Полный текст (1 296 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة على ما تقدم بيانه في ذلك فراجعه إن شئت. وأما الولاية العامة فهي آخر الرتبة في ولاية النكاح. قال ابن جزي: فتجوز في المذاهب إذا تعذرت الولاية الخاصة، فأما مع وجودها فقيل لا تجوز أصلاً وفاقاً لهم أي لجمهور الأئمة. وقيل تجوز في الدنية التي لا خطر لها وكل واحد كفؤ لها بخلاف غيرها اهـ. قوله بخلاف غيرها إشارة إلى الشريفة فإن زوجت مع وجود الولي الخاص فللولي أو الحاكم النظر في إمضائه ورده بحسبما تقدم، وأما مع وجود المجبر فيفسخ مطلقاً سواء دخل بها أو لم يدخل في الدنية أو الشريفة ولو أمضاه المجبر على المشهور إلا في حالة التفويض بأن شهدت البينة أن المجبر فوض جميع أموره له من إنكاح بناته وتصرف بماله فهذا إذا زوج فلا يفسخ ما عقد على بنات المجبر بشرط أن يكون المفوض عليه أباً للمجبر أو ابناً أو أخاً أو جداً، وأما إذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه غإنه لا يصح ويفسخ العقد ولو أجازه الولي. قال في فقه المذاهب: وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة اهـ أنظره.
قال رحمه الله تعالى: " وللولي فيما يباح له تولي طرفي العقد بإذنها ورضاها به " يعني يجوز على الولي أن يتولى عقد نكاح وليته لنفسه على نفسها برضاها وإذنها. قال خليل: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولي الطرفين اهـ. قال ابن جزي: الفرع الخامس يجوز لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسها ويتولى طرفي العقد خلافاً للشافعي، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها اهـ. قال بعضهم: ولا يحتاج لقوله قبلت لأن قوله تزوجتك فيه قبول. وقال تاشيخ سالم: قوله تزوجتك بكذ إيجاب وقبول من جانبه، وكأنه قال: تزوجنك وقبلت اهـ من حاشية الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " ومعين المرأة كفؤاً أولى من معين الولي " يعني إذا عينت
стр. 597
المرأة كفؤاً لها، وعين الولي كفؤاً غيره فكفؤها مقدم على كفئه. قال خليل: وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى، فيأمره الحاكم ثم زوج اهـ قال الخرشي: يعني أنه يجب على الولي غير الأب في البكر إجابة المرأة إلى كفء معين دعت إليه وهي بالغة لأنها لو لم تجب لذلك مع كونها مضطرة إلى عقده كان ذلك ضرراً بها، فإن دعا الولي إلى كفء غير كفئها أجيبت وكان كفؤها أولي من كفئه لأنه أدوم للعشرة فيأمره الحاكم أن يزوج من دعت إليه، فإن فعل فواضح وإن تمادى على الامتناع فيسأله عن وجهه، فإن رآه صواباً ردها إليه وإلا عد عاضلاً برد أول كفء، وحينئذ يزوجها الحاكم بعد ثبوت ثيوبتها عنده وملكها أمر نفسها، وإن المهر مهر مثلها وكفاءة الخاطب، وإن شاء رد العقد لغير العاضل من الأولياء إن كان اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " والكفاءة الدين، فالمنصوص أن المولى والعبد كفء للحرة العربية " يعني أن الكفاءة تعتبر بالدين والحال ولا تعتبر بالمال والنسب ولا بالحرية على المنصوص في المذهب. فالحرة وذات مال وجاه لها ترك حقها من الكفاءة وتزوج بالعبد والفقير إذا اتفقت هي ووليها. قال خليل: والمولى وغير الشريف والأقل جاهاً كفء. قال الخرشي: يعني أن كل واحد من هذه الثلاثة كفء لمن هو دونها في المرتبة، فالمولى أي العتيق كفء للعربية، وغير الشريف كفء للشريفة، والأقل جاهاً كفء لمن هو أقوى منه جاهاً اهـ ثم قال: وفي العبد تأويلان. وقد علمت أن لها وللأولياء ترك الكفاءة. انظر الحطاب. وأما كون الزوج غير فاسق وهو أيضاً حق المرأة والأولياء معاً. فإن اتفقت معهم على أن تتزوج فاسقاً جاز وقد ظلمت هي وأولياؤها أنفسهم، هذا بشرط الأمن على نفسها منه، فإن لم يؤمن عليها فيجب على الحاكم رد النكاح ولو رضيت هي ووليها لأنه صار الحق لله تعالى لوجوب حفظ النفوس، ولا يلتفت لرضاها ورضا وليها اهـ.
стр. 598
قال رحمه الله تعالى: " وهو حق للمرأة والولي فيجوز اتفاقهما على تركها " يعني أن الكفاءة حق المرأة والأولياء، فإن اتفقت معهم على تركها ماعدا الإسلام جاز، وأما الإسلام فلا يجوز لأحد من الأولياء ولا المرأة تركها إجماعاً لأن الإسلام شرط صحة في نكاح المسلمة.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ولاء لمسلم على كافرة إلا للسيد في أرقائه فله إجبارهم ولا يجبر هو " يعني أنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً في عقد نكاح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ [الأنفال: ٧٢] إلا ما استثني للسيد في أرقائه فيجوز له تزويجهم وإجبارهم على ذلك سواء كانوا ذكوراً أو أناثاً، ولا يجبر على السيد في ذلك. قال الخرشي: والمعنى أن المسلم إذا كانت له أمة كافرة أو معتقة كذلك، فإنه يجوز له أن يزوجها بشرط أن تكون المعتقة من غير نساء الرجال الذين يؤدون الجزية بأن أعتقها وهو مسلم ببلاد الإسلام فله تزويجها لمسلم أو كافر إن كانت كتابية، فإن كانت من نساء أهل الجزية بأن أعتقها مسلم ببلدهم أو أعتقها كافر ولو ببلد الإسلام ثم أسلم فلا يزوجها إلا أن تسلم اهـ مع طرف من الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فله إجازته، لا الأمة ثم ليس له منعه الرجعة ولا إجباره على الفرقة، ولا ينفسخ ببيعه " يعني إن تزوج العبد بغير إذن السيد فالحكم فيه في يد سيده، وأما الطلاق فليس للسيد فيه مدخل. قال في الرسالة: ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد. وقال أيضاً: والطلاق بيد العبد دون السيد اهـ. قال خليل: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط بائنة إن لم يبعه. يعني فإن باعه فليس له رد نكاحه لخروجه عن ملكه وليس للمشتري رده أيضاً لسبق النكاح لملكه إلا إذا رد العبد لبائعه حين ما اشتراه بغير علم بأنه متزوج فله رده اهـ. قال ابن جزي: فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فإن شاء السيد أجازه أو فسخه
стр. 599
بطلقة أو طلقتين، وإن تزوجت الأمة بغير إذن سيدها لم يجز وإن أجازه السيد؛ لأنها لا تعقد نكاح نفسها اهـ وأما الرجعة أي ارتجاع زوجة العبد وليس أيضاً بيد السيد بل بيد العبد كالطلاق كما تقدم والله أعلم اهـ.
ولما أنهى الكلام على بعض المسائل المهمات التي ابتدأ بها المصنف انتقل يتكلم على المحرمات من النساء اللاتي يحرم على الإنسان تزوجهن فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن
أي في بيان المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن. قال في الرسالة: وحرم الله سبحانه من النساء سبعاً بالقرابة وسبعاً بالرضاع والصهر، فقال : ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءابائكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما حرم من النسب اهـ. وعلى تفسير ذلك عقد المصنف هذا الفصل، وبدأ بما بدأ الله به فقال رحمه الله تعالى: " تحرم الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، ولو من الزنا عند ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون " يعني أن الله سبحانه حرم أصول الشخص وفروعه، فأما أصوله فهن أمهاته، فتحرم عليه أمه التي ولدته وجدته من كل جهة وإن علت، وأما فروعه فهن بناته، وبنات بناته وإن نزلن، ولو كانت البنت من زناً فهي حرام
стр. 600
عليه عند ابن
القاسم. وقال ابن الماجشون يجوز نكاحها. قال خليل: وحرم أصوله وفصوله ولو خلقت من مائه. قال الخرشي: يعني الرجل إذا زنى بامرأة فحملت منه بابنة فإنها تحرم عليه، كما يحرم عليه من بناته من ثبت نسبها منه لأن الجميع خلقن من مائه فهي بنت أو كالبنت على المشهور فتحرم عليه وعلى أصوله وفروعه، لا ربيبة، ومثل البنت الابن المخلوق من مائه فيحرم على صاحب الماء تزوج بنته اهـ قال الصاوي على الدردير: ورد بالمبالغة على ابن الماجشون حيث قال لا تحرم البنت التي خلقت من الماء المجرد عن الغقد وما يشبهه من الشبهة على صاحب الماء لأنها لو كانت بنتاً لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح، وذلك منتف عندنا. ومثل من خلقت من ماء الزنا من شربت من لبن امرأة زنى بها إنسان فتحرم تلك البنت على ذلك الزاني الذي شربت من مائه، وهذا ما رجع إليه مالك وهو الأصح اهـ قال القرطبي في تفسير سورة الفرقان: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته أو أخته أو ابنة ابنه من الزنا، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي اهـ أنظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " والأخت وبنات الأخ وبنات الأخت وإن بعدن " يعني يحرم على الشخص فروع أبويه وهن أخواته فتحرم عليه أخته من كل حهة سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، كما يحرم عليه بناتها وبنات أبنائها وبنات أخيه وإن نزلن، كلهن يحرمن عليه أبداً.
قال رحمه الله تعالى: " والعمات والخالات من جميع الجهات " يعني يحرم على الشخص فروع أجداده وجداته وهن عماته وخالاته سواء كن شقيقات لأبيه أو شقيقات لأمه أو ما فوق ذلك من عمات الآباء وخالاتهم، أو من عمات الأمهات وخالاتهن. وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا سواء من قبل الآباء
стр. 601
أو من قبل الأمهات فهي عليك حرام، ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن أولئك حلال نكاحهن. قال في الفقه: وإلى هنا ينتهي التحريم فلا تحرم عليه بنات عماته ولا بنات خالاته ولا بنات عمه فلا يحرم من فروع الأجداد والجدات إلا البطن الأولى اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وأم الزوجة بالعقد، وبناتها بالدخول بها، وتختص الحرمة بعينها أو كونها في حجره " يعني تحرم على الشخص أو زوجته بالعقد على
بنتها، ولا يحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، قال في الفقه: وإذا عقد الشخص على امرأة حركت عليه أمها وإن علت، سواء دخل بها أو لم يدخل. أما بنتها فإنها لا تحرم إلا بالدخول كما عرفت اهـ. قال في المقدمات: ويدخل في قوله وأمهات نسائكم أمهات الأمهات ومن فوقهن من الجدات وليس يدخل فيه بنات الأمهات ولا أخواتهن ولا عماتهن ولا خالاتهن، أولئك حل نكاحهن بعد موتهن أو فراقهن لأنهن ذوات محارم فإنما يحرم الجمع بينهن اهـ.
