Полный текст (1 296 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
سلعة فلان. ولا شك في حرمة هذا لأنه يؤدي إلى التباغض. وكل ذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم فتأمل اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما المزايدة فهي أن ينادى على السلعة ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على أخر زائد فيها فيأخذها، وليس هذا مما نهى عنه من مساومة الرجل على سوم أخيه؛ لأنه لم يقع هنا ركون ولا تقارب. ثم قال: فإن أعطى رجلان في سلعة ثمناً واحداً تشاركا فيها. وقيل إنها للأول اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والساج مدرجاً والثوب مطوياً " يعني من البيع المنهي عنه بيع الساج مدرجاً والثوب مطوياً. قال في الرسالة: ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف أو في ليل مظلم اهـ. والمضر اشتراط لزوم البيع بمجرد حضور السلعة عند المشتري بدون نشرها ولا تأمل، ولا على خيار، أما لو وقع العقد على الخيار بالرؤية والتأمل لجاز ولو لم يذكر نوعه ولا جنسه. قوله: مطوياً أما لو نشر لجاز الشراء بلا خلاف ولو على اللزوم. أما الوصف فقط فلا يجوز على أحد قولين لمالك في الشيرج المدرج في جرابه اهـ. وفي شرح ابن ناجي على الرسالة نقلاً عن ابن المواز قال: اختلف قول مالك هل يجوز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة أم لا على قولين، قال ابن عبد البر: بيع الثوب في طيه دون أن ينظر إليه لا يجوز عند الجميع لأنه من معنى بيع الملامسة، فإن عرف ذرعه طولاً وعرضاً ونظر إلى الشيء منه واشترى على ذلك جاز، فإذا خالف كان له القيام كالعيب لأنها مسألة أخرى، ولذلك لم يحك فيه خلافاً، وعرضت هذه على بعض من لقيناه فأقره واستحسنه اهـ. قال ابن جزي: يجوز بيع ما في الأعدال من الثياب
على وصف البرنامج، بخلاف الثوب المطوي دون تقليب ونشر اهـ. قال زروق في شرحه على الرسالة: وفي الموطأ جواز بيع البرنامج، بخلاف الساج المدرج، قال وفرق بينهما عمل الماضين ومعرفته في صدور الناس. وعن ابن حبيب فرق
стр. 772
بينهما كثرة الثياب وعظم المؤونة في الفتح. قال أبو عمر: إذا خرج طرف الثوب أجزأه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف أعدال البز على البرنامج " فيجوز. قال خليل: وجاز برؤية بعض المثلي والصوان، وعلى البرنامج، ثم قال: وحلف مدع لبيع برنامج أنه موافق للمكتوب. قال مالك في الموطأ في الرجل يقدم له أصناف من البز ويحضره السوام، ويقرأ عليهم برنامجه ويقول: في كل عدل كذا وكذا ملحفة بصرية، وكذا وكذا ريطة سابرية ذرعها كذا وكذا، ويسمي لهم أصنافاً من البز بأجناسه، ويقول اشتروا مني على هذه الصفة فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، ثم يفتحونها فيستغلونها ويندمون، قال مالك: وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندما يجيزونه بينهم إذا كان المتاع موافقاً للبرنامج ولم يكن مخالفاً له اهـ. ومثله في المدونة. وفيها: فكفى بقول مالك حجة، فكيف وقد أخبر أنه فعل الناس مع ما ذكرنا من الآثار أي من حديث أبي هريرة اهـ.
ثم ذكر جملة من بيوع الغرر فقال رحمه الله تعالى: " ولا بيع الغرر وهو ما يتعذر تسليمه أو لا ينتفع به كالمشرف، ولا مجهول كشاه من شياه، وعبد من عبيد، ولحم في جلده، وحب في سنبله، أو مختلط بتبنه " يعني مما نهى عنه واتفق على منعه أهل العلم بيع الغرر إلا إذا كان الغرر يسيراً جداً فيغتفر، وتقدم كثير من أحكامه. وعن مالك في الموطأ بإسناده عن سعيد بن المسيب " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر " قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون ديناراً، فيقول رجل أنا آخذه منك بعشرين ديناراً، فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون ديناراً، وإن لم
стр. 773
يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين ديناراً، قال مالك: وفي ذلك عيب آخر أن تلك الضالة غاية النهاية وجدت لم يدر أزادت أم نقصت أم ما حدث بها من العيوب، فهذا أعظم ما في المخاطرة. قال مالك: والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب؛ لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج، وإن خرج لم يدر أيكون حسناً أم قبيحاً، أم تاماً أم ناقصاً، أم ذكراً أم أنثى، وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا فقيمته كذا، وإن كان على كذا فقيمته كذا اهـ.
ومن الغرر بيع ما يتعذر تسليمه كالبعير الشارد، والعبد الآبق كما تقدم،
والطير في الهواء، والسمك في الماء. ومن ذلك ما لا ترجى سلامته ولا ينتفع به بعد الشراء، وذلك كالمريض المشرف.
ومن الغرر المنهي عنه الجهل بعين المثمون كبيع شاة من شياه غير معينة أو عبد من عبيد غير معين، أو بيع لحم في جلده قبل سلخ الشاة، وكل ذلك ممنوع للغرر. وتقدم الكلام في بيع الحيوان باللحم فراجعه إن شئت في الكلام على المزابنة.
وكذلك من الغرر المنهي عنه الجهل بالثمن، أي كما لا يجوز البيع لجهل المثمون كذلك لا يجوز إذا جهل مقدار الثمن، وذلك كقول البائع للمشتري: بعتك سلعتي هذه بسعر اليوم، أو بما يبيع الناس، أو بما يقول فلان، إلا بيع الجزاف، وقد تقدم حكمه. قال ابن جزي وغيره: ولا يجوز بيع القمح في سنبله للجهل به. ويجوز بيعه مع سنبله، وكذلك لا يجوز بيعه في تبنه ويجوز بيعه مع تبنه، ولا يجوز بيع تراب الصاغة، ولا يجوز بيعه بعد تصفيته لنفي علة الجهل بالمثمون فيها.
ومن المنهي عنه الجهل بالأجل، ولا يجوز البيع لأجل مجهول كما تقدم، وذلك مثل قدوم زيد، أو يوم موت عمرو، أو حتى تمطر السماء، كل ذلك مما لا يجوز للجهل
стр. 774
والغرر، ويجوز أن يقول إلى الحصاد، أو إلى معظم الدراس، أو إلى شهر كذا ونحوه، ويحمل على وسطه اهـ بتصرف وإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز أذرع من ثوب أو قفيز من صبرة معينة " يعني يجوز بيع أذرع من جملة الثياب أو بيع قفيز أو صاع من صبرة معينة. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على الجائزات: وصاع، أو كل صاع من صبرة، أو كل ذراع من شقة، أو كل رطل من زيت إن أريد الكل أو عين قدر وإلا فلا اهـ. وقد تبع في اشتراط الكل خليلاً: إلا أنه لما عين القدر المعلوم من الصبرة المعينة كما قال المصنف، أو من الشقة المعينة، أو من الزيت المعين جاز البيع بالتعيين وانتفت العلة المانعة وهي الجهل بالثمن والمثمون. ولا فرق في ذلك بين المكيلات والموزونات والمقيسات، فيجوز شراء ذلك من الصبرة المعيينة، أو الشقة المعينة إذا عين قدراً معلوماً كصاع، أو عشرة أصوع بكذا، أو ذراع أو عشرة أذرع، أو رطل أو عشرة أرطال، أو نحو ذلك اهـ بحذف. وفي المواق: قال ابن عرفه: الروايات معها جواز بيع عدد آصع أو أقفزة من صبرة أو كلها على الكيل كل صاع أو قفيز بكذا اهـ. قال الخرشي يعني أنه يجوز بيع عدد أصوع من صبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها، وكذا شراء كل صاع بكذا من هذه الصبرة والمشتري جميعها، سواء كانت معلومة الصيعان أو مجهولتها على المذهب اهـ.
قال رحمه الله تعالى ك " ولا بيع حاضر لباد بخلاف شرائه " يعني من المنهي
عنه أن بيع الحاضر لباد، بخلاف شراء الحاضر له فيجوز كما يأتي. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد " وعن طاوس عن ابن عباس بلفظ " ولا بيع حاضر لباد، قلت لابن عباس: ما قوله ولا بيع حاضر لباد؟ قال لا يكون له سمساراً " متفق عليه. قال ابن جزي في القوانين: النوع الرابع: بيع حاضر لباد من الذين لا يعرفون الأسعار. وقيل لكل وارد على مكان وإن كان
стр. 775
من مدينة، وتعريفه بالسعر كالبيع فلا يجوز، واختلف في شرائه له اهـ. قال العلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفقه: منها أي من البيوع المنهي عنها بيع الحاضر للبادي، وهو أن يتولى شخص من سكان الحضر السلعة التي يأتي بها البدوي من البادية بقصد بيعتها دفعة واحدة، فبيعها الحضري على مثله تدرجاً، فيضيق على الناس ويرفع ثمن السلعة.
