← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يصبر إلى ضحى اليوم الثاني اهـ. قال ابن جزي: يذبح الإمام بالمصلى بعد الصلاة ليراه الناس فيذبحوا بعده، فلا تجزئ من ذبح قبل الصلاة ولا قبل ذبح الإمام بعد الصلاة. وعند الشافعي بعد مقدار الصلاة سواء صلى الإمام وذبح أم لا اهـ. وقال الدردير في أقرب المسالك: من ذبح الإمام بعد صلاته والخطبة لآخر الثالث، فلا تجزئ إن سبقه إلا إذا لم يبرزها تحرى، فإن توانى بلا عذر انتظر قدره وله فلقرب الزوال. ومن لا إمام له تحرى أقرب إمام له تحرى أقرب إمام. والانتظار بقدر ذبح الإمام شرط في صحة الأضحية. وأما الانتظار لقرب الزوال فمندوب اهـ. مع إيضاح. ثم ذكر العيوب المانعة. قال رحمه الله تعالى: " يجتنب فيها العيوب الفاحشة كالعمى والعور والمرض والعجف والعرج وقطع أكثر الأذن وكسر القرن إن كان يدمي " قال الدردير: فالسلامة من جميع ما ذكر شرط صحة. وفي الرسالة: ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريض، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها، ويتقي فيها العيب كله، ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيراً، وكذلك القطع ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز اهـ. انظر فواكه الدواني للنفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز الاشتراك فيها بخلاف رب المنزل يضحي عنه وعن أهله واحدة غير مشتركين في ثمنها " قال الدردير: وشرطها النهار بطلوع الفجر في غير الأول، وإسلام ذابحها، والسلامة من الشرك إلا في الأجر قبل الذبح، وإن أكثر من سبعة إن قرب له وأنفق عليه ولو تبرعاً، إن سكن معه فتسقط عن المشترك. فتحصل أن شروط الاشتراك في الضحية ثلاثة: أن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة، وأن يكون في نفقته، وأن يكون ساكناً معه بدار واحدة سواء كانت النفقة غير واجبة كالأخ وابن العم أو واجبة كأب وابن فقيرين كما هو ظاهر

стр. 562

النقول اهـ. قال الصاوي عليه: فإن اختل شرط منها فلا تجزئ عن المشرك بالكسر ولا عن المشرك بالفتح اهـ. ونقل الحطاب عن المدونة: ولو اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشترك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي، وعن سحنون أنه قال: ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخل زوجته في أضحيته أجزأها وإلا كان عليها أن تضحي عن نفسها اهـ. وفي المواق: قال مالك وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته إلا أن يشاء بخلاف الفطرة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب مباشرة ذبحها " وتقدم قول صاحب الرسالة وليل الرجل ذبح أضحيته بيده. وفي أقرب المسالك عاطفاً على المندوبات: وذبحها بيده، وكره نيابة بغير ضرورة وأجزأت، وإن نوى عن نفسه كذبح كقريب اعتاده. قال ابن جزي: الأول أن يتولى ذبح أضحيته بيده، فإن لم يمكنه فليوكل على الذبح مسلماً مصلياً وينوي هو لنفسه، فإن نوى الوكيل عن صاحبها جاز وإن نوى عن نفسه جاز خلافاً لأشهب، فإن ذبحها تارك الصلاة استحب إعادتها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويأكل ويتصدق بغير حد " يعني يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته غير شيء محدود وأن يتصدق للفقراء ويهدي للأغنياء والجيران. قال ابن جزي: الأفضل أن يأكل من الأضحية ويتصدق، فلو اقتصر على أحدهما أجزأ على كراهة اهـ. ومثله في الرسالة وغيرها. قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز بيع شيء ولا يستأجر به جزاراً ولا دباغاً " قال في الرسالة: ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك. قال خليل: ومنع البيع وإن ذبح قبل الإمام أو تعيبت حالة الذبح أو قبله، أو ذبح معيباً جهلاً، ومثل الضحية الهدي والفدية والعقيقة. واعلم أن بيع هذه المذكورات غير جائز إلا المتصدق أو الموهوب له فيجوز لهما بيع ما تصدق أو وهب لهما، ولو علم ربها بذلك،

стр. 563

وأما إن وقع البيع من ربها أو إبدال فسخ، فإن فات وجب التصدق بالعوض، فإن فات العوض فإنه يتصدق بمثله وجوباً اهـ قوله: ولا يستأجر به إلخ قال ابن جزي: ولا يعطى الجزار أجرته من لحمها ولا جلدها ولا الدباغ على دبغها بعض جلودها. وإذا وهبت أو تصدق بها فهل للمعطي أن يبيعه قولان اهـ. وقد علمت مما تقدم أن البيع لهما جائز فتنبه. ولما أنهى الكلام على الأضحية انتقل يتكلم على العقيقة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في العقيقة وما يفعل للمولود يومَ سابعه أي في بيان العقيقة وما يتعلق بها من أحوال المولود. قال رحمه الله تعالى: " العقيقة ذبح شاة عن المولود سابع ولادته " قال مالك في المدونة: والعقيقة مستحبة لم يزل من عمل المسلمين، وليست بواجبة ولا سنة لازمة، ولكن يستحب العمل بها. وقد عق عن حسن وحسين ابني فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وليس يجزئ فيها من الذبائح إلا ما يجزئ في الضحية، فلا يجزئ فيها عوراء ولا عرجاء ولا جرباء ولا مكسورة ولا ناقصة ولا يجز صوفها، ولا يبيع جلدها ولا شيئاً من لحمها ويتصدق منها. وسبيل العقيقة في جميع وجوهها ووقت ذبحها وقت ذبح الضحية ضحى في اليوم السابع من مولد الصبي الذكر والأنثى فيه سواء، يعق عن كل واحد بشاة شاة. وقد سئل عن الرجل يولد له الولدان في بطن واحد أيعق عنهما بشاة واحدة؟ فقال بل شاة شاة عن كل واحد منهما اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: وهي سنة من سنن الإسلام، وشرع من شرائعه إلا أنها ليست بواجبة عند مالك وجميع أصحابه: وهي عندهم من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة. ثم قال: العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه. وأفضل ما يعق به الضأن ثم المعز إلى آخر ما تقدم

стр. 564

في الضحايا. قال عطاء: ويعق عنه يوم سابعه، ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه إن سبق الفجر بأن طلع قبل الولادة ولو بزمن يسير جداً، فإن ولد مع الفجر حسب يومها، ومفهوم قوله يوم سابعه أنه لا يعق عنه قبل يوم السابع ولا بعده في سابع الثاني أو الثالث كما في التتائي على الرسالة، وهو كذلك فيما قبله وعلى المشهور فيما بعد. قال الدردير في أقرب المسالك: وتسقط بغروبه أي يوم السابع كما تسقط الأضحية بغروب اليوم الثالث. ومثله في شرح الرسالة. وروي ابن وهب عن مالك. أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني. فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاوز ذلك فقد فات موضع العقيقة. وفي الصاوي: وقيل لا تفوت بفوات الأسبوع الأول بل تفعل يوم الأسبوع الثاني، فإن لم تفعل ففي الأسبوع الثالث ولا تفعل بعده. وعند الشافعية لا تسقط أصلاً فإن لم يفعلها أبوه طولب بها هو بعد البلوغ اهـ وكل ذلك بشرط حياته، وأما إن مات الولد قبل اليوم السابع أو في يوم السابع مع طلوع الفجر لم يعق عنه، وإن مات بعد الفجر وقبل الذبح فإنه يعق عنه. قال العدوي: ظاهره أنه متى ما بقي حياً للسابع يعق عنه ولو مات قبل العق، وليس كذلك فقد نقل عن مالك أنه لا يعق عنه. قال ابن ناجي: وهو ظاهر المدونة اهـ وتكون العقيقة من مال الأب على المشهور. قال رحمه الله تعالى: " والأفضل عن الذكر بشاتين " أخذ المصنف بظاهر هذا الحديث من قوله ﷺ " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة " وأخذ مالك من فعله ﷺ من أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. وتقدم ما في المدونة من قول مالك: إن الذكر والأنثى فيه سواء يعق عن كل واحد بشاة شاة. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب حلق شعره والتصدق بزنته ذهباً أو فضة " يعني كما قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح، فإذا حلق شعر رأسه يندب التصدق بوزنه

стр. 565

ذهباً أو فضة بقدر الطاقة. ثم يعق عنه ويسميه بأحسن اسم كعبد الله أو أحمد أو محمد نحو ذلك. ويبارك فيه أهل الفضل والصلاح. قال في الرسالة: وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب. قال رحمه الله تعالى: " ولا يلطخ بدمها " أي يكره أن يلطخ رأس المولود بشيء من دم العقيقة لأن ذلك من فعل الجاهلية، ويستحب أن يلطخ رأسه بكزعفران. قال الدردير: وجاز تلطيخه بخلوق. أي طيب بدلاً عن الدم الذي كانت تفعله الجاهلية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز كسر عظامها " وقيل يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية في امتناعهم من كسر عظامها مخافة ما يصيب المولود وتقطيعها من المفاصل فجاء الإسلام بخلاف ذلك اهـ الإكليل. وفي المواق نقلاً عن الموطأ: العقيقة بمنزلة الضحايا، وتكسر عظامها ولا يمس الصبي بشيء من دمها. قال عبد الوهاب: ليس كسر عظامها بمسنون إنما هو جائز. قالت عائشة وعطاء وابن جريج: لا يكسر لها عظم. وروى في الحديث: " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي كالأضحية فيما يجوز ويمتنع " وتقدم أن الأضحية يأكلها ربها ويتصدق، وكذلك العقيقة، ويجوز الادخار وله أن يطعم الغني والفقير كيف شاء إلا أنه يمنع عليه البيع ودفعها إجارة للجزار وغيره ويكره عملها وليمة بأن يجمع عليها الناس كوليمة العرس لمخالفة السلف. وسبيل العقيقة كالأضحية إلا ما يخصها بعينه فتخص ببيانه. والله أعلم. ولما أنهى الكلام على العقيقة انتقل يتكلم على أحكام الصيد وبيان ما يباح منه وما لا يباح. فقال رحمه الله تعالى:

стр. 566

فَصْلٌ في بيان الصيد وما يتعلق به من الأحكام قال الزرقاني على الموطأ: أصل الصيد مصدر ثم أطلق على الصيد كقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ ﴿المائدة: ٩٦﴾. و ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿المائدة: ٩٥﴾ والمراد في هذه الترجمة أحكام الصيد الذي هو المصدر اهـ. وقد ثبت جواز أكل الصيد بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا أسم الله عليه﴾ ﴿المائدة: ٤﴾. وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ﴿المائدة: ٢﴾ فالأمر في الآية الكريمة يفيد حل الصيد. وأما السنة فكثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم " أن أبا ثعلبة قال قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي أو بكلبي الذي ليس بمعلم أو بكلبي المعلم فما يصلح لي؟ " فقال رسول الله ﷺ : " وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل. وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " وأما الإجماع. فقد أجمع المسلمون على حل أكل الصيد بالشرائط الآتية اهـ فقه المذاهب. قال رحمه الله تعالى: " يباح الاصطياد بالسلاح المحدد " يعني يباح الاصطياد بأي شيء محدد إلا السن والظفر، سواء كان المحدد سلاحاً أو غيره فقد عقد ابن جزي فصلاً في الآلة التي يذكي بها فقال: وهي كل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل وإنهار الدم، سواء كان من حديد أو عظم أو عود أو قصب أو حجر له حد أو زجاج إلا أنه يكره غير الحديد من غير حاجة، وتؤكل. وأما السن والظفر ففيهما ثلاثة أقوال، انظر القوانين اهـ.