هذا معنى قول المصنف وتختص الحرمة بعينها، أي تحرم على زوج بنتها هي وأمهاتها فتنبه. وأما قوله أو كونها في حجره لا يشترط كونها في حجره بل لا فرق بين أن تكون في حجره أو لم تكن فيه لأن الآية خرجت مخرج الغالب، فإن الغالب عدم استغناء الربيبة عن أمها فهي في حجر زوجها.
قال رحمه الله تعالى: " وحلائل الآباء وإن علوا والأبناء وإن نزلوا " هذا تفسير قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح أبآؤكم " والمراد بالنكاح هنا العقد، فمتى عقد أحد من أصول الشخص على امرأة فلا يحل تزوجها لأبنائه وأبناء أبنائه وأبناء بناته، كما تحرم زوجة الابن على أبيه وأجداده وإن علوا بشرط أن يكون الابن ابن الصلب لقوله تعالى: " ﴿الذين من أصلابكم﴾ وخرج به الذي تبناه الأب فلا تحرم عليه زوجته إذا مات
стр. 602
أو طلق، كما فعل رسول الله ﷺ لأنه تزوج زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الذي كان تبناه رسول الله ﷺ . قال العلامة حسين بن إبراهيم في قرة العين: مسألة إذا عقد الأب نكاح امرأة ولو مختلفاً فيه كمحرم بأحد النسكين وسغار وتزويج المرأة نفسها حرمت على أولاده، وكذا عقد الابن ولو صغيرا يحرم على الأب، وأما عقد الشراء فلا يحرم فإذا اشترى الأب جارية فلا تحرم على ابنه بنفس عقد الشراء لأن التحريم في الملك إنما يكون بالتلذذ، وكذا يقال في الابن إذا اشترى أمة لا تحرم على الأب بعقد الشراء وإنما تحرم بالتلذذ إن كان الابن بالغاً، وأما إن كان غير بالغ فإنه لا يحرم على أبيه الأمة ولو مراهقاً لأن تلذذه ووطأه كلا وطء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والنكاح المختلف فيه كالصحيح " يعني أن النكاح المختلف فيه حكمه كالصحيح، وذلك كنكاح المحرم بأحد النسكين فيفسخ بطلاق وتعتد المرأة كعدة الصحيح، وينشر الحرمة على أصوله وفروعه، وتستحق به الصداق إن دخل، ويلحق به الولد، ويدراً الحد على الزوجين، لكن لا تحل به لمن طلقها ثلاثاً. قال في الرسالة: وما فسد من النكاح لصداقه فسخ قبل البناء فإن
دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل، وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى، وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح، ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثاً ولا يحصن به الزوجان اهـ. قال ابن جزي: فكل نكاح أجمع على تحريمه فسخ بغير طلاق، وما اختلف فيه فسخ بطلاق، وقيل كل نكاح يجوز للولي أو لأحد الزوجين إمضاؤه أو فسخه فسخ بطلاق، وكل ما يغلبون على فسخه ويفسخ قبل البناء وبعده فسخ طلاق، وفائدة الفرق أن الفسخ بطلاق يوقعه الزوج ويحسب في عدد التطليقات، والفسخ بغير طلاق يوقعه الحاكم ولا يحسب في عدد الطلقات، وتعتد من الفسخ كما تعتد من الطلاق. ثم قال النكاح الفاسد الذي يفسخ بغير طلاق لا يكون فيه بين الزوجين توارث، والفاسد الذي يفسخ بطلاق
стр. 603
يتوارثان فيه إن مات أحدهما قبل الفسخ. وكل نكاح يدرأ فيه الحد فالولد لاحق بالوطئ فلا يجوز للزوج أن يتزوجها في عدتها منه، وكل نكاح فسخ اختياراً من أحد الزوجين حيث لهما الخيار جاز أن يتزوجها في عدتها منه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها أو خالتها بملك أو نكاح " يعني يحرم على الشخص الجمع بين الأختين. قال النفراوي: ولو من الرضاع وكذا يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما في الحديث عنه ﵊ قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها " رواه مالك في الموطأ. وإليه أشار صاحب الرسالة بقوله: ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها. قال النفراوي: أو على بنت أخيها أو بنت أختها. وأشار إلى ذلك العلامة خليل بالعطف على المحرمات بقوله: وجمع خمس أو اثنتين لو قدرت أي ذكراً حرم، أي نكاح الأخرى، وهذا الضابط مقيد بما إذا كان امتناع الجمع بالقرابة والرضاع أو المصاهرة فلا يرد الجمع بين المرأة وأمتها، والجمع بين المرأة وبنت زوجها، والجمع بين المرأة وأم زوجها فإنه يجوز، لأن الحرمة من جانب واحد، بخلاف نحو المرأة وعمتها لو قدرت كل ذكراً حرم عليه نكاح الأخرى لأن الشخص يحرم عليه نكاح عمته، وكذلك المرأة وبنت أخيها لو قدرت المرأة ذكراً لحرم عليه بنت أخيه، ولو قدرت بنت الأخ ذكراً لحرم عليه نكاح عمته. وضابط خليل ربما يشمل العمتين والخالتين والعمة والخالة. ومثال العمتين يوجد في بنتي رجلين تزوج كل منهما أم الآخر، والخالتين يتصور في بنتي رجلين تزوج أحدهما أم الآخر والآخر بنت الآخر أنظر
التتائي. ومثله للأمير في المجموع نقلاً عن البرزلي كما ذكره الشيخ حسين بن إبراهيم في قرة العين.
قال رحمه الله تعالى: " والزيادة على أربع زوجات فإن طلق واحدة رجعياً لم
стр. 604
يحل له غيرها حتى تنقضي عدتها بخلاف البائن " يعني يحرم على الشخص المتزوج بأربع زوجات تزوج الخامسة. قال خليل عاطفاً على المحرمات: وجمع خمس. قال ابن عرفة تزويج الخامسة حرام إجماعاً لا ما دونها اهـ المواق. فإذا تزوج الخامسة فالحكم فيه الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده. وأما إذا طلق ذو أربع زوجات واحدة طلاقاً رجعياً فلا يحل له تزوج الأخرى حتى تنقضي الأولى من عدة الطلاق الرجعي، أما لو كان طلاقها بائناً لجاز له التزوج بأخرى بدون تربص شيء. قال العلامة الصاوي في حاشية الدردير: وهل منع الرجل من نكاح كأخت في عدة تلك المطلقة الطلاق الرجعي يسمى عدة أولاً قولان، وعلى الأول فهي إحدى المسائل التي يعتد فيها الرجل، إلى أن قال: ثانيها من تحته أربع زوجات فطلق واحدة وأراد أن يتزوج واحدة فلا بد من تربصه حتى تخرج الأولى من العدة إن كان طلاقها رجعياً اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومعتدة الغير والتصريح بخطبتها " يعني يحرم على الشخص عقد على معتدة الغير، بل لا يجوز للخاطب أن يصرح بالخطبة في العدة، سواء كانت المخطوبة مسلمة أو كتابية، حرة أو أمة. وكما يحرم التصريح للمعتدة كذلك يحرم التصريح للمستبرأة. وحاصل ما في الدسوقي أن المستبرأة من زناً منه أو من غيره أو من غصب أو من ملك أو شبهة ملك أو شبهة نكاح حكمها حكم المعتدة من طلاق أو وفاة في تحريم التصريح لها أو لوليها بالخطبة في زمن الاستبراء اهـ قال خليل عاطفاً على التحريم: وصريح خطبة معتدة. قال الدردير: ويحرم التصريح بالخطبة في العدة اهـ أي سواء كانت عدة موت أو عدة طلاق ولو كان رجعياً إن كان الطلاق من غيره وإلا جاز له مراجعتها، وله عقد عليها برضاها إن كان طلاقه بائناً دون الثلاث كالخلع كما سيأتي. والحكم فيمن خطب وعقد في العدة الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده، وله تزوجها بعد تمام ما هي فيه من عدة أو استبراء إذا لم يحصل منه وطء ولا تلذذ بها قبل الفسخ وإلا تأبد التحريم عليه
стр. 605
وعلى أصوله وفروعه إن لم يعلم بذلك وهذا إذا لم يكن استبراء من زناً منه، وأما إذا كان الاستبراء من زنا منه أو غصب، أو كانت ذات زوج أو مطلقة طلاقاً رجعياً فلا بد يتأبد التحريم اهـ.
ثم ذكر التعريض فقال رحمه الله تعالى: " لا التعريض كإني فيك لراغب
وعليك لحريص ونحوه " يعني أنه لا يحرم التعريض بالخطبة بل هو جائز. قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ ﴿البقرة: ٢٣٥﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ ﴿البقرة: ٢٣٥﴾ ومعنى ذلك كما في الموطأ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً ورزقاً ونحو هذا من القول. قال الباجي وما ذكر من قول الرجل للمرأة: إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص تعريض بالنكاح، وهو الذي أباحه الباري تعالى بقوله: ﴿ولا جناح﴾ الآية اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن دخل جاهلاً بحرمتها حرمت أبداً. وهل العالم مثله قولان " الضمير في قوله بحرمتها راجع إلى المعتدة، والمعنى فإن خطب وعقد على المعتدة ودخل بها جاهلاً بحرمة العقد في العدة حرمت عليه أبداً، وهل العالم بالحرمة كذلك، أو يحد؟ ففيه قولان. قال في الإكليل: فإن كان عالماً حد في ذات المحرم والرضاع، وفي حده في نكاح المعتدة قولان. وقال الدردير: فإن علم حد، إلا المعتدة قولان. وفي قرة العين: مسألة إذا نكح شخص امرأة نكاحاً مجمعاً على فساده كنكاح معتدة وخامسة، فإن كان عالماً بذلك فلا يحرم أصولها وفصولها، ويحد لأنه زنى، وأما إن كان لا يعلم بأنها معتدة، أو يعتقد حل الخامسة لكونه حديث عهد بالإسلام فلا حد عليه. وحرم عليه أصولها وفصولها. وأما المختلف في فساده فهو كالصحيح، العقد فيه على البنات يحرم الأمهات، والدخول على الأمهات يحرم البنات. ولو بالنظر لغير الوجه والكفين
стр. 606
إن وجد اللذة ولو لم يقصد، إلا إن قصد فقط، ولا إن تلذذ بالنظر للوجه والكفين فلا يحرم فيهما إلا اللذة بالمباشرة أو القبلة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمشهور تداخل العدتين " يعني أن المشهور من الأقوال أن العدة والاستبراء يدخل أحدهما في الآخر. وقد عقد أهل المذهب فصولاً في تداخل العدتين كصاحب المختصر وابن جزي وغيرهما. وعقد الدردير فصلاً في ذلك فقال: إن طرأ موجب عدة مطلقاً أو استبراء قبل تمام عدة واستبراء انهدم الأول واستأنفت إلا إذا كان الطارئ أو المطرو عليه عدة وفاة فأقصى الأجلين، كمتزوج بائن ثم يطلق بعد البناء أو يموت مطلقاً، وكمستبرأة من فاسد يطلقها أو يطأ بفاسد، وكمرتجع وإن لم يمس أو مات، وكمعتدة طلاق وطئت فاسداً وإن من المطلق وأما من موت فأقصى الأجلين كعكسه وكمشتراة
في عدة ارتفع حيضها وهدم الوضع من نكاح صحيح غيره. ومن فاسد إثره وعدة طلاق لا وفاة فالأقصى اهـ أي من الأجلين إما الوضع من الفاسد، أو إتمام عدة الوفاة. ومثله في القوانين. وقد ذكرنا في بدر الزوجين جميع ذلك مفصلاً أنظره إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمبتوتة حتى يطأها زوج غيره وطئاً مباحاً في نكاح صحيح " معطوف على وتحرم الأم يعني وتحرم على الشخص المبتوتة، وهي المطلقة ثلاثاً التي قال تعالى في حقها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ﴿البقرة: ٢٣٠﴾ الآية اتفق الجمهور على أن المبتوتة لا تحل إلا من بعد زوج بالغ مع إيلاج، في نكاح صحيح بغير قصد التحليل. قال مالك في المحلل: إنه لا يقيم على نكاحه ذلك حتى يستقبل نكاحاً جديداً، فإن أصابها في ذلك فلها مهرها اهـ الموطأ.
