← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

خمسة: العمد، والاختيار، والانتهاك للحرمة، والعلم بحرمة الموجب الذي فعله وإن جهل وجوب الكفارة، بخلاف جهل رمضان فيسقطها اتفاقا، وخامس الشروط كون الفطر في رمضان الحاضر اهـ. وعبارة الصاوي في هذه الشروط: فتحصل أن شروط الكفارة للمكلف خمسة كما في الأصل: أولها العمد فلا كفارة على ناس، الثاني الاختيار فلا كفارة على مكره أو من أفطر غلبة، الثالث الانتهاك فلا كفارة على متأول تأويلا قريبا، الرابع أن يكون عالما بالحرمة، فجاهلها كحديث عهد بالإسلام ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع فلا كفارة عليه، خامسها أن يكون في رمضان فقط، لا في قضائه، ولا كفارة أو غيرها اهـ. ويزاد في الأكل والشرب: أن يكون بالفم فقط، وأن يصل للمعدة. ولا كفارة على ناذر الدهر إن أفطر في غير رمضان على المعتمد اهـ المراد. وقال العلامة الشيخ عبد الله التيدي في أجوبة له: فهل تعرف مواضع القضاء والكفارة؟ قال نعم في اثني عشر موضعا، ولا تكون الكفارة إلا في أداء رمضان فقط. وهي مغيب الحشفة المعتد به شرعا، وإخراج مني، ومن نية نهارا عمدا أو ليلا واستمر حتى طلع الفجر، وإيصال مفطر لمعدة من فم فقط، ومن تعمد قيئا، ومن استاك بجوزاء نهارا، ومن رأى هلال رمضان ولم تقبل شهادته فأفطر، ومترقب حمى أو حيض ولو حصلا وأفطر، ومن اغتاب وأفطر، ومن عزم على السفر ولم يسافر وأفطر، والفطر في الكل عمدا فعليهم القضاء والكفارة اهـ. فتحصل بمجموع ذلك أن الكفارة لا تكون إلا في رمضان، ولا يكون الانتهاك إلا مع معرفة الحكم بلا تأويل قريب، فجاهل الحكم كحديث عهد بالإسلام لا كفارة عليه. وأما من أفطر بتأويل بعيد فإنه يجب عليه القضاء والكفارة. ومثله من أنزل بتحريك دابة على المشهور اهـ. ثم انتقل إلى بيان أنواع الكفارة وهي ثلاثة أنواع على التخيير، فقال رحمه الله تعالى: " والمشهور تنوعها، وأنها على التخيير " واعلم أن في تنوع كفارة الصيام

стр. 422

سبعة أقوال، مشهورها أنها على ثلاثة أنواع، وهي العتق، والصوم، والإطعام. واختلف هل هي على التخيير ككفارة اليمين وهو المشهور في المذهب، أم هي على الترتيب ككفارة الظهار وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما أنواعها فثلاثة: عتق، وإطعام، وصيام، فالعتق تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها عقد من عقود الحرية، ولا يكون عتقها مستحقا بجهة أخرى. والصيام [صيام] (١) شهرين متتابعين. والإطعام [إطعام] ستين مسكينا، مد لكل مسكين بمد النبي ﷺ . وقال أبو حنيفة مدان، وهي على التخيير ككفارة الأيمان، إلا أن أفضلها الإطعام في المشهور. وقيل على الترتيب ككفارات الظهار وفاقا لهما اهـ بلفظه. وقد ذكر تلك الأقوال المتقدمة أحمد الزروق وابن ناجي في شرحيهما على الرسالة القيروانية فراجعهما إن شئت. ثم قال رحمه الله تعالى: " فيعتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معيبة ولا مستحقة العتق، أو يصوم شهرين متتابعين فإن قطع لعذر بنى وإلا استأنف، أو يطعم ستين مسكينا مدا مدا، والعدد شرط " قوله والعدد شرط، قال المواق نقلا عن الباجي: ولا يجزئه أن يطعم ثلاثين مسكينا مدين مدين. وقال أبو الحسن: وله أن يسترجع ثلاثين مدا من المساكين ويعطيها غيرهم، فإن فوتوها لم يكن له عليهم رجوع. قال رحمه الله تعالى: " ولا يلفق من نوعين " يعني لا يجوز التلفيق من نوعين في الكفارات، لا في كفارة الصيام، ولا في اليمين، ولا في الظهار. قال خليل في كفارة اليمين: ولا تجزئ ملفقة وفي الدردير: ولا يجزئ تلفيق من نوعين، ولا ناقص. وقال الخرشي: يعني أن الكفارة يشترط فيها أن تكون من جنس واحد، فلا تجزئ ملفقة

стр. 423

من جنسين اهـ. وقال خليل أيضا في الظهار: ولا تركيب صنفين ولو نوى لكل عددا، أي لا يجزئ تركيب كفارة من صنفين كصيام ثلاثين يوما وإطعام ثلاثين مسكينا. قال العلامة صالح عبد السميع: احترز بصنفين من تركيبها من صنف واحد كغداء وعشاء ثلاثين وتمليك ثلاثين كل واحد مدا وثلثين فيجزئ. قاله في كفارة الظهار اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتتعدد بتعدد الأيام " يعني أن الكفارة تتعدد بتعدد موجبها في كل يوم. وفي المدونة: سئل مالك عن السفينة بعد أن يحتلم يفطر في سفهه في رمضان أياما، فقال عليه لكل يوم أفطره كفارة مع القضاء. وفي موضع آخر أنه سئل فيمن جامع امرأته أياما في رمضان فقال: عليه لكل يوم كفارة، وعليها مثل ذلك إن كانت طاوعته، وإن كان أكرهها فعليه أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليها قضاء عدد الأيام التي أفطرتها، فإن وطئها في يوم واحد مرتين فعليه كفارة واحدة. وفيها أيضا في رجل جامع امرأته نهارا في رمضان وطاوعته في ذلك ثم حاضت من يومها، فقال عليها القضاء والكفارة، ومثلها من أفطر في رمضان متعمدا ثم مرض من يومه عليه القضاء والكفارة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والأظهر عدم تعددها في اليوم الواحد " يعني أن الكفارة لا تتعدد بتعدد موجبها في اليوم الواحد على الأظهر. وهو كذلك قال ابن جزي في القوانين: ومن كرر الإفطار في يوم واحد فعليه كفارة واحدة. ومن أفطر فلم يكفر حتى أفطر في يوم ثان فعليه كفارة ثانية خلافا لأبي حنيفة اهـ. قال النفراوي: لم يتعرض المصنف لحكم ما إذا تعدد منه موجب الكفارة، ومحصله أنها لا تتعدد بتعدد الأكلات أو الوطآت، ولا بأكل ووطء في يوم واحد، ولو كان أخرج للأول كفارة قبل الثاني،

стр. 424

وإنما تتعدد بتعدد أيام. وهذا حكم الكفارة عن نفسه. وأما أوجب الكفارة على غيره فتتعدد عليه بتعدد المكفر عنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وعدم وجوبها بالجماع سهوا " يعني أن الأظهر من الأقوال عدم وجوب الكفارة بالجماع سهوا. قال في الرسالة: ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط، سواء كان فطره بالأكل أو بالشرب أو بالجماع على المشهور، خلافا لابن الماجشون القائل تجب الكفارة إذا كان فطره بجماع. وفي المدونة: رأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟ قال نعم. ولا كفارة عليه اهـ. وتقدم جملة مما يوجب القضاء دون الكفارة عند قول المصنف يجب القضاء بالفطر ولو سهوا أو جهلا إلخ فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " وفض نية " يعني والأظهر عدم ترتب الكفارة برفض نية، بل المشهور القضاء فقط، وصوب اللخمي سقوط القضاء. وقال إنه غالب الرواية عن مالك. وكذاك في المجموع، نقله الصاوي وقال: وأما من عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه لأن هذا ليس رفعا للنية اهـ. انظر الحطاب والمواق. قال رحمه الله تعالى: " وتعجيل فطر لتوقع مبيح " يعني والأظهر عدم وجوب الكفارة لأجل توقع العلامة الدالة على إباحة الفطر كغروب الشمس ثم تبين خلافه بعد فطره، ليس عليه إلا القضاء فقط دون الكفارة كما تقدم. وفي المدونة عن مالك بإسناده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ " أنه أفطر يوما في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وقد غربت الشمس، ثم جاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا " قال مالك: يريد بالخطب القضاء اهـ. ومثله في الموطأ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمكرهة تلزم المكره عنها " يعني أن المرأة المكرهة على

стр. 425

الجماع في نهار رمضان يلزم على مكرهها أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليهما القضاء والإمساك لحرمة الوقت. قال الدردير: وكفر عن أمته إن وطئها، وعن غيرها إن أكرهها لنفسه نيابة، بلا صوم وبلا عتق في الأمة، أي ولو طاوعته لأن طوعها إكراه، ما لم تتزين له فتلزمها فتصوم، ما لم يأذن لها في الإطعام. وأما الزوجة وغيرها فإن طاوعته في الجماع أو الزنى فعليها القضاء والكفارة، وإلا فعليه الكفارة نيابة عنها. وعليها القضاء فقط. هذا في إكراهها على نفسه لا إن أكرهها على غيره. قال النفراوي: وأما لو أكره شخص شخصا على الأكل والشرب للزم المكره بالفتح ويلزم المكره بالكسر الكفارة، وبخلاف من أكره غيره على جماع امرأة لا تلزمه كفارة. والفرق أن الانتشار معه نوع اختيار، وإنما لم تلزمه الكفارة لأنه لا يتعمد. فالحاصل أن من أكره (١) غيره على الجماع لا تلزمه كفارة ولا تلزم المكره بالفتح أيضا لأن لزوم الكفارة مشروط بالتعمد اهـ. وما تقدم من تكفير المكره عن المكرهة محله إن كانت بالغة مسلمة عاقلة، وإلا فلا. قال الصاوي على الدردير: الإكراه يكون بخوف مؤلم كضرب فأعلى، كإكراه الطلاق فقد ذكر الرماصي أن الإكراه في العبادات يكون بما ذكر اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بثبوت الصيام ووجوبه ولوازم الإفطار من الكفارة وغيرها انتقل يتكلم في بعض ما يستحب للصائم، وبعض مسائل الصيام، وبيان ذلك، فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ فيما يندب فعله للصائم أي في بيان فعله للصائم، وما يلزمه وما يباح له، وما يكره عليه فعله في رمضان وغيره. فقال رحمه الله تعالى: " يستحب تعجيل القضاء وتتابعه " قال خليل عاطفا على