стр. 567

قال رحمه الله تعالى: " والجوارح المكلبة وهي المطيعة بالإغراء الممتنعة بالزجر فيؤكل ما أنفذت مقاتله وإن أكلت منه إذا كانت مرسلة إليه " الجوارح معطوف على السلاح، والمعنى يباح الاصطياد بالسلاح المحدد، وبالجوارح المكلبة، وهي الكواسب التي ترسل إلى الصيد سواء من الحيوان كالكلب، أو من الطير كالباز تمسكه وتكنعه عن الجرى العادى المعلم منها هي التي يؤكل صيدها التي إذا أرسلت أطاعت وإذا زجرت انزجرت، ولو كانت من جنس ما لا يقبل التعليم عادة كالنمر. قال الصاوي: واعلم أن عصيان المعلم مرة لا يخرجه عن كونه معلماً، كما لا يكون معلماً بطاعته مرة، بل المرجع في ذلك للعرف اهـ. فإذا قتل الجارح المعلم الصيد فإنه يباح لك أكل جميع ما أنفذ مقتله إذا أرسلته فمات قبل قدرتك على ذكاته سواء من الحيوانات أو من الطيور بالشروط المعتبرة في الصيد والصائد. قال الدردير عاطفاً على الذبح: وعقر وهو جرح مسلم مميز وحشياً غير مقدور عليه إلا بعسر لا كافر ولو كتابياً، ولا إنسياً شرد أو تردى بحفرة، بمحدد، أو حيوان علم من طير أو غيره فمات قبل إدراكه، إن أرسله من يده أو من يد غلامه، ولم يشتغل بغيره قبله، وأدماه ولو بأذن، وعلمه من المباح، وإن لم يعلم نوعه منه، وإن تعدد مصيده إن نوى الجميع وإلا فما نواه إن صاده أولاً، لا إن تردد في حرمته أو في المبيح إن شاركه غير ككلب كافر أو غير معلم أو تراخى في إتباعه إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، أو حمل الآلة مع غيره أو بخرجه، أو بات أو صدمه أو عضه بلا جرح، أو اضطرب فأرسله بلا رؤية اهـ. قال في الرسالة: وكل ما قتله كلبك المعلم أو باز المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه. وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله، فإن أدركت ذكاته فذكه،

стр. 568

وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عندك. وقير إنما ذلك فيما بات عندك مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويشترط التسمية عند الرمي والإرسال فإن أسترسل بنفسه فأنفذ مقاتله لم يجز أكله إلا أن يدركه مستقر الحياة فيذكيه " قال في الرسالة: وليقل الذابح باسم الله والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك. ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد اهـ. وفي المدونة: قال ابن القاسم: ومن ترك التسمية عمداً على الذبيحة لم أر أن تؤكل الذبيحة، وهو قول مالك. قال والصيد عندي مثله اهـ. قال ابن جزي من شروط الصائد أن يسمي الله تعالى عند الإرسال أو الرمي، كما يسمي الذابح عند الذبح. فقد قال مالك في الكلب يرى الصيد فيخرج فيعدو في طلبه ثم يشليه صاحبه فينشلي أنه لا يؤكل لأنه خرج بغير إرسال صاحبه اهـ. قال في المدونة: هذا إن أنفذ الكلب مقاتله، وإن لم ينفذ مقاتله وأدركه حياً وجب أن يذكيه. ثم شبه بما إذا أدرك فيها حياة مستقرة فلا تؤكل إلا بذكاة. فقال رحمه الله تعالى: " كصيد الشرك والحبالة والبندق وقبضة اليد وصيد مجوسي أو غير معلم أو متروك التسمية أو مرسل على معين صاد غيره أو انحرف عنه إلى ميتة ثم صاده " وهذه الجملة فيها تسع مسائل، وكلها لا تؤكل إلا بذكاة كما في الأصول وتقدم بعضها، وكل مسألة منها لها ترجمة تخصها بالبيان في محلها. قال الدردير على أقرب المسالك: والمراد بالبندق أي البرام الذي يرمى بالقوس فلا يؤكل صيده إذا مات به أو أنفذ مقتله، وأما صيده بالرصاص فيؤكل به لأنه أقوى من السلاح كما أفتى به بعض

стр. 569

الفضلاء واعتمده بعضهم اهـ. قال في حاشية الصاوي عليه: حاصله ببندق الرصاص لم يوجد فيه نص للمتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة، واختلف فيه المتأخرون: منهم من قال بالمنع قياساً على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز كأبي عبد الله القروي وابن غازي وسيدي عبد الرحمن الفاسي لما فيه من إنهار الدم والإجهاز بسرعة الذي شرعت الذكاة لأجله. ثم إن محل الاحتراز عن العصا وبندق الطين إذا لم يؤخذ الصيد حياً غير منفوذ المقتل وإلا ذكي وأكل قولاً واحداً. وأما إذا أخذ منفوذ المقاتل فلا يؤكل عندنا ولو أدرك حياً وذكي. وعند الحنفية ما أدرك حياً ولو منفوذ جميع المقاتل وذكي يؤكل فلا خلاف بيننا وبينهم في عدم أكل ما مات ببندق الطين وفي أكل الذي لم ينفذ مقتله حيث أدرك حياً وذكي، وإنما الخلاف فيما أدرك حياً منفوذ المقتل وذكي فعندهم يؤكل وعندنا لا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وما أنفذت الرمية مقاتله فتردى أو سقط في ماء أو غاب ثم وجده جاز أكله " يعني كما في الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون: إذا أصاب الرجل الصيد فأعانه عليه غيره من ماء أو كلب غير معلم لم يؤكل ذلك الصيد إلا أن يكون سهم الرامي قد قتله أو بلغ مقاتل الصيد حتى لا يشك أحد في أنه هو الذي قتله وأنه لا يكون للصيد حياة بعده اهـ. قال الزرقاني: فيؤكل لتحقق الإباحة. قال وسمعت مالكاً يقول: لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثراً من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت، فإذا بات فإنه يكره أكله اهـ. قال الزرقاني: كراهة تحريم على المشهور. قال ابن جزي ولو فات عنه الصيد ثم وجده غداً منفوذ المقاتل لم يؤكل في المشهور. وقيل يؤكل. وقيل يكره. فلو رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل لم يؤكل إذ لعل موته من الغرق، أو التردى إلا أن يكون سهمه قد أنفذ مقاتله قبل ذلك فلا يضره الغرق أو التردى اهـ. قلت وما ذكره الدردير وغيره من عدم الأكل للشك

стр. 570

في المبيح، وأما بعد تحقق إنفاذ المقتل وقبل وقوعه في الماء فأكله جائز كما في الخرشي. انظر فقه المذاهب الأربعة. قال رحمه الله تعالى: " ومشاركة كلب مجوسي أو غير معلم " يعني من جملة المسائل التي لا يؤكل فيها الصيد إلا بذكاة المشاركة المذكورة إذا لم يتحقق قاتل الصيد وإلا فلا إشكال في أكله أو عدم أكله، ولذا قال رحمه الله تعالى: " فإن تيقن انفراد كلبه بقتله حل وإلا فلا " وفي القوانين: من شروط الصائد أن لا يشاركه في العقر ما ليس عقره ذكاة كغير المعلم فإن تيقن أن المعلم هو المنفرد بالعقر أكل وإن تيقن خلاف ذلك أو شك لم يؤكل، وإن غلب على ظنه أنه القاتل ففيه خلاف، وإن أدركه غير منفوذ المقاتل فذكاه أكل مطلقاً اهـ قال المواق نقلاً عن اللخمي: وأما إن لم يتحقق المبيح في شركة كلب مجوسي كما إذا أرسل مسلم ومجوسي كلبيهما على صيد فتعاونا أو لم يتعاونا فلم يدر أيهما سبق إليه فقتله فإنه لا يؤكل، وإن علم أن كلب المسلم قتله ولم يمسكه كلب المجوسي أكل، وإن كان بعد إمساكه لم يؤكل، وإن صاد المسلم بكلب المجوسي أكل، وإن صاد المجوسي بكلب المسلم لم يؤكل وذلك عند مالك بمنزلة ما لو ذبح أحدهما بسكين الآخر اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو أرسل على صيود فقتل أحدهما أو في غار لا منفذ له لا يعلم فيه صيداً أو على نوع فإذا هو غيره جاز أكله " قال خليل يبالغ في جواز أكله: ولو تعدد مصيده أو أكل أو لم ير بغار أو غيضة، أو لم يظن نوعه من المباح، أو ظهر خلافه اهـ. وفي المدونة: وإن أرسل كلبه أو بازه على جماعة من وحش أو طير ونوى ما أخذ منها ولم يخص شيئاً منها أو على جماعتين ونوى ما أخذ منهما جميعاً فليأكل ما أمسك عليه من ذلك كله مما قل عدده أو كثر، وقوله أو في غار إلخ قال الخرشي: يعني أن المشهور عدم اشتراط رؤية ما إذا كان الصيد في الغار، فإذا أرسل الكلب أو الجارح

