← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أي فرض كفاية يحمله بعض الناس عن بعض وأحب إلينا ألا نقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله إلا أن يعاجلونا فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية وإلا قوتلوا. وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز التنكيل بهم بقطع أشجارهم ومنع المياه وإرسالها عليهم ورميهم بالمجانيق وعقر دوابهم ونهب أموالهم وبكل ما فيه نكاية لهم " قال العلامة المحقق المدقق الشيخ عبد الله بن فودى في ضياء الحكام: ويقاتل الكفار بجميع أنواع الحرب: بقطع الماء أو إرساله عليهم وسيف ونبل ورمح ومجنيق مطلقاً، وبنار إن خيف منهم ولم يمكن غيرها عند ابن القاسم، ومطلقاً عند مالك، وان كان فيهم مسلم لم يقاتلوا بها اتفاقاً إلا لخوف، كأن كانوا في الحصن مع النساء والصبيان وأولى مع مسلم، وإن تترسوا بهم تركوا إلا لخوف، وبالمسلمين قتلوا ولم يقصد الترس إن لم يخف على أكثر المسلمين. واعلم أن التدبير في الحرب عدم تحقير العدو، وبث الجواسيس، واختيار الشجعان وانتخاب الأمراء وأصحاب الولاية، ولا ينبغي أن يقدم على الجيش إلا ذو الشجاعة رابط الجأش، صادق البأس ممن توسط الحروب ومارس الرجال مع رعي آداب الحرب التي بين الله تعالى في قوله ﴿يأيها الذين امنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦،٤٥] وقوله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد:٧] اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن أجاب الجزية أقر على دينه وقبلت منه " وتقدم قول صاحب الرسالة إنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا فراجعه إن شئت.

стр. 527

ثم بين قدرها فقال رحمه الله تعالى: " وهي في كل سنة أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق من كل كافر اصلي حر ذكر مكلف غير مرتهب ولا عتيق مسلم، ولا يؤخذ مني بمعدم، ولا حي بميت، مع ضيافة المجتاز من المسلمين ثلاثة أيام، وتسقط بالإسلام ولو عن أحوال، لا بانتقاله إلى ملة أخرى " قال في المقدمات: والجزية ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على كفرهم. وهي على وجهين: عنوة وصلحية، فأما الصلحية فلا حد لها إذ لا يجبرون عليها، ولأنهم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين. وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، إلى أن قال: وهي على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون الجزية مجملة عليهم، والثاني أن تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض، والثالث أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم أو على أرضهم دون رقابهم، مثل أن يقول على كل رأس كذا وكذا، وعلى كل زيتونة كذا وكذا، وعلى كل مبذر قفيز من الأرض كذا وكذا، ولكل وجه من هذه الوجوه أحكام تختص به، إلى أن قال: وأما الجزية العنوية وهي الجزية التي توضع على المغلوبين على بلادهم المقرين فيها بعمارتها فإنها عند مالك ﵀ على ما فرضها عمر، ﵁، أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، إلا أن مالكاً ﵀ رأى أن توضع عنهم الضيافة إذا لم يوف لهم بالعهد على وجهه اهـ المقدمات. قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: ومما أسقطه مالك عنهم أرزاق المسلمين التي قدرها الفاروق مع الجزية، وإنما أسقطها مالك عنهم الظلم الحادث عليهم من ولاة الأمور اهـ. ﵀ وتسقط بالإسلام إلى إلخ وعبارة الدردير: وسقطنا أي الجزية العنوية

стр. 528

والصلحية بالإسلام وبالموت، ولو متجمداً من سنتين مضتا، بخلاف خراج الأرض العنوية فلا يسقط بالإسلام، بل هو على الزارع ولو مسلماً، وكذا لا تسقط الجزية بانتقال الكافر من ملة إلى أخرى لأنه خرج من كفر إلى كفر، هذا هو المشهور خلافاً لابن الماجشون القائل إنه يقتل ولا تؤخذ منه الجزية اهـ ذكره القاضي في الشفاء. وأما المرتد أي الذي خرج عن الإسلام فلا يؤخذ منه الجزية، بل يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب فلله الحمد، وإلا قتل وما له فيء. قال ﵊: (من بدل دينه فاضربوا عنقه) قال رحمه الله تعالى: (ويؤخذ ممن تجر إلى غير بلده عشر ما يبيع حراً كان أو عبداً، فإن باع ببلد واشترى بغيره فعشران، ونصفه مما حملوه إلى الحرمين من الأقوات ونحوها. والحربي كغيره إلا أن يشترط عليه أكثر) يعني كما في الرسالة ونصها: ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مراراً وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه، ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك. قال النفراوي: فتلخص أن أهل الذمة إنما يؤخذ منهم عشر الثمن إذا اشتروا من أفق وباعوا في أفق آخر، وأما الحربيون فلا فرق بين أن يبيعوا في بلد واحد أو في جميع بلاد المسلمين، إنما يؤخذ منهم عشر الأعيان لا بشرط أكثر أو أقل إلا في الطعام المحمول إلى مكة والمدينة فكأهل الذمة. والفرق أن بلاد الإسلام كالبلد الواحد بالنسبة لأهل الحرب، بخلاف أهل الذمة فلا يكمل النفع لهم إلا بالانتقال من أفق إلى آخر وباعوا بالفعل. هذا ملخص ما يتعلق بما يؤخذ من أهل الذمة والحربيين. ثم قال: وأما المسلمين فقد قام الإجماع - أي إجماع الصحابة - على عدم جواز أخذ شيء منهم، لخبر (إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور) انظر النفراوي، ومثله في الدردير اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: (ويمنعون شراء ما فيه ضرر على المسلمين كالسلاح

стр. 529

والحديد) يعني إذا دخل الحربيون بلاد الإسلام بالأمان للتجارة فإنهم يمنعون شراء ما فيه ضرر على المسلمين من سلاح وغيره، وكذا أهل الذمة إذا سافروا من أفق إلى أفق آخر يمنعون من إدخال ما يضر المسلمين، وهو من باب درء المفاسد. قال رحمه الله تعالى: " وتنقض كنائس بلاد العنوة لا الصلح لكن يمنع رم دائرها " يعني تهدم ولا يحدث بنائها، هذا في كنائس العنوة. قال الدردير: وليس لعنوي إحداث كنيسة ولا رم منهدم إلا إن شرط ورضي الإمام. قال الصاوي: والحاصل أن العنوي لا يمكن من الإحداث في بلد العنوة سواء كان أهلها كلهم كفار أو سكن المسلمون معهم فيها، إلا باستئذان من الإمام وقت ضرب الجزية، وكذا رم المنهدم على المعتمد اهـ. وقال ابن جزي فيما يجب لنا عليهم من شروط: وأن لا يبنوا كنيسة ولا يتركوها مبنية في بلد بناها المسلمون أو فتحت عنوة، فإن فتحت صلحاً واشترطوا بقاءها جاز، وفي اشتراط بنائها قولان اهـ. قال الدردير: والصلحي ذلك أي الإحداث للكنيسة والترميم في أرضه مطلقاً شرط أولاً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويعلمون بما يميزهم عن المسلمين " قال خليل: وألزم بلبس يميزه، يعني ألزم الذمي بلبس شيء يميز به عن المسلمين، كلبس الزنار والبرنيطة ونحوه مما يميزه عن زي المسلمين. وعبارة الخرشي: يعني أن الذمي يلزمه أن يلبس شيئاً يميزه عن زي المسلمين لئلا يتشبه بهم، ولهذا إذا ترك لبس الزنار يلزمه التعزيز. والزنار بضم الزاي هو ما يشد به الوسط علامة على الذل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن أظهر صليباً أو خمراً أو، أدب وكسر وأريق " قال المواق: ابن حبيب: يمنع الذميون الساكنون مع المسلمين إظهار الخمر والخنزير. وتكسر أن ظهرتا عليهم، ويؤدب السكران منهم، وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستسقائهم كسرت وأدبوا اهـ. قال العلامة محمد الأمير في الإكليل: يجوز كسر

стр. 530

أواني الخمر خلافة لما في الخرشي. قلت وما فيه الإكليل هو المعتمد كما في حاشية الخرشي. ونص الخرشي أنه قال: وكذلك يعزر إذا أظهر الخمر ويريقها ولا يضمن لها شيئاً فيها وأما إن لم يظهر خمر وأراقها مسلم فإنه يضمن لتعديه، لأن أوانيها من جملة مال الذمي، ولا يجوز لأحد إتلافه، وكذلك يعزر إذا حمل الخمر من بلد إلى بلد اهـ. فظهر أن الخلاف في الإظهار وعدمه فتأمل. قال رحمه الله تعالى: " ويمنعون ضرب الناقوس " والناقوس يكون من خشب أو نحاس أو حديد، ويضرب عليها لأجل اجتماعهم لصلاتهم فإنه يكسر ولا شيء على من كسره. ومثله الصليب كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " ورفع أصواتهم بالقراءة " معطوف على ضرب الناقوس، يعني مما يمنعون ويعزرون على فعله رفع أصواتهم بالقراءة. وفي دليل الطالب للمرعي الحنبلي: ويمنعون من الجهر بكتابهم، ومن قراءة القرآن، وشراء المصحف وكتب الفقه والحديث، ومن تعلية البناء على المسلمين اهـ. وفي المواق عن ابن شاذ: ولا يرفعون أصوات نواقيسهم ولا أصواتهم بالقراءة في حضرة المسلمين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وشراء الرقيق وركوب نفائس الدواب وجادة الطريق " قال الدردير في أقرب المسالك: ومنع ركوب خيل وبغال وسروج وبرادع نفيسة وجادة الطريق كما في المختصر. قال الخرشي: يعني أن الذمي عنوياً أو صلحياً يمنع من ركوب الخيل النفيسة ومن ركوب البغال النفيسة ويمنع من الركوب في السروج ولو على الحمير، بل يركبون على الأكف عرضاً بأن يجعل رجليه معاً في جانب الدابة اليمنى أو اليسرى والأكف [جمع إكاف] البرذعة الصغيرة التي جعلت تحت البرذعة الكبيرة، والإبل كالخيل في عرف قوم، وكالحمير في عرف آخرين بل دونهم. ويمنع من جادة الطريق إذا لم يكن خالياً اهـ مع تصرف.

