلك له أن يتنقل عما حكما به عليه إلى غيره من الأنواع إلا أن يلتزم ما حكما به عليه فقولان، والراجح أن له الانتقال، إن عرف ما حكما به والتزمه اهـ. قال مالك ﵀: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه في أن يقوم الصيد الذي أصاب فينظر كم ثمنه من الطعام فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما، وينظر كم عدة المساكين فإن كانوا عشرة صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا صام عشرين يوما عددهم ما كانوا وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا اهـ الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " وفيما لا مثل له إطعام أو صيام، وصغير الصيد ككبيره " وقد تقدم الكلام فيما لا مثل له من الصيد كضب وأرنب وقنفذ ويربوع وغيرها فراجعه إن شئت. وأما الصيد الذي له المثل الصغير منه والكبير والمعيب والسليم المأكول وغيره سواء في لزوم الجزاء في ذلك كالدية. قال رحمه الله تعالى: " وفي البيضة عشر ما في أمها " يعني كما في توضيح المناسك قال: إن كسر بيض الصيد، أو أنزله ناقصا، أو ضرب صيدا فألقى جنينا ميتا، ففي كل واحدة من البيض والجنين عشر دية الأم، والمراد بدية الأم قيمتها من الطعام أو عدله صياما، أي خير بين عشر قيمة أمه من الطعام وبين عدل ذلك صياما، بأن يصوم مكان كل مد يوما، وذلك فيما في جزاء أمه طعام، وهو غير حمام
стр. 493
الحرم ويمامه كما تقدم، وأما إن لم يكن في جزاء أمه طعام كالحمام واليمام إذا صيد بالحرم فإنه يلزم في جنينهما وبيضهما عشر قيمة الشاة طعاما، وهذا هو المراد بدية الأم هنا، فإن عجز عن عشر قيمة الشاة صام يوما. والمراد بالبيض غير المذر، وأما هو فلا شيء في كسره. وما ذكر في الجنين محله إن لم يستهل، فإن استهل فجزاؤه كأمه، ويندرج في أمه إن ألقته ميتا وهي ميتة. والاستهلال هنا كناية عن تحقق الحياة. وظاهر قول الشيخ خليل: والبيض أن فيه العشر من غير حكومة، كان بيض حمام أو غيره. وذكر سند أنه لا بد من حكم عدلين في البيض ولو كان بيض حمام الحرم. قال لأنه من باب الصيد والصيد لا بد فيه من حكمين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى مخبرا بما استثناه الشارع، أي ما يباح قتله شرعا في
الحل والحرم بقوله: " ويجوز قتل ما يخاف كالسباع، والحية، والعقرب، والزنبور , والفأرة , والحدأة , والأبقع , ودفع الصائل " يعني أنه يستثنى مما حرم قتله من الصيد ما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " اهـ رواه مسلم كما في الموطأ , قال شارحه: فنبه بالخمس على خمسه أنواع من الفسق: فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير , وكذا بالحدأة وبالعقرب على كل ما يلسع كالحية والزنبور , وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية , وبالكلب العقور على كل مفترس اهـ. وقال العلامة المحقق الشيخ حسين بن إبراهيم في توضيح المناسك: ويستثنى من ذلك أيضا الغراب والحدأة إن كبرا , وفي صغيرهما خلاف , والفأرة والعقرب والحية وابن عرس فيقتلهن المحرم والحلال في الحل والحرم وإن لم تبدأ بالأذى , وصغيرها ككبيرها , وكذا عادي السباع كالأسد والنمر والذئب ونحوها إن كبرت , ويكره قتل صغارها , فإن قتلت فلا جزاء في قتلها , وأما الكلب الإنسي فيجوز قتله في الإحرام وغيره ولا شيء في قتله.
стр. 494
وفي حاشية الخرشي: بل يندب قتله على المشهور. وكذا لا يجوز للحلال في الحرم قتل الوزغ , ويكره قتله للمحرم وعليه جزاؤه وهو إطعام حفنة. وفي حاشية الخرشي: المراد بالكراهة الحرمة. وفي الدسوقي: وقد يقال الإطعام في قتله على جهة للندب فلا ينافي أن الكراهة على بابها للتنزيه. ومثله في المجموع.