стр. 607
قال رحمه الله تعالى: " وقصد حلها يمنعه لهما " وفي نسخة يمنعها، يعني قصد المحلل في تحليلها للأول يمنع أن تكون المرأة حلالاً لأحد منهما. فلا تحل للمحلل، بل يفسخ نكاحه ولو بعد البناء، وتستبرئ منه، ولا تحل لمن طلقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويطؤها وطئاً مباحاً بغير إنكار منهما.
قال رحمه الله تعالى: " وتصادقهما على الوطء يحلها لا إنكارها " فالمطلوب تصادقهما على الوطء. قال الدردير: فإن أنكرا أو أحدهما لم تحل. وقال في أقري المسالك: والمبتوتة حتى تنكح غيره نكاحاً صحيحاً لازماً، ويولج بالغاً حشفته بانتشار في القبل بلا منع ولا نكرة فيه، مع علم خلوة ولو بامرأتين وزوجة فقط، لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان كمحلل، وهذا مثال الفاسد الذي لا يثبت بالدخول، وإن نوى الإمساك إن أعجبته، ونيتها كالمطلق لغو ومثله في المختصر. اهـ. وقال بعض المحققين من أهل المذهب: إذا طلق الحر زوجته ثلاثاً سواء كانت حرة أو أمة، سواء كانت في كلمة أو متفرقة، وسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أم لا لم تحل له حتى يتزوجها بالغ زواج رغبة ويولج فيها الحشفة، فإن تزوجها بقصد التحليل فالنكاح فاسد قبل الدخول وبعده ولم تحل للأول. وأما إذا تزوجها زواج رغبة ولكنه رجل مطلاق وطلقها في مدة قليلة بعد أن أولج فيها حلت للأول، وتحرم زوجة العبد بطلقتين كذلك حرة كانت أو أمة سواء في كلمتين أو في كلمة مدخولاً بها أم لا تحل لهحتى تنكح زوجاً غيره في نكاح صحيح مباح كذلك اهـ.
ولما أنهى الكلام على ذكر بعض المحرمات للقرابة والصهر انتقل يتكلم على المحرمات بالعارض والأسباب فقال رحمه الله تعالى:
стр. 608
فَصْلٌ
في نكاح الشغار وما يتعلق به من الأحكام
أي في بيان ما يتعلق بأحكام نكاح الشغار، وهو لغة مطلق الرفع، ويقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول. واستعمل هنا في رفع الصداق عن الزوجين: ولذا فسره ﵊ بقوله وهو البضع بالبضع، أي الفرج بالفرج. قال رحمه الله تعالى: " نكاح الشغار وهو أن يزوج كل وليته من الآخر على أن لا مهر " يعني أن نكاح الشغار المنهي عنه هو البضع بالبضع مع الشرط والالتزام، مثل أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. قال النفراوي: هذا صريح الشغار لأنه على ثلاثة أقسام: صريح، ووجه، ومركب: فالصريح الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب المسمى فيه لواحدة دون الأخرى. وحكم صريح الشغار الفسخ مطلقاً ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول ولها بعده صداق المثل، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كون فسخه بطلاق، وبه قال مالك مرة، أو بغيره وهو الذي قاله سحنون قائلاً عليه أكثر الرواة. وحكم الوجه أنه يفسخ قبله ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل. وحكم المركب من الصريح والوجه فسخ نكاح كل قبل الدخول وأما بعده فيفسخ نكاح من لم يسم لها ولها مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها بالأكثر من المسمى ومن صداق مثلها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمتعة وهو المؤقت " قال ابن جزي في البيان: لفظ المتعة في الفقه يقع على أربعة معان: أحدها متعة الحج وقد ذكرت، الثاني النكاح إلى أجل، الثالث متعة المطلقة وستذكر، الرابع امتاع المرأة زوجها في مالها اهـ. والمراد هنا النكاح إلى أجل. يعني من الممنوع عنه شرعاً نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل بأن يعلم
стр. 609
الزوجة أو وليها بأنه ينكحها مدة من الزمان ثم يفارقها هذا هو المنهي عنه لما روي أنه ﷺ نهى عام الفتح عن نكاح المتعة. وحكى المأزري الإجماع على حرمته إلى يوم القيامة كما في روايات. وحكم نكاح المتعة إن وقع يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق على المشهور. وقيل به قاله في التوضيح. ويجب فيه بالدخول صداق المثل إلا أن يكون قد سمى لها صداقاً فلها المسمى. ويسقط عنه الحد ولو عالماً بالحرمة على المذهب، لكن يعاقب العالم
بحرمته والعالمة، قال بهرام وبعدم الحد يلحق به الولد، وعليها العدة كاملة فتعتد بثلاث حيض لا باستبراء فقط اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والسر وهو المتواصى على كتمانه " يعني ومن المنهي نكاح السر وهو كما فسره المصنف نكاح المتواصى على كتمانه، كأن يأمر الشهود بكتمان العقد، وهو نكاح فاسد. ونص المدونة أرأيت الرجل ينكح ببينة ويأمرهم أن يكتموا ذلك أيجوز هذا النكاح في قول مالك؟ قال لا إذا أمر بكتمان ذلك أو كان على الكتمان فالنكاح فاسد اهـ. فالمطلوب الإعلان به لما في الحديث عن عاشة عن النبي ﷺ : أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف " اهـ رواه أحمد والترمذي وفي رواية: " فضل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح " اهـ قال ابن رشد: واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر، واختلفوا إذا شهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر اهـ أنظر سبب اختلافهم في بداية المجتهد. قال الدردير في أقرب المسالك: وفسخ نكاح السر إن لم يدخل ويطل بالعرف أي لا بالولادة وهو
стр. 610
ما أوصى الزوج فيه الشهود بكتمه وإن من امرأة، أو أياً ما وعوقبا والشهود إن دخلا اهـ ومثله في المختصر.
قال رحمه الله تعالى: " والنهارية وهو المشترط إتيانها الزواج نهاراً باطل ويجب بالدخول المهر ويسقط الحد ويلحق الولد " يعني من النكاح المنهي عنه نكاح الشرط بأن يشترط أحد الزوجين عدم إتيانه الآخر إلا نهاراً فقط أو ليلاً فقط فإذا اشترطا ذلك أو أحدهما فالنكاح فاسد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل لا بالمسمى ويدرأ عنه ويلحق به الولد. قال خليل: وقبل الدخول وجوباً على أن تأتيه إلا نهاراً أو ليلاً، أو بخيار لأحدهما أو غير إلا خيار المجلس اهـ يعني يفسخ قبل الدخول إذا اشترط أن لا تأتيه إلا نهاراً كما إذا اشترط الخيار لأحد الزوجين، أو كان الخيار لأجنبي إلا إذا كان خيار المجلس. قال مالك: لا خير في نهارية. ونص المواق: قول مالك في النهارية وهي التي تتزوج على أن لا تأتيه أو يأتيها إلا نهاراً أو لا تأتيه إلا ليلاً لا خير فيه. قال ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل فإن دخل ثبت ولها صداق المثل، ويسقط الشرط وعليه أن يأتيها ليلاً ونهاراً. وقال ابن سلمون: من الشروط التي تفسد النكاح مثل أن يتزوجها على أن لا ميراث
بينهما، أو على أن الطلاق بيدها، أو على أن لا نفقة لها وشبه ذلك مما هو مناف لمقصود العقد ومخالفة للسنة. فالنكاح بها فاسد يفسخ على كل حال، أي قبل البناء لا بعده على المشهور كما في الشامل اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويشترط فى نكاح الحر الأمة عدم طول الحرة وخوف العنت وإسلامها " يعني أن الحر لا يحل له أن يتزوج الأمة إلا بثلاثة شروط: الأول عدم الطول، والثاني خوف العنت، والثالث كونها مسلمة. قال النفراوي: والحاصل أن الحر الذي يولد له لا يحل له نكاح أمة غير أصله إلا بثلاثة شروط: أن يخشى العنت وأن
стр. 611
يعجز عن صداق الحرة، وأن تكون مسلمة. أما لو كان لا يولد له أو كانت أمة أصله كأبيه أو أمه أو جده أو جدته الأحرار لجاز له نكاحها من غير شرط اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعدم شبهة ملكها كالحرة للعبد " يعني من جملة شروط نكاح الأمة عدم شبهة ملكها. قال في الرسالة: ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده. قال النفراوي: ولا فرق في حرمة تزوج الرجل بملكه بين الملك الكامل والمبعض، ولا بين القنة المحضة وذات الشائبة كأم الولد والمكاتبة، وإنما حرم ذلك لأن الملك سبب للإباحة فهو من موانع النكاح بالنسبة للمالك. ولا فرق في الرجل بين كونه حراً أو عبداً، وإنما حرمت أمة الولد لأنها بمنزلة أمة نفسه لقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " ألا ترى أن الأب لا يقطع بسرقته من مال ابنه، ولا يحد بوطء أمته، وتجب نفقته عليه إن احتاج، فإن وقع هذا الممنوع بأن تزوج المالك أمته وأمه فرعه، أو تزوجت المرأة مملوكها أو مملوك فرعها فسخ من غير طلاق، كما يفسخ لو كان سابقاً وطرأ عليه الملك. قال خليل: وفسخ وإن طرأ بلا طلاق. كما إذا اشترى زوجته أو اشترت زوجها، أو ملك الزوج أو الزوجة الآخر بالهبة ونحوها، وملك البعض كملك الكل في الفسخ اهـ.