стр. 531

قال رحمه الله تعالى: " ولا يكنون، ولا تشيع جنائزهم، ولا يستعان بهم " قال زروق: التكنية تعظيم وإكرام، فلذلك لا يكنون، وهل تكنيتهم بفلان الدين كذلك أو لا؟ لم أقف على شيء فيه، ولأشبه المنع، وتشييع الجنائز إكرام ولو كان قريباً أو أباً أو ابناً، نعم لوارثه إن لم يجد أحداً من أهل دينه اهـ. ذكره الحطاب. قوله ولا يستعان بهم قال خليل في المحرمات باب الجهاد: وحرم نبل سم، واستعانة بمشرك إلا لخدمة، انظره في المواق. قال الحطاب: انظر أول رسم سماع يحيى. وفي جواهر الإكليل: فإن خرج من تلقاء نفسه فلا يمنع على المعتمد كما نقله العلامة عبد الله بن فودى في ضياء الحكام فيما حرم علينا، ونصه: ويحرم علينا رميهم بمسموم. وقيل يكره، واستعانة بكافر في الجهاد في الصف، ويجوز أن يخدمنا في الهدم والحفر ونحو ذلك. وأما إن خرج من تلقاء نفسه لم يمنع على المعتمد اهـ كما في الخرشي. قال في الحاشية: والمراد بالمشرك أي مطلق الكافر لا من أشرك مع الله غيره خاصة اهـ ثم انتقل يتكلم على أحكام ما وجدوه من الغنيمة وغيرها وكيفية القسم وغير ذلك من الأحكام فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في بيان ما يتعلق بالجيش وأخذ الغنيمة قبل القسم أي في بيان ما يتعلق بالجيش من الأحكام وسنقف عليها إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: " للجيش الانتفاع بما وجدوا من أموال الحربيين قبل الغنيمة " أي قبل قسم الغنيمة. قال صاحب الرسالة: ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك. النفراوي. قال العلامة خليل: وجاز أخذ محتاج نعلاً

стр. 532

أو حزاماً أو إبرة أو طعاماً وإن نعماً وعلفاً كثوب وسلاح ودابة ليرد، ورد الفضل إن كثر، فإن تعذر تصدق به، ولا يتوقف المحتاج إلى إذن الإمام، بل ولو نهاهم عن ذلك، ومفهوم إن احتاج أن الغني لا يجوز له أخذ شيء منها، ومطلق الحاجة كاف فلا يتوقف على الضرورة، ومفهوم قوله إن كثر بأن زاد ثمنه على الدرهم. وقوله فإن تعذر، أي لسفر الإمام وتفرق الجيش تصدق به كله بعد إخراج الخمس كما في الدردير وغيره. قال رحمه الله تعالى: " ومن غل من المغنم " أي من أخذ من الغنيمة شيئاً قبل القسم ولم يكن مما تقدم ذكره فإنه يستحق الأدب ولذا قال رحمه الله تعالى: " أدب ورده " أي يؤدبه الإمام بعد رد الشيء المأخوذ. قال الدردير: وحرم الغلول، وأدب إن ظهر عليه، أي لا إن جاء تائباً قبل القسم وتفرق الجيش، ورد ما أخذ للغنيمة، فإن تعذر بتفرق الجيش رد خمسة للإمام، وتصدق بالباقي عنهم ولا يجوز تملكه كما تقدم - في المأخوذ للحاجة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويأخذ الإمام خمسه ويقسم باقيه في القائمين " يعني كما قال في الرسالة: وما غنم المسلمون بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش، وقسم ذلك ببلد الحرب أولى. وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب وما غنم بقتال اهـ قال النفراوي: وأما ما لم يوجف عليه من أموالهم بأن انجلى عنه أهله فهذا هو المسمى بالفيء يوضع جميعه في بيت المال. وأما ما يهرب به الأسير أو التاجر أو يأخذه المتلصص فيختص به وهو المسمى بالمختص لأنه يختص به حائزه ولا يقسم ولا يوضع في بيت المال، لكن المسلم يخرج خمسة كما قدمناه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يختص قاتل بسلب إلا أن ينفله الإمام من الخمس، كتنفيل غيره ممن ظهر منه زيادة اجتهاد " يعني أنه لا يختص القاتل بسلب ما على المقتول إلا أن ينفله الإمام من الخمس كما ينفل غيره من أهل الجيش باجتهاده منه،

стр. 533

ولا يكون ذلك إلا من الخمس. قال في الرسالة: ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام، ولا يكون ذلك قبل القسم والسلب من النفل اهـ. والنفل لغة الزيادة، وأما اصطلاحاً فهو مال موكول علم قدره إلى الإمام، وللإمام أن يزيد ما شاء من الخمس لمن شاء من المجاهدين اجتهاداً منه لمصلحة. قال النفراوي: ولا بد أن يكون لمصلحة. قال خليل: ونفل منه السلب لمصلحة كقوة بطش الآخذ وشجاعته، أو يرى ضعفاً من الجيش فيرعبهم بذلك في القتال، فإن استووا فيما يقتضي التنفيل جاز تنفيلهم جميعاً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتستحق الأسهام بشهود الوقعة " وفي نسخة بحضور الوقيعة بزيادة ياء، والمعنى تستحق الغنيمة بحضور المعترك أو تخلف لشغل متعلق بالقتال. قال في الرسالة: وإنما يسهم لمن حضر القتال أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " للراجل سهم، وللفارس ثلاثة، والمراهق كالبالغ " وعبارة صاحب الرسالة: ويسهم للمريض وللفرس الرهيص، ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه، ولا يسهم لعبد، ولا لامرأة، ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال، ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له، ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يرضخ للنساء والعبيد والصبيان " قال ابن جزي: وأما الرضخ فهو ما يعطيه الأمير من الخمس لمن لا يسهم له كالنساء والعبيد والصبيان، ولا يرضخ لهم على المشهور اهـ. قال النفراوي: وكل من يسهم له لا يرضخ له. والرضخ شرعاً: مال يعطيه الإمام من الخمس كالنفل معروف قدره لاجتهاد الإمام اهـ. قال

стр. 534

رحمه الله تعالى: " وسهم من مات لوارثه، والأجير لمستأجره " يعني من المعلوم أن سهم من مات ممن حضر القتال يرفع ويدفع لوارثه. وكذا سهم الأجير والتاجر على الصحيح. قال خليل مشبهاً في استحقاق السهم لهما: كتاجر وأجير إن قاتلا وخرجا بنية غزو لأنهما كثرا سواد المسلمين. قال الخرشي: والمعنى أن التاجر والأجير إذا كانا مع القوم في القتال وقاتلا أو خرجا بنية الغزو وحضرا القتال ولو لم يقاتلا فإنه يسهم لهما لأنهما كثرا سواد المسلمين، وسواء كانت نية الغزو تابعة أو متبوعة أو هما على حد السواء. قال في الحاشية: كانت تجارته تتعلق بالجيش من مطعم وملبس أم لا. قوله وأجير، كانت منافعه عامة كرفع الصواري - وهي وعاء جلد كالقرب - والأحبل وتسوية الطريق، أو خاصة كأجير خدمة. ويسهم للأجير ويحط من أجرته بقدر ما عطل من خدمته، وليس لمستأجره أخذ سهمه عوضاً فيما عطل من خدمته، خلاف مؤجر نفسه في خدمة أخرى لأن ذلك قريب بعضه من بعض، بخلاف السهم ربما كثر عما استأجره ولأن القتال لا يشبه الخدمة، ولا يقابل أجره أجرها لأن فيه ذهاب نفسه، وإنما يخير مستأجره فيما تقارب لا فيما تباعد اهـ. ومثله في المواق خلافاً لما ذكره المصنف من أن سهم الأجير لمستأجره فتأمل. قال رحمه الله تعالى. " ولا تقسم أرض العنوة بل تصير وقفاً بالاستيلاء ". يعني أن أرض العنوة لا يجوز لأحد قسمها لأنها بمجرد الاستيلاء عليها صارت وقفاً لمصالح المسلمين يعطيها الإمام لمن يشاء وخراجها على زراعها. قال تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾ [الأحزاب: ٢٧] الآية. قال خليل ووقفت الأرض كمصر والشام والعراق. قال الخرشي: والمعنى أن الأرض المفتوح بلدها عنوة تصير وقفاً للمسلمين بمجرد الاستيلاء عليها من غير احتياج إلى حكم على المعتمد. ولا تقسم بين الجيش كغيرها من أموال الكفار؛ لفعل عمر في أرض مصر والشام والعراق. وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك. وقد غنم ﵇ غنائم وأراضي فلم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع

стр. 535

من السلف اهـ انظر شراح خليل وغيره. هذا ما يتعلق بأرض العنوة على الاختصار. وأما أرض الصلحي ففيها تفصيل. قال الدردير: وأرض الصلحي له ملكاً ولو أسلم، فإن مات ورثوها، فإن لم يكن وارث فلهم إن أجملت جزيتهم عليها وعلى الرقاب كيفية مالهم، وإلا فللمسلمين، وحينئذ فوصيتهم في الثلث اهـ. وإلى ذلك أشار مالك بقوله: وأما أهل الصلح فإنهم قد منعوا أموالهم وأنفسهم حتى صالحوا عليها فليس عليهم إلا ما صالحوا عليهم اهـ قاله في الموطأ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وإذا غنم الكفار مال المسلمين فمن أسلم على شيء ملكه " قال في الرسالة: ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال، ومن اشترى شيئاً منها من العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن اهـ يعني أن من أسلم من الكفار وفي يده شيء من أموال المسلمين فهو له حلال. قال النفراوي: إن كان المذكور يملكه بالأمان بأن كان أخذه قبل دخوله إلينا بأمان، لا ما أخذه من أموال المسلمين بعد الدخول إلينا بأمان فإنه يكون سرقة ينزع منهم قهراً عليهم ولو لم يعودوا إلينا به. فقول الخليل وانتزع ما سرق ثم عيد به لا مفهوم له، وأشار إلى تلك المسألة بقوله: وملك بإسلامه غير الحر المسلم. قال شراحه: سواء قدم بها أو أقام ببلده. ومثل الحر المسلم في عدم ملكه اللقطة والحبس حيث ثبت أنه حبس؛ لأن ما ثبت تحبيسه لمسلم لا يبطل تحبيسه بغنم الكفار له. قاله الأجهوري. وإنما ملك بإسلامه غير ما ذكرنا تأليفاً له على الإسلام لقوله ﷺ : " من أسلم على شيء فهو له " اهـ. وفي المدونة عن مالك: أن ما أسلموا عليه فهو لهم دون أربابهم اهـ. قال ابن جزي: إذا أسلم الكافر وعنده حر مسلم أخذ منه بغير ثمن وأعتق عليه. وإذا أسر العدو حرة مسلمة ثم أخذها المسلمون فهي حرة، وإن ولدت عندهم أولاداً وأخذوا صغاراً فهم بمنزلتها، واختلف في الكبار. وإن كانت أمة لرجل فهي وأولادها لسيدها، وإن غنموا ذمياً ثم غنمناه