ولا يقتل سباع الطير إلا أن تبدأ بالأذى. ويجوز قتل الزنبور وهو ذكر النحل، وإذا رأى الصيد معرضا للتلف فلا يجب عليه تخليصه، ويجوز للمحرم في الحل وفي الحرم ذبح ستة للأكل: الإبل، والبقر، والغنم ومن الطير البط والأوز. والدجاج اهـ.
قوله والأبقع لأنه مذكور في الحديث وهو الغراب الذي فيه بياض وسواد. وقوله ودفع الصائل يعني مما يجوز قتله في الحل والحرم، بل يجب قتل كل مؤذ. والصائل هو الذي يصول ويعدو على الإنسان سواء آدميا كالمحارب، أو غيره كالكلب العقور، وهو كل ما يعقر الناس ويعدو عليهم كالأسد ونحوه كما في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يحل صيد الحرم لحلال ولا لمحرم ولو رماه من الحل " يعني لا يجوز لأحد من المسلمين أن يقتل الصيد في الحرم لا لمحرم ولا لحلال، كما لا يجوز أكله وعليه جزاؤه، ولو كان الصائد من الحل والصيد في الحرم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، كما تقدم.
ثم ذكر مسألة من المسائل التي فيها اختلاف كمسألة الدلالة على الصيد
وتفزيعه، أو سقوطه في بئر حفرها لماء فعطب فيها الصيد، ومنها هذه.
قال رحمه الله تعالى: " وفي العكس خلاف كفرع شجرة الحل في الحرم وبالعكس " يعني إذا كان الصائد بالحرم ورمى الصيد في الحل ففيه خلاف، وأما لو كان الصائد بالحل ورمى الصيد في الحرم فلا خلاف في تحريمه ووجوب جزائه. وإن رماه على الغصن والأصل في أحدهما هل عليه الجزاء ولا يؤكل؟ أم يؤكل ولا جزاء؟ أم الجزاء على المحرم دون الحلال في الحل؟ في ذلك
стр. 495
خلاف، فقال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: والجزاء بقتله مطلقا ولو برمي من الحرم، أو له أو مرور سهم بالحرم، أو كلب تعين طريقه، أو إرساله بقربه فأدخله وقتله خارجه، أو على كسبع أو نصب شرك له اهـ. قال خليل: ورمي منه أو له.
وقال الخرشي: أي من رمى من الحرم صيدا في الحل فقتله فعليه الجزاء ولا يؤكل على المشهور نظرا لابتداء الرمية، وكذلك لا يؤكل الصيد اتفاقا وعليه أنه قتل صيدا في الحرم ولو أصابه في الحل فلا شيء عليه سواء قرب من الحرم أو بعد على المشهور اهـ.
وقال المواق نقلا عن المدونة: ومن رمى صيدا في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله فعليه الجزاء. وقال الباجي عند قول خليل كسهم مر بالحرم: أي ومن رمى من الحل صيدا في الحل إلا أن سهمه يمر على الحرم، فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه جزاؤه اهـ. هذه المسألة من المسائل ذوات الخلاف كما تقدم. قال خليل: ورميه على فرع أصله بالحرم، أو بحل وتحامل فمات به إن أنفذ مقتله، وكذا إن لم ينفذ على المختار اهـ. وقال الخرشي: المشهور أيضا أنه لا جزاء في هذه الصورة، وهي شجرة ثابتة أصلها بالحرم ومنها فرع في الحل وعليه طائر فرماه الحلال بسهمه فقتله، لأنه في الحل وهو مذهب المدونة. وقال الأبي: إذا كان الفرع خارجا عن حد الحرم يؤكل ولا جزاء.
قال العدوي في الحاشية: أي وهو خارج عن جدار الحرم ويؤكل. وأما لو كان الفرع مسامتا لجدار الحرم والطير فوقه فالظاهر أن فيه الجزاء كما لو كان الطير على الجدار نفسه، أو على غصن بالحرم وأصله في الحل، وأولى في الحرمة والجزاء وعدم الأكل إذا كان الغصن والأصل في الحرم اهـ. انظر شراح خليل والله أعلم تنبيه: اعلم أنه لم يذكر المصنف ﵀ حكم قتل المحرم الجراد إلا عموم قوله يحرم على المحرم اصطياد جميع الصيد البري طائرا كان أو غيره. ونحن نذكر شيئا من ذلك فأقول كما قال الدردير: ولا شيء في الجراد إن عم واجتهد، وإلا فقيمته طعاما بالاجتهاد إن كثر، وفي الواحدة لعشرة حفنة، كتقريد البعير