تنبيه:
قد ذكر ابن جزي في القوانين الفقهية جملة من أنكحة العالم ينبغي ذكرها هنا للمناسبة أنه قال: نكاح مسلم مسلمة، ونكاح كافر كافرة فهما جائزان. ونكاح كافر مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع. ونكاح مسلم كافرة فتجوز الكتابية بالنكاح والملك، ولا يحل غيرها من الكفار بنكاح ولا بملك. وكره مالك الحربية لبقاء الولد بدار الحرب. ومنع ابن عمر وابن عباس كل كافرة. ثم قال أي انب جزي: ويتصور في الرق أربع صور: نكاح حر لحرة أو عبد لأمة فهما جائزان. ونكاح عبد لحرة فيجوز برضاها، فإن غرها من نفسه فلها الخيار. ونكاح حر لأمة
يجوز بثلاثة شروط: الأول أن
стр. 612
تكون مسلمة، الثاني أن يعدم الطول وهو صداق الحرة وقيل النفقة. الثالث أن يخاف العنت وهو الزنا، ولا يشترط عدم الطول ولا خوف العنت في نكاح العبد الأمة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويفسخ بتملك أحدهما الآخر " يعني إذا تملك أحد الزوجين صاحبه فسخ النكاح بلا طلاق، وذلك كأن كانت الحرة تحت عبد ثم ملكته إما بإرث أو هبة أو غير ذلك. أو تكون الأمة تحت حر أو عبد ثم يملكها بشراء أو غيره من أسباب الملك انفسخ النكاح. وفي الرسالة: ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه لأن النكاح والملك لا يجتمعان معاً فيفسخ قبل الدخول وبعده كما تقدم. قال الدردير: فلا يتزوج الذكر أمته ولا الأنثى عبدها للإجماع على أن الزوجية والملك لا يجتمعان لتنافي الحقوق، إذ الأمة لا حق لها في الوطء ولا في القسمة بخلاف الزوجية. وليست نفقتها كالزوجة ولا الخدمة كالزوجة اهـ قال النفراوي: والملك ينافي الزوجية. ولا تتزوج المرأة عبدها لأنها تطالبه بنفقة الزوجية وخدمة الرق، وهو يطالبها بنفقة الرقية وخدمة الزوجية اهـ بتصرف. ومثله في الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " لا وجود الحرة تحته فإن لم تغنه حل له المزيد ولو إلى أربع " يعني لا يمنع الحر نكاح الأمة إذا خشي العنت بوجود الحرة الواحدة تحته إذا لم تغنه واحدة حل له الزيادة إلى أربع. قال مالك في المدونة: والحرة تكون عنده ليست بطول يمنع به من نكاح أمة إذا خشي العنت لأنها لا تتصرف تصرف المال فينكح بها. وقال قبله بقليل: يجوز للحر أن ينكح أربعاً مملوكات إذا كان على ما ذكر الله في كتابه ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ﴿النساء: ٢٥﴾ قال والطول عندنا المال، فمن لم يستطع الطول وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح الأمة المؤمنة اهـ.
стр. 613
قال رحمه الله تعالى: " وإن تزوج حرة على أمة جاهلة ثبت لها الخيار بين الفسخ والإقامة لا عالمة " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك: وخبرت أمة مع حرة ألفت أمة أو علمت بواحدة فوجدت أكثر في نفسها بطلقة بائنة، كتزويج أمة عليها اهـ قال مالك: لا تنكح الأمة على الحرة، فإن فعل ذلك جاز النكاح وكانت الحرة بالخيار إن أحبت أن تقيم معه أقامت، وإن أحبت أن تختار نفسها اختارت، فإن أقامت معه كان القسم من نفسها بينهما بالسواء اهـ المدونة.
قال رحمه الله تعالى: " وتباح حرائر الكتابيات " يعني يجوز للمسلم نكاح حرائر أهل الكتاب. قال الله فيما أحل لنا من النساء: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ ﴿المائدة: ٥﴾ الآية. قال مالك في
الموطأ: هن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات. وقال الشعراني في كشف الغمة كان الصحابة، ﵃، يتزوجون من اليهود والنصارى كثيراً زمن الفتح بالكوفة حين قلت المسلمات. قال جابر: فلما رجعنا طلقناهن. وقال أنس: نكح عثمان نصرانية، ونكح طلحة يهودية. قال ابن عباس: لا تحل الأمة الكتابية لمسلم أبداً اهـ قلت: وينبغي أن يستثنى السيد لأنه يحل له وطء أمته الكتابية بملك اليمين كما في الموطأ، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ ﴿النساء: ٢٤﴾ الآية وعن جابر بن عبد الله، ﵁، أنه قال نساؤهم لنا حلال ونساؤنا عليهم حرام اهـ وفي المدونة: وكره مالك نكاح نساء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية من غير حرمة، وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضلجعها ويقبلها وذلك في فيها، وتلد منه أولاداً فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر اهـ. وفي الرسالة: ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات، أي اتفاقاً في حق الحر، وعلى المشهور في حق العبد لعموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ﴿النساء: ٣﴾ الآية اهـ.
стр. 614
قال رحمه الله تعالى: " ومن بلغ به المرض حد الحجر منع النكاح فإن صح قبل فسخه ثبت، فإن فسخ قبل البناء فلا مهر، وبعده يلزمه في ثلثه، ولا ميراث للصحيح فلو برئ لورث من الصحيح " يعني كما في الرسالة: ولا يجوز نكاح المريض ويفسخ، وإن بنى فلها الصداق في الثلث مبدأ ولا ميراث لها اهـ أنظر النفراوي. وقال في أقرب المسالك: ومنع مرض مخوف بأحدهما وإن احتاج أو أذن الوارث، وللمريضة بالدخول المسمى، وعلى المريض الأقل من ثلثه والمسمى وصداق المثل، وعجل بالفسخ إلا أن يصح المريض منهما. ومنع نكاحه الكتابية والأمة على الأصح اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم كل نكاح أجمع المسلمون على بطلانه فالفرقة فيه فسخ، وما اختلف فيه فبطلاق " قد تقدم لنا الكلام في هذه الجملة عند قول المصنف: والنكاح المختلف فيه كالصحيح، فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على ما تقدم ذكره من المحرمات انتقل يتكلم على الخيار بين الزوجين إذا اطلع أحدهما على عيب في الآخر. فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين
أي في بيان ما يتعلق بالعيوب التي توجب الخيار بين الزوجين إذا لم يسبق بها علم قبل العقد، أو لم يعلم بها غلا عند الدخول والحال أنه لم يرض بها حين
علم بها. وأما إن دخل بها بعد العلم بالعيب فلا خيار له، وكذلك الزوجة إذا اطلعت على عيب الزوج على ما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " يثبت لكل الخيار بجهله بعيب الآخر حال العقد وطروه بعده لها دونه " يعني يثبت الخيار من أحد الزوجين بظهور عيب قبل العقد، أو بعده قبل الدخول، فإن طرأ بعد العقد لها الخيار دونه، وإن دخل ولم يعلم فله ردها كما مر آنفاً
стр. 615
والأصل في هذا الباب ما في جملة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن كعب بن زيد " أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضاً " أي برصاً " فانحاز عن الفراش، ثم قال: " خذي عليك ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئاً " اهـ. ومنها ما في الموطأ عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخير، فإن شاءت قرت وإن شاءت فارقت. وفي رواية: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقاً كاملاً، وذلك لزوجها غرم على وليها اهـ. وقال مالك: إنما يكون ذلك إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إذا كان الذي أنكحها ابن عم أو مولى من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذت من صداقها، ويترك لها قدر تستحل به اهـ. ومنها عن سعيد بن المسيب أنه قال: من تزوج المرأة فلم يستطع أن يمسها فإنه يضرب له أجل سنة، فإن مسها وإلا فرق بينهما اهـ. قال في غاية المأمول: فمن تزوج امرأة ومسها أي جامعها ولو مرة ثم عجز عن جماعها فلا تفريق بينهما لأن الإحصان يحصل بالوطء ولو مرة، أما إذا لم يجامعها ولو مرة بأن كان عنيناً لا تنتشر آلته. فلها رفع أمرها للحاكم الشرعي فيؤجله إلى سنة، فإن جامعها وإلا فرق بينهما. ويثبت الجماع وعدمه بإقرارهما فتلك العيوب تثبت الخيار للطرف الآخر إذا ظهر أنها كانت عند الزواج، وهل حدوثها بعده كذلك؟ يراجع كلام الفقهاء اهـ.
وحاصل ما هو مشهور في المذهب أن العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين بلغت إلى ثلاثة عشر عيباً، يشتركان في أربعة، ويختص الرجل بأربعة، وتختص المرأة بخمسة. قال رحمه الله تعالى: " وهو الجنون والجذام والبرص " هذا شروع في عد العيوب
стр. 616
التي بها الخيار. وهذه الثلاثة هي المشتركة بين الذكر والأنثى، ولم يذكر المصنف عذيطة وهي مما يشتركان فيها، وهي خروج الغائط عند الجماع وهو عيب يوجب الخيار، وملخصه أن ما أحدث من الجذام والجنون والبرص وكذلك العذيطة فإن كان بالزوجة فلا خيار وهو مصيبة نزلت عليه، فإن
كان بالزوج فلها الخيار لعدم صبرها بتلك العيوب لأن العصمة ليست بيدها بخلاف الزوج فإما أن يرضى أو يطلق. وقيل حدوث العيوب بالزوجة بعد العقد كحدوثها بالزوج. فله الخيار. والراجح ما تقدم اهـ الدردير بحذف. وإذا علمت هذا فاعلم أن الزوجة لها الخيار بهذه الأدواء قبل الدخول وبعده، وفي البرص بشرط أن يكون فاحشاً لا يسيراً والزوج كذلك على التفصيل المتقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والحب والخصاء والحصر والعنة والاعتراض " هذه العيوب الأربعة مما يختص بها الزوج. والجب قطع الذكر والأنثيين معاً، فإنه موجب للخيار، وكذا مقطوع الأنثيين فقط إذا كان لا يمني وإلا فلا خيار به. ومما يوجب الخيار الخصاء وهو قطع الذكر دون الأنثتين فإنه موجب للخيار إذا وجدته كذلك ومما يوجب الخيار العنة، هي صغر الذكر بحيث لا يتأتى الجماع فإنها موجبة للخيار، ومثل الصغر في كونها موجبة للخيار الغلظ المفرط المانع من الإيلاج. وأما الطول فلا خيار به. وأما الحصر وهو لغة المنع والحبس، بمعنى الممنوع عن الجماع كالمحبوس فيرجع إلى معنى الاعتراض ولذا عبرنا بالعيوب الأربعة وإلا لكانت خمسة، وإنما اعتبرنا الحصر والاعتراض شيئاً واحداً للخيار لها اهـ معناه.