стр. 536

رد لذمته، وإن غنموا عبداً أو مدبراً أو مكاتباً أو معتقاً إلى أجل، أو أم ولد فهم لسيدهم كالمال، وإذا خرج الأسير إلينا وترك ماله في أيديهم ثم غنمه المسلمون فهو أحق به قبل القسمة بغير ثمن وبعدها بالثمن، وإذا أسلم الحربي ثم غزا المسلمون بلاده فزوجته فيء، وكذلك أولاده على المشهور. وقيل هم تبع له وما له فيء. وقيل هو له. وقيل هو له قبل القسمة بلا ثمن وبعدها بالثمن اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وما غنمه المسلمون فما علم أنه لمسلم لم يقسم وما جهل فربه أحق به قبل القسمة مجاناً وبعدها بالثمن " يعني كما قال مالك في المدونة: إن أدركه قبل القسم أخذه بغير ثمن، وإن أدركه بعدما قسم كان أولى به بالثمن، فإن عرف أنه مال لأهل الإسلام رده إلى أهله ولم يقسموه إن عرفوا أهله وإن لم يعرفوا أهله فليقسموه وأموال أهل الذمة مثله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمأخوذ بغير إيجاف فهو لبيت المال كالخمس والخراج والجزية وميراث من لا وارث له يأخذ الإمام كفايته بالمعروف ويصرف الباقي بالاجتهاد في مصالح المسلمين " قال الدردير: وخمس غيرها - أي غير الأرض العنوة - فخراجها، والخمس، والجزية، وعشر أهل الذمة، وما جهلت أربابه، وتركة ميت لا وارث له لآله ﵊، ولمصالح المسلمين من جهاد وقضاء دين معسر وتجهيز ميت، وإعانة محتاج من أهل العلم وغيرهم، ومساجد وقناطر ونحوها. والنظر للإمام، وله النفقة منه على عياله بالمعروف، وبدئ بمن فيهم المال اهـ. وقال ابن جزي: سيرة أئمة العدل في الفيء والخمس أن يبدأ بسد المخاوف والثغور واستعداد آلة الحرب وإعطاء المقاتلة، فإن فضل شيء فللقضاة والعمال وبنيان المساجد والقناطر ثم يفرق على الفقراء، فإن فضل شيء فالإمام مخير بين تفريقه على الأغنياء وحبسه لنوائب الإسلام. واختلف هل يفضل في العطاء من له حرمة وسابقة وغناء، أو يسوى بينهم وبين غيرهم اهـ.

стр. 537

قال رحمه الله تعالى: " ويخير الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وعقد الذمة " يعني يخير الإمام في شأن الأسرى ينظر فيما هو أصلح من خمسة أشياء. قال الدردير: ونظر في الأسرى بمن أو فداء أو جزية أو قتل أو استرقاق اهـ. وقال ابن جزي: فأما الرجال فيخير الإمام فيهم بين خمسة أشياء: القتل، والمن، والفداء، والجزية، والاسترقاق. ويفعل الأصلح من ذلك. ويجوز فداؤهم بأسرى المسلمين اتفاقاً. واختلف في فدائهم بالمال. وقال أبو حنيفة: لا يجوز المن ولا الفداء. وقال قوم يقتلون على الإطلاق. وأما النساء والصبيان فيخير الإمام فيهم بين المن والفداء والاسترقاق اهـ انظر القوانين. وفي ضياء الحكام نقلاً عن الكتاب المذكور مع البيان في رجال أهل الكفر إذا غنموهم قال: فيخير الإمام فيهم بين خمسة أشياء يجب عليه رعي المصلحة فيها: القتل فيمن يقتل فيحسب من رأس الغنيمة، والمن فيمن يمن عليه كأن لا يكون له قيمة معتبرة فيخلي سبيله ويحسب من الغنيمة، والفداء من الخمس أيضاً إن كان الفداء بأسرى المؤمنين وإن كان بالمال يجعل في الغنيمة، والجزية فيمن تضرب عليهم ويحسب المضروب عليه من الخمس والاسترقاق فيقسم اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يقتل من استحياه وامرأة، وصبي، وراهب ويؤخذ فضل مالك " الضمير في استحياه راجع إلى الإمام، وفى ماله راجع إلى الراهب، لمعنى لا يجوز قتل من استحياه الإمام، وكذا من استحياه أمير الجيش بأن أمنه فيكون معصوم الدم والمال، وكذلك لا يجوز قتل المرأة والصبي إلا إذا قاتلا، ومثلهما الراهب لمنعزل بلا رأى، والأعمى، والزمن، والمعتوه، والشيخ الفاني إلا أنه يؤخذ فضل أموالهم ويترك لهم الكفاية ولو من مال المسلمين. قال النفراوي: سكت المصنف عن تأمين الإمام لوضوحه لأنه يؤمن حتى القبيلة والإقليم، ويصير من أمنه الإمام في أمان في سائر البلاد. قال خليل عاطفاً في وجوب الوفاء: وبأمان الإمام. قال شراحه: ومثل

стр. 538

الإمام أمير الجيش. وفائدة الأمان حرمة قتل المؤمن واسترقاقه وعدم ضرب الجزية عليه إن وقع الأمان قبل الفتح، وأما لو كان الأمان بعد الفتح فيسقط القتل فقط، ويرى الإمام رأيه في غيرة. ومن قتل ممن منع قتله وجب على قاتله أن يغرم قيمته إن حيز للمغنم، ووجب عليه أن يستغفر الله كقاتل الراهب أو الراهبة، لأنهما حران، لكن لا دية على قاتلهما خلافاً لما في الخرشي. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز أمان أدنى المسلمين للعدد من الكفار، فأما بلد وحصن ونحوه فإلى الإمام " قال في الرسالة: ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان. وقيل إن أجاز ذلك الإمام اهـ. قال النفراوي: فتلخص أن الأمان إن وقع من الحر المسلم البالغ العارف بمصلحة الأمان غير الخائف ممن أمنه يكون جائزاً ماضياً اتفاقاً، ولو وقع من أدنى المسلمين، ولو كان خارجاً عن طاعة إمام حين تأمينه حيث أمن دون الإقليم. وأما لو أمن البالغ إقليما لنظر فيه الإمام. وأما إن وقع الأمان من امرأة أو عبد أو صبي عاقلي مصلحة الأمان، فقيل يجوز ابتداء ويمضي وعليه الأكثر. وقيل يتوقف إمضاؤه على إجازة الإمام اهـ. وإليه أشار الدردير بقوله: وللإمام الأمان لمصلحة مطلقاً كغيره: إن كان مميزاً طائعاً مسلماً ولو صبياً أو امرأة أو رقيقاً أو خارجاً عن الإمام وأمن دون إقليم قبل الفتح وإلا نظر الإمام، ووجب الوفاء به وسقط به القتل وإن من غير الإمام بعد الفتح فينظر في غيره بلفظ أو إشارة مفهمة اهـ أنظر حاشية الصاوي على الدردير فيما نقله عن الدسوقي. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتجوز الهدنة للضرورة بحسب ما يراه الإمام مصلحة، ورد رهائنهم وإن أسلموا والله أعلم " يعني تجوز الهدنة ورد الرهائن لأجل الضرورة أو المصلحة. قال في الضياء: وأما المهادنة فهي الصلح على ترك القتال بعد التحرك فيه

стр. 539

مدة قصيرة. وقال ابن عرفة: هي عقد المسلم مع الحربي على المسألة أي المتاركة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، ولجوازها أربعة شروط: الأول أن يكون العاقد لها الإمام أو نائبه لا غير. الثاني أن تكون لمصلحة كالعجز عن القتال مطلقاً أو في وقت، مجاناً أو بعوض على وفق الرأي السديد للمسلمين، لقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فأجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١] فإن لم تظهر المصلحة بأن قوي المسلمون لم تجز. الثالث أن تخلو عن شرط فاسد كشرط بقاء مسلم أسير بأيديهم أو بقاء قرية للمسلمين خالية منهم، أو أن يحكموا بين كافر ومسلم، أو أن يأخذوا منا مالاً إلا لخوف منهم فيجوز كل ما منع، الرابع ألا تزيد على المدة التي تدعو إليها الحاجة على حسب الاجتهاد. وقال أبو عمران: يستحب أن لا يزيد على أربعة أشهر إلا مع العجز، ووجب الوفاء بما عاهدناهم عليه، وإن استشعر الإمام خيانتهم بأن ظنها ظناً قوياً بظهور دلائلها نبذ العهد قبل المدة وأعلمهم وجوباً أنه لا عهد لهم، وأنه يريد قتالهم، وإن تحقق خيانتهم نبذه بغير إنذار. قال تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨] قال الصاوي: خطاب عام للمسلمين وولاة الأمور، وإن كان أصل نزولها في قريظة. قال: والحاصل أنه إذا ظهرت أمارات نقض العهد وجب على الإمام أن ينبذ عهدهم ويعلمهم بالحرب قبل الركوب عليهم، بحيث لا يعد الإمام غادراً لهم. وإن ظهرت الخيانة ظهوراً مقطوعاً به فلا حاجة إلى نبذ العهد ولا الإعلام، بل يبادرهم بالقتال اهـ. وأما مسألة رد الرهائن فجائز لمصلحة رآها الإمام والمسلمون كما تقدم. قال خليل فيما يجب من الوفاء بالعهد: ووجب الوفاء وإن برد الرهائن ولو أسلموا وإن رسولاً إن كان ذكراً. قال الخرشي: تقدم أن الإمام يلزمه أن يوفي لهم بشروطهم الصحيحة التي اشترطوها عليه حتى لو شرطوا أن يرد إليهم من جاءنا منهم مسلماً من الرجال فإنه يوفي لهم بذلك وفاء بالعهد. وأما النساء فإنه لا يجوز ردهن إليهم لقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية. والله أعلم اهـ. ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به انتقل يتكلم على الأيمان فقال رحمه الله تعالى:

стр. 540

كتاب الأيمان أي في بيان الأيمان وما يتعلق بها من الأحكام الكثيرة. والأيمان - بفتح الهمزة - جمع يمين، وهي لغة مأخوذة من اليمين العضو المعروف، وعرفاً الحلف. قال الدردير: وهو قسمان الأول تعليق طاعة أو طلاق على وجه قصد الامتناع من فعل المعلق عليه، أو الحض على فعله، نحو إن دخلت الدار أو إن لم أدخلها فطالق، والأول يمين بر، والثاني يمين حنث وقسم، الثاني حلف بالله أو بصفاته اهـ. وفي الرسالة: والأيمان بالله أربعة: فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت، أو يحلف ليفعلن. ويمينان لا تكفران، إحداهما لغو اليمين، وهو ان يحلف على شيء يظنه كذلك فى يقينه ثم يتبين له خلافه، فلا كفارة عليه ولا إثم. والأخرى الحالف متعمداً للكذب أو شاكاً فهو إثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله اهـ. ولجميع ذلك أشار المصنف بقوله: " وهي لاغية كالحلف على غلبة الظن " قال الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى ايمانكم ولكن يؤخذكم بما عقدتم الايمن﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. قال رحمه الله تعالى مشيراً إلى قسم من أقسام اليمين: " وغموس كالكذب عمداً " قال الدردير: سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، أي سبب لغمسه فيها، ولذا لا تفيد فيها الكفارة، بل الواجب فيها التوبة قال: ومحل عدم الكفارة فيها إن تعلقت بماض نحو والله ما فعلت كذا، أو لم يفعل زيد كذا، أو لم يقع كذا مع شكه أو ظنه في ذلك، أو تعمده الكذب، فان تعلقت بمستقبل ولم يحصل المحلوف عليه كفرت نحو والله لآتينك غداً، أو لأقصينك حقك في غد ونحو ذلك، وهو جازم بعدم ذلك، أو متردد، فعلى كل حال يجب عليه الوفاء بذلك فان لم يوف بما حلف عليه لمانع أو غير