وعند السادة المالكية: لا يجوز أن يتولى أحد من سكان الحضر بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية بشرطين: أحدهما: أن يكون البيع لحاضر، فإذا باع لبدوي مثله فإنه يجوز. ثانيهما: أن يكون ثمن السلعة غير معروف بالحاضرة، فإن كان معروفاً فإنه يصح، وذلك لأن علة النهي تركهم يبيعون للناس برخص فينتفع الناس منهم، فغذا كانوا عارفين بالأسعار فإنه لا فرق حينئذ بين أن يبيعوا بأنفسهم وبين أن يبيع لهم السماسرة. وقيل لا يجوز مطلقاً. أما شراء ساكن الحاضرة لأهل البادية فإنه يجوز وهل سكان القرى الصغيرة مثل سكان البوادي؟ قولان، أظهرهما أنه يجوز أن يتولى سكان الحاضرة بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية مع وجود الشرطين المذكورين فإن البيع يفسخ ويرد المبيع لبائعه ما لم يكن قد استهلكه فإنه ينفذ بالثمن، ويكون كل من البائع والمشتري والسمسار قد ارتكب معصية يؤدب عليها، ويعذر فاعلها بالجهل بالتحريم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يتلقى الأقوياء الركب ليختصوا بشراء ما جلبوه، ويخير أهل البلد في مشاركتهم، وفي فسخها خلاف " يعني من المنهي عنه الخروج لتلقي الركبان. وفي الموطأ عن مالك بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تلقوا الركبان للبيع) الحديث. قال ابن جزي في القوانين:
стр. 776
النوع الخامس: أي من البيوع المنهي عنه تلقي السلعة على ميل، وقيل على فرسخين، وقيل على مسيرة يوم فأكثر قبل أن تصل إلى الأسواق، وهو لا يجوز لحق أهل الأسواق، فإن وقع اختلف في تأديب المتلقي وفي اشتراك أهل السوق معه. قال الشافعي: إنما يمنع لحق صاحب السلعة فهو بالخيار، وأجازه أبو حنيفة اهـ. وحاصل فقه المسألة
على المشهور في المذهب أنه: لا يجوز تلقي السلع التي ترد إلى بلد من البلدان لتباع فيها، فلا يحل لشخص أن يقف خارج البلدة ويتلقى البائعين الذين يحضرون بسلعهم فيشتريها منهم؛ لأن في ذلك إضراراً بأهل البلدة وتضييقاً عليهم، فإذا ابتعد عن البلدة مسافة ستة أميال فإنه يصح له حينئذ أن يشتري من تلك السلع ما يشاء، سواء كان لتجارة أو لقوت، وسواء كانت البلدة الواردة إليها السلع لها سوق أو لا على المعتمد. أما من كان على مسافة أقل من ستة أميال فإن كان للبلد سوق فإنه لا يجوز له أن يشتري للتجارة، أما للقوت فإنه يجوز، وإن لم يكن لها سوق فإنه يجوز أن يشتري للتجارة والقوت، فإذا وصلت السلع إلى البلد فإن كان لها سوق فلا يجوز الأخذ منها مطلقاً إلا إذا وصلت إلى السوق، وإن لم يكن لها سوق جاز الأخذ منها مطلقاً للتجارة والقوت. وإذا كان صاحب السلعة في البلد والسلعة في بلد آخر وكان يريد أن يأتي بها ليبيعها في سوق البلدة الموجود فيها فإنه لا يجوز شراؤها منه بالوصف قبل وصولها أيضاً. وشراء السلعة الممنوع تلقيها صحيح، ويضمن المشتري بعد شرائها أو يلزم بعرضها على أهل السوق ليشاركه فيها من يشاء؟ قولان مشهوران. ويستثنى من هذه السلع الثمار والخبز وحمال الساقيين اهـ. قاله الجزيري فراجعه إن شئت.
ثم ذكر العينة، وهو من المنهي عنه. قال رحمه الله تعالى: " وتمنع العينة وهو أن يقول اشتر لي من مالك بعشرة وهي لي باثني عشرة إلى أجل كذا، فإن فاتت في يده لزمه ما اشتريت به وسقط الزائد والأجل " يعني كما قال الدردير،
стр. 777
وإنما تمنع العينة لما فيها من تهمة سلف جر نفعاً؛ لأنه كأنه سلفه عشرة ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر. قال ابن جزي في القوانين: النوع الثاني: - أي من المنهي عنه -: العينة، وهو أن يظهرا فعل ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فيمنع للتهمة سداً للذرائع، خلافاً لهم. وهي ثلاثة أقسام: الأول: أن يقول رجل لآخر اشتر لي سلعة بكذا وأربحك فيها كذا، مثل أن يقول اشترها بعشرة وأعطيك فيها خمسة عشر إلى أجل، فإن هذا يؤول إلى الربا؛ لأن مذهب مالك أن ينظر ما خرج من اليد ودخل فيها ويلغي الوسائط، فكأن هذا الرجل أعطى لأحد عشرة دنانير وأخذ منه خمسة عشر ديناراً إلى أجل، والسلعة واسطة فتلغى. الثاني: لو قال له اشتر لي سلعة وأنا أربحك فيها، ولم يسم الثمن، فهذا مكروه وليس بحرام. الثالث: أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها، ثم يشتريها الآخر من غير أمره، ويقول قد اشتريت السلعة التي طلبت مني فاشتر مني إن شئت فيجوز أن
يبيعها منه نقداً أو نسيئة بمثل ما اشتراها به أقل أو أكثر اهـ. وإلى هذا القسم أشار خليل بقوله: جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال ولو بمؤجل بعضه، وكره خذ بمائة ما بثمانين إلخ. وفي الرسالة: ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالاً، وأصله ما في الموطأ من قول عبد الله بن عمر للمبتاع: لا تبتع منه ما ليس عنده، وقال للبائع: لا تبع ما ليس عندك فراجعه إن شئت. ثم نذكر هنا بعض ما تقدم من الغرر وما سيأتي مما ذكره صاحب الرسالة من قوله: وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء يخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز. ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجديد، ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن باع سلعة إلى أجل لم يجز له شراؤها بأقل من
стр. 778
الثمن، نقداً أو إلى أجل أدنى، أو بأكثر إلى أبعد، بخلافة بمثله أو أكثر نقداً " يعني كما في الرسالة، ونصها: وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقداً، أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر منه على أبعد من أجله. وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة اهـ. انظر تفصيل ذلك في الباب الحادي عشر من كتاب القوانين الفقهية لابن جزي، وفيه غنية لهذه المسألة.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع البيع يوم الجمعة ما بين النداء وانقضائها ممن تلزمه " يعني لا يجوز عقد البيع ما بين النداء والصلاة يوم الجمعة لمن تلزمه الجمعة، للنهي الوارد في ذلك. قال : ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ٩، ١٠] أي تفوزون بالجنة، قد أمر الله تعالى بترك عقد البيع عند النداء في يوم الجمعة، وأمر أيضاً بالسعي إلى الصلاة اعتناء بشأنها، حتى إن من عقد البيع وقت النهي يعاقب عليه بفسخه عند إمامنا مالك، خلافاً للشافعي، إلا أنه فعل ما حرم الله تعالى، ولا يفسخ عنده. قال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين: فالمراد بالبيع العقد بتمامه، فهو خطاب لكل من البائع والمشتري. ومثل البيع والشراء الإجازة والشفعة، والتولية، والإقالة، فإن وقعت حرمت وفسخت عند مالك. وعند الشافعي تحرم ولا تفسخ اهـ. وفي تفسير ابن جزي عند قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ
المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع. واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟ واختلف في بيع من لا تلزمهم الجمعة من النساء والعبيد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟ والأظهر
стр. 779
جوازه لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة، ويجري النكاح في ذلك الوقت مجرى البيع في المنع اهـ.
قوله: ويجري النكاح إلخ، قال الدردير في المسالك: وفسخ بيع ونحوه بأذان ثان، فإن فات فالقيمة حين القبض. قال: ومفهوم بيع ونحوه أن النكاح والهبة والصدقة والكتابة لا تفسخ إن وقعت عند الأذان الثاني وإن حرم اهـ. وفي القوانين أيضاً لابن جزي أنه قال: النوع السابع - أي من البيوع المنهي عنها - البيع يوم الجمعة من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، ويفسخ في المشهور خلافاً لهما اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع الملاهي وآلات القمار " يعني من المنهي عنه بيع الملاهي فلا يجوز بيع آلة اللهو كالعود والمزمار وجميع آلات اللهو التي تشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. ولا يجوز بيع آلة القمار وهو ما يأخذه الشخص من غيره بسبب المغالبة عند اللعب بنحو الشطرنج أو النرد أو الطاب أو المسابقة على غير الوجه الشرعي. ولا يجوز بيع آلة الغناء، ولا جارية مغنية. وقال بهرام في الشامل: وترد شهادة المغني والمغنية، والنائح والنائحة. وسماع العود حرام على الأصح إلا في عرس أو صنيع ليس فيه شراب مسكر فإنه يكره فقط، وغير العود من بقية الآلات التي يلعب بها يجري فيها ما في العود اهـ. نقله النفراوي. قال في الرسالة: ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله، ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك، ولا سماع شيء من الملاهي والغناء، ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء، وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وأعيان النجس " وفي نسخة النجسة بالتاء المكفوفة والأولى حذفها هنا. والمعنى من البيوع المنهي عنها بيع أعيان النجس. قال الجزيري: لا يصح بيع النجس عند المالكية، كعظم الميتة، وجلدها ولو دبغ لأنه لا يطهر بالدبغ:
стр. 780
كالخمر والخنزير، وزبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرماً كالخيل والبغال والحمير، أو مكروهاً كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر؛ فإن فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها، وكذلك لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور، فإن الزيت لا يطهر بالغسل، وبعضهم يقول: إن بيع الزيت المتنجس ونحوه صحيح؛ لأن نجاسته لا توجب إتلافه؛ فإن بعضهم يقول: إن الزيت يمكن تطهيره بالغسل.
أما المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب فإنه يجوز بيعه، ويجب على البائع أن يبين ما فيه من النجاسة فإن لم يبين كان للمشتري حق الخيار اهـ. بحذف. وإلى ذلك أشار الدردير بقوله: فلا يباع كزبل وجلد ميتة ولو دبغ، وخمر وزيت تنجس اهـ. انظر شراح خليل. وأما قول ابن عاصم في تحفة الحكام:
ونجس صفقته محظورة ... ورخصوا الزبل للضرورة
انظر الصاوي وغيره تجد فيه أقوال أئمة المذهب. والله أعلم بالصواب.