قال رحمه الله تعالى: " والقرن والرتق والعفل والبخر والإفضاء " هذه العيوب
стр. 617
الخمسة مما تختص بها الزوجة وتسمى عيوب الفرج، القرن وهو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة يمنع لذة الجماع يكون لحماً غالباً فيمكن علاجه، وتارة يكون عظماً فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الرد والإمساك به. والرتق وهو انسداد مسلك الذكر بحيث لا يمكن الجماع معه إلا أنه إن انسد بلحم أمكن علاجه. وأما إن انسد بعظم فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الإقامة به والفراق. والعفل وهو لحم يبرز في قبل المرأة يشبه الأدرة ولا يخلو عن رشح، وقيل رعوة تحدث في الفرج عند الجماع وللزوج به الخيار. والبخر وهو نتن الفرج، وهو عيب وللزوج الخيار بخلاف نتن الفم فلا خيار له به. والإفضاء وهو اختلاط مسلك البول والذكر. وقيل اختلاط مسلك البول والغائط. وقيل سبيل الحيض والغائط واحد، وعلى كل هو عيب وللزوج به الخيار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أمكنته عالمة أو بنى بها عالماً فلا خيار، والفراق فيه بطلاق، ولا مهر قبل الدخول " وفي نسخة والفراق فيه طلاق بحذف الباء وتقدم أن علماً بالعيب قبل الدخول مسقط للخيار وتمكينها له بعد علمها بعيبه يسقط خيارها وبناؤه بعد علمه بعيبها يسقط خياره، فوقوع الطلاق قبل الدخول طلاق بائن لا مهر فيه، وأعلم أن المرأة إذا ردها زوجها بعيب وجده معها فلا صداق لها مطلقاً ردت قبل البناء أو بعده، أما قبل البناء فظاهر، وأما بعده فلأنها غارة ولكن لها ربع دينار حيث كان بعد البناء. قال في الرسالة: وترد المرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، فإن دخل بها ولم يعلم أدى صداقها ورجع له على أبيها، كذلك إن زوجها أخوها، وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة فلا شيء عليه، ولا يكون لها إلا ربع دينار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ففي الاعتراض لها مرافعته ليؤجل سنة للحر ونصفها للعبد " يعني للمرأة رفع أمرها للحاكم في الاعتراض أصاب زوجها ليضرب له
стр. 618
أجل سنة إن كان حراً، ونصف سنة إن كان عبداً. وفي المواق عن ابن عرفة: من ثبت اعتراضه ولم يكن وطئ امرأته ولو مرة. قال في المدونة وغيرها: يؤجل سنة لعلاجه اهـ وأما العبد فإنه يؤجل نصف السنة. قال المتيطي: الذي به الحكم أن أجل ذي رق نصف سنة. قال الخرشي يعني العبد المعترض الذي لم يتقدم منه وطء لزوجته أصلاً وهو مقر باعتراضه يؤجل نصف سنة ولو كان فيه شائبة حرية كالمدبر ونحوه بعد الصحة من يوم الحكم كالحر. واقتصر عليه صاحب المختصر. وقيل إن العبد يؤجل سنة كالحر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويخلى بينهما فيصدق إن ادعى الوطء إن كانت ثيباً والبكر ينظرها النساء " يعني أن المعترض يخلى بينه وبين زوجته في محل واحد ولا يحجبه عنها، فإن ادعى أنه وطئها صدق إن كانت ثيباً، وفي يمينه قولان. وإن كانت بكراً لا يصدق حتى ينظرها النساء إن لم تصدقه لحيائها عن النطق بمثل هذا. قال الخرشي: أي صدق المعترض إن ادعى في السنة الوطء بيمينه بعد إقراره بالاعتراض وضرب الأجل على ظاهر المدونة اهـ. قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة: وكل هذا ما لم يسبق من المعترض وطء وأما إن سبق فلا مقال لها. قال في النكاح الثاني من المدونة: من وطئ امرأته ثم حدث ما منعه من الوطء من علة أو زمانة، أو اعتراض عنها لا قول لامرأته اهـ ومثله في ميارة على العاصمية.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أنقضى ولم يطأ فاختارت الفراق أجبر على طلقة " يعني لو ضرب له أجل ولم يطأ ولو مرة فاختارت الفراق فرق
بينهما إن شاءت، وإن امتنع عن الفراق أجبر عليه على طلقة بائنة ولها صداقها لإقامتها سنة في بيت الزوج. قال النفراوي: فإن انقضت السنة للحر والنصف للعبد ولم يطأ مع تصديقها له أو لم يحلف على الوطء مع إنكارها فرق بينهما طلقة بائنة إن شاءت الزوجة الفراق لأنه من حقها، فإن امتنع من الطلاق فهل يطلق الحاكم أو يأمرها بالطلاق ثم يحكم به؟ قولان، فلو رضيت
стр. 619
بعد الأجل بالإقامة مدة مع بقاء الاعتراض ثم أرادت القيام فلها ذلك من غير ضرب أجل. قال خليل: ولها فراقه بعد الرضا بلا أجل، بخلاف ما لو قالت رضيت بالبقاء معه من غير تقييد بمدة، أو قالت أقعد معه الأبد فليس لها فراقه بعد ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فلو عادت إليه لعاد خيارها بخلاف غيره " يعني فلو عادت زوجة المعترض إليه بعد الفراق لعاد خيارها بخلاف غيره ممن ليس مرضه باعتراض كالمجذوم ونحوه، ولا يعود لها الخيار بل يضرب لها أجل ثان كما في الخرشي. وفي الحطاب: قال ابن عرفة وسمع يحيى بن القاسم امرأة المعترض إن تزوجها بعد فراقها إياه بعد تأجيله فقامت بوقفه لاعتراضه فلها ذلك إن قامت في ابتنائه الثاني قدر عذرها في اختيارها له وقطع رجائها إن بان عذرها بأن يكون يطأ غيرها، وإنما اعترض عنها فتقول رجوت برأه اهـ قال المواق: روى من اعتراض فأجل سنة، فلما تمت قالت لا تطلقوني أنا أتركه لأجل آخر فلها ذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير سلطان اهـ. قال الصاوي: حاصله أنها إذا رضيت بعد مضي السنة التي ضربت لها بالإقامة مدة لتتروى وتنظر في أمرها، أو رضيت رضاً مطلقاً من غير تحديد بمدة ثم رجعت عن ذلك الرضا فلها ذلك، ولا تحتاج إلى ضرب أجل ثان لأن الأجل قد ضرب أولاً بخلاف ما لو رضيت ابتداء بالإقامة معه لتتروى في أمرها بلا ضرب أجل ثم قامت فلا بد من ضرب الأجل. وهذا كله في زوجة المعترض كما علمت. وأما زوجة المجذوم إذا طلبت فراقه فأجل لرجاء برئه وبعد انقضاء الأجل رضيت بالمقام معه ثم أرادت الرجوع، فإن قيدت رضاها بالمقام معه أجلاً لتتروى كان لها الفراق من غير ضرب أجل ثان، وإن لم تقيد بل رضيت بالمقام معه أبداً ثم أرادت الفراق فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك إلا أن يزيد الجذام. وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد. وحكى في البيان قولاً لتقييد الخيار فيما سبق بعد الرضا اهـ.
стр. 620
تنبيه: إذا طلبت المرأة التأخير لمداواة عيبها قال النفراوي: ومحصله أنها إذا كان يمكن زوال عيبها بمعالجة فإنها تؤجل له مدة باجتهاد أهل الخبرة. قال خليل:
وأجلت الرتقاء للدواء بالاجتهاد، ولا تجبر عليه إن كان خلقة. قال شراحه: ولا مفهوم للرتقاء، بل ذات القرن والعفل مما يمكن مداواته كذلك ويلزم الرجل الصبر حيث لم يلزم على مداواتها حصول عيب في فرجها، كما أنها تجبر على ذلك إذا طلبه الزوج إذا كان لا ضرر عليها في المداواة، فالصور أربع للمتأمل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا رد بغير هذه العيوب إلا أن يشترط سلامة في العقد " يعني أن لا خيار بغير هذه العيوب أي ثلاثة عشر المتقدم ذكرها، وأما غيرها من العيوب فلا رد بها كالاعتراض بعد تقديم الوطء سليماً فلا خيار للمرأة وهي مصيبة نزلت بها، وكحصول أدرة له مانعة له من الوطء، أو حصل له هرم بعد الوطء فلا خيار بها للمرأة، اللهم إلا أن تخشى على نفسها الزنا فلها التطليق؛ لأن للمرأة التطليق بالضرر الثابت ولو بقرائن الأحوال اهـ النفراوي. وقال ابن جزي: وليس من العيوب التي توجب الخيار القرع، ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من زنى على المشهور، ولا لعمى، والعور والعرج والزمانة ولا نحوها من العاهات إلا إن اشترط السلامة اهـ وكذلك لا رد بالبول على الفراش، ولا في الريح والاستحاضة والشلل، ولا بقطع عضو ولا بكثرة أكل، ولا نتن فم أو إبط، ولا بجرب، أو حب أفرنج من كل ما يعد عيباً عرفاً وهذه كلها لا يجب الخيار بواحدة منها إلا إن يشترط السلامة، فإن اشترطت فيعمل بها سواء عين ما شرطه أو قال كل عيب أو غير ذلك مما يعلم أنه اشترط فيعمل بها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا غرت الكتابية بإسلامها أو الأمة بحريتها ثبت له الخيار " يعني كما قال ابن جزي في القوانين: فإذا قال العاقد زوجتك هذه المسلمة فإذا هي كتابية أو هذه الحرة فإذا هي أمة انعقد النكاح وله الخيار فإن أمسكها لزمه
стр. 621
الصداق المسمى، وإن فارقها قبل الدخول فلا شيء لها، وإن فارقها بعد الدخول فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فيرد ما زاد. وإن تزوج العبد على أنه حر فالمرأة بالخيار اهـ. قال خليل: وإلا تزوج الحر الأمة والحرة العبد بخلاف العبد مع الأمة والمسلم مع النصرانية إلا أن يغرا اهـ أي إلا أن يغر كل منهما الآخر بأن تغر الأمة العبد بأنها حرة والعبد الأمة بأنه حر، أو الكتابية المسلم بأنها مسلمة أو المسلم الكتابية بأنه كتابي. ولا يحكم بردته بهذا فللمغرور الخيار في جميع ذلك اهـ انظر شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " فلو ادعاه وأنكره السيد فالقول قوله " الضمير في ادعاه راجع إلى الغرور، والمعنى فلو ادعى العبد المغرور بأن الكتابية غرته بإسلامها، أو الأمة بحريتها فتزوجها وأنكره السيد في دعواه ورد النكاح لكان القول
للسيد لتعلق حقه على عبده، ولا ينبغي للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء. وتقدم أن العبد إن تزوج بغير إذن السيد فلسيده الرد والإجازة.