стр. 571

على صيد في غار أو غيطة، أو كان وراء أكمة ونوى إن وجد صيداً داخل ذلك فإنه إذا وجده وأخذه وقتله فإنه يؤكل على المشهور لأن ما في ذلك كالمعين لأنه محصور، وقوله أو على نوع فإذا هو غيره، قال الخرشي: صورتها أرسل كلبه أو جارحه أو سهمه على صيد وهو يعلم أنه غير محرم الأكل إلا أنه لم يعلم جنسه من أي الأجناس المباحة الأكل ولا تحققه بل تردد فيه هل هو بقر أو حمار وحش أو نحو ذلك، فإذا أخذ صيداً وقتله فإنه يجوز أكله إذ لا يشترط في جواز أكله أن يعلم جنسه من المباح حين الإرسال عليه. هذا في محل محصور كالغار وإلا فالرؤية شرط إرسال الجارح كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " ولو ظنه غير مأكول فإذا هو مأكول لم يحل " يعني إذا رمى الصيد أو أرسل عليه الكلب وهو يظنه غير مأكول كالخنزير مثلاً فإذا هو غزال وقد أنفذ مقتله فلا يجوز له أكله ولو ذكي. قال ابن جزي: من شروط الصيد أن يكون جائز الأكل فإن الحرام لا يؤثر فيه الصيد ولا الذكاة اهـ. وفي المدونة عن مالك: من رمى صيداً بسكين فقطع رأسه أكله إن نوى اصطياده وإن لم ينو اصطياده لم يؤكل، وكذلك لو رمى صيداً وهو يظنه سبعاً، أو خنزيراً فأصاب ظبياً لم يؤكل لأنه حين رماه لم يرد صيده فلا يأكله اهـ. ومثله في المواق. قال رحمه الله تعالى: " ومشاركة الجوارح توجب شركة أربابها " يعني إذا أرسل المسلم كلبه المعلم وأرسل الآخر مثله على صيد واحد فقتلاه صارا شريكين. قال الحطاب: فأما لو أرسل صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإذا أفلت صيد ولحق بالصيد فصاده آخر فهو له وإلا فهو للأول " قال خليل: وإن ند ولو من مشتر فللثاني لا إن تأنس أي عند الأول فله ولم يتوحش أي بعد ندوده، فإن توحش فللثاني. قال الخرشي: يعني أن الصيد إذا

стр. 572

كان قد تأنس عند الأول ولم يتوحش فأخذه الثاني فإنه لا يكون له ويكون للأول ويغرم الثاني أجرة تعبه ونفقته في تحصيله اهـ. وعبارة الحطاب: قال في المدونة: ومن صاد طائراً في رجليه ساقان، أو ظبياً في أذنيه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك ثم ينظر فإن كان هروبه ليس هروب انقطاع ولا توحش رده وما وجد عليه لربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فالصيد خاصة لصائده دون ما عليه اهـ. ولما أنهى الكلام على الصيد وما يتعلق به انتقل يتكلم على أحكام الذبح والنحر وكيفيتهما وما يتعلق بجميع ذلك، فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الذبح أي في بيان ما يتعلق بالذبح والنحر وكيفيتهما وبيان موضعهما من الحيوان، وشروط الذبح والذابح والذبيحة وغير ذلك مما سنقف عليه إن شاء الله تعالى. قال ﵀: " تنحر الإبل ويذبح ما سواه مجهزاً عليها " هذا شروع منه في بيان ما يذبح من الحيوان وما ينحر منها. أما النحر وهو طعن المسلم المميز بمحدد بلبة إبل أو زرافة ويجوز في بقر بكره. واللبة بفتح اللام وهي النقرة التي فوق الترقوة وتحت الرقبة، ويكون ذلك بلا رفع يد قبل التمام، ولا يضر يسير فصل ولو كان اختياراً، فلا يشترط فيه قطع الحلقوم والودجين بخلاف الذبح اهـ الدردير. وأما الذبح قال في الرسالة: والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك، وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد فأجهز فلا تؤكل اهـ وإليه أشار رحمه الله تعالى: " فلو رفع المدية قبل تمامها ثم أعاد فأتمها لم تؤكل على المشهور " قال الشرنوبي: هذا إذا تراخى. وأما إذا أعاد بلا مهلة فإنها تؤكل رفع اختياراً أو اضطراراً، والطول بالعرف. ويجوز أن يكون المتمم غير الأول لكن يلزمه النية والتسمية. ومحل هذا التفصيل إن كانت لو تركت لم تعش. وأما إذا لم تنفذ

стр. 573

مقاتلها بحيث لو تركت عاشت فإنها تؤكل ولو مع التراخي لأن الثانية ذكاة مستقلة فلابد فيها من النية والتسمية حيث كان المتمم غير الأول مطلقاً أو الأول في حالة البعد. واعتمد العلامة العدوي الأكل فيما إذا وضع شخص آلة الذبح على ودج وآخر على الآخر وقطعا الودجين والحلقوم جميعاً. هذه هي المسألة المشتركة في الذبح، ولابد من النية والتسمية من كل وإلا فلا تؤكل اهـ مع إيضاح. قال رحمه الله تعالى: " ولو ذبح البعير ونحر غيره لضرورة تبيحه ولغير ضرورة تحرمه على المشهور " قال ابن جزي في القوانين: فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح من غير ضرورة لم تؤكل. وقيل تؤكل وفاقاً لهما. وقيل يكره. وقيل إن ذبح ما ينحر أكل بخلاف العكس اهـ. قال في الرسالة: والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل. وقد اختلف في أكلها. والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل. وقد اختلف أيضاً في ذلك. قلت كل ذلك في حال الاختيار، وأما في حالة الضرورة فإنه يؤكل. قال النفراوي وقيدنا باختيار للاحتراز عن حالة الضرورة فإنه يجوز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح. قال فتلخص أن الإبل تنحر والغنم وما شابهها تذبح، والبقر يجوز فيها الأمران. قال خليل عاطفاً على الواجب: ونحر إبل وذبح غيره إن قدر وجاز للضرورة إلا البقر فيندب الذبح. ومن الضرورة وقوع الجمل في مهواة بحيث لا يتوصل إلى محل النحر، ووقوع الغنم في مهواة بحيث لا يتمكن من ذبحها. ومن الضرورة عدم الآلة على ما جزم به بعضهم اهـ. ثم شبه في عدم الأكل بغير ضرورة وجوازه معها فقال رحمه الله تعالى: " كتعمد ترك التسمية " يعني أن من ترك التسمية عمداً في الذبح أو النحر، أو عند إرسال الجوارح على الصيد، أو عند الرمي لم يؤكل ومع الضرورة فإنها تؤكل. وتقدم في الصيد قول صاحب الرسالة أنه قال: ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح اهـ قال رحمه الله تعالى: وذكاة الجنين ذكاة أمة

стр. 574

بشرط تمام خلقه ونبات شعره وعدم انفصاله حياً " وفي الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعاً قال: " إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره " فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة في ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره اهـ رواهما الإمام في الموطأ. وفي الرسالة: وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره اهـ قال ابن جزي في القوانين: المسألة الرابعة في ذكاة الجنين، وله أربع أحوال: الأولى أن تلقيه ميتاً قبل تذكيتها فلا يؤكل إجماعاً. الثانية أن تلقيه حياً قبل تذكيتها فلا يؤكل إلا أن يذكى وهو مستقر الحياة. الثالثة أن تلقيه ميتاً بعد تذكيتها فهو حلال وذكاته ذكاة أمه خلافاً لأبي حنيفة. ويشترط أن يكون قد كمل خلقه ونبت شعره خلافاً للشافعي. الرابعة أن تلقيه حياً بعد ذكاتها فإن أدركت ذكاته ذكى، وإن لم تدرك فقيل هو ميتة وقيل ذكاته ذكاة أمه اهـ. ثم قال: فرع في البيض إذا سلق فوجد فيه فرخ ميت لم يؤكل، وإذا أخرجت بيضة من دجاجة ميت لم تؤكل. وقال ابن نافع تؤكل إذا اشتدت كما لو ألقيت في نجاسة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمنخنقة والموقوذة وما ذكر معهما إن أدركت مستقرة الحياة فذكيت أكلت وإلا فالمشهور الحرمة " يعني أن المذكورة في الآية هي خمسة أشياء: الأولى المنخنقة بحبل ونحوه. والثانية الموقوذة بعصا أو حجر وشبهها. الثالثة المتردية أي الساقطة من علو إلى أسفل. الرابعة النطيحة أي التي نطحتها أخرى. الخامسة أكيلة السبع ونحوه. فإن أدركت واحدة منها مستقرة الحياة وذكيت قبل إنفاذ مقتلها أكلت وإلا فالمشهور عند مالك الحرمة. هذا لقول الله تعالى عاطفاً على التحريم: " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " قال الحافظ السيوطي أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه اهـ. قال الصاوي

стр. 575

أي مع بقاء الحياة المستقرة بحيث يتحرك بالاختيار، أو يبصر بالاختيار ولو نفذت مقاتله. وهذا مذهب الشافعي. ومذهب مالك لا بد من استقرار الحياة مع عدم إنفاذ المقاتل. فما أدرك بذكاة وهو مستقر الحياة وكان قبل إنفاذ مقتاه أكل وإلا فلا يؤكل ولو ثبتت له حياة مستقرة. والمقاتل هي قطع النخاع، ونثر الدماغ، وفري الودج، وثقب المصران، ونثر الحشوة. وفي شق الودج قولان. والاستثناء راجع للمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وهو متصل على كلا المذهبين مع مراعاة الشرط المتقدم عند كل اهـ. وعلى أصل المذهب مشى صاحب الرسالة كغيره فقال: والمنخنقة بحبل ونحوه. والموقوذة بعصا وشبهها. والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغاً لا تعيش معه لم يؤكل بذكاة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وندود المستأنس ولحوقه بالصيد لا يخرجه عن سنته " والمراد بالمستأنس كما في النفراوي بهيمة الأنعام وما شابهها من نحو الدجاج. قال في الرسالة: ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد اهـ. أي من العقر وغيره. قال خليل: لا نعم شرد أو تردى بكهوة، فلا يؤكل الفحل الجاموس إذا نفر، ولا الجمل الشارد، ومثل النعم الحيوان الوحشي إذا تأنس، أو صار مقدوراً عليه كالغزالة وبقر الوحش يصادان من غير جرح فلا يؤكل شيء منهما بالعقر، وإنما يؤكلان بما يؤكل به الحيوان الإنسي وهو الذبح اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمذكي كل مسلم يتعقل وتصح منه النية " والتسمية إن ذكر المسلم وقدر لا عند العجز والنسيان. قال ابن رشد ستة في المذهب لا تجوز ذبائحهم وهم: الصغير الذي لا يعقل، والمجنون حال جنونه، والسكران الذي لا يعقل، والمجوسي، والمرتد، والزنديق. وستة تكره، وهم: الصغير المميز، والمرأة،