стр. 541

مانع فالكفارة، وان حرم عليه الحلف مع جزمه أو تردده في ذلك. وكذا تكفر إن تعلقت بالحال نحو والله إن زيداً لمنطلق أو مريض أو معذور، أي في هذا الوقت، وهو متردد في ذلك أو جازم بعد ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومنعقدة على ما يمكنه فعله " كلا فعلت، بمعنى لا أفعل وهو على بر حتى بفعل فيحنث، أو على حنث كلأدخلن الدار فهو على حنث حتى يدخل فيبر. كما سيأتي تفصيل ذلك. قال رحمه الله تعالى: " وهي بالله وأسمائه وصفاته. وقوله اقسم أو أعزم إن أردت بالله " وهاتان الصيغتان الأخيرتان إن أراد بواحدة منهما اليمين انعقدت وإلا فلا. قال الدردير مشبها في انعقادها: وكأحلف، واقسم، واشهد أن نوى بالله، واعزم إن قال بالله، بان قال اعزم بالله لأفعلن كذا فيمين لا إن لم يقل بالله فليس بيمين ولو نوى بالله، لان معناه اقصد واهتم، فإذا قال بالله اقتضى أن المعنى أقسم اهـ. قال ابن جزي في صيغ اليمين: وهي على ثلاثة أقسام: أحدهما تجريد الاسم المحلوف به كقوله الله لا فعلت، الثاني زيادة حرف قسم كقوله والله وتالله وبالله ويمين الله وايم الله ولعمر الله فلا خلاف في انعقاد هذين القسمين. الثالث زيادة فعل مستقبل كقوله احلف واقسم واشهد، أو ماض كقوله حلفت أو أقسمت إن أو اسم كقوله يميني وقسمي فهذه إن قرنها بالله أو بصفاته نطقاً أو نية كانت أيماناً، وإن أراد بها غير ذلك أو أعراها من النية لم تكن أيماناً ولم يلزم بها حكم، وقال الشافعي ليست بأيمان على الإطلاق إذا لم يقرنها بأسماء الله تعالى لفظاً. وعكس أبو حنيفة، ومن قال لغيره بالله أفعل كذا لم يلزمهما شيء اهـ انظر القوانين. قال رحمه الله تعالى: " لا بالنبي والكعبة، أو هو يهودي ونحوه، أو بريء من الله ويستغفر الله لذلك " وفى الحديث: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " اهـ رواه البخاري ومسلم. ورواه

стр. 542

الإمام في الموطأ والمدونة. وبسنده أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف بيمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " اهـ وقوله لا بالنبي والكعبة إلخ يعني إن الحلف بغير الله إن كان بما عظمه الشارع كالحلف بالكعبة والنبي فهي مكروهة، وان كانت بنحو اللات والعزى فإن اعتقد تعظيمها فهو كفر وإلا فحرام. قال ابن جزي فيما لا يلزم من الإيمان ويحتاج فيه لاستثناء ولا كفارة وهو الحلف بغير أسماء الله وصفاته، كالحلف بالكعبة والقبلة والنبي، وكقوله لعمرك وحياتك وعيشك وحقك. وأما قوله إن كان كذا فهو يهودي أو نصراني، أو بريء من الله أو كافر أو شبه ذلك فلا كفارة فيه إن حنث خلافاً لأبي حنيفة وليستغفر الله اهـ كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " فلو قال أقسمت لأفعلن إن قصد عقد اليمين على نفسه لزمته لا مجرد مسألة " يعني أن المكلف لو قال أحلف أو أقسم أو أشهد أو أتى بصيغة ماض كقوله حلفت أو أقسمت أو باسم كقوله يميني وقسمي فإن قرنها بالله أو بصفة من صفاته تعالى نطقاً أو نية فإنها انعقدت اليمين ولزمته في الحنث كلأفعلن وكذا في البر كلا فعلت لأنها في القوة إن فعلت لا بمجرد ذكر تلك الألفاظ بغير اقترانها باسم من أسماء الله ولا بصفة من صفاته تعالى. قال الدردير في أقرب المسالك: أو قسم على أمر كذلك بذكر اسم الله أو صفته وهي التي تكفر كبالله، وتالله، وهالله، والرحمن، وايمن الله، ورب الكعبة، والخالق، والعزيز، وحقه، ووجوده، وعظمته، وجلاله، وقدمه، وبقائه، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، والقرآن، والمصحف، وسورة البقرة، وآية الكرسي، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وكعزة الله، وأمانته، وعهده، وميثاقه، وعلي عهد الله إلا أن يريد المخلوق. وكأحلف كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " وهو في لأفعلن أو إن لم أفعل على حنث، وفي لا فعلت

стр. 543

وإن فعلت على بر " يعني أن اليمين المنعقدة إما على الحنث وإما على البر كما أوضح المصنف رحمه الله تعالى. قال الدردير: والمنعقدة على بر كلا فعلت، أو لا أفعل، أو إن فعلت، أو حنث كلأفعلن، أو إن لم أفعل فيها الكفارة اهـ. قال الخرشي: وكذلك تلزم الكفارة في اليمين المنعقدة على بر كقوله إن فعلت كذا في هذا اليوم مثلاً فعلي كفارة، أو والله لا أفعله في هذا اليوم ثم يفعل المحلوف عليه في ذلك اليوم فإنه تلزمه حينئذ كفارة يمين. وهاتان الصيغتان معناهما واحد إذ كل منهما فيه حرف نفي، فإن قاعدة المنعقدة على بر أن يكون على نفي الفعل، أي أن يكون الفعل المحلوف عليه بعد اليمين غير مطلوب من الحالف. وسميت يمين بر لأن الحالف بها على بر حتى يفعله فيحنث، إذ الحالف على البراءة الأصلية، إذ الأصل براءة الذمة، وقوله على حنث يعني كذلك تلزم الكفارة في اليمين المنعقدة على حنث، كقوله والله لآكلن هذا الطعام مثلاً، أو إن لم آكل هذا الطعام مثلاً فعلي كفارة ثم لم يأكل الطعام المحلوف عليه حتى ذهب. وقاعدة اليمين المنعقدة على حنث أن تكون على إثبات الفعل أي يكون الفعل المحلوف عليه بعد اليمين مطلوباً من الحالف. وسميت يمين حنث لأن الحالف بها على حنث حتى يفعل المحلوف عليه فيبر، إذ الحالف بها على غير البراءة الأصلية فكان على حنث. هذا إذا لم يضرب في يمينه أجلاً في صيغتي الحنث، أما لو ضرب الأجل فلا يكون على حنث بل يكون يمينه على بر إلى ذلك الأجل، كوالله لأكلمن زيداً في هذا الشهر، أو والله إن لم أكلمه قبل شهر لا أقيم في هذه البلدة، فهو على بر ولا يحنث إلا بمضيه ولم يفعل بلا مانع أو لمانع شرعي أو عادي لا عقلي كما يأتي اهـ. ثم ذكر الأمثلة التي تفوت بها قبل المحلوف عليه فتجب الكفارة فقال رحمه الله تعالى: " ويتحقق الحنث بفوت المحلوف عليه كقوله لأدخلن اليوم فغربت الشمس ولم يدخل " يعني يحنث في قوله لأدخلن الدار في هذا اليوم ولم يدخلها حتى غربت

стр. 544

الشمس وفاته الدخول بأمر شرعي أو عادي فيحنث وتلزمه كفارة. قد عقد ابن جزي فصلاً في البر والحنث في القوانين فقال: البر هو الموافقة لما حلف عليه، والحنث مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات، فكل من حلف على ترك شيء أو عدمه فهو على بر حتى يقع منه الفعل فيحنث، ومن حلف على الإقدام على فعل أو وجوده فهو على حنث حتى يقع الفعل فيبر. ثم إن الحنث في المذهب يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه فمن حلف أن يأكل رغيفاً لم يبر إلا بأكل جميعه، وإن حلف أن لا يأكله حنث بأكل بعضه. ومن حلف أن لا يفعل فعلاً ففعله حنث سواء فعله عمداً أو سهواً أو جهلاً إلا أن نسي ففعل ناسياً فاختار السيوري وابن العربي أنه لا يحنث وفاقاً للشافعي، فلو فعله جهلاً كما لو حلف أن لا يسلم على زيد فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرفه حنث خلافاً للشافعي. وأما إن أكره على الفعل لم يحنث، كما لو حلف أن لا يدخل داراً فأدخلها قهراً، لكن إن قدر على الخروج فلم يخرج حنث، وإن حلف أن يفعل شيئاً فتعذر عليه فعله فلا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول أن يمتنع لعدم المحل كمن حلف أن يضرب عبده فمات، أو أن يذبح حمامة فطارت فلا حنث عليه إن لم يفرط. الثاني أن يمتنع شرعاً كمن حلف ليطأن زوجته فوجدها حائضاً، فإن لم يطأها فاختلف هل يحنث أم لا، وإن وطئها فقيل أثم على المشهور وبر يمينه. وقيل لم يبر لأنه قصد وطأها مباحاً اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتعتبر النية، ثم الباعث، ثم العرف، ثم الوضع " يعني كما في أقرب المسالك: وخصصت نية الحالف، وقيدت، وبنيت، والمعنى فالعبرة في الحلف بالنية وإذا لم توجد النية يعتبر البساط وهو الباعث على الحلف. ثم إن لم يوجد الباعث يعتبر بالعرف القولي، ثم العرف الشرعي. فتحصل أن ما تخصص به اليمين أو يقيدها أمور أربعة: النية، والبساط، والعرف القولي، والمقصد الشرعي. قال الصاوي: والخامس العرف الفعلي على ما لابن عبد السلام. قال الدردير: وإنما تعتبر النية