стр. 426

المندوبات: وتعجيل القضاء وتتابعه، يعني يستحب لمن عليه قضاء صوم رمضان أو غيره أن يبادر في قضائه لأن المبادرة للطاعة وبراءة الذمة أولى من النافلة، كما يستحب له أن يتابع ذلك القضاء. قال رحمه الله تعالى: " فإن أخره أو بعضه لغير عذر متصل حتى دخل رمضان آخر فعليه مع القضاء الكفارة " أي الصغرى كما تأتي، لتفريطه في القضاء حتى دخل رمضان آخر بغير عذر، لا إن اتصل عذره. قال الدردير: ووجب إطعام مده ﵊ لمفرط في قضاء رمضان لمثله عن كل يوم لمسكين، إن أمكن القضاء بشعبان، لا إن اتصل عذره بقدر ما عليه مع القضاء أو بعده اهـ قوله بشعبان أي إلى تمام شهر شعبان، فمن عليه خمسة أيام مثلا وحصل له عذر كمرض، أو سفر، أو جنون، أو حيض قبل رمضان الثاني بخمسة أيام واتصل عذره فلا إطعام عليه، وإن كان طول عامه خاليا من الأعذار، وإن حصل العذر له في يومين فقط وجب عليه إطعام أمداد لأنها أيام التفريط دون أيام العذر اهـ. قال رحمه الله تعالى: " إطعام مسكين مدا عن كل يوم " يعني تمليك مد لمسكين في كل يوم يقضيه من غالب قوت أهل البلد، وذلك بعدد الأيام. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم المرضع تفطر خوفا على الرضيع، لا الحامل، وفيها خلاف " والمعنى كما قال عبد الباري: أن الحامل إذا خافت على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم، وقد قيل تطعم. والمرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من تستأجره له، أو لم يقبل غيرها أفطرت وأطعمت اهـ. ومثله في الرسالة. وما ذكر من الخلاف في الحامل إن أفطرت فالمشهور أنها لا تطعم كالمريض. قال النفراوي: والحاصل أن كل من جاز له الفطر لمرض أو سفر أو مشقة لا إطعام عليه إلا من يسقط عنه الصوم لكبر أو عطش كما تقدم، وإلا الحامل والمفرط في قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر اهـ.

стр. 427

وأشار رحمه الله تعالى إلى حكم العاجز عن الصيام لكبر أو عطش فقال: " ويستحب للعاجز لكبر أو عطش " يعني أن يندب له إطعام مسكين مدا عن كل يوم يمر عليه لعجزه عن الصوم. قال في الرسالة: ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم، أي مدا عن كل يوم. وإنما يكتفي بالإطعام إذا كان لا يستطيع الصوم جملة، وأما لو كان يقدر عليه ولو في غير رمضان لوجب عليه القضاء ولا إطعام عليه. ومثل الشيخ الكبير من لا يستطيع ترك الماء لشدة العطش في جميع الزمن. قال خليل عاطفا على المندوب: وفدية لهرم وعطش. وقول المدونة: ولا فدية على من لم يستطع الصوم، ومراده عدم الوجوب، فلا ينافي الندب كما قال المصنف اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ولا قضاء عليهما " أي على العاجز لكبر أو العاجز لعطش إذا كانا لا يستطيعان الصوم ولو في زمن الشتاء أو في أي زمان من الأزمنة، وإلا وجب علهما القضاء كما تقدم. وإنما أبيح لهما الفطر ولا قضاء لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن جن او أغمى عليه أكثر يومه لزمه القضاء، جن من الليل، أو طرأ عليه، بلغ مجنونا أو صحيحا، لا باليسير " يعني كما قال عبد الباري العشماوي، ومن شروط صحة الصوم العقل، فمن لا عقل له كالمجنون والمغمى عليه لا يصح منه في تلك الحالة، ويجب على المجنون إذا عاد إليه عقله ولو بعد سنين كثيرة أن يقضي ما فاته من الصوم في حال الجنون. ومثله المغمى عليه إذا أفاق، أي فإنه يقضي الصوم إذا أغمى عليه يوما كاملا، أو جله، أو أقله ولم يسلم أوله، ولا يلزمه الإمساك فيما بقي من يومه على المعتمد، كما في الصفتي نقلا عن العدوي اهـ. وقال صاحب الرسالة: ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته. قال النفراوي: ولو وقت الضروري. ثم قال: تنبيه كان الأنسب للمصنف أن لو

стр. 428

قال: ولا يطالب المغمى عليه بفعل شيء من الصلوات إلا ما أفاق في وقته، لأن القضاء عبارة عن الإتيان بما خرج وقته وما أفاق في وقته أداء لا قضاء. وقال قبل ذلك: وأما النائم يمضي عليه أيام وهو نائم بعد تبييت النية فلا قضاء عليه أي لصحة صومه وبقاء تكليفه، وإنما الساقط عن النائم الإثم فقط، حتى لو بيت النية بعد ثبوت الشهر ونام جميعه صح صومه وبرئت ذمته، وليس السكران بحلال كالنائم بل كالمجنون فيجب عليه القضاء اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم الكافر إمساك بقية يوم إسلامه " وما ذكره ﵀ من لزوم الإمساك قول في المذهب، لكن المشهور الاستحباب. قال خليل عاطفا على المندوبات: وإمساك بقية اليوم لمن ألسم اهـ كما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. قال الخرشي: يريد أن الكافر إذا أسلم في نهار رمضان فإنه يستحب له الإمساك في بقية ذلك اليوم ليظهر عليه صفات الإسلام بسرعة. وإنما لم يجب عليه الإمساك ترغيبا للإسلام، ويستحب له أيضا قضاؤه اهـ. ومثله في الفواكه للنفراوي. انظر الحطاب، وفيه زيادة إيضاح لمن يريد أكثر من هذا. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويستحب للصبي يبلغ الإمساك " يعني يندب للصبي بلغ نهارا في رمضان أن يمسك بقية يومه عن المفطرات لحرمة الشهر، هذا إذا بيت الصوم، وإلا فلا يستحب له ذلك قال العلامة الحطاب: وإذا بلغ الصبي أو الصبية وهو صائم فإنه يتمادى لأن صومه انعقد نافلة ظاهرا وباطنا، فإن كان مفطرا فهو كالحائض أي فلا يستحب له الإمساك، ولا يجب عليه قضاء ما مضى من رمضان ولا قضاء اليوم الذي بلغ فيه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " لا بقية يوم الشفاء والطهر وقدوم المسافر مفطرا " قال في رسالة: وإذا قدم المسافر مفطرا، وطهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما.

стр. 429

قال شارحها. وكالمفطر لضرورة جوع أو عطش، والمرضع يموت ولدها نهارا، والمريض يقوى، والصبي يبلغ، ولم يكن بيت الصوم، أو بيته وأفطر عمدا قبل بلوغه فلا يجب الإمساك على واحد من هؤلاء بقية يومه، بخلاف الصبي يبيت الصوم ويستمر صائما حتى بلغ، أو أفطر ناسيا وأمسك فإنه يجب عليه الإمساك في هاتين الصورتين، نقله النفراوي عن الأجهوري اهـ. وقال العلامة الدردير - عاطفا على المندوبات -: وإمساك بقية اليوم لمن أسلم وقضاؤه، بخلاف من زال عذره المبيح له الفطر مع العلم برمضان، كصبي بلغ أي فلا يندب له الإمساك، هذا عند عدم تبييت الصوم، ومريض صح، ومسافر قدم فيطأ امرأته كذلك أي التي زال عذرها المبيح لها الفطر مع العلم برمضان، بأن قدمت معه من السفر أو طهرت من حيض أو نفاس، أو بلغت نهارا، أو أفاقت من جنون اهـ بتوضيح. ثم قال رحمه الله تعالى: " ثم السفر المبيح سفر القصر " يعني السفر المبيح الفطر فيه هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة، بأن كان سفرا مباحا أربعة برد ذهابا كما تقدم في صلاة السفر. وإذا كان السفر تقصر فيه الصلاة يجوز الفطر فيه في رمضان إذا شرع في السفر. ما لم يبيت الصوم، فإن بيت الصوم منع الفطر. قال رحمه الله تعالى: " والصوم أفضل " يعني أن الصوم في السفر أفضل من الفطر فيه لمن قوي على ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية. وقال في الرسالة: ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء، والصوم أحب إلينا. أي معاشر المالكية. قال رحمه الله تعالى: " وإذا أجمع إقامة أربعة أيام لزمه " يعني إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع لزمه الصوم كما لزمه إتمام الصلاة. قال النفراوي في الفواكه: تنبيهات: الأول يقطع جواز الفطر ما يقطع جواز قصر الصلاة المشار إليه بقول خليل:

стр. 430

وقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح ولو بخلاله إلا العسكر بدار الحرب اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمتطوع إن أفطر ساهيا لزمه إمساك بقية يومه لا قضاؤه " يعني أن الصائم المتطوع إذا أفطر ساهيا فإنه يجب عليه الإمساك إلى الغروب. وفي الموطأ " قال يحيى سمعت مالكا يقول: من أكل أو شرب ساهيا أو ناسيا في صيام تطوع فليس عليه قضاء، وليتم يومه الذي أكل فيه أو شرب وهو متطوع، ولا يفطره، وليس على من أصابه أمر يقطع صيامه وهو متطوع قضاء إذا كان إنما أفطر من عذر غير متعمد للفطر " الحديث اهـ وقال في الرسالة: ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة اهـ. قال الشارح: قوله فلا قضاء عليه أي لعدم تعمده، ولكن يجب عليه الإمساك بقية يومه. واختلف في ندب قضائه على قولين. ومثل الناسي المفطر لضرورة كجوع أو عطش، أو لوجه كأمر شيخه، أو أحد أبويه، والمراد شيخه في العلم أو الطريقة اهـ قاله النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ويحرم صيام العيد " يعني أنه لا يجوز صيام يوم العيد سواء عيد الفطر أو الأضحى لما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ " نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى " قال الزرقاني على الموطأ: فصيامهما حرام على كل أحد من متطوع، وناذر، وقاض فرضا، ومتمتع، وغير ذلك إجماعا؛ لأنه معصية فلا يصومهما من نذرهما، لحديث " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " قال المازري: ذهب مالك إلى من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه، وخالفه أبو حنيفة. والحديث رواه مسلم، وأعاده الإمام في الحج انظرهما اهـ. وقال في المدونة: سئل ابن القاسم: أرأيت لو أن رجلا أصبح يوم الأضحى أو يوم الفطر صائما، فقيل له إن هذا اليوم لا يصلح فيه الصوم فأفطر أيكون عليه قضاؤه في قول مالك أم لا؟ قال: لا يكون عليه قضاؤه عند مالك اهـ. وفي الرسالة: ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين

стр. 431

اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويكره أيام التشريق إلا لتمتع ونحوه " يعني أن أيام التشريق لا يجوز صيامها إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي فله صيامها بلا كراهة. قال مالك في المدونة: من نذر صيامها أو كان عليه صوم واجب، أو نذر صيام ذي الحجة فلا ينبغي له أن يصوم أيام الذبح الثلاثة، ولا يقضي فيها صياما واجبا عليه من من نذر أو رمضان، ولا يصومها أحد إلا المتمتع الذي لم يجد الهدي فذلك يصوم اليومين الآخرين، ولا يصوم يوم النحر أحد، وأما آخر أيام التشريق فيصام إن نذره رجل، أو نذر صيام شهر ذي الحجة، فأما أن يقضي به رمضان أو غيره فلا يفعل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب صوم أيام البيض " سميت بذلك لبياض الليالي بالقمر من الغروب إلى الفجر، وهي الثالثة عشرة وتاليتاها. وما ذكر المصنف من استحباب صيامها وهو كذلك، إلا أن الإمام مالكا كره تعيينها فرارا من التحديد فيما لا يحدده الشارع، فإن وافق صومها بلا قصدها فلا كراهة. وفي الحديث عن ذر أنه قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر " رواه النسائي والترمذي، وصححه ابن حبان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويوم عرفة " يعني ينبغي صيام يوم عرفة لمن لم يحج، ويكره صومه للحاج، لما في الحديث عن أبي هريرة قال: " إن النبي ﷺ " نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة " رواه الخمسة غير الترمذي. ويتأكد فطر من بعرفة ليتقوى على أداء المناسك، ويكره له صومه لئلا يضعفه عن الوقوف، وأيضا وفي فطره تأسيا به ﷺ ؛ لأنه أفطر في حجة الوداع. قال رحمه الله تعالى: " وعاشوراء " أي يستحب للمكلف صيام يوم عاشوراء وهو عاشر

стр. 432

المحرم ومثله تاسوعاء وهو تاسع محرم. قال الخرشي: والمعنى أن صيام يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء مستحب وإنما قدم عاشوراء لأنه أفضل من تاسوعاء لأنه يكفر سنة، وقد صامه النبي ﷺ قبل فرض رمضان. وأما تاسوعاء: فقد تمنى رسول الله ﷺ صيامه، لقوله: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " رواه مسلم. وفي رواية: " فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع " فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . قال القرطبي في تفسيره: ولم يصم النبي ﷺ قط، ببينة قوله لئن بقيت إلى قابل الحديث. وقد ذكر العلماء اثنتي عشرة خصلة مستحبة تفعل في يوم عاشوراء انظرها في الخرشي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والاثنين والخميس " يعني من الأيام الفاضلة التي يستحب فيها الصوم يوم الاثنين ويوم الخميس. وسئل النبي ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: " ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه وفيه أنزل القرآن " رواه أبو داود ومسلم. وصامهما رسول الله ﷺ كما شهد بذلك حديث أبي قتادة. وسئل النبي عن ذلك فقال: " إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم " اهـ. رواه أصحاب السنن. ثم انتقل يتكلم على الاعتكاف لما فيه من المناسبة بينه وبين الصوم فقال رحمه الله تعالى: باب الاعتكاف وفي نسخة ذكر هنا فصل بعد الباب والصواب حذفه اكتفاء بذكر الباب. والاعتكاف لغة العكوف وهو اللزوم، وشرعا لزوم مسلم مميز مسجدا مباحا بصوم ليلة ويوما لعبادة قاصرة بنية، كافا عن الجماع ومقدماته اهـ. وعبارة صاحب العزية:

стр. 433

وحقيقته اللبث في المسجد للعبادة على وجه مخصوص. وأقله يوم وليلة، وأكمله عشرة أيام. وهو من نوافل الخير اهـ. قال رحمه الله تعالى: " الاعتكاف ملازمة المسجد ليلا ونهارا مع النية والصوم مشتغلا بالعبادات " يعني أن الاعتكاف عبادة مخصوصة، وهي ملازمة المسجد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مع النية والصوم مشتغلا بالعبادة المخصوصة، وهي الصلاة، وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى كالهيللة والحمدلة، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ . وينبغي أن يستغرق أوقاته بذلك، لأن المقصود تصفية النفس وصرفها عن شهواتها الدنيوية، كما قال رحمه الله تعالى: " تاركا للأسباب الدنيوية إلا لضرورة تحصيل طعامه " يعني كما قال مالك في المدونة، ومثله في الموطأ: المعتكف مقبل على شأنه لا يعرض لغيره مما يشغل به نفسه من التجارات أو غيرها. وقال: لا بأس أن يشتري ويبيع الشيء الخفيف لعيشه الذي لا يشغله. وأما شراؤه أو بيعه للتجارة داخل المسجد فيكره اهـ. وفي النفراوي: فالحاصل أنه يكره بيعه أو شراؤه للتجارة مطلقا أي سواء كان خارج المسجد أو داخله، ويجوز لغيرها مما لا يستغنى عنه ولو خارجه بحيث لا يجاوز محلا قريبا يمكن الشراء منه، ويشترط أن لا يجد من يشتري له وسئل مالك: أيجلس العلماء ويكتب العلم؟ فقال: لا يفعل إلا الأمر الخفيف، والترك أحب إلي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " واشتراطه الخروج ملغى، ويبطل بالخروج إلا لحاجة الإنسان أو طعامه، ولو لعيادة أو صلاة جنازة أو جمعة " يعني لا شرط في الاعتكاف سواء قبل الدخول أو بعده. قال ابن عرفة: وشرط منا فيه لغو. وقال خليل: وإن شرط سقوط القضاء لم يفده اهـ. وقال مالك في المدونة: لا أسمع أن أحدا من أهل العلم يذكر أن في الاعتكاف شرطا لأحد، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصوم

стр. 434

والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة، وقد اعتكف رسول الله ﷺ وعرف المسلمون سنة الاعتكاف. اهـ. ومثله في الموطأ. وقوله: ويبطل بالخروج إلخ هذا شروع في ذكر مبطلاته. أي ويبطل الاعتكاف بالخروج عن المعتكف بغير حاجة الإنسان، ولو لعيادة مريض أو لصلاة الجنازة، أو كان خروجه لجمعة كما يأتي عن قريب. ويبطل أيضا بفعل الكبائر كشرب الخمر. وبالجماع، أو مقدماته ليلا أو نهارا. ولا يصلي على على الجنازة ولو لاصقته، ولا يعود مريضا إلا إذا كان بقربة، ويكره أكله بفناء المسجد. وكذلك فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب أن لا ينقص عن عشرة أيام " قال في الرسالة: وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام. ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة. قال خليل: ولزم يوم إن نذر ليلة، وكذا عكسه، بخلاف ما لو نذر بعض يوم أو بعض ليلة فلا يلزمه شيء، إلا أن ينوي الجوار فيلزمه ما نوى اهـ. انظر النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز في كل مسجد إلا من تلزمه الجمعة فيتعين الجامع " يعني أن الاعتكاف جائز في كل مسجد من المساجد إلا من تلزمه الجمعة ونوى من الأيام التي تدركه فيها فيتعين الجامع، وإلا خرج وبطل بالخروج. قال ابن جزي: فإن نوى اعتكاف مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها تعين الجامع، لأنه إن خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه، خلافا لأبي حنيفة وابن الماجشون اهـ. قال أبو الحسن في العزية: المسجد من أركان الاعتكاف، فلا يصح في غيره. قال شارحها: ولا يشترط كون المسجد جامعا إلا أن يكون المعتكف نوى أو نذر أياما تأخذه فيها الجمعة وكان ممن تجب عليه

стр. 435

فيجب عليه الاعتكاف في الجامع فيما تصح فيه الجمعة دائما، لا برحبته الخارجة عنه. وأما رحبته الداخلة فيه فيصح فيها، إذ هي عبارة عن صحن الجامع، فإن لم يخرج حرم عليه ولم يبطل اعتكافه، لأنه لم يرتكب كبيرة بناء على ما ذهب إليه الحطاب في باب الجمعة من أن تركها مرة من غير عذر صغيرة، ولا يعد مرتكبا كبيرة إلا أن يتركها ثلاث مرات متواليات خلافا لأصبغ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويدخل معتكفه قبل الفجر " وما ذكره المصنف من دخول المعتكف في معتكفه قبل الفجر وإن كان جائزا إلا أنه خلاف المندوب، فالمندوب الدخول قبل غروب الشمس. قال مالك في الموطأ: يدخل المعتكف المكان الذي يريد أن يعتكف فيه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها حتى يستقبل باعتكافه أول الليلة التي يريد أن يعتكف فيها اهـ. انظر شرحه للزرقاني. وقال أبو محمد في الرسالة: وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه. قال شارحها: ليستكمل الليلة. وحكم الدخول في ذلك الوقت الوجوب إن كان الاعتكاف منذورا، والندب إن لم يكن منذورا، وعلى الوجهين لو أخر دخوله ودخل قبل الفجر أجزأه، قال خليل عاطفا على المندوبات: ودخوله قبل الغروب. وصح إن دخل قبل الفجر لأنه أدرك محل النية، بل ولو دخل مع الفجر بناء على صحتها مع الفجر، لكن مع الإثم على التأخير في الاعتكاف المنذور. وإنما أجزأه مع مخالفته الواجب بناء على أن أقله يوم اهـ. قلت: وما ذكره من هذا البناء مرجوح. انظر حاشية العدوي على الخرشي. قال رحمه الله تعالى: " فإن دخل بعده بطل " يعني إن دخل المعتكف محل اعتكافه بعد طلوع الفجر بطل اعتكافه. قال ابن جزي في القوانين: وأما زمانه فأقله يوم وليلة والاختيار أن لا ينقص عن عشرة أيام ولا حد لأقله عندهما (١). ويستحب أن يدخله قبل