стр. 576

والخنثى، والخصي، والأغلف، والفاسق. وستة اختلف في ذبائحهم وهم: تارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والمبتدع المختلف في كفره، والنصراني العربي، والنصراني إذا ذبح المسلم بأمره، والعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ اهـ. وقد عقد ابن جزي فصلاً في المذكي فقال: وهو على ثلاثة أصناف: صنف اتفق على جواز تذكيته وهو المسلم البالغ العاقل الذكر المصلي. وصنف اتفق على تحريم تذكيته وهو المشرك من عبدة الأوثان. وصنف اختلف فيه وهو عشرة: أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، وتارك الصلاة، والغاصب، والسارق. قال رحمه الله تعالى: " وتجوز ذكاة الكتابي ما هو مباح لهم غير محرم علينا " قال ابن جزي: فأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى رجالهم ونساؤهم فتجوز ذبائحهم على الجملة اتفاقاً واختلف منها في فروع أنظره في القوانين. قال الدردير في أقرب المسالك: وشرط الكتابي أن يذبح ما يحل له بشرعنا، وأن لا يهل به لغير الله تعالى، ولو استحل الميتة فالشرط أن لا يغيب، لا تسميته. وكره لنا إن ذبح ما حرم عليه بشرعه كذي الظفر، وكذا يكره لنا شراء ذبحه وجزارته، كبيع وإجارة لكصيده، وشحم يهودي وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء، لا ما اختلط بعظم أو لحم، يعني يكره لنا أكله مع تحريمه عليهم لقوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ ﴿الأنعام: ١٤٦﴾ ولم يحرمه علينا مع ثبوت تحريمه عليهم بكتابنا، لأنه جزء مذكى، والمذكى حلال لهم، فقد ذبح مستحله، لكن لحرمة شحمه عليه كره لنا أكله اهـ الإكليل مع تصرف. قال: وكره ذبح لعيسى أو لصليب، وذكاة خنثى وخصي وفاسق سواء يذبح لنفسه أو لغيره، كان فسقه بالجارحة كتارك الصلاة أو بالاعتقاد كبدعي لم يكفر ببدعته اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والآلة كل محدد أنهر الدم إلا الظفر والسن " قد تقدم

стр. 577

الكلام في المحدد في الصيد ولا حاجة إلى إعادته هنا. وأما الظفر والسن فلا يذبح بأحد منهما على الخلاف، لقوله ﵊: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر " وأما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة اهـ. قال خليل: وفي جواز الذبح بالظفر والسن، أو إن انفصل أو بالعظم ومنعهما خلاف اهـ قال المواق: وأما السن والظفر المنهي عن التذكية بهما فهما المركبان في فم الإنسان وفي أصبعه، فإن كانا منزوعين فلا بأس بالذبح بهما إذا أمكن اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب توجيه الذبيحة ونركها بعد الذبح حتى تبرد والله أعلم " يعني أنه يندب للذابح أن يتوجه إلى القبلة بذبيحته أو منحوره. قال خليل عاطفاً على المندوبات: وضجع ذبح على أيسر وتوجيهه، أي إلى القبلة قال ابن القاسم في المدونة: من السنة توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإن لم يفعل أكلت وبئس ما صنع ونهى مالك الجزارين يدورون حول الحفرة يذبحون حولها وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة. قال محمد - أي ابن المواز -: ترك توجيهها للقبلة سهواً عفو، وعمداً لا أحب أكلها. وقال ابن حبيب: إن كان عمداً لا جهلاً لم تؤكل اهـ المواق. قلت: والمشهور في المذهب الأكل وإن كان ترك ذلك عمداً. وأما قوله: وتركها بعد الذبح الخ فمستحب أيضاً ترك الذبيحة عن تقطيعها أو تسلخها أو نتفها حتى تبرد بخروج روحها. قال ابن جزي عاطفاً في سنن الذبح: وأن يرفق بالبهيمة فلا يضرب بها الأرض. ولا يجعل رجله على عنقها، ولا تجر برجلها، ولا تسلخ، ولا تنخع، ولا يقطع شيء منها حتى تموت. والنخع هو قطع النخاع. والله أعلم اهـ. ولما أنهى الكلام على الذبح وما يتعلق به انتقل يتكلم على الأطعمة والأشربة وما يتعلق ببيان ذلك من الأحكام فيما يجوز من ذلك ويحرم. فقال رحمه الله تعالى:

стр. 578

كتاب الأطعمة والأشربة أي في بيان ما يجوز تناوله من الأطعمة والأشربة وما لا يجوز منه لضرره بالعقل أو البدن، أو ما هو محرم شرعاً مما في تعاطيه اختياراً يلزم به إثم عظيم كشرب الخمر، وأكل الميتة ونحو ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله. وبدأ بما اتفق عليه في المذهب فقال رحمه الله تعالى: " ميتة جميع دواب الماء مباح " يعني أن ميتة البحر طاهرة مطلقاً، ونقل عن أئمة المذهب ما حاصله أنهم قالوا: جميع حيوانات البحر مباح أكلها، ولم يستثنوا منها شيئاً أبداً. قال بعضهم: اعلم أن ميتة البحر طاهرة ولو تغيرت بنتونة، إلا أن يتحقق ضررها فيحرم أكلها لذلك لا لنجاستها، وكذا المذكى ذكاة شرعية طاهر ولو تغير بنتونة، ويؤكل ما لم يخف الضرر، وسواء وجد ذلك الميت راسباً في الماء أو طافياً، أو في بطن حوت أو طير، وسواء ابتلعه ميتاً أو حياً ومات في بطنه ويغسل ويؤكل. وسواء صاده مسلم أو مجوسي. وشمل قوله البحري آدمي الماء وكلبه وخنزيره. ى قال الخرشي: وهو المعتمد، وما عداه لا يعول عليه اهـ. وشبه ﵀ في الإباحة فقال: " كصيد المجوسي " يعني أن ما صاده المجوسي في البحر طاهر يؤكل بدون توقف. قال مالك في الموطأ: لا بأس بالحيتان يصيدها المجوسي، لأن رسول الله ﷺ قال في البحر: " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " قال مالك: وإذا أكل ذلك ميتاً فلا يضره من صاده اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والطير كله " معطوف على صيد المجوسي يعني أن الطير كله مباح. قال رحمه الله تعالى: " وتكره سباعه " وما ذكره من كراهة سباع الطير هو كذلك. والكراهة لا تنافي الجواز. قال في الرسالة: ولا بأس بأكل سباع

стр. 579

الطير وكل ذي مخلب منها اهـ وفي المدونة: قال ابن القاسم: لم يكره مالك أكل شيء من الطير كله: الرخام، والعقبان، والنسور، والأحدية، والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها، ما أكل الجيف منها وما لم يأكلها. ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف. وروي على كراهة أكل الخطاف اهـ نقله المواق قال خليل عاطفاً على طاهر: وطير ولو جلالة وذا مخلب. والجلالة من الطير هي التي تأكل الرجيع والجيف، وذا مخلب، والمخلب للطائر بمنزلة الظفر للإنسان. قال الخرشي: المشهور أن جميع الطير مباح أكله ولو كان ذا مخلب كالباز والعقاب والصقر والرخم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وروى ابن أبي أويس تحريمها " هذا مقابل المشهور، وهو رواية عن مالك لا يؤكل كل ذي مخلب. وهو مذهب الجمهور. قال رحمه الله تعالى: " وروى ابن عبد البر تحريم الكلاب والسباع العادية وهو مذهب الموطأ " يعني هو ما رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " قال مالك: وهو الأمر عندنا اهـ. والكلاب جمع كلب. والكلب من ذوات الناب، وهو يعدو بنابه على الإنسان، وهو عند مالك حرام. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: وقد علمت أن في الكلب الإنسي قولين بالحرمة والكراهة، وصحح ابن عبد البر التحريم. وقال في الجلاب: ولا تؤكل الكلاب. قال الحطاب: ولم أر في المذهب من نقل إباحة أكل الكلب اهـ. ولا يجوز للمفتي أن يفتي بأكل الكلاب اهـ. قال العلامة الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة: المالكية لهم في الكلب قولان: قول بالكراهة وقول بالتحريم. والثاني هو المشهور، ولم يقل بحل أكله أحد. وقالوا: يؤدب من نسب

стр. 580

حله إلى مالك اهـ. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثانية في السباع كالأسد والذئب والفهد والنمر والكلب فهي مكروهة. وقيل جميعها محرمة وفاقاً لهم. وقيل تحرم العادية منها ولا تحرم غير العادية اهـ فتحصل أن في الكلاب وكل ذي ناب فيه قولان في الم ١ هب: بالتحريم، والكراهة، القول بالكراهة هو المنصوص لأئمة المذهب، والقول بالتحريم هو مذهب الإمام في الموطأ وإليه ذهب باقي أئمة المذاهب رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: " والأظهر في الخيل الكراهة كحمار الوحش يتأنس ويحمل عليه " يعني كما نقل المواق من المدونة عن مالك قال: لا تؤكل البغل والخيل والحمر. قال وإذا دجن حمار الوحش وصار يعمل عليه لم يؤكل. وقال ابن القاسم لا بأس بأكله. قال ابن يونس وجه قول مالك فلأنه لما تأنس وصار يعمل عليه صار كالأهلي. ووجه قول ابن القاسم أنه صيد مباح أكله فلا يخرجه عن ذلك التأنس كسائر الصيد اهـ وقال في الموطأ: إن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لأن الله ﵎ قال: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] أي لا للأكل. وفي الرسالة: نهى ﵊ عن أكل كل ذي ناب، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية، ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقوله تعالى ﴿لتركبوها وزينة﴾ اهـ بالمعنى قال ابن جزي: ذوات الحوافر فالخيل مكروهة، وقيل حلال وفاقاً للشافعي. وقيل محرمة. والحمير مغلظة الكراهية، وقيل محرمة وفاقاً لهم. والبغال كذلك. قال اللخمي: الخيل أخف من الحمير والبغال بينهما، وأما الحمار الوحش فحلال، فإن دجن وصار يحمل عليه فقولان أي جاريان بين مالك وابن القاسم كما تقدم. قال في الرسالة: ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية، أي المستمرة على توحشها فإن الذكاة تنفع فيها من حيث الأكل والطهارة وحل البيع، وأما لو تأنست فلا تنفع فيها لأنها صارت كالإنسية اهـ النفراوي.