стр. 545

في التخصيص والتقييد أي يعتبر تخصيصها أو تقييدها إذا لم يسلتحف في الحق الذي عليه لغيره، وإلا بأن استحلف في حق فالعبرة حينئذ بنية المحلف سواء كان مالياً كدين وسرقة أم لا، فمن حلفه المدعي أنه ليس له عليه دين، أو لقد وفاه، أو أنه ما سرق، أو ما غصب، فحلف وقال نويت من بيع أو من قرض أو من عرض الذي على خلاف ذلك لم يفده ولزمه اليمين بالله أو بغيره، أو حلف ما سرقت، وقال نويت من الصندوق وسرقتي كانت من الخزانة أو نحو ذلك لم يفده، وكذا لو شرطت عليه الزوجة عند العقد أن لا يخرجها من بلدها أو لا يتزوج عليها وحلفته على أنه إن تزوج عليها أو أخرجها فالتي يتزوجها طالق، أو فأمرها بيدها فحلف ثم فعل المحلوف عليه وادعى نية شيء لم يفده؛ لأن اليمين بنية المحلف لأنه اعتاض هذه اليمين من حقه فصارت العبرة بنيته دون الحالف اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فمن حلف لا شربت لفلان ماء يريد عدم الانتفاع بماله، أو قطع منته حنث ولو بسلك يخيط به " لأن الحنث يحصل بأقل الوجوه، بخلاف البر كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " أو قال لا سكنت مع فلان لزمه الانتقال بأهله ومتاعه بدار، فإن أراد في بلده فإلى فوق ثلاثة أميال " قال المواق: ومما ينظر فيه إلى المقاصد وإلى السبب المحرك على اليمين، أن يحلف أن لا يساكن إنساناً، فإنه ينتقل عن مساكنته حتى تنتقل حالته عن الحالة الأولى التي كان عليها، فإن كان معه أولاً في بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك، وإن كان معه في قرية فكذلك أيضاً، وإن كان في حارة انتقل عنها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أو حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه أو لا يركب دابة وهو راكبها، أو لا يدخل بيتاً وهو فيه لزمه المبادرة إلى الترك إلا أن يريد الاستئناف " قال ابن جزي: من حلف أن لا يسكن داراً وهو ساكنها، أو أن لا يلبس

стр. 546

ثوباً وهو عليه، أو أن لا يركب دابة وهو عليها لزمه النزول أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث. وفي الواضحة: لا يحنث عليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أو حلف لا يأكل شيئاً بعينه فانتقل عن صفته، فإن أراد ما دام على تلك الصفة وإلا حنث، أو على شيء أو أشياء ففعل البعض حنث، ويستوي العمد والسهو " يعني من حلف أن لا يأكل شيئاً بعينه كهذا اللحم فانتقل بشيء أو طبخ فأكله حنث، إلا إذا أراد ما دام على تلك الصفة التي كانت عليه قبل إزالة ما يكره منه فحينئذ لا يحنث بأكله لبساط يمينه بذلك. قال ابن جزي في آخر الفروع: من حلف على فعل شيء ينتقل حنث بما ينتقل إليه، كالحالف على القمح فأكل خبزه، أو على اللبن فأكل جبنه، أو على العنب فأكل زبيبه. وقيل لا يحنث اهـ وقوله وقيل لا يحنث إشارة إلى قول المصنف: فإن أراد ما دام على تلك الصفة يعني فلم يحنث لبساط يمينه الحامل له من تلك الصفة المذكورة. وقوله وإلا حنث راجع إلى أصل المسألة التي هي الحنث. قوله أو على شيء أو أشياء إلخ يعني يحنث بالبعض حيث كانت الصيغة صيغة حنث وإلا فلا يبر إلا بفعل الكل لأن الذمة لا تبرأ في صيغة البر إلا بالكل. قال الصاوي: إذا كانت الصيغة صيغة حنث وحلف على شيء ذي أجزاء فلا يبر بفعل البعض. وذكر العلامة العدوي أن من حلف عليه بالأكل فإن كان آخر الأكل فلا يبر الحالف إلا بأكل المحلوف عليه ثلاث لقم فأكثر، وإن لم يكن المحلوف عليه في آخر الأكل فلا يبر إلا بشبع مثله اهـ. قال ابن جزي: إذا حلف على فعل فهل يحمل على أقل ما يحتمله اللفظ أو على الأكثر وهو المشهور؟ قولان. وعليه الخلاف فيمن حلف أن لا يأكل رغيفاً فأكل بعضه فإنه يحنث في المشهور. ولو حلف أن يأكله لم يبر إلا بأكل جميعه اهـ. وقوله ويستوي العمد والسهو، تقدم الكلام في هذه الجملة فراجعها إن شئت.

стр. 547

قال رحمه الله تعالى: " ويلغى تحريم الحلال إلا في الزوجة والأمة فيلزمه الطلاق والعتق " يعني لا يعتبر بتحريم المكلف على نفسه شيئاً مما أحل الله له مطلقاً إلا الزوجة والأمة. قال في الرسالة: ومن حرم على نفسه شيئاً مما أحل الله له فلا شيء عليه إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج اهـ قال النفراوي قوله من حرم على نفسه شيئاً مما أحل الله له من طعام أو شراب أو لبس ثوب أو نحو ذلك فلا شيء عليه سوى الاستغفار لإثمه بهذه الألفاظ. ولا يحرم عليه ما حرمه على نفسه لأن المحرم والمحلل إنما هو الله تعالى. وقد ذم الله فاعل ذلك بقوله: ﴿قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] قال تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] وقوله: إلا في زوجته أي في تحريمها فإنها تحرم عليه إلا من بعد زوج. قال خليل: وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو، ومثله في أقرب المسالك. قال الصاوي عليه: قوله في غير الزوجة دخل في غير الأمة ما لم يقصد بتحريمها عتقها وإلا لم يكن لغواً. قال النفراوي: وأما تحريم الأمة فكتحريم الطعام والشراب لا يلزم بتحريمه إلا الاستغفار، إلا أن يقصد بتحريم الأمة عتقها فتعتق عليه، ولا يحل له وطؤها بعد ذلك إلا بعقد نكاح برضاها، وبصداق وشهود كالأجنبية. قال الدردير: فمن قال كل حلال علي حرام، أو اللحم أو القمح علي حرام إن فعلت كذا ففعله فلا شيء عليه؛ إلا في الزوجة إذا قال إن فعلته فزوجتي علي حرام، أو فعلي الحرام فيلزمه بت المدخول بها على المشهور وطلقة في غيرها ما لم ينو أكثر. ولو قال كل علي حرام فإن حاشى الزوجة لم يلزمه شيء كما تقدم، وإلا لزمه فيها ما ذكر اهـ قال مالك في المدونة: لا يكون الحرام يميناً في شيء من الأشياء: لا في طعام، ولا في شراب، ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه، ولا خادمه، ولا عبده، ولا فرسه، ولا في شيء من الأشياء إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق. إنما ذلك في امرأته وحدها اهـ. ثم انتقل يتكلم على الاستثناء فقال رحمه الله تعالى:

стр. 548

فَصْلٌ في الاستثناء بـ إلا وأخواتها أي في الاستثناء وهو حل اليمين إذا قصد ذلك. قال رحمه الله تعالى: " والاستثناء يمنع الانعقاد " بشرط قصده، فإن جرى على لسانه من غير قصد أو قصد به التبرك فلا ينفعه الاستثناء، لأن شروطه ثلاثة: قال في الرسالة: ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء، وقال إن شاء الله، ووصلها بيمينه قبل أن يصمت وإلا لم ينفعه ذلك اهـ. قال ﵀ مبيناً حقيقة الاستثناء: " وهو بمشيئة الله إن قصده " ونطق به وإن سراً بحركة لسانه، فلا تكفي النية من غير تلفظ. قال رحمه الله تعالى: " وبإلا وأخواتها " وهي غير، وسوى، وليس، وخلا، وعدا، وحاشا، وغيرها من أدوات الاستثناء. قال رحمه الله تعالى: " نطقاً متصلاً إلا أن ينقطع بسعال ونحوه " يعني من شروط الاستثناء أن ينطق به، وأن يتصل بيمينه من غير فصل إلا لعارض كسعال أو عطاس أو تثاؤب أو شبه ذلك. والحاصل أن شروط الاستثناء ثلاثة: القصد والنطق، واتصال بيمين، والرابع أن لا يستحلف في حق، وإلا بأن لم يقصد الاستثناء، أو لم ينطق به وإن سراً، أو فصل اختياراً بين اليمين وبين قوله إن شاء الله، أو استحلف في حق الغير لم ينفعه الاستثناء، وتلزمه الكفارة قال النفراوي وغيره. قال رحمه الله تعالى: " وتلزم الكفارة بالحنث " يعني تلزم كفارة اليمين بسبب الحنث كالأمثلة السابقة. قال رحمه الله تعالى: " وهي " أي كفارة اليمين على أربعة أنواع: الإطعام، والعتق، والكسوة، على التخيير في الثلاث. ثم الصيام كما

стр. 549

سيأتي. قال رحمه الله تعالى: وهي " إطعام عشرة مساكين " من المسلمين الأحرار بدفع مد لكل مسكين بمد النبي ﷺ ، وأن يكون الطعام من أوسط ما يطعم أهل البلد أو من أوسط طعام المكفر على مقابل المشهور. قال رحمه الله تعالى: " وسطاً " أي من أوسط ما تطعمون أهليكم كما في الآية الكريمة، وله أن يشبعهم غداء وعشاء، أو كما قال ﵀: " من الشبع رطلان خبزاً " بالبغدادي. قال النفراوي: ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدلية: أحدهما رطلان من الخبز بالرطل البغدادي مع شيء من الإدام: لحم أو لبن أو زيت أو قطنية أو بقل على جهة الندب على المشهور، وثانيهما إشباع العشرة مرتين كغداء وعشاء، أو غداءين، أو عشاءين، وإن لم يستوف كل واحد قدر المد، وسواء كانوا مجتمعين أو متفرقين اهـ. قال ابن جزي فأما الاطعام فمد بمد النبي ﷺ ، لكل مسكين إن كان بالمدينة، فإن كان بغيرها قال ابن القاسم يجزيه المد بكل مكان. وقال غيره يخرج الوسط من الشبع، وقال بعضهم هو رطلان بالبغدادي وشيء من الإدام، وعد ذلك وسطاً من الشبع في جميع الأمصار، والوسط من الشبع في بلادنا رطل ونصف رطل من أرطالنا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب شيء من الإدام " تقدم فيه كلام النفراوي. قال الدردير: وندب بإدام أي من تمر أو زيت أو لحم أو غير ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والعدد شرط " قال الخرشي: وأما العدد فلا بد منه. وقال زروق في شرحه على الرسالة: وشرط في الإطعام التعدد، فلا تعطى لأكثر ولا لأقل ولا لواحد مراراً. وقال أيضاً في الكسوة: والعدد شرط فيها كالإطعام اهـ. قال ابن جزي في التفسير: اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يجزى في الكفارة إطعام غنى، فإن أطعه جهلاً لم يجزه على المشهور من المذهب اهـ. فتحصل أن العدد شرط في الإطعام كما هو شرط في الكسوة، فلا بد من عدد الأمداد والمساكين فيهما.