قال رحمه الله تعالى: " ولو تزوج معينة مجهولة الصفة فإذا هي أمة ثبت خياره لا كتابية " يعني أن لو رجلاً رأى امرأة مستترة مجهولة عنده فتزوجها بدون وصف، وبعد العقد تبين أنها أمة ثبت النكاح وله الخيار. وتقدم آنفاً في الكتابية والأمة اللتين غرتا. فراجع قول ابن جزي فيهما. وفي الرسالة: والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له. قال الشارح: وحاصله أنه إذا كان الغار أجنبياً وتولى العقد فلسيدها على الزوج جميع المسمى كقيمة الولد ثم يرجع على الأجنبي بالصداق لا قيمة الولد، أي إذا لم يخبر أنه غير ولي خاص وإنما تولى عقد النكاح بولاية الإسلام أو الوكالة، وإلا فلا رجوع. وأما إن كان الغار هو السيد فحكمه أن عليه - أي الزوج - الأقل من المسمى وصداق المثل كغرورها اهـ وقوله: لا كتابية أي الخيار له إن تبين أنها كتابية. قال خليل: بخلاف المسلم مع النصرانية يظنها مسلمة حال العقد ثم تبين أنها كتابية لأنها من
стр. 622
نسائه وهو من رجالها إلا أن يغر كل منهما الآخر فحينئذ يثبت الخيار للمغرور، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ولو غرها بكونه على دينها لثبت خيارها " يعني أن الخيار يثبت بالغرور لأحد الزوجين لا بكونها نصرانية في المسلم، ولو غر المسلم الكتابية لكان لها الخيار وبالعكس، فإذا ثبت الغرور ثبت الخيار لأحد الفريقين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويثبت للأمة بتحريرها تحت عبد لا بعتقه قبلها أو عتقهما معاً " يعني أن المعتقة تحت عبد لها الخيار، فإن اختارت نفسها فهو طلاق لا فسخ، وهل هو طلقة بائنة أو طلقتين؟ روايتان كما في المختصر من غير ترجيح، وعلى الأول أكثر الرواة. قال العدوي: وهي الراجحة، وإنما كانت بائنة لأنها لو كانت رجعية لما أفاد الخيار شيئاً اهـ. قال في الرسالة: الأمة المعتقة تحت العبد لها الخيار بين أن تقيم معه أو تفارقه، لما في الموطأ عن عائشة، ﵂، أنها قالت: " كان في بريرة ثلاث سنن، فكانت إحدى السنن الثلاث أنها عتقت فخيرت في زوجها " الحديث. وفي مسلم: " وكان زوجها عبداً فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها " ولو كان حراً لم يخيرها اهـ قال ابن جزي: إن عتقت الأمة تحت عبد فلها الخيار، فإن اختارت الفراق فطلقة واحدة بائنة، ويكره لها الثلاث، فإن فعلت جاز وإن لم يدخل بها فلا صداق لها لأن الفراق من قبلها، ولا رجعة له إن أعتق في عدتها لأن الطلقة بائنة إلا إن شاءت وكان الطلاق واحداً، وإن لم تخبر
حتى عتق فلا خيار لها، وإن تلذذ بها بعد علمها بالعتق سقط خيارها عند الإمامين، ولا تعذر بالجهل خلافاً للأوزاعي. وقال أبو حنيفة: خيارها في المجلس، فإن قامت سقط. ولا خيار لها إن عتقت وهي تحت حر خلافاً لأبي حنيفة اهـ.
ولما أنهى الكلام على الخيار بين الزوجين بسبب العيوب انتقل يتكلم على إسلام الزوجين سواء من عباد الأوثان أو أهل الكتاب، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 623
فَصْلٌ
فيما يتعلق بإسلام المتزوجين وحكم نكاحهما بعد الإسلام
أي في بيان ما يتعلق بإسلام المتزوجين وبيان حكم نكاحهما بعد الإسلام. قال رحمه الله تعالى: " إسلام الزوجين يقرهما في المباحة شرعاً " يعني أن إسلام الزوجين معاً يقرهما أي يثبتهما في الإسلام إن كانت الزوجة مباحة له شرعاً بأن كانت غير محرمة كأم مثلاً. قال في الرسالة: وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما، وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق، فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها، فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين، وإن تأخر ذلك فقد بانت منه اهـ. وفي عبارة لابن جزي إذا أسلم الزوجان معاً ثبت نكاحهما إذا خلا من الموانع الشرعية ولا يبحث في ذلك عن الولي والصداق، فإن سبق الزوج إلى الإسلام أقر على الكتابية، ويقر على غيرها إذا أسلمت بأثره، وإن سبقت هي فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة وإن كان بعده ثم أسلم في العدة ثبت وإلا بانت اهـ قال النفراوي: فتلخص أن الكافرين إن أسلما في وقت واحد يقران على نكاحهما ولو قبل الدخول أو كانا مجوسيين، وأما لو أسلم أحدهما فإن كان الزوج فإنه يقر على الكتابية مطلقاً، وعلى المجوسية حرة أو أمة إن أسلمت ولو لم تعتق الأمة. ومثل إسلام الأمة المجوسية عتق الأمة الكتابية. وأما لو أسلمت الزوجة ابتداء فإن كان قبل البناء بانت مكانها وإن كان بعد البناء أقر عليها إن أسلم في عدتها، لا إن تأخر إسلامه عن عدتها فلا يقر عليها لبينونتها بانقضاء عدتها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن أسلم على أكثر من أربع اختار أربعاً " يعني أن الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات وجب عليه فراق ما زاد على الأربع. قال في الرسالة: وإذا أسلم مشرك وعنده من أربع فليختر أربعاً ويفارق باقيهن اهـ
стр. 624
قال شارحها: ولو كان عقد عليهن في مرة أو كان قبل الدخول، ولو أحرم أو مرض بعد إسلامه وقبل اختياره، ولو كانت تلك النساء إماء حيث أسلمن معه ولو فقدت شروط تزوج الأمة على المعتمد كما قدمنا أو كن كتابيات حيث قال خليل: واختار المسلم أربعاً وإن أواخر، وإحدى أختين مطلقاً، وإحدى أم
وابنتها لم يمسهما، وإن مسهما حرمتا، وإحداهما تعينت اهـ قال الخرشي: يعني أن الكافر الكتابي أو المجوسي إذا أسلم وتحته عشر مجوسيات ثم أسلمن أو كتاابيات، وسواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود فإنه يختار منهن أربعاً وإن كن أواخر في العقد ويفارق البواقي. والفرقة فسخ لا طلاق على المشهور. وسواء كان في حال اختيار. مريضاً أو لا، محرماً أو لا كانت المختارة أمة هو واجد لطول الحرة أم لا، لكونه كرجعة. وقيل بامتناعه كالابتداء. قال ابن عرفة: والأول أظهر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان تحته غير كتابية فأسلمت بعد أيام أقرت وروي عن ابن القاسم إن كان بعد شهر وإلا بانت، فإن سبقته فقبل الدخول تبين وبعده إن أسلم في عدنها ثبت عليها " يعني كما تقدم أنه إن أسلم وكانت تحته حرة كتابية ثبت عليها، وإن كانت مجوسية وأسلمت بعده مكانها بأن لم يتأخر إسلامها فوق الشهر كانا زوجين ولو كانت أمة لأنها تصير أمة مسلمة تحت مسلم، ولو لم توجد بقية شروط تزوج الحر المسلم الأمة على الراجح بناء على أن الدوام ليس كالابتداء. وتقدم تلخيص جميع ذلك فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فلو كانت مبتوتة لحلت بغير محلل " يعني أن الكافر لو طلق زوجته ثلاثاً في حال كفره وفارقها بأن أخرجها من حوزه ثم أسلم، أو أسلمت هي أولاً وأسلم هو في عدتها، أو أسلما معاً فإن له أن يعقد عليها قبل أن تنكح زوجاً غيره، وإليه أشار خليل مبالغاً على جواز عقده وبقاء نكاحه بعقد جديد بغير محلل بقوله: ولو
стр. 625
طلقها ثلاثاً وعقد عليها إن أبانها. قال الدردير أي أخرجها من حوزه وفارقها وإن لم يحصل منه طلاق حيث زعم أن إخراجها فراق، إذ ما وقع منه من الطلاق الثلاث حال الكفر لا يعتبر لأن صحة الطلاق شرطها الإسلام، وإنما احتاج لعقد جديد لأجل إخراجها من حوزه واعتقاده أن ذلك فراق عندهم، أما إذا لم يبنها أي لم يخرجها من حوزه وتماديا بعد الطلاق الثلاث حتى أسلما لما احتاج لعقد، بل يقران على نكاحهما ولا يبحث عنهما بشيء، لا من جهة الطلاق الذي تقدم في الكفر، ولا من جهة الولي، ولا من جهة الصداق ترغيباً لبقائهما في الإسلام، ولقوله ﵊: " الإسلام يجب ما قبله " اهـ مع زيادة إيضاح
قال رحمه الله تعالى: " ولا نكاح بين المسببين " يعني كمال قال ابن القاسم في المدونة: إن السبي يفسخ النكاح. وقال محمد بن علي: السباء يهدم نكاح الزوجين اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وإذا سبي الزوجان معاً أو أحدهما انقطع النكاح وجاز لسيدها وطؤها. وقيل يثبت نكاحهما. وقيل ينقطع إن سبيت قبله
اهـ. قال خليل: وهدم السبي النكاح إلا أن تسبي وتسلم بعده اهـ. قال الشارح. يعني أن الزوجين الكافرين إذا سبيا مجتمعين أو أحدهما قبل الآخر فإن النكاح ينفسخ بينهما ويحل وطؤها بعد الاستبراء بحيضة ولا عدة لأنها صارت أمة، إلا في صورة واحدة فإنه لا ينقطع بينهما وهي ما إذا أسلم سواء كان عندنا بأمان أو جاء إلينا ثم سبينا زوجته ثم أسلمت بعد ذلك في العدة أي قبل رؤيتها الدم فإنهما يقران على نكاحهما ترغيباً في الإسلام، لأنها صارت أمة مسلمة تحت حر مسلم، فإن لم تسلم فرق بينهما لأنها أمة كتابية تحت مسلم وهو لا يجوز له أن يتزوج الأمة الكافرة، وإنما له أن يطأها بالملك اهـ الخرشي.