стр. 581

قال رحمه الله تعالى: " والخنزير حرام " ولا خلاف بين الأمة الإسلامية في تحريم خنزير البر سواء كان أهلياً أصلاً أو وحشياً تأنس أم لا. والخلاف في خنزير البحر، وقد اختلف فيه أهل العلم، وتوقف فيه الإمام نظراً في اسمه، ثم أباحه ولو ميتاً لأنه من صيد البحر، ولحديث " الطهور ماؤه الحل ميتته " وأما خنزير البر فهو حرام قولاً واحداً، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣] الآية. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه " الحديث. قال في الرسالة: وكل شيء من الخنزير حرام. والآيات والأحاديث في تحريم الخنزير كثيرة ولا حاجة إلى جلب النصوص لوضوح الأدلة في ذلك. قال رحمه الله تعالى: " ولا يؤكل الفيل والدب والقرد والنمر والمستقذرات من خشاش الأرض أو ما يخاف ضرره " وما ذكره من النهي عن أكل الفيل وما عطف عليه هو كذلك، لكنه محمول على الكراهة كما تقدم من نصوص أئمة المذهب. قال العدوي في الحاشية: المشهور عند المالكية الكراهة. وقال الخرشي: المشهور أنه مكروه الأكل؛ لأنه ذو ناب، ومثل الفيل الدب اهـ. وقال عبد الوهاب: النهي عندنا عن أكل كل ذي ناب محمول على الكراهة اهـ. روى المدنيون عن مالك تحريم كل ما يعدو من هذه الأشياء، وما لا يعدو يكره أكله كما تقدم. وأما المستقذرات إلخ قد قال الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفقه: لا نزاع عند المالكية في تحريم كل ما يضر، فلا يجوز أكل الحشرات الضارة قولاً واحداً، أما إذا اعتاد قوم أكلها ولم تضرهم وقبلتها أنفسهم فالمشهور عندهم أنها لا تحرم، فإذا أمكن تذكية الثعبان مثلاً بقطع جزء من عند رأسه ومثله من عند ذنبه بحالة لا يبقى معها سم، وقبلت النفس أكله بدون أن يلحق منه ضرر حل أكله، ومثله سائر حشرات الأرض. ونقل عن بعضهم تحريم الحشرات مطلقاً لأنها من الخبائث

стр. 582

وهو وجيه. قال وعلى القول المشهور من جلها فلا تحل إلا إذا قصدت تذكيتها، وتذكيتها فعل ما يميتها بالنارأو بالماء الساخن أو بأسنان أو غير ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والظاهر أنه لا تؤكل ميتة الجراد ودود الطعام منفرداً عنه " يعني لا يجوز أكل ميتة الجراد، كما لا يجوز أكل الدود منفرداً عن الطعام، لأن كل واحد منهما يفتقر إلى الذكاة، وذكاتهما بما يموت به. قال خليل: وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به ولو لم يعجل كقطع جناح. قال الحطاب قال في المدونة: ولا تؤكل ميتة الجراد ولا ما مات منه في الغرائر، ولا يؤكل إلا ما قلع رأسه أو سلق أو قلى أو شوي حياً وإن لم يقطع رأسه، ولو قطعت أرجله أو أجنحته فمات من ذلك لأكل انتهى. وأما الدود قال في أقرب المسالك: فإن مات بطعام وميز عنه أخرج لعدم ذكاته، وإن لم يمت جاز أكله بنيتها، وإن لم يميز طرح إلا إذا كان أقل. ثم قال: وأكل دود الفاكهة معها مطلقاً. قال الصاوي: ومن كل ما يخلق في الطعام كدود المشمش وسوس نحو الفول، فإن هذا لا يفتقر لذكاة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتحرم النجاسات، والدماء المسفوحة، وجبن المجوسي، وما يغطي على العقل من النبات " يعني أن النجاسات محرمة شرعاً ولا خلاف فيها بين الأمة الإسلامية. وتقدم للمصنف أنه قال: الميتات والمسكرات كلها نجسة، وكذلك قوله وأجزاء الميتة نجسة إلا الشعر، وكذا قوله: ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح وغير ذلك، وتقدم لنا أيضاً أن النجاسة المجمع عليها في المذهب بلغت إلى ثماني عشرة، وكذا المختلف فيها. وتقدم جميع ذلك فراجعه إن شئت. وأما جبن المجوس فحرام على ما أفتى به أئمة المذهب. قال النفراوي: عند قول الرسالة ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي إلخ. فيجوز لنا أكل خبز المجوسيين وزينتهم حيث تيقنت طهارته، لا إن شك في طهارته فيحرم علينا أكله حيث غلب مخالطته للنجاسة كجبنهم، لأن ابن رشد حمل الكراهة الواقعة في العتبية على التحريم لما فيه

стр. 583

من المنفحة المأخوذة من ذبائحهم، حتى قال خليل في توضيحه. المحققون على تحريمه، حتى قال: لا ينبغي الشراء كمن حانوت فيه جبنهم لتنجيسه الميزان ويد بائعه اهـ. قال زروق: وفي العتبية كراهة جبن المجوس لما يجعل فيه من أنافح الميتة، وأما الزيت والسمن فلا أرى به بأساً،، فحمله ابن رشد على التحريم، وحمله غيره على ظاهره من الكراهة. وسئل مالك عن جبن الرم فقال: ما أحب أن أحرم حلالاً، وأما أن يكرهه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأساً، وأما أني أحرمه فلا أدري ما حقيقته. وقيل إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير وهم نصارى، وما أحب أن أحرم حلالاً. وقال القرافي بتحريم قديد الروم وجبنهم، وصنف فيه الطرطوشي مرجحاً تحريمه. قال زروق: وعلى كل حال فتركه متعين على كل مشفق على دينه اهـ وأما قوله: وما يغطي على العقل من النبات وهو معطوف على النجاسات، المعنى ويحرم تعاطي أي شيء يغطي العقل من النبات وغير النبات مما يضر العقل أو البدن. قال الدردير في أقرب المسالك: والمحرم ما أفسد العقل أو البدن. ثم قال: وما أفسد العقل من الأشربة يسمى مسكراً وهو نجس ويحد شاربه قل أو كثر. وأما ما أفسد العقل من النبات كحشيشة وأفيون وسيكران وداتورة، أو من المركبات كبعض المعاجين فيسمى مفسداً ومخدراً ومرقداً، وهو طاهر لا يحد مستعمله بل يؤدب، ولا يحرم القليل منه الذي لا أثر له اهـ. قلت هذا في غير المسكر، وأما المسكر فلا يجوز تناوله ولو قليلاً. قال في الرسالة: وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها، وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر، وبين الرسول ﷺ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام، وكل ما خامر العقل فأسكر، من كل شراب فهو خمر اهـ. وهذا ظاهر في تحريم جميع المسكرات وإن قلت. والله هو الهادي إلى الصراط المستقيم. قال رحمه الله تعالى: " وحرم ابن ماجشون الطين وكرهه غيره " وهو عبد الملك

стр. 584

بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الملك بن الماجشون فقيه ابن فقيه، تلقى العلم عن أبيه وعن الإمام مالك، ودارت عليه الفتيا في أيامه إلى أن مات. وكان قاضياً في المدينة بزمنه. انظر الديباج اهـ يعني أن ابن الماجشون ذهب إلى أن الطين حرام لضرره على آكله، وذهب غيره وهو محمد بن المواز إلى أن الطين مكروه وهما قولان. والمشهور عند ابن عرفة عدم جواز أكله كما في الحطاب. قال في حاشيته على الدردير: تتمة، يحرم أكل ابن عرس لعمى آكله كما قاله الشيخ عبد الرحمن، ويحرم الطين والتراب للضرر، وقيل يكرهان ويحرم الوزغ للسم. ولا يجوز أكل مباح ولده محرم كشاة من أتان، ولا عكسه كأتان من شاة وأما نسل ذلك المحرم الذي ولده المحرم فيؤكل حيث كان مباحاً لبعده كما أفاده المجموع والحاشية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويباح للمضطر أكل ما يرد جوعاً أو عطشاً من المحرمات " قال النفراوي: المضطر وهو من وصل في الجوع إلى ما لا يستطيع الصبر عليه ولو لم يصل إلى الإشراف على الموت، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ولا يشترط صبره ليشرف " بل له الأكل قبل الوصول إلى تلك الحالة. قال في الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإذا استغنى عنها طرحها اهـ. ولا فرق في تلك الأحكام بين الحضر والسفر، فيحل للمضطر أكل الميتة ولو كان عاصياً بسفره، بخلاف قصر الصلاة والفطر في رمضان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن وجد طعام الغير فأكل بيعه أو مواساته غصبه والظاهر أنه لا يضمنه " يعني فإن وجد المضطر طعام الغير قدمه على الميتة إن باعه له ولو على الذمة أو واساه، فإن أبى عن جميع ذلك غصبه. قال الدردير: وقاتله عليه بعد الإنذار بأن يعلمه أنه مضطر، وإن لم يعطه قاتله، فإن قتل صاحبه فهدر لوجوب ذلك للمضطر، وإن قتل المضطر فالقصاص بشرط الكفارة اهـ. قال العدوي: تنبيه: محل جواز

стр. 585

أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير، وإلا قدمه، ما لم يخف القطع أو الضرب الشديد فيما لا قطع فيه، فإذا أكل من طعام الغير عند عدم خوف القطع أو الضرب فقيل يقتصر على سد الرمق من غير شبع وتزود، وإليه ذهب المواق. وقيل يشبع ولا يتزود وإليه ذهب الحطاب. قلت: وإلى القول الأول ذهب النفراوي. قال: ولا ثمن عليه إن لم يكن معه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمحرم يجتزئ بالميتة عن الصيد إلا أن يخاف ضررها كخوف عقوبة المال " يعني أن المحرم بحج أو عمرة إذا كان مضطراً ووجد الميتة ومعه صيد فإنه يقتصر على الميتة ولا يذبح الصيد إلا إذا خاف ضرر الميتة بأن صارت سماً قاتلاً، كما يخاف عقوبة في أكل مال الغير فحينئذ يترك ما فيه ضرر، لأن حفظ النفس واجب. قال الدردير في أقرب المسالك: وقدم الميتة على خنزير وصيد محرم، لا على لحمه، والصيد على الخنزير، ومختلفاً فيه على متفق عليه، وطعام الغير على ما ذكر إلا لخوف كقطع اهـ. قال الصاوي: واعلم أن اشتراط عدم خوف القطع إنما هو إذا وجد الميتة أو الخنزير أو لحم المحرم، وإلا أكل ولو خاف القطع كما في الأجهوري لأن حفظ النفوس مقدم على خوف القطع والضرب. وحيث أكل الطعام بالوجه المذكور فلا ضمان عليه إذا لم يكن معه ثمن لأنه لم يتعلق بذمته كما تقدم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يتداوى بنجس شرباً وفي الطلاء قولان، بخلاف إساغة الغصة بخمر ونحوها " المشهور من القولين عدم الجواز. قال ﵊: " إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء ولا تتداووا بحرام " اهـ قال في الرسالة: ولا يتعالج بالخمر، ولا بالنجاسة، ولا بما فيه ميتة، ولا بشيء مما حرم الله . قال النفراوي: أي يحرم التداوي به. قال خليل: لا دواء ولو طلاء لخبر " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " إلا ما قام الدليل عليه مثل أن يدفع