стр. 550

ثم أشار إلى النوع الثاني من أنواع كفارة فقال رحمه الله تعالى: " أو كسوتهم ما تجزئ به الصلاة " يعني أن الثاني من أنواع الكفارة التي يخير فيها المكفر الكسوة قال في الرسالة: وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار اهـ. يعني المراد بالكسوة التي تجزئ بها الصلاة ولو من غير وسط كسوة أهله، والصغير يعطى كسوة كبير من أوسط الرجال. قال خليل: والرضيع كالكبير فيهما. قال المواق من المدونة: يعطى الرضيع من الطعام كما يعطى الكبير إن أكل الطعام. قال ابن القاسم: وإن كسا صغار الإناث فليعط درعاً وخماراً كالكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها للصغير ولا يزداد فيها للكبير. وعن ابن المواز عن مالك قال: لا يعجبني كسوة المراضع على حال انتهى نقل ابن يونس اهـ. وأشار إلى ثالث الأنواع الثلاثة المخير فيها المكفر الحر بقوله رحمه الله تعالى: " أو تحرير رقبة صفتها ما تقدم " أي في كفارة الصيام من كونها رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معيبة ولا مستحقة العتق. قال الدردير: أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب كالظهار، فلا يجزئ مقطوع يد أو رجل أو إصبع أو أعمى أو مجنون أو أبكم أو أصم إلى آخر ما سيأتي هناك، أي في كفارة الظهار اهـ. قال النفراوي: ولا يشترط كبرها لإجزاء الرضيع. وقولنا المكفر الحر لإخراج العبد كما يأتي فإنه يكفر بالصوم إلى أن يأذن له سيده في الإطعام فيجزئه، ولا يجزئه العتق ولو أذن له سيده لأنه لا ولاء له على من أعتقه، إنما ولاؤه لسيده ولا يعتق إلا من يستقر له الولاء اهـ. وأشار للنوع الرابع الذي لا يجزئ إلا عند العجز عن الثلاثة المتقدمة التي على التخيير، فقال رحمه الله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " يعني كما في الرسالة:

стр. 551

" فإن لم يجد ذلك ولا إطعاماً فليصم ثلاثة أيام يتابعهن، فإن فرقهن أجزأه. وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده، وبعد الحنث أحب إلينا " كما يأتي عن قريب. وقال النفراوي: فلا يصح صيام من حر مع القدرة على شيء من الثلاثة لوجوب الترتيب بينها وبين الصوم والمعتبر في عجزه أن لا يجد إلا قوته أو كسوته، والمعتبر أيضاً العجز حال إخراج الكفارة وإن كان ملياً حين الحلف أو الحنث. فإن شرع في الصوم لعجزه عن أقل الأنواع الثلاثة ثم أيسر فإن كان في أثناء اليوم الأول وجب عليه الرجوع للتكفير بما قدر عليه، وإن كان بعد كمال اليوم الأول وقبل كمال الثالث ندب له الرجوع للتكفير بما قدر عليه اهـ مع حذف وإيضاح. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتتكرر الكفارة بتكرر اليمين إلا أن يريد التأكيد " قال خليل: وتكررت إن قصد تكرر الحنث، أي بيمين واحدة، كقوله: والله لا يكلم فلاناً، ونوى أنه كلما كلمه يحنث فتتكرر الكفارة بتكرر كلامه، وكقوله: أنت طالق إن خردت إلا بإذني فخرجت مرة بغير إذنه وطلقت واحدة وراجعها، وخرجت ثانياً بغير إذنه طلقت أيضاً واحدة، فإن راجعها وخرجت بلا إذنه طلقت أيضاً إن كان نوى كلما خرجت بغير إذنه إلى تمام العصمة المعلق فيها، وإلا فلا تلزمه غير الأولى اهـ نقل عن ابن المواز كما في الإكليل. قال ابن جزي: ولا خلاف أن من حلف على أمور شتى يميناً واحدة أنه يلزمه كفارة واحدة وأن من حلف على شيء واحد أيماناً كثيرة أنه يلزمه كفارة لكل يمين، فإن حلف على شيء واحد مراراً كثيرة، كقوله والله والله والله ففي كل يمين كفارة إلا إذا أراد التأكيد اهـ. قال في الرسالة: ومن قال علي عهد الله وميثلقه في يمين فحنث فعليه كفارتان. قال النفراوي: والمعتمد في المذهب أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة ولو كانت اليمين بألفاظ مختلفة المعاني أو بجميع الأسماء والصفات سواء قصد الحالف بتعددها التأكيد أو الإنشاء أو لا قصد له إلا أن ينوى كفارات فتتعدد اهـ. وأما إن قصد التأكيد فلا يلزمه إلا كفارة واحدة. قال في الرسالة: وليس على من وكد

стр. 552

اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة اهـ قال مالك في الموطأ: فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد مراراً يريد فيه الأيمان يميناً بعد يمين، كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مراراً ثلاثاً أو أكثر من ذلك، قال كفارة ذلك كفارة واحدة مثل كفارة اليمين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمشهور إجزاؤها قبل الحنث " يعني أن المشهور من أقوال الأئمة جواز تقديم الكفارة على الحنث. قال ابن جزي في القوانين الفقهية: يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث وفاقاً للشافعي. وقيل لا يجوز وفاقاً لأبي حنيفة اهـ. انظر المواق. قال رحمه الله تعالى: " وفي الصيام خلاف " يعني هل يجوز تقديم صيام الكفارة قبل الحنث عند عدم القدرة على أحد الثلاثة من أنواع الكفارة المتقدمة أو لا يجوز تقديمه؟ في ذلك خلاف بين الأئمة في المذهب. قال ابن عبد البر في الكافي في الكلام على كفارة اليمين: قيل يجوز تقديمها بغير الصوم، وأما بالصوم فلا. وفي التهذيب: وإن كفر معسر بالصوم قبل الحنث ثم أيسر بعد الحنث فلا شيء عليه اهـ نقله ابن ناجي في شرحه على الرسالة. قال رحمه الله تعالى: " ويكفر العبد بالصيام والله أعلم " يعني أن كفارة العبد تكون بالصيام إلا أن يأذن له السيد فيجوز له أن يكفر يمينه بغير العتق كما تقدم لنا فراجعه إن شئت والله أعلم. ولما فرغ من الكلام على ما أراده من الأيمان شرع في الكلام على النذر فقال رحمه الله تعالى:

стр. 553

كتاب النذور النذور جمع نذر، قال تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧] النذر " هو التزام مسلم مكلف قربة ولو بالتعليق على معصية أو غضبان "، كلله علي، أو علي ضحية، أو إن حججت، أو شفى الله مريضي، أو إن جاءني زيد، أو قتلته فعلي صوم شهر، أو شهر كذا وحصل أي المعلق عليه فيلزمه نذره اهـ الدردير: قال رحمه الله تعالى في تعريفه: " وهو التزام طاعة مطلقاً أو مقيداً بصفة ولو في الغضب " المعنى من التزم على نفسه قربة كقول المكلف لله على أن أصلي، أو أن أصوم لزمه الوفاء بما نوى من ذلك البر وإن لم يسم شيئاً وليس له نية لم يلزمه شيء إلا إذا قال لله علي نذر فتلزمه كفارة يمين. قال في الرسالة: ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وأصله في المدونة والموطأ عن مالك بإسناده عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنظره في الزرقاني. وقال في الرسالة: ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء. ومن قال إن فعلت كذا فعلي نذر كذا وكذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين، وإن لم يسم لنذره مخرجاً من الأعمال فعليه كفارة يمين، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وما لا مخرج له فيه كفارة يمين " يعني كما قال النفراوي: النذر الذي لم يعين فيه مخرجاً ولم يسم شيئاً من أعمال البر ولا من الذوات التي يتقرب بها، بأن قال لله علي نذر هو الذي يسمى بالنذر المبهم، والنذر المبهم حكمه عند مالك حكم اليمين بالله. قال الأجهوري: النذر المبهم كاليمين بالله في الاستثناء واللفو والغموس والكفارة، وإنما يتخالفان في أنه إذا كرر لفظ النذر تكررت عليه الكفارة إلا أن ينوي الاتحاد، بخلاف

стр. 554

اليمين بالله فقد سمع ابن القاسم في الحلف بعشرين نذراً عشرين كفارة اهـ بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " فإن قيده بطاعة وفعلها لزمه " يعني فإن قيد نذره بطاعة الله، كقوله لله علي هدي إن حججت فيلزمه الهدي إن حج ينحره بمنى أو بمكة، أو قال لله علي أن أتصدق بدينار إن شفى الله مريضي أو غير ذلك من وجوه البر فيلزمه الوفاء بنذره بعد حصول مقصوده وهو المعلق عليه. قال ابن جزي: وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان، أو شفى الله مريضي، أو إن قضى الله حاجتي فعلي كذا. أو هو مباح. وقيل مكروه وهو المشهور. ويلزم الوفاء به سواء علقه على قربة أو معصية أو مكروه مباح ولا يقضى عليه بالوفاء به إذ لا يجزيه إلا بنية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أو بمعصية لم يجز فعلها " معطوف على طاعة، يعني فإن قيد نذره بمعصية لا يجوز له فعلها لقوله ﵊: " ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " قال في الرسالة: ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن فعلها لزمه " يعني فإن فعل المعصية لزمه ما سمى من الطاعة وعليه إثم المعصية. قال الدردير: أو إن قتلته فعلي صوم شهر أو شهر كذا فحصل المعلق عليه فيلزمه المعلق والمعلق عليه في هذا معصية يرغب في حصولها، فإن كان مقصوده الامتناع منها فيمين لا نذر اهـ. قال في الرسالة وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك، وإن تجرأ وفعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه اهـ هذا أي الذي ذكره صاحب الرسالة خلاف ما مشى عليه المصنف من اللزوم. والجواب في ذلك أن كلام المصنف في النذر الذي سمي فيه مخرج، معاصي الله ﵎ فقال علي نذر إن لم أشرب الخمر، أو إن لم أقتل فلاناً أو إن لم أزن بفلانة، أو ما كان من معاصي الله فإنه يكفر نذره في ذلك إذا قال إن لم أفعل فالكفارة كفارة

стр. 555

اليمين إن لم يجعل لنذره مخرجا يسميه، ولا يركب معاصي الله. وإن كان جعل لنذره مخرج شيء مسمى من مشي إلى بيت الله أو صيام أو ما أشبه ذلك فإنه يؤمر أن يفعل ما سمى من ذلك ولا يركب معاصي الله. فإن اجترأ على الله وفعل ما قال من المعصية فإن النذر يسقط عنه كان له مخرج أو لم يكن. وقد ظلم نفسه والله حسيبه اهـ فتبين لك أن المخرج في نذر المعصية يسقط عن الناذر بارتكاب تلك المعصية كما تسقط الكفارة بالاجتراء على فعل المعصية مع الإثم العظيم فيهما. قال رحمه الله تعالى: " والتصدق بالمال يوجب ثلثه، وبجزء يلزمه ما سماه " وفي المدونة عن سعيد بن المسيب أنه قال: " من قال مالي صدقة كله فليتصدق بثلث ماله ". وقال ابن شهاب: ولا نرى أن يتصدق الرجل بماله كله فينخلع مما رزقه الله، ولكن بحسب المرء أن يتصدق بثلث ماله اهـ. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في الصدقة إن نذر صدقة جميع ماله، أو حلف بذلك فحنث كفاه الثلث، وإن نذر أقل من الجميع كالنصف أو الثلثين أو شيئاً بعينه كداره ولا يملك غيرها، أو عدداً معلوماً لزمه ما نوى وإن كان جل ماله أو كله. وقيل يجزيه الثلث وإن لم يعين كفاه ما يتصدق به من قليل أو كثير. وقال أبو حنيفة فيمن نذر جميع ماله: يلزمه جميعه. وقال الشافعي إن كان على وجه النذر لزمه الوفاء به، وإن كان على وجه اللجاج والغضب فعليه كفارة يمين. وقال ابن حبيب إن كان ملياً أخرج ثلث ماله، وإن أجحف به إخراج الثلث أخرج قدر زكاة ماله، وإن كان فقيراً كفر كفارة اليمين. وقال سحنون: يخرج ما لا يضر به سواء عين أو لم يعين. ثم أنه إذا قال لوجه الله فمخرجه الصدقة دون غيرها، وإن قال في سبيل الله كان مخرجه الغزو والجهاد خاصة، وإن قال ذلك في عبده كان مخرجه العتق اهـ. وفي الرسالة: ومن جعل ماله صدقة أو هدياً أجزأه ثلثه: قال النفراوي: قوله أجزأه ثلثه أي حين يمينه. قال خليل: وثلثه حين يمينه إلا أن ينقص فما بقى بمالي