قال رحمه الله تعالى: " وما لا منفعة فيه " يعني من المبيع المنهي عنه بيع ما لا منفعة فيه، وتقدم الكلام فيما لا ينتفع به بعد وقوع البيع فيه كالمريض المشرف على الموت فإنه لا يجوز بيعه لعدم الانتفاع به. قال الدردير عاطفاً على ما لا يجوز بيعه: ولا يصح أن يباع ما بلغ السياق: أي نزع الروح بحيث لا يدرك بزكاة لو كان مباح الأكل، لعدم الانتفاع به. وفي الحطاب: أما إذا بيع قبل أن يشرف فإنه يجوز بيعه ولو كان مرضه مخوفاً على الأصح اهـ. ومما لا يجوز بيعه القرد؛ لأنه لا ينتفع به انتفاعاً شرعياً. قال الحطاب في الفرع الثالث: القرد مما لا منفعة فيه، فلا يصح بيعه ولا تملكه. قال في أول البيوع من المتيطية: ما لا يصح ملكه ولا يصح بيعه إجماعاً كالحر، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك اهـ. وفي المسائل الملقوطة: لا يجوز بيع الحر والخنزير والقرد والخمر والدم، والميتة والنجاسة وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات
стр. 781
والكلاب غير المأذون في اتخاذها، وتراب الصواغين، وآلة اللاهي والأحباس، ولحوم الضحايا، والمدبر والمكاتب، والحيوان المريض مرضاً مخوفاً، والأمة الحامل بعد ستة أشهر، والحيوان بشرط الحمل، وما في بطون الحيوان واستثناؤه، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، والغائب على غير صفة، والبيع بغير تقليب، وملك الغير، والمغضوب، وكل ما فيه خصومة، والدين على الميت والغائب، وما لم يبد صلاحه، والدار بشرط سكناها أكثر من سنة، والدابة بشرط ركوبها أياماً كثيرة، والبيع بثمن مجهول، وإلى أجل مجهول، وفي وقت صلاة الجمعة. اختصرت ذلك من وثائق الغرناطي. انتهى كلامه. والمقصود منه الكلام على منع بيع القرد وبقية ذلك أو أكثر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " أو فيه ضرر من الخشاش والحيوانات " يعني من المنهي عنه بيع ما فيه ضرر كالحيوانات ذات السم كالعقرب، والحيات، وجميع الخشاش التي تضر الإنسان يتألم بلدغها ويتأذى بها في جسده أو عقله فإنه لا يجوز بيعها لضررها وعدم نفعها بل وجب اجتنابها لحفظ النفس الذي هو واجب على
الإنسان، كما يجب عليه دفع الصائل وقتل كل مؤذ إن قدر عليه لدفع أذيته.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، يعني أنه يجوز بيع الهر، قال ابن ناجي: ولا أعلم فيه خلافاً. قال خليل: وجاز هر وسبع للجلد. وقال الجزولي في شرح الرسالة: وأما السنور فقيل: يكره بيعه وهو الصحيح اهـ. قال المواق في المدونة: قال مالك: يجوز بيع الهر اهـ. قال ابن القاسم في المدونة: أما بيع السباع أحياء، والفهود، والنمور، والذئاب وشبهها، فإن كانت إنما تشترى وتذكى لجلدها فلا بأس بذلك؛ لأن مالكاً قال: إذا ذكيت السباع جاز لباس جلودها والصلاة عليها. قال ابن القاسم: وجاز بيعها اهـ. ومثله في الرسالة. ونصها:
стр. 782
ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وفي الكلب خلاف " يعني اختلف أئمة المذهب في بيع الكلب. قال ابن عرفة: الكلب المنهي عن اتخاذه لا يجوز بيعه اتفاقاً، وفي غيره سبعة أقوال انظره في المواق. قال مالك في الموطأ: أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري، لنهي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ثمن الكلب. قال بعضهم: وينبغي أن يلحق بيع الكلب بالممنوع اهـ. ثم إن المأذون في اتخاذه يجوز أخذه لزرع أو ماشية أو لصيد؛ لما ورد في الصحيح من قوله ﷺ : (من اقتنى كلباً لا لصيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط) وفي رواية: " قيراطان " فلذا قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في الرسالة: ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء، ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه. قال شارحها النفراوي: ولا حرج في اتخاذه لواحد من هذه الثلاثة. ثم قال:
تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف من عدم جواز اتخاذ الكلاب في غير المسائل الثلاث مقيد بما إذا لم يضطر إلى اتخاذها لحفظ محله أو حفظ نفسه وإلا جاز، كما وقع للمصنف، يعني به صاحب الرسالة حين سقط حائط داره وكان يخاف على نفسه من الشيعة، فاتخذ كلباً، ولما قيل له: كيف تتخذه ومالك نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة؟ فقال: لو أدرك مالك زماننا لاتخذ أسداً ضارياً. ولا ضمان على صاحب المأذون في اتخاذه فيما أتلفه إلا أن يصير أن يصير عقوراً وينذر صاحبه على يد بينة. وقيل: لا بد من الإنذار على يد القاضي على قولين في المسألة فيضمن جميع ما يتلفه بعد الإنذار. وجناية غير العقور من فعل العجماء وهو جبار، قاله الأجهوري: وأما غير المأذون في اتخاذه فيضمن متخذه جميع ما أتلفه ولو لم يتقدم لمتخذه إنذار. والثاني: أي من التنبيهات لم يتكلم
المصنف على حكم قتل الكلاب، ومحصله أن المأذون في اتخاذه لا يجوز قتله على مذهب
стр. 783
مالك وأصحابه وكثير من العلماء، وعلى قاتله غرم قيمته لصحة ملكه وإن حرم بيعه؛ لأنه لا تلازم بين حرمة البيع وعدم غرم القيمة كأم الولد ولحم الضحية فيحرم بيعهما وتلزم قيمتهما من أتلفهما. وأما غير المأذون في اتخاذه فلا غرم على قاتله لعدم صحة تملكه وجوازه، بل ندب قتله اهـ. قال الصاوي في حاشيته على الجلالين في سورة المائدة عند ورد الحديث المتقدم: ويؤخذ من هذا الحديث أن قتل غير النافع من الكلاب مندوب إن لم يكن عقوراً يخشى منه الضرر ولا يندفع إلا بالقتل، وإلا وجب قتله عند مالك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع الكافر شراء المصحف أو عبد مسلم، ويجبر على إزالة ملكه عنه " يعني كما قال خليل في المختصر: ومنع بيع مسلم ومصحف وصغير لكافر، وأجبر على إخراجه أي عن ملكه، ولا يفسخ ولو كان المبيع قائماً اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: ومنع بيع مسلم وصغير ومجوسي ومصحف وحديث لكافر، وأجبر على إخراجه عن ملكه ببيع أو عتق ناجز، أو هبة ولو لولد صغير، وجاز رده عليه بعيب كأن أسلم عنده، وباعه الحاكم إن بعدت غيبة السيد اهـ. قال الحطاب: وأما المسلم والمصحف فلا يصح تقرر ملك الكافر عليهما، فلا يجوز بيعهما منه بلا خلاف، فإن وقع ذلك فاختلف فيه، فمذهب المدونة أن البيع يمضي ويجبر الكافر إخراج ذلك عن ملكه. قال في المدونة في كتاب التجارة لأرض الحرب: فإن ابتاع الذمي أو المعاهد مسلماً أو مصحفاً أجبر على بيعه من مسلم ولم ينقص شراؤه اهـ. ثم قال: ولو كان الكافر المشتري له عبداً لمسلم فإنه يجبر على بيعه؛ لأنه له حتى ينزعه سيده. وصرح المأزري بأنه المشهور كما قال المأزري، وهو مذهب المدونة، ومقابله أنه يفسخ إذا كان المبيع قائماً، ونسبه سحنون لأكثر أصحاب
стр. 784
مالك. قال ابن رشد: والخلاف مقيد بما إذا علم البائع أن المشتري كافر، أما إذا ظن أنه مسلم فإنه لا يفسخ بلا خلاف ويجبر على إخراجه من ملكه بالبيع ونحوه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يفرق بين أمة وولدها، ولو مسبية أو من زنا، ويقبل قولها إنه ولدها، قيل إلى الإثغار، وقيل إلى البلوغ " يعني أنه من المنهي عنه تفريق الأمة بينها وبين ولدها في البيع؛ لقول رسول الله ﷺ : (من فرق بين والة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) اهـ. رواه أحمد. قال ابن جزي في القوانين: النوع الثامن، أي من البيوع المنهي عنها بيع الأم دون ولدها الصغير، أو
بيعه دونها، فلا يجوز التفريق بينهما حتى يثغر الولد، ما لم يعجل الإثغار. ويجوز التفريق بينه وبين والده اهـ. وفي الرسالة: ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر اهـ.
وحاصل فقه المسألة - على ما في الفواكه للنفراوي - أنه يحرم أن يفرق بين الأم العاقلة وبين ولدها الصغير في البيع ونحوه من كل عقد معاوضة، فيشمل أنه لو دفع الولد أو الأم أجرة أو صداقاً، أو وهب أحدهما للثواب. والمراد الأم دنية. وقيد بالمعاوضة احترازاً من غير المعاوضة كدفع أحدهما صدقة أو هبة لغير ثواب بل لوجه المعطي فلا حرمة، ويجبران على جمعهما في ملك واحد. وقيل يكتفى بجمعهما في حوز.
ويجوز التفريق بالعتق ويكتفى بجمعهما في حوز اتفاقاً. فإذا أعتق الولد وباع الأم فيشترط على المشتري الإنفاق على الولد وكسوته إلى حصول الإثغار، وإن أعتق الأم وباع الولد اشترط على مشتريه جمعه مع أمه ونفقة الأم على نفسها. وإن دبر أحدهما لم يجز له بيع الآخر وحده ولا مع الآخر. قاله في المدونة، بخلاف ما لو كاتب أحدهما ثم باع كتابته وجب عليه بيع غير المكاتب مع كتابة المكاتب، ويشترط على المشتري ألا يفرق بينمها إذا عتق المكاتب حتى يحصل الإثغار. وقيدنا بدنية لأنه لا تحرم
стр. 785
التفرقة بين الجدة وولد ولدها، كما لا تحرم بين الأب وو لده، ولا بين الأم وولدها من الرضاع؛ لأن المراد بالأم من النسب. وقلنا العاقلة لأن حرمة التفرقة مختصة بالعقلاء دون غيرها على المشهور.
وبالغ خليل في حرمة التفرقة بقوله: وإن بقسمة للإشارة إلى أن من مات عن جارية وأولادها الصغار لا يجوز لورثته أن يأخذ واحد الأم والآخر الولد. وتستمر الحرمة حتى يثغر الولد، فإن أثغر أي سقطت رواضعه ونبت غيرها ولو لم يتكامل نباتها جازت التفرقة. ويكتفي ببلوغ زمنه المعتاد وهو بعد السبع ولو لم يثغر بالفعل، بناء على المشهور من أن عدم التفرقة حق للأم، ومشى عليه خليل حيث قال: ما لم ترض الأم وإلا جازت، ولو لم يحصل زمن الإثغار. وتقدم الحديث على حرمة التفرقة على أول المسألة، وظاهره سواء كانت الأم مسلمة أو كافرة، لكن غير حربية، وسواء كان ولدها من زوجها أو من زنا، ولو كان مجنوناً وأمه كذلك إلا أن يخاف من أحدهما على الآخر، وأما الحربية فلا تحرم التفرقة بينها وبين ولدها، فيجوز لبعض المجاهدين أخذ الأم دون ولدها أو الولد دون أمه. والمسبية مع صغير تدعي أنه ولدها فيقبل قولها حيث قامت قرينة على صدقها.
قال ابن عرفة: وتثبت البنوة المانعة للتفرقة بالبينة أو بإقرار مالكيها أو دعوى
الأم مع قرينة صدقها. وتصديق المسبية إنما هو من جهة التفرقة فقط، لا في غيرها من أحكام البنوة، فلا يختلي بها إن كبر، ولا ترث من أقرت به، وأما هو فيرثها إن لم يكن لها وارث يحوز جميع المال. وأما لو حصلت التفرقة على وجه الممنوع فالحكم فيه الفسخ إن لم يجمعاهما في ملك، إلا أن يمضي زمن الحرمة بأن لم يطلع على ذلك حتى حصل اإثغار المعتاد وإلا مضى البيع.
وأما لو حصلت التفرقة بغير معاوضة فقيل لا بد من جمعهما في ملك. وقيل يكفى
стр. 786
جمعهما في حوز ولا سبيل إلى الفسخ. ويضرب بائع التفرقة ومبتاعها كما قاله مالك وجميع أصحابه ولو لم يعتاداه. ومحل ضربهما إن علما حرمة التفرقة وإلا عذرا بالجهل اهـ بحذف وتصرف.