стр. 586

الخمر غصة أو عطشاً على قول، وينبغي إلا أن يتعين طريقاً للدواء فيجوز لأنه مثل الغصة، وأيضا كما لا يجوز التداوي بالخمر كذلك لا يجوز بعين النجاسة غير الخمر، ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله تعالى. وظاهر الحديث عموم حرمة التداوي بالنجس ولو في ظاهر الجسد ولو غير خمر. وقال الصاوي وأما هو فيحرم التلطيخ به اتفاقاً. فتحصل أن عين النجاسة والخمر لا يتداوى بهما ولو على ظاهر الجسد، إلا لحم الميتة للمضطر، وإلا الخمر لإساغة الغصة فقط، قال الصاوي: فلا يجوز التداوي أي بالخمر إلا ما استثني لضرورة، إذ الضرورات تبيح المحظورات اهـ. قال ابن جزي: ولا يحل التداوي بها في المشهور. وقيل يجوز وفاقاً للشافعي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمائعات النجسة حرام " كدم وبول ومسكر كلها حرام لا يجوز شربها ولا استعمالها في دواء ولا طلاء في الجسد. قال رحمه الله تعالى: " كالمسكرات " تشبيه للمائعات النجسة التي هي حرام. قال رحمه الله تعالى: " لا العصير والسوبيا والفقاع والعقيد المأمون سكره والخل ينقلب عن خمر " فهذه الأشياء الخمسة كلها طاهرة مباحة. والمعنى لا يحرم العصير فإنه مباح غير مسكر، وهو ماء العنب المعصور أول عصره. ومن المباح السوبيا وهي شراب يتخذ من الأرز، صفة ذلك أنه يطبخ الأرز طبخاً شديداً حتى يذوب في الماء ويصفى بنحو منخل ويحلى بالسكر أو العسل. ومن المباح الفقاع وهو شراب يتخذ من قمح وتمر. وقيل ما جعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل إليه. ومن المباح العقيد المأمون سكره وهو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه، ولا يحد غليانه بذهاب ثلثه مثلاً وإنما المعتبر زوال إسكاره كما هو شرط الجميع. ومن المباح الخل المنقلب عن الخمر بأن زوال ما فيه من صفة الخمر وصيرورته طاهراً غير مسكر اهـ. وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: " إن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً فقال لا " رواه مسلم والترمذي. قوله:

стр. 587

تتخذ خلاً أي تعالج حتى تصير خلاً فيحل تناوله. قال: لا. وعن عائشة قالت: كنا ننبذ للنبي ﷺ في سقاء يوكى أعلاه وله عزلاء أي ثقب في أسفله ننبذه غدوة فيشربه عشاء وننبذه عشاء فيشؤبه غدوة اهـ رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن ابن عباس: قال: " كان النبي ﷺ ينقع له الزبيب مساء فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق " اهـ رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية " كان ينبذ للنبي ﷺ ، فإذا لم يجدوه نبذوا له في تور من حجارة " اهـ قال العلامة الشيخ منصور على في غاية المأمول: ففي هذه النصوص جواز الانتباذ وشربه ولو أياماً ما دام حلواً إلا إذا اشتد وتغير وصار مسكراً فإنه يحرم لأنه صار خمراً. ومن هذا ما يصنعه عندنا بائعو الشراب كشراب الزبيب والتين فهو من نوع ما كان في زمنه ﷺ اهـ والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: " والظاهر كراهة المخلل " على المشهور في المذهب كما نقل عن الإكمال. قال رحمه الله تعالى: " كالخليطين " أي كما يكره شرب الخليطين وهو ما يخلط من الاثنين كتخليط الزبيب بالتمر أو التين أو المشمش أو نحو ذلك سواء خلطاً عند الانتباذ أو عند الشرب، وعلى كل حال حكمه الكراهة على المشهور في المذهب. قال ابن جزي: الفرع الثالث يكره انتباذ الخليطين وشربهما كالتمر والزبيب وإن لم يسكر، وحرم قوم الخليطين وأباحهما قوم ما لم يسكر اهـ. قال الصاوي: تنبيه: إذا طرح شيء في نبيذ نفسه كطرح العسل في نبيذ نفسه، والتمر في نبيذ نفسه كان شرابه جائزاً، كما أن اللبن المخلوط بالعسل كذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا بأس بمخلل الكتابيين " أي يباح شربه ما لم يسكر والله أعلم. ولما أنهى الكلام على الأطعمة والأشربة انتقل يتكلم على النكاح وما يتعلق به من الأحكام والشروط فقال:

стр. 588

كتاب النكاح أي في بيان ما يتعلق بذكر مهماته ومسائله من صداق وطلاق وعدة ورجعة وخلع وظهار ولعان وإيلاء ونفقة ورضاع وغيرها من المسائل. وهو باب مهم ينبغي زيادة الاعتناء به. والنكاح لغة: حقيقة في الوطء مجاز في العقد. وأما اصطلاحاً فعلى العكس، أي حقيقة في العقد مجاز في الوطء. والأصل فيه الندب لما فيه من التناسل وبقاء النوع الإنساني وكف النفس عن الزنا الذي هو من الموبقات. فبدأ ﵀ ببعض مسائله فقال: " يباح النظر لإرادة النكاح " يعني اتفق الأئمة على جواز نظر وجه المخطوبة وكفيها قبل نكاحها، بل قال بعضهم: إن النظر قبل العقد مندوب، لكن المعتمد جواز ذلك كما يفيده النقل، انظره في حاشية الخرشي. وفي الحديث عن أبي هريرة أنه قال: " كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً " رواه مسلم والنسائي. وعن جابر عن النبي ﷺ قال: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " رواه أبو داود والشافعي والحاكم وصححه. وعن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه النسائي والترمذي وحسنه. قال العلامة الشيخ منصور على في غاية المأمول: ففي هذه النصوص طلب النظر إلى المخطوبة، والمطلوب النظر إلى وجهها وكفيها فقط، فإن حسنهما يدل على بقية الجسم، وللزوجة أن تنظر من الرجل ذلك أيضاً. ومن لم يمكنه النظر بنفسه فليرسل من تنظرها وتصفها له؛ لأن النبي ﷺ بعث أم سليم لتنظر له امرأة يريد زواجها اهـ.

стр. 589

قال رحمه الله تعالى: " وخطبة جماعة امرأة " معطوف على النظر يعني ويباح للجماعة أن يخطبوا امرأة في أول أمرها قبل ركونها أو وليها إلى أحد من الخطاب: قال ابن رشد في المقدمات: لا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة وأكثر على خطبة المرأة. وقد روي أن جرير بن عبد الله البجلي سأل عمر بن الخطاب، ﵁، أن يخطب عليه امرأة من دوس ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها والمرأة جالسة في قبتها عليها سترها، فسلم عمر فردوا السلام وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه ﵊ ثم قال: إن جرير بن عبد الله البجلي يخطب فلانة وهو سيد المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطبها وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت: أجاء أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قالت: قد زوجت يا أمير المؤمنين زوجوه فزوجوه إياها فولدت له ولدين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإذا ركنت إلى أحدهم لم يجز لغيره إلا أن يرغب الأول عنها " لخبر: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له " رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال في الرسالة: ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه. وذلك إذا ركنا وتقاربا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أنه لا يفسخ ولكن يتحلل منه، فإن أبى عليه استغفر الله " يعني أنه قد كثرت أقوال العلماء في فسخ هذا النكاح وعدم فسخه. قال بعضهم: يفسخ قبل الدخول وبعده. وقال بعض: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده. وقال بعض: يفسخ ما لم يطل. وقال بعض: يفسخ ولو طال ولو ولدت الأولاد. فأجاب المصنف بقوله: والصحيح أنه لا يفسخ إلخ، يعني الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يفسخ النكاح المذكور، وغاية الأمر أن يرضيه ويحلله فيما أرتكبه من فعل المنهي عنه، فإن حلله وسامحه فلله الحمد وإلا فليستغفر الله تعالى ويتب إليه عن مثل ذلك.

стр. 590

ثم قال رحمه الله تعالى: " وينعقد بكل لفظ يدل على تأبيد ملك منافع البضع والاستيجاب ويكفي القابل قبلت " هذا شروع فيما ينعقد به النكاح من الصيغة وهي الإيجاب والقبول. وهي اللفظ الدال على إثبات النكاح، ينشأ من ولي وزوج أو وكيليهما. فالصيغة من الولي نحو أنكحتك أو زوجتك أو وهبتك، لكن لا بد في هذا الأخير أن يقرن بذكر الصداق المعين نحو وهبتك بنتي أو وليتي فلانة على أن تصدقها مائة دينار مثلاً أو ما اتفقا عليه، فإن لم يعين الصداق فلا ينعقد على المشهور. ذكره بهرام وقيل ينعقد وهو لابن القصار. أو يقول في صيغة الهبة وهبتها لك تفويضاً ويكون فيه صداق المثل. ولا ينعقد بغير هذه الثلاثة على المذهب، يعني أنكحتك أو زوجتك، أو وهبتك. فلو قال بعت، أو ملكت، أو أبحت أو حللت، أو أطلقت لك التصرف فيها، أو تصدقت، أو أعطيت، أو منحت، قاصداً بواحدة من هذه الصيغ النكاح، سواء سمى الصداق أم لا، وكذا وهبت إذا لم يذكر الصداق. فالمذهب عدم الانعقاد. وهذا كله مرور على طريقة صاحب الشامل اهـ ومقتضى ما ذكره المصنف وما مشى عليه الأجهوري أنه ينعقد بواحدة من تلك الصيغ كلها إذا اقترن بذكر الصداق. قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل وصيغة بأنكحت وزوجت، وبصداق وهبت. وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعث كذلك، تردد اهـ. وأما الصيغة من الزوج تكون بنحو قبلت ورضيت. هذا إذا كان الزوج هو القابل بنفسه. وأما وكيله فيقول قبلت له نكاحها، أو قبلت لفلان. ومثل اللفظ الإشارة للعاجز منهما كالأخرس اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والولي شرط وهو المسلم الذكر الحر المكلف الرشيد. واختلف في العدالة والأظهر أنها شرط كمال " وما ذكره من أن الولي شرط في النكاح مثله لابن جزي، خلافاً لما في المختصر من أن الولي ركن في النكاح وهو المشهور. قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل صيغة اهـ. فتحصل أن الولي ركن