ولما أنهى الكلام على إسلام الزوجين وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على الصداق وما يتعلق به من الأحكام والأخبار، وما ورد من الآيات في ذلك، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 626
فَصْلٌ
في الصداق قلة وكثرة وأحكامه
أي في بيان الصداق الذي هو مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق الزوجين في موافقة الشرع ويسمى مهراً، وطولاً، ونحلة وهو شرط في صحة الدخول على الصحيح. قال الله ﵎: ﴿يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي أتيت أجورهن﴾ ﴿الأحزاب: ٥٠﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ﴿النساء: ٤﴾ وقال : ﴿فما استمتعتم به منهن فءاتوهن أجورهن فريضة﴾ ﴿النساء: ٢٤﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ﴿النساء: ٢٠﴾ وقال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ ﴿النساء: ٣٤﴾ وغيرها من الآيات الدالة على وجوبه ومن الأحاديث قوله ﵊: " لا نكاح إلا بولي وصداق " الحديث، فالزوج لا يستبيح الفرج الفرج إلا بالصداق يدفعه للمرأة عند العقد، أو عند إرادة الدخول إن كان حالاً وأما إن كان مؤجلاً فعند حلوله، ولها منع نفسها حتى تقبضه إن لم يسبق الوطء منه، وإلا فلا كما سيأتي. واختلف العلماء في أقله. ولا خلاف عندنا أن أقل الصداق ربع دينار شرعي، أو ثلاثة دراهم شرعية، أو ما يقوم مقام ذلك من العروض، اعتباراً بأقل ما تقطع به يد السارق، وهو اعتبار صحيح، وأما أكثر الصداق فلا حد له اتفاقاً، وإنما يكون على حسب ما يتراضى عليه الأزواج والزوجات، وعلى حسب الأقدار والحالات والأزمان إلا أنه يستحب المياسرة فيه، ويكره التغالي كما يأتي.
قال رحمه الله تعالى: " لا حد لأكثر الصداق، وأقاه نصاب القطع " يعني لا
حد لأكثر ما يدفع للمرأة من الصداق، ولا أقل منه على ما يوجب قطع يد السارق، ويسمى نصاب القطع هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم. قال ابن عباس ﵁: وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يسأل عن مهر النساء فيقول: هو ما اصطلح عليه
стр. 627
أهلوهم اهـ. وسئلت عائشة، ﵂، كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونش، قالت للسائل: أتدري ما النش؟ قال لا، قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم اهـ. وكان عمر بن الخطاب، ﵁، كثيراً ما يقول: لا تغلوا صدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. وصعد ﵁، مرة منبر فقال: لا تزيدوا في صداق على أربعمائة درهم، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: تنهى الناس عن شيء أباحه الله لهم، فقال كيف؟ فقالت: أما سمعت قول الله ﵎: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فقال: اللهم عفواً، كل الناس أفقه من عمر. فلما صعد المنبر ثانية قال: إني كنت نهيتكم آنفاً عن أن تزيدوا في صداق النساء على أربعمائة، فمن شاء أن يعطي من ماله ما طابت به نفسه فليفعل اهـ وفي الحديث: " يسروا ولا تعسروا ". . وعنه ﷺ : " تياسروا في الصداق " وفي رواية " من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز عرضاً ومنفعة " يعني أنه يجوز أن يكون الصداق عرضاً، وهو كل ما يمكن تقويمه من عروض التجارة إذا كان يساوي ثلاثة دراهم فأعلى. وقدر الدرهم زنة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير الوسط. قال الجزيري في الفقه: المالكية قالوا إن المهر يصح أن يكون عيناً من ذهب أو فضة أو عرض تجارة أو حيوان أو دار أو نحو ذلك. وأما المنافع من تعليمها القرآن ونحوه، أو سكنى الدار، أو خدمة العبد ففيها خلاف، فقال مالك إنها لا تصلح مهراً فيمتنع ابتداء أن يسميها مهراً، وقال ابن القاسم: إنها تصلح مهراً مع الكراهة، وبعض أئمة المالكية يجيزها بلا كراهة، والمعتمد قول مالك طبعاً، ولكن إذا سمى شخص منفعة من هذه المنافع مهراً فإن العقد يصح على
стр. 628
المعتمد ويثبت للمرأة المنفعة التي سميت لها، وهذا هو المشهور اهـ. وقد ذكرنا في بدر الزوجين جملة مما يجوز أن يكون صداقاً فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وعلى عبد مطلق وشورة، ويلزم الوسط من الرقيق وشورة مثلها " يعني يجوز أن يجعل صداق المرأة عبداً من عبيده أي غير موصوف ولا معين تختاره هي. قال خليل: الصداق كالثمن كعبد تختاره هي لا هو. قال
المواق في المدونة: من نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز، وعلى أيهما شاء لم يجز كالبيع اهـ. وقوله: وشورة، أي يجوز النكاح على شورة بيت إن كان معروفاً كما في المدونة، أي مما جرت به عادة الناس. قال الخرشي: فإن كانت حضرية فلها الوسط من شورة مثلها في الحاضرة أو بدوية فالوسط من أهل البادية، ولها الوسط من الإبل والغنم، وكذلك يعتبر الوسط من الرقيق. انظر حاشية العدوي على الخرشي اهـ. قال خليل: وجاز بشورة، أو عدد من كإبل أو رقيق وصداق مثل، ولها الوسط حالاً، وفي شرط ذكر جنس الرقيق قولان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " واشتراط عدمه مبطل " الضمير في عدمه عائد إلى الصداق. يعني أن اشتراط إسقاط الصداق بأن اتفقا على عدمه جملة وذلك مبطل للنكاح، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل. قال في الرسالة: ولا يجوز نكاح بغير صداق. قال أبو الحسن: إذا شرط إسقاطه، فإن وقع فالمشهور أنه يفسخ قبل الدخول وليس لها شيء وفي فسخه بطلاق قولان، ويثبت بعده بصداق المثل، ويلحق به الولد ويسقط عنه الحد لوجود الخلاف. قال العلامة العدوي: قوله إذا شرط إسقاطه، وفي معنى إسقاطه، إرسالها له مالاً على أن يدفعه لها صداقاً فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل اهـ. وقال النفراوي: والمضر إنما هو الدخول على الصداق فإنه يقتضي فسخ العقد قبل الدخول وإن ثبت بعده بصداق المثل اهـ. وفي العزية: فلو رضيت بإسقاطه
стр. 629
جملة لم يجز، ولها أن تسقط ما زاد على ربع دينار. قال الشرنوبي: فإن أعطته سفيهة ما ينكحها به ثبت النكاح، ووجب عليه رده لها وإعطاؤها من ماله مثله إن كان صداق المثل، وإلا فصداق المثل. ولو وهبت له الرشيدة قبل الدخول ما يصدقها به وأصدقها إياه ثبت النكاح وملكته وأجبر على دفع أقله فإن لها أن تسقط ما زاد، وأما إذا وهبته بعد الدخول فلا شيء عليه لأنه إبراء بعد أن قدم على البضع بوجه جائز، ومثله ما لو دفعته له بعد أن قبضته ولو كان الدفع والقبض قبل الدخول اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وبما لا يجوز تملكه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل " يعني كما قال خليل: أو بما لا يملك كخمر وحر، أو بإسقاطه، أو كقصاص أو آبق إلخ يعني يفسخ النكاح قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل بوقوعه بما لا يجوز تملكه شرعاً كالحر والخمر والخنزير، أو بغير متمول كالقصاص، أو كالآبق والبعير الشارد أو غير ذلك مما فيه الغرر. قال المواق: قال ابن الحاجب: لا يجوز بخمر ولا بغرر كآبق ودار فلان على أن يشتريها. وفي المدونة إن تزوجها على دار فلان على أن يشتريها لها فسخ قبل البناء وثبت بعده
بمهر المثل اهـ. وقال خليل: وإن وقع بقلة خل فإذا هي خمر فمثله. قال في المدونة من تزوج على قلال خل بأعيانها فوجدتها خمراً فهي كمن نكحت على مهر فأصابت به عيناً فلها رده وترجع به إن كان يوجد مثله أو بقيمته إن كان لا يوجد مثله اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهو معتبر بحالها ويسارها وأبويها وأترابها لا بأقاربها " قال مالك في المدونة: لا ينظر إلى نساء قومها، ولكن ينظر في هذا إلى نسائها في قدرها وجمالها وموضعها وغناها، وقال ابن القاسم: والأختان تفرقان هاهنا في الصداق، قد تكون الأخت لها المال والجمال والشطاط، والأخرى لا غنى لها ولا جمال فليس هما عند الناس في صداقهما وتشاح الناس فيهما سواء اهـ. وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي
стр. 630
صلى الله عليه وسلم: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " متفق عليه. قال خليل: مهر المثل ما يرغب به مثله فيها باعتبار دين وجمال وحسب ومال وبلد، وأخت وشقيقة أو لأب، لا الأم والعمة اهـ. ومثله في الدردير. قال الدسوقي: يعني ويعتبر فيها المال والجمال والحسب، وهو ما يعد من مفاخر الآباء من كرم وعلم وحلم ونجدة وصلاح وإمارة ونحوها، ولا بد من اعتبار النسب والبلد، فإنما هو يختلف باختلاف البلاد لأن الرغبة في المصرية مثلاً تخالف الرغبة في غيرها، فمتى وجدت هذه الأشياء عظم مهرها، ومتى فقدت أو بعضها قل مهرها فالتي لا يعرف لها أب، ولا هي ذات مال ولا جمال ولا ديانة ولا صيانة، فمهر مثلها ربع دينار مثلاً، والمتصفة ببعضها بحسبه اهـ. وقوله: وأترابها أي صواحبها. وقوله: لا بأقاربها أي من جهة الأم وأما أقاربها من جهة الأب فيعتبر بهن كما أشار بذلك خليل بقوله: وأخت شقيقة أو لأب، لا الأم والعمة أي أخت أبيها من أمه، وأما شقيقته وأخته من أبيه وأخت المخطوبة شقيقتها أو لأبيها فيعتبر مهرهما إن وافقتهما في الصفات المتقدمة لا أخت لأم من نسب آخر فلا يعتبر بها اهـ جواهر الإكليل مع إيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ولو جعل عتقها صداقاً مضى العتق ولزم مهر مثلها " قال ابن جزي: لا يجوز أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقاً خلافاً لابن حنبل وداود اهـ. قال خليل عاطفاً على ما لا يلزم: والوفاء بالتزويج، نقل الحطاب عن التلقين: ومن أعتق أمته على أن تتزوجه بعد العتق فلا يلزمها ذلك، وإن شرط أن عتقها صداقها لم يصح ولزمه الصداق اهـ. ومثله في المواق: قال الدسوقي: يعني أن الإنسان إذا أعتق أمته بشرط أن تتزوج به أو بغيره، فلما تم عتقها امتنعت من ذلك فإنه لا يقضي عليها به ولا يلزمها الوفاء به؛ لأنها ملكت نفسها بمجرد العتق،
والوعد لا يلزم الوفاء به اهـ. ومثله
стр. 631
في الخرشي قال العدوي عليه: ويجوز الوفاء بالتزويج حيث كان الشرط جائزاً بخلاف غير الجائز، كما لو أعتق أمة على أن صداقها عتقها فإنه لا يجوز الوفاء به لأن العتق غير متمول كما في القصاص اهـ.