ولما أنهى الكلام على المزابنة وحقيقتها، وذكر بعض الممنوعات في البيوع انتقل يتكلم في مسائل الثمن والمثمن، ويعبر عنهما بالعوضين لأن كل واحد من المتبايعين يأخذ ما بيد صاحبه عوضاً عما بيده ليحصل كل واحد منهما مراده بنيل ما بيد صاحبه على وجه الشرع كما في أول الكتاب. ولذا قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بالثمن والمثمن
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الثمن والمثمن، وما فيهما من اختلاف المتبايعين، وبدأ بالكلام على الثمن والمثمن فقال رحمه الله تعالى:
" الثمن أحد العوضين، فيشترط نفي الغرر والجهالة عنه كالآخر " والمراد بالآخر: هو المثمن الذي هو أحد العوضين. والمعنى أنه يشترط في الثمن والمثمن نفي الغرر ونفي الجهالة عن كل واحد منهما كما تقدم في بيع المزابنة. قال ابن جزي في الممنوعات من بيوع الغرر: النوع الثاني: الجهل بجنس الثمن أو المثمن، كقوله بعتك ما في كمي فإنه لا يجوز. النوع الثالث: الجهل بصفة أحدهما كقوله: بعتك ثوباً من منزلي، أو بيع شيء من غير تقليب ولا وصف فلا يجوز كما تقدم. وقال في بيع الجزاف: غاية النهاية اشتراط عدم الإخبار أي بكمية كيله أو وزنه أو عدده مبطل للبيع. قال أبو الحسن الأزهري: الثالث - أي من أركان البيع - المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، ويشترط فيهما خمسة شروط إلى أن قال: والعلم بكل من الثمن والمثمن: فالجهل بهما أو بأحدهما مبطل، مثل أن يشتري بزنة حجر مجهول، وتراب الصواغين، وكذا تراب حانوت العطار لشدة الغرر، فإنه لا يدري ما يخرج منه اهـ مع طرف من الشرنوبي.
стр. 787
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بإطلاقه نقد البلد، فإن اختلف فالغالب، فإن
لم يكن لزمه تعيينه " يعني إذا وقع البيع بين المتبايعين ولم يذكرا النقد المضروب بعينه، بل وقع البيع على الإطلاق، كأن يقول البائع بعتك هذه السلعة بعشرين ريالاً مثلاً، ويقول المشتري اشتريت، فالعبرة بنقد البلد الذي وقع فيه البيع، فإن كانت في تلك البلدة أنواع مضروبات وكلها تروج ويتعاملون بها فالعبرة حينئذ بالغالب تعاملاً، فإن لم يكن الغالب لزم عليهما البيان وتعيين النقد الذي وقع به البيع، وإلا فسخ للجهل والغرر. قال خليل: وجهل بثمن أو مثمن ولو تفصيلاً. قال الحطاب: يعني أن من شرط صحة البيع أن يكون معلوم العوضين، فإن جهل الثمن أو المثمن لم يصح البيع. وظاهر كلامه أنه متى حصل الجهل بأحد العوضين من المتبايعين أو من أحدهما فسد البيع، وصرح بذلك الشارح في الكبير، وهو ظاهر التوضيح أيضاً اهـ انظر فيه كلام ابن رشد. قال الخرشي: ومما يشترط في البيع عدم الجهل بالمثمن والثمن، فلا بد من كونهما معلومين للبائع والمبتاع وإلا فسد البيع. وجهل أحدهما كجهلهما على المذهب. وقيل يخير الجاهل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في جنسه تحالفا وتفاسخا، وأيهما نكل لزمه ما ادعاه الآخر " يعني كما في الرسالة، ونصها: وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع، أو يحلف ويبرأ. قال شارحها: استحلف البائع أولاً جبراً عليه؛ لقوله ﷺ : (فالقول ما قاله البائع) وفي رواية عن ابن مسعود قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركا) رواه الخمسة. ثم إن حلف لزم البيع بما حلف عليه من جنس، أو نوع، أو قدر ثمن أو مثمن أو رهن، أو حميل فيأخذ المبتاع السلعة بما حلف عليه البائع، أو يحلف المبتاع إن نكل البائع ليبرأ مما ادعاه البائع، وحينئذ لكل الخيار بين
стр. 788
التمسك بما ادعاه خصمه والفسخ لكن بحكم حاكم، فلو نكل المبتاع أيضاً فإن العقد يفسخ أيضاً إن حكم به، ولا ينظر لشبه ولا عدمه، ولا لقيام السلعة وفواتها إذا كان الاختلاف في جنس الثمن أو المثمن، أو نوعهما، وإليه الإشارة بقول خليل: إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن أو نوعه حلفا وفسخ، وترد السلعة مع القيام، وقيمتها أو مثلها مع الفوات اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " أو في قدره كذلك ما لم يفت المبيع بيد المشتري فيقبل قوله مع يمينه، وإن نكلا ترادا. وقيل يلزم ما ادعاه البائع " قال النفراوي: وأما لو كان الاختلاف في قدر الثمن أو المثمن أو الرهن، أو الأجل، أو الحميل فكذلك إن كانت السلعة قائمة، ولا ينظر لسبه ولا عدمه. وأما بعد فواتها فالقول للمشتري إن أشبه، فإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه، وإن لم يشبها
فالفسخ إن حلفا أو نكلا. قال خليل: وفي قدره كمثمونة، أو قدر أجل، أو رهن، أو حميل حلفاً وفسخ إن حكم به، ويكون الفسخ في الظاهر والباطن في جميع مسائل الفسخ، ثم قال أي خليل: وصدق مشتر ادعى الأشبه، وحلف إن فات، وإن لم يشبها حلفا وفسخ، وترد قيمة السلعة يوم فواتها، فتلخص أن الفسخ في الاختلاف في جنس المعقود عليه أو نوعه مطلق. وفي الاختلاف في قدره أو في قدر الرهن أو لأجل مقيد بعدم فوات السلعة، وإلا صدق المشتري إن أشبه وحلف، فإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه، فإن لم يوجد الشبه منهما فالفسخ إن حلفا أو نكلا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن اختلفا في صفة العقد ففي الخيار قول منكره، وفي الصحة قول مدعيها، وفي التأجيل يرجع إلى عرف المبيع. ولا يجوز البيع إلى أجل مجهول " قال النفراوي: فروع: الأول: لو اختلفا في الصحة والفساد فالقول قول مدعي الصحة، إلا عند غلبة الفساد فيكون القول لمدعيه، كادعاء أحدهما صحة الصرف
стр. 789
والآخر فساده؛ لأن الغالب فساد الصرف، ومثله السلم. الثاني: إذا اختلفا في الخيار والبت فالقول لمدعي البت ولو مع قيام السلعة إلا لعرف بالخيار. الثالث: لو ختلفا في قبض الثمن أو المثمن فالأصل البقاء، إلا لعرف كلحم أو بقل بان به. الرابع: لو اختلفا في انقضاء الأجل المضروب لقبض الثمن فالقول لمن ادعى البقاء حيث فاتت السلعة وأشبه مدعيه، وأما مع قيامها فإنهما يتحالفان ويتفاسخان اهـ. وأما قوله: ولا يحوز البيع على أجل مجهول، وهو كذلك نحو قول أحدهما إلى المسيرة أو قدوم زيد، أو إلى موت عمرو، هذا أجل مجهول، فالجهل بالأجل مبطل للعقد في البيع كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والفاسد لا ينقل الملك، فإن فات بيد المشتري ضمن المثلي بمثله، والمقوم بقيمته، ولا يلزمه رد غلته " يعني أن المبيع بيعاً فاسداً لا ينقل عن ملك صاحبه، كما لا ينقل الملك عن البائع في بيع الخيار قبل مضي مدته. قال ابن جزي: والفاسد ما أخل فيه شرط من شروط الصحة فيفسخ وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد مثلها فيما له مثل، وهو المكيل والمعدود والموزون، ورد قيمتها فيما لا مثل له.
ويحصل الفوات بالأشياء الآتية: كتغير الذات، وتلفها كالموت، والعتق وهدم الدار، وغرس الأرض، وقلع غرسها، وفناء الشيء كأكل الطعام، وحوالة
الأسواق في غير الرباع. قال في الرسالة: ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق. قال شارحها ولا بد من ردها لفساد بيعها. فالحاصل أن المثليات والعقارات لا تفوت بحوالة الأسواق. قال خليل في تصوير الفوات بتغير سوق غير مثلي وعقار، وبطول زمان حيوان، وفيها شهر وشهران، واختار أنه خلاف: وقال بل في شهادة، وبنقل عرض ومثلي لبلد بكلفة، وبتغير ذات غير مثلي كالهدم والبناء وكبر صغير الحيوان، وهزاله، وبالخروج عن يد
стр. 790
مشتريه بأن باع ما اشتراه، أو وهبه، أو وقفه، وبتعلق حق الغير به بأن رهنه أو آجره.
قال النفراوي: قد قدمنا أن المبيع بيعاً فاسداً باق على ملك بائعه؛ لأن العقد الفاسد لا ينقل الملك على الصحيح لوجوب فسخه شرعاً قبل الفوات. قال الفاكهاني: جعل الضمان من البائع صريحاً في أن الفاسد لا ينقل الملك، وجعل الضمان بعد القبض من المشتري يقتضي أن الفاسد ينقل، وهو مشكل، فأجيب بأنه لا ملازمة بين نقل الملك والضمان، إذ قد يوجد الضمان من غير تقدم ملك، كمن أتلف شيء غيره من غير تقدم سبب ملك، فإنه يضمن لتعديه، والمشتري هنا متعد بقبض المشتري شراء فاسداً، فمحصل الجواب أن ضمان المشتري إنما هو لتعديه بالقبض لما يجب فسخ عقده قبل فواته، ويدلك على ما قلنا أنه يضمن بعد القبض ولو بأمر سماوي، ولا حاجة إلى بناء الضمان بعد القبض على القول بأن الفاسد ينقل الملك لما ذكرنا. ثم قال: إذا ردت السلعة بسبب الفساد يفوز مشتريها بغلتها. قال خليل بعد قوله وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض: ورد ولا غلة، أي لا تصحبه الغلة في الرد، بل يفوز بها المشتري؛ لأن الضمان كان منه، والخراج بالضمان كما قدمنا في الرد بالعيب. وظاهر كلام أهل المذهب ولو علم المشتري بالفساد، وبوجوب الفسخ، ولو في الثنيا الممنوعة على الراجح، إلا في مسألة: وهي من اشترى شيئاً موقوفاً شراء فاسداً مع علمه بأنه وقف فإنه لا يفوز بالغلة بل يجب ردها حيث كان على غير معين، أو على معين غير رشيد، وأما لو كان موقوفاً على معين وباعه ذلك المعين فإنه يفوز المشتري بغلته ولو علم بأنه وقف حيث كان ذلك البائع رشيداً.