стр. 436

غروب الشمس من ليلة اليوم الذي يبدأ فيه، فإن فعل ذلك أجزأه اتفاقا، وإن دخل بعد الفجر لم يجزه، وإن دخل بين المغرب والعشاء ففي الصحة والبطلان قولان اهـ. وفي الصاوي: قال ابن الحاجب: من دخل قبل الغروب اعتد بيومه، وبعد الفجر لا يعتد به، وفيما بينهما قولان المشهور الاعتداد. وقال سحنون: لا يعتد. وحمل بعضهم قول سحنون على النذر، والقولين بالاعتداد على النفل. ولكن المعتمد الاعتداد مطلقا نفلا أو نذرا اهـ. وما ذكره ابن جزي وابن الحاجب هو مذهب الجمهور خلافا للأوزاعي ومن معه القائلين إنما السنة أن يدخل المعتكف اعتكافه بعد صلاة الصبح مستدلين بظاهر حديث عائشة. انظر الزرقاني على الموطأ اهـ. وقال مالك في حديث أبي سعيد الخدري في الاعتكاف: إن ذلك يعجبني، وعلى ذلك رأيت أمر الناس أن يدخل الذي يريد الاعتكاف في العشر الأواخر حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، ويصلي المغرب فيه ثم يقيم. فلا يخرج إلى أهله حتى يفرغ من العيد. وذلك أحب الأمر إلى فيه اهـ المدونة. وما ذكره الإمام من حديث أبي سعيد من أن المعتكف لا ينصرف إلى أهله حتى يصلي العيد أشار إليه المصنف بقوله رحمه الله تعالى: " ومعتكف العشر الأواخر لا ينصرف إلى أهله إلا بعد شهود العيد " قال في الرسالة: ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره. وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى. قال مالك: بلغني أنه ﵊ كان يفعل ذلك عند اعتكافه العشر الأواخر من رمضان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمرأة كالرجل فلا يصح في بيتها " يعني أن الاعتكاف لا يصح في البيوت، بل في المساجد ولو لامرأة، فالمسجد شرط في صحته كما تقدم. قال النفراوي: فلا يصح في بيت، ولا في مسجد محجر، ولا في سطح المسجد، ولا في بيت

стр. 437

قناديله ولو كان المعتكف امرأة اهـ. قال الحطاب عند قول خليل ومسجد: أي في صحته بمطلق مسجد، أي مسجد مباح. قال ابن رشد: وأما الاعتكاف في مساجد البيوت فلا يصح عند مالك لرجل ولا لامرأة، خلاف قول أبي حنيفة في أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها اهـ. وقال مالك في الموطأ: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها، فإن كان مسجدا لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأسا بالاعتكاف فيه، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعم الله المساجد كلها، ولم يخص شيئا منها اهـ. ومثله في المدونة. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن عرض له ما يمنعه إتمامه من مرض أو حيض ولم يمكنه المقام خرج وعليه حرمة الاعتكاف، فإذا زال عذره عاد في الفور " يعني أن المعتكف إذا عرض له عذر في أثناء اعتكافه وقبل إتمام ما نواه أو نذره، فإن كان عذره خفيفا لا يمنعه المكث في المسجد فلا يخرج، وإن كان مما يمنع المكث فيه كالحيض والإسهال والمرض الشديد وجب عليه الخروج إلى منزله، فإذا زال عنه العذر رجع إلى المسجد وقتئذ وحرمة الاعتكاف معه في حالة العذر، وإن تأخر عن المسجد بعد العذر بطل الاعتكاف. قال في الرسالة. وإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض، فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد اهـ. قال خليل: وبنى بزوال إغماء أو جنون، كان منع من الصوم لمرض أو حيض أو عيد، وخرج وعليه حرمته، فإن أخره بطل إلا ليلة العيد أو يومه وأخر رجوعه إلى المسجد حتى مضى يوم العيد وتالياه في عيد الأضحى فإن اعتكافه

стр. 438

لا يبطل، بخلاف ما لو طهرت الحائض أو صح المريض وأخر كل الرجوع إلى المسجد فإن اعتكافه يبطل لصحة صوم ذلك اليوم لغيرهما، بخلاف يوم العيد فإن صومه لا يصح لأحد اهـ الخرشي. قال رحمه الله تعالى: " وإن شرط عدم القضاء لمرض أو غيره لم يفده على المشهور " يعني كما قال الخرشي: إن المعتكف إذا اشترط ما ينافي اعتكافه، بأن قال إن حصل له مانع يوجب القضاء لا أقضى، فإن شرطه لا يفيده ويصح اعتكافه على مقتضى الاعتكاف المشروع. قال ابن عرفة: وشرط منافيه لغو. وقال صاحب الشامل: فإن شرط سقوط القضاء لحدوث مرض أو غيره لم يفده على المشهور، وثالثهما إن وقع بعد الدخول وإلا بطل اهـ. وتقدم لنا هذه المسألة عند قول المصنف واشتراطه الخروج ملغى فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " ويحرم على المعتكف الاستمتاع ليلا أو نهارا لا عقد نكاح. والله أعلم " يعني كما قال مالك في الموطأ: لا بأس بنكاح المكتف نكاح الملك، ما لم يكن المسيس. والمرأة أيضا تنكح نكاح الخطبة ما لم يكن المسيس. ويحرم على المعتكف من أهله بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار، ولا يحل لرجل أن يمس امرأته وهو معتكف لا يتلذذ منها بقبلة ولا غيرها، ولم أسمع أحدا يكره للمعتكف ولا للمعتكفة أن ينكحها في اعتكافها ما لم يكن المسيس فيكره. ولا يكره للصائم أن ينكح في صيامه، وفرق بين نكاح المعتكف ونكاح المحرم، أن المحرم يأكل ويشرب ويعود المريض، ويشهد الجنائز. ولا يتطيب. والمعتكف والمعتكفة يدهنان ويتطيبان، ويأخذ كل واحد منهما من شعره، ولا يشهدان الجنائز، ولا يصليان عليها، ولا يعودان المريض، فأمرهما في النكاح مختلف، وذلك الماضي من السنة في نكاح المحرم والمعتكف والصائم اهـ. وفي المدونة:

стр. 439

وإن جامع في ليل أو نهار ناسيا، أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه وابتدأه اهـ. انظر الحطاب. ولما أنهى الكلام على دعائم الإسلام الثلاث، وهي الصلاة والزكاة والصوم وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على الدعامة الرابعة، وهي الحج فقال رحمه الله تعالى:

стр. 440

كتاب الحج وهو لغة القصد، وعرفا حضور جزء بعرفة ساعة من ليلة يوم النحر، وطواف بالبيت سبعا، وسعي بين الصفا والمروة سبعا بإحرام. وقال بعض المعرفين: الحج ندب. وهو عبادة عظيمة ينبغي أداؤها على الوجه الذي قرره الشارع، وإلا ردت على وجه صاحبها اهـ. واعلم أن الله تعالى أوجب على عباده حج بيته الحرام من استطاع إليه سبيلا. قال : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وعن أبي هريرة قال " خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم " الحديث، مسلم والنساء والترمذي. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخاري ومسلم. ثم اعلم أن للحج أركانا وواجبات، وسننا، ومندوبات، وجائزات، ومكروهات، وممنوعات، ومبطلات. وستقف عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وبدأ رحمه الله تعالى أن الإسلام شرط في صحة الحج، فالكافر لا يصح منه حتى يسلم، وكذا قد أخبر أن الحرية شرط في وجوبه، فالعبد ومن فيه بقية الرق لا يلزمه الحج وإن وقع منه نفلا، وإن عتق وجب عليه حجة الإسلام (١)، ومثله الصبي والمجنون إذا أدخلهما وليهما في حرمة الإحرام، ثم إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون لزمهما حجة الإسلام. وقوله مستطيع، سيأتي معنى الاستطاعة عن قريب.

стр. 441

قال رحمه الله تعالى: " على الفور مرة في العمر " يعني أن الحج واجب على الفور وجوبا موسعا، في العمر مرة، وما زاد على المرة مندوب. وينبغي أن ينوي به القيام بفرض الكفاية الذي هو إقامة الموسم في كل سنة ليحصل له ثواب ذلك. وما ذكره من فورية الحج هو الراجح في المذهب. وقيل على التراخي. قال في الدر الثمين للعلامة محمد بن أحمد ميارة: وفي كون وجوبه على الفور أو على التراخي إلى خوف الفوات فيكون حينئذ واجبا على الفور قولان. وخوف الفوات إما بفساد الطريق بعدم أمنها، أو بذهاب ماله، أو صحته، أو ببلوغ المكلف ستين سنة اهـ. انظر في الكتاب المذكور أقوال العلماء. قال رحمه الله تعالى: " والاستطاعة إمكان الوصول مع الأمن كيفما تيسر " يعني أن الاستطاعة التي هي من شروط وجوب الحج هي إمكان الوصول. قال العلامة الشيخ حسين بن إبراهيم مفتي المالكية بمكة سابقا في توضيح المناسك: والاستطاعة هي إمكان الوصول بلا مشقة عظمت، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، ولو بالسؤال إذا كان ذلك عيشه في بلاده، وكانت العادة إعطاءه، وقدر على المشي، وأن يكون آمنا على نفسه وماله، ويعتبر ما يرجع به إلى محل يمكنه فيه التعيش إن خشي الضياع بالإقامة بمكة اهـ. وعبارة ميارة في الدر الثمين أنه قال: والاستطاعة هي إمكان الوصول إلى مكة بلا مشقة عظيمة مع القدرة على أداء الصلاة في أوقاتها المشروعة لها في السفر، وعدم الإخلال بشيء من فرائضها، ومع الأمن على النفس والمال من لص أو مكاس، وإلا لم يجب الحج إلا أن يكون المكاس مسلما يأخذ شيئا لا يجحف بالشخص ولا ينكث بعد أخذه. ويجب الحج بلا زاد ولا راحلة إذا كان الشخص قادرا على المشي وله صنعة يقتات منها ولو بالسؤال إذا كان ذلك عيشه في بلده، وكانت العادة إعطاءه، وإن لم يكن ذلك عيشه في بلده فلا يجب عليه الحج، ويكره له الخروج، ومن قدر على المشي ووجد