هذه نصوص أئمة المذهب لأن جعل عتق الأمة صداقاً في تزويجها من خصائصه ﵊ عند مالك وأصحابه كما في الحطاب وغيره، خلافاً لباقي الأئمة. قال الشعراني في كشف الغمة: (فرغ فيمن أعتق أمته ثم تزوجها) كان رسول الله ﷺ يقول: " أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " وفي رواية: " إذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران " وقال أنس، ﵁: لما اصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي واتخذها لنفسه خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته، أو يلحقها بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، فجعل عتقها صداقها اهـ. انظر أقوال الأئمة في الميزان. والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: " ولو شرط زيادة على الصداق في العقد فهي كالصداق " يعني أن ما شرط زيادته من الهدية قبل العقد أو حين العقد فحكمه حكم الصداق، وكذا ما جرى به العرف ولو لم يشترط. قال ابن جزي في المسائل: المسألة الثالثة في استقراره وتشطيره، ويجب جميعه بالدخول أو بالموت اتفاقاً، ونصفه بالطلاق قبل الدخول اتفاقاً، إلا إن طلقها في نكاح التفويض، وقد اختلف هل وجب لها جميعه بالعقد ثم يسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، أو وجب لها نصفه بالعقد والنصف الباقي بالدخول أو بالموت، وهو اختلاف عبارة اهـ. قال خليل عاطفاً على ما يتشطر: وهدية اشترطت لها أو لوليها قبله. قال الخرشي: يعني أن الهدية التي اشترطت لها أو لوليها أعم من أبيها أو وصيها قبل عقد النكاح عليها أو حين العقد إذا كان ذلك على شرط النكاح فإنها تتشطر بالطلاق قبل الدخول عليها لأنها هدية لأجل النكاح، ومثل الاشتراط إذا جرى العرف بذلك اهـ. ومثله في الدردير.
стр. 632
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجمع البيع والنكاح في العقد " يعني لا يجوز اجتماع البيع والنكاح في عقد واحد، وكذا باقي العقود السبعة. قال خليل عاطفاً على ما يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل: واجتماعه مع البيت كدار دفعها هو أو أبوها. قال شراحه: المشهور أن النكاح في هذه المسألة فاسد لصداقه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وهو ما إذا اجتمع مع البيع، أو القرض، أو الشركة، أو الجعالة، أو الصرف، أو المساقاة، أو القراض، في عقد
واحد للجهل بما يخص البضع من ذلك، أو لتنافي الأحكام بينهما، فإن النكاح مبني على المسامحة والمكارمة، والبيع وما معه مبني على المشاحة والمكايسة. وصورة اجتماع البيع والنكاح مثلاً كأن يدفع الزوج الدار لزوجة على أن يتزوجها ويأخذ منها مائة دينار، فالدار نصفها في مقابلة البضع والنصف الآخر في مقابلة المائة، فقد اجتمع البيع والنكاح في عقد واحد، وكذلك الحكم بفساد النكاح لو دفع الدار أبو الزوجة أو الزوجة نفسها للزوج على أن يتزوجها ويدفع للزوجة مائة دينار مثلاً، فالمائة التي يدفعها الزوج بعضها في مقابلة البضع وبعضها في مقابلة الدار، فقد اجتمع البيع والنكاح في عقد واحد، وظاهره فساد النكاح المجتمع مع البيع سواء سمي لكل منهما ما يخصه من ذلك أم لا اهـ. ومثله في جواهر الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تعجيله أو بعضه قبل الدخول، ولها الامتناع حتى تقبض الحال لا المؤجل، ولا بعد تمكينه، فإن أعسر قبل البناء فلها الفسخ " يعني يندب للزوج تقديم جميع الصداق للمرأة أو بعضه قبل الدخول وإن كان تسليمه واجباً في بعض الأحوال. قال في أقرب المسالك: ووجب تسليمه إن تعين أو حل وإلا فلها منع نفسها من الدخول والوطء بعده والسفر معه إلى تسليم ما حل لا بعد الوطء إلا أن يستحق ولو لم يغر اهـ. قال ابن جزي: للمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها، وليس لها ذلك بعد طوعها بالتسليم. وقال غيره: جاز للزوج أن يتأجل بعض الصداق إلى
стр. 633
زمن معلوم إن لم يقدر على تسليمه حين العقد أو قبله. وقال مالك: يكره له أن يدخل بها قبل دفع ربع دينار، ولها منع نفسها حتى تقبضه اهـ. وقال الدردير في أقرب المسالك: وإن ادعى العسر ولا مال له ظاهر ولا بينة تشهد بعسره أجل لإثباته ثلاثة أسابيع، فإن أثبته تلوم له بالنظر من الحاكم ولو لم يرجع له مال، ثم إن لم يأت به طلق عليه إذا لم ترض بالمقام معه وانتظاره، ووجب عليه نصفه لكونه قبل؛ إذ لا طلاق بعد الدخول بعسر صداق اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في قدره أو عينه، فإن حلفا تفاسخا، وأيهما نكل لزمه ما حلف عليه الآخر، وبعد الدخول القول قوله " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك ونصه: وفي قدر المهر أو صفته قبل البناء فالقول لمدعي الأشبه بيمينه. وإلا حلف وفسخ وبدأت، وقضى للحالف على الناكل. وفسخ في الجنس مطلقاً إن لم يرض أحدهما بقول الآخر، وبعد البناء فالقول له بيمين في القدر أو الصفة وإن لم يشبه كالطلاق والموت، فإن نكل حلفت أو ورثتها ورد لصداق المثل في الجنس ما لم يزد على ما ادعته أو ينقص عن دعواه وثبت النكاح اهـ. قال الشارح: فتحصل أنه كان التنازع قبل البناء ولم يحصل
طلاق ولا موت فالقول لمدعي الأشبه بيمينه ولا فسخ في القدر والصفة، فإن أشبها معاً أو لم يشبها تحالفا، وفسخ إن لم يرض أحدهما بقول آخر، وإن كان التنازع قبله في الجنس حلفا وفسخ مطلقاً ولا ينظر لشبه ولا عدمه ما لم يرض أحدهما بقول الآخر. وإن حصل التنازع بعد البناء أو قبله بعد طلاق أو موت فالقول للزوج بيمينه ولا فسخ في القدر والصفة، وأما في الجنس فيرد لصداق المثل بعد حلفهما أو نكولهما معاً، ولا سبيل للفسخ، ولا يراعى شبه لهما ولا لأحدهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بما ادعى ولا فسخ أيضاً وقد علمت أنه متى حصل بناء فلا فسخ مطلقاً، كان النزع في القدر أو الصفة أو الجنس، أشبها أو لم يشبها، أو أشبه أحدهما
стр. 634
دون الآخر، إلا أنه في القدر والصفة القول قول الزوج إن حلف، وإلا حلفت وكان القول لها. وفي الجنس يرد لصداق المثل إن حلفا أو نكلا، فإن حلف أحدهما فالقول له، وأنه إن لم يحصل بناء فتارة يفسخ، وذلك فيما إذا تحالفا أو تناكلا معاً في اختلافهما في الجنس مطلقاً أو في الصفة والقدر إذا لم ينفرد أحدهما بالشبه. وصور المسألة أربع وعشرون؛ لأن التنازع إما في القدر أو الصفة أو الجنس، وفي كل إما أن يشبها معاً، أو لم يحصل شبه، أو يشبه الزوج فقط أو هي فقط، وفي كل إما أن يبني بها أولاً. وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق بين الاختلاف في الجنس وغيره، وهو خلاف ما قرره في توضيحه ونقله عن اللخمي وابن رشد والمتيطي وغيرهم اهـ انظر أيضاً حاشية الصاوي عليه إن شئت زيادة على ما جلبناه لك فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: " وفي قبضه قبل الدخول قولها، وبعده قول من شهد له العرف، إلا أن يكون معها كتاب ثابت ط يعني وإن كان التنازع في قبض الصداق وعدمه فالقول قول الزوجة قبل الدخول. قال ابن جزي: وإن اختلف في القبض فالقول قولها قبل الدخول، والقول قوله بعد الدخول، إلا إن كان هناك عرف فيرجع إليه. وقال الشافعي وأحمد: القول قوله مطلقاً اهـ. قال في المقرب: سئل بعضهم فيمن تزوج امرأة بصداق بعضه معجل وبعضه مؤجل ودخل بها واختلفا في قبض المؤجل، فقال: سئل مالك عن رجل تزوج بمائة دينار وخادم إلى سنة فنقدها المائة ودخل عليها بعد السنة من يوم تزوجها، ثم اختلفا في قبض الخادم، فقال مالك: إن كان دخل بها بعد مضي السنة فالقول قول الزوج، وإن كان دخل بها قبل مضي السنة فالقول قول المرأة، فكذلك مسألتك اهـ. نقله ميارة في شرحه على العاصمية. ونقل أيضاً عن التهذيب: وإذا ادعى الزوج أنه دفع الصداق وأنكرت الزوجة، أو مات الزوج فادعت الزوجة أنها لم تقبض صداقها، أو مات
الزوجان وتداعى ورثتهما في دفع الصداق فلا قول للمدخول بها
стр. 635
ولا لورثتها وإن لم يدخل صدقت هي أو ورثتها اهـ. قوله: وبعده قول من شهد له العرف يعني للعرف في هذه المسائل تأثير، فالحق مراعاته قاله ميارة: قوله: إلا أن يكون معها كتاب ثابت. قال ابن رحال في شرحه على العاصمية: وقد نقلنا في الشرح كلام الناس الدال على أن المذهب هو اعتبار القيود المذكورة، ويظهر من كلام من قيد بالكتاب أن المراد به كتاب مخالف لكتاب الصداق، وقد بينا ذلك في الشرح أيضاً، وهذه المسائل صعاب غاية، فيحتاج القاضي إلى البحث عن العوائد وإلى النظر في أحوال الناس، فإن كثيراً من أهل البوادي يعطي الزوج منهم لولي المرأة ما يطلبه منه ويؤخر عنه بعض الصداق المقدم لأجل ما أعطيه، ولا يكتب الولي أنه بقي عليه كذا ويدخل الزوج فيأتي القاضي الذي لم يطلع على فعل الناس فيصدق الزوج في الدفع لدخوله، وذلك خطأ صراح، ومن مازج الناس ورفع لهم الرأس اطلع على ما هو أكثر من هذا. وهنا يحتاج القاضي إلى السؤال عن الأحوال والبحث عن شأن النساء والرجال، فربما تكون المرأة راغبة في الزوج غاية فتؤخر عنه، وربما يكون العكس فلا، ومن راقب الله منحه هداه، ولكن قف على الشرح تر ما ينجي من عذاب الله بحول الله وقوته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويكمل بالموت والبناء " يعني أن الصداق يكمل بموت أحد الزوجين وبالدخول بمعنى الوطء، وكذا بالمقام سنة في بيت الزوج ولو لم يطأ كما تقدم. قال ابن جزي: وإن بنى بها وطال الأمر سنة وجب لها جميع الصداق اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويتشطر بالطلاق قبله " يعني أن الصداق يتشطر بالطلاق قبل الدخول. وكذا الهدية التي أهداها الخاطب قبل العقد فإنها تتشطر كالصداق، سواء كانت لها أو لوليها كما تقدم عند قوله: ولو شرط زيادة على الصداق في العقد فهي كالصداق فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويسقط بكل فرقة تكون من جهتها إلا التمليك
следующие страницы →