стр. 591

على المشهور في المذهب، ومن صفته أن يكون مسلماً، فلا يزوج الكافر المسلمة، وأن يكون ذكراً فلا تصح ولاية الأنثى نفسها ولا على غيرها، وأما ولاية الزوج فلا يشترط فيها الذكورية. وأن يكون حراً فلا تصح ولاية العبد ومن فيه شائبة رق. ويفسخ ما عقده ولو بعد الدخول، ولها المهر المسيس. وأن يكون مكلفاً فلا ولاية لمجنون ولا لصبي وأن لا يكون محرماً بحج أو عمرة، فلا تصح ولاية من أحرم بأحدهما حتى يتم أركان نسكه كالزوجين. وأن يكون رشيداً فلا تصح ولاية السفيه إلا أن يكون إذا رأى وأذن له وليه. واختلف في العدالة، قال المصنف: والأظهر أنها شرط كمال، وهو كذلك على المشهور. قال الدردير: إذ فسقه لا يخرجه عن الولاية، فيتولى غير العدل عقد نكاح ابنته، أو ابنة أخيه، أو معتوقته إذا لم يوجد لها عاصب نسب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي قسمان: نسب وهم العصبات فيقدم أقواهم تعصيباً " يعني أن الولاية تنقسم على قسمين الأول النسب، والثاني السبب، وسيأتي الكلام عليه. وأما النسب فيتولى العقد أقرب رجل للمرأة من عصبتها كما قال المصنف. وقال أبو محمد في الرسالة: والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق. وإن زوجها البعيد مضى ذلك. يعني أن الابن أولى بتزويج أمه من الأب على المشهور لا أقوى العصبة، وأنه أحق بموالي مواليها من الأب، وأولى بالصلاة عليها منه ولأن الأب يكون معه صاحب فرض، وابن الابن وإن سفل مثل الابن في ذلك اهـ أبو الحسن: فإن لم يكن لها أب فأخوها ثم ابنه، ثم الجد، فالعم، ثم ابن العم، يقدم الأقرب فالأقرب هكذا. قال رحمه الله تعالى: " وللأب إجبار البكر وإن بلغت، والثيب الصغيرة وفي العانس قولان " يعني للأب إجبار ثلاث من بناته الأولى البكر ولو عانساً على المشهور إلا إذا رشدها، أو أقامت سنة ببيت زوجها ثم تأيمت فلا جبر له عليها، الثانية بنته الثيب الصغيرة بأن تأيمت ورجعت إليه قبل البلوغ، بعد أن أزال الزوج بكارتها

стр. 592

فله جبرها. الثالثة بنته المجنونة ولو كانت بالغاً ثيباً له جبر عليها، ولا كلام لولدها إن كان لها ولد رشيد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يمنعه الثيوبة بسقطة أو زناً كرجوع البكر قبل المسيس " يعني أن البكر إذا زالت بكارتها بعارض كسقطة أو زناً ولو تكرر، أو ضربة، أو حمل شيء ثقيل، أو بعود نحو ذلك فإن ذلك لا يمنع الأب عن إجبارها، بل له جبرها ولو عانساً. وفي الرسالة: وللأب رإنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت، وإن شاء شاورها. قال رحمه الله تعالى: " وغيره بالإذن في البالغة العاقلة، فإذن البكر صماتها والثيب نطق " يعني أن غير المجبر لا يزوج امرأة إلا بإذنها إن كانت بالغة عاقلة. قال في الرسالة: ولا يزوج الثيب أب، ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول، وأما البكر فإذنها صماتها، كما في الحديث الصحيح عن مالك بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها " اهـ رواه في الموطأ. قال رحمه الله تعالى: " والصحيح بطلان العقد على اليتيمة إلا أن يخاف عليها " قال الصاوي في حاشيته على الدردير. واعلم أن البنت إذا مات أبوها أو غاب وكفلها رجل، أي قام بأمورها حتى بلغت عنده، أو خيف عليها الفساد سواء كان مستحقاً لحضانتها شرعاً أو كان أجنبياً فإنه يثبت له الولاية غليها، ويزوجها بإذنها أن لم يكن لها عصبة، وهل ذاك خاص بالدنيئة وهو ظاهر المدونة، فلذا اقتصر عليه الشارح، أو حتى في الشريفة خلاف قلت هذا ما لم يكن حاكم شرعي وإلا فالحاكم هو ولي من لا ولي له كما في الحديث. قال ابن جزي في القوانين: وأما السلطان فيزوج البالغة عند عدم الولي أو عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة. وقيل: يجوز له وللقرابة تزويجها إن دعتها

стр. 593

ضرورة ومستها حاجة وكان مثلها يوطأ اهـ. قال العلامة الدسوقي: والحاصل أن بلوغها عشراً مطلوب لمراعاة القول الآخر وهو مذهب المدونة ومثله في الرسالة، لأن اليتيمة لا تزوج إلا إذا بلغت. وليس شرطاً يتوقف عليه تزوجها على القول الذي جرى به العمل بتزويجها، وكذلك مشاورة القاضي وإن كانت واجبة ليس شرعاً على ما علمت، فلذا قال العدوي: المعتمد في هذه المسألة ما ارتضاه المتأخرون من أن المدار على خيفة الفساد، فمتى خيف عليها الفساد في مالها أو في حالها زوجت، بلغت عشراً أو لا رضيت بالنكاح أم لا، فيجبرها وليها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها، فإن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح النكاح إن دخل وطال. وإن خيف فسادها وزوجت من غير مشاورة القاضي صح إن دخل وإن لم يطل اهـ. هذا هو الحاصل في معنى قول خليل: إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشراً وشور القاضي، وإلا صح إن دخل وطال اهـ انظر شراحه وإليه أشار الناظم رحمه مولاه بقوله: وزوجت يتيمة بالنطق ... من كفئها بالنقد خوف الفسق وشوور القاضي وعشراً بلغت ... بمهر مثل عجلوه قد ثبت قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعوا قدم أرشدهم، فإن استووا فأسنهم، فإن استووا عقدوا جميعاً فإن عقد أحدهم مضى كعقد الأبعد، فإن تنازعوا فالسلطان، فإن عضل بعضهم عقد غيره كغيبة الأحق " يعني إذا تشاح الأولياء المتساوون في درجة واحدة كإخوة كلهم علماء نظر الحاكم فيمن يقدمه منهم، وإن لم يكن حاكم أقرع بينهم. وقيل يعقدون معاً وعليه المصنف. وفي حاشية الخرشي: فإن تنازعوا في العقد فيقدم السلطان أفضلهم، فإن تساووا فيه فأسنهم، فإن استووا فيه زوج الجميع. وهذا هو الذي يجب المصير إليه اهـ. وأما إن عضل عليها بعضهم فإن العاضل يسقط حقه فيزوجها غيره على كفئها أو السلطان. قال في المدونة: فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، أو

стр. 594

يكون لها ولي فيمنعها عضلاً لها فإذا منعها فقد أخرد نفسه من الولاية بالعضل. وقال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " اهـ قال ابن جزي في القوانين: إن عضل الولي المرأة أمره السلطان بإنكاحها، فإن امتنع زوجها السلطان وذلك إذا دعيت إلى كفء وبصداق مثلها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو أذنت لوليين فزوجها كل جاهلاً بعقد الآخر فإن ظهر عليه قبل البناء وجهل السابق فسخا، وإن علم ثبت، وإن دخل الثاني جاهلاً فاتت الأول " هذه هي المسألة التي تسمى بذات الوليين، هي امرأة أذنت لوليها في عقد نكاحها، فعقد كل منهما برجل بدون علم الآخر ولا سابق في العقد، فالحكم فيه الفسخ معاً، هذا ما لم يعرف السابق في الدخول وإلا فالسابق بالدخول أحق بها إن دخل وهو جاهل بالأول. قال في المدونة: وإذا وكلت المرأة كل واحد من ولييها فزوجها هذا من رجل وهذا من رجل فالنكاح لأولهما إذا عرف الأول، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها أي ما لم يكن في عدة وفاة الأول حين دخوله بها فيفسخ لأنه ناكح في العدة، ولا يفسخ إذا طلق الأول قبل موته. وقبل تلذذه بها لأنها في غير عدة اهـ مع طرف من المواق. قال ابن جزي: إن زوجها وليان من رجلين فالداخل من الزوجين أولى إذا لم يعرف السابف اهـ. قال الدردير: وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول إن لم يتلذذ بها الثاني غير عالم، وإلا فهي له أي الثاني إن لم يكن عقده في عدة وفاة الأول ولم يتلذذ بها قبله أي قبل تلذذ الثاني فتحصل أن شروط كونها للثاني ثلاثة: أن يتلذذ بها غير عالم بأنه ثان، وأن لا يكون عقده في عدة الأول، وأن لا يسبقه الأول بالتلذذ بها. ثم قال وفسخ بلا طلاق إن عقدا بزمن واحد كنكاح الثاني إن شهدت بينة على إقراره فبل دخوله بها أنه ثان أي إذا شهدت بينة على الثاني أنه قبل دخوله عليها أقر على نفسه أنه ثان فإن نكاحه يفسخ بلا طلاق، وتكون للأول لأنه ثبت أنه تلذذ بها عالماً لا إن أقر بعد الدخول

стр. 595

فيفسخ بطلاق كجهل الزمن اهـ. ثم ذكر القسم الثاني من قسمي ولاية النكاح فقال رحمه الله تعالى: " الثاني سبب " يعني الثاني من قسمي الولاية السبب وهما ما يتوصل به إلى أمر من الأمور، وهو غير النسب، وكل من حصل له سبب من أسباب الولاية تثبت له الولاية بذلك السبب سواء كان السبب وصية أو غيرها مما هو سبب ولاية كالعتق. ولما كان الوصي أقوى الأولياء، بدأ به رحمه الله تعالى: " فوصي الأب مقدم في البكر وفي الثيب إسوتهم، وذو الولاء عند عدم عصبة النسب، والمولاة تستخلف، ثم الحاكم، ثم العامة وهي ولاية الدين، فإن عقد مع وجود المجبر فباطل، ومع غيره يمضي في الدنية وفي غيرها للأخص الخيار " يعني أن وصي الأب مقدم على سائر الأولياء في تزويج البكر لأنه مجبر كالأب. قال خليل: وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما الوصي من قبل الأب ووصي فيقومان في العقد مقام الأب خلافاً للشافعي، وله الجبر والتزويج قبل البلوغ وبعده من غير استيمار إن جعل له الأب بذلك، وهو أولى من القرابة، واستحب بعض المتأخرين أن يعقد الولي بتقديم الوصي جمعاً بين الوجهين، فإن عقد الوصي جاز وإن لم يأذن الولي، وإن عقد الولي دون إذن الوصي جاز في الثيب لا في البكر. وأما الوصي من القاضي فيعقد بعد البلوغ لا قبله، ولا يجبر ويجب استيمارها، وإن كان الوصي امرأة استخلفت من يعقد اهـ. وأما قوله وفي الثيب إسوتهم يعني ينبغي للأفضل من الأولياء أن يتقدم في تزويج الثيب بإذنها ورضاها بالقول كما تقدم. ومما ينبغي الاعتناء به أن يقدم أولياء النسب على أولياء الولاء في المعتوقة. قال ابن جزي: وأما المولى فهو المعتق فيعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة، وتستخلف المعتقة من يعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة. ولا ولاية للمولى الأسفل أي مع الأعلى اهـ. وممن يستحق ولاية النكاح بالسبب الحاكم، فيتقدم في تزويج البالغة عند عدم الولي أو