стр. 442

من يؤاخره نفسه للخدمة ولا يرزي به ذلك وجب عليه الحج، ومن عجز عن المشي اعتبر في حقه وجود المركوب بشراء أو كراء. ومن لم تكن له صنعة يفعلها في الطريق يتعيش بها اعتبر في حقه وجود الزاد، ومن عجز عنهما اعتبرا معا في حقه اهـ. وقال الشيخ خليل في مناسكه: وليس من شروط الاستطاعة وجود الناض، بل يلزمه أن يبيع من عروضه ما يباع على المفلس اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمرأة مع محرم أو رفقة مأمونة " يعني أن الاستطاعة في حق المرأة زيادة على ما تقدم وجود الزوج معها في السفر، أو المحرم ولو غير بالغ، ولو لم تكن فر رفقته لكن حيث يمكنها الوصول إليه بلا مشقة عند الحاجة، ويقوم مقام المحرم الرفقة المأمونة في سفر الفرض فقط. والأصل في ذلك قوله ﵊: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم منها " قال شارح هذا الحديث: وليس على المرأة حج إذا لم تجد محرما، كما في دلالة الحديث. وعند مالك لا يجب المحرم في سفر الفريضة، وتكفي رفقة مأمونة. والمراد بالمحرم من حرم عليه نكاحها على التأييد اهـ. ثم انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على أحكام النيابة بالحج وكيفيتها وتنفيذها فقال: " والميت الصرورة إن أوصى به يلزمه في ثلثه فليستأجر من يحج عنه " يعني أنه إذا أوصى الميت الصرورة وهو من لم يحج الفرض، أي إذا أوصى بالحج عنه وجب على الموصى له أن ينفذ الوصية، بأن يستأجر من يحج عنه في ثلث ماله، وإن كانت الوصية بالحج مكروهة عند مالك، والأولى الوصية بالصدقة، وإنما نفذ الوصية به مراعاة لمن يقول بجواز النيابة مطلقا، وعندنا لا تصح النيابة عن الحي مطلقا فرضا أو نفلا، صحيحا أو مريضا بأجرة أم لا قال الرماصي: المعتمد في المذهب أن النيابة عن الحي لا تجوز ولا تصح مطلقا

стр. 443

إلا عن ميت أوصى به فتصح مع الكراهة اهـ. وقال ابن جزي: وإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله وكان صرورة نفذت الوصية من ثلث ماله، وإن لم يوص سقط عنه. وقال الشافعي يحج عنه من رأس ماله، وينوي الأجير الحج لمن حج عنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ثم الإجازة ضربان " يعني أن الإجازة لها صورتان: الأولى على البلاغ، والثانية على الضمان وهي أفضل. قال خليل عاطفا على الأفضلية: وإجازة ضمان على بلاغ، أي فضلت إجازة ضمان على إجازة بلاغ لأن إجازة الضمان أحوط للمال، المعنى أن الاستئجار للحج على وجه الضمان أفضل من الاستئجار على وجه البلاغ. انظر الحطاب. ثم عرف إجازة البلاغ بقوله رحمه الله تعالى: " بلاغ وهي دفع مال بحسب كفايته، ذهابا وإيابا فما فضل لزمه رده " يعني أن الإجازة المسماة بالبلاغ هي إعطاء ما ينفقه الأجير في سفر الحج نيابة عن غيره بدءا وعودا بالعرف، وإن ضاع منه المال قبل الإحرام رجع ولا شيء عليه في الضائع وإذا فرغ منه المال قبل إتمام العمل استمر على إنفاق نفسه من ماله ورجع على من استأجره بما أنفقه من عنده أو تسلف، ويرجع عليه بالسرف، أي إذا شهد عليه به، وإذا مات قبل التمام أو صد يرجع للحساب كأجير الضمان اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف قبل إحرامه فله الترك، فإن مضى لم يكن له رجوع بنفقته " قال النفراوي: وقدمنا أنه إن ضاع المال قبل إحرامه يرجع، فإن لم يرجع واستمر على العمل والإنفاق من عنده فلا شيء له في الذهاب ولا في الإياب إلى موضع الضياع، بخلاف ما لو ضاع بعد الإحرام فإنه يستمر على عمل الحج ويكمل العمل ويجب على المستأجر الإنفاق عليه من مال نفسه لتفريطه بعدم الاستئجار على الضمان الذي هو الأحوط كما قدمنا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وبعده يلزمه إتمامه، وله الرجوع بنفقته " يعني إذا

стр. 444

تلف المال بعد الإحرام بالحج لزم الأجير إتمامه ويرجع على المستأجر بما أنفق. قال خليل: وإن ضاعت قبله رجع وإلا فنفقته على آجره إلا أن يوصي بالبلاغ ففي بقية ثلثه ولو قسم. قوله وإلا فنفقته إلخ يعني إذا ضاع المال بعد إحرام الأجير أو قبله ولم يعلم إلا بعده، أو لم يمكنه الرجوع فإنه يستمر إلى تمام الحج ونفقته على مستأجره إلا أن يوصي الميت بالبلاغ ففي بقية ثلثه إن بقي منه شيء، وإلا فعلى عاقد إجارة البلاغ لتفريطه بالعدول عن إجارة الضمان. قال رحمه الله تعالى: " قال ابن القاسم على المستأجر " كما تقدم وهو المشهور " وقال ابن حبيب في بقية الثلث " هذا إذا أوصى بالبلاغ. قال ابن حبيب أيضا الحج وقد ضاع المال بعد الإحرام تكون على المستأجر على المشهور، إلا إذا أوصى الميت بأن يحج عنه على البلاغ فتكون حينئذ في بقية الثلث إن بقي شيء فإن لم يبق من ثلثه شيء فعلى المستأجر. قال الحطاب قال في الطراز: فإن لم يبق للميت ثلث، فذلك على العاقد من وصي أو غيره اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " الثاني مضمونة، وفيها يتعين قدر الأجرة وصفة الحج وموضع ابتداء " يعني الضرب الثاني من ضربي الإجازة وهي إجازة الضمان التي هي أفضل من غيرها. قال الخرشي: ومعنى الأفضلية، أن الضمان أحوط للمستأجر لوجوب المحاسبة للأجير فيما إذا لم يتم لصد أو غيره، لا بمعنى أنها أكثر ثوابا إلى آخر ما قال، انظره. وقال العلامة ابن جزي في القوانين: وهي - أي الإجازة - على وجهين: إجازة بأجرة معلومة تكون ملكا للأجير كسائر الإجازات، فما عجز عن كفايته وفاه من ماله، وما فضل كان له. والثاني البلاغ وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه فإن احتاج إلى زيادة أخذها من المستأجر، وإن فضل شيء رده إليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمشهور اشتراط تعين السنة. وقيل بل تتعين السنة

стр. 445

الأولى بالإطلاق " يعني أن المشهور من القولين اشتراط تعيين السنة حين العقد، فإن لم يعين تتعين السنة الأولى. قال خليل: وصح إن لم يعين العام، وتعين الأول وعلى عام مطلق. وقال الحطاب: يعني أن الإجازة تصح وإن لم يعين في العقد العام الذي يحج فيه الأجير. وقيل لا تصح الإجازة للجهالة. قال في التوضيح: والأول أظهر كما في سائر عقود الإجازة إذا وقعت مطلقة فإنها تصح وتحمل على اقرب زمن يمكن وقوع الفعل فيه. ابن شاس: والقولان للمتأخرين اهـ. فإذا صحت الإجازة مع عدم تعيين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين عليه أن يحج في أول عام يمكنه فيه، فإن لم يحج في أول سنة لزمه الحج فيما بعدها. قاله في البيان. ونقله في التوضيح اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ثم ما فضل أو أعوز فله وعليه " يعني إذا دفع الأجرة للأجير بالضمان وفضل منها شيء فهو له، وإن نقص عنه شيء قبل تمام النسك وجب عليه إتمام الحج على سنته، ولا يرجع على المستأجر بشيء مما نقص عنه لأن الإجازة وقعت على الضمان. وقال الحطاب نقلا عن مصنفنا في شرحه على العمدة: الفرق بين البلاغ والضمان أن أجير البلاغ يملك التصرف في المال على وجه مخصوص، والأجير على الضمان يملك رقبة المال، ولذلك يكون الفضل له والتلف عليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يستأجر له عبد أو صبي، بخلاف غيره إلا أن يمنع من ذلك " قوله ولا يستأجر له الضمير في له راجع إلى الميت الصرورة الذي لم يحج حجة الإسلام وأوصى أن يحج عنه بعد موته. قوله بخلاف غيره الضمير في غيره راجع لغير صرورة وإن لم يتقدم ذكره، وهو مذكور بالجملة في المعنى، وهو الذي أوصى بأن يحج عنه تطوعا بعد حجة الإسلام فيجوز أن يستأجر له من يحج عنه ولو عبدا أو صبيا إلا أن يمنعه السيد أو الولي فيرجع المال إلى الورثة. قال خليل: ثم أوجر للصرورة فقط غير عبد وصبي، وإن امرأة، ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدا اهـ. قال الحطاب: لا شك

стр. 446

أن قوله ثم أوجر للصرورة فقط من تمام ما قبله. قال رحمه الله تعالى: " فلو عين شخصا فأبى عاد المال ميراثا، كما لو عين قدرا فوجد من يرضى بدونه إلا إن قصد دفعه إليه " يعني كما في الحطاب أنه إذا عين الميت شخصا يحج عنه ولم يسم ما يعطى فإنه إن لم يرض بأجرة مثله زيد عليها قدر ثلثها، فإن لم يرض بذلك تربص به قليلا لعله يرضى، فإن لم يرض فإنه يستأجر للميت من يحج عنه إن كان صرورة، وأما إن كان غير صرورة فإنه لا يحج عنه ويرجع المال ميراثا. ونص المدونة: ولو كان صرورة فسمى رجلا بعينه يحج فأبى ذلك الرجل فليحج عنه غيره بخلاف المتطوع الذي قد حج إذا أوصى أن يحج عنه رجل بعينه تطوعا، فإن أبى الرجل أن يحج عنه رجعت ميراثا اهـ قوله: كما لو عين قدرا يعني لو عين الميت قدرا من المال كمائه مثلا فوجد من يحج عنه بأقل منها أو تطوع أحد رجع باقي المال ميراثا في مثال الأول، أو كلها في الثاني إلا إذا قصد الميت إعطاءه ما زاد على أجرة مثله فيدفع له جميع المسمى إن كان غير الوارث، أما إن كان وارثا فأجرة المثل فقط. قال خليل: ودفع المسمى وإن زاد على أجرته لمعين لا يرث فهم إعطاؤه اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولو عين صفة فأحرم بغيرها لم يجزه " يعني إذا شرط الميت صفة من صفات الإحرام وعينها على الأجير وخالفه الأجير بأن أحرم بخلافها لم تجز عن الميت. قال بعضهم: أما لو كان الشرط من الوارث أو من وصي الميت وخالف الأجير تلك الصفة المشروطة من أحدهما فيجزئ وإلا فلا اهـ. قال خليل: أو خالف إفرادا لغيره إن لم يشترطه الميت، أي فيجزئ وإلا فلا اهـ. قال ابن عبد السلام: والحاصل أنه إذا خالف شرط الميت لم يجزئه، وتنفسخ الإجازة إذا خالفه إلى القران، سواء كان العام معينا أو غير معين، وإن خالفه إلى تمتع لم تنفسخ وأعاد إن لم يكن العام معينا، ونحوه في التوضيح، قال خليل: كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد اهـ. ونحوه في التوضيح، قال خليل: كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد اهـ. قال الحطاب: هذه أربع صور نص سند على عدم الإجزاء