стр. 556

في كسبيل الله وهو الجهاد والرباط بمحل خيف، والدليل على ذلك خبر الموطأ " أن أبا لبابة حين تاب الله عليه قال يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت الذنب فيها وأجاروك وأنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال له ﵊ يجزئك من ذلك الثلث " اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن عين حجا أو عمرة لزمه على صفته " يعني وإن عين أن يحج أو يعتمر على الوصف الذي ألزمه على نفسه لزمه الإحرام بما نوى من حج مفرد أو قران أو تمتع، وإن عين العام لزمه أن يحرم فيها مع الاستطاعة في ذلك كما تقدم في الحج مفصلاً. قال رحمه الله تعالى: " فإن التزمه ماشياً لزمه إلى التحلل " يعني فإن التزم على أن يكون ماشياً في حجه أو عمرته لزمه المشي إلى أن يتحلل من حجه الأصغر والأكبر، أو يتحلل من عمرته بإتمام سعيها وفاء لنذره. وفي القوانين لابن جزي: فإن قال علي المشي إلى بيت الله لزمه أن يحج أو يعتمر ماشياً سواء ذكر الحج أو العمرة أم لا، وإن عين أحدهما لزمه بعينه اهـ. وفي الرسالة: ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة، فإن عجز عن المشي ركب، ثم يرجع ثانية إن قدر، فيمشي أماكن ركوبه، فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدى. وقال عطاء: لا يرجع ثانية وإن قدر ويجزئه الهدي، وإذا كان ضرورة جعل ذلك في عمرة فإذا طاف وسعى وقصر أحرم من مكة بفريضة وكان متمتعاً. قال خليل: وإن حج ناوياً نذره وفرضه مفرداً أو قارناً أجزأ عن النذر، وهل إن لم ينذر حجاً تأويلان، وعلى الضرورة جعله في عمرة ثم يحج من مكة على الفور اهـ. وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: " فإن ركب في أثنائه عاد فمشى موضع الركوب وأهدى، وفي اليسير يجزيه بعث هدي " يعني يكفيه الهدي في الركوب

стр. 557

اليسير. قال خليل: كأن قل ولو قادراً كالإفاضة فقط، يعني لا يرجع ثانية وإن قدر على الرجوع، بل قال عطاء يجزيه الهدي مطلقاً. قال رحمه الله تعالى: " وإن التزم حافياً انتعل " قال زروق في شرحه على الرسالة: المشهور يمشي على قدميه لا حافياً ولو نذر الحفاء اهـ. وقال الحطاب عند قول خليل كنذر الحفاء: قال في الشامل ومشى في نذر الحفاء والحبو والزحف اهـ. قال مالك: من قال علي المشي إلى بيت الله حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه. ونظر رسول الله ﷺ إلى رجل نذر أن يمشي حافياً إلى الكعبة القهقرى قال: " مروه أن يمشي بوجهه " وقال ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أن امرأة من أسلم نذرت أن تحج حافية ناشرة شعر رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ استتر بيده منها وقال: ما شأنها؟ قالوا نذرت أن تحج حافية ناشرة رأسها، فقال رسول الله ﷺ : " مروها فلتختمر ولتنتعل ولتمش " اهـ قال ربيعة: لو أن رجلاً قال علي المشي إلى الكعبة حافياً لقيل له البس نعلين وامش، فليس لله حاجة بحفائك، وإذا مشيت منتعلاً فقد وفيت نذرك، وقاله يحيى بن سعيد اهـ المدونة. قال رحمه الله تعالى: " وإن نذر صلاة بأحد المساجد الثلاثة لزمه، وفي غيرها يصلي حيث شاء " يعني كما في الرسالة: ومن نذر مشياً إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكباً إن نوى الصلاة بمسجديهما، وإلا فلا شيء عليه، وأما غير هذه الثلاثة المساجد فلا يأتيها ماشياً ولا راكباً لصلاة نذرها وليصل بموضعه اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن ناذر المشي إلى مكة يلزمه ولو لم ينو صلاة ولا صوماً ولا غيرهما، ويجعله عند التعيين فيما عينه، وعند عدم التعيين في حج أو عمرة. وأما ناذر المشي إلى غيرها ففيه تفصيل بين كونه إلى المدينة أو الياء، وقد بين المصنف حكمه فيهما، يعني بالمصنف صاحب الرسالة من قوله إن نوى الصلاة بمسجديهما أتاهما وإلا فلا شيء عليه، كما لا يلزمه

стр. 558

المشي في غيرهما ولو نوى الصلاة فليصل في موضعه اهـ مع إيضاح. قال رحمه الله تعالى: " فإن نذر نحر ولده تقرباً لزمه هدي " قال خليل عاطفاً على ما لا يلزمه من النذر: أو علي نحر فلان ولو قريباً إن لم يلفظ بالهدي أو ينوه أو يذكر مقام إبراهيم أي قصته مع ولده. وقيل المراد بمقام إبراهيم مقام الصلاة وهو الحجر الذي وقف عليه عند بناء البيت اهـ. قال في الرسالة: ومن حلف بنحر ولده. قال النفراوي: مثل الحلف النذر فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هدياً يذبح بمكة وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه ومثله في المدونة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وفيما يهدى بمثله يلزمه وإلا باعه وصرفه في هدي. والله أعلم " قال مالك في المدونة: من حلف أو نذر فقال داري هذه هدي أو بعيري هذا أو دابتي هذه هدي، فإن كان ذلك الذي حلف عليه أو نذره مما يهدى أهداه بعينه إن كان يبلغ، وإن كان مما لا يهدى باعه واشترى بثمنه هدياً. وفيها أيضاً: فلو قال لله علي أن أهدي بقري هذه فحنث وهو بمصر أو بإفريقية ما عليه في قول مالك؟ قال البقر لا تبلغ من هذا الموضع فعليه أن يبيع بقره هذه ويبعث بالثمن فيشتري بثمنها هدياً من حيث يبلغ، ويجزئه عند مالك أن يشتري له من المدينة أو من مكة أو من حيث أحب من البلدان إن كان الهدي الذي يشتري يبلغ من حيث اشترى اهـ وأشار الناظم إلى جميع ما تقدم من النذر على الاختصار بقوله: النذر في الشرع التزام مسلم ... مكلف ما حكمه الندب اعلم ونذر كل المال بالثلث اكتفي ... بنذر ممنوع وكره لا تفي ومن صلاة أو عكوفاً نذرا ... بمسجد من الثلاث حضرا لفعله ولو نوى بالأفضل ... كغيره وغير ذا لا ترحل ولما أنهى الكلام على النذر وما يتعلق به من الأحكام أراد أن ينتقل ويتكلم على أحكام الأضحية وما عطف عليها، فقال رحمه الله تعالى وأدام نفعنا به في الدارين آمين:

стр. 559

كتاب الأضحية والعقيقة والصيد والذبائح يعني يشتمل هذا الكتاب على الأحكام الأربعة كلها ترجع إلى معنى الذبيحة، وهي الأضحية والعقيقة والصيد وجميع الذبائح الشرعية، وكل منها لها حكم مستقل يحتاج أن ينفرد ببيان يخصه قال رحمه الله تعالى: " الأضحية سنة " قال العلامة الصاوي على الدردير: والأضحية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء فيهما. ويقال ضحية كما سيأتي فلغاتها ثلاث. وسميت بذلك لذبحها يوم الأضحى ووقت الضحى اهـ. وبدأ بحكمها فقال: إنها سنة، وهو كذلك على المشهور وقيل إنها واجبة وهي ما يتقرب بذبحها من الأنعام. قال في الرسالة: والأضحية سنة واجبة على من استطاعها. قال رحمه الله تعالى: " وهي من بهيمة الأنعام " وهي الضأن والبقر والأبل. قال رحمه الله تعالى: " جذع الضأن وثني غيرها " يعني الذي يجزئ الأضحية من الضأن الجذع وهو ابن سنة على المشهور ودخل في الثانية أي دخول، ولو ولد الضأن في يوم عرفة يكفي ذبحه يوم الأضحى كما تقدم في الهدي. والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولاً بيناً كشهر أو شهرين. قال رحمه الله تعالى: " وأفضلها الغنم والذكر " يعني أن أفضل ما يذبح الأضحية الغنم، واسم الغنم شامل لذكور الضأن والإناث منها ومن المعز، لكن الضأن أفضل من المعز، كما أن ذكور كل نوع أفضل من إناثه. قال في الرسالة: وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا وأما في الهدايا فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن ثم المعز اهـ كما تقدم في الهدي.