واعلم أن المشتري كما يفوز بالغلة لا يرجع على البائع بكلفة الحيوان إذا كانت الغلة قدر الكلفة أو أكثر، وأما لو زادت الكلفة على الغلة، أو كان لا غلة فإنه يرجع على البائع بالكلفة؛ لأنه قام عن البائع بما لا بد له منه. وأشار إلى هذا بعض الفضلاء بقوله: واعلم
стр. 791
أن كل من أنفق على ما اشتراه وله غلة تبتغي كالغنم والدواب والعبيد، ثم رده بعيب أو استحقاق، أو فساد لا يرجع بنفقته، بخلاف ما
ليس له غلة تبتغي كالنخل إذا ردت مع ثمارها فإنه يرجع بقيمة سقيها وعلاجها، وهذا كله في غير ماله عين قائمة، وأما النفقة فيما له عين قائمة كالبناء والصباغ فإنه يرجع بها وله الغلة، كسكنى الدار، نقل جميعه الأجهوري اهـ.
ولما أنهى الكلام على البحث في الثمن والمثمن وما في ذلك من اختلاف المتبايعين انتقل يتكلم فيما يتبع العقار وهي الأرض وما عليها من البناء والأشجار. فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيع العقار وما يتبعها
أي في بيان ما يتعلق بالعقار وما يتبعه بعد العقد وغيره. قال رحمه الله تعالى: " يتبع العقار كل ما هو ثابت من مرافقه كالأبواب، والرفوف، والسلالم المؤبدة، والأخصاص والميازيب " الرفوف جمع رف، وهو خشب أو غيره يسمر في جدار البيت يوضع عليه متاع البيت. والسلالم جمع سلم وهو معروف. والأخصاص جمع خص قال في المصباح: الخص: البيت من القصب، والجمع أخصاص، مثل قفل وأقفال. والميازيب جمع ميزاب وهو مجرى الماء والمعنى أنه يتبع العقار كل ما هو ثابت من تلك المذكورات وغيرها. قال الدردير: والدار الثابت، كباب ورف وسلم سمر، ورحى مبنية. قال الجزيري في الفقه: وإذا اشترى داراً فإن العقد يتناول الشيء الأبواب المركبة والشبابيك والسلالم المثبتة سواء كانت حجراً أو خشباً، أما السلالم الخشب التي لم تسمر فقيل يتناولها إن كان لا بد منها في الوصول إلى غرف الدار. وقيل لا يتناولها إلا بالشرط، وكذلك يتناول السقف والمجاري وغير ذلك من الأشياء المثبتة في حيطانه أو أرضه ببناء أو تسمير اهـ.
стр. 792
قال رحمه الله تعالى: " لا منقول إلا المفاتيح " يعني لا يتناول العقد الأشياء المنقولة إلا ما لا بد منه كالمفاتيح التي يفتح بها الأبواب فإن العقد يتناولها وإن لم يشترطها؛ لأنها مما لا بد منه. قال الجزيري في الفقه: أما المنقولات التي لم تثبت فإنه لا يتناولها، فلو كان بالدار أبواب وشبابيك مهيئة للتركيب ولكنها لم تركب فإن العقد لا يتناولها إلا بالنص عليها، ومثلها الأحجار والبلاط والمونة وغير ذلك مما هو لازم لعمارة الدار، فإنه لا يدخل في المبيع بدون ذكر ما دام غير مثبت اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والرقيق ثيابه المعتادة لا ماله إلا أن يشترطه " يعني أن العقد على العبد أو الأمة يتناول ثياب الخلقة، وأم ثياب الزينة فلا تدخل إلا بشرط أو عرف. قاله الخرشي. ومثله في الدردير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح استثناء جلد الشاة، وأكارعها، وسواقطها، ما لم تكثر قيمتها، وأرطال معلومة لا تزيد على الثلث " والأكارع قوائم الدابة، والسواقط فسروها بالرأس والأكارع. قال الحطاب عند قول خليل وجلد وساقط: الساقط هو الرأس والأكارع فقط، ولا يدخل في ذلك الكرش والفؤاد كما تقدم عن المدونة أنه لا يجوز أن يستثنى البطن أو الكبد، وإنما نبهت على ذلك لدخول هذه الأشياء في السقط في العرف، بل هي المتبادر، خصوصاً وقد استدل ابن يونس للمدونة بأن النبي ﷺ وأبا بكر اشتريا شاة في مسيرهما إلى المدينة من راع وشرطا له سلبها، والسلب في اللغة يطلق على ذلك كما قاله في القاموس اهـ. ومعنى تلك الجملة أنه يجوز للبائع أن يستثنى الجلد عند العقد، ومثل الجلد الأكارع، وأرطال يسيرة معلومة من اللحم ما لم تكثر قيمة ذلك ولم يجاوز ثلث الشاة. قال خليل عاطفاً على الجائزات: وشاة واستثناء أربعة أرطال، قال الشارح: أي جاز بيع شاة حية أو مذبوحة قبل سلخها واستثناء أربعة أرطال ونحوها مما لم يبلغ الثالث، فإن بيعت بعد سلخها جاز استثناء قدر
стр. 793
الثلث فقط، قال الحطاب: التحديد بأربعة أي من الأرطال هو الذي في أكثر الروايات، وفي بعضها ثلاثة، وبعضها خمسة أو ستة أو أكثر مما دون الثلث اهـ الخليل.
تنبيه: لا يجوز بيع شاة للجزار بدراهم، ثم يأخذ بدل الدراهم لحماً أو طعاماً لإلغاء الدراهم المتوسطة بين العقد والقبض، فكأنه من أول الأمر باع الشاة باللحم أو الطعام، وهذا بخلاف الحيوان الذي يراد للقنية لكثرة منفعته فإنه يجوز بيعه بطعام ولو لأجل، ويجوز كراء الأرض به، وأخذه قضاء عما أكريت به الأرض، وأخذ الطعام قضاء عن ثمنه لأنه ليس طعاماً حقيقة ولا حكماً اهـ من حاشية الصاوي على الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " وركوب الدابة إلى موضع معين، وسكنى شهر أو نحوه " يعني يصح استثناء ركوب الدابة وسكنى البيت بعد انعقاد البيع. قال ابن جزي في القوانين: فإن اشترط منفعة لنفسه كركوب الدابة أو سكنى الدار مدة معلومة جاز البيع والشرط اهـ. قال العلامة ابن رشد في المقدمات: والثالث يجوز فيه البيع والشرط، وذلك إذا كان الشرط صحيحاً ولم يؤل البيع به إلى غرر ولا فساد في ثمن ولا مثمن، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار ويشترط سكناها أشهراً معلومة، أو يبيع الدابة ويشترط ركوبها أياماً يسيرة أو إلى مكان قريب، أو يشترط شرطاً يوجبه الحكم وما أشبه ذلك اهـ. قال في المدونة: أرأيت الدار يشتريها
الرجل على أن للبائع سكناها سنة أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: ذلك جائز إذا اشترط البائع سكناها الأشهر أو السنة ليست ببعيدة، وكره ما يتباعد من ذلك. وفيها أيضاً: أرأيت إن بعت دابتي هذه واشترطت ركوبها شهراً أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا خير فيه، وإنما يجوز ذلك في قول مالك اليوم واليومين وما أشبهها، وأما الشهر والأمر المتباعد فلا خير فيه اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت عليها انتقل يتكلم على صحة بيع المميز،
стр. 794
وغير المالك، والعبد بعد الإجازة والإذن. قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان بيع المميز والعبد المأذون وغيره
أي في بيان ما يتعلق ببيع المميز والعبد غير المأذون سواء كان صبياً أو كبيراً، وحكم المأذون في التجارة، وبيع غير المالك كالسمسار، وغير المأذون له في بيع السلعة وهو المعبر عنه بالفضولي. وهؤلاء بيعهم موقوف على الإجازة.
قال رحمه الله تعالى: " يصح بيع مميز موقوفاً على إجازة وليه، وبيع الفضولي وابتياعه موقوفاً على إجازة المالك " يعني أن غير المميز لا يصح بيعه ولا شراؤه. قال ابن بزيزة: ولم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز ولتوقف انتقال الملك على الرضا وهو مفقود من غير المميز. قال الدردير: شرط صحة العاقد تمييز فلا يصح من غير مميز لصغر أو جنون أو إغماء أو سكر ليس بحرام، وكذا بحرام، إما اتفاقاً أو على المشهور. وتقدم الكلام على التمييز عند ذكر شروط العاقد فراجعه إن شئت.
وأما بيع الفضولي فيتوقف على إجازة المالك. قال ابن جزي: ينعقد بيع الفضولي ويتوقف على إذن ربه. وقال الشافعي: لا ينعقد اهـ. قال في " قرة العين بفتاوى علماء الحرمين ": ما قولكم في رجل فضولي باع سلعة رجل آخر بغير إذنه، وصاحب السلعة حاضر ساكت، هل يكون البيع لازماً أم لا؟ الجواب: في أقرب المسالك، وصح بيع غير المالك للسلعة وهو المسمى بالفضولي، ولو علم المشتري أن البائع لا يملك المبتاع، والبيع لازم من جهة الفضولي منحل من جهة المالك، ووقف البيع على رضاه ما لم يقع البيع بحضرته وهو ساكت فيكون لازماً من جهته أيضاً، وصار الفضولي كالوكيل، وكذا
стр. 795
يكون البيع لازماً إذا بلغ المالك بيع الفضولي وسكت سنة كاملة من حين علمه من غير مانع يمنعه من القيام، ولا يعذر بجهل في سكوته اهـ. وإذا أمضى المالك بيع الفضولي فإن المالك يطالب الفضولي بالثمن ما لم يمض عام، فإن مضى وهو ساكت سقط حقه. هذا إن بيع بحضرته، وأما إن بيع بغير
حضرته فلا يسقط ما لم تمض مدة الحيازة، وهي عشرة أعوام. وظاهر كلامهم كان المبيع عقاراً أو غيره، ومحل كون المالك ينقض بيع الفضولي إن لم يفت المبيع، فإن فات بذهاب عينه فقط كان على الفضولي الأكثر من ثمنه وقيمته، ولا فرق بين كون الفضولي غاضباً أو غير غاضب. اهـ. ملخصاً من الدسوقي والدردير.
قال رحمه الله تعالى: " فإن جمع ملكه وملك غيره وملك الغير هو المقصود لم يجز، وثبت للمشتري الخيار، وإلا لزم في ملكه بسقطه " يعني أن من باع ملكه وملك غيره في صفقة واحدة والحال أم ملك الغير هو المقصود بالبيع فهذا مما لا يجوز شرعاً، فللمشتري الخيار في الأخذ والترك؛ لأن البائع مدلس وهو فضولي أيضاً في ملك الغير. وأما إن كان المقصود بيع ملكه فيلزمه في ملكه بقدر قسطه فقط. قال في الرسالة: وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي. قال شارحها: أي مخير في إجازة البيع وأخذ الثمن الذي بيعت به، وعند فواتها يجب له الأكثر من الثمن أو القيمة لأنه فضولي وتقدم حكمه. فالحاصل أنه عند قيام السلعة لربها إجازة البيع وأخذ الثمن، وله رد البيع وأخذ سلعته، وأما عند فواتها فيقضي له بأخذ الأكثر من الثمن أو قيمتها يوم التعدي، ومثله كل متعد بالبيع على سلعة غيره ولو غاضباً، وهكذا حكم بيع الوديعة من غير اتجار في ثمنها، وأما لو باعها على وجه التجارة ففي بيعها تفصيل اهـ. بتصرف انظر النفراوي.