стр. 447

فيها: الأولى: أن يشترط عليه التمتع فيأتي بالقران. الثانية: عكسها أن يشترط عليه القران فيأتي بالتمتع. الثالثة: أن يشترط عليه القران فيفرد. الرابعة: أن يشترط عليه التمتع فيفرد اهـ. وعبارة الخرشي أنه قال: وكذلك لا يجزئ الحج عن الميت إذا شرط على الأجير أن يحج عنه متمتعا فخالف وحج قارنا، لأنه أتى بغير المعقود عليه. وكذلك لو شرط عليه أن يحج متمتعا أو قارنا فخالف الأجير وحج مفردا، لأنه بغير المعقود عليه. وسواء كان المشترط لذلك في هذه الأربع هو الميت أو الوصي كما هو مقتضى كلامهم. وزاد سند فيما إذا خالف التمتع إلى الإفراد لا يجزئه أن يعتمر بعد الحج. قال: لأن الشرط لا يتناوله، فإن قيل الإفراد عندكم أفضل من التمتع ومن القران، قلنا الأجرة متعلقة بشرط الإجازة ولا ينظر إلى غيره، ألا ترى أنه لو استؤجر على العمرة فحج لم يجزئه، وإن كان لا يختلف أن الحج أفضل من العمرة اهـ مع التوضيح. ثم قال رحمه الله تعالى: " فلو أحرم عن نفسه انفسخت الإجازة " يعني كما في المواق عن ابن شاس: حكم الأجير أن ينوي الحج لمن حج عنه، وإن نوى لنفسه انفسخت الإجازة، إلا أن يكون استؤجر على عام لا بعينه اهـ. وفي الحطاب نقلا عن الطراز ونصه: إذا أحرم الأجير عن الميت ثم بدا له فصرف إحرامه لنفسه لم يجزه عن حجه عن نفسه ولا عن حج الإجازة، لأنه قصد بالفعل نفسه دون المستأجر، فلا يستحق أجرة في عمل لم يقصد به عمل الإجازة اهـ. وكذا نقل في الذخيرة عن القرافي قال: إذا أحرم الأجير عن الميت ثم صرفه لنفسه لم يجز عن واحد منهما اهـ. وفي الجواهر الإكليل للشيخ صالح الآبي الأزهري عند قول خليل أو صرفه لنفسه: أي صرف الإحرام لنفسه فلا يجزئ عن الميت ولا عن الأجير، فتفسخ وترد الأجرة لأنه خلاف شرطه، ولأن الحج لا ينتقل لغير من وقع له وسواء كان العام معينا أم لا اهـ.

стр. 448

قال رحمه الله تعالى: " ومن تطوع أو حج عن غيره قبل فرضه كره ووقع على ما نواه " يعني أنه يكره أن يحرم بالحج تطوعا أو عن غيره قبل أداء حجة الإسلام. قال القاضي عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل نفسه لقوله ﷺ للذي سمعه يقول لبيك عن شبرمة، قال من شبرمة؟ قال أخ لي، قال حججت؟ قال لا، قال: " حج عن نفسك ثم عن شبرمة " قال شيخ مشايخنا محمد علي المالكي في إيضاح المناسك، فلو نوى الإحرام بنافلة انعقد نافلة وحرم عليه ذلك ولم يجزه عن الفرض. قال وعند الشافعية يقع فرضا، ولو نوى النفل فالأسهل تقليدهم بعد الوقوع بلا مراعاة لهم في شروط الحج، لجواز التقليد بعد الوقوع، وجواز التلفيق كما في حاشية الخرشي اهـ. ولما أنهى الكلام على الإجازة والنيابة في الحج انتقل يتكلم على المواقيت، فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في مواقيت الحج والعمرة أي في بيان مواقيت الحج , وهي جمع ميقات. وأصله أن يجعل للشيء وقت يختص به كوقت الصلاة، ويطلق على المكان والزمان. قال بعضهم: المواقيت جمع ميقات وهو ما حدد ووقت للعبادة من زمان ومكان. وميقات الحج ينقسم إلى قسمين: ميقات زماني وميقات مكاني، وإلى الأول أشار رحمه الله تعالى بقوله: " الميقات زماني: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة " قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والأشهر جمع شهر، وأقل الجمع ثلاثة، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، يعني أن الوقت الزماني في الحج أوله إثبات هلال شهر شوال، وآخره بالنسبة للإحرام يمتد لقرب طلوع فجر يوم النحر. وفي إيضاح المناسك لشيخ مشائخنا العلامة محمد علي بن حسين الأزهري المكي المتوفى سنة ١٣٦٧ هجرية أنه قال: الوقت الأكمل لإحرام الحج ابتداء شوال إلى مقدار ما يسع الوقوف

стр. 449

من ليلة النحر فيصح الإحرام به قبله مع الكراهة اهـ. وأما آخر وقته بالنسبة لتمام النسك فيمتد لكمال شهر ذي الحجة. ووقت الإحرام بالعمرة في حق غير محرم بحج جميع السنة. أما في حق المحرم بالحج فبعد أيام التشريق كما يأتي عن المصنف. ثم ذكر القسم الثاني وهو الميقات المكاني، فقال رحمه الله تعالى: " ومكاني ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق " يعني هذه الخمسة هي المواقيت المكانية للحج والعمرة. وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر أنه قال: " أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن " قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله ﷺ ، وأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: " ويهل أهل اليمن من يلملم " اهـ ولأحمد وأبي داود والنسائي " وقت النبي ﷺ لأهل العراق ذات عرق " اهـ وعن ابن عباس، ﵄، أن النبي ﷺ : " وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم وقال: هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة " اهـ. رواه الخمسة. وقال العلامة الدردير: ومكانه له - أي للحج - لمن بمكة مكة. وندب بالمسجد، وخروج ذي النفس لميقاته. ولها - أي العمرة - وللقران الحل، وصح بالحرم وخرج، وإلا أعاد طوافه وسعيه بعده وافتدى إن حلق قبله. ولغيره - أي غير المكي - لهما - أي بالنسبة للحج والعمرة - ذو الحليفة للمدني، والجحفة لكالمصري، ويلملم لليمن والهند، وقرن لنجد، وذات عرق للعراق وخراسان ونحوهما، ومسكن دونها، وحيث حاذى واحدا منها أو مر به ولو ببحر إلا كمصري يمر بالحليفة فيندب منها وإن حائضا، ومن مر غير قاصد مكة، أو غير مخاطب به، أو قصدها مترددا، أو عاد لها

стр. 450

من قريب فلا إحرام عليه، وإلا وجب، ورجع له وإن دخل مكة ما لم يحرم، ولا دم إلا لعذر كخوف فوات فالدم، كراجع بعد إحرامه، إلا أن يفوت فتحلل بعمرة اهـ. وقال الشيخ حسين بن إبراهيم في التوضيح: وأما الآفاقي القادم إلى مكة برا فميقاته مختلف: فميقات أهل مصر والشام والمغرب والتكرو الجحفة، ومنها رابغ على الراجح. وميقات أهل نجد قرن. وميقات أهل اليمن والهند يلملم. وميقات أهل العراق وخراسان ذات عرق. وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، ويستحب الإحرام من أول الميقات إلا بذي الحليفة فالأفضل الإحرام من مسجدها لأنه محل إحرامه ﷺ . ويجب على كل من مر بواحد من هذه المواقيت وهو يريد أحد النسكين أن يحرم من الميقات الذي مر به، أو محاذيها ولو كان غير ميقاته، إلا المصري ومن ذكر معه إذا مروا بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها، ولهم التأخير للجحفة اهـ بتوضيح. ثم قال رحمه الله تعالى: " فهي لأهلها ومن مر بها " يعني أن المواقيت المذكورة هي لأهل الجهات التي كانت بها، وهي أيضا ميقات لمن مر بها من غير أهل تلك الجهات، لما تقدم في الحديث من قوله ﷺ : " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة " الحديث. قال بعضهم في شرح هذا الحديث: والمراد بأن هذه الأماكن جعلت ميقاتا أن كل من يريد الحج لا يتعداها إلا وهو محرم، والإجماع على إجزاء الإحرام في مكان يسبقها حتى يوافيها محرما اهـ. قلت: قد أفتى العلماء المعتبرون من أهل العصر بوجوب الهدي على من تعدى الميقات على الطائرة وغيرها قبل الميقات المكاني لسقط عنه الدم، وإن كان الإحرام قبل الميقات مكروها، والكراهة لا تنافي الجواز، بل قد قال الحافظ أحمد الطبري في كتاب " القرى لقاصد أم القرى " والتقديم جائز بالإجماع، وإنما كرهه قوم اهـ فراجعه إن شئت.