стр. 560

قال رحمه الله تعالى: " فجذع الضأن ما له ستة أشهر فصاعداً " هذا مقابل المشهور. وقيل ابن ثمانية أشهر وهي رواية عن مالك، وقيل ابن عشرة أشهر وهو مروي عن ابن وهب. وقال سحنون ابن ستة أشهر. قال النفراوي فجملة الأقوال أربعة أرجحها أولها كما قررنا. ثم أشار إلى ما تقدم من الثني في كل نوع فقال رحمه الله تعالى: " وثني المعز ما دخل في السنة الثانية، والبقر في الثالثة، والإبل في السادسة " قال ابن جزي: والجذع من البقر ابن سنتين والثني منها ما دخل في الثالثة وفاقاً لهما. وقيل ابن أربع سنين اهـ. قال خليل بجذع ضأن، وثني معز وبقر وإبل ذي سنة، وثلاث، وخمس اهـ يعني بعد كمال كل سنة مما ذكر ودخول السنة التي تليها. قال الخرشي: هو بيان لما يجزئ في الأضحية، وإن جذع الضأن وثني المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولاً ما في جذع الضأن، بخلاف ثني المعز لابد من دخوله فيها بيناً كالشهر، وإن الثني من البقر هو ما أوفى ثلاثاً ودخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل هو ما أوفى خمس سنين ودخل في السنة السادسة اهـ. وعبارة صاحب العزية مثل الخرشي. ولفظه: وأقل ما يجزئ في الضحايا من الأسنان الجذع من الضأن، والمعز وهو ابن سنة، والثني من البقر وهو ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل وهو ما دخل في السادسة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ووقتها المعلوم يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه وثانيه وثالثه، لا ليلاً " قال في الرسالة: وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة، ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته، ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه، ومن ضحى بليل أو أهدى لم يجزه. وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها. وأفضل أيام النحر أولها ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم يستحب له أن

стр. 561

يصبر إلى ضحى اليوم الثاني اهـ. قال ابن جزي: يذبح الإمام بالمصلى بعد الصلاة ليراه الناس فيذبحوا بعده، فلا تجزئ من ذبح قبل الصلاة ولا قبل ذبح الإمام بعد الصلاة. وعند الشافعي بعد مقدار الصلاة سواء صلى الإمام وذبح أم لا اهـ. وقال الدردير في أقرب المسالك: من ذبح الإمام بعد صلاته والخطبة لآخر الثالث، فلا تجزئ إن سبقه إلا إذا لم يبرزها تحرى، فإن توانى بلا عذر انتظر قدره وله فلقرب الزوال. ومن لا إمام له تحرى أقرب إمام له تحرى أقرب إمام. والانتظار بقدر ذبح الإمام شرط في صحة الأضحية. وأما الانتظار لقرب الزوال فمندوب اهـ. مع إيضاح. ثم ذكر العيوب المانعة. قال رحمه الله تعالى: " يجتنب فيها العيوب الفاحشة كالعمى والعور والمرض والعجف والعرج وقطع أكثر الأذن وكسر القرن إن كان يدمي " قال الدردير: فالسلامة من جميع ما ذكر شرط صحة. وفي الرسالة: ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريض، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها، ويتقي فيها العيب كله، ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيراً، وكذلك القطع ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز اهـ. انظر فواكه الدواني للنفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز الاشتراك فيها بخلاف رب المنزل يضحي عنه وعن أهله واحدة غير مشتركين في ثمنها " قال الدردير: وشرطها النهار بطلوع الفجر في غير الأول، وإسلام ذابحها، والسلامة من الشرك إلا في الأجر قبل الذبح، وإن أكثر من سبعة إن قرب له وأنفق عليه ولو تبرعاً، إن سكن معه فتسقط عن المشترك. فتحصل أن شروط الاشتراك في الضحية ثلاثة: أن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة، وأن يكون في نفقته، وأن يكون ساكناً معه بدار واحدة سواء كانت النفقة غير واجبة كالأخ وابن العم أو واجبة كأب وابن فقيرين كما هو ظاهر

стр. 562

النقول اهـ. قال الصاوي عليه: فإن اختل شرط منها فلا تجزئ عن المشرك بالكسر ولا عن المشرك بالفتح اهـ. ونقل الحطاب عن المدونة: ولو اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشترك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي، وعن سحنون أنه قال: ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخل زوجته في أضحيته أجزأها وإلا كان عليها أن تضحي عن نفسها اهـ. وفي المواق: قال مالك وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته إلا أن يشاء بخلاف الفطرة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب مباشرة ذبحها " وتقدم قول صاحب الرسالة وليل الرجل ذبح أضحيته بيده. وفي أقرب المسالك عاطفاً على المندوبات: وذبحها بيده، وكره نيابة بغير ضرورة وأجزأت، وإن نوى عن نفسه كذبح كقريب اعتاده. قال ابن جزي: الأول أن يتولى ذبح أضحيته بيده، فإن لم يمكنه فليوكل على الذبح مسلماً مصلياً وينوي هو لنفسه، فإن نوى الوكيل عن صاحبها جاز وإن نوى عن نفسه جاز خلافاً لأشهب، فإن ذبحها تارك الصلاة استحب إعادتها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويأكل ويتصدق بغير حد " يعني يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته غير شيء محدود وأن يتصدق للفقراء ويهدي للأغنياء والجيران. قال ابن جزي: الأفضل أن يأكل من الأضحية ويتصدق، فلو اقتصر على أحدهما أجزأ على كراهة اهـ. ومثله في الرسالة وغيرها. قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز بيع شيء ولا يستأجر به جزاراً ولا دباغاً " قال في الرسالة: ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك. قال خليل: ومنع البيع وإن ذبح قبل الإمام أو تعيبت حالة الذبح أو قبله، أو ذبح معيباً جهلاً، ومثل الضحية الهدي والفدية والعقيقة. واعلم أن بيع هذه المذكورات غير جائز إلا المتصدق أو الموهوب له فيجوز لهما بيع ما تصدق أو وهب لهما، ولو علم ربها بذلك،

стр. 563

وأما إن وقع البيع من ربها أو إبدال فسخ، فإن فات وجب التصدق بالعوض، فإن فات العوض فإنه يتصدق بمثله وجوباً اهـ قوله: ولا يستأجر به إلخ قال ابن جزي: ولا يعطى الجزار أجرته من لحمها ولا جلدها ولا الدباغ على دبغها بعض جلودها. وإذا وهبت أو تصدق بها فهل للمعطي أن يبيعه قولان اهـ. وقد علمت مما تقدم أن البيع لهما جائز فتنبه. ولما أنهى الكلام على الأضحية انتقل يتكلم على العقيقة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في العقيقة وما يفعل للمولود يومَ سابعه أي في بيان العقيقة وما يتعلق بها من أحوال المولود. قال رحمه الله تعالى: " العقيقة ذبح شاة عن المولود سابع ولادته " قال مالك في المدونة: والعقيقة مستحبة لم يزل من عمل المسلمين، وليست بواجبة ولا سنة لازمة، ولكن يستحب العمل بها. وقد عق عن حسن وحسين ابني فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وليس يجزئ فيها من الذبائح إلا ما يجزئ في الضحية، فلا يجزئ فيها عوراء ولا عرجاء ولا جرباء ولا مكسورة ولا ناقصة ولا يجز صوفها، ولا يبيع جلدها ولا شيئاً من لحمها ويتصدق منها. وسبيل العقيقة في جميع وجوهها ووقت ذبحها وقت ذبح الضحية ضحى في اليوم السابع من مولد الصبي الذكر والأنثى فيه سواء، يعق عن كل واحد بشاة شاة. وقد سئل عن الرجل يولد له الولدان في بطن واحد أيعق عنهما بشاة واحدة؟ فقال بل شاة شاة عن كل واحد منهما اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: وهي سنة من سنن الإسلام، وشرع من شرائعه إلا أنها ليست بواجبة عند مالك وجميع أصحابه: وهي عندهم من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة. ثم قال: العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه. وأفضل ما يعق به الضأن ثم المعز إلى آخر ما تقدم

стр. 564

في الضحايا. قال عطاء: ويعق عنه يوم سابعه، ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه إن سبق الفجر بأن طلع قبل الولادة ولو بزمن يسير جداً، فإن ولد مع الفجر حسب يومها، ومفهوم قوله يوم سابعه أنه لا يعق عنه قبل يوم السابع ولا بعده في سابع الثاني أو الثالث كما في التتائي على الرسالة، وهو كذلك فيما قبله وعلى المشهور فيما بعد. قال الدردير في أقرب المسالك: وتسقط بغروبه أي يوم السابع كما تسقط الأضحية بغروب اليوم الثالث. ومثله في شرح الرسالة. وروي ابن وهب عن مالك. أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني. فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاوز ذلك فقد فات موضع العقيقة. وفي الصاوي: وقيل لا تفوت بفوات الأسبوع الأول بل تفعل يوم الأسبوع الثاني، فإن لم تفعل ففي الأسبوع الثالث ولا تفعل بعده. وعند الشافعية لا تسقط أصلاً فإن لم يفعلها أبوه طولب بها هو بعد البلوغ اهـ وكل ذلك بشرط حياته، وأما إن مات الولد قبل اليوم السابع أو في يوم السابع مع طلوع الفجر لم يعق عنه، وإن مات بعد الفجر وقبل الذبح فإنه يعق عنه. قال العدوي: ظاهره أنه متى ما بقي حياً للسابع يعق عنه ولو مات قبل العق، وليس كذلك فقد نقل عن مالك أنه لا يعق عنه. قال ابن ناجي: وهو ظاهر المدونة اهـ وتكون العقيقة من مال الأب على المشهور. قال رحمه الله تعالى: " والأفضل عن الذكر بشاتين " أخذ المصنف بظاهر هذا الحديث من قوله ﷺ " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة " وأخذ مالك من فعله ﷺ من أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. وتقدم ما في المدونة من قول مالك: إن الذكر والأنثى فيه سواء يعق عن كل واحد بشاة شاة. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب حلق شعره والتصدق بزنته ذهباً أو فضة " يعني كما قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح، فإذا حلق شعر رأسه يندب التصدق بوزنه

стр. 565

ذهباً أو فضة بقدر الطاقة. ثم يعق عنه ويسميه بأحسن اسم كعبد الله أو أحمد أو محمد نحو ذلك. ويبارك فيه أهل الفضل والصلاح. قال في الرسالة: وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب. قال رحمه الله تعالى: " ولا يلطخ بدمها " أي يكره أن يلطخ رأس المولود بشيء من دم العقيقة لأن ذلك من فعل الجاهلية، ويستحب أن يلطخ رأسه بكزعفران. قال الدردير: وجاز تلطيخه بخلوق. أي طيب بدلاً عن الدم الذي كانت تفعله الجاهلية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز كسر عظامها " وقيل يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية في امتناعهم من كسر عظامها مخافة ما يصيب المولود وتقطيعها من المفاصل فجاء الإسلام بخلاف ذلك اهـ الإكليل. وفي المواق نقلاً عن الموطأ: العقيقة بمنزلة الضحايا، وتكسر عظامها ولا يمس الصبي بشيء من دمها. قال عبد الوهاب: ليس كسر عظامها بمسنون إنما هو جائز. قالت عائشة وعطاء وابن جريج: لا يكسر لها عظم. وروى في الحديث: " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي كالأضحية فيما يجوز ويمتنع " وتقدم أن الأضحية يأكلها ربها ويتصدق، وكذلك العقيقة، ويجوز الادخار وله أن يطعم الغني والفقير كيف شاء إلا أنه يمنع عليه البيع ودفعها إجارة للجزار وغيره ويكره عملها وليمة بأن يجمع عليها الناس كوليمة العرس لمخالفة السلف. وسبيل العقيقة كالأضحية إلا ما يخصها بعينه فتخص ببيانه. والله أعلم. ولما أنهى الكلام على العقيقة انتقل يتكلم على أحكام الصيد وبيان ما يباح منه وما لا يباح. فقال رحمه الله تعالى:
следующие страницы →