стр. 796
قال رحمه الله تعالى: " وغير المأذون على إجازة سيده، فإن أذن له جازت تصرفاته غير موقوفة، لكن ليس له فعل ما لا مصلحة للمال فيه، وأجاز ابن القاسم قراضه " يعني يتوقف لزوم بيع غير المأذون على إجازة السيد قال ابن رشد في المقدمات: ولا يجوز له أن يتجر إلا أن يأذن له سيده في التجارة، فإن أذن له فيها جاز أن يتجر بالدين والنقد، وإن لم يأذن له في التجارة بالدين لزمه ما داين به في جميع أنواع التجارات، وإن لم يأذن له إلا في نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم في المدونة، إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة بالدين أو يحجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، وهو قول أصبغ في التحجير في الدين. وذهب سحنون إلى أنه ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به، وكذلك يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، إلا أن يشهر ذلك ويعلنه في الوجهين جميعاً فلا يلزمه، وهو صحيح في المعنى اهـ. بحذف.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وحجر على رقيق مطلقاً إلا بأذن في تجارة ولو في نوع. قوله: إلا بأذن في تجارة ولو في نوع. قوله: إلا بأذن في تجارة أي فتصرفه ماض ولو ضمنا، ككتابة فإنها إذن حكماً في التصرف. والمأذون من أذن له سيده أن يتجر في مال نفسه والربح له أو لسيده، أو في مال السيد والربح للعبد. وأما جعل الربح للسيد فهو وكيل حقيقة. ثم قال: كوكيل مفوض. وله أن يضع ويؤخر، ويضيف إن استألف، ويعتق برضى سيده، وأخذ قراض ودفعه، وتصرف فيه كهبة لا تبرع، ولغير مأذون قبول بلا إذن ولا يتصرف، والحجر على المأذون كالحر، وأخذ مما بيده وإن مستولدة أو هبة ونحوها، لا غلة وأرش جرحه ورقبته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وما ادانه فهو فيما بيده وذمته، لا رقبته ولا على سيده إلا أن يتحمله، فإن عامله فهو أسوة غرمائه " يعني كما في القوانين لابن جزي
стр. 797
ونصه: المسألة الثالثة كل ما على المأذون له من ديون يؤديها من ماله، فإن لم يكن له مال يفي بها تعلقت بذمته، ولا يلزم السيد أداؤها عنه، ولا يباع فيها خلافاً لقوم اهـ. ومحل عدم اتباع السيد بما على المأذون ما لم يكن قال للغرماء عاملوه وجميع ما عاملتموه به علي وإلا اتبع لكونه يصير ضامناً.
تنبيه: كما لا تباع رقبة المأذون فيما عليه من الدين لأنها مملوكة لسيده كذلك ولده من أمته لا يباع لأنه ملك لسيده، كرقبة أبيه، ولا حق للغرماء فيها، ولذا لو قامت الغرماء علي قبل وضع أمته أخر بيعها حتى تضع؛ لأنه لا يجوز استثناؤه في البيع. وعجز المأذون عن وفائه من الدين يتبع به إن عتق لأن السيد ليس له إسقاطه عنه، بخلاف غير المأذون إن أخذ من أحد شيئاً من غير إذن سيده واطلع عليه قبل عتقه فله أن يسقطه عنه ولا يتبع به إن عتق، كالمأذون يأخذ شيئاً غير المأذون فيه فإن لسيده إسقاطه عنه، وما لم يسقطه السيد مما له إسقاطه يتبع به الرقيق بعد عتقه اهـ. النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " وليس له انتزاع ماله، وله حجره بعد إذنه " يعني ليس للسيد انتزاع مال المأذون في التجارة بعد الإذن؛ لأنه كالمكاتب في تصرفاته بالمال، لكن السيد حجره بعد الإذن بخلاف المكاتب إلا إن عجز عن أداء الكتابة فللحاكم تعجيزه كما يأتي في العتق. قال ابن جزي في معاملة العبيد: الفرع الثاني للسيد أن يحجر على عبده بعد إذنه له. ويعرف السلطان بذلك ويوقفه للناس اهـ. وفي المدونة: ومن أراد أن يحجر على من له عليه ولاية فلا يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس ويسمع به في محله ويشهد على ذلك، فمن باع منه أو ابتاع بعد ذلك فهو مردود، وكذلك العبد المأذون له في التجارة، ولا ينبغي لسيده أن يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه للناس ويأمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك اهـ. نقله الصاوي في الحاشية.
стр. 798
بيع الغائب
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع المميز والعبد المأذون وغيره انتقل يتكلم على بيع الغائب فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان بيع الغائب عن مجلس العقد
أي في بيان ما يتعلق ببيع الشيء الغائب وهو ضد الحاضر. واعلم أن بيع الغائب على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يباع بالصفة على اللزوم، وجوازه مشروط بغيبته، ويكفي غيبته ولو عن مجلس العقد، ولا يشترط أن يكون في رؤيته مشقة، ولا غيبته عن البلد المأخوذ من المدونة. ثانيها: ألا يبعد مكانه جداً كخراسان من الأندلس، كما يشترط ذلك في كل مبيع على اللزوم، ومثل غيبته عن مجلس العقد حضوره به حيث كان في رؤيته مشقة أو فساد، وأما الحاضر بمجلس العقد ولا مشقة ولا فساد في رؤيته فلا بد في صحة العقد عليه من رؤيته حيث كان البيع على اللزوم. وثالثها: أن يكون بوصف غير البائع إن اشترط نقد الثمن فيه وإلا جاز ولو بوصفه على المعتمد، وأن يكون المشتري يعرف ما وصف له معرفة تامة اهـ. قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " يجوز بيع الغائب على رؤية متقدمة. فيما يؤمن تغيره، وعلى رؤية البعض، فإن خالف الباقي ثبت الخيار " يعني كما قال في الرسالة: ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه، أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه اهـ. قال ابن جزي: يجوز في المذهب بيع الشيء الغائب على الصفة أو رؤية متقدمة، وأجازه أبو حنيفة من غير صفة ولا رؤية، ومنعه الشافعي مطلقاً. ويشترط في المذهب في المبيع على الصفة خمسة شروط:
стр. 799
الأول: أن يكون بعيداً جداً كالأندلس وأفريقية. الثاني: ألا يكون قريباً جداً كالحاضر في البلد. الثالث: أن يصفه غير البائع. الرابع: أن يحضر بالأوصاف المقصودة كلها. الخامس: ألا ينقد ثمنه بشرط إلا في المأمون كالعقار، ويجوز النقد من غير شرط، ثم إن خرج المبيع على حسب الصفة والرؤية لزم البيع، وإن خرج على خلاف ذلك فللمشتري الخيار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وكالعسل ونحوه في وعائه وما له صوان برؤيته كالبطيخ والرمان والجوز واللوز ونحوه " تشبيه على الرؤية. والمعنى أنه يجوز بيع الشيء برؤية بعضه كالعسل والسمن في وعائه، سواء كان البيع بتاً أو على الخيار، ولو جزافاً لما مر أن رؤية البعض كافية فيه، كرؤية السمن في حلق الجرة مثلاً، ويشترط في رؤية ذلك
البعض في الجزاف أن يكون متصلاً كالمثال، أي كالباقي المبيع. قاله الصاوي في حاشيته على الدردير اهـ. قوله وما له صوان إلخ، الصوان بكسر الصاد المهملة وضمها وتخفيف الواو: ما يصون الشيء كقشر الرمان والجوز واللوز، فلا يشترط كسر بعضه ليرى ما في داخله، ومن ذلك البطيخ ونحوه اهـ. الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " والغائب على الصفة فيما يغلب مصادفته عليها، ولا يمكن الاطلاع عليه حال العقد، فيذكر منها ما يميزه عن غيره وتختلف الأغراض والأثمان بها، فإن وافق لزم وإلا ثبت للمبتاع الخيار " يعني الشيء المبيع على الصفة يكون غالباً موافقاً على الصفة التي وصف بها، وكانوا يذكرون في حال العقد صفة السلع، كأن يقول البائع: إن فيه من الخز كذا، ومن الغوطة كذا وكذا، ومن الدبلان كذا وكذا، والفسطاطي كذا وكذا، ومن المروى كذا وكذا، كما في المدونة، كانوا يتبايعون على الصفة ويميزون كل سلعة على صفتها بنوعها، يصدقون ويأمنون بعضهم على بعض في ذلك، ويعرفون قيمة كل موصوف غلاء ورخصاً. وتختلف فيه الأغراض
стр. 800
والأثمان، فإن وافق الموصوف لزم البيع وإلا بأن خالف ذلك فللمشتري الخيار. وأم لو وجد زيادة فالحكم كما قال مالك في المدونة فيمن اشترى مائة ثوب من رجل في عدل على برنامج موصوف، أو على صفة كل ثوب بعشرة دراهم، على أن فيه من الخز كذا وكذا، ومن الفسطاطي كذا وكذا، ومن المروى كذا وكذا، فأصاب في العدل تسعة وتسعين ثوباً، وكان النقصان من الخز، قال أرى أن تحسب قيمة الثياب كلها، فينظر كم قيمة الخز منها فإن كان الربع أو الثلث من الثمن وعدة الخز عشرة وضع عنه عشر ربع الثمن، أو عشر ثلث الثمن؛ لأن القيمة تكون أكثر من الثمن أو أقل، وإنما يقسم الثمن على الأجزاء كلها ثم ينظر إلى ذلك الجزء الذي وجد فيه ذلك النقصان منه فإن كان جزءاً وضع عنه من الثمن قدر الذي أصابه من ذلك الجزء من الثمن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والتلف قبل مجيئه من البائع، إلا أن يعلم أن العقد صادف الصفة فيكون من المبتاع كالمأمون تغيره " قال ابن القاسم في كتاب الغرر من المدونة: وما ثبت هلاكه من السلع الغائبة بعد الصفقة وقد كان يوم الصفقة على ما وصف المبتاع، أو على ما كان رأى فهي من البائع إلا أن يشترط أنها من المبتاع، وهو آخر قولي مالك، وكان مالك يقول: إنها من المبتاع إلا أن يشترط أنها من البائع حتى يقبضها ثم رجع إلى هذا. والنقص والنماء كالهلاك في القولين. وهذا في كل سلعة غائبة بعيدة الغيبة، أو قريبة الغيبة خلاف الدور والأرضين والعقار فإنها من المبتاع من يوم العقد في القولين وإن بعدت اهـ. انظر الحطاب.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وضمانه من المشتري إن كان عقاراً وأدركته الصفقة سالماً وإلا فمن البائع إلا لشرط فيهما، وقبضه على المشتري والنقد فيه تطوعاً كبشرط إن كان عقاراً أو قرب كيوم ونحوه اهـ. قال في حاشية الصاوي عليه: حاصله أن المبيع الغائب بالصفة على اللزوم يجوز النقد فيه تطوعاً، سواء كان عقاراً أو غيره، وإن كان على الخيار