стр. 451

قال رحمه الله تعالى: " فمن تجاوزه حلالا لزمه دم إلا أن يرجع غير محرم " يعني فمن تجاوز ميقاتا مكانيا حلالا وهو ممن يخاطب بالأحرار منه لزمه دم تعدي الميقات قال في التوضيح: المار بالميقات إما أن يريد مكة أم لا فإن كان لا يريد مكة، أو كان غير مخاطب بالنسك كالعبد والصبي فلا إحرام عليه، فإن بدا له دخول مكة بعد تعدي الميقات فأحرم فلا دم عليه ولو كان صرورة مستطيعا على تأويل ابن زيد، وصوبه ابن يونس كما في حاشية الخرشي، وإن كان يريد مكة وجب عليه الإحرام ولو لم يرد نسكا فلو دخلها بغير إحرام وجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه، إلا أن يغلب على ظنه فوات الحج أو الرفقة التي لا يجد غيرها فيحرم من مكانه الذي هو به ولا يرجع، ويلزمه هدي، وإن أحرم بعد تعدي الميقات وجب عليه الهدي ولو لم يرد نسكا لأن قصد مكة كقصد النسك كما في نقل ابن عرفة، واعتمدوه، سواء رجع إلى الميقات بعد الإحرام أم لا، أفسده أم لا لوجوب إتمام المفسد؛ لا إن فاته الحج فلا دم عليه حيث تحلل بفعل عمرة، وإن لم يتحلل بفعل عمرة وبقي على إحرامه لعام القابل فدم تعدي الميقات باق عليه مع دم الفوات، أما لو تحلل بفعل عمرة فلا يلزمه دم تعدي الميقات لأنه كأنه تعدى الميقات غير مريد نسكا ثم بدا له الإحرام بالعمرة فأحرم بها، فقد انقلب حجة لعمرة ولم يتسبب في فواته، فقد سقط عنه إتمام العبادة التي نقصها بترك الإحرام من الميقات وانقلبت لغيرها، ولا فائدة في جبران عبادة قد عدمت من أصلها، إذ لا بد من قضائها على الكمال كما في الخرشي اهـ بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " ومن منزله بعد ميقات فهو ميقاته " يعني أن من كان منزله عند الميقات أو وراءه فميقاته منزله، فإن كان منزله قريبا من الميقات فيستحب له أن يذهب إلى الميقات ليحرم منه، فإن سافر إلى وراء الميقات فله التأخير إلى منزله، وله أن يحرم من الميقات. ومن كان منزله بين ميقاتين فميقاته منزله كأهل الصفراء وبدر، ومن

стр. 452

كان منزله بين مكة والميقات كأهل جدة فميقاتهم منزلهم ويخيرون بين بيوتهم ومساجدهم، فإن أحرموا بعد أن تعدوا منازلهم فعليهم الهدي. ومن كان منزله في الحرم فميقاته منزله، ويستحب أن يكون إحرامه في المسجد الحرام. قال في توضيح المناسك: أما أهل مكة والمستوطنون بها فالمستحب لهم أن يحرموا من مكة إن أرادوا الإحرام بالحج مفردا. والأفضل الإحرام من المسجد الحرام. وإنما كان هذا هو الأفضل لأن مكة ليست من المواقيت؛ لأن المواقيت أقتت لئلا يدخل الإنسان إلى مكة بغير إحرام، فمن كان عند البيت فليس البيت ميقاتا له، بدليل أن المعتمر لا يحرم منها، والمواقيت يستوي في الإحرام منها الحج والعمرة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومكة ميقات أهلها، والمعتمر يخرج منها إلى أدنى الحل، وفي المكي منها خلاف، ولا يدخل أفقي (١) مكة إلا محرما " يعني كما قال خليل في منسكه. فمن يحرم منها لا بالعمرة فلا بد أن يخرج منها إلى أدنى الحل من أي جهة كانت. والأفضل الجعرانة أو التنعيم. ولا يحرم بالقران أيضا إلا من الحل على المشهور خلافا لعبد الملك. وإنما قلنا إنه يخرج في العمرة لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم اهـ. ولما أنهى الكلام على ما تقدم من بيان المواقيت الزماني والمكاني انتقل يتكلم على الأركان فقال رحمه الله تعالى. فَصْلٌ في أركان الحج وكيفية الإحرام أي في بيان أركان الحج والأركان جمع ركن وهو ما لا ينجبر بالدم، بل لا بد من الإتيان به. وأركان الحج أربعة: النية، والحضور بعرفة في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة،

стр. 453

وطواف الإفاضة، والسعي. وأركان العمرة ثلاثة: النية، والطواف، والسعي. وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: " أركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي " يعني أن أركان الحج عند معاشر المالكية أربعة كما تقدم: الأول الإحرام، وحقيقته نية الدخول في أحد النسكين مع قول أو فعل يتعلقان به كالتلبية، والتوجه على الطريق كما قال خليل في منسكه. وأما حقيقة الوقوف فهو أيضا كما تقدم حضور بعرفة بإحرام في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة ولو مارا، علم بأنه بعرفة ونوى. وأما الطواف المراد به هنا طواف الإفاضة الذي يكون بعد رمي جمرة العقبة، فهو ركن بلا خلاف. وأما السعي فالمشهور أنه ركن خلافا لأبي حنيفة. قال الصاوي: اعلم أن الركن هو ما لا بد من فعله ولا يجزئ عنه دم ولا غيره، وهو الإحرام والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة. وهذه الأركان ثلاثة أقسام: قسم يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء وهو الإحرام. وقسم يفوت بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام القابل وهو الوقوف، وقسم لا يفوت بفواته ولا يتحلل من الإحرام، ولو وصل لأقصى المشرق أو المغرب رجع لمكة ليفعله وهو طواف الإفاضة والسعي، والثلاثة غير السعي متفق على ركنيتها. وأما السعي فقيل بعدم ركنيته وإن كان قولا ضعيفا، وبه قال أبو حنيفة اهـ. انظر بلغة السالك. ثم قال رحمه الله تعالى: " فالإحرام ثلاثة أضرب " يعني أن الإحرام له أنواع ثلاثة، وعبر بها بعضهم بالأقسام، وبعضهم بالأوجه، وبعضهم بالأضرب كالمصنف، وكلها معنى واحد، وهي الإفراد، والقران، والتمتع. وعدها بعضهم خمسة أنواع باعتبار مطلق الإحرام، وإحرام بما أحرم به والده مثلا. وأشار رحمه الله تعالى إلى النوع الأول فقال: " إفراد وهو أفضلها " يعني أن الإفراد هو أفضل أوجه الإحرام، بأن يحرم بالحج وحده. قال في الرسالة: والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران. وفي توضيح المناسك: وأوجهه - أي الإحرام - خمسة: أولها: الإفراد، وهو أفضلها لأنه لا هدي فيه، ولأنه

стр. 454

صلى الله عليه وسلم حج مفردا قلت: بشهادة حديث عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفرد الحج كما في الموطأ. والإفراد: هو أن يحرم بالحج بأن ينوي بقلبه الدخول في حرمة الإحرام بالحج مفردا، وهو أفضل عند مالك. وينوي به حج الفرض إن لم يكن حج الفرض، أو فرض الكفاية إن كان حج الفرض ليثاب عليه ثواب الواجب، فهو أفضل من كونه ينوي به التطوع اهـ. ثم ذكر النوع الثاني من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وتمتع وهو أن يأتي الأفقي بالعمرة أو بعضها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل رجوعه إلى أفقه، أو مثل مسافته، ويلزمه به الهدي إلا لحاضري المسجد الحرام " يعني أن من حج متمتعا يلزمه هدي بأربعة شروط. أولها: عدم الاستيطان بمكة أو قربها وقت الإحرام، وأما من قدم محرما بعمرة في أشهر الحج ونيته الاستيطان فإنه يجب عليه هدي. ثانيها: أن يحج من عامه، ثالثها: أن لا يرجع بعد اعتماره وقبل إحرامه بالحج إلى بلده أو مثله ولو بالحجاز، لا لأقل إلا أن يكون بلده بعيدة كالإفريقي فيكفيه في سقوط الدم رجوعه إلى نحو مصر. رابعها: أن يفعل بعض أركان العمرة ولو بعض شوط من السعي في أشهر الحج، لا إن حلق للعمرة في أشهره فلا يكون متمتعا. ولا يشترط في التمتع صحة العمرة، فلو أفسد عمرته ثم حج من عامه بعد تمامها وقبل قضائها فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته إذا حل من حجه وحجه تام، ولو كرر العمرة في أشهر الحج فعليه هدي واحد، ولا يشترط كون الحج والعمرة عن واحد، فلو حج عن نفسه واعتمر عن غيره لزمه الدم على الراجح. ولو أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثم بقران فعليه هديان: هدي للتمتع وهدي للقران اهـ. ثم ذكر النوع الثالث من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وقران: وهو جمع العمرة والحج في إحرام مقدما للعمرة لفظا أو نية أو يردف الحج عليها في أثنائها

стр. 455

ويلزم به الهدي " يعني أن القران يلي الإفراد في الفضل مع وجوب الهدي، وله صورتان كما في توضيح المناسك: الأولى: أن يحرم بعمرة وحجة معا، فإن رتب في نيته بأن نوى أحدهما ثم الآخر وجب البدء بالعمرة، وإن لم يرتب بأن أحرم بهما بنية واحدة وقصد القران أو النسكين استحب له أن يقدم العمرة، الثانية: أن يردف الحج على العمرة بأن يحرم بالعمرة أولا ثم يردف عليها الحج، ويصح الإرداف بلا كراهة ما لم يكمل طواف العمرة فإن أردف في طوافها كمل الطواف تطوعا للزومه بالشروع، فلا يسعى بعده واندرج طوافها في طواف الإفاضة. ويصح مع الكراهة بعد الطواف وقبل تمام الركوع. ولا يصح بعد الركوع وقبل تمام السعي، فإن أحرم بالحج بعد كمال سعي العمرة وقبل الحلاق صح إحرامه، ولم يكن مردفا وحرم الحلق ويجب عليه هدي لوجوب تأخير الحلق عليه بسبب إحرامه بالحج، فإن حلق لم يسقط عنه الهدي، ولزمته فدية أيضا لحلقه وهو محرم. ويشترط في صحة الإرداف أن تكون العمرة صحيحة، فلو أفسدها بجماع مثلا ثم أردف الحج عليها لم يرتدف على المشهور. قال في أقرب المسالك: ووجب إتمامها فاسدة، ثم يقضيها وعليه دم اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتدخل العمرة في الحج " وما ذكره المصنف من قوله وتدخل العمرة في الحج مثله لابن جزي في القوانين الفقهية خلافا للمشهور في المذهب. قال خليل ولغا عمرة عليه كالثاني في حجتين أو عمرتين. وقال الخرشي: يعني أن العمرة لا ترتدف على الحج لضعفها وقوته، وكذلك لا ترتدف العمرة على مثلها، وكذلك لا يرتدف الحج على مثله لأن المقصود من الثاني حاصل بالأول. وأما إرداف الحج على العمرة فإنه يصح وضعفها؛ ولأنه يحصل منه ما لا يحصل منها، فالقسمة رباعية صح منها المسألة الأخيرة. ومعنى اللغو عدم الانعقاد اهـ. وفي الحطاب يعني أن من أحرم بحج ثم أحرم بعده بعمرة فإن العمرة لغو، وكذا إذا أحرم بحجة ثم أحرم بحجة أخرى، أو