стр. 596

عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة على ما تقدم بيانه في ذلك فراجعه إن شئت. وأما الولاية العامة فهي آخر الرتبة في ولاية النكاح. قال ابن جزي: فتجوز في المذاهب إذا تعذرت الولاية الخاصة، فأما مع وجودها فقيل لا تجوز أصلاً وفاقاً لهم أي لجمهور الأئمة. وقيل تجوز في الدنية التي لا خطر لها وكل واحد كفؤ لها بخلاف غيرها اهـ. قوله بخلاف غيرها إشارة إلى الشريفة فإن زوجت مع وجود الولي الخاص فللولي أو الحاكم النظر في إمضائه ورده بحسبما تقدم، وأما مع وجود المجبر فيفسخ مطلقاً سواء دخل بها أو لم يدخل في الدنية أو الشريفة ولو أمضاه المجبر على المشهور إلا في حالة التفويض بأن شهدت البينة أن المجبر فوض جميع أموره له من إنكاح بناته وتصرف بماله فهذا إذا زوج فلا يفسخ ما عقد على بنات المجبر بشرط أن يكون المفوض عليه أباً للمجبر أو ابناً أو أخاً أو جداً، وأما إذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه غإنه لا يصح ويفسخ العقد ولو أجازه الولي. قال في فقه المذاهب: وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة اهـ أنظره. قال رحمه الله تعالى: " وللولي فيما يباح له تولي طرفي العقد بإذنها ورضاها به " يعني يجوز على الولي أن يتولى عقد نكاح وليته لنفسه على نفسها برضاها وإذنها. قال خليل: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولي الطرفين اهـ. قال ابن جزي: الفرع الخامس يجوز لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسها ويتولى طرفي العقد خلافاً للشافعي، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها اهـ. قال بعضهم: ولا يحتاج لقوله قبلت لأن قوله تزوجتك فيه قبول. وقال تاشيخ سالم: قوله تزوجتك بكذ إيجاب وقبول من جانبه، وكأنه قال: تزوجنك وقبلت اهـ من حاشية الخرشي. قال رحمه الله تعالى: " ومعين المرأة كفؤاً أولى من معين الولي " يعني إذا عينت

стр. 597

المرأة كفؤاً لها، وعين الولي كفؤاً غيره فكفؤها مقدم على كفئه. قال خليل: وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى، فيأمره الحاكم ثم زوج اهـ قال الخرشي: يعني أنه يجب على الولي غير الأب في البكر إجابة المرأة إلى كفء معين دعت إليه وهي بالغة لأنها لو لم تجب لذلك مع كونها مضطرة إلى عقده كان ذلك ضرراً بها، فإن دعا الولي إلى كفء غير كفئها أجيبت وكان كفؤها أولي من كفئه لأنه أدوم للعشرة فيأمره الحاكم أن يزوج من دعت إليه، فإن فعل فواضح وإن تمادى على الامتناع فيسأله عن وجهه، فإن رآه صواباً ردها إليه وإلا عد عاضلاً برد أول كفء، وحينئذ يزوجها الحاكم بعد ثبوت ثيوبتها عنده وملكها أمر نفسها، وإن المهر مهر مثلها وكفاءة الخاطب، وإن شاء رد العقد لغير العاضل من الأولياء إن كان اهـ بحذف. قال رحمه الله تعالى: " والكفاءة الدين، فالمنصوص أن المولى والعبد كفء للحرة العربية " يعني أن الكفاءة تعتبر بالدين والحال ولا تعتبر بالمال والنسب ولا بالحرية على المنصوص في المذهب. فالحرة وذات مال وجاه لها ترك حقها من الكفاءة وتزوج بالعبد والفقير إذا اتفقت هي ووليها. قال خليل: والمولى وغير الشريف والأقل جاهاً كفء. قال الخرشي: يعني أن كل واحد من هذه الثلاثة كفء لمن هو دونها في المرتبة، فالمولى أي العتيق كفء للعربية، وغير الشريف كفء للشريفة، والأقل جاهاً كفء لمن هو أقوى منه جاهاً اهـ ثم قال: وفي العبد تأويلان. وقد علمت أن لها وللأولياء ترك الكفاءة. انظر الحطاب. وأما كون الزوج غير فاسق وهو أيضاً حق المرأة والأولياء معاً. فإن اتفقت معهم على أن تتزوج فاسقاً جاز وقد ظلمت هي وأولياؤها أنفسهم، هذا بشرط الأمن على نفسها منه، فإن لم يؤمن عليها فيجب على الحاكم رد النكاح ولو رضيت هي ووليها لأنه صار الحق لله تعالى لوجوب حفظ النفوس، ولا يلتفت لرضاها ورضا وليها اهـ.

стр. 598

قال رحمه الله تعالى: " وهو حق للمرأة والولي فيجوز اتفاقهما على تركها " يعني أن الكفاءة حق المرأة والأولياء، فإن اتفقت معهم على تركها ماعدا الإسلام جاز، وأما الإسلام فلا يجوز لأحد من الأولياء ولا المرأة تركها إجماعاً لأن الإسلام شرط صحة في نكاح المسلمة. قال رحمه الله تعالى: " ولا ولاء لمسلم على كافرة إلا للسيد في أرقائه فله إجبارهم ولا يجبر هو " يعني أنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً في عقد نكاح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ [الأنفال: ٧٢] إلا ما استثني للسيد في أرقائه فيجوز له تزويجهم وإجبارهم على ذلك سواء كانوا ذكوراً أو أناثاً، ولا يجبر على السيد في ذلك. قال الخرشي: والمعنى أن المسلم إذا كانت له أمة كافرة أو معتقة كذلك، فإنه يجوز له أن يزوجها بشرط أن تكون المعتقة من غير نساء الرجال الذين يؤدون الجزية بأن أعتقها وهو مسلم ببلاد الإسلام فله تزويجها لمسلم أو كافر إن كانت كتابية، فإن كانت من نساء أهل الجزية بأن أعتقها مسلم ببلدهم أو أعتقها كافر ولو ببلد الإسلام ثم أسلم فلا يزوجها إلا أن تسلم اهـ مع طرف من الإكليل. قال رحمه الله تعالى: " فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فله إجازته، لا الأمة ثم ليس له منعه الرجعة ولا إجباره على الفرقة، ولا ينفسخ ببيعه " يعني إن تزوج العبد بغير إذن السيد فالحكم فيه في يد سيده، وأما الطلاق فليس للسيد فيه مدخل. قال في الرسالة: ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد. وقال أيضاً: والطلاق بيد العبد دون السيد اهـ. قال خليل: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط بائنة إن لم يبعه. يعني فإن باعه فليس له رد نكاحه لخروجه عن ملكه وليس للمشتري رده أيضاً لسبق النكاح لملكه إلا إذا رد العبد لبائعه حين ما اشتراه بغير علم بأنه متزوج فله رده اهـ. قال ابن جزي: فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فإن شاء السيد أجازه أو فسخه

стр. 599

بطلقة أو طلقتين، وإن تزوجت الأمة بغير إذن سيدها لم يجز وإن أجازه السيد؛ لأنها لا تعقد نكاح نفسها اهـ وأما الرجعة أي ارتجاع زوجة العبد وليس أيضاً بيد السيد بل بيد العبد كالطلاق كما تقدم والله أعلم اهـ. ولما أنهى الكلام على بعض المسائل المهمات التي ابتدأ بها المصنف انتقل يتكلم على المحرمات من النساء اللاتي يحرم على الإنسان تزوجهن فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن أي في بيان المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن. قال في الرسالة: وحرم الله سبحانه من النساء سبعاً بالقرابة وسبعاً بالرضاع والصهر، فقال : ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءابائكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما حرم من النسب اهـ. وعلى تفسير ذلك عقد المصنف هذا الفصل، وبدأ بما بدأ الله به فقال رحمه الله تعالى: " تحرم الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، ولو من الزنا عند ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون " يعني أن الله سبحانه حرم أصول الشخص وفروعه، فأما أصوله فهن أمهاته، فتحرم عليه أمه التي ولدته وجدته من كل جهة وإن علت، وأما فروعه فهن بناته، وبنات بناته وإن نزلن، ولو كانت البنت من زناً فهي حرام

стр. 600

عليه عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون يجوز نكاحها. قال خليل: وحرم أصوله وفصوله ولو خلقت من مائه. قال الخرشي: يعني الرجل إذا زنى بامرأة فحملت منه بابنة فإنها تحرم عليه، كما يحرم عليه من بناته من ثبت نسبها منه لأن الجميع خلقن من مائه فهي بنت أو كالبنت على المشهور فتحرم عليه وعلى أصوله وفروعه، لا ربيبة، ومثل البنت الابن المخلوق من مائه فيحرم على صاحب الماء تزوج بنته اهـ قال الصاوي على الدردير: ورد بالمبالغة على ابن الماجشون حيث قال لا تحرم البنت التي خلقت من الماء المجرد عن الغقد وما يشبهه من الشبهة على صاحب الماء لأنها لو كانت بنتاً لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح، وذلك منتف عندنا. ومثل من خلقت من ماء الزنا من شربت من لبن امرأة زنى بها إنسان فتحرم تلك البنت على ذلك الزاني الذي شربت من مائه، وهذا ما رجع إليه مالك وهو الأصح اهـ قال القرطبي في تفسير سورة الفرقان: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته أو أخته أو ابنة ابنه من الزنا، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي اهـ أنظر الحطاب. قال رحمه الله تعالى: " والأخت وبنات الأخ وبنات الأخت وإن بعدن " يعني يحرم على الشخص فروع أبويه وهن أخواته فتحرم عليه أخته من كل حهة سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، كما يحرم عليه بناتها وبنات أبنائها وبنات أخيه وإن نزلن، كلهن يحرمن عليه أبداً. قال رحمه الله تعالى: " والعمات والخالات من جميع الجهات " يعني يحرم على الشخص فروع أجداده وجداته وهن عماته وخالاته سواء كن شقيقات لأبيه أو شقيقات لأمه أو ما فوق ذلك من عمات الآباء وخالاتهم، أو من عمات الأمهات وخالاتهن. وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا سواء من قبل الآباء
следующие страницы →