стр. 801
منع النقد مطلقاً عقاراً أو غيره. وهل يشترط في جواز النقد ولو تطوعاً إذا بيع على الصفة على اللزوم كون الواصف له غير البائع؛ لأن وصفه يمنع من جواز النقد ولو تطوعاً، وهو الذي ارتضاه في الحاشية كما تقدم، أو لا يشترط ذلك وهو المأخوذ من كلام البناني فإنه نازع في كون وصف البائع يمنع من جواز النقد تطوعاً. وأما النقد بشرط فإن كان المبيع عقاراً فيجوز بثلاثة شروط: أن يكون على اللزوم، والواصف له غير بائعه، وألا يبعد جداً، وإن كان غير عقار فيجوز بأربعة شروط: أن تقرب غيبته كيومين، والبيع على اللزوم، والواصف له غير البائع، وليس فيه حق توفية، فإن تخلف شرط منها منع شرط النقد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في وجودها حال العقد فالقول قول البائع وفيها القول قول المشتري " يعني إن اختلفا المتبايعان في المبيع الغائب هل هو موجود حين العقد أم لا فقولان لمالك في المدونة: الأول: القول قول البائع، والثاني: القول قول المبتاع. قال ابن رشد في المقدمات: وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده، والعقد عليه صحيح وإن لم يعلم إن كان حين العقد قائماً أو تالفاً، فإن تلف قبل العقد انتقض البيع باتفاق، وإن تلف بعد العقد وقبل القبض، فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال إن مصيبته من البائع وينتقض البيع اهـ. وأما إذا اختلفا في المبيع تقدمت رؤيته فقال المشتري إن صفته التي اشتريته عليها تغيرت، وقال البائع لم تتغير فإنه يسأل في ذلك أهل الخبرة هل المدة التي بين رؤيته قبل البيع ورؤيته بعده يتغير فيها المبيع عادة أو لا؟ فإن جزم بأنه يتغير كان القول للمشتري، وإن جزم بأنه لا يتغير كان القول للبائع، ولا يمين على واحد منهما: ومثل ذلك ما إذا رجح التغيير أو عدمه فإنه يكون القول للمشتري إذا قال أهل الخبرة إنه يظن أنه يتغير، ويكون القول للبائع إذا قال إنه يظن أنه لا يتغير، ولكن يحلف من رجح له في هذه الحالة. وأما إذا شك أهل
стр. 802
الخبرة فلم يجزم بشيء ولم يرجحوا شيئاً كان على البائع أن يحلف بأن المبيع باق على الصفة التي رآها بها المشتري ويتم البيع. وإن اختلفا أيضاً فيما اشتراه على وصفه على البرنامج فقال المشتري بعد غيبته به إنه وجده على غير المكتوب في
الدفتر، وقال البائع إن المبيع موافق لما كتبه في الدفتر وأن المشتري جاءه بغير المبيع كان القول للبائع بيمينه فيحلف بأن الذي باعه موافق للمكتوب، فإن حلف فلا شيء، وإن نكل حلف المشتري أنه لم يغير ما وجده، فإن حلف فله رده إلى البائع، وإن أبى لزمه ما أتى به ولا شيء له على البائع اهـ. ذكره الجزيري في الفقه. وأصله في المدونة في الدعوى على بيع البرنامج، وإليه أشار خليل بقوله: وحلف مدع لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب اهـ كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " ويوكل الأعمى إلا أن يعرف الصفة " يعني ما ذكرناه من الرؤية إنما ذلك بالنسبة للبصير، وأما الأعمى فإنه يوكل البصير في بيعه وشرائه وجميع ما يشترط فيه الرؤية، إلا إن سبق منه معرفة ذلك سواء مبيعاً أو غيره في ما لا يتغير مثله فيعمل به ويعتمد برؤيته السابقة. قال خليل: ومن الأعمى، قال الخرشي: أي وجاز البيع والشراء وجميع المعاملات - إلا بيع الجزاف وشراؤه - من الأعمى غير الأصم للضرورة على المذهب، وسواء ولد أعمى، أو طرأ عماه في صغره، أو بعد كبره، خلافاً للأبهري في منعه بيع من ولد أعمى، وفي معناه من تقدم إبصاره في صغره بحيث لا يتخيل الألوان، والخلاف فيما لا يدرك إلا بحاسة البصر، ولا مانع فيما يدرك بغيرها من الحواس ولا تجوز معاملة الأعمى الأصم، بخلاف الأبكم الأصم. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيع المشاع " يعني يجوز بيع المشاع وهو غير المتميز على حدة كالنصف أو الثلث أو الربع، سواء كان عقاراً كالدار والأرض أو غيره كالعروض والحيوان مما هو شائع في جنسه أو نوعه. وكما لا يجوز بيعه يجوز ارتهانه في حق، قال خليل: وصح مشاع وحيز بجميعه إن بقي فيه للراهن اهـ. قال ابن جزي في القوانين:
стр. 803
ويجوز رهن المشاع خلافاً لأبي حنيفة القائل لا يصح رهن المشاع لا هبته كما سيأتي في الرهن، وكذا يأتي في باب الإجازة قول المصنف وتجوز إجازة المشاع كبيعه.
بيع المرابحة
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع الغائب انتقل يتكلم على بيع المرابحة وأحكامه فقال رحمه تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام بيع المرابحة
أي في بيان ما يتعلق ببيع المرابحة، وهو بيع ما اشترى بثمنه مع زيادة ربح معلوم للبائع وللمشتري على ما اتفق عليه، لكن بيع المزايدة والمساومة أحب إلى
أهل العلم. قال أبو الحسن شارح الرسالة في متن العزية: وبيع المرابحة جائز، لكن الأحب خلافه لكثرة البيان على البائع فيه، فربما ينسى ما يضر أو يسهو فينتقل ذهنه من شيء إلى غيره اهـ. وعبارة ابن جزي: أما المرابحة فهي أن يعرف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها، ويأخذ منه ربحاً إما على الجملة مثل أن يقول اشتريتها بعشرة وتربحني ديناراً أو دينارين، وإما على التفصيل وهو أن يقول تربحني درهماً لكل دينار أو غير ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يشترط في المرابحة صدق البائع في إخباره ويلزم من الربح ما يتفقان عليه، وما له عين قائمة كالصبغ والطرز ونحوهما كرأس المال، وما ليس له عين فله ضمه، ولا يشترط الربح له ولا نفقته ومسكنه " يعني يشترط على البائع في بيع المرابحة أن يكون صادقاً في إخباره للمشتري في شأن سلعته، كما يجب عليه الصدق في جميع المعاملة، ويلزم المشتري دفع ما يتفقان عليه من الربح فيما له
стр. 804
عين قائمة، كما يلزمه رأس المال. وأما الشيء الذي ليس له عين قائمة فيحسبه البائع في رأس ماله مجرداً عن الربح، كما لا يحسب ما فعله بنفسه. وعبارة ابن جزي في الفروع: الأول إذا كان قد ناب صاحب السلعة زيادة على ثمنها، فإن كانت الزيادة مما لها عين قائمة حسبها صاحب السلعة مع الثمن، وجعل لها قسطاً من الربح، وذلك كالخياطة والصباغة والقصارة، وإن لم يكن لها عين قائمة وعملها بنفسه كالطي والنشر لم يحسبها في الثمن ولم يجعل لها قسطاً من الربح، فإن استأجر عليها حسبها في الثمن ولم يجعل لها قسطاً من الربح، ككراء نفس المتاع وشده. ويجوز له أن يحسب ذلك كله إذا بينه للمشتري. قال الدردير على أقرب المسالك: وحسب إن أطلق ربح ما له عين قائمة كصبغ وطرز وقصر وخياطة وفتل وكمد وتطرية وأصل ما زاد في الثمن كأجرة حمل وشد وطي اعتيد أجرتها وكراء بيت للسلعة فقط، وإلا فلا إن بين أو قال علي ربح العشرة أحد عشر ولم يبين ما له الربح من غيره من غيره وزيد عشر الأصل، أو قال في ربع العشرة اثني عشر وزيد خمس الأصل اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " فإن ظهر كذبه ففي قيام السلعة يثبت الخيار إلا أن يحط الزائد، وفي فواتها تلزم قيمته ما لم تزد على الكذب وربحه " يعني كما قال ابن جزي في الفروع: الثاني: لا يجوز الكذب في التعريف بالثمن، فإن كذب ثم أطلع المشتري على الزيادة في الثمن فالمشتري مخير بين أن يتمسك بجميع الثمن أو يرده، إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه الزيادة وما ينويها من الربح فيلزمه الشراء. قال أبو حنيفة: لا يلزمه اهـ. وفي " قرة العين بفتاوى الحرمين " مسألة: إن باع مرابحة وزاد في الثمن ولو خطأ لزم المشتري إن حط البائع ما زاده وربحه،
وإلا خير المشتري في التماسك والرد، كما أنه يخير في التماسك والرد إن غشه البائع، كأن وضع في يد العبد مداداً ليوهم أنه يكتب وإن فاتت السلعة ولو بحوالة سوق ففي الغش يلزم المشتري الأقل من الثمن
стр. 805
الذي وقع به البيع والقيمة، وفي الكذب يخير بين دفع الثمن الصحيح وربحه، أو القيمة يوم قبضه ولا ربح لها، ما لم تزد القيمة على الكذب وربحه وإلا لم يلزمه الزائد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " كما لو ثبت غلطه في نقص رأس ماله إلا أن يكون مثلياً فيضمن بالمثل " قال في قرة العين بفتاوى علماء الحرمين ": ما قولكم: في شخص باع سلعة على آخر مرابحة بخمسين على أن العشرة أحد عشرة، ثم ادعى الغلط وقال بل ثمنها الأصلي مائة وأتى ببينة تشهد له بذلك فهل للمشتري الرد؟ الجواب في أقرب المسالك: وإن غلط من باع مرابحة بنقص في الثمن بأن قال للمشتري منه مرابحة اشتريته بخمسين ثم ادعى الغلط وقال بل ثمنه الأصلي مائة وصدقه المشتري في ذلك أو لم يصدقه فأثبت ما ادعاه بالبينة فللمشتري الخيار إما أن يرد السلعة أو يدفع ما ادعاه البائع وربحه، وإن فاتت السلعة بيد المشتري لا بحوالة سوق خير بين دفع الثمن الذي ثبت بعد البيع وربحه، ودفع قيمة السلعة يوم البيع. ومحل تخييره بين دفع الثمن الصحيح وربحه ودفع القيمة ما لم تنقص القيمة عن الغلط وربحه، وإلا فلا ينقص عن الغلط وربحه؛ لأنه قد رضي بدفعهما حين قال له بخمسين والعشرة أحد عشر. ومعلوم أن الغلط وربحه أقل من الصحيح وربحه، والعاقل إذا خير بين دفع أحد أمرين إنما يختار دفع أقلهما، وحينئذ فتعين دفعه للغلط وربحه حيث نقصت القيمة عنهما، وأما حوالة السوق فلا يعد في الغلط فوتاً وحينئذ فللمشتري الرد أو دفع ما تبين وربحه كما تقدم صدر الجواب اهـ بتصرف من الدسوقي والصاوي ومثله في الموطأ. وأما قوله: إلا أن يكون مثلياً إلخ قد تقدم الكلام في المثلي عند قوله ﵀: فإن فات بيد المشتري ضمن المثلي بمثله والمقوم بقيمته فراجعه إن شئت.