стр. 456

بعمرة ثم أحرم بعمرة أخرى، فإن الحجة الثانية والعمرة الثانية لغو، يريد ويكره له ذلك اهـ. وقال المواق فيها: كره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة ولا يلزمه شيء مما أردف، ولا قضاء ولا دم قران اهـ. وفي الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون. من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعده بعمرة فليس له ذلك: قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فمريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " يعني أن مريد الإحرام إذا وصل إلى الميقات المكاني، وأراد أن يحرم بحج أو عمرة يندب له أن يقلد هديه إن كان معه، وأن يشعره هناك. قال في توضيح المناسك: يسن له أن يقلد هديه إن كان من الإبل أو البقر، ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان لها أسنمة أم لا، أو من البقر إن كان لها أسنمة، ولا تقلد ولا تشعر. والتقليد: شيء في عنق الهدي. والأفضل أن يكون شيئا مما تنتبه الأرض ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي. والإشعار: أن يشق في الجانب الأيسر من السنام بادئا من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك قائلا على جهة الاستحباب باسم الله والله أكبر ويستحب أن يكون مستقبل القبلة هو وهديه عند إشعاره، وأن يجعل الهدي عن يمينه، وأن يمسك خطامه بيساره، وأن يقدم التقليد على الإشعار. ويستحب أن يجلل الهدي إن كان من الإبل بأن يجعل من الثياب بقدر طاقته اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " واغتسل وصلى ركعتين نافلة استحبابا، ويتجرد عن محيط في إزار ورداء ونعلين، ثم ينوي ما يريد عقده ملبيا ومتوجها " قوله: عن محيط بضم الميم وبالحاء المهملة، وفي نسخة مخيط بالخاء المعجمة كما في الرسالة، وهما روايتان صحيحتان. والمعنى ثم بعد تمام التقليد والإشعار وما يتعلق بذلك يسن الغسل للإحرام، وهذا الغسل سنة من سنن الإحرام، ثم يتجرد عن المحيط والمخيط، يلبس

стр. 457

إزارا ونعلين، ويندب أن يكون الإزار والرداء أبيضين نظيفين. قال في توضيح المناسك: ويسن له بعد فعل ما تقدم أن يركع للإحرام ركعتين فأكثر إن كان متوضئا، وإلا بأن لم يجد ماء وكان مسافرا، أو كان مقيما ووجد ماء ولكن خاف باستعماله مرضا أو زيادته تيمم وركعها، ويستحب له أن يقرأ في الأولى ﴿قل يأيها الكافرون﴾، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾، فإن كان الوقت وقت نهي انتظر وقت الجواز، إلا أن يخاف فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام، والأفضل تخصيصه بركعتين، ويدعو الله عقب تنقله بأن يسأل الله العون على إتمام نسكه، ثم يركب راحلته وينوي ما أراد من حج أو عمرة ملبيا متوجها كما قال المصنف. والركوب في الحج والعمرة لمن قدر عليه أفضل من المشي للاقتداء به ﵊. ثم بعد نية الدخول في الإحرام يلبي. قال رحمه الله تعالى: " ولفظها " أي التلبية التي ينبغي الاقتصار عليها هي " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنغمة لك والملك، لا شريك لك " فهذه هي تلبية رسول الله ﷺ . ويستحب للملبي الاقتصار عليها، ففي البخاري عن ابن عمر " إن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك " إلخ. ومثله عن عائشة أنها قالت: " إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " يعاودها في كل صعود وهبوط وتلقي الرفاق ودبر الصلوات، ويلزم الدم بتركها جملة " يعني كما تقدم أن مريد أحد النسكين بعد أن يحرم يلبي حين توجهه إلى مكة. قال في الرسالة: ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك. فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة

стр. 458

ويروح إلى مصلاها اهـ. انظره في الفواكه الدواني. وما كره من لزوم الدم بترك التلبية جملة هو كذلك. قال في إيضاح المناسك: فمن تركها من أول الإحرام إلى آخره لزمه هدي وكذا من فصل بينها وبين الإحرام بنصف يوم اهـ بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " ثم إن كان الوقت واسعا أتى مكة لطواف القدوم " يعني إن كان بين إحرامه بالحج وبين الوقوف بعرفة وقت واسع وجب عليه أن يأتي مكة لطواف القدوم؛ ومفهوم الشرط أنه إن ضاق الوقت ولم يسع الطواف والسعي بعده وخاف بفعلهما فوات الحج فإنه يترك طواف القدوم ويتوجه إلى عرفة لإدراك الوقوف ولا يلزمه الهدي في ترك القدوم لأنه مراهق، ويكون السعي بعد الإفاضة. قال رحمه الله تعالى: " فيدخلها من التثنية العليا " قوله: فيدخلها الضمير عائد إلى مكة، يعني أن المحرم يدخل مكة من الثنية العليا، وهي التي يهبط منها على المقبرة المسماة بالمعلى التي بها أم المؤمنين خديجة، رضي الله تعالى عنها. قال في الرسالة: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدا، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج اهـ. قال رحمه الله تعالى: " حتى يأتي المسجد فيدخل من باب بني شيبة " يعني كما في توضيح المناسك يستحب له أن يدخل المسجد من باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام، ويدور إليه إن لم يكن على طريقه كما هو ظاهر إطلاقهم. ويستحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وهذا مستحب كلما دخل المسجد الحرام أو غيره من المساجد. قال رحمه الله تعالى: " فإذا رأى البيت قطع التلبية " قال العلامة الشيخ محمد علي رحمه مولاه في إيضاح المناسك: وانتهاء التلبية بيوت مكة لمن أحرم بالعمرة أو الحج

стр. 459

أو القران من الحل، وحدود الحرم لمن أحرم بالعمرة من الميقات ولم يفته الحج فهل يقطعها عند بيوت مكة، أو إذا ابتدأ الطواف؟ قولان مشهوران. وانتهاؤها لمن بمكة إذا أحرم بالحج مفردا أو قارنا قبل زوال يوم التاسع الأقصى من الرواح للمصلى والزوال، وكذا من عاودها بعد سعي الحج الواقع بعد القدوم. وانتهاؤها لمن أحرم بعرفة بعد الزوال جمرة العقبة اهـ. ويستحب عند رؤية البيت أن يستحضر ما أمكنه من الخشوع، وأن يدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة. وأهمها سؤال المغفرة، والموت على الإسلام، وكفاية هول الموقف، ورضوان الله تعالى، والنظر إلى وجهه من غير سابقة عذاب. وقال ابن حبيب: يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. وقال رحمه الله تعالى أي عند رؤية البيت: " وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما " قال ابن الحاج في مناسكه: ويكبر عند رؤية البيت قبل أن يقول هذا ثلاث تكبيرات. والحاصل أن التكبير والدعاء عند رؤية البيت مستحب، لأن الدعاء عند رؤية البيت مستجاب فيها الدعاء كما في الحديث. قال رحمه الله تعالى: " فيأتي الحجر الأسود فيقبله " يعني فإذا دخل المسجد لا يركع تحية المسجد فإن تحيته حينئذ الطواف، بل يقصد الحجر الأسود ويقبله بفيه إن قدر، وإلا فبيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، وإن تعذر ذلك كبر بلا رفع يد على المشهور في المذهب. قال رحمه الله تعالى: " ويقول " أي عند شروعه في الطواف: " اللهم إيمانا بك، ووفاء بعهدك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك " سيدنا محمد ﷺ . قال رحمه الله تعالى: " ويبتدئ الطواف منه " أي من الحجر الأسود لأن الابتداء

стр. 460

منه واجب بل الأولى الاحتياط بالوقوف قبله بقليل، فمن بدأ من غيره وأتم لمحل بدئه أجزأه الطواف وبعث بهدي إذا خرج من مكة، وإلا ابتدأه، انظره في إيضاح المناسك. قال رحمه الله تعالى: " فيطوف سبعة أشواط من وراء الحجر (١) جاعلا البيت عن يساره " يعني أنه يطوف سبعة أشواط، وإكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف، فيعيده من بمكة إذا ترك شوطا أو بعض شوط منه مطلقا، ورجع على إحرامه واستأنفه إن خرج من مكة حيث كان الطواف ركنا، وبعث بهدي حيث كان واجبا ولا شيء عليه حيث كان نفلا. ويبني الشاك غير المستنكح على الأقل ويأتي بما شك فيه كالصلاة، فإن لم يبن كان كمن ترك شوطا أو بعضه، ويعمل بخبر من كان معه في الطواف ولو واحدا وقوله: من وراء الحجر بالكسر أي من وراء حجر إسماعيل، وأصله من البيت، فلو طاف الإنسان ماسحا بيده على جدار الحجر لم يصح طوافه إلا أنه إذا بعد عن مكة ينبغي أن لا يلزم بالرجوع بل يبعث بهدي مراعاة لمن يقول إن الحجر ليس من البيت. وقوله: جاعلا البيت إلخ، وأيضا كون البيت عن يسار الطائف شرط في صحة الطواف، فمن طاف والبيت عن يمينه أو وجهه أو ظهره للبيت لم يجزه. قال خليل: وجعل البيت عن يساره. قال الخرشي: يعني أن الطائف يجب عليه في طوافه أن يجعل البيت في دورانه عن يساره فكأنه لم يطف ورجع إليه ولو من بلده إن كان ذلك الطواف ركنا، وهذا هو المشهور لطوافه ﵊ هكذا، وقوله: " خذوا عني مناسككم " وفي الصاوي على أقرب المسالك: المراد عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه، فلو جعله عن يساره إلا أنه رجع القهقرى من الأسود إلى اليماني لم يجزه. قال الحطاب: حكمة جعل البيت
следующие страницы →