стр. 806
بيع الخيار
ولما أنهى الكلام على بيع المرابحة وما يتعلق به انتقل يتكلم على أحكام بيع الخيار وما يتعلق به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في مسائل الخيار
أي في بيان بيع الخيار وأحكامه وشروطه. اعلم أن الخيار ينقسم إلى قسمين: الأول خيار الشرط ويسمى خيار التروي وهو النظر والتفكير في إمضاء العقد ورده. الثاني خيار النقيصة ويسمى خيار الحكمي، وسببه ظهور عيب في
المبيع لتعلق حق الغير كالرهن والاستحقاق أو غيرهما، وحكمه الجواز قال في الرسالة: والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلاً قريباً إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشهورة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يجوز اشتراط الخيار لكل من البائعين، ولا يتعين له مدة بل بحسب ما يختبر المبيع فيه أو يتفقان عليه فيثبت لمشترطه الرد، فإن اختلفا قدم الفسخ " وما ذكره من عدم التعيين لمدة الخيار مع قوله، بل بحسب ما يختبر المبيع فيه، هذا إشارة على وجوب التعيين كما عليه جمهور أهل المذهب. قال الجزيري في الفقه: تنقسم مدة خيار الشرك بالنسبة للمبيع إلى أربعة أقسام: الأول: الخيار في بيع العقار وهو الأرض وما يتصل بها من بناء أو شجر، والخيار في هذا يمتد إلى ستة وثلاثين يوماً أو ثمانية وثلاثين يوماً على الأكثر، فإن زاد على ذلك فسد العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخيار لاختيار حال المبيع أو للتروي في الثمن، وذلك فهو ثلاثة أيام.
стр. 807
الثاني: الخيار في عروض التجارة كالثياب ونحوها، والخيار في هذه من ثلاثة أيام إلى خمسة، فإن زاد عليها فسد العقد. الثالث: الدواب وفيها تفصيل؛ لأنها إما أن تكون من الدواب التي ليس من شأنها أن تركب فإن كان الخيار فيها لمعرفة رخصها وغلائها وسمنها مع معرفة ركوبها أيضاً ونحو ذلك فهو من ثلاثة أيام إلى خمسة أيضاً، وإن كان الخيار فيها لمعرفة حال ركوبها فلا يخلو إما أن يكون ذلك في البلد أو خارج البلد، فإن كان من البلد فالخيار فيها مسافة بريدين لا أكثر، وبعضهم يقول: إن الخيار في الدواب ثلاثة أيام وما يقرب من الثلاثة مطلقاً سواء كان الخيار للركوب أو لغيره، أما اليوم والبريد فهو مخصوص بالركوب. الرابع: الخيار في الرقيق وهو من ثمانية أيام إلى عشرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويسقط بإسقاطه ومضي مدته وتصرفه اختياراً لا اعتباراً " والمعنى أنه يسقط الخيار بإسقاط من شرطه من المتابعين أم بأحد ثلاثة أمور، وهو قول أو فعل أو ترك، والترك هو عدم القول وعدم الفعل، كانقضاء مدة الخيار،
فالقول نحو أسقطت خياري أو رددته. والفعل ما أشار إليه خليل: ورضي مشتر كاتب أو زوج ولو لعبداً أو قصد تلذذاً، أو رهن أو آجر أو أسلم للصنعة، أو تسوق، أو جنى إن تعمد، أو نظر الفرج، أو عرب دابة، أو ودجها، لا إن جرد جارية، وهو رد من البائع إلا الإجارة، ولا يقبل منه أنه اختار أو رد بعده إلا ببينة اهـ.
стр. 808
قال رحمه الله تعالى: " واشتراط النقد فيه مبطل، لا التبرع به " قال الدردير عاطفاً على مفسدات بيع الخيار: وبشرط النقد، أي المتردد بين السليفة والثمينة، وإن لم ينقد بالفعل، بخلاف التطوع به بعد العقد، أي فإنه جائز كما في الحطاب، ولفظه: وفهم من قوله بشرط النقد جائز اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز النقد في الخيار، ولا في عدة الثلاث، ولا في المواضعة بشرط اهـ. قال ابن عرفة: شرط النقد في بيع الخيار مفسد اهـ نقله المواق.
قال رحمه الله تعالى: " والمبيع في مدته على ملك البائع، وما غاب المشتري عليه ضمنه كالتعدي في غيره " قال ابن رشد في المقدمات: والمبيع بالخيار في أمد الخيار على ملك البائع كان الخيار له أو للمبتاع أو لهما، فإن تلف فمصيبته منه، كان بيده أو بيد المبتاع، إلا أن يكون بيد المبتاع ويغيب عليه وهو مما يغاب عليه، ويدعي تلفه ولا يعرف ذلك إلا بقوله فلا يصدق في ذلك، ويكون عليه قيمة الثمن؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه وحبسه عن صاحبه فذلك رضاً منه بالثمن. وقد روي عن مالك أن الضمان من المشتري فيما بيع على الخيار إن كان الخيار له، ومن البائع إن كان الخيار له، وهو قول ابن كنانة اهـ. وقد بسط الجزيري بيان هذه المسألة في الفقه فراجعه إن شئت. وأما عبارة ابن جزي في القوانين فهي: المسألة الرابعة المبيع في مدة الخيار على ملك البائع، فإن تلف فمصيبته منه إلا أن يقبضه المشتري فمصيبته منه إن كان مما يغاب عليه ولم تقم على تلفه بينة، وإن حدثت له علة في أمد الخيار فهي على البائع، وإن ولدت الأمة في أمد الخيار فولدها للمشتري عند ابن القاسم، وقال غيره للبائع كالغلة فهي له. ولا يجوز للمشتري اشتراط الانتفاع بالمبيع في مدة الخيار إلا بقدر الاختيار، فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان انتفاعه باطلاً من غير شيء، كما لا يجوز للبائع اشتراط النقد فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان سلفاً، وإن تم كان ثمناً، فإن وقع على ذلك فسخ البيع سواء تمسك بشرطه أو أسقطه. ويجوز النقد من غير شرط اهـ.
стр. 809
قال رحمه الله تعالى: " ومن ابتاع من رجلين ثوبين بالخيار فالتبسا سقط " أي سقط الخيار. ومثل التباسهما في إسقاط الخيار ضياعهما أو أحدهما، فيلزمه ثمن أحد الثوبين أو نصف أحدهما في ضياع الواحد. قال خليل: وإن اشترى أحد
ثوبين وقبضهما ليختار فادعى ضياعهما ضمن واحد بالثمن فقط، ولو سأل في إقباضهما أو ضياع واحد ضمن نصفه، وله اختيار الباقي اهـ انظر شراحه.
قال رحمه الله تعالى: " ويثبت الرد بالغبن الفاحش كالجهل بالعيب حال العقد، وله الإمساك بجميع الثمن دون الأرش إلا أن يفوت بيده أو يبذل البائع " يعني يثبت رد المبيع بالغبن الفاحش وهو الثلث فأكثر، وكذلك يثبت الرد بالجهل بالعيب حال العقد. قال ابن جزي أما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظاً من الثمن ونقص العشر يوجب الرد عند ابن رشد، وقيل الثلث، فللمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه ولا أرش له على العيب. وليس له أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده اهـ. قال في الرسالة: ومن ابتاع عبداً فوجد به عيباً فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه، إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والتأريش أن يقوم سليماً ثم معيباً فيلزم ما نقصه العيب " قال ابن جزي: والأرش قيمة العيب. والتأريش يعرف بتقويم المبيع. وقال الصاوي فالقيمة ميزان يعرف بها نسبة النقص في الثمن. قال الدردير: فيقوم المبيع سالماً عن العيب بعشرة مثلاً، ثم يقوم معيباً بثمانية مثلاً، ويؤخذ من الثمن الذي وقع به البيع النسبة، أي نسبة ما بين القيمتين، فنسبة الثمانية للعشرة أربعة أخماس فقد نقصت قيمته معيباً الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن، فإذا كان الثمن مائة مثلاً رجع عليه بعشرين، هذا فيما خرج من يده بلا عوض وذلك في غير البيع، أما لو خرج من يده بعوض كما
стр. 810
لو باعه لأجنبي فلا يرجع بالأرش وكذا إذا باعه لبائعه اهـ الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " وتصرفه مختاراً بعد علمه كرضاه " يعني إن تصرف المشتري بالمعيب مختاراً يعد رضاً منه به. قال ابن جزي في مسقطات القيام بالعيب: أو تصرف في المبيع بعد الاطلاع على العيب كوطء الجارية، أو ركوب الدابة، ولبس الثوب، وحرث الفدان، وبنيان الدار إلى آخر ما قال من المسقطات. وقال الخرشي: وأما لبس الثوب ووطء الأمة فرضاً باتفاق اهـ باختصار.
قال رحمه الله تعالى: " وفي بقائه مضطراً روايتان " قال المواق نقلاً عن ابن يونس: اختلف قول مالك في الدابة يسافر بها ثم يجد بها عيباً في سفره، فروى أشهب: إن حمل عليها بعد علمه بعيبها لزمته. وروي عن ابن القاسم أن له ردها ولا شيء عليه في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكري غيرها ويسوقها وليركبها، فإن
وصلت بحال ردها، وإن عجفت ردها وما نقصها، أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب. قاله ابن القاسم. وقال ابن يونس: وبه أقول. ووجهه أن المضطر في حكم المكره، ولو تعرف مكرها لم يسقط خياره فكذلك مع الاضطرار، ألا ترى أن يحل له أكل مال غيره مع الاضطرار ففي هذا أحرى اهـ. ومثله في الخرشي انظره إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " وللشريك رد ما يخصه " يعني للشريك في شراء السلعة أن يرد ما يخصه منها على البائع ولو لم يرض البائع ولو بغير إذن صاحبه كما في الصاوي على
следующие страницы →